تفسير سورة الكهف - ١
درس صوتي · ٨٧:٠٤
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تفسيرالآيات(١-٥)
٠٠:٠٠:١٤
{الْحَمْدُ}: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.
الْحَمْدُ لِلَّهِهذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.
الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَالجملة الآن الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟
الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.
الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، عَبْدِهِيعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، وفي حال الدفاع عنه: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء: ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي صلى الله عليه وسلم وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا
فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي
وقوله: أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَهو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُأي: لهذا القرآن عِوَجًا، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: قَيِّمًاوقَيِّمًاحال من قوله: الْكِتَابَيعني حال كونه قَيِّمًا.
فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن الْكِتَابَمنصوب وقَيِّمًامنصوب؟
الجواب: أن قَيِّمًانكرة، والْكِتَابَمعرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى قَيِّمًايعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟
طالب: الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا.
الشيخ: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا. الكمال قَيِّمًاوهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.
وفي قوله تعالى: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًاتنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًاكيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًاقَيِّمًاإلى آخره.
وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟
بيّنها الله في قوله: لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [الكهف: ٢] لِيُنذِرَالضمير يحتمل أن يكون عائدًا على عَبْدِهِ، ويحتمل أن يكون الضمير على الْكِتَابَ، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.
لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُأي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ [البقرة: ١٧٧]، وكقوله تعالى: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا [الأعراف: ٤]؛ يعني عذابًا.
لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَنجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: لِيُنذِرَ، وذكر المفعول في قوله: يُبَشِّرَفكيف نُقدم المفعول به لِيُنذِرَ؟
نقدمه مقابل يُبَشِّرَ، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.
ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١]، ثُبَاتٍيعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا.
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِلا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟
الجواب: لا، فلا بد من أعمال.
وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِأولًا: نسأل مَن المؤمنون؟
المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِيعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.
الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).
طالب: (...).
الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟
لفقد الإخلاص.
إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟
قال: أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [الكهف: ٢، ٣] أَجْرًاأي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.
وقوله: حَسَنًاقد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦].
وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟
بما يقتضي الأكمل، فنقول: حسنًاأي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.
وقول الله عز وجل: مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًاأي: باقين فيه.
أَبَدًاإلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.
طالب: قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩].
الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاوالآية الثانية؟
طالب: في سورة الجن.
الشيخ: لا، قبل الجن.
طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
الشيخ: في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟
طالب: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣].
الشيخ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا
إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ
وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!
إذن مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًاهذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة أُعِدَّتْ، وذكر في النار أُعِدَّتْ.
ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [الكهف: ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مثل: النصارى، قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، (...) الذكور والإناث وعزير وليس بنبي، ولكنه رجل صالح، والمسيح وهو نبي.
قال الله تعالى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [الكهف: ٥]، مَا لَهُمْ بِهِأي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. مَا لَهُمْ بِهِأي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد مِنْ عِلْمٍ، وقوله: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍإذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.
وَلَا لِآبَائِهِمْالذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، كَبُرَتْ كَلِمَةً، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن كَلِمَةًتمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]؟
الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط إِنْ كَانَ، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ [يونس: ٩٤].
هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍكَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْفهل لنا أن نستفيد من قوله: مِنْ أَفْوَاهِهِمْأن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!
هذا غير ممكن، ولهذا قال: إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، إِنْبمعنى ما يقولون.
ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا، إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام: ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.
فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟
طالب: كذب.
الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟
أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.
الشاهد من الحديث: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا.
تفسير الآية (٦)
٠٠:٢٣:٣٢
قال الله تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: ٦]، فَلَعَلَّكَالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.
بَاخِعٌ نَفْسَكَأي: مهلك نفسك، وذلك للرسول عليه الصلاة والسلام، إذا لم يجيبوه حزن حزنًا شديدًا، وضاق صدره حتى يكاد يهلك، فسرّه الله عز وجل، وبيَّن له أنه ليس عليه في ذلك من شيء، قال: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ، بَاخِعٌأي: مهلك.
عَلَى آثَارِهِمْأي: اقتفاء آثارهم، لعلهم يرجعون إذا تولوا.
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِوالمشار إليه هو القرآن.
أَسَفًاهذه مفعول من أجله، العامل فيها بَاخِعٌ.
المعنى: لعلك باخع نفسك من الأسف إذا لم يؤمنوا به، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس عليه من آثارهم من شيء، وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ما هي؟ وظيفته البلاغ إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ [آل عمران: ٢٠]، يبلغ والحساب على الله عز وجل، وهكذا ورثته من بعده العلماء، وظيفتهم البلاغ، وأما الهداية فهي بيد الله عز وجل، فلا تحزن عليهم وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ.
ومن المعلوم أن الإنسان لا شك أنه يحزن إذا لم يستجب الناس للحق، لكن الحال إذا لم يقبل الناس الحق على نوعين: نوع يحزن؛ لأنه لم يُقبل، ونوع يحزن لأن الحق لم يُقبل، أيهما المحمود؟
الثاني؛ لأن الأول إذا دعا فإنما يدعو لنفسه، والثاني إذا دعا فإنما يدعو إلى الله عز وجل؛ ولهذا قال الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل: ١٢٥].
لكن لو قال إنسان: أنا أحزن إذا لم يُقبل قولي؛ لأنه حق، ولذلك لو تبيّن لي الحق على خلاف قولي أخذت به، فهل يكون محمودًا أو غير محمود؟
يكون محمودًا، لكنه ليس كالآخر الذي ليس له هم إلا قبول الحق سواء جاء من قِبله أو جاء من قِبل غيره، فهذا أكمل -يا إخوان- أدبًا.
