تفسير سورة الصافات - ٨
درس صوتي · ٩١:٣٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ذُرِّيَّتَهُ [الصافات: ٧٧] من ذريته؟ أي: نسله، جعل الله نسل نوح هُمُ الْبَاقِينَولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم، ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء، ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم، لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته؛ كما قال تعالى فيما سبق: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد: ٢٦] فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية من؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح.
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَقال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام)، كل الناس بعده من نسله، أما قبله فليس من نسله، من نسل آدم، قال المؤلف: (وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر، ويأجوج ومأجوج وما هنالك) هذا هو المشهور عند المؤرخين أن أولاد نوح عليه الصلاة والسلام كانوا ثلاثة: سام وحام ويافث، لكن لم يأت هذا بسنة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في القرآن ما يدل على ذلك، فالأولى أن نقول: إن الناس بعد نوح من ذريته، وأما هذا التقسيم فيحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك، والله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة لا يعلمهم إلا الله، في أي آية؟ في سورة إبراهيم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩] فإذا نفى الله علم أحد بهم إلا هو سبحانه وتعالى؛ وجب أن يُتلقى علمهم من؟ منين؟ من الله سبحانه وتعالى، من الله لا من غيره، فنرجع إلى الوحي. وعلى هذا فما في كتب المؤرخين من أحوال الأمم الماضية إذا لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة، فإنه مما يُتوقف فيه، لا يجزم به؛ كحديث بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة الأبناء لنوح ممن يتوقف فيهم، ونحن لا يهمنا أن يكون الباقون من أولاده ثلاثة أو ثلاثين، المهم أن نؤمن بما دل عليه كتاب الله، وهو أن ذرية نوح هم الذين بقوا، ومن آمن معه ليس لهم ذرية؟ قد يكون لهم ذرية، لكن لم تبق، فالله أعلم. ومن الجائز أن يكون للإنسان ابن وابن ابن ثم ينقطع نسله، ومن الجائز أن يكون له ابن وابن ابن إلى خمسة ثم ينقطع نسله، فلا نعلم، لكن الذي بقي نسله هو نوح ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] (أبقينا عَلَيْهِ) يقول: تَرَكْنَا عَلَيْهِولم يقل: تركنا له، تَرَكْنَا عَلَيْهِإشارة إلى أن (تركنا) مضمَّنة معنى يناسب حرف الجر المذكور –ننتبه- يقول: تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَيعنى أبقينا له ثناءً حسنًا، أقول: لم يقل: تركنا له في الآخرين، بل قد قال: تَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَفلا بد أن يُضمَّن (تركنا) معنًى مناسبًا لـ(على)، المعنى المناسب لـ(على) هو الثناء، يعني أثنينا عليه ثناءً متروكًا في الآخرين، وهو كذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى أثنى عليه ثناء من أفضل الثناء، قال: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]، هذا ثناء أعظم ما يكون من الثناء، وأشرف ما يكون من الفخر؛ أن الله عز وجل يصف واحدًا من بني آدم يقول: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا، يعني قائمًا بالعبودية، وقائمًا بالشكر عليه الصلاة والسلام. إذن أبقى الله عليه ثناء حسنًا في الآخرين إلى آخر الأمم، بل إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب سيبقى إلى أن يرفعه الله عز وجل عند قرب قيام الساعة، وكل هذا القرآن فيه الثناء على نوح. (تَرَكْنَا عَلَيْهِأبقينا عليه ثناء حسنًا فِي الْآخِرِينَمن الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة)، والظاهر من الآية الكريمة أن جميع الأنبياء الذين جاءوا من بعد نوح كان يُذكر فيهم نوح بالثناء الحسن، فيكون الأنبياء كلهم والأمم يطرون نوحًا عليه الصلاة والسلام بما أثنى الله به عليه لأنه مذكور في كل الكتب. سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩]، سَلَامٌمبتدأ، ونُكر من أجل التعظيم، أي: سلام عظيم؛ لأنه سلام ممن؟ من الله سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَهذا الثناء معناه أن الله سلمه من القوادح التي تقدح فيه، وحل محل هذه القوادح من البشر الثناء من الله سبحانه وتعالى، فجمع الله له بين أمرين؛ بين الثناء وبين سلامته، أو بين تسليمه مما يقدح فيه، ولهذا نقول: سلام بمعنى تسليم، أي أن الله سلمه من كل ما يضيره من القوادح التي تقدح فيه من بني آدم.
سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَالمراد بـالْعَالَمِينَهنا من بعد نوح، لا من قبله فيما يظهر، وعلى هذا فيكون عامًّا يراد به الخاص. قال تعالى: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ٨٠] إِنَّا(...) ولكن المراد بها التعظيم؛ فإن الله واحد سبحانه وتعالى، ولكنه إذا ذُكر اسمه بما يدل على الجمع فالمراد به أيش؟ المراد به التعظيم، كَذَلِكَأي مثل هذا الجزاء نَجْزِي الْمُحْسِنِينَيعني كل من أحسن، فإن الله سبحانه وتعالى يجزيه كما جزى نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد جزى الله نوحًا بأمرين؛ بما ترك عليه في الآخرين، وبما سلمه في العالمين، فكذلك من كان مؤمنًا بالله عز وجل محسنًا في عبادته وإلى عباده، فإن الله تعالى يجزيه كما جزى نوحًا، ولذلك تجدون أئمة المسلمين، تجدون أن الله تعالى وضع في قلوب الناس وألسنتهم الثناء عليهم، على الرغم من أن من الناس من يقدح فيهم؛ لأن كل واحد من أهل الخير لا بد أن يقدح فيه واحد من أهل الشر وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١]. وكذلك كل من تمسك بهدي نبي فإن له عدوًّا من المجرمين بلا شك، لكن يقيض الله سبحانه وتعالى لهذا المؤمن من يبدل هذا القدح بالثناء، ومن يدافع هذا القدح، ولهذا قال: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَالذين أحسنوا. والإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الله، وإحسان إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله لا نفسره بأحسن من تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، ماذا فهمتم من هذا الحديث؟ «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ماذا تفهمون؟ نفهم أن العبادة في القسم الأول عبادة طلب، والعبادة في القسم الثاني عبادة هرب، معلوم؟ طالب: لا. الشيخ: ما هو معلوم؟ طيب، العبادة في القسم الأول عبادة طلب «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى تشتاق إليه النفوس، فإذا كان يعبد الله كأنه يراه فإنه يلح في العبادة ليصل أيش؟ إلى محبوبه، إلى الله عز وجل، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» يعني إن لم تصل إلى هذه الدرجة، وهي عبادة الرغبة والطلب، فإنه يراك، فاعبده عبادة هرب وخوف منه، وهذا ليس كالأول؛ لأن هذا يعبد الله خوفًا منه، والأول يعبده طمعًا، فالمرتبة الأولى أكمل من المرتبة الثانية، ولهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم في الدرجة الثانية، قال: «إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» وتعبده كأنك تراه «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فإياك أن تخالفه أو تقع في معصيته، هذا الإحسان في عبادة الله، أما الإحسان إلى عباد الله، فهو بذل المعروف إليهم بالمال والبدن والجاه، وبعضهم قال: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، بذل الندى يعني العطاء، كف الأذى ألا تؤذي أحدًا، لا بقولك ولا بفعلك، طلاقة الوجه ألا تقابل الناس بوجه عابس مكفهر؛ لأن الإنسان مهما كان إذا لقي الناس بوجه عابس مكفهر فليس محسنًا إليهم، بل إن الله سبحانه وتعالى عاتب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الخلق حين حصل له ما حصل مع عبد الله بن أم مكتوم، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم حصل له ما حصل اجتهادًا منه، فقال الله تعالى في ذلك، ماذا قال؟ قال: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ١ - ١٠] كلمات عظيمة لكنها مع ذلك خففها الله عز وجل بأن بدأها بضمير الغيبة، فقال: عَبَسَ، كأنما يتحدث عن شخص آخر، لا عن الرسول، ولم يقل: عبست وتوليت؛ لأنه كما مر علينا كثيرًا بأن المخاطبة بصيغة الخطاب أعظم وأشد من التحدث بضمير الغيبة. المهم أن الإحسان للعباد يكون ببذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، وإن شئت فقل بأن الإحسان إلى العباد: بذل المعروف فيهم بالمال والبدن والجاه، أما بالمال فظاهر بالبدن أن تخدمه، ومع هذا فإذا خدمت الإنسان وأعنته فأنت مأجور؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ» . ومن البذل البدني طلاقة الوجه، لا شك أنها من البذل المعروف البدني؛ لأنها تتعلق بالبدن، الثالث قلنا: الجاه بأن تنفع الناس بالتوسط والشفاعة فيما فيه الخير لهم ولك (...).
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات: ٦٦ - ٦٨]. من فوائد هذه الآية الكريمة وما بعدها: بيان أن هؤلاء -أعني أهل النار والعياذ بالله- لا يمكن أن يخرجوا من النار؛ لقوله: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ.
ومن فوائدها: أن ظاهرها يفيد تأبيد النار؛ لأنها المرجع النهائي، وهذا يقتضي أنه ليس هناك سواها، وهذا القول -أعني أن النار مؤبدة- هو القول المتعين الذي لا يجوز اعتقاد سواه؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن، ففي سورة النساء يقول الله عز وجل: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]. وفي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]. وفي سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣] وبعد هذه الآيات الثلاث من عالم الغيب والشهادة لا يجوز العدول عن القول بمدلولها، فإذا كان الساكن خالدًا خلودًا مؤبدًا لزم أن يكون المسكون كذلك، أي مؤبدًا لا يمكن فناؤه، والقول بجواز فناء النار أو بوجوب فناء النار قول ضعيف جدًّا، وقد علق شيخنا رحمه الله على ابن القيم في كتابه شفاء العليل، حيث ذكر الخلاف عن بعض السلف، علق على هذا بأنه قول ضعيف جدًّا، واستغرب أن يقع هذا من مثل ابن القيم رحمه الله؛ لأنه قول منافٍ للقرآن، ولكن لكل جواد كبوة. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء يمنون ويؤملون بأن يخرجوا من النار، ولكن يرجعون فيها؛ لقوله: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ، وقد ذكرنا في أثناء التفسير أن كون الإنسان يمني أن يخرج ثم يعاد يكون أشد وقعًا عليه وأشد عذابًا وألمًا. وفي قوله تعالى: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات: ٦٩، ٧٠] من الفوائد: أن هؤلاء المكذبين اتبعوا آباءهم على الضلال؛ لقوله: أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَفضلوا مثلهم ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم التقليد المخالف للحق؛ لأن الله تعالى ذكر هذا تنديدًا بهم، وتوبيخًا لهم أن يجدوا آباءهم ضالين، ثم يتبعوهم ويدعوا طريق الحق، فإذا كان التقليد للضرورة بحيث إن الإنسان لا يتمكن من الوصول إلى الحكم عن طريق الاستدلال؛ فهنا يجوز التقليد للضرورة؛ لقول الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، ولم يقل: فاستنبطوا من القرآن والسنة إن كنتم لا تعلمون؛ لأن من لا علم عنده لا يمكن أن يستنبط بنفسه، ولو حاول استنباط الأحكام من الأدلة، وهو ليس عنده علم، فسوف يضل ويتخبط خبط عشواء، فالإنسان الذي ليس عنده علم فرضه التقليد، والذي عنده علم فرضه الاجتهاد، وهذا القول وسط بين من يشددون في الإنكار على التقليد، وبين من يشددون في الإنكار على المجتهدين، فيكون التقليد للضرورة. ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الآباء على الأجداد أو لا؟ لأن الظاهر أن قوله: آبَاءَهُمْيشمل الأب الأدنى والأب الأعلى. وإطلاق الأب على الجد ولو بعيدًا معروف في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج: ٧٨] فسمى الله إبراهيم أبًا مع أنه جد بعيد. ويتفرع على هذه القاعدة: ترجيح القول بأن الجد يسقط الإخوة مطلقًا، أي سواء كانوا أشقاء، أم لأب، أم لأم في باب الميراث، وهو القول الراجح أن الجد إذا وجد وهو جد من قبل الأب فإنه يسقط الإخوة، ولو كانوا أشقاء، أو لأب؛ لأنه أب، وهذا القول هو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وروي عن ثلاثة عشر صحابيًّا، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الراجح المتعين. ووجه ذلك أن القائلين بالتوريث أتوا بتفصيلات لو كانت هي الشرع لوجب أن تُبين في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يقولون: إن الجد إذا لم يكن من صاحب فرض يُخير بين الثلث والمقاسمة، وإذا كان معه صاحب فرض فإنه يخير بين السدس وثلث الباقي والمقاسمة، فنقول: من أين لكم هذا التقسيم؟ هذا التقسيم لو كان شرعًا لوجب أن يكون في الكتاب والسنة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قسم أصحاب الفروض تقسيمًا واضحًا بينًا، فالأم ذكر أحوالها، وكذلك الإخوة والأخوات، الإخوة من أم، والأخوات مطلقا، فأين هذا التقسيم؟ من أين لكم أن الجد إذا لم يكن صاحب فرض فإن ميراثه الثلث أو المقاسمة، وإذا كان صاحب فرض فإن ميراثه السدس أو ثلث الباقي أو المقاسمة، المهم أن هذا سيأتينا إن شاء الله في الفرائض بأوسع من هذا، لكنا تعرضنا لهذا هنا لقوله: آبَاءَهُمْ. ومن فوائد الآية الكريمة: قبح عمل هؤلاء المقلدين حيث كانوا يهرعون على آثار آبائهم، أما في الحق فإنهم ينكصون على أعقابهم، فيتفرع على هذا: خطر هؤلاء الناس الذين إذا جاء الحق موافقًا لأهوائهم أسرعوا إليه، وإذا كان غير موافق نكصوا عنه، وصاروا يتباطؤون فيه، وهؤلاء فيهم شبه من قول الله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور: ٤٩]، فإذا كان الحق لهم أتوا إليه مذعنين، وإذا كان الحق عليهم نكصوا وحاولوا أن يلووا أعناق النصوص لتوافق أهواءهم. وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَدليل على أن الأمم السابقة قد ضل أكثرهم، وهو كذلك، وقد مر علينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى النبي ومعه الرَّهْط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحدٌ . ومن فوائدها: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بذكر المماثل للذين كذبوه؛ لأن الإنسان يتسلى ويتأسى بمصائب غيره. ومن فوائد الآية: عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه ويسلم، حيث كان يضرب له من الأمثلة ما يسليه بها؛ لأن سلو الإنسان بغيره يهون عليه الأمر، ويزيده قوة واندفاعًا فيما يدعو إليه. ومن فوائدها: تهديد هؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم السابقة. وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ [الصافات: ٧٢] دليل على أن الله تعالى أقام الحجة على كل أمة؛ لقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْأي: في الأولين مُنْذِرِينَ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] فكل القرى قامت عليها الحجة. ويستفاد من الآية أيضًا: أن من لم تبلغه الرسالة فلا حجة عليه؛ لأنه لم يبلغه الإنذار، وهو كذلك، ولكن ماذا يكون مصير هذا الرجل، أو ماذا يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ نقول: أما في الدنيا فيحكم بما يتعبد به ويتدين به، فإن كان يتدين باليهودية فهو يهودي، أو بالنصرانية فهو نصراني، أو بالمجوسية فهو مجوسي، أو بالشيوعية فهو شيوعي، هذا في الدنيا، يعني أننا لا نجري عليه أحكام المسلمين في هذه الحال؛ لأنه يدين بغير الإسلام، أما في الآخرة فحكمه إلى الله عز وجل، وأصح الأقوال في هذا أن الله سبحانه وتعالى يمتحنهم بما يشاء، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار (...)، نعيد هذه المسألة: ما حكم من لم تبلغه الرسالة في الدنيا؟ حكمه حكم ما يدين به؛ لأننا ليس لنا إلا الظاهر، أما في الآخرة فأمره إلى الله عز وجل، يقيم الله له امتحانًا يوم القيامة بما يشاء، فإذا أطاع دخل الجنة، وإذ عصى دخل النار، فإذا قال قائل: وهل في الآخرة تكليف؟ ألستم تقولون: إن التكليف ينقطع بالموت؟ فالجواب: نعم، في الآخرة تكليف، قال الله عز وجل: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢] ودعوتهم إلى السجود تكليف. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الخطاب أن يذكر ما يناسب المقام، وأن يحذف ما تكون الفصاحة في حذفه، وجهه أنه اقتصر هنا على ذكر الإنذار بالنسبة للرسل، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام حالهم الإنذار والتبشير، قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق، حيث لم يكلهم إلى عقولهم في تعبدهم لربهم عز وجل، ما وجهه؟ أنه أرسل إليهم الرسل، وأرسل إليهم الرسل أيضًا ليس مجرد (...) ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: ٧٧] لا، بل قرن دعوتهم بماذا؟ بالإنذار والتبشير؛ ليكون ذلك حافزًا لهم على فعل الأوامر واجتناب النواهي. ومن فوائد قوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ٧٣] تنبيه العاقل إلى النظر في عواقب المكذبين، وكذلك في عواقب المجيبين، فإن الإنسان مأمور بالنظر في حال هؤلاء وهؤلاء، فإذا نظر في عواقب المجيبين وأنها عواقب حميدة صار منهم، وإذا نظر إلى عواقب المكذبين حذر منهم وابتعد عنهم؛ لقوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يعاقب على الذنب إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله: عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَفهم أنذروا فكانت العاقبة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للناظر أن ينظر إلى كيفية العقوبة؛ لتكون أعظم في تصوره من وجه، وليعرف حكمة الله عز وجل في مناسبة العقوبة، ليش؟ للذنب، فينظر لهذين الأمرين لبيان هذه العقوبة وشدتها ولبيان مناسبتها للذنب فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ. وفي قوله تعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٧٤] إشارة إلى أن المخْلَص أو المخْلِص، وهما متلازمان، إخلاصهم هم وإخلاص الله لهم إلى أن عاقبته النجاة، وجهه الاستثناء إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَفإن هؤلاء عاقبتهم النجاة وعاقبتهم حميدة. ومن فوائدها: حث الإنسان على أن يكون من هؤلاء العباد لينجو. ومن فوائدها: فضيلة الإخلاص؛ لقوله: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَوالإخلاص كما تعلمون هو الذي أمرنا به، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: ٥]، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر: ١٤] فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ٢]، والإخلاص كما مر علينا هو إزالة جميع الشوائب في العبادة. ومن فوائد الآية الكريمة: تشريف هؤلاء المخلصين، بماذا؟ بإضافة عبوديتهم إلى الله، فإنه لا شك أن ما يضاف إلى الله ينال الشرف، ولهذا شرف الله بيته بإضافته إليه، فقال: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج: ٢٦] وشرف الله المساجد بإضافتها إليه. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ [البقرة: ١١٤]، وسماها النبي عليه الصلاة والسلام بيوت الله: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ» وهذا لا شك تشريف للمضاف. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله على هؤلاء العباد، حيث أخلصهم لنفسه فلم يكن لهم مقصود إلا الله عز وجل. فإن قال قائل: أليس هؤلاء العباد لهم مقصود فهم يأكلون قصدًا ويشربون قصدًا، ويتمتعون بالمساكن وبالنساء قصدًا، فقد دخل في قصدهم قصد ما سوى الله، فما الجواب؟ الجواب: أنهم يتقربون إلى الله بهذا القصد، فمثلًا في الأكل يأكل الإنسان تشهيًا بلا شك، ودفعًا للضرورة، لكن يمكن أن يكون هذا الأكل عبادة من وجوه: أولا: إذا قصد به امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بالأكل والشرب. ثانيًا: إذا قصد به حفظ صحته وقيام بنيته؛ لأن الإنسان مأمور بمراعاة نفسه، قال الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» ، إذا قصدوا بذلك الاستعانة بهذا الأكل والشرب على طاعة الله، ولا سيما إذا كان معينًا إعانة مباشرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» . الرابع: إذا قصد بذلك التبسط بنعم الله فإن الله يحب من عبده أن يتبسط بنعمته؛ لأن الكريم يحب أن يتبسط الناس بكرمه، ومن أشرف وقت عند الكريم أن يطرق بابه الضيوف ليكرمهم، أليس كذلك؟ لكن البخيل بالعكس؛ إذا قرع الباب قال: ما هو بموجود، لكن الثاني يكون قد فتح بابه للناس، ويفرح إذا جاء الناس وتبسطوا بضيافته. إذن قصد الإنسان التنعم بنعمة الله والتبسط بها، لا شك أن هذا قربة إلى الله عز وجل؛ لأن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه. طالب: (...) ابن القيم قال في حادي الأرواح: إن النار ناران؛ نار الكفار ونار عصاة الموحدين، أما نار عصاة الموحدين فهي اللي تفنى، أما نار الكفار فلا تفنى، أليس تفصيل هذا يقضى على أن (...) ابن القيم لم يقل بفناء النار؟ الشيخ: لا، هو ذكر في كتاب شفاء العليل الخلاف في نار جهنم التي هي للكافرين. طالب: أليس هذا تقييدًا ما أطلقه في شفاء العليل؟ الشيخ: (...) قول ثان، الكلام على أن تعليق شيخنا على هذا الذي وجده أمامه. طالب: الذي بلغته الرسالة، ولكن هو يولد في بيئة عمت فيه الشرك، وعندهم (...) وهم قد غرسوا في قلبه عداوة بينه وبين الذين عندهم العقيدة الصحيحة ما حكمه؟ الشيخ: الظاهر أنه قد قامت عليه الحجة؛ لأن الله تعالى أقام الحجة على المشركين، مع أن عامة المشركين أو عوام المشركين لا يفهمون. الطالب: هو مسلم، يعني ولكن.. الشيخ: إي، لكنه مسلم مشرك، فمثلًا إذا قيل له: إن الذهاب إلى صاحب القبر ودعاءه شرك. طالب: هو ما يعرف.. الشيخ: (...) لم يعرف هذا معناه أنه لم تقم عليه الحجة، إنما قولنا في رجل يعرف قيل له: إن هذا شرك، وقيل له: إن الله يقول: ادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر: ١٤]، وقالوا له: إن الله يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠] وبين له الآيات، أما مجرد أن يأتيه رجل من الناس ويقول له: ترى إن هذا شرك فقد لا يكون في هذا إقامة حجة، عرفت؟ طالب: في بعض الناس (...) لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه فقط، لا يعرفون ما هو الإسلام، هل هذا كفاية لإقامة الحجة فقط، يعني يعرفون أنه في .. الشيخ: هذه المسألة تنبني على خلاف العلماء؛ هل العذر إقامة الحجة، أو فهم الحجة؟ فمن العلماء من يقول: إذا قامت الحجة سواء فهمها المدعو أم لم يفهم فلا عذر له، ومنهم من يقول: لا بد من أن يفهم الحجة تقام عليه ويفهمها، أما إذا لو بُعث رسول يدعو إلى الهدى ولكن ما فهم هذا الشيء، فإنه لا تقوم عليه الحجة؛ لأن الله تعالى قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ٤] بعد أن يبين ويعرف ينقسم الناس بهؤلاء الرسل إلى ضال ومهتدٍ، والمسألة تحتاج إلى تأمل في الواقع: هل يُكتفى بمجرد قيام الحجة واذا قامت عليه الحجة عليه أن يبحث عن المعنى، فيقال: أنت فرطت، فيقال: لماذا لم تستفهم فأنت مقصر؟ أو يقال: إن الرجل إذا قامت عليه حجة وبلغته، لكن على وجه مشوش، فهذا معذور، لا سيما إذا مات في زمن لم يتمكن فيه من البحث والاستفسار. على كل حال هي مسألة لها غور عظيم، وتحتاج إلى مراجعة كلام أهل العلم في هذه المسألة مراجعة تامة؛ لأنها في وقتنا الحاضر تدعو الحاجة إلى فهمها؛ إذ إن فيه كثير من المسلمين على هذا الوجه، يعني بين لهم الحق أو عرض لهم الحق عرضًا مشوشًا كما يوجد بين أهل البدع الآن، مثلًا فيه ناس مثل بدعة الرافضة، بدعة الخوارج، بدعة الأشعرية، بدعة المعتزلة، بدع كثيرة مشوش على الناس فيها ولبس فيها الحق بالباطل، فكثير من الناس يظنون أن الحق معهم، وهم على بدعة وضلالة، فالمسألة تحتاج الحقيقة إلى بحث تام في هذا الموضوع، ومراجعة كلام أهل العلم، لا سيما العلماء المتحررون في أفكارهم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن أشبههما (...).
طالب: سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٧٩ - ٨٩]. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا بيان الفوائد، وأظن وصلنا إلى قوله تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ٧٣]؟ قال الله عز وجل: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَإلى آخره. في هذه الآية من الفوائد: بيان تأكيد الشيء بالقسم إذا دعت الحاجة إليه، وأن هذا من فصيح الكلام؛ لأن الله سبحانه وتعالى أكد هذا بالقسم واللام و(قد). ومن فوائده: حث النبي صلى الله عليه وسلم وغيره على دعاء الله سبحانه وتعالى، وأن الله إذا ناداه عبده بالدعاء أجابه. ومن فوائدها: إثبات سمع الله؛ لقوله: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ، ولا إجابة إلا بعد السمع. ومن فوائدها: الثناء على نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بلجوئه إلى ربه عند حلول المضايق. ومن فوائد قوله: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَالثناء على الله سبحانه وتعالى بكمال الإجابة؛ لأن الثناء على المجيب يستلزم الثناء على الإجابة، فإجابة الله عز وجل ليست كإجابة غيره، بل هي إجابة فضل وإحسان، قد يعطي الإنسان أكثر مما سأل. ومن فوائدها: بيان رحمة الله سبحانه وتعالى بإجابته دعوة الداعي، وبيان قدرته على إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة تستلزم القدرة عليها؛ إذ إن العاجز لا يمكن أن يجيب. ومن فوائدها: بيان عظمة الله، وذلك بالإتيان بالواو في صفته، في قوله: الْمُجِيبُونَ؛ فإن هذه قطعًا ليست للجمع؛ لأن الله واحد، ولكنها للتعظيم. ومن فوائد قوله: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] بيان أن قومه أُصيبوا بكرب عظيم، وهو الهلاك بالغرق، وأن الله سبحانه وتعالى نجَّى نوحًا وأهله.
