تفسير سورة الشعراء - ٢
درس صوتي · ٧٩:٣٩
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تقدم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أنبؤوا بها، فالمراد بإتيان النبأ إتيان المنبأ به، وهو العاقبة، وسبق أيضًا أن الله تعالى أراد أن يبين تمام قدرته، حيث أشار إلى ما أنبت في هذه الأرض من الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة، وأن في ذلك آية، لكن لمن كان مؤمنًا وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَوالآية هي بنفسها آية، ولكنه لا ينتفع بها إلا المؤمن، فإذا لم ينتفع بها أحد ما صارت بالنسبة إليه آية. ولهذا قيدها إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٨] أي: لا ينتفعون بها، ثم ختم الآية بذكر عزته ورحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب، الترهيب بالعزة، والترغيب بالرحمة، ثم بدأ الله تعالى بذكر قصص الأنبياء، مقدمًا ذكر قصة موسى؛ لطولها، ولأهميتها بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء: ١٠] إذ: هذه ظرف، عاملها محذوف، التقدير ما قدره المؤلف، (وَاذكر يا محمد لقومك إذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىليلة رأى النار والشجرة) إلى آخره. إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىناداه؛ أي: دعاه بصوت مرتفع؛ لأن النداء لا يكون إلا بصوت عالٍ، وقوله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢] فالنداء يكون للبعيد، ويلزم أن يكون بصوت عالٍ، وأما المناجاة فهي للقريب. وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىهو ابن عمران عليه الصلاة والسلام، وقوله: رَبُّكَ، الإضافة هنا للتخصيص، وليس للتخصيص أنه ليس رب غيرك، ولكنها ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله نوعان، كما أن عبوديته نوعان. رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ، أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ(أن) هذه تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه، وأن إذا سُبقت بمعنى القول دون حروفه تُسمى تفسيرية، أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ، ومثلها فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧] فإن الوحي فيه بمعنى القول دون حروفه، فيعربون مثل هذه بأنها تفسيرية، ولهذا قال الشارح أو المفسر: (أي بأن ائْتِ). وقول المؤلف: (ليلة رأى النار، والشجرة) ليلة رأى النار صحيحة إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا [طه: ١٠]، وكذلك الشجرة، ولكنه التزم بأنه رآها فيه نظر؛ لأن سورة القصص ما تدل على أنه رآها، ويش لفظ الآية؟ طالب: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص: ٣٠]. الشيخ: مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [القصص: ٢٩، ٣٠] فلا يتبين من القرآن أنه رأى الشجرة، إنما يتبين أن الصوت سمعه من قبل الشجرة. (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَرسولًا) لأنه ليس المراد أنه يأتيهم فقط، بل يأتيهم بالرسالة، والْقَوْمَالجماعة، والظَّالِمِينَسيأتي في كلام المؤلف معنى الظلم هنا. (قَوْمَ فِرْعَوْنَمعه، ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وبني إسرائيل باستعبادهم) من الظالمين المعتدين الناقصين حق الله، وحق العباد، أما حق الله فإنهم كفروا به وأشركوا به، وقد قال الله تعالى: إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] وأما حق الإنسان فقد استعبدوا بني إسرائيل، وصاروا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وفي قوله: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ [الشعراء: ١٠، ١١] تخصيص بعد تعميم، أو بيان بعد إجمال؛ لأن القوم الظالمين مبهم، لكن قوم فرعون مبين، وفائدة الإبهام، ثم البيان بعده التأكيد من وجه، وبيان الاهتمام به من وجه آخر، وتلقي السمع له بالقبول من وجه ثالث. أما التأكيد؛ فلأنه كُرر مرتين، مرة مجملًا، ومرة مبينًا، وهذا التأكيد، وأما الاهتمام به؛ فلأن ذكره مؤكدًا دليل على أنه مهتم به، وأما تلقي السمع له بالقبول؛ فلأنه إذا جاء اللفظ مجملًا بقي الذهن يدور، ما هذا؟ ومن هؤلاء؟ مثلًا، فإذا أتى البيان إليه بعد ذلك أتى إلى ذهن متشوق حريص على معرفة هذا المبهم فيتلقاه بالقبول أكثر؛ لأنه متشوق إليه ومتطلع إليه، فهذه فوائد البيان بعد الإجمال. وفي وصفهم بالظلم قبل بيانهم؛ أي: في هذه الآية إشارة إلى عظم أمرهم حيث قدم الوصف على الموصوف في الحقيقة؛ لأنه عندما يُقال: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَيتصور الإنسان ويعرف أنهم ظلمة، فإذا جاء بيانهم جاء بعد الحكم عليهم بهذا الوصف مما يدل على قبح ما هم عليه من هذا الأمر أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَاالهمزة للاستفهام الإنكاري يَتَّقُونَالله بطاعته فيوحدونه). قوله: أَلَا يَتَّقُونَيحتمل أنه من المرسل به؛ يعني قل لهم: أَلَا يَتَّقُونَ، ويحتمل أنه من كلام الله سبحانه وتعالى لموسى؛ ليبين له حالهم، وأنهم متجنبون للتقوى، وأن الأليق بهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى. وقوله: أَلَاالهمزة للاستفهام الإنكاري، مقتضى كلامه أن نقول: الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني: أهم لا يتقون، وأنه لا يصح أن نجعلها للعرض: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا؟ ويكون المقصود بقوله: أَلَا يَتَّقُونَعرض التقوى عليهم مع أنها (...). طالب: (...). الشيخ: لا، عرضها عليهم. الطالب: (...). الشيخ: (...). الطالب: (...). الشيخ: فالمهم إنها على كلام المؤلف تعرب الهمزة وحدها و(لا) وحدها، وتكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وعلى الاحتمال الذي ذكرنا أن تكون بالعرض؛ يعني: أعرض عليهم التقوى ملزمًا لهم بها، وسبق أن المراد بالتقوى اتخاذ الوقاية من عذاب الله. طالب: (...). الشيخ: نعم، تحتمل، ولا يتنافى المعنيان. طالب: المؤلف ماذا يريد؟ الشيخ: المؤلف يريد الهمزة وحدها، و(لا) نافية، الهمزة للاستفهام، و(لا) نافية؛ يعني أهم لا يتقون. ثم قال: (قَالَموسى رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) هذا جواب موسى عليه الصلاة والسلام لله مبينًا له حاله، حتى يكون الأمر لديه -أي: لدى موسى- واضحًا فينشط ويقوى، وليس المراد بهذا معارضة أمر الله، فإن موسى لم يعارض أمر الله عز وجل، ولكن يريد أن يستبين الأمر؛ ماذا تكون حاله مع فرعون وقد اتصف بهذه الصفات، وهي الخوف إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ(أن) هذه مصدرية؛ يعني: أخاف تكذيبهم إياي، والمراد بالخوف هنا (...)؛ يعني: إني أتوقع ذلك أَنْ يُكَذِّبُونِ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم منهم هذا الأمر وعتوهم واستكبارهم والتزامهم بعبادة فرعون. وقوله: (وَيَضِيقُ صَدْرِيمن تكذيبهم لي) فيه إشكال؛ حيث رُفِع مع أنه يلي المنصوب أَنْ يُكَذِّبُونِلأن (أن) هذه مصدرية، و(يكذبونِ) منصوبة بها بحذف النون، والنون الموجودة للوقاية، وأصلها: يكذبونني، ثم حُذفت النون الأولى للناصب، وحذفت الياء للتخفيف، لكن وَيَضِيقُ صَدْرِيلم يقل: ويضيقَ صدري. طالب: (...). الشيخ: (...). الطالب: (...) الاختلاف؛ يعني (...). الشيخ: هنا يخافهم، ويقول: أنا أخاف يكذبوني، وأخاف يضيق صدري ولا ينطلق لساني. طالب: (...). الشيخ: إذن معناه أنه: أخاف أن يكذبونِ، وأخاف أن يضيق صدري بتكذيبهم. الطالب: (...). الشيخ: ناسخ، معطوفة على أخاف إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِوإني يضيق صدري بتكذيبهم، ولا ينطلق لساني، إلى آخره. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف؛ يعني لأن يكذبوني، هذه ما تعدو أن تكون مفعولًا فقط، مفعولًا به مثل: ضربت زيدًا وأكرمته. وقوله: (وَيَضِيقُ صَدْرِيمن تكذبيهم لي)، ضيق الصدر: عدم انشراحه وانبساطه، وهذا أمر فطري؛ أن الإنسان إذا خولف فسوف يضيق صدره كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يضيق صدره، ولكن الله تعالى يسلي رسله بأن لا تضيق صدورهم، ولا يحزنوا على هؤلاء المكذبين؛ لأن لهم يومًا يحاسبهم الله تعالى فيه، والرسل مبلغون فقط. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِييقولون: إن ضيق الصدر من أسباب حدوث الضغط، ولهذا ينصحون المصابين بالضغط ينصحونهم أن يتجنبوا الغضب وما يحزنهم ويضيِّق صدورهم؛ لأن هذا في الحقيقة هو الواقع؛ لأن الضغط يستلزم ضيق الصدر، وضيق التنفس، وضيق الأرض على الإنسان، فإذا عَرَّض نفسه لما (...) ذلك ازداد عليه الضغط، فإذا عود نفسه الانبساط، والانشراح وعدم الاكتراث بالنوازل، فإنه يحصل خيرًا كثيرًا، ويبقى دائمًا في سرور، لا سيما إذا كان محتسبًا ومؤمنًا بالقدر. قال: (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِيبأداء الرسالة للعقدة التي فيه)، وهذه العقدة هي معنوية ولّا حسية؟ طالب: معنوية (...). الشيخ: لا، (...) الجمرة هذه باطلة، قصة إسرائيلية ما هي مقبولة، لكنها يحتمل أن تكون معنوية، بمعنى أنه لا يستطيع التعبير بانطلاق وفصاحة؛ لقوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: ٢٧، ٢٨]، وقول فرعون في وصفه: وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥٢] ويحتمل -وهو أقرب- أن فيه لكنة، إما سرعة في القول بالنطق بالحروف، بحيث تتتابع الحروف حتى لا تفهم؛ لأن من الناس من يكون كذلك، ما في لسانه عقدة حسية، لكنه تترادف الحروف في كلامه بحيث لا تدري ما يقول؛ أو لأنه فيه لكنة لا تتبين الحروف من كلامه، وكل هذا محتمل؛ إنما يدل على أن هذه العقدة ليست كما ذكر من الجمرة؛ لأنها أثر حسي يمنعه من الكلام فهي أثر خلقي؛ يعني بأصل الخلقة، ويحتمل أنها من جهة البيان؛ يعني ليس فصيحًا في خطابه، وبيانه وإقناعه لكن الأول أولى؛ أي أنها عقده معنوية، وذلك بصفة الكلام، بحيث لا تتبين الحروف من كلامه إما لعجلته، وإما للثغته أو غير ذلك. (وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىأخي هَارُونَمعي)، أرسل إليه؛ يعني ابعث له بالرسالة حتى يكون مُعينًا، ووزيرًا له، وقد قيل: إنه لا يوجد أحد أشد منه على أخيه من موسى على أخيه هارون؛ لأنه تسبب بأن يكون في المقام الأعلى من مقامات بني آدم الذين أنعم الله عليهم، وهي الرسالة، حيث قال: فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ. ثم بَيَّن مانعًا آخر غير التكذيب، فقال: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌبقتل القبطي منهم فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) هذا خوف آخر ناتج عن معاملته معهم، والأول خوف يتعلق بالرسالة، وهذا خوف يتعلق بالمعاملة معهم، ولهذا في الأول قال: أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِما قال: أن يقتلون، ولا كان يتصور أن يُقْتَلَ إذا جاء بالرسالة، ولهذا قال في الثاني: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِبأي شيء؟ مثلما قال المؤلف: (بقتل القبطي منهم). وقصته مشهورة في سورة القصص، حيث إنه عليه الصلاة والسلام كان رجلًا قويًّا وشديدًا، فخرج ذات يوم، فوجد في المدينة رجلين يقتتلان، أحدهما من شيعته من بني إسرائيل، والثاني من عدوه الأقباط، فاستنجد به الإسرائيلي فوكز موسى القبطي حتى مات، وفي اليوم الثاني خرج، ووجد صاحبه الإسرائيلي مع رجل آخر، فقال له موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص: ١٨]، وأراد أن يبطش بالعدو، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به؛ لأنه وبخه، وقال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌفلما تهيأ للبطش ظن أنه سيبطش به فقال الإسرائيلي: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ [القصص: ١٩]، الله يكفيك شر من تحسن إليه، لما قال هكذا انتبه لها القبطي، فدل على موسى بهذا السبب، موسى عليه الصلاة والسلام خرج خائفًا يترقب، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى قال: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢١] فنجاه الله ومَنَّ عليه بالرسالة. طالب: (...). الشيخ: ما يتعلق بشيء، اقرأ الآيات (...). طالب: (...). الشيخ: ما هو السياق كله في سياق الرجل الذي (...) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص: ١٨]، (...) لكن موسى فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا [القصص: ١٩]. يقول: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِأي: يقتلونني به، وحُذفت الياء للتخفيف، والنون نون الفعل حُذفت للنصب، فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِبه.
قال الله تعالى (كَلَّاأي لا يقتلونك فَاذْهَبَاأي: أنت وأخوك ففيه تغليب الحاضر على الغائب)، وفيه: أيضًا أن الله تعالى أجاب دعاء موسى كما قال في سورة طه: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه: ٣٦] أجابه، وأرسل إلى هارون بالرسالة فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَاالباء للمصاحبة، المصاحبون لآيات الله؛ أي: العلامات الخاصة به التي تدل عليه وحده دون غيره، والآيات التي ذهب بها هو الوحي، والثاني: العصا، والثالث: اليد، هذه الآيات التي كانت عند الوحي إليه. ثم تلاها بعد ذلك تسع آيات كما هو واضح، هذه الآيات الثلاث منها آية معنوية، وآيتان حسيتان مناسبتان للأصل؛ لأن انقلاب العصا حية يشبه السحر، وليس بالسحر؛ لأن هذا حقيقة، والسحر خيال، وأيضًا كون اليد إذا أدخلها في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؛ يعني من غير برص، ونقص هذا أيضًا مثل السحر، ولكنه ليس بسحر، فيكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى المعجزة لهؤلاء أن يأتوا بمثلها. (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَما تقولون، وما يُقال لكم، أُجري مجرى الجماعة)، أما قوله: إِنَّافالضمير لله سبحانه وتعالى بلفظ الغلبة، ما قال: إنني، مع أنه في سورة طه، قال: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، لكن هنا ذكر أَسْمَعُ وَأَرَىفكان المبالغة حصلت بانضمام الأمرين: السمع والرؤية، وهنا ما ذكر إلا الاستماع فقط، ولهذا جاء في صورة العظمة بالنسبة للمبتدأ. وقول: إِنَّا مَعَكُمْ، ولم يقل: معكما، كما قال في سورة طه، يقول المؤلف: (أُجري مجرى الجماعة)، والجواب عن هذا، هذا ما قال المؤلف أن يقول: أُجري الاثنان مجرى الجماعة، وإذا قلنا: بأن أقل الجمع اثنان. طلبة: (...). الشيخ: (...)