تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة المائدة - ٣٢

درس صوتي · ٩٢:٠١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

وهذا إذا طبقته على بني آدم فأيهما أكثر: الخبيث أو الطيب؟ طلبة: الخبيث (...). الشيخ: الخبيث؟ طلبة: نعم. الشيخ: الخبيث من بني آدم أكثر؟ طلبة: نعم. الشيخ: صحيح، الخبيث من بني آدم أكثر لو أعجبك، كذلك لو أعجبك كثرة الخبيث بقوته وإنتاجه لا يهمنك؛ كما في قوله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [البقرة: ٢٢١] لا يهمنك. الخبيث باطل، والله عز وجل يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء: ١٨]، شوف كلمات قوية نَقْذِفُ بِالْحَقِّيعني نرمي بشدة، فَيَدْمَغُهُيصيب دماغه ولا يُفلت ولا يبقى لحظة عين، ولهذا قال: فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ، والفاء للترتيب والتعقيب، و(إذا) فجائية تدل على مفاجأة الزهوق، وأنه يكاد أن يكون الزهوق قبل أن يُدمغ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ، ولكن لاحظوا يا إخوانا أن السيف بضاربه، يعني الحق لا بد أن يكون الحامل للحق قويًّا في ذات الله، لا يهمه أحد في ذات الله، وحينئذٍ يندحر الباطل ويقوم الحق. وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [المائدة: ١٠٠] الفاء للتفريع، أي فبناء على ذلك وعلى كثرة الخبيث اتقوا الله، لا يعجبنكم كثرة الخبيث، وبتقوى الله يحصل المطلوب ويزول المرهوب. وقوله: يَا أُولِي الْأَلْبَابِشوف النداء كيف يداخل القلب يَا أُولِي الْأَلْبَابِأي: يا أولي العقول، أي: يا أصحاب العقول، والمراد بالعقول: ذوات الرشد وحسن التصرف، وليس عقل الإدراك قد يكون عند الكافر من عقل الإدراك أكثر مما عند المؤمن، لكن عقل الرشد منفي عن الكافر مطلقًا (...) عقل الرشد لأنه لو كان عنده عقل الرشد. طالب: ما كفر. طالب آخر: لآمن. الشيخ: لآمن ولم يكفر، لكن ليس عنده عقل الرشد، إذن يا أصحاب العقول أي العقول؟ طلبة: الراشدة. الشيخ: الراشدة التي تعرف ما ينفعها فتقوم به وما يضرها فتجتنبه. ولَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَأي: لتفلحوا، فـ(لعل) هنا للتعليل، أين المعلل؟ طالب: (...). الشيخ: لا هذا.. طالب: (...). الشيخ: الاتقاء، تقوى الله يعني لأجل أن تفلحوا إذا اتقيتم الله عز وجل، والفلاح كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا الفلاح. طالب: بارك الله فيكم، دائمًا الإنسان يواجه بعض المنكرات وتكون كثيرة، ويعني يتحير هل ينكر أم لا، لم يكن منكرًا كثيرًا، ولو أنكر قد يحصل فيه خير، وقد لا يحصل خير، قد يواجه ضمن الاستهزاء مثلًا. الشيخ: أما مسألة الاستهزاء فلا بد من هذا في الغالب، لا بد من هذا، ولكن هل يحصل أذى؟ الطالب: نعم، نفسي نعم. الشيخ: لا، ما هو نفسي، إلا أذى جسميًّا. الطالب: لا. الشيخ: لا يحصل الأذى، يصبر الإنسان ويحتسب، ورب كلمة انتفع بها واحد من هؤلاء فتنفعه، ولكن لا يشترط في الأمر الإعلان هكذا، يستطيع يمسك الرؤساء خاصة من هؤلاء القوم ويتكلم معهم بهدوء ويبين لهم، والرؤساء إذا وُفقوا للهداية اهتدى بهدايتهم كثير من الناس. الطالب: شيخ أحيانًا الواحد يواجه شخصًا يعني من شكله ما أكلمه (...) مضطر. الشيخ: ما أكثر هذا، وما أكثر الانتفاع، ترى بعض الناس ما هو على شكله، شكله صحيح يعني تظن أنه (...) لكن تجد نفسه لينة، وهذا مجرب، يعني: قد تقول: حليق اللحية مسبل الثوب وجهه ما هو بوجه الخيِّر، لكن سبحان الله قلبه لين أقل ما يبغي يقولك إذا لم تأته بعنف بيقول: جزاك الله خيرًا وأسأل الله الهداية، وهذا مجرب، خذ بيده بس بسهولة، تنَحَّ به عن الطريق قليلًا وكلمه تجد خيرًا كثيرًا، لكن بلانا من أنفسنا إذا شفنا الواحد يخالف فالإنسان يغار ما يتحمل ثم يبدأ يتكلم بكلام يعني ينفر صاحبه. طالب: ذكرنا بأن الأصل هو وجوب البلاغ، لكن المشكلة يا شيخ ما نقل عن بعض الأئمة وبعض العلماء أنهم يقولون: إني لا أعطي علمي إلا من يستحق العلم، ولا أبثه إلا في أهله، فهل من تعارض مع قولهم؟ الشيخ: لا، هو قصده -إن صح هذا الخبر- قصده الجلوس للناس يعلم أنه ما يجلس إلا للناس يريدون العلم حقيقة، ما يريدون الضحك على الذقون. الطالب: بس يا شيخ مثلًا أحيانًا يكون الإنسان راكب السيارة، معه قوم، ويعرف أنهم ما يريدون النصيحة، ويريد استغلال الوقت، فهل يقوم مثلًا ينصحهم، يذكرهم، يعطيهم.. الشيخ: لا، هذا ما يصح هذا، أحيانًا راكب السيارة ما يصعد على طول يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ويهم يجيب مواعظ، ما هم متحملين هذا، لكن يقدر يدخل على عقولهم بأشياء؛ إما قصص، ولتكن قصصًا مضحكة، ما يهم، أو مسائل علمية غريبة يلقيها عليهم؛ حتى تتهيأ أذهانهم لهذا. وإلا معلوم أن الواحد إذا جلس مجلسًا يقول: يَلّه بسم الله الرحمن الرحيم يعظهم، قد يستثقلون هذا، كل مقام له مقال. طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أحيانًا يجلس الإنسان مع جماعة يكونون على منكر، لو أنه قام لم يستفد منهم شيئًا، ولم يستفيدوا منه شيئًا، لو أنه أنكر عليهم مباشرة لن يتقبلوا منه، فهل يضغط على نفسه ويجلس مكرهًا في هذا المكان؟ الشيخ: لا بأس، كالطبيب يشق الجرح ويشم رائحة كريهة من أجل إصلاحه، ولأحد العلماء تأثير بالغ في بعض جهات المملكة، كان يدخل معهم في منكرهم ويحتفل معهم باحتفالات (...).


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة: ١٠١، ١٠٢].

الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. طلبة: فوائد الآية السابقة. الشيخ: فوائد التي قبلها، الآية اللي قبلها فقط، قال الله تعالى: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [المائدة: ٩٩] هذه الآية تتمة لما قبلها في قوله: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨] يعني وسيحاسبكم، ثم بيّن وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي الآية: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ. طلبة: (...) فوائد التي قبلها. الشيخ: أخذتوها طيب قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُإلى آخره [المائدة: ١٠٠]. من فوائدها: أنه لا يستوي الخبيث والطيب عند الله عز وجل، ولا عند أصحاب العقول، وهذا في مراتبهم عند الله وعند ذوي العقول، أما فيما يعملون من أمور الدنيا فإنه قد يكون الخبيث أكثر من الطيب عملًا، كما هو مشاهد الآن، فإن الدول الكافرة أقدم من الدول المسلمة فيما يتعلق بأمور الدنيا. ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعتبر بالكثرة، وإنما يعتبر بالكيف، لا بالكم؛ لقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ. ومن فوائدها: أنه إذا اجتمع قوم للشورى ثم تنازعوا في شيء فإننا نعتبر من هو أقرب إلى الصواب، إذا كان الفرق يسيرًا نعتبر من هو أقرب للصواب، فإن تساووا فهنا نعتبر الأكثر؛ لأن المقصود هو الحق، فإذا علمنا أن هؤلاء القلة في جانبهم الحق من حيث العلم والثقة والأمانة والمعرفة فإنهم يقدَّمون على الأكثر، لكن إذا تساووا اعتبرنا الأكثر؛ لأنه لا طريق لنا إلى الترجيح إلا هذا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف الخبث والطيب يكون في الأعمال ويكون في الأعيان، فالمؤمن طيب في ذاته وعمله، والكافر خبيث نجس في ذاته وعمله، لكن نجاسته في ذاته ليست نجاسة حسية كنجاسة البغل والحمار، ولكنها نجاسة معنوية. ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان قد يعجب بما ليس محلًّا للإعجاب؛ لقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وأن من تقوى الله ألا يعجب الإنسان بالخبيث ولو كثر؛ لأنه ذكر الأمر بالتقوى بعد قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين يخاطبون بالتقوى وبمثل هذه الأحكام العظيمة هم أصحاب العقول؛ لقوله: يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، والمراد بالعقول هنا: عقول الرشد، لا عقول الإدراك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وسبق معنى الفلاح.

تفسير الآية (١٠١)

٠٠:١٣:٣٧

ثم قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمإلى آخره. الخطاب بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواسبق الكلام عليه مرارًا فلا حاجة لإعادته. لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم(أشياء) هنا ممنوعة من الصرف، وعلل الصرفيون كونها ممنوعة من الصرف أن الهمزة فيها للتأنيث وليست أصلية (...) لكن فيها إعلال بالتقديم والتأخير بحروفها، حيث قدمت الهمزة الوسطى إلى أولها فصارت (أشياء)، ولذلك لو أردت أن تزنها فوزنها فعلاء. عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْيعني: إنْ يُبدَ لكم الجواب عنها فإنه يسوؤكم الجواب، وهذا يشمل كل ما سكت الشرع عنه، ثم صار السؤال عنه سببًا للمشقة على الناس واستيائهم مما حصل، ومن ذلك ما كان بعض المسلمين يسألون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الرجل منهم يسأل: من أبي؟ وأين أبي؟ وما أشبه ذلك، فإن هذا من الأمور الذي يجب السكوت عنها، لو أن رجلًا قال للرسول عليه الصلاة والسلام: من أبي؟ فقال: أبوك فلان، غير أبيه، لكان في هذا فضيحة له ولأبيه ولأمه، فالسكوت عنه هو الأدب، كذلك إذا قال: أين أبي؟ فإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أبوك في النار أساءه بلا شك، وكان هذا أيضًا فيه إساءة إلى من؟ إلى الأب. كذلك في الأشياء الواجبة، الأقرع بن حابس لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» قال: أفي كلِّ عامٍ؟ هذا سؤال غير وجيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو قال: نعم لوجبت، ولشق ذلك على المسلمين أفرادًا وجماعاتٍ، أفرادًا لأن الإنسان إذا فرض عليه أن يحج كل عام يشق عليه، جماعات لو أن الأمة الإسلامية قيل لها: من قدر منكم الحج فليحج كل عام، ما الأرض التي تسعهم؟ لا تسعهم الأرض، فلهذا كان السؤال في غير وجهه، فما أعظم الجرم ممن سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته، أو لم يجب فوجب من أجل مسألته.

