تفسير سورة النساء - ٢١
درس صوتي · ٩١:٣٩
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
لا، هنا، الطاغوت هنا؛ لأن في كل مكان بحسبه؟ طالب: من حكم بغير ما أنزل الله. الشيخ: نعم، وقوله: أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ٦٠] الحكمة من كونه نكَّر ضَلَالًاووصفه بالبعد؟ طالب: (...) أنهم بلغوا مبلغًا عظيمًا في الضلال. الشيخ: في الضلال، طيب.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ [النساء: ٦١]، إِذَا قِيلَ لَهُمْالضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وما أُنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب الذين نافقوا من أهل الكتاب، إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا: أقبلوا، إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُيعني القرآن، ولم يقل: إلى القرآن، إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزّل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد. وَإِلَى الرَّسُولِ، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يُدعَون إلى الحضور إلى حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأتون إليه ليناقشهم ويبيّن لهم، و(أل) في قوله: وَإِلَى الرَّسُولِللعهد الذهني؛ وذلك لأن العهود ثلاثة: ذهني، وذِكْري، وحضوري؛ فإن كانت (أل) تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦]، مَن الرسول هنا؟ موسى الذي أُرسل إلى فرعون. وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة وأمثلتها كثيرة. وتكون للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣]، أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فما تأتي بعد اسم الإشارة فهي أيش؟ للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشارٍ إليه، فتكون (أل) الواقعة بعدها تكون للعهد أيش؟ الحضوري.
إذن الرَّسُولِيعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسُمي رسولًا؛ لأن الله أرسله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة؛ ولهذا لا أحد أشد وأقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله عز وجل. رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ، جملة رَأَيْتَجواب الشرط في قوله: إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْارَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ، والتاء في قوله: رَأَيْتَللخطاب، ومَن المخاطَب؟ إما الرسول؛ لقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول أقرب إلى السياق. رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، الْمُنَافِقِينَاسم فاعل من (نافَق)، وهو مأخوذ من نافِقَاء اليربوع، أي جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع ذكي، يجعل له بابًا في جحره يدخل منه، ويجعل له بابًا من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح خرج من الباب الخفي فخادع، فلهذا أُخذ منه كلمة (منافق). وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدَثة شرعية، أي: لا يُعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كفر ما فيه إيمان، والمؤمن يكون مؤمنًا بما بقي من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يكون متنصّرًا كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خُبث هؤلاء أنهم يُظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة. وقوله: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَفيها نكتة بلاغية وهي؟ طالب: (...) كان من الممكن أن يُضمر. الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، هذه النكتة البلاغية؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّية الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد أن العلة في هذا الحكم هذا الشيء، فالعلة في صده هو أيش؟ النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف، أي أن مرجع الضمير لو كان متصفًا بهذا الوصف، وهو أيش؟ وهو النفاق، لكن لو قال: رأيتهم، لم نعرف أنهم كانوا منافقين. الفائدة الثالثة: العموم، أي أنه يعم هؤلاء وغيرهم من المنافقين، ولو قال: رأيتهم، فقط، لم يشمل غيرهم، إذن الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد. طالب: التسجيل والعموم.. طالب آخر: علّية الحكم. الشيخ: والعموم، هذه ذكرها خالد. الطالب: مرجع للضمير. الشيخ: لا. طالب: التسجيل عليهم بالوصف. الشيخ: صح، يعني التسجيل عليهم بالوصف، أي أن هذا الوصف ينطبق عليهم، أي على من يرجع عليه الضمير. رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، هنا يَصُدُّونَنفس الفعل يصح أن يكون متعديًا ويصح أن يكون لازمًا، يقال: صد بنفسه، ويقال: صد غيره، هنا من الأول أو من الثاني يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا؟ طلبة: الثاني. طالب: يشمل الاثنين. الشيخ: يا إخواني، إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْارَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، من الأول الذي هو اللازم، أي: يُعرضون عنك.
وقوله: صُدُودًاهذا مصدر مؤكِّد، ويجوز أن يكون مصدرًا نوعيًّا؛ المصدر المؤكِّد هو الذي يؤكد عاملَه لينتفي المجاز؛ وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز، أي أنه أُسند إلى الفاعل مجازًا، فإذا أُكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدرًا نوعيًّا، أي أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدودًا عظيمًا، وأيهما أبلغ؟ الثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول، ولا عكس.
فهؤلاء -والعياذ بالله- إذا قيل: تعالوا إلى ما أنزل الله إلى القرآن لنتحاكم إليه، وإلى الرسول لنتحاكم إليه، رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، يعني رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدودًا. وهنا قال: يَصُدُّونَ عَنْكَ، ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، ربما يقابلونه بوجه طلق وحسن لكن يصدون عن الرسول، فلهذا لم يقل: يصدون عنه، أي: عن القائل، بل قال: يَصُدُّونَ عَنْكَ؛ لأن هذا هو مرادهم. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [النساء: ٦٢]، (كيف) هذه تكون للتعجب، يعني: اعجب لحالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وهذه المصيبة هي أن يُطلع على نفاقهم وعلى صدودهم وإعراضهم، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله، تعالوا إلى الرسول، وصدوا وأعرضوا ثم اطُّلع على ذلك فهذه هي المصيبة، وإنما كانت مصيبة بالنسبة إليهم؛ لأنهم لا يريدون أن يُطلع على عوارهم وعلى كفرهم فهم منافقون يستترون غاية الاستتار لما يُخفون من الكفر، فإذا عُثر عليهم صار هذا العثور أيش؟ مصيبة عظيمة، فإذا أصابتهم هذه المصيبة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، أي: بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والنفاق. ثُمَّ جَاءُوكَأي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا، جملة يَحْلِفُونَفاعل حال من الواو في جَاءُوكَ، جاؤوك متلبسين بهذا الحلف.
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا، (إن) هنا نافية، وقرينة كونها نافية أيش؟ أداة الاستثناء، إِلَّا إِحْسَانًاأي ما أردنا إلا إحسانًا، و(إن) هنا نافية، وتأتي (إن) شرطية يقولها لنا الأخ؟ طالب: إن تقم أقم. الشيخ: إن تقم أقم، طيب، وتأتي مخففة من الثقيلة، يلّا أجب. طالب: إنْ زيدًا قائمٌ. الشيخ: أيش؟ الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. الشيخ: إن الزيدانِ؟ الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. الشيخ: إنِ الزيدان؟ كذا، أفصح أفصح يا أخي ما فيه شيء. الطالب: إن الزيدانُ قائمٌ. الشيخ: أيش يقول؟ طلبة: إن زيدًا قائم. الشيخ: إن زيدًا قائم؟ لا. طالب: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
الشيخ: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، أي: وإنهم كانوا من قبل، وقول الشاعر:
.........................
وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعادِنِ
وتأتي زائدة. طالب: قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ
وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
الشيخ:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ
وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
وهذه ثلاثة، الرابع تأتي نافية كما في هذه الآية: إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. قوله: إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًاما هو الإحسان؟ الإحسان هو أن ينبسطوا إلى المؤمنين، إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤]، وإلى الكفار؛ إذا لقوا الذين كفروا قالوا: إنا معكم، فيريدون الإحسان، أي السير بدون عداوة لهؤلاء ولا هؤلاء. وَتَوْفِيقًاأي بين الناس، حيث نظهر لهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم، وهؤلاء أنّا معهم فنوافقهم أيضًا، وهذا -والعياذ بالله- غاية النفاق، يعني: ما أردنا إلا الإحسان ألا يحصل بيننا تضارب وبين غيرنا؛ لأنه لا يحتمله المنافقون، والتوفيق بين الناس، نوفِّق، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ذلك.
قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [النساء: ٦٣]، أُولَئِكَالمشار إليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، وأتى باسم الإشارة الدالّ على البعد لعلوّ مرتبتهم أو لانحطاط مرتبتهم؟ طلبة: انحطاط. الشيخ: لانحطاط مرتبتهم، وذلك أن الإشارة بالبعيد قد تكون إشارة إلى البعيد الحسي، كما تقول: هذاك فلان بعيد، وقد تكون إشارة إلى البعيد المعنوي، البعيد بعدًا معنويًّا؛ إما علوًّا، وإما أيش؟ نزولًا، حسب ما يقتضيه السياق، فهنا أُولَئِكَ الَّذِينَهذا نزول، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٧] علو، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦] هذا نزول، فجمعت الآيتان بين العلو والنزول. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، يَعْلَمُ، ولم يقل: علِم؛ لأن علم الله فيه مستمر سابقًا وحاضرًا ولاحقًا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدال على الاستمرار. وقوله: مَا فِي قُلُوبِهِمْأي: ما تضمره من النفاق والكفر، يعني وأما أنتم فلا تعلمون ما في قلوبهم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، لكننا نعلمهم بالقرائن، قال الله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْبعدها؟ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: ٣٠] أي إشارته ومفهومه، وهذا يكون لأهل الفراسة، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله كان أشد فراسة، حتى إن بعض الناس ليقرأ ما في قلب الإنسان من على صفحات وجهه؛ لذلك نقول: المنافقون لا يعلمهم إلا الله، هذا الأصل، ولكن ربما نعرفهم في لحن القول أو بفراسة يعطيها الله تعالى من شاء من عباده. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْيعني: لا تتعب نفسك معهم، ولا تعاملهم معاملة الكافرين فتقاتلهم، لأنهم لم يعلنوا بالعداوة؛ ولهذا لما استُؤذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قتل مَن استُؤذن في قتله منهم قال: لَا «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ، وهذا هو عين الحكمة؛ لأننا لو سلّطنا سيوفنا على أمثال هؤلاء لقتلنا عالَمًا وقد يكونون مؤمنين. وإذا كان الرجل المشرك الذي لحقه أسامة وأدركه بالسيف قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» ، مع أن الظاهر أنه قالها أيش؟ تعوذًا، إذا كان هذا الرجل عصم دمه بهذه الكلمة فكيف بهؤلاء المنافقين الذين يذكرون الله ويأتون معنا ويصلون ويتصدقون؟! فالكف عنهم هو عين الحكمة. وَعِظْهُمْالموعظة هي التذكير المقرون بالترغيب والترهيب، هذه الموعظة أن تذكّر الإنسان بما يلزمه من فعل أو ترك مع أيش؟ الترغيب أو الترهيب؛ ترغيب فيما تأمره به، وترهيب فيما تنهاه عنه. وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًاأي: قل لهم قولًا يصل إلى قرارة نفوسهم؛ ولهذا جعل ظرف القول هو النفس، ويحتمل أن يراد أن يكون المعنى: قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْأي: في شأنهم وحالهم. قَوْلًا بَلِيغًايبلغ قلوبهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعًا حقًّا، أي قل لهم في شأنهم وفي أنفسهم بأنكم فعلتم كذا وفعلتم كذا وفعلتم كذا، أو قل لهم قولًا في النفس يصل إلى النفوس وإلى قرارة القلوب قَوْلًا بَلِيغًاأي ذا بلاغة، أو بَلِيغًابمعنى بالغًا غايته، وكلاهما صحيح؛ لأن القول كلما كان بليغًا كان أشد تأثيرًا، ولهذا جاء في الحديث: « إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» .
وكم من إنسان يعبر عن المعنى بعبارة بليغة غاية في البيان والفصاحة فيؤثر، ثم يأتي إنسان آخر يعبر عن هذا المعنى نفسه ولكن لا يؤثر شيئًا بسبب عدم البلاغة؛ ولهذا من نعمة الله على العبد أن يعطيه بلاغة وفصاحة حتى يستطيع أن يعبر عما في نفسه مؤثرًا على غيره، وضد ذلك مَن لم يكن بليغًا. والبلاغة صارت فنًّا مستقلًّا ألَّف فيه العلماء الكتب، وهي فن لذيذ جدًّا، وليت أنه يتسهل لنا أن نقرأ منه؛ لأنه مفيد من وجه، وله ذوق طيب من وجه آخر، ونرجو الله أن ييسر. هذه الآيات كما سمعتم نزلت في قوم منافقين يزعمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، وليسوا كذلك. فنرجع الآن إلى استنباط الفوائد من هذه الآيات، يقول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ. يستفاد من هذه الآية فوائد، منها: التعجب من هذه الحال الشاذة، التعجب من هذه الحال الشاذة، من أين علمنا ذلك؟ من الاستفهام أَلَمْ تَرَ؛ لأن المراد بذلك التعجيب، يعني أن نتعجب من حالهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يدّعي ما ليس صادقًا فيه؛ لقوله: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أُنزل إلى الرسول وما أُنزل من قبله؛ لقوله: أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وهذا يدل على أن الإيمان بما أُنزل من قبله يساوي الإيمان بما أُنزل إليه، وإن كان يخالفه من حيث المنهاج والشِّرعة، كما قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، وإلا فأصل الأديان واحد من حيث الإيمان والمعتقدات، لكنه يختلف في الشرعة والمنهاج؛ لأن الله حكيم يشرع لكل أمة ما يناسبها، وما تقتضيه حالها من الصلاح والإصلاح. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال الإسلام والمتمسكين به؛ لأن الإسلام يأمر الناس بالإيمان بكل ما أنزل الله، والمتمسكون به كذلك يؤمنون بكل ما أنزل الله، الذين اعتنقوا غير الإسلام كاليهود والنصارى لا يؤمنون بكل ما أنزل الله، أليس كذلك؟ أما السابقون منهم فإنما يؤمنون به إيمانًا حكميًّا، يعني يؤمنون بما تأخر عن شرائعهم إيمانًا حكميًّا؛ لأنهم لم يدركوه ولكنهم يؤمنون به، يعني أن المؤمنين بموسى في وقته والمؤمنين بعيسى في وقته يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم يجدون أن الرسول مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، لكنه إيمان حكمي، أما إيمان المسلمين بالقرآن وبالشرائع السابقة فهو إيمان حقيقي؛ لأن دين الإسلام هو المتأخر. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، من أين يؤخذ؟ الطلبة: من جهة الإنزال. الشيخ: من جهة الإنزال؟ إذا قال القائل: لم يذكر المنزِل بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، أُنْزِلَما قال: بما أنزلنا؟ طلبة: معلوم. الشيخ: لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]، لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ قلنا أيش؟ الله، ما في الآية: خلق الله الإنسان، نقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، وهذا معلوم كونًا، خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا، وإنزال الوحي معلوم شرعًا؛ لأن الذي يُنزل الوحي هو الله عز وجل، إذن فيستفاد من هذا علو الله عز وجل، وهذا ما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل الصريح، والخامس الفطرة، وهذا شيء معلوم والحمد لله. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت؛ لقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ. ومن فوائدها: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله كفر، من أين يؤخذ؟ من تكذيبهم في دعوى الإيمان في قوله: يَزْعُمُونَ؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لأرادوا التحاكم إلى الله ورسوله. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت مخرِجة من الإسلام فالتحاكم إليه فعلًا من باب أولى، فمن كان يهوى ويريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت وإن لم يتحاكم إليه فإنه ليس بمؤمن، فكيف بمن حقق هذه الإرادة وتحاكم إلى الطاغوت فعلًا؟! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]، قيود عظيمة مؤكَّدة، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَهذه جملة مؤكَّدة بقسم وبحرف زائد لفظًا؛ القسم وَرَبِّكَ، والحرف الزائد لَا؛ لأن هذه ليست نافية. حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْهذا الفعل، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَأي: لا يجدوا ضيقًا فيما قضيت، الثالث: يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاأي: تسليمًا كاملًا بدون تردد، الإنسان قد يجد بنفسه حرجًا من الحكم الشرعي، وقد لا يجد لكن لا يستسلم ويبادر، لكنه لا يؤمن حتى ينتفي عنه الحرج وحتى يسلم تسليمًا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا مأمورون بأن نكفر بالطاغوت، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، ولا يتم إيماننا إلا بالكفر بالطاغوت؛ لقوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة: ٢٥٦]، فلا بد من الكفر بالطاغوت وإلا لم يصح الإيمان بالله. ومن فوائد الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة، من أين تؤخذ؟ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُنعم، له إرادة، بل وله أمر، من أين يؤخذ؟ من قوله: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]، فهو يريد ويأمر، طيب، فهل لنا أو فهل يمكن أن نرد هذه الإرادة وهذا الأمر؟ بماذا؟ بالاستعاذة بالله منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠]، والنبي عليه الصلاة والسلام لما شكا إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من الخواطر الرديئة قال: «مَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ -وأيش- وَلْيَنْتَهِ» ، فهذا هو العصمة منه. ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان يريد من بني آدم أن يضلّوا ضلالًا بعيدًا ما هو ضلال قريب؛ لقوله: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، ولكن هل تظنون أن الشيطان يأمر بالضلال البعيد في أول وهلة؟ ماذا يصنع؟ طلبة: بالتدرج. الشيخ: بالتدرج؛ يأمر أولًا بالفسوق والمعاصي الصغيرة، ثم بالكبائر، ثم بالكفر -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه- ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، البريد تعرفون معنى البريد؟ البريد مسافة معينة ثلاثة فراسخ، وكانوا فيما سبق ما عندهم طائرات ولا عندهم تليفونات، فكيف يوصلون الرسائل في وقت قصير؟ يجعلون مسافة بريد، يأخذ الفارس الرسائل من هذه النقطة ثم يعدو بفرسه إلى أيش؟ غاية البريد، وإذا بفارس آخر ينتظر فيأخذ الرسالة ويسير بها إلى بريد، وهكذا حتى يصلوا إلى الغاية، هذا وجه كونه بريدًا، المهم أن العلماء يقولون: إن المعاصي بريد الكفر، يتدرج الشيطان بالإنسان شيئًا فشيئًا حتى يهلكه. طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للذين يحكمون بغير ما أنزل الله فيه هناك محامين يا شيخ؛ يعني المحامي هذا هل هو داخل تحت قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ. الشيخ: هذه المسألة مهمة جدًّا، يعني إذا كنا في بلد لا يحكم بالشريعة، يحكم بالقانون، فهل لنا أن نتحاكم إليه؟ نقول: أولًا: إذا لم يكن ضرورة فإننا لا نتحاكم إليه، يعني إذا أمكن الإصلاح لا نتحاكم، إذا لم يمكن الإصلاح ننظر هل هناك أحد نختاره ليكون حكمًا بيننا، إن وجدنا لم يجز أن نتحاكم إلى هذه المحاكم، إذا لم نجد فهنا نتحاكم لا بنيّة أن نقبل كل ما حكموا به، ولكن بنيّة أن نقبل ما وافق الشرع؛ لأن هذا أمر ضروري، وإلا لضاعت الحقوق، وليست الحقوق عشرة ريالات أو عشرين ريالًا، ما يهم، لكن ربما تكون أملاكًا وعقارات، إن لم يتحاكم إلى هؤلاء فإنه يضيع حقه. فهنا نقول: يجوز أن تتحاكم لا بنيّة قبول حكمهم، ولكن بنية قبول ما وافق الشرع، لكن بعد أن نتقدم مقدمتين؛ الأولى: محاولة الإصلاح، والثانية: التحاكم إلى رجل يحكم بشريعة الله، فإذا لم يمكن لا تضيع الحقوق. المحامي الآن، هذا المحامي الذي يريد أن يتحاكم إلى محكمة غير شرعية نقول: إذا كان من نيته أنه لو حكم بغير الشرع لم يقبله فلا بأس، أما إذا كان من نيته أن يُحكم له بما يريد سواء وافق الشرع أم لا فهذا حرام، حتى لو كان في محاكم شرعية. لو جاء إنسان محامٍ جيد فصيح في المدافعة وفي الدعوى وأراد أن يحامي عن شخص حتى عند محكمة شرعية وهو يريد أن يصل إلى مراده لا إلى مراد الله ورسوله، كان هذا حرامًا أو جائزًا؟ كان هذا حرامًا، ولا شك في هذا، وذلك أن من الناس من يكون عنده قوة إقناع في الدعوى أو في المدافعة، فإذا جلس إلى القاضي مع شخص هادئ وادع أكله بثيابه، والقاضي يقضي بماذا؟ طالب: بما يسمع. الشيخ: بما يسمع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه قاعدة كل المحامين، الذين يحامون يريدون أن يصلوا إلى مرادهم دون مراد الله ورسوله، فهؤلاء لا يحل لهم أن يسلكوا هذه الطريقة. طالب: (...) لأنهم ييجوا ياخدون أصهارهم، ياخدون.. الشيخ: هذا ما هو صحيح هذا، قال الله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤]. الطالب: إن كانوا أصهار المسلمين ياخدوهم..