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا [الكهف: ٧] إذا رأيت في القرآن تجد أن الله تعالى يقدم الشرع على الخلق؛ الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ [الرحمن: ١ - ٣]، وتأمل الآيات في هذا المعنى تجد أن الله يبدأ بالشرائع قبل ذكر الخلق وما يتعلق به؛ لأن المخلوقات إنما سُخِّرت للقيام بطاعة الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، وقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٩] إذن المهم هو القيام بطاعة الله، تأمل هذه النكتة حتى يتبين لك أن خلق الدنيا، وإيجاد الدنيا إنما هو بالقيام بشريعة الله عز وجل.
تفسير الآيتين (٧-٨)
٠٠:٢٧:٣٧
يقول: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَاجَعَلْنَابمعنى (صيَّرنا)، وجعل تأتي بمعنى (خلق)، وتأتي بمعنى (صير)، إن تعدّت مفعولًا واحدًا فإنها بمعنى (خلق)، مثل قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]، جعل يعني خلق، وإن تعدّت إلى مفعولين تأتي بمعنى (صير)، مثل قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] أي: صيرناه بلغة العرب، وإنما نبّهت على ذلك؛ لأن الجهمية يقولون: إن الجعل بمعنى الخلق في جميع المواضع، ويقولون: معنى إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّاأي: خلقناه، ولكننا نقول: (...) جعل إن تعدت لمفعول واحد فهي بمعنى (خلق)، ولمفعولين بمعنى (صير).
قال: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَاهنا (جعل) بمعنى خلق أو بمعنى صير؟
بمعنى صير، والمفعول الأول مَا، والمفعول الثاني زِينَةً لَهَا، مَا عَلَى الأَرْضِجعله الله زينة للأرض، وذلك لارتباط الناس، هل يتعلقون بهذه الزينة أو يتعلقون بالخالق؟ الناس ينقسمون إلى قسمين: منهم من يتعلق بالزينة، ومنهم من يتعلق بالخالق، واسمع إلى قول الله عز وجل مبينًا هذا: فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] إلى أين؟ إلى منازل عالية.
وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِمال إليها واطمأن إليها وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْأعاذنا الله وإياكم.
إذن جعل لهم الزينة لاختبار الناس، وسواء كانت هذه الزينة فيما خلقه الله عز وجل وأوجده، أو فيما صنعه الآدمي كالقصور الفخمة المزخرفة، زينة، لكنها من صُنع الآدمي، والأرض بجبالها وأنهارها ونباتها، وإذا أنزل الله الماء عليها اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج يبهج الناظر إليه، هذه زينة من عند الله تعالى.
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًالِنَبْلُوَهُمْأي: نختبرهم.
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاوالضمير يعود للخلق، وهنا قال: أَحْسَنُ عَمَلًالم يقل: (أكثر عملًا)؛ لأن العبرة بالأحسن لا بالأكثر، وعلى هذا لو صلَّى إنسان أربع ركعات، لكن على يقين ضعيف، وصلى آخر ركعتين بيقين قوي ومتابعة قوية، أيهما أحسن؟
الثاني أحسن وأفضل؛ لأن العبرة بإحسان العمل وإتقانه إخلاصًا ومتابعة.
في بعض العبادات الأفضل التخفيف كركعتي الفجر مثلًا، لو قال إنسان: أنا أحب أن أطيل، أحب القراءة في الركوع، وفي السجود، وفي القيام، وفي القعود، وآخر قال: أنا أحب أن أخفِّف، أيهما أفضل؟
الثاني أفضل، ولهذا ينبغي علينا إذا رأينا عاميًّا يطيل في ركعتي الفجر فلنسأل: هل هاتان الركعتان ركعة الفجر أو تحية المسجد؟
إن كان تحية المسجد فشأنه، وإن كانت ركعتي الفجر قلنا: لا، الأفضل أن تخفف.
في الصيام رخّص النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أن يواصلوا إلى الفجر؛ يعني ألَّا تفطر إلا بعد السحور، وندبهم إلى أن يفطروا من دون غروب الشمس، فصام رجلان أحدهما: امتد صومه إلى السحور، والثاني: أفطر من حين غابت الشمس، أيهما أفضل؟
الثاني بلا شك، والأول وإن كان لا ينهى عنه، لكنه جائز وليس بمشروع، جائز، ولكن انتبه لهذا.
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاولذلك تجد النبي صلى الله عليه وسلم يفعل من العبادات يحث على اتباع الجنائز، وتمر به الجنائز ولا يتبعها، يحث على أن نصوم يومًا ونفطر يومًا ومع ذلك هو لا يفعل هذا، لا يصوم يومًا ويفطر يومًا، بل كان أحيانًا يطيل الصوم حتى يقال: لا يفطر، وبالعكس، كل هذا يدفع ما كان أرضى لله عز وجل وأصلح لقلبه.
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاوَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف: ٨] حال الأرض بقصورها وأشجارها ونباتها سوف يجعلها الله عز وجل صعيدًا خاليًا كما قال عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه: ١٠٥]، أي: نسفًا عظيمًا، ولهذا جاء منكّرًا؛ أي: نسفًا عظيمًا فيجعلها قَاعًا صَفْصَفًا [طه: ١٠٦] لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: ١٠٧]، وليحذر كل ما يكون سبحان الله.