قال: إِنْ تُبْدَ لَكُمْأي: يظهر لكم جوابها تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْيعني: إن سألتم عنها في زمن الوحي الذي ينزل فيه القرآن تبد لكم، من يبديها؟ يبديها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي وجه السؤال إليه. عَفَا اللَّهُ عَنْهَايعني عفا الله عما سكت عنه، ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا سَكَتُّ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» . وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌغفور للذنوب، حليم في العقوبة، فلا يعاجل عباده بالعقوبة؛ كما قال عز وجل: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر: ٤٥]. في هذه الآية فوائد: أولًا: أنه مما ينافي كمال الإيمان أن يسأل الإنسان عن شيء لم يكلَّف به؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا. وهل يشمل هذا زمن الوحي وما بعده، أو هذا خاص في زمن الوحي الذي يمكن أن يثبت به التحريم أو الإيجاب؟ الثاني، في زمن الوحي، أما فيما بعد الوحي فلا بد أن يسأل الإنسان عن دينه، ولذلك نقول: إن ما يفعله بعض العوام إذا قيل له: هذا حرام، هذا واجب، اسأل العلماء، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْهذا حرام، حرام من وجهين: الوجه الأول: أنه امتنع من السؤال مع وجود مقتضيه، والثاني: أنه نزّل الآية على غير تنزيلها، على غير ما أراد الله. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يسوؤه ما شرعه الله عز وجل من إيجاب أو تحريم، ولكن المؤمن وإن كره ذلك بطبيعته لا يكره من حيث كونه شرعًا لله عز وجل، ولهذا قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦]، ما المكروه؟ هل هو القتال أو فرضية القتال؟ القتال، دون فرضيته، المؤمن يرضى بكل ما فرض الله وبكل ما أوجب وبكل ما حرم ومنع، لكنه قد يكرهه من جهة مشقته وتعبه وما أشبه ذلك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أي سؤال يرد في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أن يجاب عنه؛ لقوله: وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ، ولذلك تجدون في القرآن الكريم أسئلة كثيرة موجهة للرسول عليه الصلاة والسلام فيجيب الله عنها: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢١٩]، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٩]، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: ٢٢٠]، فلا بد أن يجاب؛ لقوله: إِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ. لكن إذا قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل أحيانًا فلا يجيب؟ قلنا: بلى، لكنه لا يجيب لأنه لم ينزل عليه فيه وحي، ولو نزل عليه فيه وحي لأجاب. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما سكت الله عنه فهو عفو؛ لقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. نضرب لهذا مثلًا: يسأل كثير من النساء عن حكم إزالة الشعور من الساقين أو الذراعين فهل هو حرام أو حلال؟ لننظر الشعور تنقسم ثلاثة أقسام: قسم نهي عن إزالتها، وقسم أمر بإزالتها، وقسم مسكوت عنه؛ مما أمر بإزالته ما جاء في الفطرة، ومما نهي عن إزالته اللحية، ومما سكت عنه بقية الشعور، فهل نقول: إنها مما سكت عنه فتكون حلالًا، أو نقول: الأصل في تغيير خلق الله أنه حرام فتكون حرامًا؟ الجواب: الأول، أنه مما سكت عنه، ولو شاء الله عز وجل لأنزل فيه قرآنًا، أو لتكلم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الحشرات وأشباهها ثلاثة أقسام: قسم أُمر بقتله، وقسم نُهي عن قتله، وقسم مسكوت عنه، مما أُمر بقتله أيش؟ طالب: الكلب والعقرب. الشيخ: العقرب والحية والكلب العقور، ومما نهي عن قتله النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد، ومما سكت عنه البقية، فهل نقول: إن البقية يجوز قتلها بدون إيذاء أو نقول: لا، الأصل أنها حيوان خلقه الله عز وجل ليُستدل به على قدرته وسعة علمه ورحمته، ولأنها تسبح بحمد الله فلا تُقتل إلا إذا كان فيه أذية. في هذا ثلاثة أقوال: قولان معلومان عندي إلى الآن لم أنسهما، الثالث نسيت، الأول: أنه يكره أن تقتل هذه الحشرات بدون أذية؛ إذا لم يكن منها أذية، أما إذا كان منها أذية فتقتل، فيكره أن يقتلها؛ لأنها تسبح بحمد الله، ولأن فيها آية من آيات الله، وهي أن الإنسان كلما تأملها عرف بذلك سعة علم الله ورزقه ورحمته، فيكون فيها مصلحة للعباد، فلا تُقتل، ولكن على وجه الكراهة. القول الثاني: أن ذلك مباح؛ لأنه مما سكت الله ورسوله عنه، وما سكت الله عنه فهو عفو. والثالث: التحريم، لكنني لم أُجَوِّده؛ لأنه إذا لم يكن منها أذية كان قتلها مجرد عبث، وفيه أيضًا تعويد النفس على العدوان، هذا إذا لم تؤذ، أما إذا آذت فلا شك في جواز قتلها، ولكن الأفضل أن يدافعها بما هو أهون، فمثلًا إذا دخلت الحية في جحرها، وهذه مما أمر بقتله، وصار قتلها إما بالماء يغرقها أو بالنار تحرقها، أيها أولى؟ الماء، الأول، بالماء، هذه الحشرات أيضًا التي لم يؤمر ولم يُنهَ عن قتلها نقول فيها: إذا كان فيها نوع أذية فإن أمكن أن تطردها حتى تسلم من الأذية بدون قتل فهو أولى، وإذا لم يمكن إلا بالقتل فاقتلها ولا حرج عليك. ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منزل ممن؟ طلبة: من الله. الشيخ: يُنَزَّلُ الْقُرْآنُما ذُكر الفاعل لكنه حُذف للعلم به؛ لأن المنزل للقرآن هو الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله؛ لقوله: تُبْدَ لَكُمْ؛ لأن المبدي للبشر مباشرة هو الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البناء على الأصل في براءة الذمة، تؤخذ من قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْهَا، فالأصل عدم شغل الذمة بإيجاب أو تحريم. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الأسمين لله عز وجل: الغفور والحليم، فهو غفور للذنوب حليم عند العقوبة، فلا يعاجل، لقد قال ابن القيم رحمه الله:

وَهْــــــوَ الْحَلِيـــــمُ فَـــــلَا يُعَاجِـــــلُ عَبْـــــدَهُ

بِعُقُوبَــــــةٍ لِيَتُـــــــــوبَ مِـــــــنْ عِصْيَــــــــــــــانِ

تفسير الآية (١٠٢)

٠٠:٢٨:٠٧

ثم قال: قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ طالب: أحسن الله لكم، بعض الحشرات طبيعتها أذية، لكنه ما بدت منها أذية، هل يقتلها؟ الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: الحية مثلًا، طبعها أذية، والعقرب كذلك، هل يعني بمجرد ما رأيناه..؟ الشيخ: إي نعم؛ لعموم الأمر بقتلها، ثم إذا لم يكن منها أذية، وهذا في الحية، يعني مجرب الحية أحيانًا ما تلدغ أبدًا، حتى إني رأيتها أنا بعيني مشت على رجل امرأة قد مدت رجليها ولم تنلها بسوء، أما العقرب فيا ويل من مسته، ما تعطي فرصة إطلاقًا، ولا سمعنا بعقرب لا تلدغ، اللهم إلا كان عقارب أفريقيا ما ندري. طالب: هنا وهناك سواء. الشيخ: أجل طبيعتها أن تلدغ على طول ولا تعطي مهلة. الطالب: شيخ، ما رأيك يا شيخ في بعض الناس يستخدمون هذه الآية مضرب أمثال. فمدرس مثلًا يسأل في مادة: هل هذا معنا مثلًا؟ فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.. الشيخ: لا يجوز؛ لأن السؤال الذي ورد لا يتناسب مع معنى الآية. طالب: بارك الله فيك، هل كل ما ينافي كمال الإيمان محرم؟ الشيخ: نعم، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: كل شيء نُفي الإيمان عن فاعله فهو من كبائر الذنوب. الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، فيه آلة لقتل الحشرات بالكهرباء (...)؟ الشيخ: لعلك هذه إي نعم والسؤال؟ الطالب: هل جائزة لقتل الحشرات؟ الشيخ: إي نعم جائزة؛ لأن ما هي تحرق بالصعق، ثم إن هذا المؤذي إذا لم نتمكن من القضاء عليه إلا بالإحراق فلا بأس؛ كما أحرق النبي صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير، مع أن النخل في الغالب يكون فيها أفراخ الطيور وغيرها. طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل من الأذية أن العنكبوت يبني بيتًا في الجدران وفي المساجد هل هذه طبيعته؟ الشيخ: والله لا، هي الحقيقة تختلف، بعض العناكب تبني البيوت وتجيب أشياء مؤذية في النظر تعلقها، هذه مؤذية لا شك، كذلك أيضًا في المكتبة قد تعشش على الكتب، هذه مؤذية، لكن الغريب أن الناس يقولون: إن العنكبوت لا يجوز قتله مطلقًا لو تعشش على رأسك، لماذا؟ طلبة: (...). الشيخ: قالوا: لأنها عششت على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، هذا ما هو صحيح، تعشيش العنكبوت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الغار غير صحيح أبدًا، ولم يمنع رؤية الكفار إلا حماية الله عز وجل، ولهذا قال أبو بكر: والله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا ، بعض العلماء أورد الحديث لكنه ضعيف: أمر بقتل العنكبوت نقول: لا أمر ولا نهي، هي من الحيوانات التي تركها أولى، لكن إذا حصل منها أذية ولو قليلة فلا بأس أن تقتلها. الطالب: والأصل فيها أنها تبني بيتها معروف (...) فهل يقتل الإنسان بمجرد ما يشوفه يقتله؟ الشيخ: لكن إذا قدرنا أن مثلًا فيه درجة في البناء الأول، خشب وجريد، وبنتْ بين الخشب والجريد، ما يؤثر هذا، لكن في مثل البناء المسلح الآن لا شك تشوه المنظر، هي تجيب ما شاء الله ممن يدخر القوت تجيب أشياء. طالب: له فوائد العنكبوت. الشيخ: فوائد، ما هي؟ الطالب: يقتل النمل يا شيخ. الشيخ: النمل. الطالب: النمل الصغير. الشيخ: لا بد أن تثبت هذا، ائتنا بعنكبوت ونملة غدًا إن شاء الله ونشوف. لا، هو الحقيقة يقتل الذباب وتجده يتخبى له ويمسك بنفسه، حتى إذا قرب قفز، سبحان الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. طالب: عفا الله عنك يا شيخ، المسمى بالحية يا شيخ، اسم الحية نوع من الهوام، بس كبيرة، منها الدابة السريعة اللي منها (...) هذا ما (...). الشيخ: اللي أيش؟ (...). الطالب: وهذه الحية بطيئة الممشى. الشيخ: هذا صدقت هذه اللي أنا رأيتها مشت على ساق المرأة أو قدمها هكذا طويلة شوية. الطالب: إي نعم، أما الحية اللي تجيء قصيرة (...) هذه يا شيخ ما تخلي أحد. الشيخ: إي هذا، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الجنّان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، الأبتر: هو كما وصفت قصير ومتين وذَنَبه قصير أيضًا، هذا شديد. طالب: شيخ أحسن الله إليك، في بعض الأحيان يطرأ الإنسان أسئلة، يعني يطرأ في ذهن الإنسان أسئلة، إن سأل عنها قد تكون أسئلة يعني غريبة أو تُحمل في قسم يعني أنها أسئلة بدعية أو شيء، هذه الأسئلة إذا سكت عنها يكون مخالفًا لأمر الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل: ٤٣]. الشيخ: إذا كان مما يجب على الإنسان اعتقاده أو عمله لا بد أن يسأل. الطالب: ولو كانت غريبة يا شيخ؟ الشيخ: ولو كانت غريبة، لكن إذا كانت من التنطع والتكلف كالذي قال: كيف استوى على العرش مثلا هذا لا يسأل (...).


الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [المائدة: ١٠٢- ١٠٤].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما نهى الله سبحانه وتعالى هذه الأمة أن يسألوا عن أشياء سكت الله عنها، وأنهم إذا سألوا عنها فلا بد أن تبين لهم حين نزول القرآن؛ لئلا يبقى المسلمون في حيرة من دينهم، ولئلا يكون في الدين نقص. بين عز وجل أن مثل هذه المسائل قد سألها قوم من قبل هذه الأمة، ولكن لم يقوموا بما أوجبوا به، وأبين مثلا لذلك قصة البقرة حين قتل قتيل وشكوا فيمن قتله فأمرهم نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم أن يذبحوا بقرة، فظنوه يمزح عليهم وقَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة: ٦٧]، مِنَ الْجَاهِلِينَيعني: من المعتدين، ليس من الجهل الذي هو ضد العلم، كما قال الله تبارك وتعالى في الإنسان: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢] يعني: ولن أعتدي فأسخر بكم، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌيعني: كبيرة في السن، وَلَا بِكْرٌصغيرة، عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [البقرة: ٦٨]، هذا سؤال هل له داعٍ؟ لا، ليس له داعٍ، اذبحوا بقرة يذبحوا، أيّ بقرة تكون ويحصل الامتثال؛ لأن البقرة معلومة الجنس، وأما كونها معلومة اللون أو معلومة السن أو معلومة الفعل فليس بلازم. انتقلوا إلى سؤال آخر: قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا [البقرة: ٦٩] سبحان الله! هل طولبوا بلون معين؟ لا، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَاليس فيها سوى الأصفر تَسُرُّ النَّاظِرِينَفي حجمها ولحمها وسمنها وهيكلها، اقتصروا على هذا؟ لا، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [البقرة: ٧٠] لكن هم بقر! إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، وهل يتشابه البقر بعد هذا الوصف الأول والثاني؟ لا يتشابه، ومع هذا قالوا: إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، فلم يجزموا بالهداية ولا أظنهم والله أعلم ذكروا ذلك تبركًا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا [البقرة: ٧١] أربعة أوصاف شدد عليهم قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّالآن، وقبل؟ ما جاء بالحق؟! فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَيعني ذبحوها بعد التي واللتيا وما قاربوا أن يفعلوا، لكن رأوا أنهم لا بد أن يفعلوا، هذا من التعنت، يعني لو أنهم ذبحوا بقرة من أول الأمر انتهى الموضوع ولم يكن إشكال، والأمثلة على هذا كثيرة في القرآن والسنة لمن تدبرها، أن الذين سألوا سؤال التعنت ابتلوا -والعياذ بالله- بالإباء والاستكبار. قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ(أصبح) هنا مجردة عن الزمان، فهي بمعنى (صار)، كما قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج: ٦٣] تصبح في الصباح ولَّا في أي وقت من الزمن؟ في أي وقت، لكن مثل هذا يعبر به في اللغة العربية مجردًا عن إرادة الزمان الذي هو الإصباح. ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَو(أصبح) بينها وبين (كان) نسب، ما هو؟ طلبة: أختها. الشيخ: أنها أختها، أخت كان، يعني أنها تعمل عملها، والأخوة تصدق بأدنى سبب، فتكون الواو اسمها و(كافرين) خبرها. في هذه الآية الكريمة من الفوائد: ضرب الأمثال بالأمم السابقين، حتى نقتنع بأنه لا ينبغي لنا أن نسأل؛ لأن غيرنا سأل وكفر. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من قبلنا كانوا يسألون ولكن يَهلِكون بالسؤال، ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عمن سبقنا، لفظ الحديث: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» يسألون ثم يختلفون عليهم، لا يوافقونهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يتعرض لما قد يكون محنة عليه، ولهذا جاء في الحديث النهي عن أن يتعرض الإنسان لشيء لا يستطيعه؛ فإن هذا من البلاء والذل. وربما يؤخذ من هذا منهاج حسن في كل شيء، مثال ذلك: لو أن رجلًا ماله قليل وبنى له بيتًا، وصار يمكن أن يستغني بفراش يجلس عليه ومضربة ينام عليها ووسادة يتكئ عليها، لكنه أراد أن يفعل ما يفعله الأغنياء، من أن يملأ البيت كله فراشًا، وأن يأتي بفراش فخم وما أشبه ذلك، نقول: لا تتعب نفسك، فإن هذا من الإشفاق على النفس وأن يلحق الإنسان دَين في ذمته فيعجِز، وفي الأمثال العامية أيش؟ مد رجلك على قدر لحافك؛ لأن لو مددتها مستطيلة واللحاف قصير طلعت فأصابها البرد.