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: ٦٤ - ٦٨].
الشيخ: كفاية، الحمد لله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، الفوائد بقي علينا من.. طالب: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ. الشيخ: قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور؛ لقوله: يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ. ومن فوائدها: أن الإنسان مؤاخَذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني أن الإنسان يحدّث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملًا. ولهذا قال العلماء: للقلب عمل وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، فما هو الذي توعّد الله عليه في قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ؟ الجواب: هو عمل القلب؛ أن الإنسان يعمل بقلبه، أي يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام؛ لقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد، وليس كذلك، بل آيات الجهاد في شيء وهذه في شيء آخر؛ هذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهَدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهِرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهَدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بيّنّا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: إذا أتاك مجادل فبيِّن له السنة ولا تجادله؛ لأنك إذا بيّنت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل مَن؟ يجادل الله لا يجادلك أنت، بيِّن السنة ولا تجادل فيها مجادلًا؛ لأن الواجب على من تبيّنت له السنة أن يقبل بدون جدال. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون؛ لقوله: وَعِظْهُمْ، وقد سبق لنا معنى الموعظة وهي؟ طالب: تذكير الله مقرونًا بالترغيب والترهيب. الشيخ: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب، نعم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس؛ لقوله: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا. ومن فوائدها أيضًا: أنه من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب؛ لقوله: وَقُلْ لَهُمْ؛ لأن كلمة (لهم) تعني أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطَبه، فلا يتكلم وهو معرِض أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل؛ لقوله: وَقُلْ لَهُمْ.
تفسير الآية (٦٤)
٠٠:٤١:٤٧
ثم قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، أولًا الإعراب، قوله: مِنْ رَسُولٍهذه محلها النصب على أنها مفعول به، لكن دخلت عليها (من) الزائدة لتأكيد العموم؛ وعليه فنقول في إعرابها: رَسُولٍمفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها أيش؟ اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
واعلم أنك إذا قلت في حرفٍ ما: إنه زائد، فلا تعني أنه زائد من حيث المعنى، بل هو زائد من حيث الإعراب، أما المعنى فإن جميع الحروف الزائدة يقولون: إنها من أدوات التوكيد، فكل حرف جر زائد فهو من أدوات التوكيد. ثانيًا: قوله: لِيُطَاعَاللام هذه للتعليل وليست للعاقبة، انتبه! ليش؟ لأنه ما كل رسول يُطاع، لكن الحكمة من الإرسال هو أن يطاع، فاللام هنا للتعليل. قوله أيضًا: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا، (إذ) ظرف لما مضى، وليست ظرفًا للمستقبل، وتأتي (إذ) للتعليل لا ظرفية، ومنه قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩] يعني: لأنكم ظلمتم، وتقول: أتيتك إذ أتيتني، وإن كان وقت الإتيان الثاني غير وقت الإتيان الأول، لكن (إذ) هنا تكون للتعليل. وفي الإعراب أيضًا (لو) يقولون: إنها مختصة بالأفعال وهنا دخلت على (أن)، فما هو الجواب عن هذه القاعدة التي تقول: إن (لو) مختصة بالأفعال مع أنها هنا لم تدخل على فعل؟ الجواب أن نقول: إن الفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، أما جَاءُوكَفهي جواب (لو). وقوله: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ، اللام أيضًا واقعة في جواب الشرط لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًاإلى آخره. يقول الله عز وجل إنه ما أرسل من رسول إلا ليُطاع بإذن الله، لم يرسل الرسل من أجل أن يُكذَّبوا ويُؤذَوا وإن كانت العاقبة قد تكون التكذيب والإيذاء، لكن الأصل في إرسال الرسل هو أيش؟ طاعته كما في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، يعني هذا هو الأصل في خلق الجن والإنس؛ أنهم خُلِقوا للعبادة لا للهو واللعب، ولكن هل هذا متحقَّق في كل واحد من البشر وكل واحد من الجن؟ لا. إذن هذه الآية كالآية التي في سورة الذاريات، لكن التي في سورة الذاريات تتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذه تتعلق بشهادة أن محمدًا رسول الله، هذه في الرسالة، وتلك في التوحيد، فالرسل ما أُرسلوا إلا ليطاعوا لا ليُكذَّبوا ويُؤذَوا ويُقتَلوا؛ لأن من الرسل من كُذِّب وأُوذِي وقُتِل، ومن الرسل من أُطيع.
وقوله: إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، (إذنُ اللهِ) تعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وشرعي، والمراد به هنا أيش؟ الشرعي، ويحتمل أنه الكوني، يعني ليطاع إذا أذِن الله تعالى بذلك كونًا، ومن الرسل الذين أُرسِلوا ليطاعوا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا فرّع عليه قوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ، يعني لو أنهم حين ظلموا أنفسهم جاؤوك، يعني جاؤوك في حال ظلم أنفسهم، وذلك فيما وقع بينهم من خصومة، فتحاكموا إلى غير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلو أنهم حين حصلت منهم هذه المظلمة، لو أنهم جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا. وقوله: إِذْ ظَلَمُوا، يعني حين ظلموا أنفسهم، وذلك بما وقع بينهم من نزاع وخصومة جَاءُوكَ، أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن المراد جاؤوك في حال حياتك، ويدل لهذا قوله: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ؛ لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم؛ إذ إن عمله انقطع بموته كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» . جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ، أي عما وقع منهم من ظلم، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُتأكيدًا لذلك، لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا. وهنا في قوله: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُفيها إظهار في موطن الإضمار، والأصل: واستغفَرتَ لهم، لكنه أظهر في موضع الإضمار تنبيهًا على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول، وأن استغفار الرسول له مزية على غيره؛ إذ إن دعوة الرسول مستجابة، فلهذا أتى بوصف الرسالة دون الضمير الذي هو في الأصل في هذا المكان. لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًاقلنا: اللام واقعة في جواب (لو)، وأن جَاءُوكَهي خبر (أن)، والتقدير: ولو أنهم جاؤوك حين ظلموا أنفسهم فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، فإعرابه إذن، نعيد الإعراب مرة ثانية: (إذ) ظرف، والظرف لا بد له من متعلَّق وهو متعلق بقوله: جَاءُوكَ. وفَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَمعطوفة على جَاءُوكَ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُمعطوفة عليها أيضًا، لَوَجَدُوا اللَّهَاللام واقعة في جواب (لو)، وعلى هذا فيكون جواب (لو) هو قوله: لَوَجَدُوا اللَّهَ. وقوله: تَوَّابًاالتواب من أسماء الله سبحانه وتعالى، وتوبة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة؛ فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ، ويش بعدها؟ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨]، معنى تَابَ؟ طلبة: وفّقهم للتوبة.