ومن فوائدها أيضًا: بيان قدرة الله، حيث حل العذاب بهذه الأمة، فنجا قوم وغرق قوم. ومنها، أي من الفوائد: كمال عدله سبحانه وتعالى، حيث جازى كل واحد بما يستحق، فمن استحق النجاة نجاه، ومن استحق الهلاك أهلكه. ومن فوائدها: جواز إطلاق العام وإن كان مخصوصًا؛ لأن قوله: أَهْلَهُيشمل أيش؟ المؤمن والكافر منهم، وقد دلت آيات أخرى على أن من أهله من لم ينجُ. ومن فوائد قوله: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧] أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الذي بقي نسله من بني آدم، فكل من بعد نوح فهو من نسله، ولهذا يُسمَّى الأب الثاني للبشرية، وهنا سؤال، وهو أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الله خصه بأنه بعثه إلى الناس كافة، وكان النبي يُبعَث إلى قومه خاصة ، وظاهر هذه الآية الكريمة أن نوحًا بُعث إلى البشر جميعًا؛ لقوله: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ، وذريته كانوا مباشرين له، لم يكونوا في مكان آخر. والجواب على ذلك أن هذه الآية لا تستلزم ما ذكر، فقد يكون هناك أمم في أماكن بعيدة لكنها فنِيت ولم يبقَ إلى ذرية نوح، وتكون الأمم البعيدة التي لم تشملها دعوة نوح يكون لها رسل، ثم فنيت هذه الأمم والرسل الذين بُعثوا إليها، ولم يبقَ إلا ذرية نوح. ومن فوائد قوله: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ [الصافات: ٧٨] بيان فضل الله سبحانه وتعالى على العبد بثناء الآخرين عليه؛ لأن الميت إذا مات انقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم يثني ثناء حسنًا، وقسم يثني ثناء سيئًا، وقلَّ مَن تتفق الأمة عليه بالثناء، وأعني بالأمة أمة الدعوة، أما أمة الإجابة فكثيرًا ما يتفقون على الثناء على شخص معين، لكن أمة الدعوة اللي فيهم الكافر والمؤمن والفاسق والعاصي لا يتفقون على الثناء على شخص؛ لأن كل من قوي إيمانه ودعوته إلى الله فسيجد مضادًّا من أعداء الله سبحانه وتعالى، لكن أهل الخير والإيمان يحبون الداعية إلى الله ويثنون عليه بما يستحق. وفي قوله: سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩] دليل على أن نوح عليه الصلاة والسلام قد برأه الله سبحانه وتعالى في الآخرين، حيث يقولون القول الذي فيه سلامته من القدح، فيكون الله قد جمع له بين الثناء الحسن ودفع الثناء السيئ؛ لقوله: سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ. ومن فوائدها أيضًا، من فوائد الآية: إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأن قوله: فِي الْعَالَمِينَلا يتناول من قبل نوح، فإن الظاهر أنه لم يسبق له ذكر فيما سبق. ومن فوائد قصة نوح ككل، من فوائدها: إدخال البشارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث يكون لهم أسوة في نوح ومن نجا معه، وتهديد المكذبين له، حيث يكون لهم إنذار لما جرى للمكذبين لنوح عليه الصلاة والسلام. ثم قال الله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات: ٨٣]. ومن فوائد قوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَأن المحسن يُجازَى بمثل ما جُوزي به نوح عليه الصلاة والسلام، وذلك بإنجائه من الهلاك وسلامة عرضه من الذكر السيئ، وكلما كان الإنسان أكثر إحسانًا كان أكثر ثوابًا وأسلم. ومن فوائد الآية: إثبات القياس لقوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَيعني مثل هذا الجزاء نجزي كل محسن. ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يرتب الجزاء والعقوبة والثناء والقدح على الأوصاف، لا على الأشخاص؛ لأنه هو علق الجزاء على الإحسان، ولهذا لم يأتِ شيء من أحكام الله سبحانه وتعالى مقيدًا بشخص لشخصه أبدًا، حتى خصائص الرسل، ليست من باب خصائص الأشخاص، لكن من باب خصائص الأوصاف؛ لأن فيهم وصفًا زائدًا على غيرهم، وهو وصف النبوة والرسالة، فخصوا ببعض الأحكام المناسبة لمقامهم، أما أن يُخص شخص بعينه لأنه فلان بن فلان مثلًا، فهذا لا يوجد في الشريعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرتب الأحكام ويعلقها على الأوصاف، لا على الأشخاص.
ومن فوائد الآية قوله: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَالإشارة إلى كمال هذين الوصفين، وهما العبودية والإيمان، وأنهما أشرف وصف يتصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله مؤمنًا به؛ لأن الله قال: إنه من عبادنا المؤمنين، يعني نوحًا، ونوح عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل، فإذا كان من مناقبه وفضائله أن يكون من عباد الله المؤمنين دل ذلك على فضيلة العبودية والإيمان. ومن فوائد قوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَبيان حكمة الله سبحانه وتعالى، حيث أغرق هؤلاء المكذبين لرسوله عليه الصلاة والسلام، بل المكذبين لرسله؛ لأن الله قال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]. وتكذيب قوم نوح ليس من أجل أنه نوح، ولكن من أجل ما جاء به، ولهذا كان تكذيب رسول واحد تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأنه تكذيب لجنس الرسالة، وليس لشخص المرسل. ومن فوائدها أيضًا: إقامة العدل بإغراق هؤلاء المكذبين؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يغرقهم ظلمًا، بل هم الذين ظلموا أنفسهم.
تفسير الآيات (٨٣-٩٦)
٠٠:٥٤:٥٦
قال: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات: ٨٣] أي ممن تابعه في أصل الدين.
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَهذه الجملة مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها متأخر إِبْرَاهِيمَهو الاسم، والخبر مقدم مِنْ شِيعَتِهِ، واللام هنا لام التوكيد، أي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح عليه الصلاة والسلام، والشيعة تُطلق في اللغة على كل من شايع الإنسان وتابعه وأعانه وناصره، فهو شيعته، إبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من أتباعه وأشكاله وناصري ما جاء به من الشرع، فإن من نصر الشرع في أي زمان ومكان فإنه ناصر لجميع الشرائع؛ لأن تأييد الشرع الذي جاء من الله في أي زمان ومكان تأييد لشرع الله كله، ولهذا نحن مثلاً نفرح بانتصار الرسل وأتباعهم ولو كانوا في زمن بعيد، ولو كانوا ليسوا من الذين أرسلوا إلينا خاصة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام من شيعة نوح، أي من مؤيديه وأتباعه فيما جاء به، وليس في نفس الشريعة، ولكن في الجنس، أي أنه يؤيد وينصر الوحي الذي هو من جنس الوحي الذي جاء به نوح عليه الصلاة والسلام.
