تفسير سورة الكهف - ٢
درس صوتي · ٩١:٣٧
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
كل وسيلة إلا الوسائل المحرمة، فهي محرمة لا يجوز أن يقع الإنسان فيها. ثم قال عز وجل: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف: ٢١] يعني: أضف إلى بعثهم أن الله أعثر عليهم؛ يعني: أطلع عليهم قومهم، لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَاأطلع الله قومهم عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، لماذا؟ إما أن المعنى: بقيام الساعة الذي كان ينكره هؤلاء، أو بأن الله تعالى ينجي المؤمنين من الكفار؛ لأن هؤلاء الفتية السبعة نجوا من أمة عظيمة تقاتلهم وتنهاهم عن التوحيد، والظاهر أن المعنى: ليعلموا أن وعد الله حق بنصر أوليائه. وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَاالسَّاعَةَيعني: قيام الساعة، لا رَيْبَ فِيهَاأي: لا شك واقعة لا محالة. ثم قال عز وجل: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْمتعلقة بـأَعْثَرْنَاأعثرنا عليهم حتى تنازعوا أمرهم بينهم، من اللي يتنازعون؟ الطلبة: قومهم. الشيخ: قومهم فيما بينهم تنازعوا؛ ماذا نفعل بهم؟ أنتركهم أم ماذا نصنع؟ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًاابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًاهل المعنى: ابنوا على قبورهم؛ يعني: يكون الجدار على القبر، أو المعنى: حوطوهم بذلك؟ الثاني هو المراد؛ يعني: ابنوا حولهم بنيانًا ليكون أثرًا من الآثار. رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْيعني: توقفوا في أمرهم، كيف يبقون ثلاث مئة سنة وتسع سنين لا يأكلون ولا يشربون ولا يتغيرون أيضًا؟ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْتوقفوا، قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْوهم أمراؤهم، قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًاأي: حولهم، قالوا: بدل من أن نبني بنيانًا نحوطهم به ونسترهم به ولا يكون لهم أثر اتخذوا عليهم مسجدًا، ابنوا المسجد عليهم، والظاهر أنهم فعلوا؛ لأن القائل من؟ الأمراء الذين لهم الغلبة، هذا الفعل؛ أي: اتخاذ المساجد على القبور، هذا من وسائل الشرك، وقد جاءت شريعتنا بمحاربته، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا .
تفسير الآية (٢٢)
٠٠:٠٤:١٠
ثم قال عز وجل: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: ٢٢]، هنا سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌسيقولون خمسة، كيف يمكن أن يكون قولان لقائل واحد؟ هذا يخرّج على وجهين: إما أن المعنى: سيقول بعضهم: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول البعض الآخر: خمسة سادسهم كلبهم، ويقول البعض الثالث: سبعة وثامنهم كلبهم، أو أن المعنى: سيترددون في هذا؛ مرة يقولون: ثلاثة، ومرة يقولون: خمسة، ومرة يقولون: سبعة، وكلاهما محتمل ولا يتنافيان، فتجدهم أحيانًا يقول كذا، وأحيانًا يقول كذا حسب ما يقوم في ذهنه. قال الله تعالى: رَجْمًا بِالْغَيْبِقاله في الذين قالوا: ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْوخَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ، كلا القولين قال الله تبارك وتعالى: إنهم قالوه رجمًا بالغيب؛ أي: راجمين بالغيب وليس عندهم يقين. وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْولم يقل: رجمًا بالغيب، بل سكت سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن عددهم كم؟ سبعة وثامنهم كلبهم؛ لأن الله لما أبطل القولين الأولين وسكت عن الثالث صار الثالث صوابًا. نظيره قول الله تبارك وتعالى عن المشركين إذا فعلوا فاحشة: قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا [الأعراف: ٢٨] هذا واحد، وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاهذا اثنان، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِوسكت عن قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا، فأبطل قولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، وسكت عن الأول، فدل هذا على أن الأول صحيح. وهذا أيضًا نقول: لما قال: رَجْمًا بِالْغَيْبِفي القولين الأولين وسكت عن الثالث نقول: إذن نجزم بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم. قال الله عز وجل: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌيعني: إذا حصل النزاع فقل للناس: رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ، وهل أعلمنا الله بهذه العدة؟ أجيبوا الطلبة: نعم. الشيخ: نعم، أعلمنا بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم، يعني: فإذا كان الله أعلم بعدتهم فالواجب أن نرجع إلى ما أعلمنا الله ونقول جازمين بأن عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم، قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌيعني: ما يعلمهم قبل إعلام الله أنهم سبعة وثامنهم كلبهم إلا قليل. ثم قال عز وجل: فَلا تُمَارِ فِيهِمْأي: في شأنهم، في زمنهم، في مكانهم، في عددهم، في مآلهم، لَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًايعني: إلا جدلًا ظاهرًا لا يصل إلى القلب؛ لأنه إذا وصل الجدال إلى القلب اشتد المجادل وغضب وانتفخت أوداجه وتأثر، لكن لما لم يكن للجدال فيهم كبير فائدة قال الله تعالى: لَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًامراء على اللسان لا يصل إلى أيش؟ إلى القلب. وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًاولا تستفت في أهل الكهف، مِنْهُمْأي: من الناس سواء من أهل الكتاب أو غيرهم، أَحَدًا. قال الله عز وجل: لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍما هو السلطان بالمعنى العام؟ طالب: كل من له سلطة أو ولاية فهو سلطان. الشيخ: سلطة أيش؟ الطالب: كل من له سلطة فهو سلطان. الشيخ: سواء كان في الدليل أو في السطوة أو غير ذلك؛ يعني: الأمير سلطان، الرجل على أهله سلطان، وهلم جرًّا، الحجة سلطان، وما المراد بها في هذه الآية؟ طالب: الحجة. الشيخ: الحجة، طيب. قوله: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَوَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَقوله: إِلَّا اللَّهَيحتمل أن تكون استثناء من قوله: يَعْبُدُونَ، وعلى هذا يكون هؤلاء القوم يعبدون الله ويعبدون غيره، والفتية اعتزلوهم وما يعبدون إلا الله، ويحتمل أن تكون (إلا) منقطعة، فيكون المعنى: أن هؤلاء القوم لا يعبدون الله، ويكون معنى الآية: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَمطلقًا، ثم قال: إِلَّا اللَّهَفلم تعتزلوهم ولكنكم آمنتم به، ويحتمل أن تكون استثناء على سبيل الاحتياط؛ يعني: أن هؤلاء الفتية قالوا: وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَيخشون أن يكون أحد من أقوامهم يعبد الله. قوله: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِالفاء هنا؟ طالب: يحتمل أنها واقعة في جواب الشرط. الشيخ: يحتمل أن تكون واقعة في جواب الشرط، وأن تكون (إذ)؟ الطالب: (...) شرط. الشيخ: إي نعم، ويحتمل؟ طالب: (...) للتفريع. الشيخ: أن الفاء للتفريع، وأن (إذ) على ما هي عليه ظرف. قوله: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْإلى آخره استدللنا بها على أيش؟ طالب: على أن الشمس هي التي تتحرك. الشيخ: نعم، على أن الشمس هي التي تتحرك، ويكون الظل والإضاءة بسبب حركة الشمس، وهل نبقى على هذا؟ الطالب: نقول: إذا ثبت دليل قطعي على أن الشمس.. الشيخ: لا، هل نبقى على هذا أو لا؟ قل: نعم ولَّا لا. طالب: نعم. الشيخ: نعم، نبقى على هذا وجوبًا، إلا إذا ثبت بطريق حسي نقتنع به بأن الشمس واقفة والأرض هي التي تدور، فنحن نؤمن بذلك ونقول: إن القرآن الكريم إنما خاطب الناس بحسب رؤيتهم؛ يعني: بحسب ما يرون. قوله: وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًاولم يقل: ولا أخذك الرعب لأيش؟ أيهما أبلغ؟ طالب: الأول. الشيخ: وهو؟ الطالب: ملئت منهم رعبًا. الشيخ: لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا؛ لأنه يدل على أنهم امتلؤوا من الرعب وليس في القلب فقط، أفهمت؟ الطالب: نعم. الشيخ: لماذا ألقى الله عز وجل على من رآهم واطلع عليهم؟ طالب: حتى لا يلتفت إليهم. الشيخ: إي، يعني من أجل حمايتهم، طيب، أحسنت. قوله: بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْاللام لم نذكر هي لام التعليل أو لام العاقبة وهي لام العاقبة؛ يعني: ما بعثوا لأجل التساؤل ولكنهم بعثوا فتساءلوا، واللام تأتي للعاقبة كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَأيش؟ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، اللام ليست للتعليل أبدًا، ولا يمكن أن تكون للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكنهم التقطوه فكان لهم عدوًّا وحزنًا. لماذا قالوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؟ طالب: (...). الشيخ: نعم؛ لأنهم ناموا أول النهار وبعثوا آخره، فظنوا أنه بعض يوم، أو أنه يوم كامل إن كانوا قد ناموا بالأمس، كذا؟ طيب. في هذه القصة ما يدل على جواز التوكيل؟ طالب: كما قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. الشيخ: نعم. الطالب: فهم وكلوا أحدهم حتى يشتري لهم من المدينة.. الشيخ: ويأتي به. الطالب: نعم، الشراء مع إحضاره. الشيخ: طيب. هل في الآية ما يدل على أنه لا حرج على الإنسان إذا طلب الطعام الأفضل؟ طالب: قوله تعالى: أَزْكَى طَعَامًا. الشيخ: أَزْكَى طَعَامًا. وهل جاءت السنة بذلك؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، طيب، بارك الله فيك. ماذا كان مآل هؤلاء الفتية بالنسبة لأقوامهم؟ طالب: تنازعوا فيهم. الشيخ: تنازعوا فيهم؛ هل يبنون عليهم بنيانًا أو يتركونهم، والنتيجة؛ يعني آخر شيء؟ الطالب: قال أهل الرأي منهم؛ أهل الغلبة ببناء مسجد عليهم. الشيخ: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، تمام، أي: نبني عليهم مكانًا يكون محلًا للسجود يأتي الناس إليه ويسجدون فيه. ماذا تقول: أهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة؟ طالب: سبعة. الشيخ: سبعة، الدليل؟ الطالب: ترجيح الآية بعد التردد. الشيخ: ترجيح الآية بعد التردد، ما فهمتها. الطالب: أكدت الآية بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم بعدما تردد القوم في عددهم. الشيخ: لا. طالب: أن الله ذكر القولين الأولين وأبطلهما بقوله: رَجْمًا بِالْغَيْبِ. الشيخ: إي نعم، أن الله ذكر القولين الأولين؛ ثلاثة وخمسة وأبطلهما بقوله: رَجْمًا بِالْغَيْبِ، وذكر القول الثالث وسكت عنه، تمام، وإبطال الشيئين والسكوت عن الثالث؟ الطالب: يدل على أنه الصواب. الشيخ: يدل على أنه هو الصواب، هل لهذا نظير؟ طالب: قول الله عز وجل: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف: ٢٨]، فأبطل الله قولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاوسكت عن قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا. الشيخ: فدل على أن قولهم: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَاصحيح، كذا؟ طيب، بارك الله فيك. قال تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًايعني: لا يصل إلى القلب، اجعل الجدال جدالًا ظاهرًا، ويؤخذ من هذا: أن ما لا فائدة في الجدال فيه لا ينبغي للإنسان أن يتعب قلبه بالجدال، وهذا يقع كثيرًا، أحيانًا يحتمي بعض الناس إذا جودل في شيء لا فائدة من الجدال فيه، نقول: يا أخي لا تجادل، اجعل جدالك ظاهرًا على اللسان فقط لا يصل إلى القلب فتحتمي وتغضب، وهذا يدل على أن ما لا خير فيه لا ينبغي فيه التعمق، وهذا كثير. وأكثر ما يوجد في علم الكلام؛ فإن علماء الكلام الذين خاضوا في التوحيد والعقيدة يأتون بأشياء لا فائدة منها، مثل قولهم: تسلسل الحوادث في الأزل، في المستقبل، وما أشبه ذلك من الكلام الفاضي الذي لا داعي له، وهم يكتبون الصفحات في تحرير هذه المسألة نفيًا أو إثباتًا مع أنه لا طائل تحته، فالشيء الذي ليس فيه فائدة لا تتعب نفسك، وإذا رأيت من صاحبك المجادلة فقل له: تأمل الموضوع وسد الباب، يعني بعض الناس -نسأل الله السلامة- مفتون بالجدل، وما ابتلي قوم بالجدل إلا ضلوا، والعياذ بالله. فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًاأي: لا تسأل أحدًا عن حالهم، وفيه: إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يستفتي من ليس أهلًا للإفتاء، حتى وإن زعم أن عنده علمًا فلا تستفته إذا لم يكن أهلًا.