الشيخ: وفّقهم للتوبة، وقدّرها لهم، وأما قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [الشورى: ٢٥] فهو دليل على أن (التواب) تأتي بمعنى: قابل التوبة، ومنه قوله تعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر: ٣]، إذن فالتواب من أسماء الله، وله معنيان؛ الأول: الموفِّق للتوبة، والثاني: القابل للتوبة. وقوله: رَحِيمًاهي أيضًا من أسماء الله، فمن أسماء الله تعالى الرحيم، ورحمة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وهي تكون للمؤمن وللكافر والبر والفاجر، لكنها في الدنيا فقط، وأما الخاصة فهي الخاصة بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣]، وهي تكون في الدنيا وفي الدين أيضًا. ثم اعلم أن رحمة الله تعالى وصف من أوصافه الثابتة له على وجه الحقيقة، وليست كما يزعم أهل التعطيل بمعنى: إرادة الإحسان أو الإحسان؛ لأن أهل التعطيل لا يؤمنون بأن الله له رحمة، ويقولون: كل ما وردت الرحمة فالمراد به الإحسان أو إرادة الإحسان، لماذا؟ لأنهم ظنوا أن الرحمة التي أثبتها الله لنفسه هي كرحمة المخلوق، فقالوا: إن الرحمة فيها نوع عطف وانفعال نفسي ورِقّة، وهذه لا تليق بالله. فيقال لهم: إن هذه الأوصاف أو هذه المعاني التي زعمتموها أيش؟ خاصة برحمة مَن؟ المخلوق، أما الخالق فهو رحيم مع قوته وقدرته، على أن دعواكم أن الرحمة رقة ولين وذل دعوى كاذبة؛ فإنه قد يوجد سلطان قوي، جبروت، وربما يكون له رحمة، لكن من أجل تصورهم أن الرحمة التي أثبتها الله لنفسه هي كرحمة المخلوق أنكروا ذلك، وقالوا: لا يمكن أن يكون لله رحمة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الفتوى الحموية، قال: كل معطِّل فهو ممثِّل. قد تستغرب هذا، تقول: كيف يعطِّل ونقول: إنه ممثِّل؟! لأنه إنما عطّل بناءً على التمثيل، بناءً على أنه إذا أثبت فقد مثَّل، فيكون مثَّل أولًا وعطَّل ثانيًا، مثاله هذه الصفة؛ الرحمة، ومثال آخر الوجه، قالوا: لا يمكن أن يكون لله وجه؛ لأنه لو كان له وجه لزم أن يكون مماثلًا للمخلوق، وهذا مستحيل، فنقول: الآن أنت مثَّلت أولًا وعطلت ثانيًا.
في هذه الآية الكريمة فوائد، أولًا: إثبات الحكمة لله عز وجل في إرسال الرسل؛ لقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. ومن فوائدها: ثبوت قيام الأفعال الاختيارية لله عز وجل، بمعنى أنه تتجدد له الأفعال الاختيارية حسب المفعولات، من أين تؤخذ؟ من قوله: أَرْسَلْنَا؛ لأن إرسال الرسل يتجدد؛ أولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليهم وسلم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات تعليل أفعال الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ أن أفعال الله وأحكام الله معلَّلة، لكن العلة قد تكون معلومة لنا وقد تكون مجهولة لنا، إما على سبيل العموم وإما على سبيل الخصوص. معنى قوله: إما على سبيل العموم، أي أنها تكون مجهولة لكل البشر، أو مجهولة لبعض الناس دون بعض، وإلا فنعلم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها أيش؟ معلَّلة مربوطة بعلل وحِكَم وأسرار، لكن بعضها معلوم للخلق وبعضها غير معلوم. لو قال لنا قائل: لماذا كانت صلاة الظهر أربعًا، لماذا لم تكن ثنتين أو ستًّا؟ نقول: الله أعلم، لا أحد يعلم، لا أحد من البشر يعلم.
ولو قال قائل: لماذا كان لحم الإبل ناقضًا للوضوء؟ من العلماء من يقول: الله أعلم؛ لأنه لا يأتي عن حكمة، ويقول: هذا تعبدي، علينا أن نتعبد لله وأن نتوضأ إذا أكلنا لحم الإبل ولا نسأل، ومن العلماء من يقول: بل هذا معلَّل بعلة، وهو ما للإبل من القوة والشيطنة، فإذا أكل الإنسان من هذا اللحم تأثر به، فيتوضأ من أجل أن تهبط هذه القوة التي حصلت له بأكل لحم الإبل، ولهذا أُمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ ليطفئ الوضوءُ حرارة الغضب. وهكذا أيضًا أعطان الإبل؛ الصلاة في أعطان الإبل بعض العلماء فهِم الحكمة، وبعضهم لم يفهم الحكمة، وربما يختلف العلماء في العلة، فالنهي عن الصلاة في المقبرة ما العلة فيه؟ قال بعض العلماء: العلة أنه يختلط تراب المقبرة بصديد الموتى وما فيه من النجاسات، وقال بعض العلماء: بل العلة خوف الشرك، وأيهما أصح؟ الطلبة: الثاني. الشيخ: الثاني قطعًا أصح، أولًا: لأنه ليس كل مقبرة تكون منبوشة، وثانيًا: الأصل أيش الطهارة أو النجاسة؟ الطلبة: الطهارة. الشيخ: الطهارة، فالمهم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها معلَّلة، لكن منها ما هو معلوم العلة، ومنها ما لا يُعلم، ومنها ما يعلمه بعض الناس دون بعض. ومن فوائد الآية: أن الحكمة الشرعية قد يختلف الحكم فيها، وهي تؤخذ من قوله: إِلَّا لِيُطَاعَ، هذه هي الحكمة الشرعية في إرسال الرسل، لكن قد أيش؟ قد تتخلف، كقوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] هذه هي الحكمة الشرعية، وقد تتخلف. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله عز وجل؛ لقوله: إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، والإذن نوعان: شرعي، وكوني، فمن الأول قوله تبارك وتعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه [الشورى: ٢١] شرعًا أو قدرًا؟ طلبة: شرعًا. الشيخ: ولا يصح قدرًا؟ طلبة: لا يصح. الشيخ: نعم، لا يصح؛ لأنه وقع، فقد أذِن الله به قدرًا، لكن لم يأذن به شرعًا، ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون [يونس: ٥٩] أذن لكم شرعًا، وأما الإذن الكوني فكثير، مثل قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه [البقرة: ٢٥٥]، وكذلك هذه الآية. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة والاستغفار؛ لقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ. ومن فوائدها: أنه يُشرع لمن ظلم نفسه في المخاصمة والمحاكمة أن يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليستغفر الله، ويطلب من الرسول أن يغفر له، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام له الحكم وإليه التحاكم، فمن المشروع أن يأتوا إلى الرسول ويستغفروا الله عز وجل عنده، ويستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان إذا ظلم نفسه فينبغي له أن يذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر الله عنده فيستغفر له الرسول. الطلبة: لا يجوز. الشيخ: لا يجوز؟ طيب الآية؟ الطلبة: في حياته. الشيخ: نعم، الآية في حياته، لكن مع ذلك استدل بها أهل الغلوّ على أن الإنسان ينبغي له إذا أذنب ذنبًا أن يأتي إلى القبر النبوي فيستغفر الله ويستغفر له الرسول، واستدلوا لذلك بقصة مكذوبة؛ رجل أعرابي عَتْبي جاء إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام وأنشد:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ
..........................
إلى آخر البيتين، فلما نام رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: إن الله قد غفر لك ، وهذه قصة مكذوبة، والآية تدل على بطلان هذا القول؛ لأن الآية تقول: إِذْ ظَلَمُواو(إذ) للماضي ولّا للمستقبل؟ طلبة: للماضي. الشيخ: للماضي، لو قال: إذا ظلموا، ربما يكون فيها شبهة، ولكنه قال: إِذْ ظَلَمُوا، على أنه لو قال: إذا ظلموا، لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُيمنع أن يكون ذلك بعد موته قطعًا؛ إذ إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يستغفر لهم بعد موته. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب واستغفر بصدق وإخلاص فإنه سيجد التوبة والرحمة؛ لقوله: لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا. وهل يُستثنى من ذلك ذنب؟ لا، مع التوبة لا يُستثنى ذنب، قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣] هذه آية عامة، كل الذنوب. وهناك آية مفصِّلة: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ. رؤوس الذنوب العظيمة ذكرها الله: لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَهذا الشرك، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَالعدوان على النفس، وهو أعظم العدوان الجسدي، وَلَا يَزْنُونَعدوان على العِرض، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وهل يشمل هذا المنافقين؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم، يشملهم؛ للعموم، ولقوله تعالى في المنافقين خاصة: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٤٥، ١٤٦]. هل يؤخذ من الآية طلب الدعاء من الغير بأن تقول: يا فلان، استغفر الله لي؟ أو يؤخذ منه انتفاع الإنسان بدعاء غيره؟ طلبة: الثاني. الشيخ: نعم، الثاني؛ وذلك لأنه ليس في الآية أنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم، لكن في الآية أنهم استغفروا الله واستغفر لهم الرسول، ولم يُذكر بآية الطلب، ومعلوم أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، فها هو النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -أي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .
وكذلك ذكر الله عن المؤمنين أنهم يقولون: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان [الحشر: ١٠]، وكذلك المسلمون يُصلُّون على موتاهم ويقولون: اللهم اغفر لهم وارحمهم، واغفر له وارحمه، وهذا محل إجماع؛ أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره. ولكن هل يسأل غيره أن يدعو له؟ هذا محل خلاف؛ فمن العلماء من قال: لا بأس أن يسأل من الرجل الصالح أن يدعو له، واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه الرجل ويقول: يا رسول الله، ادع الله أن يغيثنا، فيدعو، وربما يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له بالمغفرة فيدعو له، وبأن الصحابة رضي الله عنهم توسَّلوا إلى الله تعالى في طلب السقيا بالعباس بن عبد المطلب ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أدرك أُوَيْسًا القرني أن يطلب منه الدعاء ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ -أيش- دُعَائِكَ» .
ولكن كل هذه ليس فيها دليل؛ أما طلب الإنسان من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعو له فهذا خاص به؛ ولهذا لم يُنقل أن أحدًا جاء إلى أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي يقول: ادع الله لي. وأما الاستسقاء بالعباس فلأن عمر رضي الله عنه قال: قم يا عباس ادع الله لنا، إنما طلبه أن يدعو لعموم المسلمين، ولا حرج أن تأتي لشخص تؤمل فيه الخير وإجابة الدعوة فتقول: ادع الله للمسلمين أن يغيثهم؛ لأنك لم تدعُ لنفسك. وأما أويس القرني فهو خاص به؛ ولهذا نحن نعلم علم اليقين أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وفقهاء الصحابة أفضل منه، ومع ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا أن يقول: اطلبوا من هؤلاء أن يدعوا لكم، لكن هذا خاص به فقط.
وعلى هذا فالأفضل ألا تسأل من أحد أن يدعو لك، لكن قيّد شيخ الإسلام هذا بما إذا قصدت نفعك الخاص، أما إذا قصدت نفع أخيك بثوابه على دعائه لك، وثوابه على دعاء الملَك له، فإن من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثل، أو ولك مثله ، قال: إنه إذا قصد هذا فقد قصد الإحسان إلى أخيه، فيكون غير داخل في المسألة المذمومة. طالب: يا شيخ. الشيخ: نعم. الطالب: ذكرنا يا شيخ، أن دعوة الرسل مُجابة. الشيخ: نعم، غالبًا. طالب: يا شيخ، بالنسبة لـبِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم(...). الشيخ: يعني بما قدموا، أي: بسبب ما قدموا من المعصية. طالب: سألتني سؤالًا من الدرس الماضي وين إجابة السؤال؟ الشيخ: أيش؟ طالب: إطلاق البعض على الكل. الشيخ: إطلاق البعض على الكل، نقول: إنه إذا أُطْلِق البعض وأُرِيد الكل دلّ هذا على أن هذا البعض شرط في بقاء الكل، فذكر الأخ إشكالًا على ذلك في قوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم، فقلنا: إنهم أجابوا عن هذا بأنه عبر بالأيدي، لا لأنها شرط في بقية البدن، ولكن لأنها آلة العمل غالبًا. طالب: يا شيخ. الشيخ: نعم. الطالب: يا شيخ بارك الله فيكم، قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، ألا يشكل على يا شيخ ما رجحنا فيما سبق أن حديث النفس بحيث يحدِّث الإنسان نفسه ثم أنزل أن هذا نفاقًا؛ لأن هذا حدَّث نفسه واسترسل؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: سبق يا شيخ في.. الشيخ: إنه لا يفطر. الطالب: يا شيخ هذا مثلًا هذا وقر في قلبك وفي صدرك أنه حدث نفسه وبدأ يسترسل، وكل مرة أراد مثلًا يعني يُنزل شهوته يسترسل ويقول: هذا حديث نفس. الشيخ: إيه صحيح. الطالب: ثم ينزل. الشيخ: إيه نعم. الطالب: ويقضي شهوته. الشيخ: ما فعل شيئًا. الطالب: وفي الحديث: «يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» . الشيخ: إي نعم. الطالب: هذا ما ترك شهوته. الشيخ: ما فعل. الطالب: لكنه فعل يا شيخ، استرسل، حديث النفس هذا استرسل معه.
الشيخ: بس الاسترسال هل حصل منه فعل؟ الطالب: نعم. الشيخ: ما حصل منه فعل، نعم، ولهذا قلنا: لو حصل فعل مثل أن يحرِّك ذكره مثلًا، أو يتمرغ على الأرض فسد صومه. طالب: رضي الله عنكم يا شيخ، أليس إذا سلمتُ على النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرد إليه روحه ويسلِّم . الشيخ: نعم. الطالب: السلام؟ الشيخ: بلى. الطالب: قال بعضهم: بما أن الله عز وجل يرد إليه روحه، وقد ورد أن الأنبياء ليسوا بموتى في قبورهم فإنهم يصلُّون ، فإنهم ليسوا موتى، إذن ندعوهم سواء في حياتهم وبعد مماتهم؟ الشيخ: هذا من أمور الغيب أو من أمور الشهادة؟ الطالب: الغيب. الشيخ: هل أمور الغيب يُقتصر فيها على ما سمعنا، أو نأتي بشيء من عندنا؟ الطالب: لا، على ما سمعنا. الشيخ: على ما سمعنا، فنقول: إن الله يرد روح الرسول فيرد السلام، لكن ما نتجاوز هذا، وإلا لقلنا: كيف أصبحت، أيش لونك اليوم، عساك طيب، ثم الحياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، حتى الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، لكن حياة البرزخ غير حياة الدنيا، وإلا لقلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم جَنَوْا جناية عظيمة على الرسول، حيث دفنوه وهو حي. طالب: يا شيخ، أنت قلت: ابن كثير رحمه الله اللي ذكر القصة، كيف نجيبه؟ الشيخ: نجيبه أنه غير معصوم، غير معصوم، وربما أنه في تلك الساعة ما حضره الكلام عليها على سندها.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم تعريضًا في استنباط الفوائد التعريض بأهل البدع والقبوريين أنهم يلجؤون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ميت الآن، يا شيخ، لو فيه واحد من اللي بيفسر هذه الآية وأمامه بعض، يعني مجموعة منهم، أو يظن أنه منهم بعض الناس هل يستحسن أن يعرض عليهم هذه المسألة لينقضها؟ الشيخ: لا بد أن يعرضها ليزيل الشبهة عنهم، لكن لا يعنِّف مثلًا في انتقادهم، بل يقول مثلًا: قد يفهم بعض الناس من هذه الآية كذا وكذا. الطالب: يعني ما يفعل مثلما فعلت يا شيخ. الشيخ: نعم؟ الطالب: كأنك استنبطتها (...) أولًا. الشيخ: كيف؟ الطالب: (...) هذا الاستنباط أولًا، ما نذكر كما ذكرتم أن هذه فائدة وكذا؟ الشيخ: الحكمة ضالة المؤمن، كَلِّمِ الإنسان بما يناسب حاله. طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يظهر في.. إذا رأى أحدنا النبي صلى الله عليه وسلم، ويعني يكون قد رآه، كما جاء في الحديث: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي» ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ظهر لأحدهم في المنام وقال له: إن فلان بن فلان قد غُفِر له، هل الرؤيا هذه تكون صدقًا؟ الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: إذا كان الشيطان لا يتمثل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن من رأى الرسول فهو حق، فرأيتُ الرسول فقال: أخبِر فلانًا بأن الله قد غفر له، كذا؟ هل أُخبر فلانًا، وهل يكون هذا حقيقة أن الله قد غفر له؟ الرسول أخبر بأنه من رآه فقط ولم يذكر عن كلامه شيئًا، وكما قلت لكم: أمور الغيب نقتصر فيها على ما ورد، ولا نقول مثلًا: لو أن الرسول حدثنا بحديث فإننا نأخذ به، ولا يَرِدُ علينا ما ذكرناه لكم من قصة شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن ما ذكره شيء جاءت به السنة وهو الاشتطاط في الدعاء، بل جاء به القرآن.
تفسير الآية (٦٦)
٠١:١٤:٥١
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: ٦٦ - ٧٠]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على قوله تبارك وتعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وأخذنا فوائدها. قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، أيضًا تكلمنا على أول هذه الآية من حيث التفسير والإعراب. يقول عز وجل: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ؛ وذلك لأنهم يكرهون ما يؤلمهم ويؤذيهم في الدنيا، ولا يهمهم إذا كُفُوا هذا الأمر أن يكونوا طائعين أو عاصين.
وقوله: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْلا يراد به أن يقتل الإنسان نفسه، بل يراد به أن يقتل أخاه؛ لأن أخا الإنسان بمنزلة نفسه، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١]، ومعلوم أن الإنسان لا يلمز نفسه وإنما يلمز أخاه. وقوله: أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، هذا أيضًا من الأمور المكروهة للنفوس؛ أن يُخرَج الإنسان من بلده، فإن ذلك من أكره ما يكون على النفوس؛ يدع وطنه الذي عاش فيه، ويدع أملاكه، ويدع الأرض التي كان يعرفها، شاقٌّ على النفوس، لو فرضنا عليهم ذلك ما انقادوا إلا قليل منهم، ما فعلوه إلا قليل منهم؛ وذلك لإيثارهم الدنيا على الآخرة. وقوله: إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْهذا استثناء، والقليل يعني ما دون النصف، والكثير النصف فما فوق، لكن يقال لما فوق النصف: إنه أكثر، ويقال لما دونه: إنه الأقل. وَلَوْ أَنَّهُمْيعني: لو أن هؤلاء الذين تحاكموا إلى غير الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمروا أن يتحاكموا إلى الرسول، لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ، والذي يوعظون به هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْفي الحال والمآل، وَأَشَدَّ تَثْبِيتًاأي: أشد إثباتًا على الحق؛ لأن الإنسان كلما ازداد طاعة لله ازداد إيمانًا ويقينًا وثباتًا. فمن هذه الآية يستفاد أولًا: بيان ضعف الإنسان، وأنه لا يستطيع أن يتحمل كل ما أُمر به إذا كان لا يلائمه، لا سيما مع ضعف الإيمان، خصوصًا إذا قلنا: إن هذه الآية نزلت في المنافقين. ومن فوائدها: أن قتل الناس بعضهم بعضًا من أشق ما يكون على النفوس. ومن فوائدها أيضًا: أن الإخراج من الديار هو من الشاق على النفوس؛ لأن الله تعالى ضربه هنا مثلًا أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناجي من العباد قليل؛ لقوله: مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، ففتش نفسك هل أنت من هؤلاء القليل أو من الكثر؟ وهذا الحكم يشهد له ما ثبت في الصحيحين وغيرهما «أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»، يعني واحد في الألف من أهل الجنة والباقون من بني آدم من أهل النار، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَرَتَاهُ؛ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ»، ثم قال: « إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَشَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . ففرح الصحابة بذلك وكبَّروا. هذا يدل على أن بني آدم الأقل القليل منهم هم الذين ينجون من النار، والباقون من أهل النار، نعوذ بالله منها. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الله سبحانه وتعالى سبب لكل خير؛ لقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. ومن فوائدها: أن الأحكام الشرعية مواعظ؛ ولهذا سمى الله القرآن موعظة، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]. ووجه كون الأوامر والنواهي موعظة أن الإنسان يتَّعظ بها فيمتثل الأمر ويجتنب النهي، وكثير من الناس لا يفهم من كلمة (موعظة) إلا ما كان مقرونًا بالترغيب أو الترهيب، وهذا ليس بشرط. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تفاضل المنازل بين العباد؛ لقوله؟ طالب: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. الشيخ: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الثبات على الحق يختلف؛ منه الشديد القوي، ومنه الضعيف، ومنه المتوسط؛ لقوله: وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى عظيم ما يحصل في المستقبل، وأن الإنسان يُخشى عليه من الزلل إلا أن يثبِّته الله؛ لقوله: وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا؛ لأن التثبيت على غير مواطن الزلل لا يُذكر، إنما يُذكر التثبيت في حال مواطن الزلل. ومعلوم أن الإنسان يَرِد عليه في حياته شبهات ويَرِد عليه شهوات، فالشبهات تدك العلم وتُذهب العلم، والشهوات تدك الإرادة، حتى يصبح الإنسان لا يريد إلا ما يهواه فقط، وهذه آفة؛ فالإنسان يحيط به شيئان: شبهة يزول بها العلم، شهوة تزول بها الإرادة، فإذا لم يثبِّته الله بالعلم والإرادة الصادقة والعزيمة الجازمة فإنه يهلك. هل يؤخذ من هذا أن الإيمان يتفاوت؟ طالب: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. الشيخ: هل يؤخذ؟ أنا لا أريد أن تأتي بالدليل. الطالب: يؤخذ. الشيخ: يؤخذ، وجه ذلك؟ طالب: قوله: لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. الشيخ: وجهه؟ (خير) هذه ماذا ترى فيها؟ هل هي اسم تفضيل أو لا، أسألك؟ الطالب: اسم تفضيل. الشيخ: اسم التفضيل يقتضي وجود مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وهذا هو التفاوت، وكذلك يؤخذ من قوله أيش؟ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًاأن الإيمان يتفاوت.
تفسير الآية (٦٧)
٠١:٢٤:٥٤
ثم قال تعالى: وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، (إذن) ظرف للزمن الحاضر، و(إذ) للماضي، و(إذا) للمستقبل، فهذه العوامل الثلاث أو الأدوات الثلاث تقاسمت الزمان؛ (إذ)؟ طالب: للماضي. الشيخ: وإذا؟ إي نعم. الطالب: للمستقبل. الشيخ: وإذن؟ الطالب: للحاضر. الشيخ: للحاضر، يعني: وإذن لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لأثبناهم على ذلك. لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، (آتى) بالمد بمعنى: أعطى، فهي من أخوات أيش؟ طلبة: (كسا). الشيخ: (كسا)، أي: فهي من العوامل التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف (ظن) وأخواتها؛ فإنها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، مثال ذلك تقول: زيد قائم، أَدْخِل عليها (ظن): ظننت زيدًا قائمًا، وتقول: كسوت زيدًا جبة، احذف العامل، فهل يستقيم أن تقول: (زيد) مبتدأ، و(جبة) خبر؟ لا يمكن؛ ولهذا يفرَّق بين (كسا) وأخواتها وبين (ظن) وأخواتها، (آتى) من أي البابين؟ طلبة: باب (كسا). الشيخ: من باب (كسا)؛ من الباب الثاني، ومفعولها الأول الهاء في قوله: لَآتَيْنَاهُمْ، والثاني أَجْرًا. وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْأي: أعطيناهم، مِنْ لَدُنَّاأي: من عندنا، أَجْرًا عَظِيمًاأي: ثوابًا، وسمَّى الله تعالى الثواب الذي جعله على الأعمال سمَّاه أجرًا؛ ليتبين للإنسان أن هذا الثواب لا بد من حصوله، كما أنه لا بد من حصول الأجر لمن استأجر بيتًا أو نحوه، فلا بد أن يحصل على الأجرة. والعظيم هنا بمعنى الكثير، وبمعنى الشديد، يعني أنه أجر لا يمكن للإنسان أن يدرك كُنهه؛ لأنه عظيم، ووصف الشيء بالعظيم من العظيم يدل على عظمته. يعني، ففي هذه الآية دليل على أن الإنسان يُثاب ثوابًا آخر غير التثبيت الذي ذكره الله في الآية الأولى، وهو أنه ينال ثوابًا عظيمًا من عند الله عز وجل، وكل هذا من أجل الترغيب في فعل ما يوعَظ به العبد. وفي هذه الآية الكريمة دليل على بطلان قول الصوفية الذين يقولون: اعبد الله لله ولا تعبده لثواب الله، وجه الدلالة أنه لولا أن لذكر الثواب تأثيرًا في العمل لكان ذكره أيش؟ عبثًا ولغوًا، والله عز وجل لم يذكر الثواب ويرغِّب في العمل من أجل الثواب إلا ليبين أن نية الثواب لا تُضعِف العمل ولا تنافي الإخلاص، وقد وصف الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم والذين معه بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، فقال: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩]. على أنه جاء في آية أخرى المدح في الذين يبتغون وجه الله، فيكون هذا دليلًا على أنك إن أردت وجه الله فإنك مُثاب، وإن أردت ثواب الله فإنك مُثاب أيضًا. ومن فوائد الآية الكريمة: عِظم هذا الثواب؛ من وجهين: الأول إضافته إلى الله، في قوله: مِنْ لَدُنَّا؛ لأن عطاء العظيم عظيم، والثاني من قوله: أَجْرًا عَظِيمًا.
تفسير الآية (٦٨)
٠١:٣٠:٠٢
{وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}، صِرَاطًاهذه فيها قراءتان: بالسين، والصاد؛ {سِرَاطًا}، وصِرَاطًا، وهذه أيضًا تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ المفعول الأول الهاء في قوله: لَهَدَيْنَاهُمْ، والثاني صِرَاطًا. (هديناهم): الهداية هنا تشمل هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والرشاد، وقد مرّ علينا أنه إذا عُدِّي العامل بـ (إلى) فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جُرِّد من حرف الجر شمل هذا وهذا، وذكرنا لهذا شواهد؛ فمن شواهد المعدَّى بـ (إلى) قوله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم [الشورى: ٥٢].