تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة النمل - ١٢

درس صوتي · ٨٩:٤٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

فمن زعم أن الأمر قد تبين له وهو من المسلمين، وقال: أنا أعتقد ذلك، ننكر عليه؟ ما ننكر عليه (...) عليه، ومن قال: أنا ما يتبين لي والحمد لله حسبنا أن نقول: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣٢]، وكونها تدور أو ما تدور، هذا أمر ما يعنينا أن المصالح الآن -ولله الحمد- مرتبة على تعاقب الليل والنهار وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [القصص: ٧٣] (...). إلى قوله: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا [النمل:٦١]، أليس كذلك؟ فيستفاد منها أولًا: نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد؛ إذ جعل الأرض قرارًا مع أن الأصل أن تكون مائدة. طالب: الفوائد. الشيخ: هذه الفوائد أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ. فيها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى بجعل الأرض قرارًا لأهلها. واستدل بها بعضهم على أن الأرض تدور؛ لأن كونها قرارًا مع عدم (...) لا يتبين فيه تمام القدرة والنعمة، وإنما يتبين ذلك فيما إذا كانت دائرة، وهذه الفائدة يناقش فيها، غير مسلَّمة؛ لأننا نقول: لا يلزم من الميدَان الدوران، فهي حقيقة أنها لولا أن الله جعلها قرارًا لكانت تميد بأهلها، وأما أنه يلزم أن تكون تدور فهذا ليس بلازم. إذن: ففيها (...) الأولى فقط. الفائدة الثانية: ما أنعم الله به على العباد من هذه الأنهار المتخللة للأرض ظاهرًا؟ طالب: وباطنًا. الشيخ: وباطنًا؛ لقوله: وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا [النمل:٦١]. الفائدة الثالثة: ما أنعم الله به في هذه الرواسي التي هي الجبال التي هي راسية بنفسها مرسية للأرض أيضًا، وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ. وفي سورة (فصلت) قال: رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا [فصلت:١٠] قال أهل العلم البيولوجيون: إن كون هذه الرواسي من فوق لا من باطن الأرض فيه فوائد عظيمة، فوائد للطقس، وفوائد للنبات، وفوائد للمعادن إلى غير ذلك مما هو معلوم عند أهل العلم بذلك، يعني يقولون: إن كون الجبال المرسية للأرض من فوقها دون أن تكون من أسفل فيه فوائد كثيرة، وأنت إذا نظرت إلى سلاسل الجبال التي على البحار عرفت بها قدر هذه النعمة العظيمة، لا سيّما ما يأتي من الجهات الباردة، حيث هذه الرواسي تصد تلك الرياح الباردة التي تضر. المهم أن فيها فوائد عظيمة لكونها من فوق الأرض، ولكن هذا لم يُذكر هنا، وإنما ذُكِرَ في سورة (فصلت). وفيها أيضًا الفائدة الرابعة: بيان قدرة الله عز وجل، حيث جعل بين البحرين حاجزًا، والبحران هما: العذب والمالح، وهذا الحاجز هل هو مفقود أو مذكور؟ طالب: فيه قولان.. الشيخ: نعم، فيه احتمال، بل إننا نقول: عام، يشمل المفقود والمذكور وإن لم يشهد، فإن الأنهار هذه جعل الله بينها وبين البحار حواجز طبيعية كالأرض، وحواجز غير معلومة، لكنها مذكورة، فإن في جوف البحار المالحة أنهار عذبة وعيون عذبة. وفيها أيضًا: بيان قدرة الله ومنَّته أيضًا بجعل الحاجز بين هذين البحرين؛ لأنه لو اختلط ماء بعضهما ببعض لأفسد أحدهما الآخر وضاعت منافعهما. وفيه أيضًا: أن أكثر الخلق لا يعلمون ما في هذه الآيات من العِبَر، ثم إن نفي العلم -كما قلنا- قد يكون نفيًا لأصله، وقد يكون نفيًا لثمرته وفائدته، والأمر كله واقع، إن من الناس من ليس عنده علم أصلًا، ولا يفكر في هذه الآيات، ويرى أنها ظواهر طبيعية وليس لله تعالى فيها أيّ شأن، ومنهم من يعلم، ولكن لا ينتفع. ثم قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:٦٢]. في هذه الآية من الفوائد: أن الله تبارك وتعالى يجيب دعوة المضطر؛ لقوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ. الفائدة الثانية: أنه لا فرق بين أن يكون المضطر مؤمنًا أو كافرًا، من أين يؤخذ؟ طالب: من العموم. الشيخ: من العموم وعدم التقييد؛ لأنه ما قُيِّد بأنه مسلم، بل أطلق وعمَّم. الفائدة الثالثة: أنه ينبغي إقامة الحجة على الخصم بما يعترف به؛ لأن إجابة المضطر يقر بها هؤلاء المكذبون، كيف ذلك؟ هم إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الضراء والأمواج من يدعون؟ طلبة: يدعون الله. الشيخ: يدعون الله، فهم عند الضرورة ما يدعون إلا الله، فإذا كنتم تعرفون أنكم لا تدعون إلا الله عند الضرورة فكيف تعبدون غيره عند السعة؟ إذن فالفائدة هذه الثالثة ما هي؟ إقامة الحجة على الخصم بما يعترف به؛ لأنه لا يمكنه إنكاره. الفائدة الرابعة: فيه دليل على شمول رحمة الله سبحانه وتعالى بكشف السوء، سواء دُعي لذلك أم لم يُدْعَ؛ لقوله: وَيَكْشِفُ السُّوءَ، وكم من سوء كشفه الله تبارك وتعالى عن خلقه بدعاء وبغير دعاء، وبضرورة وبغير ضرورة، ولا يكشفه إلا الله، وقد أوردنا في ما سبق أنه قد يقول قائل: هذا الطبيب يعالج المريض فيبرأ فيكون كشفًا للسوء؟ وأجبنا عن هذا. طالب: سبب. الشيخ: بأن هذا فعل للسبب، وليس كشفًا للسوء، بدليل أنه قد يعالجه بما برأ به غيره في نفس المرض ولا يبرأ، الكاشف للسوء هو الله، وما للعباد إلا فعل الأسباب فقط. الفائدة الخامسة: بيان قدرة الله ونعمته أيضًا بجعل هذه الخليقة خليفة، يخلف بعضها بعضًا، وإلا لانقطعت الخليقة وانقطع النسل أو بقيت الخليفة أو الخليقة بقيت أزمنة متطاولة، وتعاقبت عليها الأحداث، وتوالت عليها الأمور، وحينئذٍ يكون فيها سأم وملل؛ يعني: لولا هذه الخلافة أن بعضهم يخلف بعضًا للزم أحد أمرين: إما انقطاع الخليقة؛ لأنه ما تستمر بدون أن يخلف بعضها بعضًا، وإما أن تبقى الخليقة دائمًا، وحينئذٍ يكون التعب والسأم والملل، وقد جاء في ذلك قول الشاعر:

سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ

ثَمَـــانِينَ حَـــــــــوْلًا لَا أَبَا لَكَ يَسْـــــــــأَمِ

وقال الشاعر الآخر:

إِنَّ الــثَّـمَـــــــــــــــــــــــــــانِـينَ وَبُـلِّـغْــتَـهَـــــــــــــــــــــــــــا