تفسير الآيتين (٢٣-٢٤)
٠٠:٢١:٢٧
{وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: ٢٣، ٢٤] لا تَقُولَنَّالخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم كالخطاب في الآية التي قبلها، لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍأي: في شيء، إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًاذكروا أن قريشًا أرسلت إلى اليهود في المدينة وقالوا: إن رجلًا بعث فينا يقول: إنه نبي، فقالوا لهم: اسألوه عن ثلاث: اسألوه عن فتية خرجوا من مدينتهم ولجؤوا إلى غار، ما شأنهم؟ واسألوا عن رجل ملك مشارق الأرض ومغاربها، واسألوه عن الروح، ثلاثة أشياء، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف، قال: «أُخْبِرُكُمْ غَدًا»، فتوقف الوحي نحو خمسة عشر يومًا لم ينزل عليه الوحي، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يدري عن قصص السابقين، كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨]، ولكن الله عز وجل ابتلاه واختبره، فأمسك الوحي خمسة عشر يومًا، كما ابتلى سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سِبِيلِ اللَّهِ، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، ما قال: إن شاء الله، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن، وما الذي حصل؟ أَتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشِقِّ إِنْسَانٍ ، حتى يري الله عز وجل عباده أن الأمر أمره، وأن الإنسان مهما بلغ في المرتبة عند الله عز وجل والوجاهة فإنه لا مفر له من قدر الله. مكث الوحي خمسة عشر يومًا، ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام سوف يلحقه الغم والهم لئلا يتخذ هؤلاء القوم من تأخر إخباره بذلك وسيلة إلى تكذيبه، والحقيقة أن هذا ليس وسيلة إلى تكذيبه؛ يعني قد يقولون: وعدنا محمد بأنه يخبرنا غدًا ولم يفعل، أين الوحي الذي يدعي أنه ينزل عليه؟ لكن نقول: إن تأخر الوحي وتأخر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك يدل على أيش؟ على صدقه؛ لأنه لو كان كاذبًا لصنع قصة فيما بين ليلة وضحاها، صنع قصة وقال: هذا قصتهم؛ لئلا يتهموه، فتأخر الوحي والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبرهم يدل على كمال صدقه صلى الله عليه وسلم. إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُلا تقل: إني فاعل إلا قولًا مقرونًا بمشيئة الله، وقرن ذلك بمشيئة الله يستفيد منه الإنسان فائدتين عظيمتين: إحداهما: أن الله ييسر الأمر له؛ حيث فوضه إليه جل وعلا. والثانية: إن كان حالفًا لم يحنث. ويستفاد من قوله: إِنِّي فَاعِلٌأنه لو قال: سأفعل هذا على سبيل الخبر لا على سبيل الجزم بوقوع الفعل، فإن ذلك لا يلزم أن يأتي فيه بالمشيئة؛ يعني: لو قال لك صاحبك: هل تمر عليَّ غدًا؟ فقلت: نعم، الآن قلت: إنك ستمر، لكن هل هذا خبر أو أنه سيقع ولا بد؟ الجواب: هذا خبر، أما إذا أردت أنه سيقع ولا بد فقل: إن شاء الله، وجه ذلك: أن الأول خبر عما في قلبك، والذي في قلبك حاصل الآن، وأما أنك ستفعل في المستقبل، فهذا خبر عن شيء لم يكن ولا تدري هل يكون أو لا يكون؟ انتبهوا لهذا الفرق. إذا قال الإنسان: سأسافر غدًا؛ فإن كان يخبر عما في قلبه فلا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله، لأيش؟ لأنه خبر عن شيء واقع، أما إذا كان يريد بقوله: سأسافر أنني سأنشئ السفر وأسافر فعلًا، فهنا لا بد أن يقول: إن شاء الله؛ ولهذا جاءت الآية الكريمة: إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًاولم يقل: إني سأفعل، بل قال: إِنِّي فَاعِلٌ، فلا تقل لشيء مستقبل: إن فاعله إلا مقرونًا بمشيئة الله. وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَيعني: اذكر ربك؛ أي: أمر ربك بأن تقول: إن شاء الله، إِذَا نَسِيتَأن تقولها؛ لأن الإنسان قد ينسى، وإذا نسي فقد قال الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، المشيئة إذا نسي الإنسان متى يقولها؟ إذا ذكرها، ولكن هل تنفعه؛ بمعنى أنه لو حنث لم تلزمه الكفارة أو لا تنفعه؟ من العلماء من قال: تنفعه حتى لو لم يذكر إلا بعد يوم أو يومين أو سنة أو سنتين؛ لأن الله أطلق اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ. ومن العلماء من قال: لا تنفعه، إلا إذا ذكر بزمن قريب بحيث ينبني الاستثناء على المستثنى منه، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء. وسأضرب مثلًا يتبين به الأمر، إذا قلت: والله لأفعلن هذا، ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت بعد عشرة أيام، فقلت: إن شاء الله، ثم لم تفعل، بناء على أن من قال: إن شاء الله لم يحنث، هل ينفعه هذا أو لا؟ من العلماء من قال: ينفعه؛ لأنه هنا قال: اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ. ومنهم من قال: لا ينفعه؛ لأن الكلام لم ينبنِ بعضه على بعض، إذن ما الفائدة من أمر الله أن نذكره إذا نسينا؟ قال: الفائدة هو ارتفاع الإثم؛ لأن الله قال: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فإذا نسيت فقلها إذا ذكرت، لكن هل تنفعك فلا تحنث أو يرتفع عنك بذلك الإثم؟ الظاهر الثاني؛ أنه يرتفع الإثم، وأما الحنث فإنه يحنث لو خالف؛ لأن الاستثناء بالنسبة للحنث لا ينفع إلا أن يكون متصلًا. ثم الاتصال هل يقال: إن الاتصال معناه أن يكون الكلام متواصلًا بعضه مع بعض أو أن الاتصال ما دام في المجلس؟ فيه أيضًا خلاف؛ بعضهم يقول: ما دام في المجلس فهو متصل، وإذا قام عن المجلس فقد انقطع، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» أيش؟ «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» ، فجعل التفرق فاصلًا. ومنهم من قال: لا، العبرة باتصال الكلام بعضه مع بعض، والظاهر -والله أعلم- أنه إذا كان في مجلسه ولم يذكر كلامًا يقطع ما بين الكلامين فإنه لا بأس أن يستثني. وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًاعَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّيعَسَىهذه بمعنى الرجاء إذا وقعت من مخلوق، وبمعنى الوقوع إذا وقعت من الخالق، انتبه، إذا وقعت من مخلوق فهي للرجاء، ومن الخالق فهي للوقوع، فقول الله تبارك وتعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم [النساء: ٩٨، ٩٩]، نقول: (عسى) هنا واقعة. وقال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَأيش؟ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة: ١٨]. أما من الإنسان فهي للرجاء، فقوله عز وجل: وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّيهذه للرجاء، أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّيأي: يدلني إلى الطريق؛ ولهذا قال: لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًاهداية، وقد فعل أو لا؟ فعل عز وجل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما قال: «سَأُخْبِرُكُمْ غَدًا» ، يحتاج إلى أن ينتظر أمر الله عز وجل، وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا.
