تفسير سورة الصافات - ٧
درس صوتي · ٩٢:٠٩
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ومن فوائد الآية الكريمة: سفه أولئك القوم الذين يعملون للدنيا دون الآخرة؛ لأن الله قال: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١]، فالذين يعملون للدنيا وهم في غفلة عن الآخرة لا شك أنهم سفهاء، وأنهم أمضوا أعمارهم في غير فائدة بل ما فيه الخسارة، وقد قال الله تعالى: بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون: ٦٣]. سبحان الله يحكي عن الكفار بأنهم قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍيعني مغمورة، وأتى بـ(في) الدالة على الظرفية؛ للدلالة على أن الغمرة -والعياذ بالله- قد أحاطت بهذه القلوب.
فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَالكن أعمال الدنيا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَشوف هُمْ لَهَا عَامِلُونَلا يعملون لغيرها، وهي من دون ذلك، وأتى بـمِنْالدالة على البُعد في الدون عما خُلِقَ له الإنسان، هؤلاء قلوبهم في غمرة مما وَعَدَ الله به أهل الجنة، وتوعد بها أهل النار لكن أعمال الدنيا التي هي دون ذلك بمراحل كثيرة هم لها عاملون، وهذا كقوله تعالى في توبيخ من يُعذَّب يوم القيامة: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢] في الدنيا في غفلة عن اليوم الآخر، ولا كأن هذا اليوم سيأتي، أما اليوم فقد كُشِف عنك الغطاء فبصرك حديد قوي تُبصر الأشياء على حقيقتها في الدنيا لا، فهنا أمر الله أن نعمل لهذا لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ، وأما ما دون هذا فلا ينبغي للإنسان العاقل أن يُفني عمره، ويُتعب جسده وفكره في العمل له. فإذا قال قائل -كما أشرت إليه آنفًا-: هل معنى ذلك أن أترك العمل للدنيا؟ فالجواب: لا، لو قلنا: هذا يقتضي ذلك لكان قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: ١٥]، وكان قوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠]، وكان قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨]، كل هذا كلام عبث لغو، بل نقول: اعمل للدنيا لكن الموفَّق يستطيع أن يجعل عمل الدنيا عملًا للآخرة، والغافل بالعكس يجعل عمل الآخرة عملًا للدنيا. طالب: ثبت أن أهل الجنة ينامون؟ الشيخ: لا ينامون؟ طالب: النوم نعيم، نوع من النعيم. الشيخ: إي، نعيم لنا لأجسادنا الضعيفة التي تحتاج إلى راحة، أما هناك لا ينامون؛ لأن النوم إنما يحتاج إليه الإنسان من أجل أن يستعد للنشاط المستقبل، وأن يستريح من التعب الماضي، وأما أهل الجنة فلا ينامون لكمال حياتهم، ما عندهم تعب لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨]، فهم لا ينامون؛ لأنهم لا يحتاجون إليه؛ ولأن النوم يصد عن النعيم والتنعم بما أعد الله لهم، إذا نام عشر ساعات مثلًا من أربعة وعشرين ساعة، ما هو متنعم، إن الله وفقه لأحلام لذيذة فهو يستريح، وإن كان أحلام مشوهة قام يتقلب على ها الوسادة، مرة يغطي رأسه بالوسادة، ومرة بالفراش، ومرة يطالع، لكن أهل الجنة لا ينامون. طالب: أحيانًا الإنسان ينام من غير تعب. الشيخ: ضروري، الجسم يحتاج إلى نوم، ضروري لكن.. الطالب: ينام فقط للراحة.
الشيخ: أحسنت؛ للراحة، بس خلاص، النوم راحة؛ ولهذا إذا قام وجد نفسه نشيطًا.
الطالب: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٦٤ - ٧٤]. الشيخ: قال الله عز وجل: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. في هذه الآية من الفوائد: أن الفوز الحقيقي العظيم هو الفوز بهذا المقام، وهذا النزل، وهو جنات النعيم، وجه ذلك أن كل فوز سواه فإن مآله إلى الفناء؛ فلهذا وصفه الله بأنه هو الفوز العظيم.
يتفرع على هذه الفائدة: أن العاقل يجب عليه أن يذهب نفسه ونفيسه وأنفاسه للوصول إلى هذه الغاية الحميدة. ومن فوائد الآية الكريمة: وصْف غير الله تعالى بالعِظَم، فيقال: العظيم؛ للشيء العظيم أيًّا كان، ويدل لهذا قوله تعالى: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣]، ويدل عليه أيضًا أن الله سمى العرش أو وصفه بأنه عظيم رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل: ٢٦]. وعلى هذا فالصفات التي يشترك بها الخالق والمخلوق لا بأس أن يُوصف بها المخلوق، ولكن يجب أن يُعلم بأن بين وصف المخلوق بها، ووصف الخالق بها كما بين ذات الخالق وذات المخلوق، وأنه لا يلزم من الاشتراك في الاسم الاتفاق في المسمى. وفي قوله: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١] من الفوائد: ما أشرنا إليه قبل قليل أنه ينبغي للعاقل أن يُذهِب أنفاسه ونفيسه ونفسه في العمل لهذه الغاية الحميدة لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ. ومن فوائدها: الإشارة إلى أن العمل لغير هذا ليس من الحكمة، وليس من العقل بل العقل والحكمة يقتضي ألا يكون عملك إلا للغاية العظيمة الوصول إلى الجنة. ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية، من أين يؤخذ؟ طالب: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ. الشيخ: هل هو رد على القدرية أو على الجبرية؟ طالب: على الجبرية إثبات العمل أن الإنسان له عمل. الشيخ: وهل فيه رد على القدرية؟ طالب: نعم، يتضمن الرد عليهم. الشيخ: كيف ذلك؟ طالب: لأنه لما أمرهم بالعمل فأصبح لهم قدرة وليسوا مجبرين. الشيخ: إذن رد على؟ طالب: الجبرية. الشيخ: القدرية. طالب: (...) القدرة.
الشيخ: القدرية يُثبتون أن للإنسان قدرة، لكن هل في الآية رد عليهم ولا تأييد لمذهبهم؟ طالب: رد عليهم؛ لأنه ما يكون للعمل فائدة على مذهبهم، ما يكون للعمل فائدة (...). الشيخ: ليش ما يكون له فائدة على مذهبهم؟ طالب: لأنه مُقدَّر الشيء مُقدَّر سواء عمله أو ما عمله.
الشيخ: هذا مذهب الجبرية. طالب: جعل العمل من كسب المخلوق. الشيخ: وهم يقولون بذلك، هو في الحقيقة ليس فيه رد على القدرية، لكن أنا أردت أن الأخ ينتبه؛ لأني رأيته يلتفت، أليس كذلك؟ على كل حال هو ليس فيها رد على القدرية إلا أن إثبات العمل للعامل، هذا من مذهب القدرية، لكن القدرية يقولون: إن العامل مُستقل بعمله، ليس لله فيه إرادة ولا تقدير، لكن فيه رد على الجبرية حيث وُجِّه الأمر إليهم، ونُسِب العمل إليهم؛ لأن الأمر بالشيء لمن لا يستطيعه، لا شك أنه ظلم وتكليف بما لا يُطاق، وإثبات العمل أيضًا لمن لا إرادة له يُعتبر مدحًا لغوًا؛ لأن هؤلاء إذا كانوا مُجبرين، فلا ينبغي أن يمدحوا على محبوب، ولا أن يُذَمُّوا على مكروه، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: ثم قال الله عز وجل: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ [الصافات: ٦٢] في هذا دليل على التهكم بعقول هؤلاء. من فوائد الآية: التهكم بعقول هؤلاء الذين يفضلون عمل الدنيا على عمل الآخرة، حيث قال: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِولا شك أن الجواب عند كل إنسان أن يقول: ذلك خير. ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الدليل على ضلال الإنسان بالغاية التي يؤول إليها أمره، فهؤلاء الذين فضلوا طريق أصحاب الجحيم اختاروا أن يكون نزلهم يوم القيامة شجرة الزقوم، ولا شك أن هذا ضلال بَيِّن وسفه بعيد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء يوم القيامة؛ لأن شجرة الزقوم تكون في يوم القيامة. ومن فوائدها: القدْح والثناء بالسوء على هذه الشجرة؛ لأنه وَصَفَها بأنها شجرة زقوم، يتزقمها الإنسان تزقُّمًا؛ يعني يبتلعها ابتلاعًا مكروهًا؛ لأنها -أي هذه الشجرة- كريهة المنظر، مُرَّة الطعم، قبيحة الرائحة؛ ولهذا يتكرهونها لكن لضرورتهم إليها وشدة جوعهم يأكلونها. ومن فوائد قوله: إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَبيان الحكمة في مخلوقات الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى قد يفتن العبد بما يظهره من آياته. ومن فوائدها: أن المكذب لما أخبر الله به يُعتبر من المفتونين الذين فتنهم الله عز وجل وأضلهم.
ومن فوائدها أيضًا: أن ذلك من الظلم، ولكن هذا الظلم هل هو ظلم لله ورسله، أو ظلم لأنفسهم؟ الجواب: أنه ظلم لأنفسهم وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧]، فكل من حاد عن الصراط المستقيم فإنه ظالم لنفسه؛ لأن الواجب عليه أن يُحسن رعاية هذه النفس فيقودها إلى ما فيه الخير والصلاح، ويذودها عما فيه الشر والفساد، وإذا كان الإنسان يجب عليه أن يرعى من ولَّاه الله عليه من بني آدم ومن البهائم فوجوب رعاية نفسه من باب أولى؛ ولهذا بدأ الله بالنفس في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: ٦]. ومن فوائد الآية: إطلاق الظلم على الكافر مع أن الظلم أعم من الكفر، ولكن المراد به هنا الظلم المطلَق الذي أشار الله إليه في قوله: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، فالظلم المطلَق هو ظلم الكافر، والظلم المقيَّد هو ظلم الفاسق، فالمعاصي ظُلم لكنها ظُلم مُقيَّد، فمثلًا يقال: هذا ظالم نفسه بأكل الربا، هذا ظالم نفسه بفعل الزنا، هذا ظالم نفسه بالاعتداء على الخلق، وهكذا، أما الظلم المطلق فهو ظُلم من؟ ظلم الكافر؛ لأن الكافر، والعياذ بالله، لم يأتِ بعدل إطلاقًا حتى يُقال: إن ظلمه ظلم مقيد.
تفسير الآيات (٦٤-٨٢)
٠٠:١٦:٥٦
ثم قال الله عز وجل: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤]. شوف هذه الجمل بينها اتصال ولَّا انقطاع، في البلاغة اتصال بلاغي يعني أو انقطاع بينها؟ طالب: اتصال. الشيخ: لا، انقطاع؛ لأن الاتصال هو العطف بالواو، وهنا كل جملة مستقلة، الحكمة من ذلك من أجْل أن يَعلم الإنسان عن هذه الشجرة من كل آية بصفة مستقلة كأن كل صفة مستقلة تُغني عن بقية الصفات، فكم (...) للظالمين هذا من أعظم ما يكون من الأوصاف التي يُخاف منها عند إنكار هذه الشجرة؟ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طالب: من أصل الجحيم. الشيخ: فِي أَصْلِ الْجَحِيمِهذا قرآن. طالب: أقول: ما فيها قراءة؟ الشيخ: ما فيها قراءة أبدًا إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ(أي قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها)، إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِوقد سبق لنا هل هذه الشجرة واحدة للشخص، أو هي واحدة بالنوع والجنس؟ وقلنا: في ذلك احتمالان؛ يعني يحتمل أنها شجرة كبيرة تملأ النار كلها، ويتفرع منها أغصان في دركاتها كما هو ظاهر كلام المؤلف، ويحتمل أنها شجرة متعددة، لكن أُفرِدت باعتبار نوعها كما تقول مثلًا إذا شاهدت شجرة في البر: هذه شجرة مذاقها مُر، مذاقها حلو، مذاقها كذا، لا تريد هذه الشجرة الواحدة، تريد هذا الجنس وهذا النوع، فشجرة الزقوم يحتمل أنها شجرة واحدة قد ملأت النار بأغصانها، والله على كل شيء قدير، وإلا فإن النار بعيدة القعر كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمعنا وَجْبَة فقال: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَعْرِهَا مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . يعني سبعين سنة وهو يهوي في النار ما وصل إلى قعرها، هذه الشجرة إذا قلنا: إنها واحدة، وأن أغصانها ملأت دركات النار، فالله على كل شيء قدير، وإن قلنا: أنها واحدة بالجنس والنوع، فليس في ذلك إشكال. يقول: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِوما ظنك بهذه الشجرة النارية التي تخرج في أصل الجحيم؟ سيكون لِمنبتها أثر فيها؛ لأن المنبت يؤثر على النابت، حتى إن النوع الواحد إذا غُرِسَ في هذه الأرض اختلف عما إذا غُرِس في أرض أخرى وهو نوع واحد، هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم سوف يكون لمنبتها أثر فيها؛ ولهذا قال: فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، ولم يقل: في الجحيم؛ ليبين أنها عميقة الجذور -والعياذ بالله- في النار. يقول: (طَلْعُهَاالمشبه بطلع النخل كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِأي الحيات القبيحة المنظر). طَلْعُهَايعني الثمر الذي يُشبه طلع النخل كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، والشياطين جمع (شيطان)، وهل المراد الشيطان الحقيقي، أو المراد نوع من الحيات كما قال المؤلف؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: إن المراد الشيطان الحقيقي، واحتمال أن يكون المراد به نوع من الحيات قبيحة المنظر وارد؛ لأن السيئ من الحيوان قد يسمى شيطانًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» . ولكن الواجب علينا -كما مر علينا كثيرًا- إجراء القرآن على ظاهره، وأن نقول: المراد بالشياطين، الشيطان المعروف، وإنما شُبِّهت برؤوس الشياطين مع عدم رؤية الناس لها؛ لأن كل أحد يعرف أن ما يُنسب إلى الشيطان فهو قبيح منفر، لا يركن إليه أحد، فالتشبيه هنا تشبيه بما يُتخيل فكرًا، لا بما يُعلم حِسًّا، وعلى هذا فهو من أبلغ ما يكون من التشبيه القبيح، ولا حاجة إلى أن نقول: إنها حيات، حتى لو قلنا بأنها حيات، هل هذه الحيات معلومة لكل أحد؟ إن حيات لا يعرفها إلا النادر من الناس لا ينفر الناس منها، بل إن المؤلف الآن لما قال: إنها حيات هبطت قيمة هذا القبح في نفس الإنسان، لكن كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِالإنسان يقشعر جلده، ويقف شعره عندما يسمع هذا التشبيه القبيح، وعلى هذا فالصحيح أن المراد بذلك رؤوس الشياطين الحقيقية، ولكنها شُبِّهت بها للعلم بأنها قبيحة عند جميع الناس وأنها مُنفِّرة. (فَإِنَّهُمْأَي الْكُفَّار لَآكِلُونَ مِنْهَامَعَ قُبْحهَا لشدة جوعهم) أعوذ بالله فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَالجملة هنا اسمية مؤكدة بـ(إن) و(اللام)، أليس كذلك؟ لإفادة أن أكلهم مستمر؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وأُكدت بـ(إن) و(اللام) للدلالة على أنهم يأكلون منها أكلًا مؤكدًا مع أنها قبيحة المنظر، كريهة الطعم والرائحة، لكن -والعياذ بالله- الجوع الشديد يضطرهم الى أن يأكلوا منها قسْرًا من غير شهوة، ومن غير لذة، لكن لملء بطونهم فقط، ومع ذلك فإن الإنسان لو كان في الدنيا ربما يُفضِّل الموت على الأكل من هذا لكن في النار يُعذَّبون بالأكل منها؛ ولهذا قال: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَنسأل الله العافية؛ يعني أنهم لا يشبعون، ولا يقتصرون على الضرورة، أنت عندما يعرض لك في الدنيا وأنت جائع جوعًا شديدًا لحم منتن، هل تملأ منه البطن؟ وإنما تأكل بقدر الضرورة فقط، لو حاولت أن تملأ بطنك أبت عليك نفسك، ولو أنك ملأته لأوشك أن تتقيأه، لكن في النار يعذبون بذلك فلا يأكلون بقدْر الحاجة، بل يملؤون بطونهم، يأكل ويقول: هات، هات، كما أنهم يجبرون على شرب الحميم، ويشربونه شرب الهيم، شرب الإبل الهائمة العطشى، وهذا من شدة عذابهم -والعياذ بالله- أنه تصل بهم الحال إلى الجوع الشديد الذي يضطرهم إلى أكل هذه الشجرة الخبيثة، يملؤون بطونهم منها، وإلى العطش الشديد الذي يضطرهم إلى شرب الحميم؛ وهو الماء الحار الذي لا يستفيدون منه، بل قد قال الله تعالى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وقال عز وجل في اغتسالهم: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج: ١٩، ٢٠]، تصل حرارته إلى ما في البطون مع حيلولة بقية الجسم دونها، لكن تصل الحرارة إلى ذلك، كما قال الله تعالى: نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة: ٦، ٧] تصل إلى القلوب، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار، يقول: فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. قوله: الْبُطُونَ(أل) هنا للعهد، أي عهد؟ الذهني، ألا يمكن أن نقول: إنه العهد الذكري؛ لأنه سبق ما يدل على البطن؟ نقول: العهد الذكري لا بد أن يتقدم نفس اللفظ، وهنا لم يتقدم اللفظ لكن تقدم ما يدل عليه في قوله: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ؛ لأنه لا يأكل إلا من له بطن فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَيعني البطون منهم. يقول: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ(ثم) حرف عطف يدل على أيش؟ الترتيب والتراخي مما يدل على أنهم إذا أكلوا عطشوا، وإذا عطشوا لا يأتيهم الماء في الحال، بل يأتيهم بعد مهلة بيَّنها الله عز وجل في قوله: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩]، فهم ليسوا إذا أكلوها وعطشوا بها؛ أُعطوا الماء بسرعة، لا، يستغيثون، ويدعون أن يأتيهم ماء يُبَرِّد عليهم لهيب العطش، ولكن إذا أُعطوا هذا الماء يُعطونه شوبًا من حميم؛ يعني ماء حارًّا حرارة عظيمة، والشوب وهج النار، هذا الوهج بيَّنه الله عز وجل في الآية التي سقتها قبل قليل، إذا قرب الماء من وجوههم ليشربوه شوى وجوههم والعياذ بالله، شَوَاها حتى إن لحومها لتتساقط من شدة حرارته، فإذا شربوه فإن أمعاءهم تستقبله لكنها تتقطع به وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]. أيها الإخوة، إننا لسنا نتكلم عن سواليف الأولين، نتكلم عن أمر حقيقي إذا تصوره الإنسان ينزعج في الواقع؛ يعني ليس هذا أمر قيل، أو يقال، أو يقولون، هذا أمر هو الحقيقة، الحق لهؤلاء الطغاة الذين كذبوا رسل الله عز وجل، وبدلوا نعمة الله كفرًا، كل هذا سيكون، ليس خبر الأولين؛ لهذا يجب علينا إذا قرأنا مثل هذه الآيات أن نشعر بأن هذا هو عِلْم اليقين، وأنه سيكون حق اليقين، هذا الأمر بعد أن يعطشوا ويستغيثوا لا يغاثون بماء بارد ولا بماء عذب، بل بِشَوْب من حميم (أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبًا له). فسر المؤلف الشوب هنا بالخِلط، ومنه: شُبت الماء باللبن؛ أي: خلطته، وهو يصلح بهذا وهذا، فهو خلط وهو أيضًا وهج حرارة هذا الحميم، كل ذلك يكون، فالوهج يكون قبل الشرب، والشوب بعد الشرب. ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِيعني ثم بعد ذلك يكون مرجعهم إلى الجحيم، وجملة (ما ترون) جملة اسمية لم يقل: ثم يرجعون، بل قال: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِمؤكدة بماذا؟ بمؤكدين وهما (إن) و(اللام)، وهذا الترتيب فيه إشكال، فهل هو ترتيب ذكري أو هو ترتيب معنوي؟ المؤلف يرى أنه ترتيب معنوي، ويحتمل أن يكون ترتيبًا ذكريًّا؛ يعني بعد أن ذكر الله عز وجل ما لهم من هذا العذاب بَيَّن أن مرجعهم في يوم القيامة إلى هذا الجحيم، لا يرجعون إلى سواه. أما المؤلف فيقول: (يفيد أنهم يُخرجون منها لشرب الحميم، وأنه خارجها) وهذه الفائدة فائدة ضعيفة في الواقع، يعني كون نستفيد هذه الفائدة من هذه الجملة، ليس بمتعين والله عز وجل يقول: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨]، فكيف يقال: إنهم يخرجون ويشربون الحميم، ثم يُردون؟ هذا بعيد جدًّا، لكن إما أن نجعل الترتيب هنا للترتيب الذكري؛ يعني أن الله بعد أن ذكر أنواعًا من العقوبات لهم بَيَّن أن مآلهم إلى الجحيم؛ أي إلى هذا الجحيم الذي فيه هذه العقوبات، والترتيب الذِّكْري موجود في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:
إِنَّ مَـــــــــنْ سَــادَ ثُمَّ سَــادَ أَبُـــوهُ
ثُمَّ سَـــادَ مِـــنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَـــــدُّهُ
وسيادة الأب سابقة على سيادتي، وسيادة الجد سابقة على سيادة الأب، أو يقال: إنهم كما قال الله عنهم: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة: ٢٠]، وأنهم يُقرَّبون من أبوابها، ويسقون هذا الحميم، فيُقرَّبون لتتطلع نفوسهم إلى الخروج، فيكون عندهم بعض الأمل، فإذا أملوا هذا الأمل، ثم ردوا إلى أصل الجحيم صار هذا أشد عذابًا عليهم؛ لأن حصول اليأس بعد الأمل أشد من بقاء اليأس؛ لأن الأمل يرفع اليأس، فإذا أُعيد إلى العذاب عاد اليأس فكان أشد وقعًا. أرأيت لو أن رجلًا مغلولًا بين يديك، سرت تحاول فك غله؛ يفرح، أليس كذلك لكن إذا عدت، ثم شددته ربطًا وأتيت بغل آخر؛ ازداد يأسًا وغمًّا إلى غمه بعد أن رأى بصيص الأمل يعاد فيُهان، هؤلاء -والعياذ بالله- كلما أرادوا أن يخرجوا منها وحصل لهم بعض الأمل أُعيدوا فيها، فيقول: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِأي: إلى أصل الجحيم الذي كانوا قد أمَّلوا أن يخرجوا منه حين قُرِّبوا من أبوابها. إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَإِنَّهُمْأي هؤلاء الظالمين الذين يُعذَّبون بهذا العذاب. أَلْفَوْاأي (وجدوا) آبَاءَهُمْوألفى بمعنى (وجد)، ومنه قوله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥] وأَلْفَيَايعني وجدا سيدها.
.....................
وَأَلْفَى قَــــوْلَهَا كَـــــذِبًا وَمَـــــيْنَا
أي وجد قولها، فمعنى أَلْفَوْا آبَاءَهُمْأي: وجدوهم ضالين تائهين عن الحق. يقول: فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات: ٧٠] هم وجدوا آباءهم ضالين بعد أن قامت عليهم الحجة بضلال آبائهم، ولكن هل اتبعوا الحجة؟ لا. قال: فَهُمْيعني بعد أن وجدوا آباءهم ضالين والعياذ بالله، هم عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَأي: يُساقون ويُزعجون وهُرِع بمعنى (عَجَّل وأسْرع) في الشيء، فهم على آثار آبائهم وعلى ما كانوا عليه من الشرك والظلم يُهرعون؛ أي: يساقون بشدة، ويسرعون إلى اقتفاء آثارهم، وقد جاءتهم الرسل بالحق، ولكن بماذا أجابوا: قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣]، وفي الآية الأخرى: وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢]؛ يعني ولا نقبل منهم، فهم علموا أن آباءهم ضالين ومع ذلك -والعياذ بالله- بقوا على ما هم عليه بل صاروا يسابقون ويتمسكون أشد بما كان عليه آباؤهم. (فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَيُزْعَجُونَ إلَى اتِّبَاعهمْ فيسرعون إليه) والكلام كله في مشركي قريش بدليل قوله: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَالجملة هذه فيها ثلاثة مؤكدات بَيِّنها لنا؟ وَلَقَدْ ضَلَّ. طالب: لقد. الشيخ: ويش هي لقد؟ طالب: لقد، وحرف العطف. الشيخ: اللام وقد. طالب: (...). الشيخ: لا، الواو حرف عطف، ويش تعرب اللام؟
الطالب: واقعة في جواب القسم. الشيخ: إي، موطئة للقسم، اللام موطئة للقسم؛ يعني أنها تفيد قسمًا مقدرًا، والله لقد، فتكون الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم، واللام، وقد، والله أعلم.
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) [الصافات: ٦٩-٨١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ. قوله تعالى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِما المراد بالشياطين هنا؟ طالب: يقول المؤلف: إن هي الحيات القبيحة، ولكن الصحيح أن هذه الشياطين على حقيقتها؛ لأن الأصل بقاء اللفظ على (...). الشيخ: فإذا قال لك قائل: كيف يشبه الله شيئًا بشيء غير معروف؟ طالب: لقبح الشيطان. الشيخ: صورته ما هي معروفة، رؤؤس الشياطين من رآها؟ طالب: هذا من عادة العرب إذا أرادت أن تقبح شيئًا تشبهه بالشياطين. الشيخ: من عادة العرب أنها إذا أرادت أن تُقبِّح شيئًا وتُنفر منه شبهته بالشياطين، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَاالجملة هذه فيها تأكيد أو لا؟ طالب: اللام. الشيخ: اللام فقط؟ طالب: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَاوالقسم المقدر. الشيخ: ما فيه قسم. طالب: (إن) و(اللام). الشيخ: (إن) و(اللام). إذا قال قائل: ما الغرض من هذا التوكيد؟ طالب: (...). الشيخ: يعني لئلا يقول قائل: إنها ما دامت على هذا الوصف فلن يأكل منها أحد، فالإنسان قد يشك في أكلهم؛ لكونها طلعها يشبه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بقوله: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا.
قوله: فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَماذا يفيد؟
طالب: شدة الجوع (...). الشيخ: يعني يصابون بمرض النهم حتى لا يشبعوا. وهل يصابون بمثل هذا في الشراب؟ طالب: نعم، يصابون لذلك؛ لقوله تعالى: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة: ٥٥]. الشيخ: لقوله تعالى: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. إذن يُصابون بمرض النهم في الأكل وفي الشرب؛ ليزداد عذابهم، نسأل الله العافية. قوله: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًاما المراد بالشوب؟ طالب: الشوب له معنيان؛ أنه شديد الحرارة، وخلط، يعني أنه يخلط من عذاب الزقوم (...)، فهم يشربون حميمًا حارًّا ويخالط ما في (...). الشيخ: والحميم هو الماء الحار. قوله: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِهل هم كانوا بالأول في غير الجحيم؟ طالب: لا، في الجحيم. الشيخ: كيف قال: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ؟ طالب: لأجل الاستقرار؛ يعني بعض الأكل كذلك في الجحيم، وبعضهم يقولون في التفسير؛ يعني يخرجون إلى الأبواب، ثم يرجعون إلى الأصل، إلى أصل الجحيم. الشيخ: إي نعم، صحيح، بس ذكرنا وجهًا آخر. طالب: أن (ثم) للترتيب الذكري. الشيخ: أن (ثم) للترتيب الذكري، ولا يعني أنهم بعد أن يأكلوا يرجعون، وإنما يعني أنه ذُكِر مرجعهم بعد ذكر أكلهم، وهل في اللغة العربية ما يسمى بالترتيب الذكري دون المعنوي؟ طالب: نعم. الشيخ: شاهده؟ طالب: قوله:
إِنَّ مَــنْ سَـــادَ ثُمَّ سَـــادَ أَبُـــوهُ
ثُمَّ سَـــادَ مِــنْ بَــعْدِ ذَلِكَ جَــدُّهُ
الشيخ: طيب إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْما معنى ألفوا؟ طالب: وجدوا. الشيخ: وجدوا، ائت بشاهد من القرآن على أن الإلفاء بمعنى الوجود أو الوجدان. طالب: (...) قوله: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]. الشيخ: قوله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِهذه في أي سورة؟ طالب: في سورة يوسف. الشيخ: في سورة يوسف سبيل (...). قوله عز وجل: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. يستفاد من هذه الآية ومن ما بعدها: يستفاد منها: أن شجرة الزقوم خبيثة المنبت؛ لقوله: تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، والخبيث المنبت يكون هو خبيثًا أيضًا؛ لأن العادة أن النبات يكون على حسب أرضه كما يكون على حسب مائه أيضًا. ومن فوائدها: بيان قُدرة الله عز وجل، حيث خلق هذه الشجرة في وسط النار مع أن المعروف أن النار تحرق الأشجار، ولكن الله على كل شيء قدير، فها هي نار إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحرق الأجسام بلا شك، ولكن لما قال الله لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الشجرة تنتشر؛ إما أغصانها -كما قال المؤلف- أو أنواعها في النار كلها؛ لأن الله أخبر أن أهل النار يأكلون منها، ومعلوم أن النار دركات، بعضها أسفل من بعض، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الشجرة إما ذاتها ومنتشر أغصانها، وإما نوعها موجود في جميع النار. ومن فوائد قوله: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِبيان أن هذه الشجرة لها طلع ولكن طلعها أقبح ما يكون من الطلع؛ لأنه يشبه رؤوس الشياطين. ومنها: أن من أغراض التشبيه ما يسمى عند البلاغيين بـ(التقبيح)، فيُشبه الشيء بما يُستقبح نفسيًّا، وإن لم يكن معلومًا حسيًّا؛ لقوله: كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. ومن فوائدها: أن رؤوس الشياطين مُستكرَهة مُستقبحة؛ لأنه شُبِّهَ بها القبيح، والتشبيه إلحاق الشيء بما هو أعلى منه في الصفة التي أُلْحِق به فيها؛ لأن المشبه دون المشبه به. من فوائد الآية: إثبات أن للشياطين رؤوسًا؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم، وهو كذلك، فإن الشياطين لها رؤوس. ومن فوائدها: الرد على من يقول: إن الشياطين والملائكة والجن هي قوى الشر، الملائكة قوى الخير، والشياطين والجن قُوى الشر، وليس هناك أجسام تُحَس، وجه الدلالة: أنه أثبت للشياطين رؤوسًا، ولا يمكن أن يكون هذا في الأمور المعنوية التي هي القوى. ومن فوائدها: ضلال من يعتمد على العقل في إثبات الأشياء أو نفيها؛ لأن الاعتماد على العقل يؤدي إلى أن يرد الإنسان ما ثبت في الكتاب والسنة من أجل ما يدعي أنه عقل. ثم قال عز وجل: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ. من فوائدها: إثبات أكلهم منها على سبيل التأكيد؛ لقوله: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا. ومن فوائدها: أنه ينبغي تأكيد الشيء المستبعَد أمام المخاطَب من أجل اطمئنان نفسه وإقراره به، أليس كذلك؟ ولهذا قال علماء البلاغة: إن المخاطَب له ثلاث حالات: ابتداء، وشك، وإنكار؛ ففي الابتداء لا يحسن أن تؤكد له الخبر بل تلقيه إليه غير مؤكد؛ لأنك إذا أكدته بدون سبب للتأكيد فقد يشك، يقول: لولا أن هذا الرجل كاذب ما ذهب يؤكد الخبر بدون سبب، فالفصاحة أن تلقيه إليه مجردًا من التوكيد، مثلًا إذا أردت أن تخبر بقدوم زيد، تقول: قدم زيد، إذا كنت تخاطب رجلًا خطاب ابتداء ليس عنده شك في قدومه ولا إنكار. الحال الثانية: أن يكون عند المخاطب شك في الأمر، فهنا يحسن أن يؤكد، ولكن لا يجب، فهذا الرجل الذي تخشى أن يكون شاكًّا في قدوم زيد لاستبعاده إياه يحسن عندما تخبره أنه قادم، يحسن أن تؤكده له فتقول: قد قدم زيد، أو: إن زيدًا قادم، هذا متى؟ مع الشك نؤكده بمؤكد على سبيل الاستحباب. الحال الثالثة: أن يكون مُنكِرًا، ففي هذه الحال يجب أن يُؤكَّد له الخبر، لماذا؟ من أجل أن يزول عنه الإنكار، ويطمئن إلى مدلول الخبر، كما لو كنت تخاطب شخصًا ينكر أن يكون فلان قدم البلد، فتقول له: لقد قدم. وإن رأيت أنه يحتاج إلى زيادة قلت: والله لقد قدم، وإن كنت تخشى أن يكون غير مقتنع فبعض العامة يقول: عليه الطلاق لقد قدم، إي نعم، لأن كثيرًا من الناس يؤمنون بالحلف بالطلاق أكثر مما يؤمنون بالحلف بالله عز وجل. بقي أن يقال: هذا باعتبار حال المخاطب؛ أي أنه يحسن توكيد الخبر أو تجريده من التأكيد، أو وجوب تأكيده باعتبار حال المخاطب، قد يكون التأكيد وعدمه باعتبار حال مدلول الخبر، إذا كان المدلول أمرًا هامًّا فإنه يؤكد حتى وإن كنت تخاطب من لا ينكر مثل قوله تعالى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة: ١، ٢]، وأشباه ذلك مما أقسم الله به على البعث وهو يخاطب المؤمنين، فهنا نقول: تأكيد هذا الخبر مع إقرار المخاطَب به؛ يُقصد بذلك بيان أهميته، وأنه أمر يجب أن يتأكد في قلب الإنسان، وأن يثبت فيه ويرسخ، واضح؟ قال أهل العلم -نبحث في البلاغة لأجل أن نستذكر ما مضى- قال بعضهم: وقد يُنَزَّل المقر منزلة المنكر لفعله فعل المنكر، مثل: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون [المؤمنون: ١٥، ١٦]، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَهل الموت مُتَردَّد فيه أو منكر؟ أبدًا، لا يتردد فيه ولا ينكره أي أحد من الناس، إذن فلماذا يؤكد؟ لأن المخاطب قد تكون حاله حال المنكر؛ لعدم استعداده للموت، فكأنه مُنكِر له، فيُؤكَّد له الخبر. هنا فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَانقول: هنا أكد الله عز وجل أنهم سيأكلون، فلماذا؟ لأن المقام مقام استبعاد للأكل، قد يستبعد الإنسان أن يأكل هؤلاء من هذه الشجرة التي تخرج في أصل الجحيم وطلعها كأنه رؤوس الشياطين، فأكد الله ذلك بـ(إن) و(اللام)، وأتى أيضًا بالجملة الاسمية الدالة على استمرار أكلهم. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يُعذِّب أهل النار بالأكل من هذه الشجرة بكونهم لا يشبعون؛ لقوله: فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فلا يأكلون منها بقدر الضرورة كما يأكل المضطر الميتة بقدر الضرورة ولكن يأكلون أكلًا يملأ بطونهم، وكلما فرغ البطن قليلًا أكلوا. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هذه الشجرة إذا أكلوها -والعياذ بالله- عطشوا، وطلبوا الماء، وطلبوه على طلب المضطر إليه بدليل قوله: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف: ٢٩] فهم يعطشون كثيرًا، ويسألون سؤال المضطر يستغيثون الله عز وجل، فإذا أُغِيثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ [الصافات: ٦٧] يعني مع هذا الأكل القبيح المستكره المبتلى بمحبته يشربون عليه من الحميم الذي يخالطه، وقد سبق لنا أن هذا الحميم يُقطِّع أمعاءهم. ومن فوائد قوله: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِأن هؤلاء الذين في النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعِيدوا فيها، وهذا فيه زيادة تعذيبهم، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا انفتح له باب الأمل والرجاء، ثم عاد إلى الخيبة صار ذلك أشق وأشد عليه مما لو استمر في خيبته فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ. ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء لن يذوقوا نعيمًا أبدًا؛ لأن مرجعهم ومآلهم إلى الجحيم، فلا يمكن أن يخرجوا منه، نسأل الله لنا ولكم السلامة. فلهذا أكدت بثلاثة مؤكدات. والوجه الثاني: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل ما سبق فيه التحدث عن كفار قريش، فأراد الله عز وجل أن يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بأن قومك ليسوا أول من ضل، بل قد ضل قبلهم أكثر الأولين، ففيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها تأكيد لخبر هؤلاء الأمم الماضية التي قد يشك في خبرها من يشك، كما أن فيه أيضًا زيادة تهديد لهؤلاء المكذبين؛ لأنه قال بعده: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَوأكد أيضًا هذه الجملة بالوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها في وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ.
وقوله: ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَيعني لا كلهم، فإن من الأولين من اهتدى، ولكن أكثرهم ضل حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عُرِضَت عليه الأمم: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» .
إذن أكثر الناس الذين أرسل إليهم الرسل قد ضلوا، ما دام أنه لم يكن مع النبي أحد يُبعث نبي في قومه، ولا يكون معه أحد. وقوله: أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَأي السابقين، فكل من سبق هذه الأمة فإنه يُعتَبر من الأولين. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَهذه الجملة مؤكدة بما سبق؛ بالقسم، واللام، وقد، وأُكِّدت للوجوه الثلاثة التي أشرنا إليها. وقوله: أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَيعني رسلًا منذرين كما قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء: ١٦٥]، لكنه هنا لم يذكر البشارة؛ لأن المقام مقام تهديد، فكان طي البشارة أنسب والاقتصار على الإنذار أنسب، فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَفمن هو الرسول؟ قال أهل العلم: إن الرسول هو الذي أُوحي إليه بالشرع ولم يُؤمر بتبليغه، كذا؟ طالب: لا. الشيخ: وأُمر بتبليغه؛ ولهذا يقال: أرسل؛ يعني بُعث برسالة، فهو أوحي إليه وأُمر بالتبليغ، فإن قلت: ماذا نصنع في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢]، حيث قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّفهو يقتضي أيضًا أن النبي -وهو الذي أُوحِي إليه بالشرع ولم يُؤمر بالتبليغ- قد أُرسل، فالجواب: أن تقدير الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبأنا من نبي فهو على حد قول الشاعر:
عَــلَفْتُهَا تِبْــــنًا وَمَــــاءً بَـــارِدًا
......................
فالماء البارد لا يُعلف ولكنه يسقى، وهو على تقدير: وسقيتها ماءً باردًا. ومن المعلوم أن حذف ما يُعلم جائز، كما قال ابن مالك رحمه الله في ألفيته:
وَحَــــــذْفُ مَــا يُـــــعْلَـــمُ جَــــائِزٌ كَــمَا
تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْ عِنْدَكُمَا؟)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَأي: مُخَوِّفين، مُخَوِّفين من؟ مخوفين من خالف بالعقوبة، وحرمان الثواب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم ينذرون من خالفهم بالعقوبة وحرمان الثواب؛ لأن العاصي يُحرَم من ثواب الطاعة؛ إذ لو شاء لأحل مكان المعصية طاعة، وكذلك يُعاقَب بما تقتضيه هذه المعصية. يقول: فِيهِمْ مُنْذِرِينَومنذرين هذه اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ طلبة: اسم فاعل. الشيخ: اسم فاعل من (أنذر ينذر)، والمنذر هو المخوِّف قال: (مُنْذِرِينَمن الرسل مُخَوِّفين). فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ٧٣] (انظر)، الخطاب هنا مُوجَّه لواحد مُذَكَّر، فمن هو؟ أهو الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أمن يصح أن يوجه إليه الخطاب؟ الثاني أعم؛ أي: فانظر أيها المخاطَب أو أيها السامع كيف كان عاقبة المنذرين؟ وهنا قال: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَولم يقل: ماذا كان؟ يعني انظر إلى الكيفية وإلى الغاية؛ لأن من نظر إلى الكيفية نظر إلى الغاية. لو قال: ماذا كان عقابهم؟ لكان الجواب: الهلاك، لكن كيف كان عقابهم، انظر إليه إلى كيفيته فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت: ٤٠]، فانظر إلى الكيفية، كيفية العاقبة لتستفيد بهذا النظر شدة العقوبة، وملاءمتها للذنب؛ لأن الله قال: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِأي أن عقوبته ملائمة لذنبه، وأنت إذا تأملت هذا وجدت الأمر كما قال الله عز وجل، فمثلًا كانت عاد تفتخر بقوتها وتقول: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] فأُهلكوا بألطف الأشياء؛ وهي الريح، أرسل الله عليهم ريحًا فدمرتهم فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥]، وكان فرعون يفتخر بالأنهار التي تجري من تحته فأُهلك بما كان يفتخر به، وهو الماء، وهكذا كلما تأملت هلاك القوم المكذبين للرسل وجدت أن عقوبتهم مناسبة تمامًا لذنوبهم. إذن (انظر كيف) أبلغ من (انظر ماذا كان عاقبتهم)، وجه ذلك: أنها تدل على شدة الأخذ وعلى مناسبته للذنب، ثم إنك إذا نظرت إلى الكيفية ستنظر إلى العاقبة لكن إذا قلنا: انظر ما عاقبتهم؛ لم تؤمر إلا بالنظر بالعاقبة فقط. وقوله: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَالجملة هنا استفهامية، ولكنها في محل نصب مفعول انْظُرْ، وهذا النظر بالعين ولَّا بالقلب؟ هذا النظر بالقلب، والغالب أن النظر بالعين يُعدَّى بـ(إلى)، فيقال: نظر إليه، وأن نظر القلب يكون متعديًا بنفسه قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس: ١٠١]، يعني بالقلوب، أما بالأعين فلا يُفيد إذا لم يتأثر بذلك القلب. وقوله: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَالْمُنْذَرِينَهنا اسم فاعل أو اسم مفعول؟ اسم مفعول، الذين أنذروا وخُوِّفوا، ولكن لم يخافوا، ولم يُؤثِّر فيهم الإنذار، فكيف كان عاقبتهم؟ قال المؤلف: (أي عاقبتهم العذاب) يعني أن العاقبة كانت وخيمة والعياذ بالله، عُوقبوا بالعذاب المدمر المهلك. ثم قال سبحانه وتعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ(أي المؤمنين) نعم، ولهذا فسرها المؤلف باسم الفاعل إشارة إلى أن المخلِص هنا اسم فاعل؛ لأن الْمُفَسِّر يُطابِق الْمُفَسَّر فيقول: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَالاستثناء هنا منقطع؛ لأن ما بعده من غير جنس ما قبله، وإذا كان ما بعد (إلا) من غير جنس ما قبلها فهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يكون علامته أن يحل محل (إلا)؛ (لكن)، ولكن لماذا يُؤتى بـ(إلا) بدل (لكن)؟ إشارة إلى قوة اتصال ما بعدها بما قبلها، فهي تفيد الاستدراك مع ارتباط ما قبلها بما بعدها من حيث المعنى، وإن كان هذا يختلف عن ذلك. وقوله: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِالمراد بالعبودية هنا الخاصة أو العامة؟ الخاصة بدليل قوله: الْمُخْلَصِينَ. وسبق لنا قريبًا بيان أن العبودية تنقسم إلى عامة وخاصة؛ (أي المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة)، وهذا على قراءة كسر اللام، (أو لأن الله أخلصهم لها على قراءة فتح اللام)، فأفادنا المؤلف رحمه الله أن في الآية قراءتين: {الْمُخْلِصِينَ}، الْمُخْلَصِينَلكن لم يُصرِّح بهما، وإنما أتى بمضمونهما، ففي الآية قراءتان (مُخْلِصِين) لإخلاصهم لله؛ لأنهم أخلصوا القصد لوجه الله عز وجل، رب العباد إليه الوجه والعمل، فلم يلتفتوا إلى ما سوى الله، والإنسان المخلص لله الذي أخلص قلبه له يُوفَّق، وتكون عاداته عبادات؛ لأنه دائمًا مع الله، ودائمًا يتفكر في آيات الله، ودائمًا يحب القرب من الله، فيسعى إلى أن يكون قوله وفعله وترْكه كله لله عز وجل، وهذا -في الحقيقة- هو الرابح الذي ربح الوقت، وربح العمر؛ لم تضع عليه لحظة من اللحظات إلا وهو كاسب فيها، ولكن أكثر الناس في غفلة عن هذا الشيء، أكثر الناس في غفلة غافلون، لم يخلصوا أنفسهم لله عز وجل، بل إن من الناس من قد تكون العبادات في حقه عادات، يقوم ويتوضأ ويصلي؛ لأن هذه عادته، كأن هذه العبادات عمل يومي يقوم به؛ ولهذا لا نجدها تؤثر على القلب بواسطة الغفلة الشديدة عن الإخلاص لله عز وجل، فهم مخلِصون لله في العبادة، كذلك (مُخْلَصُون) أخلصهم الله، قال المؤلف: (للعبادة). ولو قيل معنى أسمى من هذا لكان أولى، أخلصهم الله لنفسه واختصهم من بين سائر العباد، وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ [ص: ٤٧] الذين اصطفاهم الله وجعلهم صفوة عباده لنفسه، وهذا أبلغ في الثناء مما قال المؤلف من أن الله أخلصهم للعبادة، بل نقول: أخلصهم له من بين سائر العباد إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. يقول المؤلف: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ [الصافات: ٧٥] هذه الجملة كالتفصيل لقوله: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ. فهنا شرع الله عز وجل يُبين كيف كان هذا الضلال، ومتى كان؟ كان من أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، بدليل الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، فقال: كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ. إذن ليس هناك نبي مُرسَل قبل نوح. وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد: ٢٦]. فإذا كانت النبوة والكتاب في ذريتهما فليس قبل نوح أحد أُوتِي النبوة والكتاب، والمراد بالنبوة نبوة الرسالة، أما نبوة الوحي والعبادة فقد سبقت لآدم، فإن آدم نبي مُكَلَّم، لكنه ليس نبيًّا مرسلًا. وأما من السنة فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: أن الناس يأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض . فنوح عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ يعني تسع مئة وخمسين سنة يدعوهم ليلًا ونهارًا قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا [نوح: ٥، ٦] يدعوهم سرًّا وعلنًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح: ٩] ولكنهم -والعياذ بالله- لا يزيدهم ذلك إلا نفورًا واستكبارًا مع قوة الرسالة والآيات العظيمة، لكنهم -والعياذ بالله- نكصوا واستكبروا، وما آمن معه إلا قليل، لما رأى عليه الصلاة والسلام ما حصل من قومه وأيس منهم دعا عليهم، قال: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح: ٢٦، ٢٧]، وقال: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر: ١٠] فأجاب الله تعالى دعاءه، ولهذا قال: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَقال: بقوله: رب أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فانتصر الله له، وأجاب دعاءه، قال الله تعالى: فَفَتَحْنَاأو {فَفَتَّحْنَا} أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١١، ١٢] ماء ينبع من الأرض، وماء ينزل من السماء، يفور من الأرض فورانًا عظيمًا يشمل كل الأرض حتى التنور الذي هو موضع إيقاد النار صار يتفجر ماء، والسماء تهطل بماء منهمر عظيم، فالتقى الماء حتى بلغ قمم الجبل، ولم ينجُ منه أحد إلا من كان مؤمنًا فإنه مع نوح عليه الصلاة والسلام في السفينة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ.
ذكرنا أن نوحًا هو أول الرسل، مَنْ آخرهم؟ محمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الرسل، قال الله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] ولم يقل: وخاتم المرسلين مع قوله: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِإشارة إلى أنه لا يمكن أن يأتي بعده لا نبي ولا رسول فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَالجملة وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌمؤكدة بثلاثة مؤكدات كما سبق: القسم و(اللام) و(قد)، ونقول في توجيه التوكيد هنا ما قلناه فيما سبق. وقوله: فَلَنِعْمَالفاء حرف عطف تفيد الترتيب والتعقيب، واللام موطئة للقسم، وتقدير الكلام: فوالله لنِعم المجيبون، والمجيبون فاعل (نِعْمَ)، و(نعم) و(بئس) وشبههما تحتاجان إلى فاعل، وإلى مخصوص يكون مبتدأ جملتهما خبره، أليس كذلك؟ تحتاجان إلى فاعل، وإلى مبتدأ تكون جملتهما خبرًا عنه، هذا المبتدأ يُسمَّى المخصوص بالمدح أو بالذم، فأين المخصوص هنا في هذه الآية؟ يقول: نحن، فلنعم المجيبون نحن. وصدق ربنا عز وجل نعم المجيب الله سبحانه وتعالى، فإن إجابته ليست كإجابة غيره، إجابة الله سبحانه وتعالى إجابة محققة لكن بشرط أن تتم شروط الإجابة، وأن تنتفي الموانع، فإن لم تتم شروط الإجابة فإنه لا يُجيب عز وجل؛ لأن إجابته كسائر أفعاله مبنية على الحكمة، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فإذا تمت شروط الإجابة صار للإجابة محل فحلت الإجابة، وإذا لم تتم لم يكن للإجابة محل، فلم تتحقق الإجابة، ولا بد له من انتفاء الموانع، ألَّا يوجد مانع من موانع الإجابة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر هذه الشروط والموانع عند ذكر الفوائد. المهم أن الله تعالى أثنى على نفسه بأنه نِعْم المجيب، وصدق الله العظيم فإنه تعالى نعم المجيب، يجيب عباده إذا اقتضت الحكمة ذلك بوجود الشروط وانتفاء الموانع فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ(له نحن؛ أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق) نعم، دعا الله على قومه فأهلكهم بالغرق، غرقوا عن آخرهم، وذُكِر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْجِيًا أَحَدًا مِنَ الْغَرَقِ لَأَنْجَى أُمَّ الصَّبِيِّ» . ما أم الصبي؟ امرأة كان معها صبي، فلما رأت الماء يتزايد خافت على نفسها من الغرق، فلجأت إلى جبل فارتفع الماء حتى وصل إليها، ثم ارتفعت، حتى وصلها الماء، ثم ارتفعت حتى وصلها الماء حتى بلغت قمة الجبل، فوصلها الماء، فلما رأت الماء قد وصلها وألجمها رفعت الصبيَّ فوق يديها؛ لتغرق قبله. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يذكر عنه: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ» . لأن هذا من أبلغ ما يكون في الرحمة، أن تجعل موتها قبل موته، ترفعه على يديها حتى يدركها الغرق قبله. المهم أن هؤلاء القوم وغيرهم من الأمم لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا البأس، فانظر إلى فرعون لما أدركه الغرق ويش قال؟ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠] لكن ما نفعه ذلك، قيل له: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس: ٩١] لم يكن أحد من الأمم نفعه إيمانه حين رأى البأس إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس: ٩٨]. قال أهل العلم: والحكمة من ذلك أن نبيهم خرج منهم مغاضبًا قبل أن يُؤذَن له، فلم تحق عليهم الكلمة؛ لعدم تمام الإنذار في حقهم؛ فلهذا لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعهم إلى حين وسيجدون ما يستحقونه من العقوبة أو المثوبة. قال الله عز وجل: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] من أهله؟ هل نقول: المراد المؤمنون؟ أو نقول: إن الأهل هم خاصة الرجل؟ لأن هناك فرقًا بين (آل) و(أهل)، (آل) أتباع، (أهل) هم الخواص خاصة الرجل كما قال الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣]، هذا لا يشمل الأمة كلها أهل البيت الخاصة، فهل نقول: إن المراد أهله الذين هم خاصته؟ هذا هو الأقرب من الآية، لكن في آيات أخرى تدل على أن الذي نجا هو ومن آمن معه. يُستثنى من الأهل أهل نوح ابنه الذي كفر به فإنه أدركه الغرق، ولما سأل نوح عليه الصلاة والسلام ربه: فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٥، ٤٦]. ويستثنى من ذلك امرأته كما قال الله تعالى في سورة التحريم: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠] خانتاهما بماذا؟ بالكفر لا بالفاحشة والزنا؛ لأنه من المستحيل أن يجعل الله امرأة نبي تزني؛ لأن الزنا خُبْث، وقد قال الله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ [النور: ٢٦]، فخيانة امرأة نوح وامرأة لوط كانت بالكفْر، والكفر قد يكون في امرأة النبي وهو لا يعلم؛ ولهذا قال: فَخَانَتَاهُمَايعني أخفتا الكفر عن نوح وعن لوط. المهم أن (أهل) هنا ليس على عمومه، فهل نقول: هو عام أُريد به الخاص أو عام مخصوص؟ عام مخصوص؛ لأن العام الذي أُرِيد به الخاص لا بد أن يكون معلومًا للمخاطَب أنه لم يرد به إلا الخاص من أول الأمر، فأما الشيء الذي لا يُعلم إلا بنص آخر فإن هذا يسمى عامًّا مخصوصًا. يقول عز وجل: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات: ٧٦] الْكَرْبِمعناه ضد السعة، والإنسان المكروب هو الذي أصابه ما يُكرَب به، ولا شيء أعظم من كرْب الموت، وهذا الكرب الذي أصاب قومه كرب عظيم؛ لأنه غرق يموت الإنسان وهو ينظر؛ يعني موت الإنسان بمرض، يعني يموت بشيء يعلم أنه لا قُدرة له على إزالته، لكن بالغرق يموت وهو يؤمِّل أن ينجو، ولهذا تجده بكل قواه يحاول النجاة، ولكن ما تحصل له، فكأنه يموت، يقطعه الموت وهو ينظر إليه؛ فلهذا صار كربًا عظيمًا؛ لأنه موت بغرق، ومثله الموت بالحرق بالنار، فإن الإنسان يموت بأمر يشعر بنفسه أنه يستطيع التخلص منه، ولكن يعجز فيكون وقع الموت بحق عليه أشد؛ ولهذا قال: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِقال المؤلف: (أي الغرق) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧].
وفي الآية إشكال إعرابي، وهي أن الْبَاقِينَمنصوبة مع أنها بعد هُمُ، وهُمُيكون مبتدأ، والمبتدأ خبره مرفوع، فلماذا جاءت منصوبة هنا؟ طالب: فصل. الشيخ: الأخ يقول: إنه ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، وعلى هذا فتكون الْبَاقِينَالمفعول الثاني لـجَعَلْنَا؛ لأن (جعلنا) من أفعال التصيير؛ فهي بمعنى (صيَّرنا) وتنصب مفعولين؛ المفعول الأول ذُرِّيَّتَهُوالمفعول الثاني الْبَاقِينَ. وقوله: هُمُ الْبَاقِينَالآن نحن قلنا: إنها ضمير فصل، وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب لكن له محل من المعنى، فما هو؟ طالب: هو يا شيخ يفصل بين الخبر. الشيخ: يعني يميز بين الخبر والصفة، هذه واحدة، الثاني؟ الطالب: التوكيد. الشيخ: يفيد التوكيد. طالب: ويفيد الإحصار. الشيخ: ويفيد الحصر، ففوائد ضمير الفصل ثلاثة: التوكيد، والحصر، والفصل؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، أما هو لا يؤثر في الإعراب إطلاقًا. ذُرِّيَّتَهُمن ذريته؟ أي نسله، جعل الله نسل نوح هم الباقين؛ ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، والأب الأول آدم. ويقال: إن إبراهيم أبو الأنبياء. ولا يقال: أبو البشرية، لماذا؟ لأن البشر لم ينحصروا في ذرية إبراهيم لكنه أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كلهم من ذريته كما قال تعالى فيما سبق وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد: ٢٦]، فما قبل إبراهيم من الأنبياء من ذرية مَنْ؟ نوح، وما بعد إبراهيم من الأنبياء من ذرية نوح وإبراهيم؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ. قال المؤلف: (فالناس كلهم من نسله عليه السلام) كل الناس بعده من نسله..