ولهذا قال المؤلف: (أي ممن تابعه في أصل الدين)، وهو قبول وحي الله عز وجل، والعمل به، والدعوة إليه، إذن جميع الرسل بعضهم لبعض شيعة، يعني هم كلهم يتناصرون ويؤمنون بالوحي كله. وقوله: (لَإِبْرَاهِيمَوإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وست مئة وأربعون سنة)، قوله: (وإن طال الزمان بينهما) هذا صحيح لا شك أن بين نوح عليه الصلاة والسلام وإبراهيم أزمانًا طويلة، لكن تقييدها بما ذكره المؤلف يحتاج إلى دليل صحيح؛ إما من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم لهذا أصلًا في القرآن ولا في السنة. فإن قيل: فإنما هو مما نُقل عن بني إسرائيل، لا نصدق به ولا نكذبه. (وكان بينهما هود وصالح) ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقرن قصة هود دائمًا بقصة نوح ومن بعدها قصة صالح، وهذا مما يدل على أن هؤلاء الثلاثة قبل إبراهيم، إدريس ذكر بعض المؤرخين أنه كان قبل نوح ولكنه قول ضعيف جدًّا؛ لأنه سبق لنا أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، والقول بأن إدريس قبله قول ضعيف، بل هو باطل في الواقع، فنوح أول الرسل، وإدريس يظهر -والله أعلم- أنه من أنبياء بني إسرائيل. قال: إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍقال المؤلف: (أي: تابعه وقت مجيئه) يحتمل ما قال المؤلف وأن إِذْمتعلقة بقوله: شِيعَتِهِأي: وممن شايعه حين جاء ربه بقلب سليم إبراهيم، ويحتمل أن إِذْاستئنافية، وأن تقدير الكلام: اذكر إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وهذا هو الأصح، فالصحيح أنها ليست متعلقة بذلك، وأنه من شيعته وقت المجيء، بل هو من شيعته وقت المجيء وغيره، لكن أراد الله هذا أن ننوه بهذا الوصف العظيم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍقال: (من الشك وغيره) إِذْ جَاءَ رَبَّهُمتى مجيئه لربه؟ هل المراد جاء ربه حين لاقاه بعد الموت، أو جاء ربه حين آذاه قومه وهددوه بالإحراق، أم نطلق كما أطلق الله؟ الأولى أن نطلق كما أطلق الله ونقول: جَاءَ رَبَّهُفي الوقت الذي يعلم الله سبحانه مجيئه فيه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. قال المؤلف: (من الشك وغيره) والصحيح أن السلامة أعم مما قال المؤلف، فهو سليم من الشبهات، وسليم من الشهوات، سليم من الشبهات، ليس فيه شك بأي وجه من الوجوه، بل هو على علم ويقين بما آمن به، سليم من الشهوات، ليس في قلبه هوى مخالف لما جاء به الوحي، وهذه هي سلامة القلب، أن يكون سالمًا من الشبهات التي تعرض له والشكوك، فيكون مؤمنًا حقًّا، وأن يكون سالمًا من الشهوات. وما هي الشهوات؟ الشهوات: الإرادات المخالفة لما جاء به الوحي، فهل كل قلب يهوى ما جاء به الوحي؟ لا، القلوب جوالة يمينًا وشمالًا، أحيانًا قلب الإنسان نفسه يتجول في بعض الأحيان، يكون مقبلًا غاية الإقبال على الوحي محبًّا له مطبقًا له، وأحيانًا يجد فتورًا عن الإقبال على الوحي، وفتورًا عن تطبيق ما جاء به الوحي، ولهذا ينبغي للإنسان دائمًا أن يسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الأمر، وثبات القلب؛ لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فعلى الإنسان ألا يغتر بنفسه ولا يعجب بعقيدته، عليه أن يسأل الله دائمًا الثبات؛ لأن القلب -كما قلت- يعتريه شبهات ويعتريه شهوات، أحيانًا يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا، ثم يُلقي الشيطان في قلبه شبهة فيعمى والعياذ بالله ويضل، أحيانًا يكون الإنسان صالحًا مستقيمًا على أمر الله، فيلقي الشيطان في قلبه شهوة فيضل ويتبع الشهوات، فالقلب السليم هو السالم من أيش؟ من الشبهات والشهوات، بل فيكون إذا سلم من ذلك مستقيمًا على طاعة الله سبحانه وتعالى. إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. (إِذْ قَالَفي هذه الحالة المستمرة له لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) هذا نقول فيه كما قلنا في: إِذْ جَاءَ رَبَّهُأنها جملة استئنافية لبيان حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فكان قلبه سليمًا صالحًا في نفسه، ومع ذلك يحاول إصلاح غيره إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ(موبِّخًا لهم) مَاذَا تَعْبُدُونَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَقال المؤلف: (موبخًا لهم)، فالاستفهام هنا بمعنى التوبيخ، والتوبيخ يَستلزِم الإنكار عليهم وزيادة؛ لأنك قد تنكر على الإنسان بدون توبيخ، ولكن إذا وبخته فإن توبيخك مستلزم للإنكار عليه.
