تفسير سورة المائدة - ٣١
درس صوتي · ٩١:٢٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ومن فوائد الآية الكريمة: سعة عفو الله عز وجل؛ لقوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ [المائدة: ٩٥].
ومن فوائدها: أن من فعل محظورًا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه ولا كفارة ولا جزاء، انتبه، هل يمكن أن نأخذ هذه الفائدة من الآية؟ طالب: نعم. الشيخ: يمكن أو لا يمكن؟ ننظر، عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَما سلف فعله الصحابة قبل نزول حكمه، فهو أصلا لم يُحرَّم، وأما إذا كان الإنسان جاهلًا فقد فعله بعد نزول حكمه، ويكون هذا المانع من العلم خاصًّا به، فبينهما فرق؛ بين شخص فعل محظورًا لم يحرَّم وشخص آخر فعل محظورًا قد حُرِّم ولكنه جاهل، فالصورتان لا شك أنهما مفترقتان. لكن يقال: لماذا عفا الله عنه؟ للجهل لا شك؛ لأنه ما نزل حكم، فالصواب: أن جميع الشرائع لا تلزم مع الجهل، لكن ربما يكون الإنسان قد فرَّط وقصَّر في الطلب؛ بمعنى أنه قيل له: إن هذا واجب أو إن هذا حرام، وقصَّر في طلب الحق وصار كما يقول العوام الذي يستدلون بالقرآن إذا كان موافقًا لهواهم: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]، وهذا تنزيل للقرآن في غير محله، فالصحيح على كل حال أن الجاهل معذور لا يأثم، ولا تلزمه الكفارة، ولا غير ذلك. فإن قال قائل: ينتقض هذا عليكم بقصة الرجل الذي جامع زوجته في رمضان وأتى يستفتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه لا يدري ماذا عليه؟ فالجواب: أن الرجل ليس جاهل، الرجل عالم بالحكم لكنه جاهل بما يترتب على الحكم، والجهل بما يترتب على الحكم ليس بعذر؛ لأن الفاعل قد انتهك المحظور عن علم فليس له عذر، وعليه فيفرق بين الجهل بالحكم والجهل بما يترتب على الحكم. ومثل ذلك: لو أن رجلًا يعلم أن الزنا حرام فزنى وهو ثيِّب، فما عقوبته، ما حده؟ الرجم، فقال: امسكوا، لو علم أن حده الرجم ما زنى، فنقول: لا نمسك؛ لأن الجهل بما يترتب ليس بعذر، أنت الآن فعلت الزنى معتقدًا أنه حرام وتعلم أنه حرام فلا عذر لك. ولهذا لو سألك سائل قال: ما تقول فيمن زنى وهو جاهل أتقيم عليه الحد أم لا؟ إن قلت: لا، أخطأت، وإن قلت: نعم، أخطأت، فأقول: إن كان جاهلًا بالحكم أيش؟ فلا يقام عليه الحد، وإن كان جاهلًا بالعقوبة أقيم عليه الحد. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العفو لله عز وجل، ومن أسمائه تعالى العفوُّ، وفي الدعاء المأثور الذي ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأم المؤمنين عائشة حين سألته: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» ، تحب العفو منك لعبادك والعفو من عبادك لإخوانهم فاعف عني. فما هو العفو؟ العفو عدم المؤاخذة على الذنب، والأكثر أن العفو في ترك الواجب، والمغفرة في فعل المحرم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من عاد إلى قتل الصيد بعد علمه؛ لقوله تعالى: وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة: ٩٥]. ومن فوائدها أيضًا: إثبات الاسم الكريم (العزيز) لله عز وجل، والعزيز بمعنى الغالب الذي لا يغلبه أحد، والعزيز بمعنى الذي يمتنع عليه النقص بأي وجه من الوجوه، والعزيز هو ذو العزة التي تكسب من اتصف بها قدرة وسلطانًا وغير ذلك. ومن فوائد الآية: أن الله تعالى ذو انتقام، لكن ممن؟ من المجرمين، كما قال تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]؛ ولهذا لا يوصف الله تعالى بالانتقام مطلقًا، ولا يسمى بالمنتقم؛ لأن الله تعالى قيد الانتقام بمن؟ طالب: بالمجرمين. الشيخ: بالمجرمين، فنقيد ما قيَّده الله عز وجل. وهنا كلمة ذُو انْتِقَامٍلا تدل على أنه وصف مطلق لله، بل ذُو انْتِقَامٍأي: صاحب انتقام فقط، لكن ممن؟ من المجرمين. طالب: شيخ -بارك الله فيكم- مشكلة العذر بالجهل في حديث أسامة لما قتل الرجل (...) رضي الله عنه، (...) جاهل بالحكم، أو أنه مجتهد وأخطأ؟ الشيخ: إي، هو متأول. الطالب: وغضب عليه النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا ؟ الشيخ: نعم، ما فيه شك؛ لأن المسألة خطيرة؛ مسألة القتل، أليس المخطئ عليه الكفارة؟ القتل له شأن خاص. الطالب: يعني غضب النبي صلى الله عليه وسلم تأنيبًا لأسامة أم تحذيرًا منه؟ الشيخ: لا، تحذيرًا، وإلا لقتله؛ لأنه قتل نفسًا معصومة، الرجل هذا لما قال: لا إله إلا الله، عصم. طالب: أحسن الله إليك، قلنا: اختلف العلماء في هل يعادل بالصيد أو بمثله، القول الراجح في هذه المسألة؟ الشيخ: إحنا ذكرنا هذا. الطالب: لا، ما.. الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ الطالب: لا. الشيخ: لا، ذكرناه قلنا: الآية محتملة، ولو قال قائل بأنه ينظر للأحظ للفقراء؛ إن كانت قيمة الصيد أكثر قوَّمنا الصيد، إن كانت قيمة الجزاء أكثر قوَّمنا الجزاء، لو قيل بهذا لكان له وجه، قياسًا على قيمة العروض في الزكاة إذا كانت تبلغ النصاب في الذهب ولا تبلغ بالفضة أو بالعكس، بماذا نقوِّمها؟ طالب: بالأحظ. الشيخ: بالأحظ، ثم قلنا أيضًا: ولو قال قائل بالعكس وهو: أن الأصل براءة الذمة فلا نلزمه بالأكثر لكان له وجه، فالآية عندي محتملة لهذا وهذا، والإنسان نرجو أنه إن أخذ بهذا لا يأثم، أو بهذا لا يأثم، ما ذكرت هذا؟ طالب: الجزم. الشيخ: الجزم، الله أعلم. طالب: الآيات المكية اشتملت على أصول الدين من إثبات التوحيد والرسالة وهذه الأشياء لا يقع فيها النسخ، فكيف نقول: تنسخ الآية؟ الشيخ: ما نقول (...)، أين أنت؟ هل قلنا: إن جميع الآيات المكية تنسخ؟ الطالب: ليس جميعها. الشيخ: ليس جميعها. الطالب: لكن هي لم تأتِ بإثبات شرع؛ يعني حكم من أحكام الدين مثل الآيات المدنية؟ الشيخ: كيف ما جاء بالإثبات؟ جاءت بأثبت الإثبات. الطالب: (...). الشيخ: على أيش؟ الطالب: يعني مثلاً حكم من أحكام الصيام أو شرب الخمر، أحكام.. الشيخ: لا، الصيام فيه حكم، الصيام نسخ مرتين، بل ثلاث مرات. طالب: بعض العلماء يقول: الآيات المكية لا يقع فيها النسخ أبدًا؟ الشيخ: لا، ما هو بصحيح، أبدًا، غير صحيح، كلها تحتمل، لكن معلوم أن أصول الدين ما يمكن نسخها. الطالب: ما تقول: يقع النسخ في الآيات المكية في نفسها يعني؟ الشيخ: لا، ما نقول هكذا، لكن نقول: الآيات اللي هي أصول الدين ما يمكن تنسخ. طالب: حديث أسامة رضي الله عنه فيه شهد باللسان، وهل من احتمى بمثل ما احتمى ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله يعصم دمه؟ الشيخ: نعم، يعصم دمه حتى يتبين خلاف ما قال. الطالب: لو قال بهذا مشركون ومقاتلون ربما يعني..؟ الشيخ: ما يخالف، ولهذا فعلًا في حرب الأفغان مع الروس بعضهم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، إذا يعني أدركهم المقاتلون.