، إذا قلنا بأن أقل الجمع اثنان نقول هذا، وإن كان بلفظ الجمع، لكنه دال على الاثنين باعتبار المراد اللغوي، فلا حاجة إلى التأويل. وإذا قلت: إنه لما كان موسى وهارون والآيات، كأنها صارت ثلاثة، وإن كانت الآيات ليست (...) ولكنها مؤيدة؛ لأن التأييد يكون بالأدلة وبقوة الداعي والمستدل، ويحتمل أيضًا أنه جمعها باعتبار أن موسى وهارون سيكون لهم قوم، ويكون الاستماع بموسى وهارون بقومهما. فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٦] يقول: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَوهنا قال: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَفدل ذلك على أن القوم والآل إذا أضيفت إلى الشخص دخل فيهم، فقوله: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦] لا يدل على نجاة فرعون؛ لقوله: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨] فهو أولهم، وهنا أيضًا قال: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء: ١٠]، ثم قال: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَمما يدل على أن (القوم) إذا أُضيفت فأول ما يدخل فيها من أُضيفت له ما لم يمنع من ذلك مانع حسي كموته مثلًا، فإنه إذا مات ما عاد يكون فائدة في الإتيان إليه لكن إذا كان موجودًا فهو أول من يدخل في قومه. فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَولم يبين الله تعالى صفة القول، بل بين هنا المقول، لكنه في سورة طه: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: ٤٤]، أمروا أو أمر موسى، وهارون بأن يقولا: إنهما رسول من الله، وأن يقولا ذلك بلهجة لينة لا بلهجة قاسية؛ لأن القاسي إذا قُوبل بلهجة قاسية قسى أكثر، وإذا قُوبل بلهجة لينة اجتمع لين وقاس فلا يحصل الصدم، والاصطدام بينهما، وهذا من الحكمة في الدعوة، أما الإنسان إذا كان عاتيًا جبارًا فلا ينبغي أن يُقابل بالعتو والجبروت؛ وذلك لأنه لا يزيد الأمر إلا شدة، يُقابل باللين حتى تقوم عليه الحُجَّة. (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّاأي كلًّا منا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قدر المؤلف: (أي كلًّا منا)؛ لأجل التناسب مع المبتدأ الذي هو اسم (إنَّ) والخبر الذي هو رسول إِنَّا رَسُولُ. وفي آية أخرى إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ [طه: ٤٧] بالتثنية، وهنا بالإفراد فقدر المؤلف أو خرج المؤلف في الآية على أن المعنى: كل واحد منا، وقد مر قريبًا قوله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٧٤] أي: اجعل كل واحد منا، هذا أحد الوجوه. وجه آخر أن رسول بمعنى الرسالة؛ بمعنى المصدر اسم مصدر، والمصدر إذا وُصف به يستوي فيه المفرد، وغيره. ووجه ثالث: أن يُقال: إن الأصل في الرسالة موسى وهو واحد، وهارون معينٌ ووزير، وإلا فالأصل أن موسى هو الرسول كما (...) السيرة ذكر موسى بدون ذكر هارون. إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَولم يقل: إني رسول الله؛ لأنهم سيقابلون شخصًا يدعي الربوبية أنه الرب، فيتبين له من أول الأمر أن الربوبية ليست له، وإنما هي لله إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، فكل المخلوقات عالَم، ومع ذلك ربما تُضاف إلى أنواعها، فيُقال: عالم البشر، عالم الجن، عالم الإبل عالم كذا، عالم كذا، لكن إذا جُمعت هكذا شملت جميع الأنواع، فكل من سوى الله فإنه عالَم قالوا: وسموا عالمًا؛ لأنهم علم على خالقهم. (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَإليك)، المؤلف قَدَّر (إليك) للإيضاح، وإلا فلا حاجة؛ لأنهم يخاطبونه فقولهم: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَلولا أنه لم يكن هناك فائدة من خطابهم إياه، فهم رسول رب العالمين إليه (أَنْأي: بأن أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَاإلى الشام بَنِي إسْرَائِيلفأتياه) إلى آخره. قوله: أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٧] الإرسال يُطلق بمعنى الإطلاق؛ يعني أطلقهم؛ لأنه كان قد ضيق عليهم الخناق، وعذبهم بكونه يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فطلب موسى عليه الصلاة والسلام منه أن يرسل معه بني إسرائيل، ويطلقهم، ولكن ستأتي المناقشة بينه وبين موسى فيما بعد إن شاء الله. يستفاد من هذه الآيات أولًا: إثبات النداء لله سبحانه وتعالى، من أين نأخذه؟ طالب: (...). الشيخ: فيكون كلامه بصوت على هذا، وأنه بحرف. ويستفاد أيضًا من الآية: أنه بحرف. طالب: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الشيخ: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَفإن ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ [الشعراء: ١٠، ١١] كلها حروف. وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على الخلق، من أين نأخذه؟ طالب: (...). الشيخ: إرسال الرسل، نعم، إرسال الرسل دليل على فضل الله على الخلق وعنايته بهم؛ لأن الخلق مهما أُوتوا من ذكاء لا يمكنهم أن يدركوا ما يجب لله سبحانه وتعالى على التفصيل، العاقل يدرك ما يجب لله على وجه الإجمال، فإدراكه أن له الكمال المطلق، وأنه مستحق للعبادة لكن على وجه التفصيل لا يمكن إلا عن طريق الرسل، ولهذا قال: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥] وفي هذا دليل على سوء حال فرعون وقومه، من أين نأخذه؟ طالب: (...). الشيخ: (...). وفيه دليل على أنه لا بأس بالإجمال في الكلام، بشرط أن يكون (...)، من أين نأخذه؟ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ [الشعراء: ١٠] ما فائدة الإجمال ثم التفصيل بعده؟ طالب: (...). الشيخ: المعنى؟ الاهتمام به؛ (...) لأنه يكون متشوفًا، ومتطلعًا إلى بيان هذا المجمل، فيأتيه وهو على (...)، وفي الحديث أيضًا من الفوائد دليل على جواز الخوف الطبيعي، وأنه ليس بشرك، من أين تأخذه؟ (...) أي: الخوفين؛ لأنه يخاف مرتين أَنْ يُكَذِّبُونِ [الشعراء: ١٢] وأَنْ يَقْتُلُونِ [الشعراء: ١٤]. أو قلنا: إن المراد بالخوف هنا لازِمُهُ، وهو التوقع؛ لأنه يتوقع هذا (...)، يقول: أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [الشعراء: ١٢]، أنا أظن أنهم يكذبونني، ليس معنى أنه يخاف خوف ذعر، الذعر الذي يقع في النفس، وبمعنى التوقع، وفي هذا دليل على جواز بيان الإنسان حاله إذا لم يقصد به الشكوى، قوله: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِيفإن هذا وصف له بالضعف، نعم، وعدم التحمل نفسيًّا بضيق الصدر، وعدم البيان المتقن بكونه لا ينطلق لسانه، وفيه دليل على جواز ذكر الوسائل التي تستوجب القبول في الدعاء، إذ إنه ذكر أنه ما يستطيع لكونه يضيق صدره، ولا ينطلق لسانه، وهذا من باب توسل الداعي، ذِكْر حالِهِ هذه من الوسائل التي تستوجب قبول دعائه. وفي هذا إثبات المعية لله عز وجل، وهل المعية حقيقية ولّا مجاز؟ طالب: (...).
الشيخ: إذا كانت حقيقية ألا يكون ذلك موجبًا للقول (...)؛ يعني مثلًا: أنت الآن (...) بأن المعية في الأصل المشاركة في المكان ولّا لا؟ تقر بهذا أن المعية في الأصل تستلزم المشاركة في المكان. طالب: لا شك. الشيخ: لا شك. طالب: (...). الشيخ: ترى تقتضي غير تستلزم؟ تقتضي؛ يعني (...) هذا أو تستلزم. الطالب: (...). الشيخ: تستلزم. الطالب: (...). الشيخ: لا، أنا أقول: المعية مطلقًا؛ لأجل أن يتوصل إلى دعوة (...)، فلماذا يؤولون المعية، ثم ينكرون علينا تأويل اليد. طالب: (...). الشيخ: لا تستلزم المشاركة في المكان ولا الاختلاط (...)؛ لأن المعية في حقيقة الله معناها المصاحبة المطلقة، ولكنها في كل شيء بحسبه ولّا لا؟ تقول مثلًا: اللبن معه ماء، سقاني لبنًا معه ماء، هذه تقتضي الامتزاج والاختلاط. (...). واستصحاب الدليل؛ لقوله: بِآيَاتِنَا، والعلم بالمدافع، وهو قوله: مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَفكل شيء يحتاج إلى تشجيع، فينبغي للإنسان أن يظهر تشجيع صاحبه حتى ينشط ويؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، وفي هذا دليل على أن القوم والأهل وما أشبه ذلك إذا أُضيفت دخل فيها من أضيفت له، نأخذه من قوله: قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ثم قال في آخر الآيات: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَفدل ذلك على أن فرعون منهم. وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي أن يُخَاطَبَ الإنسان بما تقتضيه حاله، فمنكر الربوبية نخاطبه بإثبات الربوبية، ومنكر الألوهية نثبته بإثبات الأولوهية، وهكذا، تؤخذ من أين؟ من قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤]. طالب: ها دول قوم فرعون. الشيخ: لا، فرعون معهم. الطالب: فرعون وقومه (...). الشيخ: إي نعم، وقال له أيضًا موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء: ١٠٢]. طالب: فرعون، هذا الدليل واضح عليه، وفي غير فرعون ممن جحد (...) هل هناك دليل صحيح بأنه (...) يقينًا (...). الشيخ: نعم الدليل عقلي. طالب: شرعي؛ يعني ما فيه. الشيخ: لا، شرعي ما فيه؛ لأن الشرعي ما يمكن يتحدث عن أمر ما بعد وقع؛ لأن في الموجودين الآن اللي ينكرون يقولون بلا خالق؟