قَدْ أَحْوَجَـــتْ سَمْعِـــي إِلَى تَرْجُمَـــــــــانْ

ففي الحقيقة أن طول الزمن في الإنسان يضعفه، ويلحقه السأم والملل، ثم هو لا يزال يتذكر الأحداث التي تتعاقب، وحينئذٍ يرجع، ولا يكون عنده قرار نفسي ولا فكري، لذلك كان من قدرة الله سبحانه وتعالى، ومن رحمته أيضًا أن جعلنا خلفاء يخلف بعضنا بعضًا. طالب: الجن (...). الشيخ: طيب، هم أيضًا يخلف بعضهم بعضًا؛ لأن الجن والإنس يموتون. طالب: (...). الشيخ: عامة في هؤلاء وهؤلاء. طالب: اللازم الأول لعدم الخلافة. الشيخ: أن ينقطع النسل، إما أن يموتون أو يبقون مع هذا الضرر. وفيها أيضًا من الفوائد أيضًا: أن كثيرًا من الناس لا يتذكَّر مع وجود ما به التذكُّر؛ لقوله: قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، والتذكُّر بمعنى الاتعاظ؛ لأن الإنسان يذكر فينتفع بذكره فيقال: اذكَّر، وانتهى الكلام على هذه الآية. ثم قال الله تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ [النمل:٦٣].. طالب: (...). الشيخ: من أين نأخذها؟ طالب: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ(...). الشيخ: إي؛ لأنه أبدى بالحقيقة أظهر الإنسان حاجته فيكون لإجابته وقع ليس كوقعه إذا حصل بدون طلب، أو لا. ممكن أن يقال هذا، وممكن أن يقال: الآية ناسخة له، على كل حال إثبات الأسباب، وأن الدعاء من أسباب إزالة الضرر يمكن أن نجعله فائدة، وهو أن الدعاء الفائدة تكون السادسة أظن. السادسة: هو أن الدعاء من أسباب رفع البلاء؛ لقوله: إِذَا دَعَاهُ، وهذا أمر مجرَّب ومشاهَد، ولا سيما الأدعية التي جاءت بها السنة؛ فإنها خير وبركة، ولها ثمرة ظاهرة. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، ورد في هذا حكمة بيناها البارحة أمس. طالب: إجابة الله المضطر (...) المضطر أنه بيان لعدل الله سبحانه وتعالى. الشيخ: هذا للمظلوم. طالب: برحمته. الشيخ: إي نعم.

طالب: عند المظلوم لعدله. الشيخ: قلنا: إن هذا دليل على أن رحمة الله سبقت غضبه، وأنه لكمال رحمته إذا علم بهذا المضطر أزال ضرورته على أي حال. طالب: هذا يعني (...). الشيخ: لا، ولهذا إذا كانوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فأجاب دعاءهم مع أنه يعلم أنهم سيشركون إذا خرجوا، وأن إيمانهم هذا بس إيمان ضرورة. طالب: (...). الشيخ: أيهم؟

طالب: (...). الشيخ: قد يسلمون وقد يكفرون؛ لأن الحقيقة النعمة قد تكون للامتحان؛ إما للخير ولا للشر، ولهذا بعض الناس إذا مسهم الضر دعوا الله، فإذا أصيبوا بالرحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون. قال الله تعالى: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِأي: قدَّام المطر، هذا تفسير لقوله: بَيْنَ يَدَيْ، والمطر تفسير للرحمة؛ لأنه من آثار رحمة الله، فسمي رحمة؛ لأنه من آثارها وبه تحصل الرحمة، فمن الذي يرسل الرياح؟ لا أحد يستطيع أن يرسل الرياح سواء كانت ريحًا عقيمة أم ريح بشرى بين يدي رحمته إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَبالجمع، الأكثر أن الجمع يكون في رياح الرحمة، والإفراد في ريح العذاب، إلا إذا وُصِفَت الريح المفردة بما يدل على أنها ريح خير، حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢]، ثم إن الرياح بالنسبة للفلك ليست من مصلحة أهله، ولَّا لا؟ لأن الرياح إذا اختلفت على الفلك ما مشى لا سيما الفلك الأول، فإن الفلك الأول يمشي على الهواء، السفُن الشراعية، فإذا اختلفت عليه الأهوية تعوَّق، ولكن إذا كانت ريحًا واحدة صار ذلك أحسن، ولهذا قال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [يونس: ٢٢]. المهم الرياح إنما تُقال في الغالب (...)؟ طلبة: الرحمة. الشيخ: في رياح الرحمة، وفي الإفراد في ريح العذاب، هذا الغالب، وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: ٤١]، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة: ٦] وأمثال ذلك. وقال العلماء: ومن الحكمة في هذا أن الريح إذا كان مهبها واحدًا صارت (...)؛ إذ لا شيء يقابلها من الرياح حتى يكسر حدتها، فلهذا كانت تأتي دائمًا في مقام العذاب. وقوله: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِقال تعالى: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِأيش الجواب؟ طالب: لا إله معه. الشيخ: لا إله معه، وكل هذا تقرير لألوهية الله سبحانه وتعالى التي ينكرها هؤلاء المشركون. تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٦٣] تَعَالَىبمعنى علا بتنزهٍ (...) علا بتنزه؛ لأن معنى تَعَالَى (...) بمعنى: ترفَّع عن هذا الشيء مع علوه، فهو عالٍ بتنزه (...) عَمَّا يُشْرِكُونَعن هذه الأصنام التي يجعلونها مع الله شريكًا، في العبادة ولا في الربوبية؟ طالب: في العبادة. الشيخ: في العبادة، أما في الربوبية فإنهم يقرّون بأن هذه الأصنام ليس لها أبدًا شأن في الربوبية، ولكنهم -والعياذ بالله- يعبدونها مع الله، ومنهم من يصرِّح بأنه يعبدها لتقرُّبه إلى الله، كما قال الله عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، فهم معترفون بأن عبادتها ليست عبادة مقصودة لذاتها، بل هي مقصودة لغيرها لتوصلهم إلى الله عز وجل. عَمَّا يُشْرِكُونَبه غيره، عام في كل شرك؟ طالب: نعم. الشيخ: في كل شرك، وعام في كل مشرَك به، فالله تعالى متعالٍ عن كل شِرْكٍ وعن كل مشرَكٍ به مهما عظم قدره. ثم قال تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ [النمل: ٦٤] في الأرحام من نطفة؛ ثُمَّ يُعِيدُهُ [النمل: ٦٤] بعد الموت وإن لم تعترفوا بالإعادة لقيام البراهين عليها). أَمَّنْ يَبْدَأُمثل ما قلنا فيما سبق أن أصله: (أم من)، لكنها قُرِنَت إتباعًا للرسم العثماني، ومن فوائد قرنها ألا تتصادم مع القراءة الأخرى وهي؟ طالب: {أَمَنْ يَبْدَأُ}. الشيخ: {أَمَنْ يَبْدَأُ}. وقوله: يَبْدَأُ الْخَلْقَالمؤلف رحمه الله قصر في التفسير، حيث قال: (في الأرحام من نطفة)، والصواب أنه أعم من ذلك، يبدأ الخلق في الأرحام من نطفة هذا فرد من أفراده، وإلا فقد بدأ خلق الإنسان من أين؟ من طين، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مماءٍ مَهِينٍ [السجدة: ٨]. أيضًا: بعض الأشياء التي تتولد ولا تتوالد مالها أرحام تكون فيها، وإنما تتولَّد مما تتولَّد منه بدون أن يوجد لها أرحام، فالصواب في هذا أن يقال بالعموم: يبدأ الخلق؛ أي: يوجده ابتداء في الأرحام وغير الأرحام، لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك. يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] لو يجتمعون كلهم اللي يدعون من دون الله ليخلقوا ذبابًا ما فعلوا، ما استطاعوا، أبلغ من هذا: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ [الحج: ٧٣]، هذا الذباب الضعيف إذا سلبهم شيئًا ما يقدرون يردونه، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]. إذن: الذي يبدأ الخلق هو الله، والذي يعيده؟ طالب: هو الله.

الشيخ: هو الله سبحانه وتعالى، وقول المؤلف رحمه الله: (وإن لم تعترفوا بالإعادة لقيام البراهين عليها) لا حاجة لتقديره؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما ذكر بدأ الخلق فإن إعادة الخلق -بالفطرة والعقل- أهون من ابتدائه، فهو إذا تقرر أنه يبدأ الخلق؛ فإنه من المعلوم أنه يعيده، بل إعادته أهون، فعلى هذا يكون الله تعالى قد قرر ألوهيته بهذا الفعل العظيم وهو بدء الخلق وأيش بعد؟ وإعادته (...). طالب: ما يقال إن بعضهم مُقرّون بذلك (...). الشيخ: ربما، وبعضهم يقر بهذا، ثُمَّ يُعِيدُهُ. وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [النمل: ٦٤]. (وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ-أي: من جهة السماء- بالمطر، وَالْأَرْضِبالنبات)، فالرزق الذي يأتي من السماء هو المطر، والذي يأتي من الأرض هو النبات، هذا ما قاله المؤلف. ويجوز أن نقول: إن قوله: مِنَ السَّمَاءِأي: من العلو. وَالْأَرْضِ؛ أي: من النزول، ويكون هذا كقوله تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٦]، ويكون المراد بالسماء: ما كان من الأشجار الرفيعة العالية، وبالأرض مثل الزروع والأشجار الممتدة على الأرض التي ليس لها ساق، أو نقول: إن الآية أعم من هذا، فتشمل المطر؛ لأنه من السماء، وتشمل ما أشرنا إليه من الثمرات من الأشجار العالية التي يتوصل إليها هؤلاء، فتكون في السماء وتكون في الأرض. قال الله تعالى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ-الجواب- لا يفعل شيئًا مما ذُكر إلا الله، ولا إله معه)، هذه الآية جمع الله فيها بين بدء الخلق والرزق؛ لأن المخلوقات تحتاج إلى إمداد، وتحتاج إلى إعداد، فالإعداد بابتداء الخلق؛ لأن الله إذا ابتدأ الخلق أعد الإنسان بكل ما هو لازم له، والإمداد بأي شيء؟ بالرزق من السماء والأرض. قال: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [النمل: ٦٤] (قُلْيا محمد: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْحجتكم؛ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [النمل:٦٤]).

هَاتُواهذه فعل أمر، ولّا اسم فعل أمر؟ طالب: (...). الشيخ: لا، هي فعل أمر، النحويون مختلفون، لكن الذي لا شك فيه أنها فعل أمر؛ لأن الذي تلحقه العلامة يكون فعل أمر، واللي يبقى على حاله واحدة يكون اسم فعل أمر، أنت تخاطب واحد فتقول: صه، وتخاطب اثنين فتقول: صه، وتخاطب جماعة فتقول: صه، إذن هي اسم فعل أمر، لكن تخاطب واحدًا، فتقول: هات، تخاطب أنثى فتقول: هاتِ، تخاطب جماعة فتقول: هاتوا، تخاطب نساءً فتقول: هاتين، إذن فهي فعل أمر. ومعنى هَاتُوايعني أحضروا. والبرهان هو الدليل، وخصَّه بعضهم بالدليل القاطع، وقالوا: إن الدليل إن كان قطعيًّا في دلالته فهو برهان، وإن كان ظنيًّا فهو دليل وليس ببرهان، ولكن الظاهر من الآيات الكريمة أن البرهان في القرآن دليل، سواء كان قطعيًّا -كما قال أهل المنطق- أم غير قطعي. فعلى هذا نقول: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْشامل لأي شيء؟ للقطعي والظني؛ لأنه ما عندهم لا دليل قطعيّ ولا ظنيّ. قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَالأمر في قوله: هَاتُواأيش معناه؟ المراد به؟ المراد به التحدي، إن كنتم صادقين أن معي إلهًا فعل شيئًا مما ذُكر، والجواب: أنه لا يمكن أن يأتوا ببرهان، وجواب (إن) الشرطية محذوف دلّ عليه ما قبله على رأي الكثير من النحويين، والصحيح أنه في مثل هذا لا يحتاج إلى جواب. قال المؤلف: (وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل: قُلْ لَا يَعْلَمُ [النمل:٦٥]). ما ادعاه المؤلف من أن الآية لها سبب لا صحة له، ولكن الله سبحانه وتعالى انتقل من ذكر الخلق إلى ذكر ما يلزم للخلق وهو العلم، فإن الخلق لا بد أن يتقدمه علم، إذ لا يتم خلق إلا بعلم وقدرة، فمن لا علم له لا يخلق، ومن لا قدرة له لا يخلق، فالآية فيها انتقال من معنىً إلى معنى، وليس لها سبب كما قال المؤلف. قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النمل: ٦٥] (من الملائكة) اللي في السماوات، (والناس) الذين في الأرض، وكذلك الجن. الْغَيْبَمفعول يعلم، ومَنْفاعل يعلم، أو لا، مَنْفاعل يعلم، والغيب: مفعول؛ أي: ما غاب عنهم، فيكون الغيب -على تقدير المؤلف- مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، كأنه قال: أي ما غاب، وغاب: فعل ماضٍ له فاعل، يكون هنا الغيب مصدر بمعنى اسم الفاعل، وهل يأتي المصدر بمعنى اسم الفاعل؟ طالب: (...). الشيخ: أيش مثاله؟ طالب: (...). الشيخ: لا، هذه نعم لا بأس، لكن غيره. طالب: (...). الشيخ: إي، ما يخالف نبغي شاهدًا لهذا. طالب: (...). الشيخ: طيب زين. طالب: (...).

الشيخ: هذا دليل، كذلك (...) رجل عدل بمعنى: عادل، وله أمثلة، كما أن المصدر يأتي بمعنى اسم المفعول كثيرًا. (الْغَيْبَ إِلَّا [النمل:٦٥] لكن اللَّهُيعلمه)، إلا الله، جعل إِلَّابمعنى (لكن)، فيكون الاستثناء منقطعًا على رأي، ثم قدَّر المؤلف: يعلمه؛ ليكون إعراب اللَّهُمبتدأ، ويعلمه: خبره. وهذه الآية تحتاج إلى مناقشة، أولًا: لماذا عدل المؤلف عن الاستثناء المتصل إلى الاستثناء المنقطع؟ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: (...). الشيخ: لا؛ لأنه يرى أن الله تعالى لا مكان له، مَنْ فِي السَّمَاوَاتِفِي السَّمَاوَاتِهذه متعلقة بمحذوف تقديره: استقر، كما هو معروف أن صلة الموصول تقدَّر: استقر أو كان أو ما أشبه ذلك، فيقول إذا قلت: من استقر في السماوات أو من كان في السماوات والأرض الغيب إلا الله؛ لزم أن يكون الله تعالى في السماوات، فيكون له مكان، وهذا عندهم ممتنع، عند المؤلف ومن كان على عقيدته، ممتنع، بيَّن هذا في الحاشية، هذه واحدة. ثانيًا: نقول له: إذا كان الاستثناء منقطعًا، فالمعروف أن الاستثناء المنقطع إذا سُبِقَ بتام منفي أيش يجب فيه؟ طالب: (...) فيه النصب. الشيخ: إذا كان منقطعًا يجب فيه النصب، كما قال ابن مالك في الألفية:

...............وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ

وَعَـــــنْ تَمِــــــيمٍ فِيــــهِ إِبْــــــدَالٌ وَقَـــــــــعْ

فالمشهور عند العرب أنه إذا كان الاستثناء منقطعًا وجب فيه النصب، وهنا ليس منصوبًا، فقال: نحن نجعل الجملة لا دخل لها في الاستثناء، نجعل (الله) مبتدأ، والخبر محذوف، أيش لأجل؟ لأجل ألا نخالف المشهور من كلام العرب؛ لأن القرآن بلسان قريش، وليس بلسان بني تميم. بعض العلماء يقول: نحن نتخلص مما فر منه المؤلف مع عدم إثباتنا المكان لله بأن نقول: لا يعلم من يُذكَر في السماوات والأرض الغيب إلا الله، ما نقول: من استقر، وحينئذٍ يزول الإشكال؛ لأن الله تعالى مذكور في السماوات وفي الأرض، فيزول الإشكال الذي من أجله قطع المؤلف الاستثناء. والخلاصة يا جماعة الآن: أحب أن نعيد التقرير هذا: على الرأي الذي نرى وهو المتعيِّن أن الاستثناء هنا متصل، وأن الله تعالى له مكان، وأن مكانه في السماء، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية، فقال لها: «أَيْنَ اللَّهُ؟». فقالت: في السماء . وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء حينما أشهد ربه على إقرار أمته بإبلاغ رسالته، فقال وهو يخطب في عرفة لما قال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. قال مشيرًا إلى السماء: «اللَّهُمّ اشْهَدْ» ، فهذا دليل على أن الله في السماء. قوله: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُالاستثناء متصل، ويكون اللَّهُبدلًا من مَنْكما إذا قلت: ما قام القوم إلا زيد، فإن هنا الإتباع أولى وإن كان يجوز النصب، لكن الإتباع أولى، فعليه نقول: الاستثناء متصل ولا فيه إشكال على عقيدة أهل السنة والجماعة. طالب: (...). الشيخ: إي نعم. طالب: (...).

الشيخ: (...) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [الأنعام: ٣]. طالب: فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ(...) حكمًا؟ الشيخ: لا أبدًا، هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ؛ يعني: في مجموعهما، وإن كان هو في السماء، كما تقول مثلًا: فلان أمير في مكة والمدينة وإن كان في واحدة منهما، فهنا الألوهية ثابتة في السماوات والأرض، وإن كان هو في السماء. طالب: (...). الشيخ: خلوا الآن نقرر الجمع، هذا هو الصحيح، ولا إشكال فيه. يبقى عندنا على رأي من يقول: إنه لا يجوز (...) أن الله في السماء؛ لأن الله ليس له مكان على زعمهم، كيف نخرِّج الآية؟ نخرِّج الآية على ثلاثة أوجه: إما أن نجعل فِي السَّمَاوَاتِمتعلق بفعل مناسب، ويكون التقدير: من يُذكَرُ في السماوات والأرض الغيب إلا الله، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا، وهو مرفوع على البدلية، ولا إشكال فيه؛ يعني: لا إشكال فيه من حيث الإعراب، لكن من حيث المعنى غير مسلِّم، هذا وجه. الوجه الثاني يقولون: نجعل الاستثناء منقطعًا، ويكون الرفع هنا على لغة من؟ على لغة بني تميم الذين يجوِّزون الإبدال، ولو كان الاستثناء منقطعًا.

الوجه الثالث: أن نجعل الاستثناء منقطعًا، ولكنه ليس تابعًا لما سبق، بل هو مبتدأ وخبره محذوف، وهو الذي مشى عليه المؤلف، حيث قال: (لكن اللَّهُيعلمه). وهذه التفسيرات والتقديرات مما (...) منه النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، وفي رواية: «فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَصَابَ» . فالذي يفسِّر القرآن على حسب عقيدته هذا الحقيقة أنه جانٍ على الله سبحانه وتعالى، ومتقوّل على الله بلا علم؛ لأن الواجب أن تُفسِّر القرآن بما دل عليه، ثم تجعل عقيدتك تابعة له، ولهذا يقول العلماء: استدل ثم اعتقد، ولا تعتقد ثم تستدل؛ لأن الإنسان اللي يعتقد أولًا، ثم يستدل؛ الغالب عليه أنه يخضِّع الأدلة إلى معتقده كما هو معروف الآن، تجدون هذا في ما يتكلم الناس فيه في العقائد، وتجدونه أيضًا حتى في ما يتكلمون فيه في الأحكام، فإن من ينتمي إلى مذهب إذا جاءت النصوص الدالة على خلاف مذهبه تجده يسلك فيها أحد مسلكين: إما إبطالها إن أمكنه، فيقول: هذا ضعيف ومردود ولا هو مقبول، وإن لم يمكن الإبطال سعى بالتحريف لأجل أن تطابق مذهبه، وهذه علة قلَّ من يسلم منها إلا من شاء الله أن يجعل عقيدته وحكمه تابعًا أيش لونه؟ طالب: (...). الشيخ: للدليل، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يجعل ذلك تابعًا للدليل لأجل أن يكون تابعًا، والنصوص تكون متبوعة، أما أن يعتقد أولًا سواء كان هذا الاعتقاد مما يتعلق بالعقائد والأمور الخبرية أو مما يتعلق بالأحكام العملية، ثم بعد ذلك يحاول أن يحرِّف النصوص إليها فهذا غير مسلَّم، ولا يجوز للمرء. طالب: (...).

الشيخ: نجيبه بأن هذا لا دليل عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس وهم ليس عندهم شك ولا حيرة، بل جحود وإنكار، ثم انتقلوا من الجحود والإنكار إلى الإقرار والاعتراف. ونقول أيضًا هذا الكلام الذي لا دليل عليه: هو باطل أيضًا؛ لأن الإنسان إذا شك فقد لا يتخلص من هذا الشك، قد لا يتخلص، والله تبارك وتعالى ما دعا عباده إلى الشك والحيرة، بل دعاهم إلى الإيمان، دعاهم إلى الإيمان بعد الكفر مباشرة، إي نعم. طالب: يا شيخ، يستدلون بأن إبراهيم عليه السلام كذلك يعني بدون صرف النظر عن (...)، فإنه أول أمر قال هذا ربي وهذا ربي (...). الشيخ: هذا ربي، ما قاله عن عقيدة ولا عن شك، قاله لإقامة الحجة؛ لأنه مر علينا كثيرًا جبنا هذا المثال، إلزام الخصم بما يعترف به، يعني أنتم الآن تعبدون هذه الكواكب والشمس والقمر، فهذا ربي، يعني الآن نجلس وإياكم مجلس المقنِع (...)، هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الأفلين، ثم تنقل بهم، ولهذا قال: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام: ٨٣]، ما قال: وتلك أدلتنا أقررنا بها إبراهيم، فإبراهيم ما كان في قلبه أدنى شك في هذا الأمر، وأنها آلهة باطلة، لكن لأجل إقامة الحجة على هؤلاء. طالب: (...). الشيخ: إي نعم. طالب: (...). الشيخ: لما قال: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:٢٦٠] أو لا؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم. قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] هل إبراهيم شاك؟ طالب: (...). الشيخ: ما شك. طالب: كيف الرد عليهم؟ الشيخ: طيب (...) إبراهيم ما شك، ولو أجرينا الحديث على فهمك لكان يقتضي أن إبراهيم قد شك ونحن أولى بالشك منه، ولكن معنى هذا نفي شك إبراهيم، يقول: لو كان إبراهيم محلًا للشك، لكنا نحن أولى به، ونحن لم نشك. هذا المعنى؛ المعنى لأن كل الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم علم اليقين بأن الله قادر على إحياء الموتى، وكذلك الصحابة، فكأنه يقول للصحابة: هل فيكم أنتم شك؟ أيش الجواب؟ لا، إذن: لو كان هناك شك لكنا نحن؟ طالب: أولى. الشيخ: أولى به من إبراهيم، فإبراهيم ما شك عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ما شكوا، ولكن المعنى كما أنكم الآن تعلمون ما في أنفسكم من اليقين؛ فإن إبراهيم كذلك يعلم، ولو كان في الأمر مكان للشك لكنا نحن أولى به من إبراهيم، واضح الآن؟ ثم قال المؤلف: (لكن اللَّهُيعلمه).. طالب: (...). الشيخ: (...) في السماوات وفي الأرض هذه مجموع، الظرف الآن لمجموع اثنين، فهو يقين ما يخرج عن الاثنين، لكنه تبارك وتعالى في واحد منهما بدليل العقل والنقل، مثل ما ضربنا مثلًا بقولك: فلان أمير في المدينة، وأمير في مكة. المعنى: أن إمارته ثابتة في مجموعهما، ليس معناه أنه هو في كل مكان، في هذا قطعًا، ما يمكن يصير في المدينة وفي مكة في آنٍ واحد بالنسبة للأمير مثلًا. طالب: يجوز أن نقول: الله في السماوات (...) في السماء العليا (...)؟ الشيخ: إي نعم، المراد في السماوات؛ يعني فوق السماء (...)، ولا هو في السماء السابعة أيضًا. هو فوقها، هو على العرش، وبين العرش وبين السماء مسافة الله أعلم بها؛ فالمعنى أنه في السماء بمعنى أنه في هذه الجهة، مثل: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح: ١٦]. طالب: (...). الشيخ: ولا هو في الدنيا، بل في جهتهن، وأما قول بعض العلماء: إن نور القمر ينعكس أيضًا على السماوات، ويكون له نور من جهة الأرض ونور من جهة السماء؛ فليس بصحيح، بل المعنى فيهن؛ أي: في جهتهن وإن كان هو في الحقيقة القمر ما تخلل السماء الدنيا حتى كان في جهة السماء الثانية والثالثة والرابعة، لكن جهته فيهن واحدة. طالب: (...) لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(...) الذي في السماوات والأرض ما يعلم الغيب؟ الشيخ: كل اللي في السماوات والأرض ما يعلمون الغيب إلا الله، وأين الله؟ في السماوات، الله في السماوات؛ أي: في جهتها. (...)؛ يعني حتى في السماء ليس في السماء السابعة. طالب: نعم، السماء العلو (...). الشيخ: السماء العلو؛ إي نعم، أو نجعل (في) بمعنى (على)؟ لأن فيها تخريجين لأهل السنة والجماعة؛ إما أن تجعل (في) بمعنى (على)، ويكون على السماء، أو في (...). قال الله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ. يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: قدرة الله سبحانه وتعالى، لأن قوله: يُجِيبُيشمل كل ما تتطلبه الضرورة من قليل أو كثير، فيكون في ذلك دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى. ومن فوائدها أيضًا: بيان أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن قوله: الْمُضْطَرَّيشمل الكافر والمؤمن. الفائدة الثالثة: أن المضطر مجاب الدعوة مطلقًا؛ لقوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّولم يقيده بالمؤمن. الفائدة الرابعة: أن إجابة المضطر المتحتّمة مشروطة بما إذا دعاه؛ لقوله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، وأما إذا لم يدعه فقد يجيبه، وقد يعني: فقد يزيل ضرورته، وقد لا يزيلها؛ لأن المضطر قد لا يدعو الله تعالى استغناءً بما عنده من الأمور المادية عن دعاء الله سبحانه وتعالى، فيستأنف عن دعائه، وحينئذٍ لا تكشف ضرورته، فالمهم أن إجابة المضطر هنا اشترط الله تعالى أن يكون المضطر داعيًا، فقال: إِذَا دَعَاهُ. الفائدة الخامسة: منَّة الله تبارك وتعالى على عباده بكشف السوء؛ أي: إزالته، عن المضطر ولا عن غير المضطر؟ طالب: عن الجميع. الشيخ: عن الجميع، ولهذا ما قال: عن المضطر، قال يكشف السوء، فحذف المتعلَّق، والقاعدة عند أهل العلم: أن حذف المتعلَّق يفيد العموم، فمعنى يَكْشِفُ السُّوءَعن كل أحد. الفائدة السادسة: أنه يجب على المرء ألا يلتفت في كشف السوء إلا إلى الله؛ لأنه لا يكشف السوء إلا الله سبحانه وتعالى، فعلى هذا يجب عليك ألا تعلِّق هذا الأمر إلا بربك الذي هو قادر على كشفه، وتعلُّقك بغيره خذلان لك، فمن تعلَّق شيئًا وكل إليه، ولكن هل هذا الكلام ينافي فعل الأسباب؟ لا ينافيها؛ لأن فاعل الأسباب إن كان يعتقد أن السبب وحده هو الفاعل لذاته فإنه ينافي ما ذكرنا، وإن كان يعتقد أن السبب هو الفاعل، ولكن بتقدير الله فهذا من التعلُّق بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا ينافي إذا توكلت عليه واعتمدت عليه أن تفعل من الأسباب ما جعله الله سببًا. الإنسان يرجو من الله تعالى دخول الجنة والنجاة من النار، ومع هذا يفعل أسبابها، يرجو من الله تعالى الأولاد، ومع ذلك يسعى بالأسباب، فالمهم أن فعل السبب إذا لم يعتقد الفاعل -فاعل السبب- أن السبب فاعلٌ بذاته؛ فإنه لا ينافي التوكل ولا التعلُّق بالله سبحانه وتعالى. طالب: ولا كمال التوكل؟ الشيخ: ولا كمال التوكل، ولا ينافي كمال التوكل أيضًا، ولهذا كان الرسول -عليه الصلاة والسلام وهو سيد المتوكلين- يفعل من الأسباب ما يدفع به السوء. الفائدة السابعة: بيان منَّة الله سبحانه وتعالى، إذ جعل الناس على هذه الأرض خلفاء، يخلف بعضهم بعضًا، وقد ذكرنا فيما سبق الحكمة من ذلك وهو؟ طالب: لأمرين. الشيخ: أنه إن لم يخلف بعضهم بعضًا لزم أحد أمرين: إما استمرار الخليفة الأولى، وحينئذٍ يلحقها الملل والسآمة وعدم التجديد، وإما انقطاع الخلق أو الخليقة؛ لأنه ما فيها أحد يخلفها، فالله تبارك وتعالى من منَّته أن جعل الناس خلفاء. الآن تجدون الرجل إذا طالت به الحياة لا يملُّه أهل سوقه فقط، بل يملُّه أقرب الناس إليه، تجدهم يقولون: الله يريحنا بالعافية وما أشبه ذلك، يدعون الله تعالى بالراحة؛ لأنه يقلقهم ويؤذيهم، وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى. وفي هذا دليل على كمال قدرة الله في جعل الخلفاء؛ يعني هو من رحمة الله، وهو أيضًا من قدرته؛ لأن فيه إحياءً وإماتة؛ إماتة للأولين وإحياءً للآخرين، وهذا من آيات الله وقدرته، ولهذا احتج إبراهيم على المتمرد بقوله: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، فدل هذا على أن الإحياء والإماتة من آيات الله سبحانه وتعالى الدالة على قدرته. وفي هذا دليل على أنه مهما ظهرت الدلائل والقرائن في الآية أيضًا، الفائدة أظن هي التاسعة؟ طالب: نعم. الشيخ: على أنه مهما ظهرت القرائن والبراهين؛ فإن من الناس من لا يتعظ بها؛ لقوله: قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، وأن من المتَّعظين أيضًا من قد يكون اتعاظه قليلًا؛ لأن قوله: قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَيتضمن التذكر من واحد، والتذكر من جماعة، فـقَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ؛ يعني إن الواحد منا قد يتذكر لكن قليلًا، وكذلك أيضًا الفئات من الناس لا يتذكرون، ولا يتذكر من الناس إلا القليل، والمتذكِّر أيضًا تذكُّره قليل إلا من عصم الله سبحانه وتعالى. طالب: (...). الشيخ: لا، نحن أعربناها (...)، لها ثلاثة أوجه، المؤلف يرى أنها زائدة، وقلنا: أنه يحتمل أن تكون مصدرية. ثم قال الله تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. في هذه الآية من الفوائد أولًا: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على الخلق بالهداية في ظلمات البر والبحر، والجو؟ طالب: (...). الشيخ: أيهم (...)؟ طالب: من البر (...). الشيخ: أو من البحر، كأنك على البحر (...) من البحر؛ لأنه قلنا على قاعدة الفقهاء: الهواء تابع للقرار، إن كانت على البر فهو من ظلمات البر، كذا؟ ففيه منَّة الله على عباده بالهداية في ظلمات البر والبحر. وهذه الهداية، هل هي بعلامات أو بإلهام؟ طالب: (...) بكلا الأمرين. الشيخ: بكلا الأمرين، قد تكون بالعلامات وهو الأكثر، وقد تكون بالإلهام. لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص: ٢٢] وهو ما يعرف عليه الصلاة والسلام شيئًا، فهداه الله سبحانه وتعالى، ولهذا بعض العلماء يستعمل هذه الآية إذا ضاع، إذا ضاع بالبر أو حتى بالبلد يدوِّر بيتًا واحدًا ولا اهتدى إليه يتلو هذه الآية: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِوهو دعاء مناسب. إذن: منَّة الله تعالى على الهداية في ظلمات البر والبحر، سواء كان ذلك بالأسباب المشاهدَة أو كان ذلك بالإلهام، فإن الله تعالى يمنّ على العباد بهذا وبهذا. وفيها؛ الفائدة الثانية: أنه يجب على الإنسان أن يعتمد على الله في الهداية إلى الطريق الحسي كما يعتمد عليه في الهداية إلى الطريق المعنوي، فكما أنك تقول: رب اغفر لي وارحمني واهدني تريد الهداية المعنوية، كذلك أيضًا اعتمد على ربك في الهداية الحسية، لا تعتمد أيضًا على الأسباب؛ لأنه كم من أناس أهل معرفة وجود (...) ومع ذلك لا يهتدون. وقد حدثني رجل أثق به يقول: إنه ذهب من عنيزة إلى بريدة في حاجة قبل تظهر السيارات أعطاه أحد التجار هنا كتابًا إلى أحد التجار في بريدة، وقال له: احرص على أنك تروح له مبكرًا، يقول: فصليت المغرب خارج البلد، في عنيزة ورحت مع طريق يسمونه: طريق (...) مختصر، يقول: لما أني وصلت (...) يعني ساعة وربع تقريبًا وهو على رجليه، وصلّيت في المسجد مسجد التابع اللي في بريدة، وانتظرته حتى خرج وتبعته وقلت: هذا خط من فلان، قال: ادخل (...) يقول: إني قلت له: بامشي، قال: لا، بس ادخل لزم عليّ، يقول: دخلت، قعدوا يسوون القهوة يقول: قال: مسافة لعنيزة، قلت: يصلون بها المغرب. قال أخوه: والله يا أخوي! هذا إنه أجود من ناقتنا الفلانية، يقول: أنا ما حطيتها على بالي هالكلمة ما أبدًا ما حطيتها على بالي إطلاقًا، يقول: تقهويت وطلعت، يقول: أنا طلعت (...)، وأبدأ أدور أدور (...) يقول لهم: إلى آخر الليل، لما دوخت وتعبت وملّيت (...)، ها الخباء واقعد عنده قلت له: (...) عنده ما بينك وبينه إلا شيء يسير، المهم بقي إلى طلوع الشمس يقول: ينتظر النهار عدى الليل ويوم (...) الكلام مش عليه على أن الرجل هذا يهتدي ومع ذلك؟ طالب: ضل الطريق. الشيخ: ضل الطريق، لا تقول: إني والله عارف، فالهداية هداية الله للطريق هذه من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده، سواء في البر أو في البحر. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، ساعة وربع؛ لأن بعض الناس (...). طالب: (...).

الشيخ: إي، يحدثوننا ناس من (...)، لو أننا (...)، لكن ما يخالف (...) يجلسون يتعللون بعد الأخير يروحون يسرقون من الرمانة (...) ويجون يتعللون عليّ. طالب: (...). الشيخ: (...) شيء عجيب. طالب: (...). الشيخ: محمد عاد ما يغرمنا لا تزر وازرة وزر أخرى. طالب: (...). الشيخ: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. الفائدة الثالثة: بيان آيات الله سبحانه وتعالى في هذه الرياح؛ لقوله: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ. الفائدة الرابعة: أن هذه الرياح مسخرة مدبرة، وليست هي التي تهب بطبيعتها، بل هي مسخرة مدبرة؛ لقوله: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ. الفائدة الخامسة: أن الشيء الواحد قد يكون خيرًا وقد يكون شرًّا بحسب آثاره ونتائجه، فالرياح هنا يقول: بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِوعلى عاد ونحوهم عذاب: إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: ٤١]، والكل من فعله تبارك وتعالى، هنا: يُرْسِلُ الرِّيَاحَ، وهناك: أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُفالكل من فعله، وحينئذٍ يرد علينا إشكال: هل الله تعالى يفعل السوء؟ أيش الجواب؟ طالب: الجواب أن السوء ليس من فعل الله (...). الشيخ: إي السوء في المفعول، وأما بالنسبة لفعل الله فإنه ليس بسوء؛ لأنه صادر عن حِكمة، وقد مر علينا في أول الآيات: أن انتقام الله تعالى من المجرمين هو نعمة وكمال يُحمد عليه، لما ذكر عقوبة قوم لوط قال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [النمل: ٥٩]. وفيها أيضًا دليل على.. الفائدة السادسة: أن المطر من رحمة الله؛ لقوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ. السابعة: إطلاق الصفة على آثارها؛ لقوله: بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِفالمطر ليس رحمة الله، ولكنه آثار من آثار الرحمة، والله سبحانه وتعالى يطلق الرحمة على ما كان من آثارها، قال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» .

وفيه أيضًا من الفوائد؛ الثامنة: دليل على أن الرياح سبب لنزول الأمطار؛ لقوله: وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وقال تعالى في آية أخرى صريحة: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ [الروم: ٤٨]، هذا دليل واضح على أن الرياح هي التي تثير السحاب بإذن الله سبحانه وتعالى. وفي الآية أيضًا من الفوائد: بيان تنزه الله سبحانه وتعالى عن كل ما يُشرك به، وأنه أعلى وأعظم من كل ما يُشرك به؛ لقوله: تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. وفيها الفائدة العاشرة: أنه لا أحد يستطيع أن يفعل هذه الأفعال، وهي: الهداية في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح بشرًا بين يدي رحمته، ولهذا قال: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِيفعل ذلك؟ الجواب: لا. هل يشمل الهداية في ظلمات البر والبحر بالأسباب التي توصل الناس إليها اليوم؟ طلبة: نعم. الشيخ: يشمل؟ طلبة: نعم. الشيخ: إي نعم، يشمل؛ لأن الله أطلق، الهداية بأي سبب كانت فهي من الله. قال الله عز وجل: أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. من فوائدها؛ أولًا: بيان قدرة الله تبارك وتعالى في بدء الخلق وإعادته، ولا أحد يستطيع بدء الخلق وإعادته أبدًا إلا الله، والذي قال لإبراهيم: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، أيش جوابه؟ طالب: (...). الشيخ: الذي قال لإبراهيم: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]. أيش جوابه؟ طالب: (...). الشيخ: (...) إبراهيم قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، فرد عليه بقوله: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. أيش نجيبه؟ ما هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده هو الله؟ طالب: (...). الشيخ: إذن هو الذي يحيي ويميت، فبماذا نجيبه؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، وأما أن يحيي فيجعل الحياة في ميت لا يستطيع، أو يميت فيخرج النفس من البدن هو ما يستطيع، واضح؟ إذن: قوله تعالى: أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُواضح أنها مختصة بالله، وأنه لا أحد يستطيعه. الفائدة الثانية، نعم؟ طالب: (...). الشيخ: ما اقتنع، ولكنه عدل إلى أمر لا يمكنه أن يجادل فيه؛ يعني تعرف باب المناظرات يلجأ إلى الأظهر فالأظهر. وفيها أيضًا من الفوائد: بيان أن الرزق من الله عز وجل؛ لقوله: وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. طيب. أليس الله تعالى يقول: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨]، فارزقوهم فيها. طالب: إي نعم. الشيخ: طيب (...) الرزق من الله، ولا أحد يرزق إلا الله؟ طالب: (...) يجوز إطلاق الرزق العام على أنه السبب الذي (...). الشيخ: على أنه السبب؟ الطالب: إي. الشيخ: فيكون هنا إضافة الرزق إلى العبد من باب إضافة السبب إلى مسبِّبه. طالب: يقال: إن الرزق الذي (...) إلى الله عز وجل الرزق المطلق، ورزق المخلوق مقيد (...).

الشيخ: ربما هذا أيضًا نقول: وجه آخر، إن الرزق العام غير الخاص، لكن حتى الخاص أيضًا ليس رزقًا مستقلًّا، إنما هو بالسبب، ولهذا الجواب الذي لا يخرج عنه شيء أن نقول: إن إضافة الرزق إلى المخلوق من باب إضافة الشيء إلى سببه، ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [الحجر: ٢٠] أيش قبله؟ طالب: (...) قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [الحجر: ٢١-٢٤]. الشيخ: لا، قبله. وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [الحجر: ٢٠] فهذه المخلوقات إحنا ما نرزقها من اللي يرزقها؟ الله سبحانه وتعالى. وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت: ٦٠]. أنت الذي ترزق الذر؟ ترزق الطير؟ ترزق الوحوش؟ ترزق السباع؟ أبدًا، ما يرزقها إلا خالقها. كذلك أيضًا أنت لا ترزق نفسك، حتى نفسك لا ترزقها، ولهذا تجد أشطر الناس وأجودهم في البيع والشراء وأذكاهم وأشدهم مكرًا وحيلة تجده أحيانًا من أفقر الناس، وتجد الإنسان الأبله، اللي ما يحسن أي شيء يكون عنده أموالًا عظيمة، والله تبارك وتعالى يعطي فضله من شاء. وفيها أيضًا؛ الفائدة الرابعة: قوله: وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِالرزق من السماء كيف هو؟ طالب: (...). طالب آخر: المطر. الشيخ: المطر، والأرض؟ النبات، أو السماء ما علا من الأشجار، والأرض ما نزل من الزروع؛ لقوله: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٦]. وفيها أيضًا؛ الفائدة الخامسة: دليل على أنه لا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ. والفائدة السادسة: تحدي المناظر؛ لقوله: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. الفائدة السابعة: أنه لا بأس للإنسان أن يتدرَّج مع خصمه، وأن يتحداه بما يقرُّ به، وهذا غاية الإنصاف أن تقول لخصمك: هات الدليل؛ لأن هناك حالة أخرى ليست إنصافًا وهي أن تقول لخصمك: لا أقبل منك أبدًا، ولَّا لا؟ فأنت إذا قلت للخصم: هات الدليل إن كنت صادقًا؛ فقد أنصفته وتحديته أيضًا، وحينئذٍ يظهر عجزه، لكن لو قلت: لو تأتي بأي دليل ما قبلت؛ معناه أنك جعلت العلو له، الآن هو ينتصر عليك وأنت تنخذل أمامه، مع أنك الآن في هذا الوصف تكون مستكبرًا، لكن لو فُرِضَ أنه ظهر عناد هذا الرجل، وأنه إنسان ممار ولا يأخذ بالحق، هل لك أن تقول: أنا لا أقبل منك؟ يعني مثل افرض أنك أنت استدللت عليه بآية من القرآن أو بنص صريح من السنة وصحيح، ثم جعل يجادلك في هذا الأمر، لو قال مثلًا: الربا حلال، الربا مصلحة عظيمة ينتعش به الاقتصاد، والناس يتحركون، فأيش اللي حرمه؟ تقول: هو حرم الربا، قال هذا الربا اللي في الجاهلية، إذا حل الدين على الفقير وهو فقير قال: نزيد في الأجل، ونزيد في الربا، وأما ربا البنوك وما أشبه ذلك، فهذا برضًا من الطرفين، ولا فيه ظلم، وهو انتعاش للاقتصاد ومصلحة للبلاد، وتنمية للمال، وما أشبه ذلك؛ هذا يصلح أن أقول: لا أقبل منك مهما جئت به، لماذا؟ طالب: لأنه مجادل. الشيخ: لأنه مجادل ما يريد الحق، فالشيء الذي فيه نص صريح واضح؛ المجادلة فيه غير مقبولة، ولهذا لما قال أبو سفيان: اعلُ هبل في أُحد، ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم؟

طالب: لا تجيبوه. الشيخ: قال: لا تجيبوه منعهم أن يجيبونه. نعم. أيش السبب؟! طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: قال: «أَلَا تُجِيبُوهُ» الشيخ: إي نعم، بالعكس، لما قال: هل فيكم محمد وفيكم ابن أبي قحافة وابن الخطاب؟ قال الرسول: «لَا تُجِيبُوهُ» إهانة له، لكن لما قال: اعلُ هبل، وصار يجادل بالباطل ليعليه على الحق، وصار هذا فيه (...)؛ لأن الشبهة قائمة في هذا المكان، أيش وجه قيام الشبهة؟ أن الانتصار كان لهم، فمن سمع هذا الكلام قال: صحيح، هبل الآن اعتلا، فكان من المناسب هنا أن تُزال هذه الشبهة فيقال: الله أعلى وأجل. أما بالأول فرأى النبي عليه الصلاة والسلام أن من المصلحة أن يُهجر، وألا يجاب، وفي الحقيقة ليست هذه المسألة شبيهة بمسألتنا ليست شبيهة بمسألتنا، وكنت أظن أنها شبيهة بها. طالب: أجابه عمر. الشيخ: نعم، أجابه عمر لما قال: «أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ». الحاصل؛ لأنه الآن صارت الشبهة، لما كان ما تكلموا وقال: «أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ». تقوم الشبهة أمام الناس، يقولون: صحيح، لو هم أحياء لأجابوا، حينئذٍ صار الجواب له محل. إذن فيه دليل على أنه في مقام المناظرة ينبغي للإنسان أن يطالب الخصم شو بالدليل؛ لأن في ذلك فائدتين: الفائدة الأولى: إظهار العدل والإنصاف، جبت دليل (...) هذا عدل وإنصاف. الفائدة الثانية: منع استنصار الخصم، لأن الخصم إذا ما طلب منه الدليل وقال: أبدًا، ما نقبل منك، تجيب دليل ولا ما تجيب دليل؛ حينئذٍ يستنصر ويقول: يا الله! الآن غلبت. قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وفي هذا دليل على أنه ليس عندهم برهان، ولَّا لا؟ لأنه لو كان ثمة برهان لم يكن للتحدي فائدة إطلاقًا، وبهذا ننقلكم إلى آية أخرى وهي قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أعلى بعض الناس صوته بهذه الآية حينما قالوا: إن الكفار وصلوا إلى القمر، وقال: هذه الآية دليل صريح صحيح واضح ظاهر على أنه يمكن الوصول إلى القمر؛ لقوله: لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] والسلطان: العلم، هكذا قال، فيقال له: يا غبي! من قال لك إن السلطان العلم؟ السلطان: ما به السلطة، وهو في كل موضع بحسبه، فإذا كنت تجادل في آية علمية أو في مسألة علمية فالسلطان العلم، إذا كنت تبغي (...) لص لتقطع يده فالسلطان القدرة على تنفيذ قطع يده، ما هو العلم، إذا كنت تريد أن تصعد مكانًا مرتفعًا فالسلطان القوة، فالسلطان في كل مكان هو عبارة عن السلطة على الشيء، فالآن: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍأيش معنى السلطان؟

طالب: القوة. الشيخ: القوة والقدرة، ولهذا قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥]، فهل هؤلاء يرسل عليهم شواظ من نار ونحاس؟ طالب: لا. الشيخ: نعم؟ والآية: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِجميعًا، فهل هؤلاء نفذوا من أقطار السماوات والأرض؟ طالب: لا. الشيخ: هب أنهم نفذوا من أقطار الأرض، لكن ما نفذوا من أقطار السماوات، ثم إنه لو كانت دالة على ذلك؛ لكان هذا التحدي لا معنى له. إِنِ اسْتَطَعْتُمْإذا كانوا يستطيعون ليش قال: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ، الشيء المستطاع ما يعرض بمعرض التحدي، ثم إن الآية مسوقة بين ابتداء الخلق، ثم الموت، ثم الموقف (...)، وهذا يقال لهم متى؟ في الموقف، ذكر الله: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤] ثم قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]، ثم قال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ [الرحمن: ٣٣]، ثم قال: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن: ٣٧] إلى آخره، فذكر جزاء الظالمين وجزاء المؤمنين.

فالحاصل أنا أقول: إن التحدي في مقام الإمكان غير مقبول، ولا يمكن أن يقع في كلام الله، ولا في كلام أي واحد من البشر، كيف تتحدى بما يستطاع؟ أيش تقول؟ طالب: المعاند (...). الشيخ: لا، المعاند فيه تفصيل: إذا كان ذلك من إهانته وعدم تأثير شبهته فالأولى (...)، وأما إذا كان ذلك سببًا لاستنصاره أو سببًا لقوة (...) فيجب أن يُرد عليه، لكل مقام مقال. طالب: (...). الشيخ: المعاند، إن كانت لك قوة، فأسكته بالحديد والنار، وإن كان ما لك قوة فللبيت رب يحميه. طالب: (...) «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» . الشيخ: إي، المراء غير. طالب: الجدال؟ الشيخ: إي، لا، ما (...) الجدال لإثبات الحق؛ لأن فيه مراء بس مجرد مغالبة، هذا هو المنهي عنه، وأما الجدال فقد أمر الله به، الجدال لإثبات حق وإبطال الباطل مأمور به وجوبًا، أو استحبابًا حسب الحال، وأما المراء اللي بس مجرد معاندة، إن بعض الناس الآن في المجلس يحكي مع آخر في مسألة من المسائل، ما هي المسألة التي (...) تحقيقها مسألة عامة وتلقاهم يتعاندون؛ أنا قلت كذا وأنت قلت كذا! أنا عليّ حق وأنت عليك حق! هذا ما له داعي؛ لأن هذا ما يزيد الأمر إلا شدة، وربما يتحزّب الحاضرون إلى حزبين، وربما يحدث في قلب أحدهما على الآخر حقد وعداوة، ولهذا كان من الأحسن تركه. طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو ده المراد حق شرعي، يعني أنا مثلًا أقول لك: إن فلانًا جاء وصل مثلًا البلد هذا، وأنت تقول: لا، ما جاء، الحق مع من؟ طالب: مع الصادق. الشيخ: مع الصادق، هذا المحق ما هو معناه، المحق إنه ضد الباطل اللي هو الشرع. قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

تفسير الآيات (٦٥-٧٥)

٠١:١٩:٠٤

ثم قال تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة قُلْيدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة. الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟ طلبة: لأنه ماضٍ. الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا. وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال. وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث. طالب: (...). الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩]. وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن: ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد. طالب: (...). الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه. طالب: (...). الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى. طالب: (...). الشيخ: إي. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون. قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُفإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟ وفي قوله: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُإشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن فِيبمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء. قال الله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَأي: كفار مكة كغيرهم)؛ أَيَّانَ يُبْعَثُونَقال: (أَيَّانَوقت يُبْعَثُونَ)؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. وقول المؤلف: (وقت يُبْعَثُونَ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟ طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية. الشيخ: أَيَّانَهذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير أَيَّانَبوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن أَيَّانَ يُبْعَثُونَنقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، فالجملة: أَيَّانَ يُبْعَثُونَفي محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق. فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين: المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا. والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـأَيَّانَ، وعلى تقديره تكون أَيَّانَنفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال. وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟ طالب: كافر. الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟» . ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا» .