تفسير الآية (٩٦)
٠٠:١١:٤٤
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٦ - ٩٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ، لما بيَّن الله سبحانه وتعالى في الآيات الماضية حكم صيد البر للمحرم ذكر حكم صيد البحر فقال: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، والمحِل هو الله عز وجل؛ لأنه الذي بيده التحليل والتحريم والإيجاب. وقوله: لَكُمْالخطاب للمقيمين في البلاد بدليل قوله: وَلِلسَّيَّارَةِأي: السائرين؛ أي: المسافرين يتزودونه بأمتعتهم. وقوله تعالى: صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُصَيْدُبمعنى (مصيد)، وهو ما أخذ حيًّا، وَطَعَامُهُما يطعم بدون صيد، وهو ما يلفظه البحر من السمك والحوت، فيكون على هذا كل ما في البحر حلال، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد. وقوله: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِمَتَاعًامفعول من أجله؛ أي: من أجل أن تتمتعوا به، وقد بيَّن الله تعالى في آيات أخرى أنه سخر البحر لنأكل منه لحمًا طريًّا، وكما هو مشاهد الآن أن لحم البحر من أطيب اللحوم. وقوله: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًاحُرِّمَالمحرِّم هو الله عز وجل، وقوله: صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًاهل المراد بصيد البر مصيدُه؛ أي: ما صيد، أو المراد أن تصيدوه؟ طالب: الثاني. الشيخ: الثاني هو المراد؛ لأن المصيد فيه تفصيل على ما سبق؛ يعني: حرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البر، هذا المعنى يحتاج إلى تقدير، والتقدير: صيدكم صيد البر؛ لأن البر لا يُصاد، فلا بد من تقدير. أما إذا قلنا: إن الصيد بمعنى المصيد، فإنه لا حاجة إلى التقدير، ويكون معنى صَيْدُ الْبَرِّيعني: ما صيد فيه، وقد مر علينا أن الصيد المحرَّم كل أيش؟ حيوان بري حلال متوحش. وقوله: مَا دُمْتُمْ حُرُمًاأي: حالة كونكم محرمين حتى تحلوا. وَاتَّقُوا اللَّهَاتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أعمُّ ما قيل في تفسير التقوى أنها: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(الذي) صفة للاسم الكريم (الله)، وإِلَيْهِ تُحْشَرُونَصلة الموصول، وقُدِّم الجار والمجرور على عامله لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات، ففي ذلك فائدة معنوية وفائدة لفظية؛ الفائدة المعنوية: الحصر، والفائدة اللفظية: مناسبة رؤوس الآيات. ومعنى تُحْشَرُونَأي: تجمعون إليه، وذلك يوم القيامة، فإن الناس يحشرون إلى الله تبارك وتعالى كما جاء ذلك في السنة مبينًا. في هذه الآية فوائد؛ منها: حِلُّ صيد البحر للمحلين والمحرمين، ويؤخذ من قوله: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا. ومن فوائدها: أنه لو وجد ماء فيه سمك داخل حدود الحرم فإنه يكون حلالًا؛ لعموم قوله: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ، ثم قال: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا، وهذا هو القول الراجح. وقال بعض أهل العلم: بل هو حرام وفيه الجزاء؛ لأنه في مكان آمن. وقال آخرون: هو حرام لكن لا جزاء فيه، ولكن ظاهر الآية الكريمة أنه حلال. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع حيوان البحر حلال، يؤخذ من الإضافة صَيْدُ الْبَحْرِ، والإضافة تقتضي العموم، فيشمل كل ما في البحر من سمكٍ وحيتانٍ، صغير وكبير، مشابه للإنسان، مشابه للذئاب، مشابه للخنزير، أي شيء؛ لأنه عام صَيْدُ الْبَحْرِ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع ما في البحر مما يطعم من سمك وأشجار وغيرها حلال؛ لعموم قوله وَطَعَامُهُ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في حل صيد البحر دون صيد البر؛ لأن الأول تناوله سهل ولا يلهو به الإنسان كما يلهو به في صيد البر، ثم هو صيد خفي في باطن المياه، فلا يكون كالصيد الظاهر على سطح الأرض. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى جواز ادِّخار لحم البحر، تؤخذ من قوله: وَلِلسَّيَّارَةِيعني: السائرين في السفر. وهل مثل ذلك لحم صيد البر؛ يعني في غير الإحرام؟ الجواب: نعم، لكن يشترط في ذلك ألَّا يصل إلى حد الضرر، فإن وصل إلى حد الضرر بأن أنتن وقبحت رائحته وخيف على الإنسان منه صار إما مكروهًا، وإما حرامًا؛ لقول الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]، وقوله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم صيد البر على المحرمين؛ لقوله: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا. وقد عرفتم هل المراد مصيده أو صيده؟ فإن كان المراد صيده فالأمر ظاهر، ولا إشكال فيه أنه يحكم على المحرم أن يصيد صيد البر، لكن إذا قلنا: المراد المصيد، فهل نأخذ بعموم الآية ونقول: إن المصيد من البر حرام على المحرم سواء صاده هو، أو صيد لأجله، أو صاده حلال لغيره؟ وقد عرفتم الخلاف في هذا؛ أن بعض العلماء يقول: إن المحرم لا يجوز أن يأكل من صيد البر سواء صيد له أو صيد لغيره أو صاده بنفسه، وبيَّنا فيما سبق أن القول الراجح من أقوال العلماء: أنه إن صاده المحرم فهو حرام، وإن صيد له فهو حرام، وإن صاده حلال لنفسه فهو حلال للمحرم، وهذا هو القول الراجح الذي تجتمع فيه الأدلة. ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يحل الصيد؛ صيد البر لمن حلل التحلل الأول، وجه ذلك: أن من حل التحلل الأول لم يزل محرمًا، باقٍ عليه من محظورات الإحرام النساء، أفهمتم؟ هذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم وقال: إنه لا يحل الصيد بعد التحلل الأول كما لا يحل النساء، ولكن قد دلت السنة على أنه إذا حلَّ التحلل الأول حلَّ له كل شيء إلا النساء . بقي أن يقال: الذي يحل التحلل الأول سيكون في منى، ومنى من الحرم، فهل تجيزون للمحرم في هذا المكان أن يصيد؟ الجواب: لا، لا نبيح له ذلك؛ لأنه في الحرم، وصيد الحرم حرام على المحِل وعلى المحرم، لكن لو فرض أن هذا المحرم خرج إلى عرفة، وعرفة من الحل، فهل يجوز أن يصيد أو لا؟ ينبني على الخلاف؛ من قال: إن الصيد لا يحل للتحلل الأول قال: لا يحل أن يصيد، ومن قال: إنه يحل له كل شيء إلا النساء -وهو القول الراجح- قال: له أن يصيد. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله تعالى والحذر من مخالفته فيما فرضه من هذه الأحكام؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من عقوبة اليوم الآخر؛ لقوله: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. ومن فوائد الآية: إثبات اليوم الآخر الذي يكون به الحشر إلى الله عز وجل؛ لقوله: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحشر إلى الله لا إلى غيره، فهو الذي يتولى عقاب عباده أو إثابتهم، وهو نظير قول الله تعالى: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥، ٢٦].
تفسير الآية (٩٧)
٠٠:٢٦:١٩
ثم قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ [المائدة: ٩٧] هذه أربعة أشياء جعلها الله تعالى قيامًا للناس، أولًا: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِهذا الجعل هل هو جعل شرعي، أو جعل كوني، أو هما جميعًا؟ الظاهر الثالث: أن الله جعل ذلك كونًا وشرعًا. وقوله: الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَالكعبة في الأصل هو البناء المربع، لكن قوله: الْبَيْتَ الْحَرَامَخرج به كل مربع سوى الكعبة المشرفة، وعلى هذا فيكون قوله: الْبَيْتَ الْحَرَامَوصفًا مخرجًا لغيره وليس بيانًا أو بدلًا، بل هو وصف مخرج لغيره من الكعبات، وقوله: الْبَيْتَ الْحَرَامَأي: ذو الحرمة، وحرمة مكة أمر معروف. وقوله: قِيَامًا لِلنَّاسِوفي قراءة: {قِيَمًا لِلنَّاسِ}، قِيَامًا لِلنَّاسِأي: تقوم به مصالح دينهم ومصالح دنياهم، وهذا كقوله تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: ٥] أي: تقوم بها مصالح الدين والدنيا، إذن الكعبة جعلها الله تعالى قيامًا للناس تقوم بها مصالح دينهم ودنياهم، أما مصالح الدين فظاهر؛ حج وعمرة بما فيهما من الأنساك، وأما مصالح الدنيا فقد قال الله تعالى مشيرًا إليها: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [الحج: ٢٨]، ثم إن هذه الكعبة يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقًا من عند الله عز وجل. وقوله: وَالشَّهْرَ الْحَرَامَأي: وجعل الشهر الحرام قيامًا للناس، وهل المراد به الجنس أو شهر واحد؟ المراد الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وإنما جعل الله الأشهر الحرم قيامًا للناس؛ لأنهم يأمنون فيها؛ حيث إن القتال فيها محرم، حتى في الجاهلية لا يمكن أن يكون قتال في هذه الأشهر الأربعة: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، رجب، أما الثلاثة الأولى فلأنها أشهر الحج؛ يعني: الأشهر التي يسافر الناس فيها إلى مكة ويرجعون منها، يسافرون في ذي القعدة ويرجعون في المحرم، ومن المعلوم أن المحرم ليس من أشهر الحج لكن بدله أيش؟ شوال، لكنه من حرمات الحج؛ إذ إن الناس يسافرون في شهر ذي القعدة للحج ويرجعون في شهر محرم؛ ولهذا كانوا في الجاهلية لا يمكن أن يعتدي أحد على أحد في هذه الأشهر أبدًا، حتى لو وجد قاتل أبيه لم يقتله. رجب هذا أيضًا شهر معظم في الجاهلية كالأشهر الثلاثة لا يمكن القتال فيه، فيأمن الناس في هذه الأشهر وتقوم مصالحهم، يسافرون ويؤوبون إلى بلادهم لا أحد يتعرض لهم. هذا الثالث أو الرابع؟ الثالث: الهدي جعله الله تعالى قيامًا للناس في دينهم ودنياهم؛ أما في دينهم فبالثواب الذي ينالونه من الله عز وجل، وأما في دنياهم فالبيع والشراء، والأكل، والانتفاع بالجلود، وما أشبه ذلك، فالهدي إذن قيام للناس. وأما قوله: وَالْقَلَائِدَففيها قولان؛ القول الأول: أنهم كانوا في الجاهلية إذا حج الإنسان أو اعتمر صنع قلادة من لحاء الشجر؛ من الثمر أو غيره قلادة يتقلد بها ليعلم أنه حاج فيحترم، شوف عجائب! عادات غريبة، إذا حج أو اعتمر صنع قلادة يتقلدها، إذا رآه أحد قال: هذا حاج أو معتمر. القول الثاني: أن المراد بالقلائد ما يقلد الهدي؛ لأن الهدي يقلد في رقبته بما يشعر أنه هدي وهو: آذان القِرَب، النعال الخلقة البالية تعلق في أعناق الهدي إشارة إلى أنه هدي فيحترم، حتى قال بعضهم: إن الرجل في الجاهلية يأكل العصب من الجوع ولا يمكن أن يذبح أو ينحر هذا الهدي؛ لأن عليه علامة وهي القلائد. القلائد تكون في الغنم، وتكون في الإبل، وتكون في البقر، وتزيد الإبل بالإشعار وهو شق سنامها حتى يسيل الدم، فيعرف الناس أن هذه من الهدي، هذه كلها جعلها الله تعالى قيامًا للناس. فلننظر إلى الإعراب جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًاأين مفعول جَعَلَالأول؟ طلبة: الْكَعْبَةَ. الشيخ: الْكَعْبَةَ، والثاني: قِيَامًا. وقوله: وَالشَّهْرَ الْحَرَامَأيضًا معطوفة على الْكَعْبَةَ، وعلى هذا فيكون المفعول الثاني في المعطوفات مقدَّرًا؛ أي: والشهر الحرام قيامًا، والهدي قيامًا، والقلائد قيامًا للناس. طالب: أهل الجاهلية يعظمون الأشهر الحرم هل أخذوا هذا من دين سابق، أم يعني..؟ الشيخ: لا أعلم أنه من دين سابق، لكنه جارٍ بينهم ومعروف، لكن لا أعلم أنه من دين سابق. طالب: الحكمة يا شيخ في تحريم صيد البر في الإحرام، والحل البحر أحل للمحرم، هل هو يتفاضل يا شيخ أو هذه حكمة جعلها الله للناس؟ الشيخ: لا، يتفاضل، إحنا ذكرنا في تحريم صيد البر أن الحكمة من ذلك لئلا يتلهى الإنسان وينساب وراء الصيود، وأما البحر فلا يتأتى فيه ذلك؛ أولًا: إن البحر لا يكاد أحد يحرم من البحر إلا من مرَّ به، وثانيًا: أن البحر حتى لو فرضنا أن أحدًا من الناس أحرم من البر فيجوز أن يخوض البحر ويصيد، لكن هذا نادر؛ ولهذا لا حكم له. الطالب: يعني التحليل والتحريم ما بينهما تفاضل؟ الشيخ: لا، بينهما فرق واضح، أحل صيد البحر؛ لأن الناس لا يتلهون به كثيرًا في حال الإحرام، أما في الحرم فليس في حدود الحرم بحر، لكن لو فرض أن بحيرة اصطناعية صار فيها سمك فإنه يكون حلالًا؛ لأنه من صيد البحر. طالب: شيخ -بارك الله فيكم- على الساحل؛ ساحل البحر حيوانات لا دم لها. الشيخ: لا دم لها؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: إي، مثل؟ الطالب: ما يعني ما هي معروفه إلا عند أهل الساحل أسماء غريبة يعني. الشيخ: لكنها تعيش في البر ولا..؟ الطالب: تعيش في البر وربما تعيش في البحر، وآخر ما رأيت بالساحل. الشيخ: هذه يقول بعض العلماء: إذا كان أكثر حياتها في البحر فهي بحرية ولو عاشت في البر، وبعضهم يقول: لا، ما دام عاشت في البر فإنها ليست بحرية، إلا إذا كان عيشها في البر كحركة المذبوح؛ يعني: لما خرج بالسمكة بقيت تضطرب حتى ماتت، هذه لا عبرة بها. الطالب: والطيور التي تتغذى على السمك؟ الشيخ: على السمك؟ الطالب: نعم. الشيخ: برية. الطالب: برية، لكن كل أكلها جميعًا السمك فقط. الشيخ: ما يخالف. الطالب: حلال أم حرام؟ الشيخ: لا، حرام صيدها؛ لأنها من صيد البر.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٩٧ - ١٠٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِمر علينا أن السمك والحيتان الميت حلال فمن أين يؤخذ؟ طالب: قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ. الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: يعني: كل ما في البحر هو حلال. الشيخ: لكن ما وجه الدلالة من أن الميت يكون حلالًا؟ طالب: صيد البر بمعنى المصيد. الشيخ: لا، نتكلم عن صيد البحر، إذا وجد ميتًا هل هو حلال ولَّا حرام، أخوك يقول أنه حلال وأتى بالآية لكن لم يبين وجه الاستدلال؟ الطالب: وَطَعَامُهُيا شيخ. الشيخ: وَطَعَامُهُ. الطالب: يعني: غير المصيد الذي يكون ميتًا أصلًا، طعامه، هذا معناه. الشيخ: إذن طعامه ما وجد؟ الطالب: ميتًا. الشيخ: ميتًا، تمام هكذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنه . قوله: وَلِلسَّيَّارَةِاستنبطنا منها دليلًا على أيش؟ طالب: هو أنه يجوز ادِّخار اللحم. الشيخ: يجوز ادِّخار اللحم وأكله بعد ادِّخاره، هل هذا يقيد بشيء؟ الطالب: نعم يا شيخ. الشيخ: ما هو؟ الطالب: ما لم ينتن، فيكون ضارًّا. الشيخ: ما لم ينتن فيكون ضارًّا، وحينئذٍ لا. من أين نأخذ أنه يحرم؟ طالب: مفهوم الآية: أُحِلَّ لَكُمْ. الشيخ: ترى ما هو لازم نأخذ الحكم من هذه الآية. الطالب: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣]. الشيخ: لا، ما أدري، ما هو حرام. الطالب: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . الشيخ: معنا شيء أبين منه وأصح منه؛ لأن الحديث هذا فيه ما فيه من كلام أهل العلم، أتقرأ القرآن؟ قال الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] أفهمت؟ أجب قل: نعم ولَّا لا؟ الطالب: نعم. الشيخ: طيب هذه الآية تدل على هذا. فإن قال قائل: هذه الآية تدل على أن الشيء الذي يؤدي إلى الهلاك هو الحرام، وما دون القتل فلا يدخل في الآية؟ طالب: يجاب عنه بحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل؛ حيث تيمم لما خاف البرد وقال: له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَصَلَّيْتَ بَأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، (...) النبي صلى الله عليه وسلم وهو (...). الشيخ: أحسنت، نقول: الآية وإن كانت تدل على أن المنهي عنه هو القتل، لكن استدل بها عمرو بن العاص رضي الله عنه على جواز التيمم لخوف البرد أو المرض، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. صيد البر المحرم؟ طالب: صيد البر محرم؛ لقوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا. الشيخ: إي، ما هو صيد البر؟ الطالب: صيد البر هو ما صيد من الحيوانات وغيرها. الشيخ: إي، لكن ما هو الحرام؟ كل ما في البر حرام؟ الطالب: نعم. الشيخ: خطأ. طالب: كل حيوانٍ. الشيخ: كل حيوانٍ. الطالب: برِّي. الشيخ: برِّي. الطالب: متوحش.