تفسير الآية (١٠٣)

٠٠:٤٥:١٦

ثم قال الله عز وجل: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ. قوله: مَا جَعَلَ(ما) نافية، والجعل هنا بمعنى الشرع، أي: ما شرع الله. واعلم أن (يجعل) تأتي بمعنى (خلق) وبمعنى (صيّر) وبمعنى (شرع). تأتي بمعنى (خلق)، مثل قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]. و(جعل) التي بمعنى (خلق) لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، وتأتي بمعنى؟ طلبة: (صير). الشيخ: (صير)، وهذه تتعدى إلى مفعولين، مثل قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ: ١٠، ١١]، وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢] والأمثلة في هذا كثيرة. وبهذا نعرف ضلال الجهمية الذين استدلوا بقول الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] حيث قالوا: إِنَّا جَعَلْنَاهُأي: خلقناه، فيقال: هذا دليل على لكنتهم وعدم معرفتهم للغة العربية؛ لأن (جعل) إذا تعدت إلى مفعولين ويش قلنا؟ طالب: (...) تعدى إلى مفعولين. الشيخ: إلى مفعولين، فإنها لا تكون بمعنى (خلق) أبدًا، بل تكون بمعنى (صير). القسم الثالث: تأتي بمعنى (شرع) كما في هذه الآية، هنا يتعين أن تكون بمعنى (شرع)، ولا يجوز أبدًا أن نجعلها بمعنى (صير) أو (خلق)؛ لأن الأمر واقع فيه البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجود، وعليه فنقول: ما جعل الله أيش؟ طلبة: ما شرع الله. الشيخ: أي: ما شرع الله. مِنْ بَحِيرَةٍ(من) هذه زائدة للتوكيد، توكيد النفي، ولهذا نقول عند إعرابها: (من) حرف جر زائد زائد، كيف؟ حل لنا هذا اللغز، (من) حرف جر زائد زائد، هل (زائد) الثانية توكيد للأولى؟ طالب: زائد في الإعراب وزائدة في المعنى. الشيخ: نعم زائد في الإعراب، يعني أنه لو حذف لاستقام الكلام، زائدة أي زائدة المعنى؛ لأن كل شيء في القرآن لا يمكن أن يزاد بلا معنى إطلاقًا؛ إذ إن زيادة الكلمة أو الحرف بدون معنى لغو، والقرآن منزه عن هذا؛ إذ هي زائدة إعرابًا زائدة للمعنى، أي: تزيد، إذن ما هو الذي زادته في هذا السياق؟ طلبة: (...). الشيخ: نعم توكيد النفي. مِنْ بَحِيرَةٍالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام هذه أسماء لها اصطلاحات مختلفة عند العرب، خلاصتها أنها إما أن تكون لآلهتهم وإما أن يحرموها أكلًا وركوبًا وانتفاعًا بلبنها وأصوافها وأوبارها، وهم على اختلاف بينهم في متى تكون بحيرة إلى آخره، لكن علامة البحيرة عندهم أن تشق أذنها شقًّا واسعًا، مأخوذة من البحر، البحر واسع أليس كذلك؟ متى يشقونها؟ لهم اصطلاح في هذا، إذا ولدت كذا وإذا ولدت كذا، المهم أنها اصطلاحات مختلفة. وَلَا سَائِبَةٍالسائبة: هي التي تترك، سائبة أي: متروكة مسيبة، وهذا أيضًا متى تسيب؟ عندهم في ذلك اصطلاح يختلف، لكن النهاية أنها تسيب ويحرمون ركوبها والانتفاع بها وألبانها.

وَلَا وَصِيلَةٍالوصيلة: هي التي تكون بكرًا تلد أنثى أول ما تلد ثم توصلها بأنثى أخرى، يعني: البكر تلد بطنين على التوالي، كلاهما أنثى، فيكون هذه وصلت أنثى بأنثى، فتحرم أو تجعل للآلهة. وَلَا حَامٍنحتاج إلى إعراب (حام)؟ طالب: معطوفة على (بحيرة). الشيخ: كمل. الطالب: و(بحيرة) منصوب، والعطف على المنصوب منصوب (...) اسم منقوص. الشيخ: هل هي منقوص أو حرف صحيح (حام)؟ الطالب: لا، منقوص. الشيخ: منقوص، أصلها؟ الطالب: حامي. الشيخ: (حامي) نعم، إذن هو اسم منقوص محذوف الياء: وَلَا حامِي. والحامي من الحماية، وهو الذي حمى ظهره فلا يركب، إذن هو جمل، ويختلفون فيه متى يكون حاميًا؛ بعضهم قال: إذا أنجب عشرة أولاد، وبعضهم قال خلاف ذلك، المهم أن هذه أوصاف لأزواج من الأنعام، الإبل والبقر والغنم متى حصلت حرمت هذه البهيمة أو جعلت للأصنام. وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوامعطوفة على مَا جَعَلَ اللَّه، وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَحيث يقولون: إن هذه محرمة وهذه محللة افتراءً على الله عز وجل. وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَأكثر هؤلاء الكفار لا يعقلون؛ لأنهم همج رعاع تابعون لأكابرهم، فأكثرهم لا يعقلون، يعني: ليس لهم عقل يرشدهم، مع أن الله ذكر في أوصاف الكفار في آية أخرى أنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]، لكنه قال: أَكْثَرُهُمْلأن هنا إمامًا ومقلدًا، من الأئمة عندهم؟ أئمة الكفر الذين يحللون ويحرمون بأهوائهم العوام يتبعونهم، ويقولون: وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢]، ولهذا قال: وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْأي قيل لهؤلاء الأكثر تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِتَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُيعني: إلى القرآن لنتحاكم إليه وَإِلَى الرَّسُولِأيضًا لنتحاكم إليه ليكون التحاكم إليه، وهذا في حياته يؤتى إليه شخصيًّا، وَإِلَى الرَّسُولِقالوا في جواب من يقول لهم: تَعَالَوْا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاأي: كافينا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَايعني: وليس لنا حاجة أن نتحاكم إلى القرآن ولا إلى الرسول؛ لأن لدينا ما يكفينا، وهو ما كان عليه آباؤنا. قال الله عز وجل: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَيعني: أيقولون هذا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون، وهذا في غاية التوبيخ أن يتبعوا آباءهم، وآباؤهم ليسوا على علم. لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًايعني شيئًا من شريعة الله، وإلا فهم يعلمون كيف يأكلون وكيف يشربون، كيف يذهبون ويجيئون، لكن لا يعلمون شيئًا من شريعة الله. وَلَا يَهْتَدُونَالطريق الذي يوصلهم إلى الله عز وجل، فنفى عنهم العلم والعمل، لَا يَعْلَمُونَهذا نفي العلم، وَلَا يَهْتَدُونَنفي العمل. في هذه الآية الكريمة فوائد: منها إطلاق الجعل على التشريع؛ لقوله: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ. ومنها: بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريم هذه الأنعام الموصوفة بهذه الصفات: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ومن فوائدها: الإنكار على الكفار حيث شرعوا هذه الشريعة وحرموا هذه الأشياء الأربعة. ومنها: أن كل من أتى بشريعة ليست من عند الله فإنه يصدق أن نقول: إنه افترى على الله الكذب، لكن من اجتهد من هذه الأمة، وبذل الوسع في الوصول إلى الحق، وحكم بغير الصواب، فإنه لا يقال: إنه افترى على الله كذبًا، بل يقال: إنه اجتهد وأخطأ وله أيش؟ أجر واحد، وهذا والحمد لله من سعة رحمة الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر الإفتاء وأن الإنسان قد يفتي بالشيء، فيكون ممن افترى على الله كذابًا، وقد كان السلف -رحمهم الله- إذا استفتي أحدهم يقول: لا أفتي حتى أنظر الصراط بين يدي، فهل أنجو منه أو لا أنجو؟ وكذلك الإجابة هل ينجو منها أو لا ينجو؟ ووالله إن هذا لدليل على تعظيم الله عز وجل وهيبته في القلب، ألا يقدم الإنسان حتى يعرف أنه سوف ينجو في العبور على الصراط، ولا شك أن الفتوى أمرها عظيم وخطرها عظيم، وما أشد زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب. نسأل الله العافية. ومن فوائد هذه الآية: ذم أولئك الذين يقولون بلا علم وأنهم قد فقدوا عقولهم؛ لقوله: وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، وصدق الله عز وجل، كل إنسان يقدم على الفتوى بالتحليل أو التحريم أو الإيجاب بدون علم فهو غير عاقل، وإن ظن أنه صار إمامًا فإنه غير عاقل، وسيفضحه الله عز وجل إما في الدنيا وإما في الآخرة، يعني قد يمهل الله له ويكون إمامًا في وقت ما لغفلة الناس وعدم العلماء، ولكن النتيجة سوف يكون مخذولًا والعياذ بالله؛ لأن كل من ابتغى الإمامة في غير دين الله فإنه مخذول. ومن فوائد الآية الكريمة: أن التحري في الإفتاء من العقل، ولقد كان السلف الصالح يتدافعون الإفتاء ويؤجلون المستفتي، حتى إنهم ذكروا أن قومًا أتوا من خُراسان من المشرق إلى المدينة يستفتون الإمام مالكًا -رحمه الله- في مسألة، فقال: أنظروني، وبقوا خمسة عشر يومًا ينتظرون الفتوى، في النهاية قال: ليس عندي علم، قالوا: سبحان الله! إمام دار الهجرة ليس عنده علم، ونحن أتينا من بلاد بعيدة وأقمنا في انتظار هذه الفتوى وتقول ما عندي علم! قال: نعم، أقول: ما عندي علم، اذهبوا إلى قومكم وقولوا: إن مالكًا يقول: ليس عندي علم، وهو إمام، لكن الإنسان يعرف أنه سيقف بين يدي الله عز وجل، وسيسأله: لماذا حكمت في عبادي بما لم تعلم أنه حكمي، أو يغلب على ظنك أنه حكمي إذا كنت من أهل الاجتهاد، فالمسألة خطيرة -نسأل الله أن ينجينا وإياكم- الإنسان لولا أنه يقول: لعلي أكون إمامًا في الخير لقال: ليتني لم أرزق هذا العلم، لكني أقول: نرجو الله عز وجل التوفيق للصواب وأن نكون أئمة في دين الله وندخل في قوله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٧٤].

تفسير الآية (١٠٤)

٠١:٠٠:٥٣

ثم قال عز وجل: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاهذا لمن؟ هؤلاء العوام، لما ذكر العلماء في الآية الأولى ذكر العوام. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ. يستفاد منها: أن هؤلاء العوام يوجهون ويرشدون ويدعون إلى الكتاب والسنة، وأبهم القائل إما لكثرة القائلين وإما لاختلاف مراتبهم؛ لأن كثرة القائلين توجب أن الإنسان ينصاع ويأتي، والمرتبة العليا أيضًا توجب أن الإنسان ينصاع ويأتي.

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الله تبارك وتعالى أنزل الكتاب القرآن. ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن كلام الله، فإذا قال قائل: لا يلزم من كون الله أنزله أن يكون كلامه؛ لأن الله يقول: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥]، ويقول: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الأنعام: ٩٩] فهل تجعلون الحديد من صفات الله أو الماء النازل من السماء؟ لا، لا نقول هذا، إذن يقول: القرآن مخلوق كما خلق الحديد وكما خلق الماء النازل من السماء، تمويه من أهل الباطل؛ لأن أهل الباطل يتبعون المتشابه. فنقول لهم: هل الكلام عين قائمة بنفسها جسم أو غير جسم قائم بنفسه، أو لا بد لكل كلام من متكلم؟ الثاني، لا شك؛ لأن الكلام وصف، لا بد أن يكون من موصوف، إذن إذا أضاف الله إنزال القرآن إلى نفسه علمنا أنه كلامه؛ لأن القرآن كلام، فيكون في هذا دليل واضح على أن القرآن كلام الله. فيه أيضًا دليل على علو الله عز وجل؛ لقوله: إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل أبين وأظهر من أن تقام عليه الأدلة، ولكن السلف وأهل السنة والجماعة اجتهدوا في تقرير الأدلة؛ لأن هناك من ينازع في علو الله عز وجل، وإذا وجد منازع فلا بد أن يكون له مقابل، وإلا لضاعت الشريعة، يعني أقول: العلو أبين من أن يحتاج إلى أيش؟ إلى تكثير الأدلة، لكن لما كان في الأمة الإسلامية التي تستقبل قبلتنا وتنحر نسيكتنا من ينكر العلو صار لا بد أن نأتي بالأدلة من كل وجه. من أدلة العلو: القرآن: فهو مملوء من الأدلة على علو الله عز وجل العلو الذاتي. السنة كذلك مملوءة وعلى جميع وجوهها: القول والفعل والإقرار. إجماع الصحابة موجود، ما منهم أحد قال: إن الله ليس في السماء، وهم يقرؤون القرآن ويسمعون السنة، ما أحد منهم قال: إن الله ليس في السماء، وعلى هذا فيكونون مجمعين على ما دل عليه الكتاب والسنة، وهذا الطريق به نعرف إجماع الصحابة أن القرآن يتلونه والسنة يسمعونها ولم يرد عنهم ما يخالفها، فإذن هم قائلون به أليس كذلك؟ فإذا طلبك إنسان بإجماع الصحابة على مثل هذه الأمور فقل: إنهم يقرؤون القرآن ويسمعون السنة ويشاهدون الفعل من الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يرد عنهم ما يخالف ذلك، إذن هم مقرون بهذا؛ لأنهم أهل اللسان وأعرف الناس بمعاني القرآن والسنة. العقل أيضًا دليل على علو الله سبحانه وتعالى؛ لأن كل إنسان يعلم أن العلو صفة كمال ما فيه إشكال، وأن السفلة صفة نقص، والرب عز وجل يجب له الكمال من كل وجه، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢] صنم تعبده لا يسمع دعاءك ولا يبصر حالك، ولا يغني عنك شيئًا. الفطرة: تحتاج إلى دليل؟ ما يحتاج، كل إنسان يؤمن بالله عز وجل وأنه حي موجود فإنه لا يمكن أن يتصور إلا أنه في السماء، لو أتيت العجائز اللاتي لم يقرأن ما كتب حول الموضوع وقلت: أين الله؟ ويش تقول؟ طالب: في السماء. الشيخ: تقول: في السماء، ولا تقول: خلي بطالع وأشوف، الجواب: في السماء، حتى الجارية التي أعتقها معاوية بن الحكم رضي الله عنه لما سألها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ اللهُ؟» قالت: في السماء ، فأي حكم يكون أثبت من حكم دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. ومن فوائد هذه الآية: وجوب الرجوع إلى ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن الله أنكر على هؤلاء الذين قالوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. ومن فوائد الآية: أن من تعصب لقول إمام والتزمه وأصر عليه مع وجود الكتاب والسنة ففيه شبه من هؤلاء الكفار؛ لأنه إذا قيل له: تعال إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قال: حسبي إمامي، فيكون فيه شبه من هؤلاء الكفار. وقد أنكر قوم التقليد إنكارًا عظيمًا، وقابلهم آخرون فأوجبوه، وقالوا: إن باب الاجتهاد قد سد من زمان ولا مناص للأمة الإسلامية الآن من التقليد، فصاروا طرفي نقيض؛ قسم ينكر إنكارًا عظيمًا ويقول: التقليد شرك والتقليد دأب المشركين ولا يمكن أبدًا إلا أن يعرف الإنسان الحق بنفسه، وقسم آخر بالعكس قال: ما في الكتاب مذهب هو الحق، ولو بان بالكتاب والسنة أنه غير صحيح فالزم المذهب لا تخرج عنه، وقد أدركنا هذا، أدركنا من يقول: المرجع الإقناع والممتع، وإياك أن تخرج عما فيهما، حتى وشوا ببعض الناس إلى السلطات حين ذكروا ما هو الراجح من الأقوال، وقالوا: هذا خارج عن المذهب. وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، ومن اعتقد أن أحدًا من الناس من العلماء وإن كبر، بل من الصحابة، يجب التزام قوله عزيمة ورخصة وتحليلا وتحريمًا؛ فإنه ضال مبتدع يستتاب، فإن تاب وإلا أدبه الحاكم بما يرى أنه يردعه وأمثاله. القسم الثالث: توسط في التقليد والاجتهاد، قالوا: من أمكنه الاجتهاد ومعرفة الحق بنفسه لم يحل له أن يقلد، ومن لا فله أن يقلد، واستدلوا بقول الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] ولم يأمر الله تعالى بسؤالهم إلا للرجوع إلى قولهم، وإلا لكان سؤالهم لغوًا لا فائدة منه، وبقول الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] وبأن الله تعالى أباح التيمم عند عدم الماء، كم هذا؟ كم من دليل؟ طلبة: ثلاثة. الشيخ: ثلاثة، وبأن الله أباح الميتة عند الضرورة، إذا لم يجد الإنسان إلا ميتة فإما أن يأكلها فيبقى أو لا يأكلها فيهلك، يقال: يجب أن تأكلها وجوبًا، فإن لم تفعل فأنت آثم، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام رحمه الله: اجعل التقليد كالميتة، لا تحل إلا عند الضرورة. ومن فوائد الآية الكريمة: حسن الجدال في القرآن الكريم، حيث أقام الحجة على هؤلاء الذين قالوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، بأن آباءهم لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ، فهم ضالون في علمهم وفي عملهم.


تفسير الآية (١٠٥)

٠١:١٢:٢٠

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المائدة: ١٠٥ - ١٠٨].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ. طلبة: (...). الشيخ: قواعد التفسير. طالب: (...) الفوائد. الشيخ: الآن ما حضّرت شيئًا، يعني بمعنى إلا إذا كان لديكم شيء نبحث فيه لا بأس، أما الآن ما حضرت شيئًا. طالب: شيخ، كتب التفسير. الشيخ: كتب التفسير ما أحيط بها. الطالب: طيب أحسن طريقة لقراءة كتاب تفسير. الشيخ: أحسن طريقة أخبرتكم بها أن الإنسان يتدبر الآية بنفسه حتى يتبين له ما شاء الله أن يتبين، ثم بعد ذلك يرجع إلى كتب التفسير؛ لئلا يكون أخطأ في الفهم. الطالب: شيخ مثل كتاب ابن كثير فيه فوائد في التفسير وفوائد في الفقه وفوائد في الحديث، فالإنسان إذا قرأ من كتاب تفسير مثل هذا يجمع كل ما أتى فيه، أم يمر مرورًا يعني سريعًا، يعني الفائدة المرجوة كيف يستفيد الإنسان؟ الشيخ: هو أهم شيء معرفة القرآن، وما زاد فهو فضل أحيانًا، ابن كثير رحمه الله يتكلم على المسائل الفقهية في نفس التفسير، وأحيانًا لا يتكلم، أما القرطبي فهو دائمًا يتكلم على مسائل الفقه، فهو يعتبر تفسيرًا وفقهًا. طالب: أحسن الله عملك، المنهجية في قراءة كتب التفسير هل هناك يعني منهجية خاصة يبتدئ الطالب مثلًا في المختصرات ثم يتدرج إلى المطولات؟ الشيخ: ما أعرف من المختصرات إلا تفسير الجلالين، وتفسير الجلالين لا أرى يقرأ به إلا رجل فحل؛ لأنه كالرموز. نبدأ لأن هذه أسئلة ما لها قيمة في نظري. يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْالخطاب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواتكرر علينا كثيرًا والحمد لله، وعرفنا ما يترتب على هذا الخطاب.

عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْأي الزموا أنفسكم بالإصلاح، عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْيعني الزموا أنفسكم، ولهذا (على) تعتبر نائبة مناب اسم الفعل، أي الزموا أنفسكم بإصلاحها وطلب الهدى لها. لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ؛ لأن الناس قد يقولون إذا كان هناك فسقه أو كفار فإننا نخشى على أنفسنا من هذا، فبين الله عز وجل أنه لا يضرنا أن ذلك لا يضرنا إذا أصلحنا أنفسنا، وهذا كما جاء في الحديث: «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ» . وقوله سبحانه وتعالى: إِذَا اهْتَدَيْتُمْيعني: إذا استقمتم على صراط الله، ومن الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر بقدر الاستطاعة، فليس في الآية ما يدل على إسقاط أو على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من أعظم الهداية وأتم الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر. إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًايعني: إلى الله مرجعكم أيها المؤمنون، وكذلك غير المؤمنين، فالمرجع إلى الله عز وجل، ويوم القيامة يفصل الله تعالى بين الخلائق. فَيُنَبِّئُكُمْأي: يخبركم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَإنباءً يترتب عليه الثواب أو العقاب. فإن قال قائل: أليس قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ذات ليلة محمرًّا وجهه يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ». قال: «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وأشار بالسبابة والإبهام –هكذا- قالوا: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» ، قلنا: هذا لا يعارض الآية؛ لأنه إذا هلك الصالحون بسبب الفتنة التي حصلت من هؤلاء فإن ذلك لا يضرهم؛ لأن الهلاك مصير كل حي، لكنه لا يتضرر في دينه؛ كما قال الله عز وجل: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥] وبهذا الوجه يتبين أن لا معارضة بين هذه الآية وبين ما جاء في الحديث. فمن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان وأن أهله أهلٌ لأن توجه إليهم الخطابات؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. ومن فوائدها: أن إصلاح النفس والعناية بها من مقتضيات الإيمان، فعليك نفسك، اعتن بها، أصلحها ما استطعت. ومن فوائدها: أن ضلال من يضل لا يترتب عليه ضرر المهتدي، يعني الضرر المعين الشخصي، وأما الضرر العام، وهي العقوبة العامة، فهذه قد تكون وقد لا تكون أيضًا، أليس الله تبارك وتعالى إذا أخذ الأمم السابقة ينجي النبي ومن معه؟ بلى، إذن ليس من الضروري أن الله سبحانه وتعالى إذا أخذ المجرم بالعقوبة أن تشمل حتى المؤمن ولكن قد يكون. من فوائد هذه الآية: انقسام الناس إلى ضال ومهتد؛ لقوله: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، والضلال له سبب، والهداية لها سبب. سبب الضلال الإعراض عن دين الله وعما جاءت به الرسل؛ لقول الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: ٥]، ومن أسباب الهداية الإقبال على الله عز وجل وعلى ما جاءت به الرسل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين إذا لم يهتدوا فقد يسلَّط عليهم أعداؤهم فيضرونهم؛ لأن الله اشترط لعدم الضرر اشترط أيش؟ الهداية، فإذا لم يهتد المؤمنون فيوشك أن الله تعالى يسلط عليهم الأعداء فيضرونهم في أموالهم أو أهليهم أو أوطانهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرجع إلى الله عز وجل، لا إلى غيره، وجه الدلالة من قولي: لا إلى غيره، تقديم ما حقه التأخير، يعني إِلَى اللَّهِخبر مبتدأ مقدم، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص فالمرجع إلى الله عز وجل. وهل المراد بالمرجع المرجع يوم القيامة أو المرجع حتى في الدنيا؟ فإننا عند النزاع نتحاكم إلى الله ورسوله؟ الجواب: المراد هذا وهذا، فالمرجع إلى الله عز وجل، لكن قد يقوي أن المراد به المرجع يوم القيامة قوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإيمان بالبعث؛ لقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ، والإيمان بالبعث أحد أركان الإيمان الستة، فمن أنكره أو شك فيه فهو كافر، يعني يجب عليك أن تؤمن إيمانًا قاطعًا بأن الناس سيبعثون ويحاسبون. ومن فوائد الآية: أن كل إنسان يبعث صغيرًا كان أم كبيرًا، وذلك بتأكيد هذا في قوله: جَمِيعًا، ولكن هل من سقط من بطن أمه قبل أن تنفخ فيه الروح هل يبعث يوم القيامة؟ الجواب: لا، لا يبعث؛ لأنه لم يكن إنسانًا. ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ [المؤمنون: ١٤] فبين جل وعلا أن الخلق بعد نفخ الروح غير الأول وأن الأول عبارة عن قطعة لحم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل شيء قد أُحصي على الإنسان، من أين يؤخذ؟ أن كل شيء قد أُحصي على الإنسان؟ طالب: بِمَا كُنْتُمْ. الشيخ: بِمَا كُنْتُمْو(ما) هنا من صيغ العموم، فكل شيء فهو مكتوب، لكن هل يمحى بعد كتبه؟ الجواب: نعم يمحى بعد كتبه، لكن القرار على ما في اللوح المحفوظ، أما الأعمال التي تتكرر اليومية فإنها قد تُثبَت وقد تُمحَى؛ لقول الله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتْبِعِ الْحَسَنَةَ السَّيِّئَةَ تَمْحُهَا» ، وقوله تبارك وتعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤] لكن ما استقر في اللوح المحفوظ فإنه لا تغيير فيه لأنه انتهى. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحاسَب الإنسان على حديث النفس، لا يحاسب على حديث النفس، من أين يؤخذ؟ طالب: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. الشيخ: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَوحديث النفس ليس عملًا، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ، ولكن إذا ركن الإنسان إلى حديث النفس واطمأن إليه واعتقده فحينئذٍ يكون عمل عملًا قلبيًّا أو جوارحيًّا؟ قلبيًّا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

تفسير الآيات (١٠٦- ١٠٨)

٠١:٢٨:٤٧

ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْإلى آخره، هذه الآية في قصة، سافر كافران مع رجل مسلم، ثم حضرته الوفاة، وليس معهم مسلم، فأشهدهما على وصيته، فهل تقبل شهادة هذين الرجلين أو لا تقبل؟ الحكم يعرف من هذه الآية، والمسألة مسألة ضرورة؛ لأنه لا يوجد مسلم، فإذا لم يوجد مسلم اضطررنا إلى قبول شهادة الكافر، وللحديث سبب مذكور، فلنفسر الآية ونقرأ السبب إن شاء الله. شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُيعني إذا مرضتم مرض الموت، وليس المراد حضور الأجل بالفعل؛ لأنه إذا حضر الأجل بالفعل فقد لا يُعتبر قول الإنسان. إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِقوله: حِينَ الْوَصِيَّةِمتعلق بـشَهَادَةُ؛ لأن (شهادة) مصدر تعمل عمل الفعل، فيصح أن يتعلق بها الظرف والجار والمجرور، يعني شهادتكم حين الوصية إذا حضر أحدكم الوصية اثنان. ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْأي: صاحبا عدل مِنْكُمْأيها المؤمنون، فالخطاب هنا (منكم) للمؤمنين عمومًا، وهذا لا إشكال فيه أن يشهد الإنسان على وصيته كم؟ طلبة: اثنان. الشيخ: أن يشهد اثنان ذوا عدل ما فيه إشكال. أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْثم ذكر الله تعالى الصورة التي دعت الضرورة إلى إشهاد من ليس بمسلم أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، كلمة مِنْ غَيْرِكُمْتشمل كل ملل الكفر، وإن كانت القضية وردت في اثنين من أهل الكتاب لكن العبرة بعموم اللفظ.

مِنْ غَيْرِكُمْيعني: سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم. إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِأي: سافرتم فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِنعم قبل أن نتجاوز. قوله: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْهل هي للتخيير أو للتنويع؟