تفسير الآية (٢٥)
٠٠:٣٣:٢٥
قال الله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف: ٢٥] لَبِثُواأي: هؤلاء الفتية. ذكرنا أن هذا ينقسم إلى؟ طالب: إلى قسمين؛ (...) فلا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله، وإن كان يريد إيقاع الفعل يقول: إن شاء الله. الشيخ: نعم، إذا كان يخبر عما في نفسه فهذا لا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله؛ لأن ما في نفسه قد وقع وقد شاءه الله عز وجل، مثل أن يسأل متى تسافر؟ قال: أسافر غدًا، هذا يخبر عما في نفسه وعما نواه، لا حاجة إلى أن يقول: إن شاء الله، أما إذا أراد تحقيق الفعل وإيقاع الفعل فلا بد أن يقول: إن شاء الله. هل يمكن أن يفهم هذا التفصيل من الآية؟ طالب: نعم؛ لأن الله قال: إِنِّي فَاعِلٌمؤكد. الشيخ: إِنِّي فَاعِلٌولم يقل: سأفعل. الطالب: نعم. الشيخ: فاعل، كأنه أمر مؤكد أنني سأفعل، هذا من وجه، من وجه آخر: أن ما في ضميره قد شاءه الله، إذا كان يخبر عما في ضميره فقد شاءه الله، فلا حاجة أن يقول: إن شاء الله؛ لأنه يخبر عما في ضميره. قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَما معناها؟ طالب: أي: اذكر أمر ربك إذا نسيت قل: إن شاء الله. الشيخ: نعم، إذا نسيت أن تقول: إن شاء الله فاذكر أمر الله عز وجل، واستغفر لذنبك؛ لأنك خالفت ما أمر الله به، وقيل: اذْكُرْ رَبَّكَأي: الاستثناء، هل يصلح الاستثناء منفصل عن المستثنى منه؟ طالب: فيه خلاف. الشيخ: نعم، أيش الخلاف؟ الطالب: بعضهم قال: ينفع الاستثناء ولو طالت المدة. الشيخ: ولو بعد مدة. الطالب: ولو بعد مدة. الشيخ: يعني: لو حلف أن يقول: والله لأفعلن كذا يوم جمعة ونسي أن يقول: إن شاء الله، في يوم الخميس ذكر فقال: إن شاء الله، ينفعه أو لا ينفعه؟ الطالب: على هذا القول ينفعه. الشيخ: على هذا القول ينفعه، تمام. القول الثاني؟ طالب: القول الثاني: أنه لا بد من الاتصال في الكلام. الشيخ: لا بد أن يكون الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه، طيب، لكن ينفعه؟ الطالب: ينفعه بحيث يرفع الإثم. الشيخ: في رفع الإثم عنه، تمام، هذا هو الذي عليه جمهور العلماء. يذكر أن الخليفة العباسي المنصور لما سمع أن أبا حنيفة رحمه الله ينكر قول ابن عباس: إن الاستثناء ينفع ولو بعد مدة ، وتعرفون أن المنصور من ذرية آل النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عباس يرى أن الاستثناء ينفع حكمًا ورفع إثم ولو طال الزمن، دعاه وقال: كيف تخالف ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا من حظك، أرأيت الناس يبايعونك ويحلفون لك، فإذا قلنا بقول ابن عباس وخرجوا من عندك قالوا: إن شاء الله، وإذا قالوا: إن شاء الله بطلت اليمين التي بايعوك عليها. وهذا من ذكاء أبي حنيفة فلم ينكر عليه؛ لأنه لو صححنا قول ابن عباس لكان الذين يبايعون ويعاهدون الله إذا خرجوا قالوا: إن شاء الله، وحينئذٍ تبطل البيعة، فرجع؛ يعني: قصدي رفع عنه الملامة ولم يعاقبه. قال الله تبارك وتعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٦) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا [الكهف: ٢٥، ٢٦] إلى آخره لَبِثُوايعني: أصحاب الكهف، فِي كَهْفِهِمْيعني: الذي اختاروه لأنفسهم وناموا فيه. ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَثَلاثَ مِائَةٍتكتب اصطلاحًا مربوطة (ثلاث) مربوطة بـ(مائة)، وتكتب (مائة) بالألف، لكن هذه الألف لا ينطق بها، ويخطئ من نسمعهم يقولون كثيرًا: ثلاث مَائَة، هذا غلط؛ كيف يقولون (مَائَة) وهي (مِائة) في القرآن الكريم لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ؟ وبعضهم يكتب (ثلاث) وحدها (ومائة) وحدها، وهذا أيضًا صحيح، وهي عندي كذلك مكتوبة: ثَلاثَ مِائَةٍ؛ (ثلاث) وحدها، و(مائة) وحدها، وهذه قاعدة صحيحة. وقوله: مِائَةٍ سِنِينَمِائَةٍبالتنونين، وسِنِينَعطف بيان لـثَلاثَ مِائَةٍ؛ لأن (ثلاث مائة) لولا كلمة (سنين) لكنا لا ندري هل ثلاث مئة يوم أو ثلاث مئة أسبوع أو ثلاث مئة سنة؟ فلما قال: سِنِينَبين ذلك، يقول: وَازْدَادُوا تِسْعًاازدادوا على الثلاث مئة، فكم يكن لبثهم؟ ثلاث مئة وتسع سنوات. قد يقول قائل: لماذا لم يقل ثلاث مئة وتسع سنين؟ قلنا: هذا بمعنى هذا ولا فرق، لكن القرآن العظيم أبلغ الكلام، فمن أجل تناسب الآيات ورؤوس الآيات قال: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا، وليس كما قال بعضهم: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَبالشمسية، وَازْدَادُوا تِسْعًابالقمرية، فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا، من الذي يشهد على الله أنه أراد ثلاث مئة سنين بالشمسية وتسع سنين زائدة بالقمرية؟ حتى لو وافقت أن ثلاث مئة سنين شمسية هي ثلاث مئة وتسع سنين بالهلالية، فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بهذا؛ لأن الحساب واحد، وما هي العلامات التي يكون بها الحساب عند الله عز وجل؟ الأهلة؛ ولهذا نقول: إن القول: بأن ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَشمسية وَازْدَادُوا تِسْعًايعني: قمرية قول ضعيف؛ أولًا: أنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا. ثانيًا: أن عدة الشهور عند الله والسنوات هي بالأهلة؛ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَبعدها لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: ٥]. وَازْدَادُوا تِسْعًاإذن لبثوا ثلاث مئة وتسع سنوات بالهلالية.
تفسير الآية (٢٦)
٠٠:٤٢:٢٠
قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواقُلِيا محمد: الله أعلم بما لبثوا، وهذه الجملة تؤيد قول من يقول: إن قوله: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْمن قول الذين يتحدثون عن لبث أهل الكهف في كهفهم وهم اليهود الذين يدعون أن التوراة تدل على هذا، وعليه؛ على هذا القول يكون قوله: وَلَبِثُوامقولًا لقول محذوف والتقدير: وقالوا: لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، ثم قال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، لكن هذا القول وإن قاله بعض المفسرين فالصواب خلافه، وأن قوله: وَلَبِثُوامن قول من؟ طالب: من كلام الله. الشيخ: من قول الله، ويكون قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوامن باب التوكيد؛ أي: توكيد الجملة أنهم لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، والمعنى قل: الله أعلم بما لبثوا، وقد أعلمنا أنهم لبثوا كم؟ ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا. قال الله عز وجل: لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأي: له ما غاب في السماوات والأرض، أو له علم غيب السماوات والأرض، وكلا الأمرين حق، و(السماوات) جمع (سماء)، وهي سبعة كما هو معروف، والأرض هي أيضًا سبع أرضين، فلا يعلم الغيب؛ غيب السماء والأرض إلا الله؛ ولهذا من ادعى علم الغيب فهو كاذب، والمراد بالغيب المستقبل. وأما الموجود أو الماضي فمن ادعى علمه فليس بكافر؛ لأن هذا الشيء قد حصل وعلمه من علمه من الناس، لكن غيب المستقبل لا يكون إلا لله عز وجل؛ ولهذا من أتى كاهنًا يخبره عن المستقبل وصدقه فهو كافر بالله عز وجل؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]. أما ما كان واقعًا، فمن المعلوم أن ما كان واقعًا هو غيب بالنسبة لقوم وشهادة بالنسبة لآخرين، الآن ما في الشارع هو بالنسبة لنا غيب، بالنسبة لمن يشاهد هناك شهادة، لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْهذا يسميه النحويون فعل تعجب، فـ(أبصر) بمعنى ما أبصره، و(أسمع) بمعنى ما أسمعه، وهو غاية ما يكون من علو هذين الوصفين؛ البصر والسمع، فالله تبارك وتعالى يبصر كل شيء، يبصر دبيب النمل على الصفاة السوداء في ظلمة الليل، يبصر ما لا تدركه أعين الناس مما هو أخفى وأدق، كذلك في السمع يسمع كل شيء، يعلم السر وأخفى من السر، ويعلم الجهر، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه: ٧]. تقول عائشة رضي الله عنها في قصة المجادلة التي ظاهر منها زوجها وجاءت تشتكي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة في الحجرة، والحجرة صغيرة كما هو معروف، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحاور المرأة، وعائشة يخفى عليها بعض حديثها، والله عز وجل يقول: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]، تقول: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي الحجرة وإنه ليخفى عليَّ بعض حديثها، والله عز وجل فوق كل شيء، ومع ذلك سمع قولها ومحاورتها للرسول صلى الله عليه وسلم . وفي الإيمان بأن الله تعالى ذو بصر نافذ لا يغيب عنه شيء، وذو سمع ثاقب لا يخفى عليه شيء، في الإيمان بذلك ما يقتضي للإنسان ألَّا يري ربه ما يكرهه الله، ولا يسمعه ما يكرهه الله؛ لأنك إذا آمنت بأن الله إن عملت أي عمل رآك، إن قلت أي قول سمعك، فهذا يوجب أن تخشى الله عز وجل، وألَّا تفعل فعلًا يكرهه الله، ولا تقول قولًا يكرهه الله عز وجل، لكن الإيمان ضعيف، فتجد الإنسان عندما يريد أن يقول أو أن يفعل لا يخطر بباله أن الله يسمع أو يرى إلا إذا نبه، الغفلة كثيرة، فيجب علينا جميعًا أن ننتبه لهذه النقطة العظيمة. قال: مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّمَا لَهُمْهل الضمير يعود على أصحاب الكهف أو على من في السماوات والأرض؟ الثاني هو المتعين؛ يعني: ليس لأحد ولي من دون الله، حتى الكفار وليهم الله عز وجل، وحتى المؤمنون وليهم الله عز وجل، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، فالله ولي لكل أحد، وهذه هي الولاية العامة، أليس الله تعالى يرزق الكافرين، وينمي أجسامهم، وييسر لهم ما في السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر والنجوم والأمطار، وكذلك الأرض؟ هذه ولاية، ويتولى المؤمنين أيضًا، لكن هذه ولاية عامة. الولاية الخاصة للمؤمنين، قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة: ٢٥٧]، الولاية الخاصة تستلزم عناية خاصة، اللهم اجعلنا من أوليائك، تستلزم ولاية خاصة أن الله تعالى يسدد العبد، يفتح له أبواب العلم النافع والعمل الصالح؛ ولهذا قال: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِبماذا يخرجهم؟ بالعلم، فيعلمهم أولًا، ويخرجهم ثانيًا. إذن مَا لَهُمْأي: ما لأهل السماوات والأرض، مِنْ دُونِهِأي: من سواه، مِنْ وَلِيٍّأي: يتولى أمورهم ويدبِّرها، إعراب الجملة هذه: أن مَانافية، ولَهُمْخبر مقدم، ومِنْ وَلِيٍّمبتدأ مؤخر دخلت عليها؛ على هذه الكلمة حرف الجر الزائد؛ لأنك لو حذفت (من) وقلت: ما لهم من دونه ولي لاستقام الكلام، لكن جاءت (مِن) من أجل التوكيد والتنصيص على العموم؛ يعني: لا يمكن أن يوجد لأهل السماوات والأرض ولي سوى الله عز وجل. وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًالا يشرك أحدًا في حكمه، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّالمن؟ لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧]، وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، والحكم كوني وشرعي؛ الخلق والتقدير وتدبير هذه الخلائق العظيمة، هذا كوني، والحكم بين الناس بالأوامر والنواهي، هذا شرعي. فهل المراد بقوله: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًاالأمران أو أحدهما؟ المراد الأمران، لا أحد يشرك الله عز وجل في حكمه لا الكوني ولا الشرعي. وفيه: دليل على وجوب الرجوع إلى حكم الله الشرعي، وأنه ليس لنا أن نشرع في دين الله ما ليس منه؛ لا في العبادات ولا في المعاملات. وأما من قال من أهل العلم: إنه لنا أن نشرع في المعاملات ما يناسب الوقت، فهذا قول باطل؛ لأنه على قولهم لنا أن نجوز الربا، وأن نجوز الميسر، وأن نجوز كل ما فيه الكسب ولو كان محرمًا، ولا شك أن هذا قول باطل، فالشرع صالح لكل زمان ومكان، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. الحكم الكوني هل أحد يشرك الله فيه؟ أبدًا، ولا أحد يدعي هذا، هل يستطيع أحد أن ينزل الغيث؟ لا، هل يستطيع أحد أن ينبت الأرض؟ لا، الحكم الكوني لا أحد يدعي الشركة فيه، الحكم الشرعي هو الذي محل اختلاف البشر، ودعوى بعضهم أن لهم أن يشرعوا للناس ما يرون أنه مناسبًا.
تفسير الآية (٢٧)
٠٠:٥٣:٢٨
{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ} هذا كالنتيجة لقوله: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، فقوله: اتْلُيشمل التلاوة اللفظية والتلاوة العملية، أما التلاوة اللفظية فظاهرة، تقول: فلان تلا عليَّ سورة الفاتحة، التلاوة الحكمية العملية أن تعمل بالقرآن، فإذا عملت به فقد تلوته؛ أي: تبعته؛ ولهذا نقول في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [فاطر: ٢٩] يشمل التلاوة اللفظية والحكمية. وقوله: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ [الكهف: ٢٧] الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن اعلم أن الخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به. الثاني: ما دل الدليل أنه للعموم فهو للعموم. الثالث: ما يحتمل الأمرين؛ فقيل: إنه عام، وقيل: إنه خاص وتتبعه الأمة لا بمقتضى هذا الخطاب ولكن بمقتضى أنه أسوتها وقدوتها. مثال الأول الذي دل الدليل على أنه خاص به: قوله تبارك وتعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، هذا لا شك أنه خاص به، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦]، هذا خاص به. ومثال الثاني الذي دل الدليل على أنه عام: قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١]، فإن قوله: إِذَا طَلَّقْتُمُخطاب لمفرد ولَّا لجماعة؟ لجماعة وهم الأمة، لكن نادى زعيمَها ورسولَها؛ لأنهم تابعون له فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ، إذن الخطاب يشمل النبي صلى الله عليه وسلم وجميع الأمة. ومثال ما يحتمل الأمرين: هذه الآية اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ، لكن هذه قد يقول قائل: إن فيها قرينة تدل على أنه خاص به كما سنذكرها إن شاء الله، لكن الأمثلة على هذا كثيرة، والصواب: أن الخطاب للأمة لكن وجه لزعيمها وأسوتها؛ لأن الخطابات الهامة إنما توجه للرؤساء والمتبوعين. وقوله: مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَهو القرآن، وفي إضافة الرب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم دليل على أن ما أوحاه الله إلى رسوله من تمام عنايته به، لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِيعني: لا أحد يستطيع أن يبدل كلماته لا الكونية ولا الشرعية، أما الكونية فظاهر، لا أحد يستطيع أن يبدلها، فإذا قال الله تعالى: كن، في أمر كوني فلا يستطيع أحد أن يبدله، واضح؟ طالب: لا يستطيع أحد أن يبدل كلمات الله عز وجل الكونية. الشيخ: الكونية لا أحد يستطيع، الشرعية لا أحد يستطيع شرعًا، فيكون النفي هنا ليس نفي الوجود ولكنه نفي للإمكان الشرعي، لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله الشرعية على وجه شرعي، أبدًا، بل الواجب على الجميع أن يستسلموا لله عز وجل. لو قال قائل: وجدنا من يبدل كلام الله، فإن الله تعالى أشار إلى هذا في قوله في الأعراب: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح: ١٥]؟ قلنا: نعم، لكن هذا التبديل شرعي، والتبديل الشرعي قد يقع من البشر فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسرون كلام الله بما لم يرده الله، ومن ذلك جميع المعطلة لصفات الله عز وجل أو لبعضها ممن بدلوا كلام الله. وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًايعني: لن تجد أيها الرسول من دون الله عز وجل، مُلْتَحَدًاأي: أحدًا تميل إليه وتلجأ إليه؛ لأن أصل الالتحاد من اللحد وهو الميل؛ يعني: لو أرادك أحد بسوء ما وجدت أحدًا يمنعك دون الله عز وجل، إذن عندما يصيب الإنسان شيء يتضرر به أو يخافه يلتجئ إلى من؟ إلى الله عز وجل، ونظير هذه الآية قوله تعالى: قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن: ٢١، ٢٢].
تفسير الآية (٢٨)
٠٠:٥٩:٣٤
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: ٢٨] إلى آخره، اصْبِرْ نَفْسَكَيعني: احبسها مع هؤلاء الذين يدعون الله دعاء مسألة ودعاء عبادة، بالغداةأول النهار، وَالْعَشِيِّآخر النهار، مخلصين لله عز وجل يُرِيدُونَ وَجْهَهُولا يريدون شيئًا من الدنيا؛ يعني: أنهم يفعلون ذلك لله وحده لا لأحد سواه. وفي الآية إثبات الوجه لله عز وجل، وقد أجمع علماء أهل السنة على ثبوت الوجه لله تعالى؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» ، وأجمع سلف الأمة وأئمتها على ثبوت الوجه لله. ولكن هل يكون هذا الوجه مماثلًا لأوجه المخلوقين؟ اسمعوا يا إخواني ولا سيما الجدد، لا يمكن أن يكون وجه الله مماثلًا لأوجه المخلوقين؛ لقول الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] أي: شبيهًا ونظيرًا، وقال الله تبارك وتعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]، وهكذا كل ما وصف الله به نفسه فالواجب علينا أن نجريه على ظاهره، لكن بدون تمثيل. فإن قال قائل: إذا أثبت لله وجهًا لزم من ذلك التمثيل، ونحمل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌيعني: إلا فيما أثبته، كالوجه واليدين مثلًا؟ فالجواب: أن هذا مكابرة؛ لأننا نعلم حسًّا وعقلًا أن كل مضاف إلى شيء فإنه يناسب ذلك الشيء، أليس للإنسان وجه، وللجمل وجه، وللحصان وجه، وللفيل وجه، هل هذه الأوجه متفقة؟ لا، أبدًا، تناسب ما أضيفت إليه، بل إن الوقت والزمن له وجه، كما في قوله تعالى: آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢]، وَجْهَ النَّهَارِفأثبت للزمن وجهًا، هل يمكن لأحد أن يقول: وجه النهار مثل وجه الإنسان؟ لا يمكن. إذن ما أضافه الله لنفسه من الوجه لا يمكن أن يكون مماثلًا لأوجه المخلوقين؛ لأن كل صفة تناسب الموصوف. فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» ، فما الجواب؟ الجواب من أحد وجهين: إما أن يقال: على صورة الله، لكن لا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلًا له، الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ونحن نعلم أنه ليس هناك مماثلة بين هؤلاء والقمر، لكن على صورته من حيث العموم؛ إضاءةً وابتهاجًا ونورًا. الوجه الثاني: أن يقال: على صورته؛ أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، فإضافة صورة الآدمي إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم، كما في قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤]، ومن المعلوم أن الله ليس يصلي في المساجد، لكن أضيفت إلى الله على سبيل أيش؟ التشريف والتعظيم؛ ولأنها إنما بنيت لطاعة الله، وكقول صالح لقومه: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس: ١٣]، ومعلوم أن الله عز وجل ليست هذه الناقة له يركبها، لكن أضيفت إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم، فيكون خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن؛ يعني: على الصورة التي اختارها من بين سائر المخلوقات. قال الله تعالى في سورة الانفطار: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار: ٦، ٧] أي: جعلك ذا اعتدال، وهذا يشمل اعتدال القامة واعتدال الخلقة. ففهمنا الآن -والحمد لله- أن الله تعالى له وجه حقيقي وأنه لا يشبه أوجه المخلوقين. يُرِيدُونَ وَجْهَهُوفي هذا إشارة إلى الإخلاص؛ لقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، فعليك أخي المسلم بالإخلاص حتى تنتفع بالعمل. وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَايعني: لا تعد عيناك عن هؤلاء السادة الكرام، تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَابل اجعل نظرك إليهم دائمًا وصحبتك لهم دائمًا، وفي قوله: تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاإشارة إلى أنه لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام فارقهم لمصلحة دينية، فهل يدخل هذا في النهي أو لا؟ لا، النهي أن تترك أهل الخير للدنيا لا لمصلحة دينية. وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًالا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَايعني: عن ذكره إيانا، أو عن الذكر الذي أنزلناه، فعلى الأول يكون المراد: أن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه دون قلبه داخل في الآية، وعلى الثاني يكون المراد: الرجل الذي أغفل الله قلبه عن القرآن، فلم يرفع به رأسًا ولم ير في مخالفته بأسًا. وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُولم يتبع الهدى، وَكَانَ أَمْرُهُأي: شأنه، فُرُطًاأي: منفرطًا عليه، تمضي الأيام والليالي ولا يحس بشيء. وفي هذه الآية: إشارة إلى أهمية حضور القلب عند ذكر الله، وأن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنزع البركة من أعماله وأوقاته حتى يكون أمره فرطًا عليه، تجده يبقى الساعات الطويلة وهو لم يحصِّل شيئًا، لكن لو كان قلبه مع الله لحصلت له البركة في جميع أعماله، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.
تفسير الآية (٢٩)
٠١:٠٩:١٠
ثم قال عز وجل: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الكهف: ٢٩] قُلِالخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي: قلها معلنًا، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْلا من غيره، فلا تطلب الحق من طريق غير طريق الله عز وجل؛ لأن الحق من عند الله. فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْوالأمر في قوله: وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْللتهديد وليس للإباحة وليس للإيجاب، بل هو للتهديد، كما يهدد الإنسان غيره فيقول: افعل كذا، أو إن كنت صادقًا فافعل كذا، ويدل لذلك قوله: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَايعني: من كفر فله النار قد أعدت. وقوله: لِلظَّالِمِينَالمراد به الكافرون، والدليل على هذا قوله: فَلْيَكْفُرْ. فإذا قال قائل: هل الكفر يسمى ظلمًا؟ الجواب: نعم، كما قال عز وجل: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، ولا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكًا وهو الذي خلقه وأمده وأعده. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاأَحَاطَ بِهِمْأي: بالنار، سُرَادِقُهَاما حولها؛ يعني: أن النار قد أحاطت بهم، والعياذ بالله، لا يمكن أن يفروا عنها يمينًا ولا شمالًا، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُيعني: أن أهل النار -أعاذني الله وإياكم منها- إذا عطشوا عطشًا شديدًا، وذلك بأكل الزقوم أو بغير ذلك أغيثوا بهذا الماء أغيثوا بماء كالمهل، تقول: كعكل الزيت؛ يعني: تفله أو ما أشبه ذلك مما هو منظر كريه ولا تقبله النفوس، كما قال الله تعالى: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُأي: كالصديد، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم: ١٧]. وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَأعوذ بالله، إذا قرب منها شواها وتساقطت؛ لأنها تنهري -والعياذ بالله- من شدة فيح هذا الماء، وإذا وصل إلى أمعائهم قطعها، كما قال جل وعلا: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وما أعظم الوجع والألم فيمن تقطع أمعاؤهم من الداخل، لكن مع ذلك تقطع وتعاد كالجلود، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: ٥٦]، الله أكبر، سبحان القادر على كل شيء! وبلحظة يكون هذا الشيء متتابع، كلما نضجت بدلوا، كلما تقطعت الأمعاء فإنها توصل بسرعة. يقول عز وجل: يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَبِئْسَ الشَّرَابُهذا قدح في هذا الشراب، وبِئْسَفعل ماضٍ لإنشاء الذم، بئس الشراب شرابهم، والعياذ بالله، وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًاأي: قبح مرتفقها والارتفاق بها، الْمُرْتَفَق: ما يرتفق به الإنسان من سكن، قد يكون حسنًا وقد يكون سيئًا، في الجنة: حسنت مرتفقًا، في النار: ساءت مرتفقًا.
تفسير الآية (٣٠)
٠١:١٤:١١
ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠] هذا من أسلوب القرآن أنه سبحانه وتعالى إذا ذكر أهل النار ذكر أهل الجنة، وهذا من معنى قوله: مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] أي: تثنى فيه المعاني والأحوال والأوصاف؛ ليكون الإنسان جامعًا بين الخوف والرجاء في سيره إلى ربه، وسبق الكلام على قوله: آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًاكان الذي يتوقعه الإنسان أن يقول: إنا لا نضيع أجرهم، ولكنه عز وجل قال: أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا؛ لبيان العلة في ثواب هؤلاء وهو أنهم أحسنوا العمل، وهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، هذا من وجه معنوي، الوجه اللفظي أن تكون رؤوس الآي متوافقة متطابقة؛ لأنه لو قال: إنا لا نضيع أجرهم، اختلفت رؤوس الآي. إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًاوبماذا يكون إحسان العمل؟ يكون بأمرين: الأول: الإخلاص لله عز وجل. والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى ما في الآية الكريمة من الحث على إحسان العمل.
تفسير الآية (٣١)
٠١:١٦:٠٣
{أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} [الكهف: ٣١] المشار إليه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍو(الجنات) جمع (جنة)، وهي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه؛ فيها ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، و(العدن) بمعنى (الإقامة)؛ يعني: جنات إقامة، لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف: ١٠٨] أي: لا يبغون تحولًا عنها. ومن تمام النعيم: أن كل واحد منهم لا يرى أن أحدًا أنعم منه، ومن تمام الشقاء في أهل النار: أن الواحد منهم لا يرى أحدًا أشد منه عذابًا، لكن هؤلاء لا يرون أن أحدًا أنعم منهم؛ لأنهم لو رأوا ذلك لتنغص نعيمهم حيث يتصورون أنه أقل. قوله تبارك وتعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًاما معنى هذه التركيبة وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا؟ طالب: الرد على من زعم.. الشيخ: يعني قصدي لماذا لم تكن الآية: ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وتسع سنين؟ الطالب: للرد على اليهود؛ لأنهم زعموا أن في التوراة يوجد هذا العدد؛ عدد ثلاث مئة وتسعة. الشيخ: خطأ. طالب: لأنهم قالوا: إن هذا بين الشمسية والقمرية يا شيخ، (...). الشيخ: لا، غلط أيضًا. طالب: قلنا: إن المعنيين بمعنى واحد أو الأسلوبين بمعنى واحد، ولكن من قول الله.. الشيخ: يعني ثلاث مئة سنين وتسع سنين بمعنى ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا. الطالب: ولكن قال الله تعالى ذلك -والله أعلم- لتناسب رؤوس الآيات. الشيخ: رؤوس الآيات، وَازْدَادُوا تِسْعًا، طيب. يرى بعض أهل العلم أن قوله: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَباعتبار السنوات الشمسية، وَازْدَادُوا تِسْعًاباعتبار السنوات الميلادية، ماذا تقول؟ طالب: قلنا: إن القول هذا غير صحيح؛ لأن عدة الشهور عند الله بالسنة الهلالية. الشيخ: نعم؛ لأن العدد المعتبر في التوقيت هي الأشهر الهلالية، ما دليلك؟ طالب: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة: ٣٦]. الشيخ: طيب. طالب: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ [البقرة: ١٨٩]. الشيخ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ، طيب، آية ثالثة؟ طالب: قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [يونس: ٥]. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، تمام. قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوااستدل بعض المفسرين بهذه الجملة على أن قوله: وَلَبِثُوامن قول أهل الكتاب؛ أي: وقالوا: ولبثوا، فما جوابك؟ طالب: الجواب أن نقول: إن هذا من كلام الله عز وجل.. الشيخ: أن قوله: وَلَبِثُوامن كلام الله، إذن كيف قال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا؟ طالب: هي (...) الله عز وجل. الشيخ: لتأكيد أيش؟ الجملة السابقة أنهم لبثوا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا، فقال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنهم لبثوا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا. قوله: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًاأي الحكمين؛ الكوني أو الشرعي؟ طالب: الكوني والشرعي. الشيخ: المراد الحكمان، نعم، أما الكوني فلا أحد يستطيع أن يغير حكم الله، وأما الشرعي فقد يغير حكم الله ولكنه ليس مأذونًا له في ذلك، فيكون النفي لنفي مشروعيته، طيب، بارك الله فيك. قوله تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَله معنيان؟ طالب: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَأي.. الشيخ: تلاوة قراءة. الطالب: تلاوة القراءة اللفظية، وتلاوة القراءة المعنوية. الشيخ: إي، يعني: الاتباع؛ اتْلُيعني بذلك: اتله لفظًا، واتله أيضًا اتباعًا؛ لأن المتبع يقال: تلا فلانًا؛ أي: تابعه. قوله: وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْمعناها؟ طالب: أي: لا تنظر لغيرهم. الشيخ: لا تنظر لغيرهم، هل هذا النهي مقيد؟ طالب: (...). الشيخ: بماذا؟ طالب: (...). الشيخ: بقوله: تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، بارك الله فيك. ماذا نستفيد من قوله: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا؟ طالب: ينبغي أن يكون الإنسان حاضر القلب.. الشيخ: عند ذكر الله، تفيد أنه لا بد من حضور القلب عند ذكر الله عز وجل. هل الناس الآن واقعون في هذه الغفلة؟ طالب: كثير. الشيخ: كثير، أحسنت، ولا سيما إذا كان الإنسان في الصلاة، فإن الشيطان يتسلط عليه ليغفل قلبه عن ذكر الصلاة الذي هو متلبس به. هل في الآية وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَما يدل على أن الكفر ظلم؟ طالب: يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا. الشيخ: بعد قوله: فَلْيَكْفُرْ. وهل عندك آية تدل على أن الكافر ظالم؟ طالب: نعم. الشيخ: ما هي؟ الطالب: (...). الشيخ: لا. الطالب: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.. الشيخ: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، بارك الله فيك. طالب: أحسن الله إليك، ما فائدة قوله تعالى: أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاهذه زيادة، ما اكتفى بقوله: أحاطت بهم؟ الشيخ: إي نعم، يعني معناه: أن النار لها سرادق -وهو ما حولها- محيط بهؤلاء، وهو أبلغ من الإحاطة بها؛ لأن هذا السرادق محيط بالنار وبأهل النار. طالب: إن الله جل وعلا إذا ذكر قولًا أو شيئًا ثم سكت عنه كأنها موافقة، فمنه قوله تبارك وتعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، في قوله: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، هذا من المعلوم أنه محرم ومع ذلك سكت الله عنه، ولم..؟ الشيخ: لا، ما سكت، جاء في السنة بأنه منكر. وقد يقول قائل: إنه في شريعة هؤلاء ليس حرامًا، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ، خبر ولم ينه عنه، لكن جاء النهي عنه في نصوص أخرى. طالب: قول الله تعالى أَبْصِرْ بِهِإلى أي شيء؟ الشيخ: أَبْصِرْقلنا لكم: هذه تعجب؛ يعني: ما أبصره وما أسمعه! طالب: أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا، ذِكْرِنَاما المراد بها؟ الشيخ: ذكرنا فيها قولين: عَنْ ذِكْرِنَاأي: عن ذكره إيانا، أو عَنْ ذِكْرِنَا: عن الذكر الذي أنزلنا وهو القرآن، كما قال الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، قلنا: الآية شاملة لهذا ولهذا، شاملة للأمرين. طالب: (...) عن ذكره؟ الشيخ: إيانا؛ يعني: هو يذكر بلسانه لكن قلبه غافل، وهذا حال كثير من الناس اليوم. طالب: فضيلة الشيخ في الدرس الماضي لما عثر عليهم القوم؛ قوم أهل الفتية أصحاب الكهف، لما عثروا عليهم هل أعثروا عليهم بعدما.. لأنهم تنازعوا عليهم وبنوا عليهم مسجدًا على قبورهم؛ يعني: أمراؤهم أمروهم أن يبنوا مسجدًا على قبورهم، فهل معنى ذلك أنهم عثروا عليهم بعدما توفوا؟ الشيخ: إي، بعدما توفوا. طالب: أحسن الله إليك، في قوله تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْهل يؤخذ منه عدم العذر بالإجبار؟ الشيخ: ما هو ظاهر؛ لأن هؤلاء قد يذكرون بيان الواقع؛ أن هذا أو هذا سيكون. قال الله عز وجل: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ(الأنهار) جمع (نهر)، وهي أربعة أنواع ذكرها الله تعالى في سورة محمد صلى الله عليه وسلم قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥]، وهنا قال: تَحْتِهِمُوفي آية أخرى يقول: تَحْتِهَاوالمعنى واحد؛ لأنه إذا كانت الأنهار تجري تحت أشجارها وقصورها فهي تجري تحتها بلا شك. يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍيُحَلَّوْنَ فِيهَاأي: في هذه الجنات، مِنْ أَسَاوِرَقال بعضهم: إن (من) هنا زائدة؛ لقول الله تعالى: وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ [الإنسان: ٢١]، فـ(من) زائدة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن (من) لا تزاد في الإثبات، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ
نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
وإذا بطل هذا القول، فإن (من) إما أن تكون للبيان؛ لأن أساور من أي شيء؛ من فضة، من حديد، من ذهب، من زبرجد؟ ما ندري، فتكون (من) أيش؟ بيانية، يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَإما أن تكون للتبعيض؛ يحلون فيها بعض أساور؛ لأن الأساور الكثيرة العظيمة توزع عليهم، فتكون (من) للتبعيض؛ يعني: بعض أساور؛ أي: يحلى كل واحد منهم شيئًا من هذه الأساور، وحينئذٍ لا يكون فيه إشكال. مِنْ ذَهَبٍهذه (من) بيانية، (من) بيان لأساور أنها من ذهب، ولكن لا تحسبوا أن الذهب الذي في الجنة كالذهب الذي في الدنيا يختلف اختلافًا عظيمًا.