قوله: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِسمى الله هذا الأب في سورة الأنعام فقال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا [الأنعام: ٧٤]، وكان أبوه مشركًا ووعده عليه الصلاة والسلام أن يستغفر له: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: ٤٧]، فاستغفر له، ولكنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ومحاورته بينه وبين أبيه في سورة مريم واضحة، كيف يخاطبه بالرفق واللين، ولكن ذلك يخاطبه بالشدة والعنف، قال له: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِيأي: دعني واتركني مَلِيًّا [مريم: ٤٦] أي زمنًا طويلًا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ [الصافات: ٨٥] مَاذَا تَعْبُدُونَهذه جملة استفهامية، ولكن هل (ذا) ملغاة أو اسم موصول؟ يجوز الوجهان، فإن جعلناها اسمًا موصولًا أعربنا (ما) مبتدأ و(ذا) خبره، وجعلنا العائد محذوفًا والتقدير: ما الذي تعبدونه؟ هذا إن جعلناها اسمًا موصولًا، وإن جعلناها ملغاة فإننا نعرب مَاذَاجميعًا، ونقول: (ماذا) اسم استفهام مفعول مقدم لـتَعْبُدُونَ، مَاذَا تَعْبُدُونَأو نقول (ما) اسم استفهام مقدَّم، و(ذا) لا محل لها من الإعراب، حرف أو بمنزلة الحرف، ليس لها محل من الإعراب، على كل حال الإعراب لا يهمنا، إنما المعنى أنه أنكر عليهم وقال: ما الذي تعبدون؟ هل تعبدون إلهًا حقًّا، أو تعبدون إلها باطلًا. (أَئِفْكًا [الصافات: ٨٦] في همزتيه ما تقدم) وهو التحقيق والتسهيل، تسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما في التحقيق والتسهيل، فتكون القراءات أربعًا. يقول: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَيقول: (إفكًا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب، أي: أتعبدون غير الله)، المؤلف رحمه الله أعرب لنا هذه الجملة فقال: إن (إفكًا) مفعول له، أي: مفعول لأجله، وإن قوله: آلِهَةًمفعول لـ(تريدون)، و(دون الله) صفة لـ(آلهة)، والاستفهام في قوله: أَئِفْكًا آلِهَةًكالذي قبله، لأي شيء؟ للتوبيخ، يعني أتريدون آلهة غير الله من أجل الإفك والكذب يحملكم على هذا الإفك، وهو أسوأ الكذب، المعنى: أتريدون آلهة دون الله تعبدونها، فالإرادة هنا بمعنى القصد، والآلهة بمعنى المألوهة، أي: المعبودة، تريدون ذلك للإفك الذي أفكتموه، وهو أسوأ الكذب، ولا شك أن أسوأ الكذب وأظلم الكذب من جعل مع الله إلهًا آخر، فإنه أكذب الكاذبين، وأظلم الكاذبين أيضًا، قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، وهنا قال: دون الله، أي: سواه وغيره، وربما تشعر بدون المنزلة، أي أنها لا تساوي الله عز وجل، فكيف تريدونها آلهة وتقصدونها. يقول: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٧] إذا عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب) إلى آخره. قوله: فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَالاستفهام هنا استفهام تهديد على كلام المؤلف، يعني ماذا تظنون أن الله فاعل بكم إذا عبدتم غيره، أتظنون أن يترككم؟ والجواب: لا، ويحتمل أن المعنى إذا اتخذتم مع الله غيره إلهًا فما ظنكم به؟ أتظنون أنه يقبل هذه الشركة؟ فالله عز وجل لن يقبل، قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ، أو فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فما ظنكم بعظمته وجلاله، لو كنتم عظمتموه حق تعظيمه ما أشركتم به غيره، فالمهم أن هذه الاستفهام في قوله: فَمَا ظَنُّكُمْتشمل كل هذه المعاني، ما ظنكم به أن يترككم هملًا بدون عقاب، ما ظنكم به إذا اتخذتم معه غيره أنكم تنقصتموه، ما ظنك به أنه يرضى أن تعبدوا معه غيره، كل هذا أمر إن كانوا يظنونه فقط أساءوا الظن بالله، ولم يقدروا الله حق قدره، ولكن هذه الظنون تلزمهم إذا اتخذوا مع الله غيره، لا يمكن أن يفروا عنها، وقوله: بِرَبِّ الْعَالَمِينَسبق لنا أن المراد بالعالم هنا ما سوى الله عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم، وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على الله، يستدل بمخلوقاته سبحانه وتعالى عليه، كما قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧]، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ٢٠]، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ [الروم: ٢٢] إلى آخر ما استدل الله به على نفسه من آياته، فقوله: بِرَبِّ الْعَالَمِينَالمراد بالعالمين من؟ من سوى الله، وسموا عالمًا لأنهم علم على خالقه ودليل عليه، وقوله: بِرَبِّ الْعَالَمِينَالربوبية هنا عامة ولَّا خاصة؟ عامة، ولهذا قال: الْعَالَمِينَبالشمول لكل أحد. قال المؤلف: (وكانوا نجامين، فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم، زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم: اخرج معنا فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) هذا الكلام المقدر الذي زعمه المؤلف أنه محذوف من باب الإيجاز بماذا؟ بالحذف يحتاج إلى دليل أن هؤلاء القوم صنعوا طعامًا ووضعوه عند هذه الأصنام للتبرك عليه، وأنهم أرادوا أن يأكلوه بعد رجوعهم، وطلبوا خروج إبراهيم معهم، كل هذا يحتاج إلى دليل، وذكرنا فيما سبق أن قصص الأنبياء السابقين لا يعلمه إلا الله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، فإذا كان الأمر كذلك فإننا لا نتلقى أخبار هؤلاء القوم إلا من الوحي؛ إما بالكتاب وإما بالسنة، وما جاء من أخبارهم من غير هذا الطريق، أي: طريق الوحي، فإننا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع، فإن علمنا مناقضته للشرائع وجب علينا رده. فإذن نقتصر في هذه القصة على ما ذكر الله عز وجل، وأن إبراهيم في يوم من الأيام نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم، فهو كقوله تعالى في سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه: لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَأي غاب قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦]؛ لأن الرب لا يمكن أن يغيب عن مربوبه، فلما غاب هذا النجم علم أنه ليس برب؛ لأن الرب لا بد أن يكون له كمال الرعاية لمن كان ربًّا لهم. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام: ٧٧] والقمر أبين وأظهر من الكوكب فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام: ٧٧]، وهذا تعريض لقومه بماذا؟ بالضلال، شوف، تدرج، الأول قال: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَيعني وتبرأ من ذلك، الثاني عرض بأن قومه ضالون لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام: ٧٧، ٧٨]، وصحيح الشمس أعظم من القمر فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٨] فأعلن بشركهم وبالبراءة منهم، وهذا من كمال محاجته، فلا يبعد أن تكون هذه الآية فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ [الصافات: ٨٨] من جنس المحاجة المذكورة في سورة الأنعام.