إذن هذه الأرض -يا أخي- لا يتعلق قلبك بها؛ هي زائلة، هي ستكون كأن لم تكن، كما قال الله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤].
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا، وتأمل الآن وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ، فيها مؤكدان؛ (إن)، و(اللام)، ثم إنها جاءت بالجملة الاسمية الدالة على القدرة المستمرة.
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًاإذا قامت القيامة أين القصور؟ لا قصور، لا جبال، لا أشجار، الأرض كأنها حجر واحد أملس، ما فيه لا نبات، ولا بناء، ولا أشجار، ولا غير ذلك.
تفسير الآية (٩)
٠٠:٣٥:٤٦
{أَمْ حَسِبْتَ} [الكهف: ٩] (أم) هنا منقطعة؛ فهي بمعنى (بل).
وحَسِبْتَبمعنى (ظننت).
أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف: ٩]، فهنا أتى بـ(أم) المنقطعة التي تتضمن الاستفهام من أجل شد النفس إلى الاستماع إلى القصة؛ لأنها حقيقة العجب، هذه القصة عجب!
أَصْحَابَ الْكَهْفِالكهف هو الغار في الجبل.
والرَّقِيمِبمعنى (المرقوم)؛ أي: المكتوب؛ لأنه كُتب على هذا الكهف قصتهم من أولها إلى آخرها.
كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا [الكهف: ٩] كَانُواأي: أصحاب الكهف والرقيم من آيات الله، الكونية ولَّا الشرعية؟ من آيات الله الكونية.
عَجَبًاأي: محل تعجب واستغراب؛ لأن هؤلاء سبعة معهم كلب، كرهوا ما عليه أهل بلدتهم من الشرك، وخرجوا متجهين إلى الله عز وجل، يريدون أن ينجوا بأنفسهم مما كان عليه أهل بلدهم.
سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: ٢٢] فلجؤوا إلى هذا الغار، وكان من حسن حظهم أن هذا الغار له باب لا يتجه للمشرق ولا للمغرب، سبحان الله العظيم؛ لأنه لو اتجه إلى المشرق أكلتهم الشمس عند شروقها، وإلى المغرب تأكلهم عند غروبها، لكنه متجه إلى ما بين المشرق والمغرب كما قال عز وجل: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ [الكهف: ١٧]، وسيأتي إن شاء الله.
تفسير الآية (١٠)
٠٠:٣٨:٠٧
يقول عز وجل: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُهنا بدأت القصة، وعلى هذا يكون إِذْ أَوَىمتعلق بمحذوف تقديره: اذكر إذ أوى الفتية، وكانوا قد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، كفار قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن قصتهم وهو عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابًا فيدري.
وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨]، فوعدهم فأنجز الله له الوعد.
قال: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِالفتى هو الشاب الكامل القوة والعزيمة.
طالب: الجنة والنار فيهما أحد الآن؟
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَه في النار ، ورأى في النار المرأة التي تعذب في هِرَّة حبستها ، ورأى في النار صاحب المحجن ، أتعرفون المحجن؟ بالنون، العصا المحمية الرأس، وصاحب المحجن رجل معه محجن إذا مر الحجيج به في مكة جلب المتاع بهذا المحجن، إن لم ينتبه صاحب المتاع راح، وإن فطن سوى هذا المحجن، هذا نعم (...) الناس، وهو كذلك، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يعذب في نار جهنم، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج: ٢٥].
طالب: (...).
الشيخ: إذا كان غير مؤهل للتأسي به كأن يكون طالب علم وعابدًا لله، فلا حرج عليه، أما إذا كان ليس أهلًا (...) يعمل.. ما يصح، أو غيره أنه رجل عالم، لكنه ليس عنده قوة في العبادة.
يقول الله عز وجل: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِيعني الغار في الجبل.
أَوَىبمعنى لجؤوا إليه، من أي شيء؟ من قومهم، فارين من قومهم خوفًا من أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء القوم، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ، والْفِتْيَةُقلنا: إنه جمع (فتى)، والفتى هو الشاب القوي.
فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا [الكهف: ١٠]، لجؤوا إلى الله.
آتِنَايعني أعطنا.
مِنْ لَدُنْكَمن عندك.
رَحْمَةًأي: ترحمنا بها، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر بما علمه من دعاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ» .
يقول: وَهَيِّئْ لَنَاهيئ بمعنى اجعل لنا، وتهيئة الشيء يعني إعداده ليكون شيئًا مستعدًّا به، وخالصًا للعمل به.
هَيِّئْ لَنَاأي: يسِّر لنا من أمرنا رشدًا، والرَّشد: ضده الغي؛ يعني: اجعل شأننا موافقًا للصواب.
تفسير الآية (١١)
٠٠:٤٣:٠٦
قال الله تعالى: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ [الكهف: ١١] فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْأي: أنمناهم نومة عميقة، وتعلمون أن النوم نوعان: خفيف؛ هذا لا يمنع السماع، ولهذا (...) أول ما يجيك النوم تسمع من حولك، لكن إذا نمت نومًا عميقًا (...)، ولهذا قال: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْأي: بحيث لا يسمعون.
فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًاأي: معدودة، وسيأتي بيانها في قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف: ٢٥].
ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْوذلك بإيقاظهم من النوم، وسمى الله الإيقاظ من النوم بعثًا؛ لأن النوم وفاة، قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠] أي: بالنهار، وقال الله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ [الزمر: ٤٢] يتوفَّاها في منامها.