الشيخ: متوحش. الطالب: حلال. الشيخ: حلال. ما معنى قولك: بري؟ الطالب: البري غير المستأنس. الشيخ: خطأ، المتوحش ولًّا المستأنس؟ الطالب: البري اللي يعيش في البر. الشيخ: يعني ما لا يعيش إلا في البر. ما الفائدة من قوله: إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ؟ طالب: الفائدة من قوله: تُحْشَرُونَأن الحشر إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. الشيخ: لكن الفائدة من ذكرها بعد أن قال: اتَّقُوا اللَّهَ؟ الطالب: تفيد اليوم الآخر. الشيخ: لكن ما الفائدة من كونها تأتي بعد قوله: اتَّقُوا اللَّهَ؟ طالب: التهديد. الشيخ: التهديد؛ يعني: أنه لا مفر لكم من الله عز وجل فاتقوه. ما الفائدة من تقديم الجار؟ الطالب: الحصر. الشيخ: الحصر، أحسنت. هل هناك قاعدة تؤسس عليها هذا الجواب؟ الطالب: نعم. الشيخ: ما هي؟ الطالب: إذا قدم ما حقه التأخير فإنه يفيد الحصر. الشيخ: أحسنت، تمام، هذه قاعدة معروفة عند البلاغيين والأصوليين. قال الله تبارك وتعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِهذا الجعل شرعي أو قدري؟ طالب: لا، شرعي. الشيخ: شرعي فقط؟ الطالب: قدري كله. الشيخ: شرعي وقدري. الطالب: لا، شرعي. الشيخ: أجب هل هو شرعي ولا قدري؟ الطالب: شرعي وقدري. الشيخ: شرعي وقدري. الْبَيْتَ الْحَرَامَهل هو عطف بيان أو هو قيد؟ طالب: عطف. طالب آخر: قيد. الشيخ: قَيْد، يخرج؟ الطالب: يخرج جميع الكعبات غير كعبة مكة. الشيخ: غير الكعبة المشرفة، تمام، يعني: لو أن إنسانًا بنى كعبة؛ يعني بناء مربعًا وقال: هذه كعبة حجوا لها، نقول: لا؛ لأن الكعبة التي جعلها الله قيامًا هي البيت الحرام وهي الخاصة. قوله: الشَّهْرَ الْحَرَامَواحد ولَّا ثلاثة ولَّا أربعة ولَّا خمسة؟ طالب: جنس يا شيخ. الشيخ: يشمل؟ الطالب: كل الأشهر الحرم. الشيخ: كل الأشهر الحرم، وعددها؟ الطالب: أربعة. الشيخ: أربعة، ما هي؟ الطالب: ذو القِعدة. الشيخ: ذو القَعدة. الطالب: ذو الحَجة. الشيخ: ذو الحِجة أفصح. الطالب: محرم، ورجب. الشيخ: أحسنت، تمام، إذن هذا عام. ما وجه كون هذه الأشهر قيامًا للناس؟ الطالب: قوله: قِيَامًا لِلنَّاسِ(...) يحرم فيها القتال. الشيخ: يحرم فيها القتال، فيأمن الناس في أسفارهم وفي أوطانهم؛ لأنها أشهر محترمة حتى في.. قال الله تعالى: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِذَلِكَالمشار إليه الجعل؛ يعني: جعلنا ذلك لا عن جهل مثلًا، بل هو عن علم. لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِفقد جعل الله تعالى ذلك عن علم بما في هذه الأربعة من المصالح، فجعلها الله قيامًا للناس، وإنما ذكر الله عز وجل هذا من أجل أن يطمئن الناس أن الله جعلها قيامًا، وهذا الجعل صادر عن علم من الله عز وجل. وقوله: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(ما) من صيغ العموم فيشمل كل ما في السماوات وما في الأرض، و(السماوات) جمع (سماء)، وعددها سبعة، ثبت ذلك بالقرآن والسنة؛ قال الله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، والسنة متواترة في هذا أو مشهورة في هذا. وقوله: الْأَرْضِجاءت بالإفراد لكن عددها سبع؛ لقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، من المعلوم أن المثلية هنا لا يمكن أن تكون في الحجم والسعة وما أشبه ذلك؛ للفرق العظيم بين السماء والأرض، لكن المثلية في العدد، بدليل ما جاء في السنة: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، إذن الأرض المراد بها الجنس، فيشمل الأرضين السبع. وَأَنَّ اللَّهَيعني: ولتعلموا أيضًا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌعز وجل، إن الله بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء، وعلم الله تبارك وتعالى من صفاته الذاتية، فهو عالم بما يكون إلى يوم القيامة وإلى ما وراء يوم القيامة، وهو لم يزل عليمًا بذلك من الأزل، لا يطرأ على علمه نسيان، ولا يسبقه جهل، سبحانه وتعالى. في الآية هذه فوائد كثيرة؛ منها: أن الله سبحانه وتعالى عظَّم هذه الكعبة المشرفة؛ حيث جعلها قيامًا للناس تقوم بها أمور دينهم ودنياهم. ومنها: أن لله سبحانه وتعالى أن يفضل ما شاء من خلقه، وهذا أمر معلوم، وله أمثلة في القرآن والسنة، قال الله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة: ٢٥٣]، وقال الله تعالى: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: ٤]، فلله سبحانه وتعالى أن يفضل ما شاء من خلقه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكعبة حرام؛ أي: محترمة معظمة؛ ولهذا كان ما حولها حرامًا لا يقتل صيده ولا يقطع شجره. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق؛ حيث يجعل لهم من مخلوقاته ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الأشهر الحرم وأنها قيام للناس، وتعظيمها جاء في القرآن والسنة، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَاأي: من هذه الشهور أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: ٣٦]، وكذلك جاء في السنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مقررًا ذلك: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» . فإن قال قائل: وهل يحرم فيها القتال؟ فالجواب: أن العلماء اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: إن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ، ومنهم من قال: إنه محكم، فالأول عليه الجمهور: أنه منسوخ؛ لعموم الأدلة الدالة على قتال المشركين بدون تقييد، والثاني هو الراجح: أن الأشهر القتال فيها ممنوع، وما جاء عامًّا أو مطلقًا في النصوص الأخرى فهو كغيره من العمومات والمطلقات يكون مقيدًا بما دل عليه الكتاب والسنة من تحريم القتال في الأشهر الحرم. فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قاتل في الأشهر الحرم؛ كغزوة حنين؟ فالجواب: بلى، لكن هذا كان امتدادًا لفتح مكة، وفتح مكة لم يكن في الأشهر الحرم بل كان في رمضان، وعلى هذا فنقول: إذا اعتدى الكفار علينا في الأشهر الحرم، فلنا أن نقاتل ولو في الأشهر الحرم؛ لأن قتالنا هذا دفاع، والإنسان يجب عليه أن يدافع عن نفسه في أي مكان وفي أي زمان، حتى مثلًا في مكة القتال فيها حرام ولَّا غير حرام؟ حرام إلى يوم القيامة، لكن لو قاتَلَنا أهلُ مكة أو قاتلنا أحدٌ من غير أهلها في مكة فإننا نقاتله؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة: ١٩١]. إذن نقول: إذا ابتدأ العدو بقتالنا في الأشهر الحرم فلنا أن نقاتله، ثم هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة؟ ينظر فيه، لكن الكلام على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم باقٍ إلا إذا كان امتدادًا لغزو قبله أو ابتدؤونا هم أعداؤنا بقتال. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الهدي والترغيب فيه؛ لقوله: وَالْهَدْيَ؛ يعني: أن الله جعله قيامًا للناس. ولكن هل الهدي مربوط بالنسك، أو يجوز أن يهدي الإنسان إلى البيت ولو لم يكن نسك؟ الجواب: الثاني؛ أنه يجوز للإنسان أن يبعث الهدي إلى مكة وإن كان في بلده، كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل . فإن قال قائل: وهل الهدي يسن سوقه في العمرة كالحج؟ فالجواب: نعم، يُسن، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة الحديبية، فإنه ساق الهدي في عمرة . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مشروعية القلائد؛ لقوله: وَالْقَلَائِدَ، ووجه ذلك أن فيها إظهارًا لشعائر الله عز وجل؛ لأن كل من رأى هذه النعم المقلدة عرف أنها هدي فعظمها واحترمها. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أحكام الله عز وجل؛ لقوله: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا، واللام هنا للتعليل، ومن أسماء الله تبارك وتعالى الحكيمُ؛ الذي يضع الأشياء في مواضعها. ويتفرع على هذه الفائدة العظيمة: أن نؤمن بأن كل ما شرعه الله أو فعله الله فهو لحكمة، وحينئذٍ لا يلزمنا أن نبحث عن الحكمة أو نتمحل حكمة بعيدة قد تكون غير مرادة لله عز وجل، إن تبينت لنا الحكمة بسهولة فلا شك أن هذا من نعمة الله ويزيد الإنسان طمأنينة، وإن لم تتبين فإننا نعلم أنها لحكمة، لكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله عز وجل فيما شرع. ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على معرفة صفات الله عز وجل؛ لقوله: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، فينبغي لك أن تبحث عن صفات الله تبارك وتعالى، سواء الصفات التي ليس لها أسماء أو الصفات التي تتضمنها الأسماء، ابحث؛ لأنك كلما ازددت معرفة بالله وأسمائه وصفاته ازددت يقينًا. ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الله عز وجل، وجهه: إثبات العلم؛ أن الله يعلم ما في السماوات والأرض؛ لأن كل إنسان يهم بمعصية، سواء كان ترك واجب أو فعل محرم، إذا أيقن أن الله عالم به فإنه يخاف ويمسك. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عموم علم الله سبحانه وتعالى لما في السماوات والأرض، نأخذه مِن؟ من اسم الموصول مَا فِي السَّمَاوَاتِ. ومن فوائده: إثبات أن السماوات ذات عدد، لكن كم هذا العدد؟ بُيِّن في أدلة أخرى أنه سبع سماوات. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تكرار الثناء على الله عز وجل؛ لأن الله كرر عموم علمه بقوله: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، ثم أكد العموم بما هو أعم في قوله: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌيعني: هذا يعم ما في السماوات وما في الأرض مما يكون بعد فناء السماء والأرض، بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. واعلم أن العلم -أعني صفة العلم- من أعم الصفات إن لم تكن أعم الصفات؛ لأن العلم يتعلق بالواجب، والممكن والمستحيل، والسابق واللاحق، فهي أعم ما يكون من الصفات -أعني العلم- فمن تعلقها بالمستحيل قول الله تبارك وتعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، وهل يمكن أن يكون فيهما آلهة إلا الله؟ لا يمكن، ومع ذلك أخبرنا الله عز وجل بنتيجة هذا لو فرض، وأنهما -أي السماوات والأرض- تفسدا. ومن تعلقها -أي تعلق العلم بالواجب- كل ما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال فهو علم بالواجب؛ لأنه يجب لله صفات الكمال. وتعلقها بالممكن كل ما أخبر الله به عن مخلوقاته، فهو من باب تعلق العلم بالممكن.
تفسير الآية (٩٨)
٠١:٠٢:٠٧
ثم قال عز وجل لما ذكر عموم علمه بعد هذه الأحكام العظيمة قال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِاعْلَمُواأي: علمًا يحصل به الامتثال، اعْلَمُوا، فيجب علينا أن نعلم؛ لأن الله أمرنا بذلك، أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِأي: المؤاخذة بالذنب، وسميت المؤاخذة بالذنب عقابًا؛ لأنها تعقبه، وشَدِيدُ الْعِقَابِأي: قوي، كمًّا وكيفًا، أو كيفًا فقط؟ طلبة: الأول. الشيخ: تأملوا. طلبة: كمًّا. طلبة آخرون: الأول. الشيخ: كمًّا لا يمكن؛ لأن الله يقول: مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام: ١٦٠]، لكن كيفًا صحيح، شَدِيدُ الْعِقَابِأي: قوي العقاب إذا عاقب المذنب. وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌيعني: واعلموا أيضًا أنه مع شدة عقابه غفور عن الذنوب، رحيم بعباده جل وعلا لا يكلفهم ما يشق عليهم، وإذا أخلُّوا به فهو يرحمهم عز وجل بالعفو. قارن بين هذه الآية وبين قوله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩، ٥٠] تجد بينهما فرقًا؛ الفرق أن الآية نَبِّئْأمر من الله للرسول أن ينبئ الخلق، وقدِّم الوصف بالمغفرة والرحمة على العذاب الأليم؛ لأن المقصود الإخبار عن صفة الله عز وجل، فقدِّم الجانب الذي فيه اللطف والإحسان، وهذه ذكرت عقيب أحكام عظيمة قد يُخِل بها المرء، فقدِّم فيها جانب أيش؟ جانب التهديد. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. في هذه الآية الكريمة: وجوب العلم عن يقين؛ لقوله: اعْلَمُوا. ومن فوائدها: أن الله تعالى شديد العقاب لمن خالف أمره، سواء بفعل ما حرَّم أو بترك ما أوجب. فإن قال قائل: ظاهر هذه الآية: أن الله سيعاقب من خالف أمره على كل حال؟ فالجواب: أنك إذا قرأت آخرها تبين لك أنه في مقابل ذلك هو غفور رحيم، ثم اقرنها بالآية أخرى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقاب، وهو مؤاخذة المذنب بما يستحقه من العقوبة. ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وهما (الغفور والرحيم)، الغفور؛ أي: ذو المغفرة، كما قال عز وجل: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦]، والرحيم يعني ذا الرحمة، كما قال الله تعالى: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: ١٣٣]، فنثبت هذين الاسمين لله عز وجل، ونثبت ما دلا عليه من الصفة؛ وهي المغفرة في (غفور)، والرحمة في (رحيم). وهل يثبت الأثر؛ يعني: الحكم المترتب على هذه الصفة؟ الجواب: نعم، يغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء. ما الذي يترتب على هذين الاسمين والإيمان بهما؟ يترتب على ذلك أن يتعرض الإنسان لمغفرة الله عز وجل بفعل الأسباب التي توجبه، ويتعرض لأيش؟ للرحمة بفعل الأسباب التي تحصل بها الرحمة، عكس ما يظن بعض العوام، بعض العوام إذا نهيته عن معصية قال: الله غفور رحيم، فيظن أن هذا من باب تهوين المخالفة على العبد، وليس كذلك، بل هذا حثٌّ للعبد أن يفعل ما به المغفرة والرحمة. من فوائد هذه الآية: الجمع بين أسماء الله تبارك وتعالى التي ينتج من الجمع بينها وصف زائد على الوصف الذي تفيده بدون اجتماع. فمثلًا: إذا قلنا: إنه غفور رحيم، صار المعنى: أنه غفور للذنوب، ورحيم لحصول المطلوب في الطاعات؛ ولهذا كان المعصية الواحدة بواحدة، والطاعات الواحدة بعشر، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
