تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة النساء - ٢٢

درس صوتي · ٩٠:٠٠

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

أنه إذا عُدِّي العامل بـ(إلى) فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جُرد منها حرف الجر شمل هذا وهذا، وذكرنا لهذا شواهد، فمن شواهد المعدَّى بـ(إلى) قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، ومن شواهد المجرد قوله تعالى في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]، وهذه الآية أيضًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: ٦٨]. ففيها، من فوائدها: أن من فعل ما يوعَظ به وأطاع الله ورسوله، فإنه يُهدى إلى الحق. وثواب الحسنة الحسنة بعدها. ومن فوائدها: أنك إذا أردت سعة العلم وثبوت العلم فعليك بطاعة الله؛ لأنه كلما اهتدى الإنسان بهداية الله ازداد هدى، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧]. وقوله: صِرَاطًا مُسْتَقِيمًايُستفاد منه: أن هناك صراطًا غير مستقيم، ما هو الصراط المستقيم؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، سبل الكفر، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]، فالسُّبل التي تميل بالإنسان يمينًا وشمالًا هذه غير مستقيمة، أما صراط الله الذي هو سبيله الموصل إليه فإنه مستقيم.

تفسير الآية (٦٩)

٠٠:٠١:٥١

ثم قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩]، (مَن) هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم بها، ودليل الجزم حذف الياء، وأصل (يُطع): (يطيع). فإذا قال قائل: لماذا حُذفت الياء؟ قلنا: لأنه لما جُزم الفعل صار ساكنًا، والياء ساكنة، والقاعدة أنه إذا اجتمع ساكنان فإن كان الأول حرفًا صحيحًا كُسر، وإن كان حرف علة حُذف. وفي هذا يقول ابن مالك: طالب:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ

وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــهُ اسْتَحَــــــــقْ

الشيخ: صحيح، (إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق، وإن يكن لينا) يعني: حرف علة (فحذفه استحق) يعني: احذفه. هنا نقول: حذفت الياء لأنها حرف لين وبعدها ساكن، فوجب حذفها. فإن قال قائل: ما بعدها ليس بساكن، بل هو مكسور وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ؟ فالجواب: أن هذه الكسرة عارضة لالتقاء الساكنين. أين الجواب؛ جواب (مَن)؟ جملة فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وهنا نسأل: لماذا اقترنت الفاء في الجواب؟ طالب: هذه الفاء عوض عن الفعل. الشيخ: رابطة للجواب. فلماذا اقترن جواب الشرط بالفاء؟ طالب: لأنه لم يكن جواب.. الشيخ: لا، جواب. الطالب: جواب الشرط. طالب: لأن جواب الشرط جملة اسمية. الشيخ: لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فإنه يجب اقترانه بالفاء. طالب:

اسْمِيَّـــــــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــدٍ

وَبِمَا وَلَنْ وَقَدْ وَبِالتَّنْفِيـــــــــسِ

الشيخ: سبعة مواضع إذا وقعت جوابًا للشرط اقترنت بالفاء. قوله: مِنَ النَّبِيِّينَفيها قراءتان: مِنَ النَّبِيِّينَبالياء، و{مِنَ النَّبِيئِينَ} بالهمزة. و(مِن) هذه بيانية، فما هو المبهم الذي بُين بـ(من)؟ طالب: الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. الشيخ: اسم موصول، اسم الموصول مبهم فيحتاج إلى بيان، وصلته لا تبينه. وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، أُولَئِكَتعود إلى؟ طالب: أُولَئِكَتعود إلى. الشيخ: يعني المشار إليه ما هو؟ طالب: المشار إليهم: الصديقين والشهداء والصالحين. الشيخ: بس، و(النبيين) خارجين؟! لماذا قال: رَفِيقًامع أن المشار إليه جمع؟ طالب: تمييز. الشيخ: (رفيقًا) تمييز؟ والتمييز لا بد أن يكون مفردًا، هو الآن رفيق مفرد وجمعه رفقاء؟ طالب: لأنه على وزن (فعيل). الشيخ: وإذا كان على وزن فعيل؟ طالب: (...). الشيخ: يعني معناه إذا قلنا: قتيل فهو بمعنى قتلى؟ طالب: اللفظ مفرد، ولكن يريد به الجمع: الرفقاء. الشيخ: نعم، يقول العلماء: إن (رفيق) مفرد صالح للجمع والمفرد، يعني: صالح لهذا وهذا، فتقول: هؤلاء رفيق هؤلاء الجماعة، أو رفقاء هؤلاء الجماعة، كـ(الجُنُب) مثلًا، كلمة (جُنُب) لفظها مفرد ولكنها صالحة للجمع، قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: ٦]، ومثل الفُلك مفرد لكنه صالح للجمع، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢]، وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ [لقمان: ٣١]، وأمثال هذا كثير. ويعجبني كلمة قالها ابن عقيل رحمه الله، وهو من الفقهاء، قال: إن الأحدب الذي حدبته كالراكع ينوي الركوع كفلك في العربية؛ صالح للمفرد والجمع، وهكذا الانحناء من الرجل الأحدب صالح لأن يكون طبيعيًّا أو يكون شرعيًّا راكعًا. وهذا يجُرنا إلى قصة الكسائي مع أبي يوسف، كان الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن علمًا إتقانًا قويًّا جيدًا فهِم ما سواه من العلوم وإن لم يدرسها. هكذا قال، وكان ذلك بحضرة الرشيد، فقال له أبو يوسف، وأبو يوسف فقيه، قال له: ما تقول فيما إذا سها الرجل في سجود السهو؟ قال الكسائي: أقول: لا يسجد للسهو ذاك. قال: وهل عندك شيء من نحوك يدل على هذا؟ قال: نعم، عندي أن المصغر لا يصغر. فهذه ما أدري هل مصنوعة أو حقيقة. على كل حال إن الإنسان إذا ربط العلوم بعضها ببعض ينتفع، يكون عنده قدرة على التأليف؛ تأليف الفكر، ولهذا تجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقرن الأشياء التي تظنها بعيدة بعضها من بعض، ولكنها قريبة، يجمعها أصل واحد. نعود إلى معنى الآية، يقول الله عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء: ٦٩] الطاعة هي: موافقة الأمر تركًا للمنهي وفعلًا للمأمور. ولهذا نقول: إن من ترك المعصية يُعتبر مطيعًا، ومن فعل الواجب فهو مطيع، ولهذا قيل في الطاعة: هي: موافقة الأمر أو موافقة المطاع. وقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَولم يقل: (ثم الرسول)؛ لأن أمر الرسول من شرع الله، وكما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الشرع لا بأس أن يقرن مع الله بالواو؛ لأن ما جاء به فهو من شرع الله، بخلاف الأمور الكونية فإنه لا يجوز أن يقرن مع الله إلا مقرونًا بـ(ثُم). ومن ذلك -أي من فروع هذه القاعدة- قول القائل: (الله ورسوله أعلم) في الأمور الشرعية. ومن ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩]، ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا إيتاء شرعي، فهو من الشرع، أما الأمور القدرية فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك فيها شيئًا، فلهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟» . وقوله: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ [النساء: ٦٩] (أولئك) إشارة إلى جمع، مع أن الذي قبلها مفرد، لكن قالوا: إن (مَن) و(مَا) وأمثالهما صالحة للجمع والمفرد، فهي باعتبار لفظها مفرد، وباعتبار معناها جمع، فيصح أن يعود الضمير إليها أو الإشارة إليها باعتبار اللفظ وباعتبار المعنى. وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١]، فراعى في الأول اللفظ، وفي الثاني المعنى، وفي الثالث اللفظ أيضًا. وقوله: فَأُولَئِكَأتى باسم الإشارة إشارة إلى علو مرتبتهم، ولم يقل: (فهؤلاء)، للتنبيه على علو المرتبة. وقوله: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْأي نعمة الدين والدنيا، وهي النعمة الخاصة، وليُعلم أن نعمة الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: نعمة عامة، ونعمة خاصة. النعمة العامة تكون للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمستقيم والفاسد، هذه العامة، ومنها إدرار الرزق على الناس من مطر ونبات ورخاء وأمن، هذه من النعم العامة. الثانية: النعمة الخاصة، وهي النعمة التي تكون في الدين والدنيا، وهذه خاصة بمن؟ بالمؤمنين، وهم أصناف أربعة كما قال الله تعالى هنا: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، والنبيون هنا تشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، فإذا قيل: مِنَ النَّبِيِّينَدخل فيهم بالأولى الرسل، ولا شك في هذا. والنَّبِيِّينَقيل: إنهم مَن أوحي إليهم بشرع ولم يؤمروا بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهذا هو المشهور عند أهل العلم. وقيل: النبي من أوحي إليه أن يَتَعبد بشريعة من قبله، أو يأتي بما يُكملها، فلا بد من سبق رسول عليه. ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ وهو أن النبي يُوحى إليه بالشرع، ولكنه لا يكلف ويُلزم بتبليغه. ومن هؤلاء -أي من النبيين الذين لم يُرسلوا- آدم؛ فإن آدم نبي مُكلم، لكنه ليس برسول؛ لأنه هو أول البشر، فليس هناك أمة حتى يكون رسولًا لها، ولأن الناس الذي خرجوا منه ومن حواء كانوا قليلين، لم تفتنهم الدنيا، وكانوا ينظرون إلى أبيهم فيتعبدون بعبادته، فلما انتشر الناس وكثروا أرسل الله الرسل. ولهذا قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة: ٢١٣] وهذا يدل على أن الناس قبل هذا لم يبعث فيهم أنبياء مبشرين ومنذرين، وإنما هم أنبياء يتعبدون لله وتتبعهم الأمة. وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر، وقيل: من النَّبوة؛ وهي الرفعة. أما على الأول فظاهر؛ لأن النبي مخبِر ومُخبَر، وعلى هذا يكون لفظ النَّبِيِّينَبالهمز (النبيئين): فعيل بمعنى مفعول وفاعل، فهو مُنبأ وكذلك منبئ، وأما على الياء فتحتمل أن تكون من النبأ، ولكنها حذفت الهمزة تخفيفًا أو من النَّبوة، وهي الرفعة؛ لعلو منزلة الأنبياء، ولا شك أن الأنبياء هم أعلى طبقات عباد الله الصالحين. الصِّدِّيقِينَ. طالب: رضي الله عنك، جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرسل يوم القيامة يفزعون دون العرش، في الدرس الليلة أن البعث (...) أن الله سبحانه وتعالى يقول لآدم (...). الشيخ: ما فيه خلاف، أقول: ليس فيه خلاف حتى يحتاج إلى شرح. طالب: لأنهم يفزعون للرسل.


طالب: يقول مثلًا المريض: ماذا أتى به هنا؟ المسألة بالعكس. الشيخ: لا، هذه تختلف، قد يقول المريض: أيش اللي جابوا لي؟ هذا يمكن جاسوس ولا بلا، وقد لا يقول هذا، قد يفرح إذا عاده، مثل هذا الرجل، وربما ينشط، لا هو عيادة من عرفت ومن لم تعرف، لا سيما إذا دخلت إلى غرفة فيها ناس تعرفهم وناس لا تعرفهم ليس من المروءة أن تسأل عن هؤلاء ولا تسأل عن حال الآخرين. طالب: رضي الله عنك، يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يتحرى (...)؟ الشيخ: إي نعم، هذا يؤخذ منه أن الإنسان إذا كان يعلم أن هذا الشخص مسرف على نفسه ويعوده من أجل إنقاذه من النار هذا طيب. طالب: بارك الله فيك، الأخ –بارك الله فيه- نسب الحديث «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» إلى البخاري، فما صحة الحديث؟ الشيخ: هذا صحيح «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي..». طالب: «وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» . الشيخ: نعم، كله صحيح، لكن ليس التحديث يعني التصديق؛ لأن الرسول أمرنا بالتوقف فيما حدثوا به ما لم يشهد شرعنا به، ولهذا قال العلماء: إن أخبار بني إسرائيل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم شهد شرعنا بصحته، وقسم شهد شرعنا ببطلانه، وقسم لم يشهد شرعنا فيه بشيء، فالثالث متوقف فيه.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } [النساء: ٦٩ - ٧٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. سَبق الكلام على أول هذه الآية وأظن ما قبلها أخذنا فوائدها. قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ(أل) في (الرسول) هل هي للحقيقة أو للعهد؟ طالب: للعهد.

الشيخ: للعهد. إذا كانت للعهد فمن المراد به؟ طالب: (...) صلى الله عليه وسلم. الشيخ: أي الرسل؟ المراد به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هل فيها احتمال آخر؟ طالب: احتمال أن يكون المراد لجميع الرسل. الشيخ: يعني الجنس، المراد الجنس، يعني وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَالذي أرسله، سواء كان محمدًا أم غيره، وهذا أقرب العموم. قوله: مِنَ النَّبِيِّينَ(من) هذه لبيان؟ أين المبهم الذي بينته؟ الذي هو مَعَ الَّذِينَ. قال الله تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَيدخل في النبيين هنا الرسل؛ لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فقوله: مِنَ النَّبِيِّينَيشمل الرسل، وهم أفضل من الأنبياء، وهذا هو المتفق عليه بين علماء المسلمين، وأما غلاة الصوفية فقالوا: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول، قالوا: لأن الولي له الولاية والقُرب، والنبي له الإخبار مع البعد، والرسول خادم، وأنشدوا على ذلك:

مَقَـــــــــــــــــامُ النُّبُــــــــــــــوَّةِ فِي بَــــــــــرْزَخٍ

فُوَيْقَ الرَّسُــــــــولِ وَدُونَ الْوَلِي

شوف العبارة السيئة: مقام النبوة في برزخ؛ فويق الرسول ودون الولي، إذن الولي بعيد فوقهم وبعيد عنهم، ثم يليه مع البُعد من؟ يلي الولي النبي، ثم الرسول، وليس بين النبي والرسول على زعمهم فرق إلا قليلًا. ولا شك أن هذا ضلال بين والعياذ بالله؛ لأننا نقول: كل رسول نبي، وكل نبي ولي، فأشرف أولياء الله الرسل والأنبياء، لا شك، أشرف الأولياء النبيون وأشرف النبيين الرسل. فكلامهم باطل. ثم من يعنون بالأولياء؟ يعنون بالأولياء رؤوس الطواغيت أولياءهم، الذين هم أولياء الشيطان، الذين يريدون منهم أن يعبدوهم، وأن يجعلوهم معصومين من كل ذنب ومن كل خطأ. أما الصديقون فالصديق هو الذي صدق بالحق وقال بالصدق، بينه قول الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣]، فالصديق هو الذي قال بالصدق وصدق بالحق. وأفضل الصديقين هو أبو بكر رضي الله عنه؛ لأن هذه الأمة أفضل الأمم، وأبو بكر أفضل هذه الأمة، فيكون أفضل الصديقين هو أبو بكر رضي الله عنه. وَالشُّهَدَاءِالشهداء جمع شهيد، واختلف العلماء فيهم؛ فقيل: إن المراد بالشهداء أهل العلم؛ لقول الله تبارك وتعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ١٨]، وقيل: المراد بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩]. والصحيح أن الآية عامة؛ لأن العلماء شهداء، استشهدهم الله سبحانه وتعالى على الخلق، فهم يشهدون بالحق ويشهدون على الخلق. من أعلم الناس بصدق الرسل وبشريعة الرسل؟ العلماء، فيشهدون بالحق الذي جاءت به الرسل ويشهدون على الخلق أن الرسل بلغوه. ثم نقول أيضًا: هذه الأمة شهداء على الناس عمومًا؛ لقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، ووجه ذلك أن هذه الأمة تشهد على أن الرسل جاءوا أقوامهم بالبينات، وأن مِن هؤلاء الأقوام من كفر ومنهم من آمن؛ لأنه ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول، فالرسل كلهم قد سبق وقد قص الله علينا من أنبائهم. وقوله: وَالصَّالِحِينَهؤلاء أدنى مرتبة ممن قبلهم، لكن من كان قبلهم فهو من الصالحين لا شك، فهو من باب عطف العام على الخاص، فليس كل صالح يكون صديقًا، وليس كل صالح يكون شهيدًا، وليس كل صالح يكون نبيًّا أو رسولًا، لكن كل نبي وكل صديق وكل شهيد فهو صالح، قال الله تعالى عن إبراهيم: وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [النحل: ١٢٢]. إذن الصلاح وصف عام، فيكون عطفه على ما سبق من باب عطف العام على الخاص، لكن فمن هو الصالح؟ الصالح ضد الفاسد، فهو المطيع لله؛ لأن الفاسد هو العاصي لله كما قال الله تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٥٦]، قال العلماء: أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي؛ فإن المعاصي سبب للفساد في الأرض. ودليل ذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]. وقال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]. وعلى هذا فالصالح هو المطيع لله. وعبّر بعضهم عن ذلك بقوله: الصالح من قام بحق الله وحق العباد. وهذا بمعنى الأول؛ لأن المطيع لله لا بد أن يكون قائمًا بحق الله وحق العباد. قال الله تعالى: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا(حسُن) فعل ماضٍ لكنه مُشرب معنى التعجب، فهو بمعنى قول: ما أحسن هؤلاء الرفقاء. وقوله: أُولَئِكَالمشار إليه هم هؤلاء الأصناف الأربعة، و(رفيقًا) قيل: إنها بمعنى الرفقاء، وإنها اسم يستوي فيه الجمع والواحد، وقيل: إن (رفيقًا) تمييز لـ (حسن)؛ لأنها بمعنى التعجب، ولكن الأول أصح، أي حسُن هؤلاء رفقاء، وأن رفيق صالحة للواحد والجمع، والرفيق والمرافق، والمرافق هو الذي ترتفق به أُنسًا ومعونة وانشراحًا وما أشبه ذلك، ولهذا لا يقال: (رفيق) إلا لمن رافقك وزاملك إما في عمل وإما في سفر وإما في غير ذلك. ثم قال تعالى: ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ.

طالب: شيخ، السياق يا شيخ ألا يعين أن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: نعم. الطالب: (...). الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: من أول الآيات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء: ٥٩] حدد (...) أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ختمها الله عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ. الشيخ: لا شك أن سياق الآيات التي قبلها كلها في الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لا مانع من أن تأتي آية عامة فيكون الرسول دخل ضمنًا، الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخل ضمنًا. طالب: في قوله تعالى: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَوقوله: وَالصَّالِحِينَأن كل من أطاع الله ورسوله فهو من الصالحين، فهل نقول: إن (مع) هنا بمعنى (من)؟ الشيخ: لا؛ لأن من سوى هذه الصفات الأربعة هم المنافقون والكفار. طالب: معهم. الشيخ: معهم، ولهذا قد يحشر الإنسان مع الكافرين وإن كان فيه شيء من الطاعة؛ تعنيفًا له، وقد يحشر مع المؤمنين وإن كان فيه شيء من المعصية إذا عفا الله عنه. طالب: هل طلاب العلم يحشرون مع الشهداء؟ الشيخ: نعم، في طريقهم إلى أن يكونوا شهداء. طالب: لو ماتوا على ذلك؟ الشيخ: لو ماتوا على ذلك، فقد قال الله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠]. يُكمَّل له أجر ما نوى. طالب: شيخ، هل الصالحين أرفع أم المصلحون؟ الشيخ: نعم، كل مصلح فهو صالح، والصالح الذي لا يصلح فيه نقص في صلاحه؛ لأنه من كمال الصلاح الإصلاح، ولهذا قال: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَولم يذكر أنهم أمروا بالمعروف، قال: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف: ١٧٠]. طالب: المصلحون أعظم من الصالحين يا شيخ؟ الشيخ: المصلح نعم من كمال الصلاح الإصلاح، وقد يكون الإنسان صالحًا لكنه لا يهتم بصلاح غيره، فلا يكون مصلحًا، وحينئذٍ نقول: هو صالح ناقص الصلاح. طالب: يا شيخ، لماذا لم يقل: المصلحون في الآية. الشيخ: ما نقول، الله قال هكذا. الطالب: يعني الترتيب يا شيخ هذا. الشيخ: أقول: الله قال هكذا، ما نقدر نغير القرآن. الطالب: لا، قصدي يا شيخ الترتيب هذا على الأفضلية؟ الشيخ: على الأفضلية. طالب: (...). الشيخ: لا، هو إخبار يراد به الحث، يعني هل ترغب أن تكون مع هؤلاء وفي صحبتهم؟ الجواب: نعم، إذن أطع الله ورسله. طالب: (...). الشيخ: يعني أن تقول: إذا أطاع الله ورسوله فهو لا يخرج عن هذه الأصناف، كذا تقول؟ طيب، هو معهم، قد أقول مثلًا: إن هذا الرجل مع المؤمنين وهو مؤمن. طالب: بعض الناس يطلقون لفظ الشهادة على من قتل في معركة أو دفاعه عن قضية معينة، أو بالتعذيب، فهل هذا صحيح؟ الشيخ: أما من قتل في المعركة وقد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهذا شهيد لا شك، وأما من قاتل لقضية معينة لا لتكون كلمة الله هي العليا فليس في سبيل الله، ولا يكون شهيدًا، ولا يحل أن يسميه شهيدًا، بل حتى الذي يقتل في المعركة لا يقال: إنه شهيد كما بوب على ذلك البخاري رحمه الله فقال: (باب لا يقال: فلان شهيد)، وكما نهى عن ذلك عمر، قال: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: فُلَانٌ شَهِيدٌ وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، وَمَا يُدْرِيكُمْ –يعني- لَعَلَّهُ غَلَّ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُو شَهِيدٌ . طالب: (...). الشيخ: ذكرنا هذا، قلنا: هذه الأمة أيضًا شهيدة على الأمم السابقة، وكذلك الأمة شهيد بعضها على بعض، ولهذا كان القول الراجح أن من شهدت له الأمة واتفقت على الثناء عليه فإنه يُشهَد له بالجنة. طالب: العمليات الفدائية الآن التي (...) في بعض البلدان، هل نقول للذي قتل فيها: شهيد؟ الشيخ: أليس قتل نفسه؟ طالب: بس ما يؤخذ يا شيخ من الحديث أن صاحب التمرة الذي دخل المعركة وقاتل حتى قتل.. الشيخ: لا، هذا ما قتل نفسه، الذي ألقى التمر وقاتل ما قتل نفسه؛ لأنه يدافع وهو يريد أن يقتل الأعداء، لكن هذا دخل انتحاريًّا، دخول انتحار. طالب: (...). الشيخ: ما يجوز أبدًا، هذا قاتل نفسه، لا يجوز إلا في حال واحدة معينة، وهي ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: إذا كان للإسلام في ذلك مصلحة كبيرة، واستدل بقصة الغلام مع الملك الذي أراد الملك أن يقتله فصار يرسله مرة إلى الجبال لِيُرَدَّى فيها، ومرة إلى البحر ليغرق فيه، ولكنه يرجع سالمًا، فقال للملك: إنْ كنتَ تريد أنْ تقتلَني فاجمَعِ الناسَ وخُذْ سهمًا مِن كِنانتي ثم ارْمِني به وقلْ: باسمِ ربِّ هذا الغُلامِ؛ فإنَّك سوف تَقْتُلُنِي. ففعلَ الملِكُ وجمعَ الناسَ وأخذَ سهمًا من كِنانتِه فرماهُ به وقال: بِاسْمِ ربِّ هذا الغُلام، فأدركه فقتله ، ماذا حصل؟ صار هؤلاء الجمع كلهم يقولون: الرب رب الغلام يعني وليس أنت. فهذه مصلحة عظيمة يمكن أن يقال: الإنسان لا بأس أنه يفديها بنفسه.


طالب: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٦٩ - ٧١].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. ذكر الله ثلاث فوائد لمن فعل ما يوعظ به، فما هي؟ طالب: أن يرجح سلامة الدنيا والآخرة (....) الأجر العظيم، الهداية. الشيخ: طيب، هل يستفاد من الآية أن من فعل ما يوعظ به ازداد علمه؟ طالب: نعم. الشيخ: من أين؟ طالب: من قوله: وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ٦٧، ٦٨]. الشيخ: أجرًا، نعم، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًاقولان أيهما؟ طلبة: الثاني. الشيخ: الثاني، نعم. ماذا يستفاد من الإضافة في قوله: مِنْ لَدُنَّا؟ طالب: التكثير والتعظيم. الشيخ: التكثير والتعظيم. وجهه؟ طالب: بأن الله عز وجل أضاف الأجر والثواب له سبحانه وتعالى، ولم يبين أجره في هذه الآية، على أنه أجر عظيم.

الشيخ: لكن ما وجهه؟ طالب: بأن الله عز وجل أضافه لنفسه ولم يضفه لرسول الله، لأن الله عظيم لما أضاف الأمر إليه فصار الأجر عظيمًا؛ لأن المضاف .. الشيخ: يعني عطية الكريم كثيرة والعظيم عظيمة. هل له نظير من السنة؟ دعاء علمه الرسول عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه؟ طالب: الدعاء الذي علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه؛ يقول في آخر صلاته: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ» . الشيخ: في صلاته، ما هو في آخرها: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»، تمام. قوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ، مَن المراد بالرسول هنا: هل هو العموم أو رسول معهود؟ طالب: النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الشيخ: يعني: رسول معهود، الرسول يعني محمدًا؟ أو الرسول يراد به الجنس فيشمل جميع الرسل؟ طالب: يشمل جميع الرسل. الشيخ: أنت. طالب: السياق يدل على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم. الشيخ: نعم. طالب: يا شيخ، لو قلنا بالعموم لكان أولى. الشيخ: لأنها إذا قلنا بالعموم لا يفسد به السياق. أين ذكر الرسل؟ الآية ليس فيها إلا مِنَ النَّبِيِّينَ؟ طالب: لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا. الشيخ: إذا النبيون تشمل. طالب: تشمل النبيين والرسل. الشيخ: تمام. الضابط في تعريف الصديق؟ طالب: الصديق هو من صدق في قوله وصدق ما قيل له، الصادق والمصدوق المصدق لغيره والصادق في قوله. الشيخ: الصادق في قوله. طالب: والمصدق لغيره. الشيخ: إي نعم.

طالب: هو الذي صدق بالحق وقال به. الشيخ: نعم، فيه آية في القرآن تدل على هذا؟ طالب: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣]. الشيخ: المعية هنا في قوله: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْهل هي في الدنيا أو في الآخرة؟ طالب: في الآخرة، يحشرون في زمرتهم. الشيخ: وفي الدنيا؟ طالب: ما يلزم أنه يكون معهم في الدنيا. الشيخ: يعني إذن أنت لست مع الرسول؟ طالب: أساسًا لا، بالذات لا. الشيخ: حتى عمر وأبو بكر بالذات لا؟ طالب: معهم في الدنيا والآخرة، تشمل الأمرين يا شيخ؛ لأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم يكون في زمرة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحياة؛ لأنه لو اتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تأمر بطاعته. الشيخ: يعني معية الآخرة واضحة يحشر معه، في الدنيا لأن كل من اعتنق طريق شخص فهو معه في الواقع، ولهذا يطلق الآل على من؟ على الأتباع، يسمَّون آلًا لشخص، وهم أتباع يمكن ليس بينه وبينهم نسب. الشيخ: أخذنا الفوائد الآن؟ طلبة: لا. الشيخ: من أين؟ طلبة: وَمَنْ يُطِعِ. الشيخ: طيب، باسم الله. ومن فوائد الآية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ. الحث على طاعة الله ورسوله، وجه ذلك ذكر الثواب؛ لأن ذكر الثواب على فعل الشيء يعني الترغيب فيه والحث عليه. ومن فوائدها: أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعة لله، وجه ذلك أن من أطاع الرسول استحق الثناء كالذي أطاع الله. ومن فوائدها: جواز عطف الرسول على الرب عز وجل بالواو في الطاعة، وكذلك في المعصية؛ لأن أمر الرسول من أمر الله؛ لقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ، ولهذا نقول: ما يتعلق بالشرع فإنه لا حرج أن يعطف الإنسان الرسول على الرب عز وجل بالواو؛ لأن شرع الرسول هو شرع الله، انظر إلى هذه الآية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: ١٤]، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩] وهذا إتيان شرعي، أما في الأمور الكونية فإنه لا أحد يشارك الله تعالى في ربوبيته، فلا بد أن يكون مذكورًا بحرف العطف الدال على الترتيب، ولهذا لما قال رجل للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» .

ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين أنعم الله عليهم أربعة أصناف: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وهذه الآية تفسر آية الفاتحة صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] فالذين أنعم الله عليهم هم هؤلاء الأصناف الأربعة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي أفضل من الصديق، والصديق أفضل من الشهيد، والشهيد أفضل من الصالح؛ لأن الترتيب هنا ترتيب من الأعلى إلى من؟ إلى الأدنى. ومن فوائد هذه الآية: إبطال ما ادعاه الفلاسفة من الصوفية وغيرهم بأن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول، وقد شرحنا هذه المسألة وبيَّنَّا أن كل نبي فهو ولي، وكل رسول فهو نبي، وعلى هذا فالرسول نبي ولي، وليس كل ولي نبيًّا ولا رسولًا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على هؤلاء الأصناف الأربعة -جعلني الله وإياكم منهم- حيث قال عز وجل: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرفقاء يختلفون، منهم رفقاء خير ومنهم رفقاء شر؛ لقوله هنا: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رفقاء السوء وقال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ السَّوْءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً» أتعرفون ما الكير؟ طالب: الحداد ينفخ فيه. الشيخ: في الفم؟ طالب: يستعمله الحداد في الحديد. الشيخ: صحيح يستعمله الحداد، لكن كيف هو وما مادته؟ طالب: هذا الكير يصنع من جلد. الشيخ: جلد. الطالب: يكون من جلد الحيوان، ويكون مغلقًا إلا الفتحة أو الثقب اللي يكون يخرج منه الهواء، وفيه ثقب آخر يأخذ منه الهواء، فعندما يضغط هكذا العامل يأخذ الهواء ويطرده إلى الأمام وأمامه النار، فالكير هذا ينفخ النار حتى يذيب الحديد، هذا الكير القديم، أما الحديث فلا علم لي. الشيخ: القديم كما ذكر جلد يكون طرفه الذي يدخل على محل النار يكون دقيقًا، وأعلاه يكون واسعًا، وفي أعلاه خشبتان ينفتحان، إذا جلبه فتحه تعبأ الهواء ثم يضمه هكذا ثم يضغط عليه، إذا ضغط وإذا هو مملوء هواء أين يذهب الهواء؟ طلبة: النار. الشيخ: يذهب إلى النار، فتجد النار مشتدة اللهب. نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة كريهة، بخلاف الجليس الصالح؛ فهو كحامل المسك؛ إما أن يبيعك وإما أن يحذيك، يعني يعطيك بلا ثمن، وإما أن تجد منه رائحة طيبة.

تفسير الآية (٧٠)

٠٠:٥٠:٣٠

ثم قال الله تعالى: ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء: ٧٠] (ذلك) المشار إليه ما سبق من نعمة الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الأصناف الأربعة الذين أنعم الله عليهم نعمة في الدنيا والآخرة؛ لأن النعمة على هؤلاء الأصناف الأربعة نعمة متصلة من الدنيا إلى الآخرة، بخلاف إنعام الله على غيرهم من أشقياء عباد الله، فإنها نعمة في الدنيا، خسارة في الآخرة. ذَلِكَإذن المشار إليه ما أنعم الله به على هؤلاء الأصناف، الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ: (الفضل) يحتمل أن تكون صفة أو عطف بيان لـ(ذا)، ويحتمل أن تكون خبر المبتدأ، ولو جاء ضمير الفصل لتعين أن تكون خبر المبتدأ. فالآن لنا في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون: (ذلك الفضل) كلمة واحدة، يعني الصفة والموصوف، و(من الله) جار ومجرور خبر المبتدأ، ويجوز أن تكون (ذا) مبتدأ و(الفضل) خبره، ويكون (من الله) حالًا في موضع نصب على الحال. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِيعني لا من غيره، فهم لم يكسبوا ما كسبوا من المنزلة العالية بأنفسهم، بل بفضل من الله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي وَلَا إِلَى أَحَدٍ غَيْرِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ» . فالإنسان لا يكتسب الفضائل بنفسه، ولو وكل إلى نفسه لهان وذل وحرم، ولكن الفضل من الله عز وجل. وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًاهذه صيغة بمعنى التعجب، وقيل في إعرابها: إن (كفى) فعل ماضٍ، والباء حرف جر زائد، ولفظ الجلالة فاعل، يعني: وكفى الله شهيدًا. وعلى هذا فتكون (عليمًا) منصوبة على الحال، أي حال كونه عليمًا. وصلة هذه الجملة بما قبلها بيان أن الله سبحانه وتعالى لم يعط الفضل لهؤلاء إلا عن علم، ليس هكذا جزافًا، بل الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم حيث يجعل الصلاح، وأعلم حيث يجعل العلم، وأعلم حيث يجعل الرشد، فهو سبحانه وتعالى يعلم المحل الذي هو أهل لهذا الفضل فيمنحه إياه، ويعلم من ليس بأهل فيحرمه. هذه وجه صلة الجملة بما قبلها. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: بيان نعمة الله عز وجل على هؤلاء الأصناف؛ لقوله: ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ، ووجهه أن الله تفضل عليهم. ثانيًا: أن ما يحصل للإنسان من فضل فإنما هو من الله عز وجل، لا بحوله وقوته، ولهذا أهلك الله الذين قالوا: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨]؛ لأن الفضل بيد الله. ومن فوائد هذه الآية: الحث على توجه الإنسان إلى ربه في سؤال مطلوبه، وجهه أنه إذا كان الفضل من الله فلا تسأل الفضل إلا ممن بيده الفضل. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان سعة علم الله عز وجل؛ لقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا. ومن فوائدها أيضًا: تفويض الأمر إلى الله، وأن الله تعالى إذا فضل أحدًا على أحد فاعلم أن ذلك عن علم، ليس عبثًا، ولهذا لما قال المكذبون: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الأنعام: ١٢٤] رد الله عليهم، قال لهم: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] وأنتم لستم أهلًا للرسالة. ومن فوائد هذه الآية، وهي فائدة بعيدة بعض الشيء: بيان أن جنس العرب أفضل بني آدم بعلم الله؛ وجهه أن محمدًا عليه الصلاة والسلام أشرف عباد الله، يعني أشرف البشر، وكان من العرب، فدل ذلك على أن الجنس العربي أفضل من الجنس غير العربي من بني آدم، وهذا شيء مشاهد، وتدل عليه أخلاقهم وآدابهم، وما حصل لهم من الفضل العظيم بنصرة هذا الدين. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه اقتضاء صراط المستقيم أوجهًا متعددة على أن جنس العرب أفضل من الجنس الآخر من البشر.

تفسير الآية (٧١)

٠٠:٥٥:٣٩

ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء: ٧١] الخطاب هنا موجه للمؤمنين، وإذا صدر الله سبحانه وتعالى الخطاب بياء النداء دل هذا على الاهتمام به وأنه جدير بأن ينبه المخاطب له، فينادى حتى ينتبه. ثم إن هذا الخطاب موجه إلى المؤمنين ليدل على أن القيام به من مقتضى الإيمان، وأن مخالفته من نواقص الإيمان، وقد تكون من نواقض الإيمان حسب ما أُمر به، قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما نقل عنه واشتهر: إِذَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافَأَرْعِهَا سَمْعَك -يعني استمع لها جيدًا- فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ» ، وصدق رحمه الله، إما خير نؤمر به، وإما شر ننهى عنه، وإما خبر نحذر منه، مثل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٣٤] هذه ما فيها أمر ولا نهي، لكن فيها التحذير من طريقة هؤلاء الأحبار والرهبان الذين يصدون عن سبيل الله ويأكلون أموال الناس. وقوله: خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء: ٧١] الحِذر يعني التخوف ممن؟ طلبة: من أعدائنا. الشيخ: هو في الأصل من أعدائنا الكفار، ولا عدو للمؤمن إلا الكافر مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: ١] فلا عدو حقيقة للمؤمن إلا الكافر، والكافر طبقات، الكافر المصرح بالكفر أهون من الكافر المخفِي للكفر، وهو المنافق، ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين، التي أنزلها كاملة في المنافقين؛ قال: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤]، وكثير منكم يعرف كلمة هُمُ الْعَدُوُّأنها جملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ، كأنه لا عدو للمسلمين إلا المنافق؛ لأن عداوته -والعياذ بالله- لا يمكن أن يطلع عليها، ولا يمكن التحرز منها. إذن خذوا حذركم من أعدائكم من المنافقين، ومن الكافرين المصرحين بالكفر، ومن الفاسقين الذين يغرونكم في الوقوع في المعاصي التي دون الكفر، ومن كل أحد يصدكم عن دين الله، خذوا حذركم. نأخذ الحِذر من غزو هؤلاء لنا، سواء كان بالسلاح، أو كان بالفكر، أو كان بالخلق، ومعلوم الآن أن أعداء المسلمين يغزون المسلمين بكل سلاح، وينظرون السلاح المناسب للأمة فيغزونها به، إذا كان من المناسب للأمة أن يغزوها بالسلاح فعلوا وقاتلوا وهاجموا، إذا كان من غير الممكن نظروا هل يغزونا بالأفكار؛ يأتون بأفكار منحرفة إلحادية، إذا أمكنهم ذلك فعلوا، إذا لم يمكن بأن كانت الأمة على جانب كبير من الوعي والتوحيد والارتباط بالله عز وجل قالوا: إذن نغزو بطريق ثالث، وهو الخلق، فسلطوا عليها كل ما يفسد أخلاقها من المجلات والإذاعات وغير ذلك. ولهذا الآن انظر ماذا فعلوا بالناس بواسطة المحطات الأفقية التي تُلتَقط عن طريق الدشوش. طالب: الأقمار الصناعية. الشيخ: يقول: عن طريق الأقمار، الأقمار مرسِلة والدش مسقبِل. هذه الأشياء التي يبثونها لا شك أنها كما سمعنا، ولم نشاهد والحمد لله، لكن كما سمعنا أن فيها شرًّا عظيمًا، وهم يجعلون فيها أشياء مفيدة لأنهم يعلمون أنها لو كانت مُفسدة مئة في المئة ما قبلها الناس إلا من زاغ قلبه والعياذ بالله، لكن يجعلون فيها أشياء مفيدة من أجل أن يضعوا الحب للصيد. فأقول: هذا الغزو الآن غزو خُلقي، وربما يكون فيه غزو فكري، وأنا أسمع أحيانًا إذاعة عالية صافية من أحسن ما يكون من إذاعات العالم اللي نسمع وتبث التنصير، الدعوة للنصرانية، لكن الحمد لله كل شيء تدعوه وهو خير نجد أن شريعتنا متضمنة له، وأنه لا حاجة إلى دعوتهم هذه؛ لأن الشريعة الإسلامية والحمد لله قد تضمنته وأكثر مما عندهم. فأقول: إن قوله تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْيشمل كل ما يكون سلاحًا علينا، ومعلوم أننا نأخذ لكل سلاح ما يناسبه، صح ولّا لا؟ الذي يناسب السلاح الخلقي يناسبه أن يُبصَّر الناس ويُبيَّن لهم العاقبة السيئة في دمار الأخلاق وأنه كما قيل:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ

فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا

ويبين لهم المضار في سوء الأخلاق وفي الفواحش وغير هذا. في الأفكار يبين للناس العقيدة السليمة التي تصلهم بالله، وتجعل الإنسان دائمًا مع الله عز وجل، يذكر الله تعالى بقلبه ولسانه وجوارحه، قائمًا قاعدًا على جنب. بقي علينا الغزو المسلح بالسلاح، لا بد أن نعد العدة؛ لأن الله قال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]. فصار الحِذر يختلف، قد نقول لهؤلاء القوم: تعلموا العقيدة، تعلموا العلم النافع، بثوه في الناس، وقد نقول لهؤلاء القوم: تخلقوا بالأخلاق الفاضلة، اجتنبوا السفاسف، بيِّنوا للناس عاقبة الأخلاق السيئة. وقد نقول لقوم: تعلموا السلاح: كيف يصنع، كيف يرسل، كيف يتقبل السلاح الوارد عليكم، وهكذا، فالآية مطلقة حِذْرَكُمْ، وحذر كل شيء بما يناسبه. فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١] هذه قد يقول قائل: إنها تعين أن يكون المراد بالحذر هنا حذر السلاح، ولكنه ليس بلازم؛ لأن عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص، وهذه قاعدة مفيدة: عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص، فمثلًا قول جابر في الشفعة: قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة إذا نظرنا إلى أول الحديث؛ قضى بالشفعة في كل ما لم يُقسم، قلنا: الشفعة في كل ما لم يقسم كل شيء، فلو أبيع سيارة بيني وبين زيد على عمرو فلزيد الشفعة؛ لأن السيارة ما قسمت، أليس كذلك؟ في كل ما لم يقسم، فإذا كان بيني وبين زيد سيارة وبعت نصيبي على عمرو، فلزيد الحق أن يأخذ هذا الذي بعت على عمرو يضمه إلى نصيبه، ولذلك سميت شفعة؛ لأنه يشفع نصيبه بنصيب شريكه. إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق هذا يقتضي أن يكون المراد بما لم يقسم الأرض؛ لأنها هي التي تكون فيها الحدود، وهي التي تصرف فيها الطرق، ولهذا اختلف العلماء هل الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات أو هو في العقار فقط، والصحيح العموم؛ لأن عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص. مثال آخر: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة: ٢٢٨] الآية الكريمة تفيد في أولها أن جميع المطلقات ولو البوائن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء يعني ثلاث حيض، تعتد المرأة ثلاث حيض إذا طلقت، لكن قوله: وَبُعُولَتُهُنَّتقتضي أن يكون المراد بالمطلقات من؟ الرجعيات دون البوائن، فهل نقول: إن العموم في قوله: وَالْمُطَلَّقَاتُخصصه قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ، وأن المراد بالمطلقات الرجعيات؟ أو نقول: المطلقات عامة، وعطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص؟ طلبة: الثاني. الشيخ: نعم، الثاني، ولهذا جمهور العلماء، بل حُكي إجماعًا على أن عدة المطلقة ولو كانت بائنًا كم؟ ثلاثة قروء، ولو كانت بائنة، ولما كانت قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن كل امرأة مفارقة لا يملك زوجها الرجعة فيها فإن عدتها حيضة واحدة، قال: إلا المطلقة ثلاثًا، فعلّق القول بذلك على وجود مخالف. فاهمين؟ ما فهمتم، شيخ الإسلام عنده قاعدة يقول: المرأة التي فورقت وليس لزوجها عليها رجعة تعتد بحيض كالمخالعة والمفسوخة، ومن تبين فساد نكاحها وما أشبه ذلك، واضح ولّا لا؟ والمذهب؟ طلبة: ثلاثة. الشيخ: لا بد من ثلاث حيض، أورد عليه المطلقة ثلاثًا، المطلقة ثلاثًا ليس لزوجها عليها رجعة، فهل تعتد بحيضة أو بثلاث؟ مقتضى قاعدته بواحدة، لكنه رحمه الله علق القول بذلك على وجود قائل به؛ لأنه لا يمكن للإنسان المتأخر أن يخالف الإجماع المتقدم، وقد ذكر أنه قال به بعض التابعين، فأقول بارك الله فيكم: إن القاعدة التي قعدناها إذا ذُكر العام ثم عُطف المعنى على بعض أفراده فهل يكون ذلك تخصيصًا للعام أو لا؟ طلبة: لا. الشيخ: نقول: لا يكون، هذا هو القول الصحيح أنه لا يكون. إذن فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًاوإن كان ظاهر السياق يقتضي أن قوله: خُذُوا حِذْرَكُمْيعني من أعدائكم الذين يعادونكم بالسلاح، لكن نقول: ذكر حكم بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص. طالب: شيخ، بارك الله فيك، ممكن يا شيخ نقول يا شيخ: إن العدو الأول للإنسان هو الشيطان؛ لأن الشيطان يأتي يا شيخ للإنسان ما يأتي ظاهرًا ولكن يأتي له خفية، والعدو الثاني مثل المنافقين وأعداء الإسلام اليهود والنصارى هم غالبيتهم لو أتونا بسلاح لبارزناهم، لو أتونا بشتى أنواع الوسائل يعني اتخذنا حذرنا؟ الشيخ: والثالث؟ العدو الثالث؟ العدو الأول: الشيطان، والثاني: المنافقون والكفار، والثالث؟ طالب: النفس. الشيخ: نسيتَ النفس! النفس أشد عداوة إلا ما رحم ربي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف: ٥٣]. طالب: شيخ، ذكرنا يا شيخ أن الأقوال في إثبات الأسباب ونفيها في تعريف الأسباب طرفان ووسط، فكيف الذين نفوا الأسباب يردون على هذه الآية. الشيخ: أيها؟ الطالب: خُذُوا حِذْرَكُمْ؟ الشيخ: نعم، هم يقولون: نعم، خذوا الحذر، لكن لو أخذت الحذر لا تنتفع بحذرك، إنما هو تنتفع عند الحذر وليس بالحذر، يقولون: الأسباب علامة على الشيء، ما هي سبب، يعني مثلًا إنسان، إنسان مثلًا كسلان، جرب التروش يجي ينشط، وفعلًا تروش نشط، يقولون: ما نشط من أجل التروش، نشط عنده، لا به، يعني أن الله جعل له نشاطًا عند التروش وليس بالتروش. عندما ترمي الزجاج بالحجر وينكسر الزجاج؛ ما كسره الحجر، ولكنه قُدر أنه تنكسر عند مماسة الحجر لها. هذا قول غير صحيح ما فيه شك.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا [النساء: ٧١ - ٧٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْوتقدم الكلام على هذه الجملة من الآية. ثم قال: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍانفروا يعني للقتال في سبيل الله، أي اخرجوا. وقوله: ثُبَاتٍأي: متفرقين أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًاأي مجتمعين. والذي دلنا على أن ثُبَاتٍبمعنى متفرقين قوله: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا، حيث قوبلت بهذا، ومقابل الشيء يكون على ضده في المعنى، فمعنى ثُبَاتٍأي متفرقين أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا. ففي هذه الآية فوائد، أولًا: فضيلة الإيمان، حيث استحق أهله أن يوجه إليهم الخطاب من الله عز وجل؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. ثانيًا من فوائد الآية: وجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وكل عدو يؤخذ منه الحذر فيما يخاف منه، فالذين يغزوننا بالسلاح نأخذ الحذر منهم بالسلاح، والذين يغزوننا بالأفكار نأخذ الحذر منهم بالعلم، و الذين يغزوننا بالأخلاق نأخذ الحذر منهم بالترفع عن سفاسف الأخلاق، كل عدو يقابَل بسلاحه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي، بل يجب على الإنسان أن يكون كيسًا فطنًا، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ» ، كَيّس بينها الرسول بأن «الْكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ» ، يعني: حازم فطن عنده حذر. فإن قال قائل: هل يجوز أن تصل بنا الدرجة إلى سوء الظن بالغير ونقول: هذا من أخذ الحذر؟ قلنا: لا يجوز أن نسيء الظن بمن ظاهره العدالة، كما قال أهل العلم: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، أما من كان ظاهره الفسق فلنا أن نأخذ الحِذر منه لئلا يخدعنا. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب النفور للجهاد في سبيل الله، سواء كنا مجتمعين أو متفرقين. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وقوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢]؟ قلنا: الجواب أن هؤلاء النافرين ينفرون سواء كانوا متفرقين أو جماعة، وعلى هذا فيكون الأمر هنا لمن نفر حيث يؤمرون بالنفور متفرقين أو مجتمعين، أما من بقوا ليتفقهوا في دين الله، فهؤلاء لن ينفروا.

تفسير الآيتين (٧٢-٧٣)

٠١:١٧:١٣

ثم قال: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا [النساء: ٧٢]. في هذه الآية لامان: اللام الأولى (لمَن) والثانية (لَيبطئن) فهل هما لام الابتداء؟ الجواب: أما الأولى فهي لام الابتداء؛ لأنها وقعت في اسم (إن) المؤخر، وتفيد التوكيد، أما اللام الثاني فهي موطئة للقسم، فقوله: لَيُبَطِّئَنَّواقعة في جواب القسم، والتقدير: وإن منكم لمن والله ليبطئن، فاللام هنا واقعة في جواب القسم. وقوله: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌالجملة الشرطية، والشرط فيها وجوابه فعل ماض، فهل نقول: إنه مجزوم أو نقول: إنه مبني في محل الجزم؟ الثاني؛ لأن الفعل الماضي مبني، وفعل الشرط أَصَابَتْكُمْ، وجوابه: قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ. وقوله: إِذْ لَمْ أَكُنْ(إذ) هنا للتعليل وليست ظرفًا، بل هي للتعليل، يعني حيث لم أكن معهم شهيدًا. أما معنى الآية: يقول الله عز وجل: وَإِنَّ مِنْكُمْو(من) هذه للتبعيض، يعني إن بعضكم لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّيعني: للذي يبطئن، ومعنى (يبطئ) أي يدعو إلى التباطؤ، سواء دعا غيره أو دعا نفسه، فيكون قوله: لَيُبَطِّئَنَّشاملًا لمن يخذل غيره عن النفور للقتال، ومن يخذل نفسه ويتهاون حتى يفوت الأوان، هذا الذي بطأ يتأخر ولا يخرج للقتال، نتيجة القتال إما أن تكون الغنيمة والغلبة والنصرة وإما أن تكون العكس، فهو إذا أصابتكم مصيبة يعني أصابكم خذلان وهزيمة قال: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، فيتضمن كلامه هذا الافتخار والاحتقار؛ افتخار بنفسه أنه لم يشهد هذه المصيبة، واحتقار لمن أصيبوا بهذه المصيبة، وهذا غاية ما يكون من التباعد، هذا الذي يقول وهو منهم يقول هذا الكلام كأن لم يكن بينه وبينهم مودة، كأنه من أبعد الناس عنهم حين افتخر بأن نجا من المصيبة التي أصابتهم، واحتقر هؤلاء الذين أصيبوا وصار كالموبخ لهم.

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: ٧٣].

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌأي نصر وغنيمة ليقولن يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا، فيتمنى على الله الأماني بعد أن فاته الأمر. وقوله: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: كَأَنْ لَمْ تَكُنْهذه فيها شاهد لقراءتنا في النحو قبل ليلتين، وهي تخفيف (كأن): كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، و(كأن) إذا خففت أظن قرأناها؟ وقفنا عليها؟ طيب إذن نتركها حتى نصل إليها. جملة لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌفي محل رفع خبر (كأن)، واسمهما ضمير الشأن محذوف. وقوله: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌالمودة هي خالص الحب، يعني كأنه بعيد منكم ليس بينكم وبينه ارتباط، وهذه الجملة زعم أكثر المفسرين بأنها جملة تعود إلى الحال الأولى، وهي: إذا أصابتكم مصيبة، قال كأن لم تكن بينكم مودة قد أنعم الله علي، ولكن هذا ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.


فيه جماعة جمعوا بين المغرب والعشاء من أجل المطر -يعني الحمد لله الأمطار عامة- وقصروا، جمعوا وقصروا وهم في البلد، صحيح هذا؟ طالب: الجمع الصحيح. الشيخ: الجمع صحيح، والقصر غير صحيح، فقيل لهم: إن هذا لا يجوز، يجب أن تصلوا أربعة، فبلغهم إمامهم في اليوم الثاني وقال: صلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، فصلوا ركعتين إتمامًا للركعتين السابقتين، سبحان الله! يعني تعدي الناس في الفتوى شيء عجيب، فما الواجب عليهم الآن؟ طلبة: إعادة الصلاة. الشيخ: أن يصلوا العشاء أربعًا، الواجب الآن أن يصلوا العشاء أربعًا نعم، وهذه واقعة، ما هي فرضية، واقعة فعلًا قبل البارحة.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: ٧٣، ٧٤].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا. الشيخ: ماذا يفيد تصدير الخطاب بالنداء؟ طالب: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا صدر الله سبحانه وتعالى بالنداء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعها سمعك. الشيخ: لكن أنا أقول: ماذا يفيد تصدير الخطاب بالنداء بقطع النظر عن كونه: الذين آمنوا أو غير الذين آمنوا؟ طالب: يفيد الاهتمام. الشيخ: يفيد الاهتمام، نعم بالكلام الموجه إلى المخاطب. كيف نقول: إنه يفيد الاهتمام بذلك؟ طالب: لأنه وجه الخطاب الله سبحانه وتعالى. الشيخ: ما يمكن تعلل الحكم بالحكم، ما يمكن تقول: لماذا وجب الغسل؟ تقول: لأنه وجب الغسل، لماذا وجب الوضوء؟ لأنه وجب الوضوء. طالب: لأن (...) أن هذا من مقتضى الإيمان. الشيخ: لا. طالب: لأنه صدرها بـ(يا) للخطاب: يا أيها. الشيخ: إي نعم، لكن لماذا نقول: إنه يدل على الاهتمام والاعتناء بالخطاب، أو بما يقتضيه الخطاب؟

طالب: لأن النداء يفيد التنبيه. الشيخ: صح، النداء يفيد التنبيه لا شك: يا فلان، ما هو مثل لو ألقى الكلام بدون نداء، يفيد التنبيه، والتنبيه يفيد الاهتمام بالأمر والشأن. كونه يكون موجهًا للمؤمنين ماذا يدل عليه؟ طالب: فيه إثارة الداعية لاستجابة المخاطبين إذا خاطبهم بوصف الإيمان وفضيلة الإيمان. الشيخ: طيب، اثنين تهييج على القبول بفضيلة الإيمان حيث خص المؤمنين بالنداء، والثالث؟ طالب: فيه الترهيب من المخالفة؛ لأنه إذا كان هذا الأمر من مقتضيات الإيمان فإن تركه من نواقص الإيمان، الشيخ: الرابع؟ طالب: يدل على أن المأمور به فعله من مقتضيات الإيمان. الشيخ: نعم، أن فعله من مقتضيات الإيمان وأن تركه نقص في الإيمان. ما معنى قوله: خُذُوا حِذْرَكُمْ؟ طالب: الله عز وجل يوجه المؤمنين أن يأخذوا حذرهم من عدوهم. الشيخ: ويش معنى أخذ الحذر؟ طالب: أخذ الحذر يعني: المؤمنون يأخذون حذرهم، إن كان العدو المراد به من أعداء الله من المنافقين. الشيخ: ما نريد كيفية الحذر، لكن ما معنى أخذ الحذر أصلًا؟

طالب: احذر يعني احترس منه. الشيخ: طيب. طالب: أخذ الحذر يكون بالتخوف منه. الشيخ: التخوف منه والتأهب له. عند هذه الآية أظن ذكرت لكم «الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ» هل ذكرته حديثًا أو كلامًا؟ طلبة: كلامًا طلبة آخرون: حديثًا. طالب: يجب على المؤمن أن يكون كيسًا فطنًا. الشيخ: على كل حال، مَن فهم مني أنا قلته حديثًا فهو لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.