تفسير الآية (١٢)
٠٠:٤٤:٢٨
وفي هذا قال: ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْيعني أيقظناهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، لِنَعْلَمَ. قد يقع فيه إشكال، وهل الله لا يعلم ذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لكن اعلم أن مثل هذه العبارة يُراد بها شيئان:
الشيء الأول: علم الرؤية، وظهور، ومشاهدة أي: لنرى، ومعلوم أن علم ما سيكون ليس كعلم ما كان، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: نعم، هو كذلك؛ لأن علم الله عز وجل بالشيء قبل وقوعه علم بأنه سيقع، لكن بعد وقوعه علم بأنه وقع.
الأمر الثاني: أن العلم الذي يترتّب عليه الحساب هو المراد بالآية، كيف نعلم علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك كقوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، وهو يعلم هذا قبل أن يبتلينا قد علم من هو المطيع ومن هو العاصي، لكن هذا لا يترتب عليه لا الجزاء ولا الثواب، فصار المعنى لنعلم علم ظهور ومشاهدة، وليس علم الظهور والمشاهدة كعلم ما سيكون.
والثاني: علمًا يترتب عليه الحساب؛ أمَّا تحقق وقوع المعلوم بالنسبة لله فلا فرق بين ما علم أنه يقع وما علم أنه وقع، كل سواء، أما بالنسبة لنا صحيح أنَّا نعلم ما سيقع في خبر الصادق، لكن ليس علمنا بذلك كعلمنا به إذا شاهدناه بأعيننا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» .
لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا [الكهف: ١٢] الْحِزْبَيْنِيعني الطائفتين.
أَحْصَىيعني أبلغ إحصاءً، وليست فعلًا ماضيًا، بل هي اسم تفضيل.
أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىيعني أضبط.
لِمَا لَبِثُوا أَمَدًايعني المدة التي لبثوها؛ لأنهم تنازعوا أمرهم فقالوا: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف: ١٩]، ثم جاء الناس من بعدهم أيضًا اختلفوا كم لبثوا؟ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا.
تفسير الآية (١٣)
٠٠:٤٧:٤٨
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ} [الكهف: ١٣] نعم القائل صدقًا وعلمًا وبيانًا وإيضاحًا؛ لأن كلام الله تبارك وتعالى متضمن للعلم، والصدق، والفصاحة، والإرادة؛ أربعة أشياء: كلامه عز وجل عن علم، كلامه أيضًا عن صدق، كلامه في غاية الفصاحة، إرادته بهذا الكلام خير إرادة، يريد بما يتكلم به أن يهدي عباده.
إذن نَحْنُ نَقُصُّقصص الله عز وجل أجمل القصص وأحسن القصص؛ لأنه صادر عن علم، والثاني: عن صدق، والثالث: بأفصح ألفاظه وأبينها وأوضحها، ولا شيء أوضح من كلام الله إلا من أزاغ الله قلبه وقال: إن هذا أساطير الأولين.
الرابع: الإرادة، لم يرد الله عز وجل بما يقص علينا أن نضل، ولا بما حكم علينا أن نضل، بل أراد أن نهتدي وأن نعتبر.
وقوله: نَحْنُ نَقُصُّإذا قال قائل: هل نحن للواحد أو للجماعة؟
فالجواب: للجماعة، صح؟
طلبة: لا.
الشيخ: واحد، لكنه لا شك أنه جل وعلا من أعظم العظماء، والأسلوب العربي إذا أسند الواحد إلى نفسه صيغة الجمع فهو يعني أنه تعظيم، ومعلوم أنه لا أحد أعظم من الله عز وجل؛ ولهذا تجد الملوك أو الرؤساء إذا أرادوا أن يصدروا القرارات ماذا يقولون؟ نحن فلان وفلان نأمر بكذا؛ إذن كل ضمائر الجمع المنسوبة إلى الله عز وجل المراد بها التعظيم.
نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّأي: نقص عليك ونحدثك به.
نَبَأَهُمْأي: خبرهم.
بالْحَقِّأي: بالصدق المطابق للواقع.
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، فِتْيَةٌشباب، لكن عندهم قوة في العزيمة، قوة في الإيمان.
وَزِدْنَاهُمْ هُدًىزادهم الله عز وجل هدى؛ لأن الله تعالى يزيد الذين يهتدون هدى، وكلما ازددت عملًا بعلم زادك الله هدى، أي: زادك الله علمًا.
تفسير الآية (١٤)
٠٠:٥٠:٥٥
{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} [الكهف: ١٤] أي: ثبّتناها، وجعلنا لها رباطًا؛ لأن جميع قومهم على ضدهم، ومخالفة القوم تحتاج إلى تثبيت، لا سيما أنهم شباب، والشاب ربما يؤثر فيه أبوه فيقول له: اكفر، ولكن الله ربط على قلوبهم وثبتّهم، اللهم ثبّتنا يا رب العالمين.
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْيعني ثبّتناها قويناها.
إِذْ قَامُوايعني في قومهم معلّمين بالتوحيد.
فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِولم يبالوا بأحد، فهم كسحرة فرعون ماذا قالوا؟ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍسوِّ اللي تبغى.
إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه: ٧٢]، والدنيا كلها ماضية منتهية، طالت بك أم قصرت، ولا بد لكل إنسان من أحد أمرين: إما الهرم، وإما الموت، ونهاية الهرم الموت؛ ولهذا يقول الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنغَّصَةً
لَذَّاتُــــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِ الْمَــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ
كلما تذكر أنه سيموت طالت حياته أم قصرت فإنه لا يطيب العيش له، لكن من نعمة الله عز وجل أن الناس ينسون هذا الأمر، لكن هؤلاء الناسين منهم من ينسى هذا الأمر باشتغاله بطاعة الله عز وجل، ومنهم من ينساه باشتغاله بالدنيا، ففرْق بين الأمرين.
قوله تبارك وتعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِما المراد بالفتية هنا؟ يعني معنى الفتية؟
طالب: هو الشاب الكامل في قوته وعزيمته.
الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ، ولم يقل: (فأنمناهم) إشارة إلى عمق نومهم، وأنهم لا يسمعون شيئًا، والنائم الذي نومه خفيف يسمع، وكلما صوّت عليه سمع، أما هؤلاء فلا يسمعون.
قوله: بَعَثْنَاهُمْيُستفاد منه؟
طالب: أن النوم يسمى وفاة.
الشيخ: أن النوم وفاة، وهل في القرآن ما يدل على ذلك صراحة؟
طالب: نعم، قول الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠].
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قوله: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، أليس الله تبارك وتعالى عالمًا بذلك قبل أن يكون؟
طالب: الله قادر على علم..
الشيخ: الجواب نعم ولّا لا؟
طالب: هو عالم.
الشيخ: هو عالم، طيب كيف قال: لِنَعْلَمَوالمعروف أن اللام للتعليل؟
طالب: (...) أن يقال: علم ظهور ومشاهدة، أو أنه علم جزاء.
الشيخ: يعني علم يترتب عليه الجزاء، لكن في غير هذه الآية قد لا يصح هذا الوجه الثاني. أَيُّ الْحِزْبَيْنِما هما؟
طالب: الحزبان هما هؤلاء الفتية، أو الذين عثروا عليهم.
الشيخ: إما الفتية، وإما قومهم الذين عثروا عليهم، لكن الفتية أقرب؛ لأن الله سيقول فيما بعد: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [الكهف: ١٩]، أظن انتهينا إلى قوله: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ.
قال الله عز وجل: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْأي: ثبتناها وقوّيناها كأنها شيء رُبط عليها.
إِذْ قَامُواأي: حين قاموا؛ يعني في أقوامهم متبرِّئين مما كان عليه هؤلاء الأقوام.
رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وليس رب فلان وفلان، بل هو رب السماوات والأرض فهو سبحانه وتعالى مالك، وخالق، ومدبر للسماوات والأرض؛ لأن الرب الذي هو اسم من أسماء الله معناه الخالق، المالِك، المدبِّر، رب السماوات والأرض، السماوات السبع والأرض كذلك سبع كما جاءت بذلك النصوص ولا حاجة لذكرها؛ لأنها معلومة والحمد لله.
لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًالَنْ نَدْعُوَدعاء مسألة، ولا دعاء عبادة. إلهًاسواه، فأقروا بالربوبية، وأقروا بالألوهية.
الربوبية قالوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِوالألوهية قالوا: لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًاأي: سواه عز وجل.
لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًالَقَدْ قُلْنَا إِذًاالجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام، وقد، والقسم الذي دلّت عليه اللام.
وقوله: إذًاأي: لو دعونا إلهًا سواه.
لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًاأي: قولًا مائلًا وموغلًا في الكفر، وصدقوا لو أنهم دعوا غير الله إلهًا لقالوا هذا القول المائل الموغِل في الكفر والعياذ بالله.
تفسير الآية (١٥)
٠٠:٥٩:٠١
{هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} [الكهف: ١٥] يشيرون إلى وجهة نظرهم في انعزالهم عن قومهم.
قالوا: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواأي: صيروا.
آلِهَةًمن دونه آلهة، عبدوها من دون الله.
لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍيعني لَوْلاهنا بمعنى (هلَّا)، ولولا لها معانٍ في اللغة العربية، ليس هذا موضع ذكرها، لكنها هنا بمعنى (هلَّا)، مثلها مثل قوله تعالى: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور: ١٣]، أي: هلَّا جاؤوا.
يَأْتُونَ عَلَيْهِمْأي: على هذه الآلهة؛ أي: على كونها آلهة، وكونهم يعبدونها، فالمطلوب منهم شيئان: أن يُثبتوا أنها هذه آلهة، وأن يُثبتوا أن عبادتهم لها حق، وكلا الأمرين مستحيل.
لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ، وقوله: بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍالسلطان كل ما للإنسان به سلطة، كل شيء له سلطة به فهو سلطان، قد يكون المراد به الدليل، مثل: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا [يونس: ٦٨]، وقد يكون المراد القوة والغلبة مثل قوله تعالى: إِنَّمَا سُلْطَانُهُ؛ يعني الشيطان عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: ١٠٠]، وقد يكون الحجة والبرهان كما هنا، وكما ذكرنا قبل قليل.
بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍأي: بحجة ظاهرة يكون لهم بها سلطة، والجواب يمكن أو لا يمكن؟
لا يمكن؛ ولهذا قالوا: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًاالفاء للتفريع، و(مَنْ) استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، واعلم أن الاستفهام إذا ضُمِّن معنى النفي صار فيه زيادة فائدة؛ وهي أنه يكون مشربًا معنى التحدي؛ لأن النفي المجرد لا يدل على التحدي، لو قلت: ما قام زيد. ما فيه تحدٍّ، لكن إذا قلت: مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًافهذا تحدٍّ كأنك تقول: أخبِرْني أو أوجد لي أحدًا أظلم ممن افترى على الله كذبًا.
وقوله: مَنْ أَظْلَمُأي: من أشد ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا بنسبة الشريك إليه وغير ذلك، كل من افترى على الله كذبًا فلا أحد أظلم منه، أنت لو كذبت على شخص لكان هذا ظلمًا، على شخص أعلى منه لكان هذا ظلمًا أعلى من الأول، فإذا افتريت على الله كذبًا صار لا ظلم فوقه؛ ولهذا قال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
فإن قال قائل: نجد أن الله تعالى يقول: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، ويقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤]، وتأتي أظلم في موضعين: وأظلم تدل على اسم التفضيل، فكيف الجمع؟
نقول: إن الجمع أنها اسم تفضيل في نفس المعنى الذي وردت به، فمثلًا: مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِأي: لا أحد أظلم منعًا ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، الكذب؛ أي الكذب أظلم؟
الكذب على الله عز وجل، فتكون الأظلميَّة هنا بالنسبة للمعنى الذي سِيقت فيه، ليست أظلميَّة مطلقة؛ لأنها لو كانت أظلمية مطلقًا لكان فيه نوع من التناقض.
لكن لو قال قائل: ألا يمكن أن تقولوا: إنها اشتركت في الأظلمية؟ يعني هذه أظلم شيء وهذه أظلم شيء؟
نقول: لا يمكن؛ لأنه لا يمكن أن تقرِن بين من منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وبين من افترى على الله كذبًا، أيهما أعظم؟
الثاني، فلا يمكن أن يشتركا في الأظلمية، وحينئذٍ يتعين المعنى الأول، ما هو المعنى الأول؟
أن تكون الأظلمية بالنسبة للمعنى الذي سِيقت له أو سيقت فيه، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
تفسير الآية (١٦)
٠١:٠٤:٤١
{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} [الكهف: ١٦] من قائل هذا؟ القائل هم الفتية؛ يعني قال بعضهم لبعض: ما دمتم اعتزلتم قومكم وما يعبدون من دون الله؛ يعني أصنامهم فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِيعني ائوُوا إلى الكهف، و(أل) في الْكَهْفِيحتمل أن تكون للعهد، وكأنه كهف ألفوا أن يأووا إليه، أو أن المراد بها الكمال؛ يعني إلى الكهف الكامل الذي يمنعكم من قومكم؛ أما الأول: فيحتاج إلى دليل؛ يعني أنها للعهد، يحتاج أن نعلم أن هؤلاء الفتية كانوا يذهبون إلى كهف معين يأوون فيه.
وأما الثاني: فوجهه أنهم إنما يطلبون كهفًا يمنعهم ويحميهم، فتكون (أل) لبيان الكمال؛ أي: إلى كهف يمنعكم، ويحميكم من عدوكم.
إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا؛ يعني أنكم إذا فعلتم ذلك فإن الله تعالى سوف ييسِّر لكم الأمر؛ لأن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.
وهنا سؤال: قوله: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِالفاء يتبادر للذهن أنها في جواب الشرط، والمعروف أن (إذ) ليست للشرط، وإنما الذي للشرط هو (إذا) أو (إذ) إذا اقترنت بـ(ما)، لكن إذا لم تقترن بـ(ما) فليست للشرط؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إما أنها ضُمِّنت معنى الشرط فجاء الجواب فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِأو إن الفاء للتفريق ليست للربط، والمعنى: فحينئذٍ إذا اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف.
وقوله: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًاأي: يهيئ لكم من شأنكم.
مِرْفَقًاأي: مكانًا ترتفقون به.
تفسير الآية (١٧)
٠١:٠٧:٣٣
ثم قال عز وجل: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ [الكهف: ١٧] ترى أيها الإنسان الشمس إذا طلعت.
تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ، في قوله: تَزَاوَرُقراءتان: {تَزَّاوَرُ} وأصلها تتزاور، وتَزَاوَرُبالتخفيف، والمراد بذلك أنها تميل.
عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِتصوَّروا كيف يكون الكهف الآن؟ إذا كانت تزاور عنه ذات اليمين، يكون وجه الكهف إلى الشمال، ولهذا قال بعضهم: إن وجه الكهف على بنات نعش، بنات نعش معروفة نجوم في السماء، يعرفها أهل البر.
وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِتكون عن شمال الغار.
وقوله: تَقْرِضُهُمْقيل: المعنى تتركهم، وقيل: المعنى تصيب منهم، وهو الأقرب أنها تُصيب منهم، وفائدة هذه الإصابة لأجل أن تمنع أجسامهم من التغير؛ لأن الشمس كما يقول الناس: إنها صحة وفائدة للإنسان.
تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُالضمير في قوله: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُيعود على هؤلاء الفتية، هذه الفجوة؛ يعني الشيء الداخل؛ يعني ليسوا على جانب الباب مباشرة، بل هم في مكان داخل؛ لأن ذلك أحفظ لهم.
وفي قوله تعالى: إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْدليل على أن الشمس هي التي تتحرك، وهي التي بتحركها يكون الطلوع والغروب، خلافًا لما يقوله الناس الآن: من أن الذي يدور هو الأرض، وأما الشمس فهي ثابتة، فنحن لدينا شيء من كلام الله، الواجب علينا أن نجريه على ظاهره، وألا نتزحزح عن هذا الظاهر إلا بدليل بَيِّن، فإذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فحينئذٍ يجب أن نؤول الآيات إلى المعنى المطابق للواقع، فنقول: إِذَا طَلَعَتْفي رأي العين، إِذَا غَرَبَتْفي رأي العين تَزَاوَرُفي رأي العين، (تقرض) في رأي العين، أما قبل أن يتبين لنا بالدليل القاطع أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور، وبدورانها يختلف الليل والنهار، فإننا لا نقبل هذا أبدًا، علينا أن نقول: الشمس هي التي بدورانها يكون الليل والنهار؛ لأن الله أضاف الأفعال إليها، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» فأسند الذهاب إليها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله تعالى أعلم بخلقه، ولا نقبل حدْثًا ولا ظنًّا، لكن لو أن تيقنَّا يقينًا أن الشمس ثابتة في مكان والأرض تدور، ويكون اختلاف الليل والنهار حينئذٍ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف الشيء المقطوع به.
قال الله تعالى: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِذَلِكَالضمير يعود على أيش؟ على حال هذه الفتية؛ خروجهم من قومهم، وإيواؤهم إلى هذا الغار، وتيسير الله عز وجل لهم غارًا مناسبًا تمامًا لا شك أنه من آيات الله الدالة على حكمته ورحمته عز وجل، هل نعتبر هذا كرامة؟ الجواب: نعم، نعتبره كرامة ولا شك.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًااللهم اهدنا، وأعذنا من الضلال.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُهذه (مَن) الشرطية، والدليل على أنها شرطية حذف الياء من يهدي، والجواب: فَهُوَ الْمُهْتَدِ.
وقوله: فَهُوَ الْمُهْتَدِأصلها (المهتدي) بالياء، لكن حُذفت الياء تخفيفًا، كما حُذفت في قوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩].
وَمَنْ يُضْلِلْأي: يُقَدِّر أن يكون ضالًّا.
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًاأي: من يتولّاه ويرشده إلى الصواب، وفي هذا الخبر من الله عز وجل تنبيه على أننا لا نسأل الهداية إلا من الله عز وجل، وأننا لا نجزع إذا رأينا من هو ضال؛ لأن الإضلال بيد من؟
بيد الله عز وجل، فنحن نؤمن بالقدر، ولا نسخط الإضلال الواقع من الله، لكن يجب علينا أن نُرشد هؤلاء الضالين، فهنا شرط وقَدر، القَدر يجب عليك أن ترضى به على كل حال، والمقدور فيه تفصيل؛ المشروع يجب عليك أن ترضى به بكل حال، فنحن نرضى حيث إن الله تعالى جعل الناس على قسمين: مهتدٍ وضالّ، ولكن يجب علينا مع ذلك أن نسعى في هداية الخلق.
تفسير الآية (١٨)
قال الله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف: ١٨] تَحْسَبُهُمْأي: الرائي، تحسبهم أيها الرائي، إذا رأيتهم تحسبهم أيقاظًا؛ لأنه ليس عليهم علامة النوم، النائم يكون مسترخيًا، وتغمض عيناه، وهؤلاء كأنهم أيقاظ؛ ولذلك يُفرِّق الإنسان بين رجل نائم ورجل مضطجع من حين ما يراه حتى لو أن المضطجع أراد أن يتنوّم ويخدع صاحبه لعرف أنه ليس بنائم، هم إذا رأيتهم تحسبهم أيقاظًا مما يدل على أن أجسامهم بقيت على طراوتها وعلى قوتها ولم تتغير.
وَهُمْ رُقُودٌجمع (راقد).
وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِوهذا من حكمة الله عز وجل؛ يعني مرة يكونون على اليمين، ومرة يكونون على الشمال، ولم يذكر الله الظهر ولا البطن؛ لأن النوم على اليمين أو الشمال هو الأكمل.
وقوله: نُقَلِّبُهُمْفيه دليل على أن فعل النائم لا يُنسب إليه، وجه الدلالة؟ أن الله أضاف تقلبهم إليه، فلو أن النائم قال في نومه: امرأتي طالق، تطلق؟
طلبة: لا.
الشيخ: قال في نومه: في ذمتي لفلان ألف ريال، يثبت؟ لا؛ لأنه لا قصد له، ولا إرادة له، لا في القول ولا في الفعل.
والحكمة من تقليبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ بعض العلماء قال: لئلّا تأكل الأرض الجانب الذي يكون ملاصقًا لها، ولكن الصحيح أن الحكمة ليست هذه، الحكمة من أجل توازن الدم في الجسد، حتى يتوازنوا؛ لأن الدم يسير في الجسد، فإذا كان على جانب واحد أوشك أن يَنحرِم منه الجانب الأعلى، ولكن الله عز وجل بحكمته جعلهم يتقلبون.
وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِيعني الكلب كأنه -والله أعلم- لم ينم.
بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِأي: جالس على بطنه وقد مد ذراعيه.
بِالْوَصِيدِما هو الوصيد؟ الوصيد هو يعني فتحة الكهف أو فناء الكهف؛ يعني إما أن يكون على الفتحة، وإما أن يكون إلى جنب الكهف في فنائه ليحرسهم؛ وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الكلب للحراسة؛ حراسة الآدميين، أما حراسة الماشية فقد جاءت به السنة، حراسة الحرث جاءت به السنة، حراسة الآدمي من باب أولى؛ لأنه إذا جاز اتخاذ الكلب لحراسة الماشية أو للصيد الذي هو كمال وليس بضرورة، فاتخاذه لحراسة البيت من باب أولى.
قال الله عز وجل: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًالَوِ اطَّلَعْتَأيها الرائي عليهم لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًارهبة ينزلها الله عز وجل في قلب من يراهم حتى لا يحاول أحد أن يدنو منهم؛ ولهذا قال: لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًامع أنهم لم يلحقوه، لكنه خائف منهم.
وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا(ملئت)، ما هو مُلئ قلبه، كله بالرعب، وهذا يدل على شدة الخوف الذي يحصل لمن رآه.
تفسير الآية (١٩)
قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ [الكهف: ١٩] أي: كما فعلنا بهم من هذه العناية تيسير الكهف لهم، وإنامتهم هذه المدة الطويلة بعثهم الله، أي: مثل هذا الفعل بعثناهم، فعلنا بهم فعلًا آخر.
لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْكما جرت به العادة أن الناس إذا ناموا يتساءلون إذا قاموا، من الناس من يقول: ما الذي رأيته في منامك؟ ومنهم من يقول: لعل نومك لذيذ، وما أشبه ذلك. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْكجاري العادة كم لنا نائمين؟
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍلَبِثْنَا يَوْمًاأي: كاملًا.
أَوْ بَعْضَ يَوْمٍأي: بعض اليوم؛ وذلك لأنهم دخلوا في أول النهار، وبُعثوا من النوم في آخر النهار فقالوا: لبثنا يومًا إن كان هذا هو اليوم الثاني، أو بعض يوم إن كان هذا هو اليوم الأول، وهذا مما يدل على عمق نومهم.
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍقَالُواأي: قال بعضهم لبعض.
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْوكأنّ هؤلاء القائلين قد شعروا بأن النومة طويلة، لكن لا يستطيعون أن يحددوا، أما الأولون فحددوا بناء على إيش؟ بناء على الظاهر، وأما الآخرون فلم يحددوا بناءً على الواقع؛ لأن الإنسان يُفرّق بين النوم اليسير والنوم الكثير، ثم قال بعضهم لبعض: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِابعثوه بورِقكم؛ الوَرِق هو الفضة، كما جاء في الحديث: «وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» . كان معهم دراهم من الفضة ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُتضمن هذا؛ أولًا: جواز التوكيل في الشراء؛ لقولهم: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْوالتوكيل في الشراء جائز، وفي البيع جائز أيضًا، ولا يخفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وكَّل أحد أصحابه أن يشتري له أضحية، أعطاه دينارًا قال: «اشْتَرِ أُضْحِيةً»، فاشترى شاتين بالدينار، ثم باع إحداهما بدينار فرجع بشاة ودينار، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يبارك الله له في بيعه، فكان لا يشتري ترابًا إلا ربح فيه .
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أنه يجوز تصرُّف الفضولي؛ أي: يجوز للإنسان أن يتصرَّف في مال غيره إذا علم أن غيره يرضى بذلك، فهؤلاء وكَّلوا أحدهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بالرزق، وفي هذا أيضًا دليل على أنه لا بأس على الإنسان أن يطلب أطيب الطعام؛ لقولهم: فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا.
وفيه دليل أيضًا على ضعف قول الفقهاء: إنه لا يصح الوصف بالأفعل، مفهوم هذا؟ طيب الوصف بالأفعل؛ يعني معناه: لا يجوز أن تقول: أبيعه عليك بُرًّا أطيب ما يكون، قالوا: ما يجوز هذا؛ لأنه ما من طيب إلا وفوقه أطيب منه، ولكن يُقال: إن هذا يرجع إلى العرف؛ فأطيب يعني في ذلك الوقت، في ذلك المكان فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًاهل من السنة ما يشهد لطلب الأزكى من الطعام؟
الجواب: نعم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ الصحابة الذين باعوا التمر الرديء بتمر جيد ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم منه ، ولم ينههم عن هذا، ما قال: هذا ترفُّه، واتركوا طلب الأطيب، فالإنسان قد فَسَح الله له في أن يختار الأطيب من الطعام أو الشراب، أو المساكن، أو الثياب، أو المراكب ما دام الله أعطاه قدرة على ذلك فلا يُلام.
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُيعني يشتري ويأتيه، فجمعوا في التوكيل بين الشراء والإحضار.
وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًاوَلْيَتَلَطَّفْأي: يتعامل بخفية، لئلا يُشْعَر بهم فيؤذون، وهذا يعني أنهم ظنوا أنهم لم يلبثوا إلا قليلًا.
وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًاأي: لا يُحضرن أحدًا بكم، ثم علَّلوا هذا الأمر بالتلطُّف والنهي عن الإشعار.
تفسير الآية (٢٠)
{إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا} [الكهف: ٢٠] يعني إن عدتم في ملتهم أَبَدًا؛ يعني أنهم لا بد أن يقتلوكم أو يردوكم على أعقابكم بعد إيمانكم، وفي هذا دليل على اتخاذ الحذر من الأعداء بكل وسيلة إلا الوسائل المحرمة فهي محرمة لا يجوز أن يقع الإنسان فيها.
تفسير الآية (٢١)
ثم قال عز وجل: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف: ٢١] يعني أضِف إلى بعثهم أن الله أعثر عليهم؛ يعني أطلع عليهم قومهم.
لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَاأطلع الله قومهم عليهم لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، لماذا؟
إما أن المعنى لقيام الساعة الذي كان ينكره هؤلاء، أو بأن الله تعالى يُنجي المؤمنين من الكفار؛ لأن هؤلاء الفتية السبعة نجوا من أمة عظيمة تقاتلهم وتنهاهم عن التوحيد، والظاهر أن المعنى ليعلموا أن وعد الله حق بنصر أوليائه.
وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَاالسَّاعَةَ؛ يعني قيام الساعة لا رَيْبَ فِيهَاأي: لا شك، واقعة لا محالة، ثم قال عز وجل: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْمتعلقة بـ..