تفسير الآية (٩٩)
٠١:٠٨:٥٦
ثم قال الله عز وجل: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ. مَا عَلَى الرَّسُولِ(ما) نافية، وعَلَى الرَّسُولِخبر مقدم، والْبَلَاغُمبتدأ مؤخر. وقوله: مَا عَلَى الرَّسُولِ(أل) هنا للعهد، أي العهود؟ طالب: ذهني. الشيخ: ذهني، إذن (أل) للعهد الذهني. فمن المعهود ذهنًا بأنه رسول بالنسبة لهذه الأمة؟ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام. والرَّسُولِبمعنى المرسَل، وقوله: إِلَّا الْبَلَاغُأي: بلاغ الرسالة، وأما هداية الخلق فليست على الرسول عليه الصلاة والسلام، عليه أن يبلغ، وإذا بلغ انتهت وظيفته؛ ولهذا قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَأي: ما تظهرون، وَمَا تَكْتُمُونَأي: تخفون؛ يعني المعنى: أن أعمالكم ليست إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وليس مسؤولًا عنها، وإنما الذي يحاسبكم عليها هو الله الذي يعلم ما تبدون وما تكتمون. طالب: اتقاء المعاصي في الأشهر الحرم هل لها.. يعني الذنب أعظم؟ الشيخ: هذا ينبني على قوله تعالى: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: ٣٦]، هل الضمير في (هن) يعود على الأشهر الحرم أو يعود على اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا؟ وفيها خلاف، لكن لا شك أن الذنوب في الأشهر الحرم أعظم؛ لأن الضمير سواء قلنا: عائد على الجميع أو عليهن يدل على تأكيد النهي عن الظلم في هذه الأشهر الأربعة، وللعلماء قاعدة في هذه المسألة يقولون: إنها تضاعف الحسنات والسيئات في كل زمان ومكان فاضل. طالب: بالنسبة للكفار يا شيخ وأهل المعاصي يكونون في الدنيا بعافية والأموال وسعة في الرزق، ولكن في الآخرة يا شيخنا ما (...)؟ الشيخ: في الآخرة يقول الله عز وجل في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» ، وهم ليسوا من أهلها فلا رحمة، حتى إن الله عز وجل يقول لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨]، لكن تعذيبهم رحمة بالمؤمنين أن يروا أعداءهم وهم يعذبون في النار، إي نعم. طالب: بعض الناس -يا شيخ- يستدلون على أهل المعاصي بالأرزاق والصحة والعافية يقولون: لو أن الله سخط عليهم ما أعطاهم الأموال هذه ولا (...)؟ الشيخ: وبعض العوام بالعكس، أنا أسمع من العوام مثلًا يقول: عطاه ما يدل على رضاه، وهو كذلك، والله تعالى يقول: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢]، وهذا استدراج من الله تبارك وتعالى، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ ، جعلنا الله وإياكم منهم. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المراد بقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]؛ أي: آلهة تصرف وتدبر شؤون الكون أو آلهة تعبد فقط؟ الشيخ: لا، الأول، أو قال: آلهة حق؛ لأن الآلهة التي تعبد من دون الله وإن سموها آلهة فهي كما قال الله عز وجل عنها: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا [النجم: ٢٣] مجرد أسماء على غير مسمى. طالب: حفظك الله، في درس الأمس سأل أحد الأخوة أثناء الأذان عن الحيوانات التي تعيش في البر وفي البحر عيشة كاملة لا حركة المذبوح؛ التماسيح، الضفادع، السلاحف، ما أدري يا شيخ هل هذه يغلب جانب البر فيعتبر أنها محرمة؟ الشيخ: لا؛ لأن التي تعيش كحركة المذبوح، كثير من السمك الكبار ما تموت على طول، تبقى لساعات، لكنها تكون مضطربة ومغمى عليها وتموت بعدين. الطالب: لكن التي تعيش عيشة كاملة تبيض في البر وتعيش في البحر؟ الشيخ: إي نعم، بعض العلماء يقول: المعتبر الأكثر، إذا كانت تعيش في هذا وهذا فالمعتبر الأكثر؛ لأن الوصف الغالب هو الذي يعتبر، وبعضهم يقول: لا، تحرَّم تغليبًا لجانب الحظر. الطالب: (...)؟ الشيخ: واللهِ الاحتياط أن يتركها، لكن لو فرض أنه وجد ميتة من صيد البر أو هذه، فهذه أولى. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قلنا: علم، وجهه، ما فهمت وجهه تعلق العلم؛ علم الله بالممكنات أو بالجائز، وجهه؟ الشيخ: ويش معنى وجهه؟ الطالب: يعني: تفسيره.. الشيخ: مثلًا وجود الخلق من الممكنات أو المستحيلات أو الواجبات؟ الطالب: الممكنات. الشيخ: من الممكنات، فالله تعالى يتحدث عن المخلوقات؛ خلق السماوات في ستة أيام، استوى على العرش، وما أشبه هذا، هذا من العلم بالممكنات، كذا؟ الطالب: نعم. الشيخ: طيب، علمه أيضًا بما يكون من عقوبات المذنبين وإثابة الطائعين، هذا علم؟ الطالب: بالممكنات. الشيخ: بالممكنات، علمه بالواجب؛ إذا تحدث سبحانه وتعالى عن كماله، فهذا حديث عن علم بشيء واجب، واضح؟ الطالب: نعم. الشيخ: المستحيل كما سمعت. الطالب: بعضهم يقول: الجائز هذا ما عاد ممكن يا شيخ؟ الشيخ: لا، الجائز والممكن سواء؛ يعني: بعضهم يعبِّر: جائز، وبضعهم يعبِّر: ممكن، ولا فرق. طالب: فيه بعض الأنواع من الأسماك تلتقط، ولكن لا تؤكل إلا إذا تغير طعمها، إذا تغيرت وقاربت على أن.. الشيخ: تنتن يعني؟ الطالب: تعفن، فيأكلها الناس، فما حكمها؟ الشيخ: وقبل؟ الطالب: هي مرغوبة على هذه الكيفية. الشيخ: يمكن، بعض الناس يرغب المخنز، بعض الناس يرغب هذا؟ الطالب: هذا يا شيخ موجود بكثرة. الشيخ: والله ما أدري. طالب: هذا النوع من الأسماك يوجد بكثرة في بعض البلاد. الشيخ: ويش اسمه؟ الطالب: اسمه سمك البوري الذي.. الشيخ: البوري؟ الطالب: البوري هذا يصنع يسمى فسيخًا، يؤخذ ويوضع في الشمس وينشر في الشمس الحار حتى يتعفن وينتفخ، ثم بعد ذلك يوضع في براميل ويوضع عليه ملح، وتغلق البراميل بإحكام لمدة مثلًا ستة أشهر أكثر أو أقل، ثم تباع، و.. الشيخ: ولذيذة؟ الطالب: إي، لذيذة. طالب آخر: شيخ فيه طريقة أخرى يا شيخ يوضع في ملح دون أن يوضع في الشمس. الشيخ: أيش؟ الطالب: يوضع في ملح وخل ويغطى، دون أن يترك؛ يعني يعفن (...) ويوضع عليه ملح وخل ويغطى حتى يؤثر فيه الملح ينضج. طالب: هذه نفس الطريقة يتحلل يعني.. الشيخ: على كل حال، أنتم أهل البحار ما نعرفه، إلا أن تأتوا إلينا بشيء من ذلك يكون عين اليقين، ثم نأكل منه -إن شاء الله- ويكون حق اليقين.
طالب: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة: ٩٩ - ١٠٢].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُيعني بذلك محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فـ(أل) للعهد الذهني. وقوله: إِلَّا الْبَلَاغُأي: إلا تبليغ ما أوحي إليه، وهذا الحصر -كما لا يخفى- حصر إضافي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عليه واجبات أخرى؛ عليه الصلاة، الصدقة، الصيام، الحج، الجهاد، وغير ذلك، لكن ما عليه بالنسبة لكم إلا البلاغ؛ يعني: إلا أن يبلغكم وليس عليه هداكم، فالهدى أو فالهداية بيد الله، إذن هذا الحصر إضافي، ويش معنى إضافي؟ أي بالإضافة لما يجب لكم عليه، مَا عَلَى الرَّسُولِيعني: لكم إِلَّا الْبَلَاغُ، أما الهداية فهي إلى الله عز وجل. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَهذا الذي يتفرع عليه الإنسان، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَأي: ما تظهرونه من الأعمال القولية والفعلية، علمها قبل أن تكون أو بعد أن كانت؟ قبل أن تكون، وبعد أن كانت. وقوله: وَمَا تَكْتُمُونَأي: ما تخفون في نفوسكم، وذلك الأعمال القلبية، بل أشد من الأعمال القلبية ما يوسوس به القلب، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، وهذا يعني أن حسابهم على الله عز وجل لا على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن (على) ظاهرة في الوجوب، أين (على)؟ طالب: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ. الشيخ: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجبر الناس على أن يهتدوا، ويؤيد هذا آيات كثيرة، منها قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: مَا عَلَى الرَّسُولِ. ومن فوائدها: تحذير المبلغين من المخالفة؛ لقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ، فإن إخباره بعلمه بعد أن قال: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُفيه التهديد والوعيد على من خالف. ومنها: سعة علم الله وعمومه؛ لقوله: مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ، وهذا عام للأمة كلها، و(ما) هنا -كما تعرفون- اسم موصول يشمل القليل والكثير. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد تنقسم إلى قسمين: قسم يبدو للناس، وقسم لا يبدو؛ لقوله: مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ. فإن قال قائل: هل الأفضل للإنسان أن يبدي ما عمل أو أن يكتم ما عمل؟ قلنا: كل ذلك خير؛ لأن الله مدح الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية، ولكن أيهما أفضل؟ ينظر للمصالح؛ إن كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وذلك كإنسان يُقتدى به ويُتأسى به، فالأفضل أن يعلن حتى يتأسى الناس به ويعرف أن هذا حق، ويكون بذلك إمامًا لمن اتبعه، وإذا كان الإخفاء خيرًا فالإخفاء أفضل، كما لو تصدق إنسان على شخص متعفف لا يحب أن يطلع عليه، فهنا ما الأفضل؟ الإسرار، وإن تساوى الأمران -والغالب أنهما لا يتساويان من كل وجه- لكن على فرض أنهما تساويا من كل وجه فالإسرار أفضل؛ لأنه أدل على الإخلاص، وأقرب إلى الإخلاص. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وهذا مأخوذ من قوله: مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ، فالإنسان يريد أن يبدي ويريد أن يكتم، وهذا هو إثبات الإرادة للعبد. الجبرية قوم يقولون: إن الإنسان غير مخير بل مجبر، ويستدلون بآيات، منها قوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص: ٦٨]، قالوا: نفى أن يكون للعبد الخيرة، فشبهتهم قوية، ولكنه لا شك أن هذه الشبهة باطلة؛ لأن المراد بقوله تعالى: مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُيعني: في فعله عز وجل، يعني مثلًا: قَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] يريدون أن يختاروا هم من يكون أيش؟ رسولًا، فقال الله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢]، فيكون معنى قوله: مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُأي فيما أيش؟ يفعله الله، أما بالنسبة لأفعالهم فلهم الخيار. والدليل على هذا آيات كثيرة؛ منها: خصال الكفارة مثلًا في كفارة اليمين ثلاثة منها على التخيير: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وغير ذلك من الأدلة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل العلم الذي هم ورثة الأنبياء إذا بلغوا برئت ذمتهم. ولكن هل يجب عليهم التبليغ على كل حال أو إذا كانت الفائدة أو ماذا؟ نقول: الأصل أنه واجب لكل حال التبليغ، هذا هو الأصل؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي» أمر «وَلَوْ آيَةً» ، لكن قد لا يجب التبليغ، ويجوز أن يكتم العلم إلى وقت ما إذا رأى في ذلك مصلحة، كما فعل معاذ بن جبل رضي الله عنه حين لم يبلغ قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ» لم يبلغها إلا عند موته تأثمًا ، وإلا فالأصل وجوب الإبلاغ. أما إذا سئل الإنسان عن العلم؛ فإذا كان السائل مسترشدًا وجب أن يبلغ السائل، هذا إذا كان مسترشدًا، وأما إذا كان ممتحنًا فإن الإنسان بالخيار؛ إن شاء بلغ، وإن شاء منع؛ لأن هذا السائل غير مسترشد، لا يريد العلم، يريد أن يمتحن هذا المسؤول فهو بالخيار. وهل الأفضل أن يبلغ أو الأفضل ألَّا يبلغ؟ في هذا تفصيل؛ إن كان هذا السائل إذا ترك صار في ذلك إذلالٌ له وخزيٌ فليتركه، وإن كان إذا ترك ازداد شره وطغى طغيانه، فإنه يجب أن يبلغ ويبين له ضلاله، فالمسألة يرجع فيها إلى المصالح. فإن قلت: ما هو ميزان المصالح؟ قلنا: كل إنسان مسؤول عن نفسه، وكل قضية لها حكم؛ ولهذا يمر بكم أحيانًا في الإجابات عن بعض الأدلة يقال فيها: إنها قضية عين، كل إنسان حسب ما يرى، والله حسيبه.
تفسير الآية (١٠٠)
٠١:٢٩:٣٩
ثم قال الله تعالى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُقل يا محمد: لا يستوي، وتصدير الحكم بـ(قل) يدل على العناية به؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مأمورًا أن يقول جميع القرآن، أن يقوله للناس ويبلغه، لكن إذا نصَّ على شيء معين دل هذا على أخصيته، فهو كالتخصيص بعد أيش؟ بعد التعميم، فيفيد العناية. قُلْأي: قل يا محمد لكل من يصح خطابه ويدرك خطابك لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، صدق الله، لا يستوي الخبيث والطيِّب من الأشخاص والأعمال والأعيان، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا، صح؟ لا يستوي، هل تستوي الصلاة لله والسجود للصنم؟ لا تستوي، هذا من الأعمال. من الأعيان: هل يستوي الشراب الطيب المستخلص من ثمرات طيبة والخمر؟ لا يستوي. بالنسبة للأشخاص: هل يستوي المؤمن الطيب والكافر الخبيث؟ لا، وهلم جرًّا. إذن الخبيث والطيب من كل شيء؛ من الأشخاص، والأعيان، والأقوال، والأفعال، من كل شيء، هل يستوي ذكر الله والغيبة؟ لا، إذن هذا عام قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ. وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَالخطاب هنا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول لا يعجبه كثرة الخبيث، لكن ولو أعجبك أيها المخاطب؛ أي: قل للإنسان: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها المخاطب وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، وليس الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعجبه كثرة الخبيث. وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِأي: أعجبك؛ أي: بلغ منك موضع الإعجاب.