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) قوله عز وجل: جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍأن هذا بعد الموت (...) في سورة الشعراء وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩] نقول: هذا ما يؤيد (...) بعد الموت. الشيخ: هذا ربما يؤيد أنه بعد الموت لكن إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِهذا في الحياة، فهذا الذي يمنع الجزم بأنه بعد الموت، ولهذا نطلق جَاءَ رَبَّهُمجيئًا الله أعلم بعد الموت أو في حال الحياة. طالب: (...) منشورات يؤلفها بعض (...) في سيرة الأنبياء يضعون بعد آدم إدريس وبعده نوح. الشيخ: إي نعم، هذه يجب بيان أنها كذب. الطالب: غالبًا ما يكون المصدر للسماح من دار الإفتاء. الشيخ: غريب، ما رأيت هذا. طالب: (...). الشيخ: إي لكن من دار الإفتاء (...). طالب: (...). الشيخ: أرنيها، عشان نكتب لهم في الموضوع. طالب: (...). الشيخ: على كل حال نشوفها وننبههم. طالب: (...) المؤرخين كيف يعرفون أشياء سمعت اليوم (...). الشيخ: إي نعم، هذه، سلمك الله، الكسوف الآن يعلم الماضي والمستقبل، الآن هم يحددون الكسوف في المستقبل أو لا؟ يحددون كسوف المستقبل الآن، يقول لك: يبدأ الكسوف في الدقيقة الفلانية وينتهي في الدقيقة الفلانية، هم يعرفون الماضي كما يعرفون المستقبل، فحددوا الكسوف الواقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم يوم الاثنين الموافق للتاسع والعشرين من شهر شوال سنة عشر في الساعة الثامنة والنصف بتوقيت القاهرة، السابعة والنصف في توقيت المملكة، أنا راجعت الوقت هذا بالتوقيت الإفرنجي أظن ما أدري والله في يناير نسيت في أي يوم من يناير، ووجدت أن بين كسوفه وبين طلوع الشمس أربعين دقيقة، يعني ثلثي ساعة، وبعض الروايات اللي جاءت في مسند أحمد: لَمَّا ارتفعتِ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ . طالب: كأنهم مؤيدون الكلام هذا، كأنهم مصدقون؟ الشيخ: إي، لأن هذا (...) بالحساب هذا وشيء ماض يعلم بالحساب، وفيه دليل على أن المؤرخين، المؤرخون تدري متى يقولون؟ يقولون: إن إبراهيم رضي الله عنه إنه توفي في عاشر ربيع الأول، إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم في عاشر ربيع الأول، وهذا ما يمكن، الشمس ما يمكن تكسف في اليوم العاشر أبدًا. طالب: (...). الشيخ: لأن سبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض، وفي يوم العاشر من ربيع ما يمكن هذا، هذا لا يمكن أبدًا. طالب: والقمر يا شيخ. الشيخ: والقمر ما يكون إلا في ليالي الإبدار. طالب: (...) يعني ليلة خمسة عشر. الشيخ: أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، يعني يمكن ليالي الإبدار؛ لأن سبب كسوفه السبب الكوني حيلولة الأرض بينه وبين الشمس، ولهذا لما مثل العلماء قالوا: إن طلعت الشمس والقمر كاسف فإنه لا تصلى صلاة الكسوف، نقول: هذا فرض مستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجتمع الشمس والقمر في أفق فيحصل كسوف أبدًا ولَّا لا؟ لأنه –الكسوف- يلزم أن يكون هو تحت الأرض علشان تحول بينه وبين القمر.
طالب: (...). الشيخ: ما عمري سمعت أنه (...). طالب: (...). الشيخ: لا، كسفت، لكن حيث إنه ما بان ما (...) لا، كسفت عندنا كيف حطينا مراية؛ لأنك بالعين ما تشوفها، لكن حطينا مراية وشفناها كاسف يمكن حوالي بين الثمن والربع. طالب: لكن أعلن عنها كثيرًا يا شيخ (...) أعلن أكثر من مرة (...). الشيخ: لا، يقينا ما عندي فيها شك، وهذا شيء ذكره العلماء من قبل المحققين؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وابن حزم (...) ما يمكن، هذا شيء يعلم بالحساب، ما هو بعلم غيب. طالب: وجهة نظر الفقهاء حينما قالوا إذا اجتمع كسوف وعيد.
الشيخ: ما يمكن أبدًا. الطالب: هكذا افترضوا. الشيخ: لو اجتمع كسوف وعيد نقول هذا في شوال، يعني في عيد الفطر، إذا اجتمع كسوف وعيد علم أن اليوم ليس بعيد، وأن الشهود أخطؤوا في شهادتهم؛ لأن وهم الرائي أمر ممكن، لكن اختلاف العادة التي أجراها الله أمر غير ممكن، حتى العلماء أيضًا، قالوا: لو وقع الكسوف وهو واقف بعرفة –كسوف القمر- صلى ثم دفع؛ لئلا تفوت الصلاة هذه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه مسألة فرضية لا يمكن أن تقع أبدًا، لكن العلماء يقولون، الفقهاء يفرضون أشياء للتمرين على الأحكام الشرعية، مثل أن يقولوا ما فرضوا في الوصايا والفرائض عشرين جدة، عشرين جدة، متى تكون عشرين جدة؟ بقطع النظر عن الملحق بأبوين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة عشرين جدة وين؟ مين بيبقى له عشرون جدة يرثن، على كل حال هذه مسائل حسابية ما فيها إشكال (...).
طالب: مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ [الصافات: ٩٢ - ٩٨] الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَما معنى قوله: مِنْ شِيعَتِهِ؟ طالب: أي من مناصريه في الشرع والوحي. الشيخ: إي نعم، وهذا المراد به في أصل الرسالة والوحي أو حتى في الفروع؟ الطالب: المراد به أصل الرسالة والوحي. الشيخ: (...) الاستفهام هذا ما معناه؟
طالب: إنكار عليهم. الشيخ: كيف الإنكار. طالب: المقصود فيه يعني ما تظنون بالله سبحانه وتعالى (...) أن يفعل بكم إذا اتخذتم معه آلهة غيره. طالب آخر: الاستفهام هنا للتهديد. الشيخ: للتهديد، يهددهم بالله عز وجل، إذا عبدوا غيره ما تظنون أن يفعل بكم أيترككم أم لا؟ هذا على رأي المؤلف فيه معنى آخر ذكرناه. طالب: يعني (...) هذا من باب التنقص (...) الله عز وجل فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(...) أن يفعل بكم
الشيخ: هذا رأي المؤلف؟ طالب: إي نعم. الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟ طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى. الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك. قوله: بِرَبِّ الْعَالَمِينَولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن الْعَالَمِينَ؛ لأن مراده بـالْعَالَمِينَمن أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ [الروم: ٢٨] ويش الجواب؟ طالب: لا. الشيخ: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ. طلبة: (...). الشيخ: لا، ليس كذلك تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الروم: ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: فِي مَا رَزَقْنَاكُمْيتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌوهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَعليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا. (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِإيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌعليل أي: سأسقم فَتَوَلَّوْا عَنْهُإلى عيدهم مُدْبِرِينَ) إلى آخره نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِأي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: إِنِّي سَقِيمٌ، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: إِنِّي سَقِيمٌوفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية.