تفسير سورة النمل - ١١
درس صوتي · ٤٦:٥٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
وإن صار معه يغفل عنه. طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ الطالب: تنويع الكلام. الشيخ: تنويع الكلام؟ الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ الطالب: إي. الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ طالب: (...). الشيخ: لا، فيها. طالب: (...).
بسم الله الرحمن الرحيم: طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِإلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ» ، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (طسالله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت: ١، ٢]، الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم: ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم: ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. وأَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا [العنكبوت: ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْإلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ طلبة: مقروءًا. الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (طس تِلْكَأي: هذه الآيات، آيَاتُ الْقُرْآنِ: آيات منه، وَكِتَابٍ مُبِينٍ: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو هُدًىأي: هاد من الضلالة). تلك آيَاتُ الْقُرْآنِالمشار إليه سابق أو لاحق؟ طالب: لاحق. الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: آيَاتُ الْقُرْآنِيقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية آيَاتُ الْقُرْآنِ، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِيُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: وَكِتَابٍ مُبِينٍ، يقول: (عطف بزيادة صفة هو هُدًى)، عطف ويش على إيه، وَكِتَابٍ. طالب: على آيَاتُ. الشيخ: على آيَاتُ، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. طالب آخر: آيَاتُمرفوعة، كِتَابٍمجرور.. الشيخ: إي، كِتَابٍمجرور، إذن على الْقُرْآنِتِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ طلبة: لاحقة. الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ طالب: مشتق. طالب آخر: مصدر. الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: كِتَابٍفهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: مُبِينٍأي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ طالب: أَبَانَ. الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ طالب: من اللازم. الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ طالب: بَيِّن. الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟
طالب: نعم. الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ طالب: دلالة مطابَقَة. الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. وَكِتَابٍ مُبِينٍبَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [النحل: ٨٩]، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٧]، لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] يعني.. الشيخ: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية . الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (وَكِتَابٍ مُبِينٍمُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو هُدًى). بزيادة صفة، وين الصفة؟
طالب: مُبِينٍ. الشيخ: مُبِينٍ. ثم قال: (هو هُدًى)، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (هُدًىأي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ الطلبة: عَدْل. الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا.
وقوله تعالى: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (لِلْمُؤْمِنِينَالْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: لِلْمُؤْمِنِينَأي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ
لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ
مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِ دِينَــا
لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ
لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَ مُبِينَـــــــــا
فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: هُدًى وَبُشْرَىلهؤلاء لِلْمُؤْمِنِينَ، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٣]. وأيضًا بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف: ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟
طالب: من أول القرن. الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر [الحج: ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج: ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَبالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ طلبة: بما هو أعم. الشيخ: ويش الدليل؟ طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. الشيخ: في سورة الصف: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ [الصف: ١١، ١٢]. ثم قال: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌثم قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف: ١٣].
ثم قال الله تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [النمل: ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ: يأتون بها على وجهها، وَيُؤْتُونَ: يعطون، {الزَّكَاةَ}) إلى آخره. قوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ طالب: الفريضة. طالب آخر: عامٌّ. الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ طالب: لا. الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: يُؤْتُونَ الزَّكَاةَما بَيَّنَ المفعول الثاني لـيُؤْتُونَ، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: يُؤْتُونَ الزَّكَاةَالزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: ١٠٣]. قوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَهذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا ؟ الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. الطالب: حديث صحيح. الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ» ، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض.
قال: (وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَيعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: وَهُمْمبتدأ، ويُوقِنُونَخبره، وبِالآخِرَةِمتعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: بِالآخِرَةِ؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَالمراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. طالب: الإيمان بالله. طالب آخر: الإيمان بالرسل. الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. طالب: بالقدر. الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به.
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ [النور: ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، فَهُمْ يَعْمَهُونَ: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِأي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ طالب: لا يصدقون المستلزِم.. الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِيشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ الطلبة: الإذعان. الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ. طالب: الفرق بينهم. الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. زَيَّنَّا لَهُمْهذه الجملة زَيَّنَّاخبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ(...).
(...) فما كان جواب قومه. طالب: (...). الشيخ: قال الله تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل: ٥٦]
يُستفاد من هذه الآية: بيان عتو هؤلاء المكذبين للوط عليه الصلاة السلام وأنهم لم يقتصروا على رد دعوته بل اتفقوا على أن يخرجوه من البلد. الفائدة الثانية: أنه ينبغي عند الدعوة إلى الشيء أن يقرن الداعي دعوته بما يغري المدعوين ويؤلبهم ويقويهم، مستفاد من قوله: آلَ لُوطٍ، ومن قوله: مِنْ قَرْيَتِكُمْولم يقولوا: من القرية. والفائدة الثالثة: استعمال الداعي لما يغري المدعو، لأن قوله: مِنْ قَرْيَتِكُمْهذه توجب الحمية والعصبية حتى يخرجوه، كأنهم قالوا: القرية هذه لكم أيش (...) هذا الرجل، وكذلك في قوله: آلَ لُوطٍيعني: هؤلاء ليسوا منكم، فلا يحسن أنكم تسكتون عنهم. الفائدة الثالثة: بيان أو قرن الحكم بالسبب، لقوله: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَهذا سبب قولهم: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ. الفائدة الرابعة: أن قول البعض إذا رضيه الباقون فهو للجميع، لقوله: إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ.
ومن المعلوم أن هذا القول ليس للجميع، يعني هم يقولون: أَخْرِجُوا، فهو يخاطب بعضهم بعضًا، ولكن الكلمة إذا جاءت من بعض القوم ورضيها الآخرون فإنها تنسب إليهم، ولهذا يخاطب الله اليهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بما فعله أسلافهم، يخاطبهم بما فعله أسلافهم، وفي سورة البقرة كثير من ذلك، كما قال الله تعالى: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:٥٣] موسى الذي أوتي الكتاب والفرقان؛ هل جاء لهؤلاء ولَّا لأسلافهم؟ وكذلك قال: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:٩٢] والذين اتخذوا العجل ما هم هؤلاء، لكن هؤلاء راضون، ففعل القوم أو فعل بعض القوم أو القبيلة إذا رضيه الآخرون فهو للجميع. طالب: (...)؟ الشيخ: أي نعم، العبرة بالأشراف ومن لهم الكلمة، وإلا قد يكون بعض الناس يكره هذا الشيء ولا يريده، فالعبرة بالأشراف. ثم قال تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ [النمل:٥٧].
يستفاد من هذه الآية: بيان أن الله تعالى كامل العدل، حيث أنجى لوطًا وأهله. ثانياً: أنه من أتى بأسباب الهلاك هلك وإن كان بين قوم صالحين، لقوله: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا. الفائدة الثالثة: بيان سبق التقدير للحوادث، أن تقدير الله تعالى سابق على أفعاله، لقوله: قَدَّرْنَاهَا، لأنه ويش معنى قدرناها؟ أي: جعلناها بتقديرنا السابق. وفيه دليل: على أن المرء يُعذر بما لا يعلم؛ فإن لوطًا كان لا يعلم عن امرأته شيئًا أنها كافرة، والدليل على أنه لا يعلم قوله تعالى من سورة التحريم: اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم:١٠] وإلا لما كان لنبي أن يبقى تحته امرأة كافرة، إلا أنه إذا كان لا يعلم فهو معذور. وفيه دليل -الفائدة الخامسة أظن: أنه لا ينجي من عذاب الله الاتصال بأهل الصلاح، فلا يقول مثلاً الإنسان: أنا أخي صالح أو ولي أو ما أشبه ذلك، فهو يعصمني من عذاب الله، فهذه امرأة لوط لم ينفعها أنها امرأة نبي، ولهذا قال الله تعالى: فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًاونوح عليه الصلاة والسلام له ابن كافر، قال إنه: مِنْ أَهْلِي [هود: ٤٥]، فقال الله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:٤٦]. والنبي عليه الصلاة والسلام قال لابنته فاطمة: «يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنكِ من الله شيئًا» . فالمهم أن هذه الفائدة هو أن لا يغتر الإنسان بقربه من أهل الخير والصلاح، فيقول: إنني سأنجو بهذا القرب، لأن الله تبارك وتعالى لا يحابي أحدًا، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:٤٦]. الطالب: ما الفرق بين (...) هلك ولو كان من قوم صالحين. الشيخ: ولو كان مع قوم صالحين، الفائدة هنا أن له قربًا خاصًا، الأول: لو كان معهم بمجرد الاجتماع والمصاحبة. الطالب: لا مثل امرأة لوط؟ الشيخ: امرأة لوط جامعة بين الأمرين. ثم قال الله تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [النمل:٥٨]. يستفاد من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يعذِّب كل إنسان بذنبه، كما قال الله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ [العنكبوت:٤٠] من فعلنا به كذا ومنهم من فعلنا به كذا. فهنا يقول: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًاووجه مناسبة العقوبة للجريمة: أن هذا المطر جعل عالي بلادهم سافلها، كما أن أولئك سفلوا بأخلاقهم حتى كانوا يستعملون هذه الفاحشة ويذرون ما خلق لهم ربهم من أزواجهم، وهذا بلا شك انقلاب في فطرهم، ولذلك عوقبوا بهذه الجريمة -والعياذ بالله-. الفائدة الثانية: أن الثناء على الفعل بما يستحقه من الثناء، حيث قال: فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ، وهنا يرد إشكالًا: وهو أن هذا المطر منين؟ طالب: من الله. الشيخ: من الله سبحانه وتعالى، والثناء عليه بالقبح وبالشر ألا ينافي قول الرسول صلى الله عليه وسلم؟ «والشر ليس إليك» ، نقول: لا ينافيه، والجمع: أن هذا السوء ليس في فعل الله، ولكنه في مفعوله، فهذا المطر هو الذي أُثني عليه بالسوء، فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ، وأما فعل الله فإنه ليس بشر، بل هو من كمال العدل والقوة والسلطان، حيث عاقب المجرمين بما يستحقوه، وعقوبة المجرم بما يستحق لا شك أنها ليست بظلم، وليست بسيئة، ولا يثنى على فاعلها بالسوء، فتبين بهذا: أنه لا ينافي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الشر ليس إليك». والفائدة الثالثة في هذه الآية: أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، هؤلاء الذين أهلكهم الله قد قامت عليهم الحجة، من أين نأخذها؟ من قوله: الْمُنذَرِينَأن هؤلاء أُنذروا بالعذاب وقامت عليهم الحجة، والله سبحانه وتعالى يقول في القرآن: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:١٥] ما عذب الله أمة من الأمم إلا بعد قيام الحجة عليهم، ولولا ذلك لكانت الحجة على الله، قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:١٦٥] فلا أحد له حجة على ربه؛ لأن الحجة قد قامت فيما ركب الله تبارك وتعالى في فطر الناس من محبة الخير وعبادة الله سبحانه وتعالى، وأيَّد ذلك بالأنبياء والرسل الذين أتوا بالبينات الظاهرات، فلم يبق للإنسان حجة، لأن الدليل الباطني والدليل الظاهري موجود فيه، فالدليل الباطني الفطرة: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:٣٠]. والدليل الخارجي: الرسل الذين جاءوا بالكتاب وبالآيات البينات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر» فلهذا نقول: إن هؤلاء الذين أهلكهم الله -وهم قوم لوط- كانوا قد أُنذِروا بالعذاب، ولهذا قال: فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ، ما الفرق بين المنذِرِين في قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان:٣] وبين المنذَرِين في هذه الآية؟ طالب: المنذِرين (...). الشيخ: المنذِرين من أتى بالإنذار أو من أنذر، والمنذَر؟ الطالب: هو (...). الشيخ: (...) هو خُير. ثم قال الله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:٥٩]. يستفاد من هذه الآية أولاً: وجوب حمد الله، لقوله: قُلِوالأصل في الأمر الوجوب، والله تعالى يُحْمَد على كمال صفاته وأفعاله، وهنا الحمد: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِعلى أيُّ الأمرين؟ طالب: على أفعاله. الشيخ: عليهما جميعًا، ليس على أفعاله، ومن جملة ما يُحْمَد عليه: أنه أهلك هؤلاء المنذَرين الذين كذبوا الرسول، ولهذا تخصيص المؤلف بقوله: (على هلاك الكفار) تقدم التنبيه عليه، وأن هذا تخصيص للآية، والله تعالى يقول: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِفيُحْمد الله تعالى على كمال صفاته وأفعاله، وحمده واجب. والحمد هل هو الثناء أو غير الثناء؟ بعض الناس يقول: الحمد هو الثناء على الله بالجميل، وليس بصحيح، بل الحمد: هو وصف المحمود بالكمال، ثم إن كُرِّر صار ثناءً، ودليلنا على هذا قول الله تعالى في الحديث القدسي: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين؛ قال الله:» طالب: «حمدني عبدي» الشيخ: «وإذا قال الرحمن الرحيم قال: أثنى عليَّ عبدي» فدل هذا على أن الحمد ليس الثناء. طالب: الحمد واجب شرعًا أم عقلًا؟ الشيخ: واجب شرعاً وعقلا، لأن العقل يقتضي أن يوصف الله تعالى بالكمال. وفيه أيضاً -الفائدة الثانية-: أن إهلاك الله للأمم صفة كمال ينبغي أن يُحْمد عليها، للأمم المستحقين طبعًا، ولا يعذِّب الله إلا مستحقًا، على هذا إذا أصيب هؤلاء الكفار بالكوارث من الزلازل والفيضانات والأوبئة فما موقفنا نحن من ذلكذ؟ هل نترحم لهم ونأوي لهم؟ طالب: لا الشيخ: لكن بعض الناس الجهَّال في وقتنا هذا تجدهم يتأوهون لهم، ويتوجَّعون لهم، ويعطفون عليهم، ويرحمونهم، وهذا خلاف العقل وخلاف النقل، بل إننا إذا أوقع الله بهم ما يوقع من عقوبات فإننا نقول: الحمد لله، نحمد الله على ذلك؛ لأن إهلاكهم مصلحة للإسلام والمسلمين، ما من فرد يزيد في الكفار إلا ويزدادون به قوة على المسلمين، فإذن إهلاكهم نعمة من الله عز وجل، علينا أن نحمد الله سبحانه وتعالى عليها، ولا ينافي هذا أن نعطف مثلاً على القصَّار منهم؛ لأن هؤلاء لا ذنب لهم، مثلاً: لو فرضنا أن قرية أهلكت وبقي أيتامها وهم كفار؛ فإنه لا مانع من أن مثلًا نتصدق عليهم؛ لأن هؤلاء لا ذنب لهم ولا جريمة لهم، وربما يعيشون في الإسلام فيما بعد، والحق إن هؤلاء المكذِّبين المجرمين إذا أهلكهم الله فإن الواجب علينا أن نحمد الله، لا أن نترحم لهم ونرِّق لهم، وهذا خلاف ما عليه بعض الناس اليوم الذين فقدوا الغيرة الدينية، ولم يكن في قلوبهم المحبة أو الولاء بل الأصح: لم يكن في قلوبهم الولاء والبراء، لأن كثيراً من الناس فقدوا الولاء والبراء، وبعض الناس فقد البراء فقط ومعه الولاء، لكنه ولي لكل أحد، وبعض الناس بريء من كل أحد أيضًا، لا يحب المسلمين ولا الكفار، ولكن هذا نادر، إنما الكثير في وقتنا هذا هو الولاء للجميع، وأنه لا يبغض أحدًا، هو إنسانية، المسألة ليست دينية، وهذا خطأ وخطر أيضًا، مع كونه خطأ فهو خطر؛ لأن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله. طالب: طيب هل يكون (...) لو حصل لإنسان حادثة (...)؟ الشيخ: ما يلزم منا أن ننفذه، بمعنى إن كان معاهَد فإنه معصوم ننفذه، وإن كان غير معاهَد، ما بيننا وبينه عهد فلا ننفذه بل إننا نجهز عليه. طالب: (...). الشيخ: ما من معاهَد إلا وهو حرام. الطالب: الإنسان ما يعلم معاهد أو غير ومعاهد؟ الشيخ: إذا كان ما يعلم الله أعلم. الطالب: (...)؟ الشيخ: هو المعاهد يصير مستأمنًا، الذي في بلادنا مستأمن، لأنه كونه يأتي بعقد سواء حكومي أو غير حكومي فهو مستأمن. الطالب: وله حكم المعاهَد؟ الشيخ: له حكم المعاهَد نعم، المستأمن له حكم المعاهَد، لأن الله يقول: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:٦]. طالب: (...) حتى لو كان معاهد (...) ولا يجب عليه؟ الشيخ: لا، العلماء قالوا: إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب. الطالب: (...). الشيخ: لا مانع، لا أدري (...). الطالب: (...). الشيخ: (...) المعصوم مثلما قال الله سبحانه وتعالى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة:٧]. الطالب: (...). الشيخ: هذا هي المشكلة بحيث أنه ما (...). الطالب: (...). الشيخ: لا، ما في ثناء إلا أن أهل العلم يقولون: إن المعصوم يجب أن يُنقَذ من الهلاك مطلقًا، ولا فصل بين المسلم وغير المسلم، ولذلك ما يجوز الاعتداء عليه، وهذا ثابت بالنص، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله» . فالحاصل: أن المعصوم يقول العلماء: أنه يجب إنقاذه مطلقًا، والله يقول: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:٨]. هذه المسألة هذا كلام أهل العلم الآن فيها، ويمكن المسألة تحتاج إلى بحث عندما نريد أن نحققها، ينظر هل في المسألة خلاف في هذه المسألة، نشوف إن شاء الله أيهما أرجح. وفي هذا دليل في قوله: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِعلى أن الله سبحانه وتعالى له أن يَتمدح بنفسه ويدعو الناس إلى ذلك، أما غيره فليس من اللائق أن الإنسان يقول للناس: احمدوني وأثنوا عليَّ، ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى لأنه أهل لذلك، ولأن المصلحة لنا، والله تعالى لا ينتفع بطاعة الطائعين ولا يتضرر بمعصية العاصين. وفي قوله: وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى فائدة رابعة: أن الذين اصطفاهم الله قد برئوا من ما يوصف بهم، لقوله: وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىفإن هذا السلام يتضمن: سلامتهم من ما وُصفوا به وقُدِحَ فيهم به، ويتضمن أيضاً: سلامتهم من عقوبة الله، فالسلامة هنا شاملة للسلامة من ما يتعلق بفعل الله كالعقوبة، أو بفعل الخلق كالقدح. وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى يصطفي من عباده ما شاء، يختارهم لعبادته، لقوله: عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىأي: اختار، لكن من الذين يختارهم؟ هم الذين قاموا بطاعته، فمن قام بطاعة الله اصطفاه الله، ومن عصى الله فهو بعيد من الاصطفاء. وفيه دليل: على قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، لقوله: الَّذِينَ اصْطَفَىفإن الاصطفاء من الأفعال، والله تبارك وتعالى قائم به الأفعال، الأفعال الاختيارية. وفيه أيضاً دليل: على حكمة الله تعالى في تعليق الأحكام بأسبابها، فإن السلامة هنا معلَّقة على الاصطفاء، وهكذا أحكام الله الكونية والقدرية كلها مربوطة بأسبابها، وذلك لثبوت الحكمة في أحكام الله، إذ أن الله لا يفعل شيء إلا لحكمة. وفيه دليل: على الثناء على المصطَفين لسلامتهما. وفيه أيضاً دليل: على أن ما جاءت به الرسل فإنه ليس فيه نقص، سواء كان ذلك في الأحكام الشرعية أو في الأخبار، فما أخبرت به الرسل فهو حق، ليس فيه الكذب، وما أمرت به أو نهت عنه فهو عدل ليس فيه جور ولا ظلم، لأن قوله: سَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىأول من يدخل فيه الرسل، ولهذا يقول الله عز وجل في سورة الصافات: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] فسلَّم على الرسل لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهكذا هنا: سَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. ويستفاد من الآية: أن من قام بما يجب عليه من الاجتهاد فأخطأ فلا إثم عليه، منين تؤخذ؟ لقوله: سَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىفإذا اجتهد الإنسان في طلب الحق وتحري الحق وأخطأ، فلا إثم عليه في هذا الخطأ، لأنه ما دام متحريًا للحق وطالبًا له وفاعلًا لأسبابه فهو من العباد المصطَفَين، فإذا حصل عليه خلل فهو سالم من جراء أو من ما يكون بهذا الخطأ، وهذا يشهد له قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا حكم فأصاب فله أجران» . وفي قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَدليل على: جواز المقارنة بين ما هو خير محض وما لا خير فيه تنزُّلاً مع من؟ مع الخصم، أو مراعاة أحسن من تنزُّلاً؛ لأن الله لا يوصف بالتنزُّل، ولكن نقول: مراعاة للخصم وإقامة للحجة عليه، فإن من المعلوم أن الله خير من ما يشركون، ولا مقارنة بينه وبينه، لكنه يخاطب من؟ يخاطب قومًا مشركين إن كانت القراءة بالتاء لأن فيها قراءتان، {أَمَّا تُشْرِكُونَ} وأَمَّا يُشْرِكُونَ، أو يتحدث عن قوم مشركين، فلهذا راعى أحوالهم فقال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ. وفيه دليل: على أن من أساليب المناظرة: إلزام الخصم بما يُقِرُّ به، لأن هؤلاء لا يمكن أن يقولوا: إن آلهتهم خير أبدًا، ولهذا عقبها بقوله: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِإلى آخره، من ما هو أفعال الربوبية التي لا يمكن لهم أن يدعو أن آلهتهم تفعلها. فإذن: تقرير الحكم أو إلزام الخصم بما يُقِرُّ به؛ هذا من أساليب المناظرة. وفيه أيضاً دليل: في قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَدليل على عدل الله سبحانه وتعالى في إقامة الحجة على المعاندين؛ لأنه إذا وصلت الحال إلى هذا الأمر، إلى أن يقول لهم: آلله خير أم أصنامكم؟ فهذا في غاية ما يكون من العدل وإقامة الحجة، وإلا فالله قادر على أن يدع هؤلاء ويبين الحق ولا حاجة إلى المناظرة، ولكن لإقامة الحجة على هؤلاء، ولكمال العدل فيما لو عوقبوا أن يكون عقوبتهم بعد إقامة الحجة صار مثل هذا الكلام.. طالب: إنما الآية (...) النبي (...) أيضًا، لكن الأقرب أنه (...) يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ(...). الشيخ: لا، يعني هذا قد يكون من جملة ما يقال لهم، يعني: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىوقل أيضًا لهؤلاء: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَفيكون من جملة المقول. وفي الآية دليل: على أن لله سبحانه وتعالى الخيرية المطلقة في كل شيء، خلافًا لما مشى عليه المؤلف، حيث قال: (آللَّهُ خَيْرٌلمن يعبده)، والصواب: آللَّهُ خَيْرٌلكل شيء، خيرية مطلقة، في صفاته وفي أفعاله المتعلقة بعابديه أَمَّا يُشْرِكُونَ. ثم قال تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [النمل: ٦٠] وهذا مبتدأ قراءتنا اليوم. قال المؤلف: (الآلهة خير لعابديها أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؟ أيش الجواب؟ طالب: (...). الشيخ: بل من خلق السماوات والأرض فهو خير. وقوله: (الآلهة خير لعابديها)، نقول فيها مثلما قال: (خَيْرٌلمن يعبده)، الخيرية هنا مطلقة إذا صح تقدير المؤلف؛ لأنه قد يقول قائل: إن قوله: أَمَّنْ خَلَقَللإضراب وليست للمقارنة، يعني ويكون السؤال استفهام مطلق، يعني يقول: من الذي خلق السماوات والأرض؟ أإله مع الله؟ فيكون قوله: أَمَّنْهذه للإضراب وليست متعلِّقة بما سبق، ويصير تقدير الآية: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِفيكون الاستفهام هنا ليس للمعادلة. أما على غير المؤلف فجعل الاستفهام للمعادلة: (الآلهة خير لعابديها أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ وقد تقدم الكلام عليها، وبيَّنا أن بعض (...) تفلسف وقال: إن السماوات ليست مفعولاً به وإنما هي مفعول مطلق، وبيَّنا أن هذا ليس بصحيح. وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍقال: (حَدَائِقَجمع حديقة وهو البستان المحوط) يعني: الذي عليه حائط. (ذَاتَ بَهْجَةٍحسن) البهجة: بمعنى الحسن، لأنه يبتهج بها القلب وينشرح بها الصدر، وهذا أمر معلوم، لا سيما لعشَّاق الحدائق، وإلا فبعض الناس ما يهمه الحديقة سواء كان فيها ما يبهج أو لا، لكن عُشَّاق الحدائق يجدون لذة عظيمة في مثل هذه الحدائق التي فيها هذا النبات العظيم. قال الله تعالى: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا. مَا كَانَبمعنى: ممتنع غاية الامتناع، وهي نظير قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} [مريم:٣٥] أي: ممتنع عليه. فـمَا كَانَ لَكُمْأي: ما صح لكم، وما أمكن لكم أن تنبتوا شجرها، لماذا؟ لعدم قدرتكم على ذلك، ليس في مقدوركم أن تنبتوا هذا الشجر. فإذا قال مجادل: بل في مقدورنا؟ أجيب عدس، أجيب حب وأحرث الأرض وأضعه فيها. طالب: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُون [الواقعة:٦٤]. الشيخ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] أنت فعلت السبب، لكن هل خلقت هذا؟ هل فلقت الحبَّ والنوى؟ أبدًا. وإذا جادل مجادل بمثل ذلك قلنا له مثلما قال إبراهيم للذي قال أنا أحيي وأميت؛ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة:٢٥٨] نقول: إذا كان أنت الذي تفعل هذا هذه الشمس تأتي من المشرق فأتِ بها من المغرب. قال: (مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِبتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في مواضعه السبعة) ما هي المواضع السبعة؟ طالب: في الآيات. الشيخ: في الآيات الآتية، (...) هذا واحد، ونعدُّ، نشوف كلام المؤلف هو مضبوط ولَّا لا؟ (مَعَ اللَّهِأعانه على ذلك) يعني: أو انفرد بشيء منه، فالمعيَّة هنا تقتضي -كما قال المؤلف- المعاونة إذا كان مصاحبًا لها، أو الانفراد ببعض الخلق إذا كان غير مصاحب له، هذه الحديقة مثلًا فيها نخل ورمَّان وعنب، هل مع الله إله شاركه في إيجاد النخل والرمَّان والعنب؟ أو أوجد النخل والله أوجد الرمان والعنب أو ما أشبه ذلك؟ إذن قول المؤلف: (أعانه) ينبغي أن يقال: أو انفرد بشيء منها، وقلت ذلك؛ لأن الله يقول: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ:٢٢] هذا الانفراد، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍهذه المشاركة على وجه الشيوع، وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍهذه المعاونة وإن لم يكن شريكًا، وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ [سبأ:٢٣] هذا التوسط، كل ما يمكن أن يتعلق به المشركون نفاه في هذه الآية، كل ما يمكن أن يتعلَّق به المشركون بالنسبة لأصنامهم نُفِي في هذه الآية: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُانظر بلاغة القرآن. أولاً: الانفراد، شنوه في أي كلمة؟ في قوله: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ، المشاركة على وجه الشيوع؟ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ. المعاونة بدون مشاركة؟ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍما عاونوا الله ولا معاونة. التوسط للعابدين إلى الله: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُإذنْ: بأي شيء يتعلَّقون؟ فالحاصل: أن قوله: أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِأعانه، ويش نقول أيضًا؟ أو انفرد بشيء، أو شارك في ملكه أيضاً، نجيب الثلاثة: لا أعان الله، ولا شاركه، ولا انفرد بشيء من ملكه، أي: ليس معه إله. طالب: (...). الشيخ: إذا قالوا: ما تفعل، قلنا: إذن لماذا تعبدهم؟ طالب: (...). الشيخ: لأني قد تعنِّي مثلًا على إصلاح شيء في بيتي، ما لك فيه شركة، كله لي. أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِيقول: (أي ليس معه إله)، فالاستفهام إذن إنكاري، للنكرة يعني: ليس مع الله إله فعل ذلك، فالمعبودات التي تعبدونها مع الله لم تفعل ذلك، إذن أيش الواجب؟ الواجب إفراد الله تعالى بالإلوهية، فعليه تكون الحجة قد قامت على هؤلاء بما أقروا به من الربوبية، وهذا كثيراً ما (...) الله تبارك وتعالى لتوحيد الربوبية على وجوب توحيد الألوهية يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:٢١]. اعْبُدُواتوحيد إلوهية، رَبَّكُمُهذا ربوبية. قال الله تعالى: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَيشركون بالله غيره) بَلْهذه للإضراب، انتقالي ولَّا إبطالي؟ طالب: انتقالي. الشيخ: انتقالي، يعني: بل هم مقرون بذلك، وأنه لا إله مع الله، ولكنهم يعدلون به غيره فيشركوه، فصار فعلهم هذا ليس عن دليل، ولَّا لا؟ ولكن لمجرد هوى، بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَوإن كانوا يقرون بأن الله تعالى لا شريك له في خلق السماوات والأرض وإنزال المطر وإنبات النبات به، وإنما يعدلون بالله غيره فيشركونه مع الله بمجرد أهوائهم، أما أنه عن دليل عقلي أو فطري أو نقلي فليس كذلك. طالب: (...)؟ الشيخ: تحتمل، لكن ما قرره المؤلف أحسن، لقوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:١] ولم يقل: عن ربهم يعدلون، فدل هذا على أن المراد بالمعادلة هنا: المساواة، أي: يساوون به غيره. قال تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا [النمل:٦١] على تقدير المؤلف نقول: آلآلهة خير أمَّن جعل الأرض قرارًا؟ أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًاجَعَلَ: فعل ماض ينصب مفعولين، الأول: الأرض، والثاني: قرارًا. (قَرَارًالا تميد بأهلها) هذا ما أحد يستطيع أن يجعل الأرض قرارًا لا سيما وأنها مركبة على الماء، الماء محيط بها من كل جانب، ولو أنك وضعت كرة في ماءٍ هل تستقر ولا ما تستقر؟ ما تستقر، تتقلَّب وتتموَّج، ولكن الله تبارك وتعالى جعل هذه الأرض كرة في وسط ماء؛ لأن البحار تمثِّل كم؟ تقريباً ثلاثة أرباع اليابس، ومع هذا فإنها منضبطة تمامًا لا تميد ولا تتقدم إلى ناحية ولا تتأخر عنها، ولا تتدحرج في هذا الماء، فجعلها الله تعالى قرارًا، والقرار موضع الاستقرار، وهذا. طالب: (...). الشيخ: (...) أي نعم. وقوله: قَرَارًااستدل به من يقول: إن الأرض تدور، ومن يقول: إن الأرض لا تدور، اللي يقول: أن الأرض لا تدور يقول: لأنها مع الدوران ليست بقرار، لو كانت تدور (...)، واللي يقول: إنها تدور يقول: لولا أن هناك حركة ما ينفى الْمَيَدَان، فنفي الأخص يقتضي وجود الأعم، مثلما أنكم استدللتم بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:١٠٣] استدللتم بها على أن الله؟ طالب: ما يرى. الشيخ: لا، يرى، استدللنا بها على أنه يرى؛ لأنه لو كان لا يرى ما صح أن يقول: لا تُدْرِكُهُلقال: لا تراه، فهنا ألقى في الأرض رواسي أن تميد، لولا وجود حركة ما صح نفي الْمَيَدَان؛ لأن ما لا يتحرك لا يُتوقَّع منه الْمَيَدَان، وإنما توقع الْمَيَدَان بماذا؟ بما يتحرك، وعلى هذا فنقول: إن في الآيات دليل على أن الأرض تدور. والذين يقولون: لا تدور، يقولون: إن نفي الْمَيَدَان صحيح، يدل على حركة، لكن هل هو يدل على حركة موجودة بالفعل أو يدل على حركة متوقعة؟ بمعنى: أنه لولا هذه الجبال لكانت تضطرب حيث أنها في الماء، ولكن لما وجدت هذه الجبال أمسكتها، وكانت لها رواسي بمنزلة أطناب الخيمة. في الحقيقة أن هذا الأخير رد واضح على الأول، وأنه لا يلزم من مجرد الحركة أيش؟ الدوران، لا يلزم منه، يعني فنحن نقول: نعم، هي ممكن أن تتحرك، ولولا هذه الجبال لمادت؛ لأنها أين محلها؟ في ماء، فكرة في ماء لا بد أن تتحرك، والماء كما ترون هذا الماء العظيم الذي تضربه الرياح لا بد أن يكون فيه أيّ شيء؟ أمواج عظيمة مثل الجبال، يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ [النور:٤٠] هذه الأمواج العظيمة إذا ضربت الأرض لولا وجود الجبال المرسية لمادت على كل حال، لأن هذه ما هي هينة هذه الأمواج. فالحاصل: أن الآية ليس فيها ما يقرر أن الأرض تدور، فيها ما يقرر أن الأرض لا شك أنها تضطرب لولا وجود هذه الجبال. ثم يبقى الأمر الآن مسألة الدوران تبقى لا دليل عليها من القرآن، يعني: لا دليل يثبتها ولا دليل ينفيها، فإذا ثبت ذلك بالأدلة البيَّنة فإننا نؤمن به، لأن الإنسان المؤمن لا ينكر المحسوس أبدًا، بل إذا أنكر محسوس كان ذلك طعنًا في فهمه وفي تصوره، وما دام أنه ليس في القرآن ما ينفي ذلك ولا ما يثبته، فموقفنا نحن، ما موقفنا؟ موقفنا الوقوف حتى يتبين لنا الأمر، فمن زعم أن الأمر قد تبين له وهو من المسلمين، وقال: أنا أعتقد ذلك؛ ننكر عليه؟ ما ننكر عليه، ما عندنا دليل ننكر عليه. ومن قال: أنا ما يتبين لي والحمد لله، حسبنا أن نقول: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة: ٣٢]، وكونها تدور أو ما تدور هذا أمر ما يعنينا، يعنينا أن المصالح الآن -ولله الحمد- مرتبة على تعاقب الليل والنهار، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [القصص:٧٣].