الطالب: إلا بالقياس (...). الشيخ: إلا بالقياس؟! لا، وبالعقل أيضًا، كل إنسان عاقل ما يمكن يدعي إن هذه الأمور حدثت بدون محدث أبدًا لا، إحنا ما علمنا أحدًا أنكر، ونرى أنه لا يمكن أيضًا، وأنه إذا أنكرها بلسانه فإن قلبه يعترف إلا أن يكون غير عاقل؛ يعني قد يكون بعض الناس مقلدًا تقليدًا محضًا، ولا يفكر مثل عوام الشيوعيين، وغيرهم هؤلاء فيما يظهر أنهم ما يفكرون بهذه الأمور؛ لأنهم عاشوا في بيئة من الأصل تقول: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وإنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه شيء أبدًا، مثل دول يمكن أن يكونوا منكرين بقرارة قلوبهم، أو نفوسهم (...) بس انقطع عن المعارضة. طالب: انقطع عن المعارضة. الشيخ: ما يلزم أنه يؤمن، يمكن يستكبر ولا يؤمن. طالب: (...) دليلًا. الشيخ: على أيش؟
الطالب: على (...). الشيخ: عجز عن المعارضة. الطالب: نعم اعترف (...). الشيخ: لأنه قال: أنا أحيي وأميت، فعارض تمويها ثم بعد ذلك عجز. طالب: (...) أقر. الشيخ: لا، ما أقر؛ لأنه ما قال: فأقر. طالب: بهت. الشيخ: بهت، عجز، ويش معنى بهت؟ الطالب: انقطع (...). الشيخ: إي، هذه، لكن لا يلزم من عدم قيام الحجة، أو من قيام الحجة على الخصم أن يقر، ربما يستكبر. طالب: (...). الشيخ: نعم، إحنا الآن نقول فيه من أنكر باللفظ. طالب: لا، بقلبه. الشيخ: لا، ما تدل الآية على أنه أنكر بقلبه حتى لو بُهت، ما فيه دليل على أنه أنكر بقلبه، لا تدل على أنه أقر بالإيمان، ولا على أنه أنكر المعنى؛ لأنه قال لما قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، ما قال: إنه ما لك رب، جعل نفسه ندًّا لله، قال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، فأورد عليه الإيراد اللي عاد ما (...) يتخلص منه، ذكر ثلاث علل استبيانًا للأمر أمام هذه العلل، وهي: تكذيبهم، وأنه يضيق صدره، وأنه لا ينطلق لسانه، فبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك لا يؤثر، فقال: فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٥، ١٦]، وهما سيمتثلان هذا الأمر؛ لأنهما يعلمان أن الله تعالى معهما مستمع لما يقول فرعون، وما يقولون له، ونفذ هذه الرسالة بأمر الله تبارك وتعالى. وتقدم أيضًا أنهم طلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل، المؤلف يقول: يرسلهما إلى الشام، ولكن ليس في القرآن ما يدل على ذلك؛ أي أنهما طلبا أن يرسل معهما بني إسرائيل إلى الشام، بل المراد بالإرسال هنا الإطلاق من الاستعباد والرق؛ لأنه كان يفعل ببني إسرائيل كذلك.
تفسير الآية (١٨)
٠٠:٤٥:٣٢
قال الله تبارك تعالى في ذكر جواب فرعون لموسى: (قَالَفرعون لموسى: أَلَمْ نُرَبِّكَ) في الآية إيجاز، والإيجاز عند البلاغيين ينقسم إلى قسمين؛ إيجاز حذف، وإيجاز اختصار، أيهما الموجود هنا؟
طالب: الحذف. الشيخ: إيجاز الحذف، ولهذا قال: (فأتياه فقالا له ما ذُكِر)، قَالَ فرعون لموسى إلى آخره، موسى لما أدى الرسالة هو وأخوه، قال فرعون مجيبًا لهذه الدعوة: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَافي منازلنا وَلِيدًاصغيرًا قريبًا من الولادة بعد فطامه)، هذه واحدة وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء: ١٨، ١٩] يعني: أفبعد هذا الأمر تأتي وتدعي أنك رسول رب العالمين، ومعنى ذلك أنه ينكر ربوبية فرعون، فكأنه يقول بعد هذه الأمور الثلاثة: كان الأليق بك أن تأتي معتذرًا، وأن تأتي خاضعًا؛ لأننا مَنَنَّا عليك؛ ولأنك أخطأت علينا المنة. قال: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَافي منازلنا وَلِيدًاصغيرًا قريبًا من الولادة بعد فطامه)، والقصة معروفة في سورة القصص، أن الله تعالى أوحى إلى أمه إذا خافت عليه أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليم، وفعلت إيمانًا منها بوعد الله، ثم قدر الله تعالى أن وقع هذا التابوت في قبضة آل فرعون، فالتقطوه لحكمة يريدها الله عز وجل وهم لا يشعرون، فلما التقطوه أرسلت أم موسى أخته لتقص الخبر فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ [القصص: ١١] عن بُعد، ثم رأتهم يطلبون له مرضعة، فعرضت عليهم هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص: ١٢] فرُدَّ إلى أُمِّه، مع أنه لم يرتضع ثدي أنثى غيرها، وهذا من تمام قدرة الله عز وجل، ووفائه بوعده، أنه رده إلى أمه قبل أن يتغذى بشيء سوى لبنها، وبقي معها حتى فطمته، وبحسب الحال سوف يرجع إلى من؟ طلبة: فرعون. الشيخ: إلى آل فرعون الذين التقطوه، فرجع إليهم فنشأ فيهم، وهذا من تمام قدرة الله أن ينشأ هذا الصبي الذي كان هلاك فرعون بسببه ينشأ في حجره، وقد قيل: إن فرعون كان يقتل أبناء بني إسرائيل خوفًا من هذا الولد؛ لأن الكهنة قالوا له: إنه سيظهر رجل في بني إسرائيل يكون زوال ملكك على يده، فصار يقتل أبناءهم. هذا على كل حال من الإسرائيليات الذي لا ندري هل يصدق أم لا، إنما كونه يقتل الأبناء، ويستحيي النساء هذا في القرآن، لكن هل هو إذلال للشعب واستعباد لهم، أو خوف من هذا الولد؟ الله أعلم، على كل حال تربى عنده فكان يمن عليه فرعون بهذه المنة أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًايعني: فكيف تأتي بضد ما نريد، وتدعي أن لك ربًّا أرسلك، ثانيًا: وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَولَّا سنينًا؟ طلبة: سنين. الشيخ: سنين؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. وقوله: مِنْ عُمُرِكَفي الأصل صفة للسنين، أصلها: لبثت فينا سنين من عمرك، ولكن القاعدة في النحو أن الصفة إذا قُدِّمت أعربت حالًا؛ لأن الحال صفة في المعنى، والصفة بالمعنى الذي هو النعت لا يمكن أن يتقدم على المنعوت، لهذا قالوا: إن صفة النكرة إذا قُدِّمت عليها أُعْربت حالًا منها، هذه القاعدة عند النحويين. مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَهذه السنين ثلاثين سنة، حسب ما قال المؤلف وبعض المفسرين، ولكن الأَوْلى أن تُبْهَمَ كما أبهمها الله، لكن هم قدروا هذه الثلاثين؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام نُبِّئ على رأس الأربعين على ما هي عادة الله سبحانه وتعالى في إرسال الرسل، فقالوا: إن الثلاثين كان عند فرعون، ثم إنه ذهب إلى مدين، وبقي فيهم كم؟ طلبة: عشر سنوات. الشيخ: عشر سنوات، ثم أرسله الله، فمن هنا صارت السنين ثلاثين، ولكن هذا ليس بلازم؛ لأنه قد يكون تربى عند فرعون أقل من هذا، ثم انضم إلى من؟ إلى بني إسرائيل، فلهذا ما ينبغي أن نجزم بأنها ثلاثون سنة، فلنقول كما قال الله: سِنِينَوهي جمع، وأقل الجمع ثلاث سنوات، ولكن يبدو أنها أكثر؛ لأن الثلاث سنوات قد لا يكون بها تلك المنة التي يمن بها فرعون. يقول: (يلبس من ملابس فرعون، ويركب من مراكبه، وكان يسمى ابنه)، ولذلك قالت امرأة فرعون: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص: ٩].
طالب: امرأة فرعون. الشيخ: امرأة فرعون لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًاإي نعم. فهذا دليل على أنهم اتخذوه ولدا؛ يعني عسى أن ينفعنا مطلقًا، وإن لم نتبنه أو نتخذه ولدًا، ومن المعلوم أن الولد سوف ينفع، ولكن الله يقول: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص: ٩] لم يكن الأمر كما توقعوه، بل كان بالعكس.
تفسير الآية (١٩)
٠٠:٥٣:٣٤
(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَوهي قتله القبطي) فَعَلْتَ فَعْلَتَكَأبهمها تعظيمًا لها، والإبهام يأتي للتعظيم أحيانًا، كما في قوله تعالى: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١، ٢] وقوله: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨] هذا إبهام يُراد به التعظيم، وهنا قال: فَعَلْتَ فَعْلَتَكَولم يقل: قتلت القبطي، إشارة إلى تعظيمها، وأضافها إليه من باب التقرير، يعني: أنك فعلت تلك الفعلة التي لا يفعلها -أولم يفعلها- سواك، وهي قتله القبطي الذي كان في مشاجرة مع الإسرائيلي. وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الشعراء: ١٩] الجملة حال من الضمير في فَعَلْتَ، التي فعلت وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَالكافرين بمن؟ ليس بالله؛ لأنه لا يؤمن بالله، ولكن من الكافرين به بفرعون؛ لأن موسى لم يتخذه إلهًا كما اتخذه الأقباط، (وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَالجاحدين لنعمتي عليك بالتربية، وعدم الاستعباد)، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وأن المراد بالكفر هنا كفر النعمة، وذلك جحده لما منَّ به فرعون عليه من التربية، وعدم الاستعباد كما استعبد بني إسرائيل، ولكن الذي ينبغي أن نقول: هي أعم مما قال المؤلف، بل حتى وهي الأهم عند فرعون أنه كفر بعبوديته، فلم يتعبد له.
تفسير الآية (٢٠)
٠٠:٥٥:٥١
(قَالَمُوسَى فَعَلْتُهَا إِذًاأي: حينئذ وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَعَمًّا آتَانِي اللَّه بَعْدهَا مِنْ العلم والرسالة)، فَعَلْتُهَا إِذًاكلمة إذن تعرفون أنها للمستقبل؛ لأن أصلها إذَا فنونت، وحينئذ تكون للماضي، فتفسير المؤلف (إذن) بـ(حينئذ) من باب التفسير بالمعنى، لا التفسير باللفظ؛ إذ لا يُفسر حرف بحرف يُقابله في المعنى، ولكن من باب التفسير بالمعنى؛ يعني: فعلتها حينئذ، فعلتها فيما مضى وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. وذهب بعض المفسرين إلى أن إذن على ما هي عليه جواب لفرعون كالمتهكم به، كأنه يقول: إذن أفعلها؛ يعني: ولا أبالي بك، ولكني من الضالين الجاهلين بحكم القتل، ولعل هذا أقرب أن تكون: إذن على بابها ليست بمعنى الماضي، وكأن ذلك جواب لفرعون على سبيل الاستهانة به، وعدم الاكتراث، وأنه لا يبالي به، وقوله: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَجواب على قول فرعون له: وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ. وقوله: مِنَ الضَّالِّينَيقول الشارح، أو المفسر: (عما آتاني الله بعدها من العلم، والرسالة)، فيكون المراد بالضلال هنا الجهل، وعلى هذا فيكون الضلال إذن ينقسم إلى قسمين؛ ضلال يُذم عليه الفاعل أو الضال، وضلال لا يُذم عليه، فالضلال الذي حصل، أو الذي اتصف به موسى حين قتله القبطي ضلال لا يُلام عليه؛ لأنه لم يأته وحي، ولا رسالة حينئذ، فهو معذور. ومن هنا نعرف أنه يصح أن نصف المخالفين للصواب من أهل العلم نصفهم بالضلال، لكن لا الضلال المطلق الذي يُذمون عليه إذا عرف أنهم أهل نصح في الإسلام، لكن أخطؤوا بعد الاجتهاد، مثال ذلك مثلًا ما مر علينا في باب الأصول من أن كثيرًا من أهل العلم أشاعرة من الذين عرفوا بالإخلاص للإسلام، وبمقام الصدق فيه، ومع ذلك نصفهم بأنهم ضالون، لكن لا الضلال المطلق الذي يُشم منه، أو يشعر بالذم، والقدح، لكن المراد مخالفة الصواب، وإلا سنجد من يشنع إذا قلنا مثلًا: إن ابن حجر ضال، والنووي ضال، وكثير من أكابر العلماء مخطؤون للصواب، أو مخطئون فيما يقولون، مجانبون للصواب، لكن لا، نقول: ليس الضلال المطلق الذي يُذم عليه الفاعل؛ لأن الضلال مع الاجتهاد هو تحري الحق، لا يُذم عليه المرء وإن وُصِف به. طالب: (...) أفعلها. الشيخ: لا، أصله ما يمكن يقول: أفعلها. وقد فعل، لكن: إذًافي جواب للحال باعتبار جوابه لفرعون. طالب: ثم إن جملة الحال وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ(...). الشيخ: لا؛ لأن وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَجملة حالية حال من الفاعل في فَعَلْتُهَا، الآن إذًاما تكون متعلقة بفعلتها تكون متعلقة بجواب: أجيبك إذن، فَعَلْتُهَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَيعني: باعتبار جوابه لفرعون، لا باعتبار أنه فعلها؛ لأن ما يمكن أن نقول: فعلتها إذن، ما فعلها إذن، وفعلها سابقا. طالب: أُجِيبك إذن. الشيخ: أُجيبك إذن، فأنا فَعلتُها وأنا مِنَ الضالين، فكأنه يشعر بعدم الاكتراثِ وبالتحدي لفرعون، وأنه لم يبالِ به، يقول: وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَويش المراد بالضلال هنا؟ الطلبة: الجهل. الشيخ: الجهل المراد به الجهل الذي ليس عن عمد.
تفسير الآية (٢١)
٠١:٠١:٣٧
قال تعالى: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا [الشعراء: ٢١] إلى آخره فَفَرَرْتُ مِنْكُمْوسبب فراره منهم أن رجلًا جاءه يسعى، وقال: يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص: ٢٠]، والرجل هذا كما تعرفون مجهول؛ لأنه قال: جاء رجل، لكن قَبِل موسى خبره لوجود القرينة، ويش هي القرينة؟ طالب: قتله القبطي. الشيخ: قتله القبطي، وإلا فما يقبل خبر رجل مجهول، ثم إن هذا الرجل أكد خبره بقوله: فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص: ٢٠] فخرج، فر منه خائفًا. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ(لما) ظرف بمعنى: حين، وتعرفون أنها تستعمل عدة استعمالات (لما)، فتُستعمل ظرفًا بمعنى: حين، وتُستعمل بمعنى أداة استثناء بمعنى: إلا، وتُستعمل شرطية، وتُستعمل نافية، أما استعمالها نافية ففي مثل قول الله تعالى؟ طالب: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]. الشيخ: وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ [الحجرات: ١٤] يعني: لم يدخل. وأما استعمالها شرطية ففي مثل قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ [البقرة: ١٠١] (ولما جاءهم.. نبذ) هذه شرطية، وأما استعمالها بمعنى (إلا) ففي مثل قول الله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] يعني: ما كل نفس إلا عليها حافظ. وهنا لَمَّا خِفْتُكُمْاسم بمعنى حين، فهي ظرف يعني: لما خفتكم أي حين خفتكم، فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا [الشعراء: ٢١] وهذا مما يؤيد ما سبق أن أشرنا إليه بأن الكلمات تعتبر حقيقة بحسب السياق، وأن هذا هو مأخذ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أنه ليس في اللغة العربية ما يُسمى بالمجاز مطلقًا؛ لأن المعنى ليس أمرًا ذاتيًّا للكلمة، بل الكلمة لها معنى بحسب سياقها، وقرائن أحوالها. طالب: الرجل الذي ذُكِر في سورة القصص وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى [القصص: ٢٠]، ما يُفسر بأنه الرجل في سورة غافر وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: ٢٨]. الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن الرجل المؤمن هذا بعد أن جاء إلى فرعون بالرسالة، وأما الأول فإنه قبل أن يذهب إلى مدين، ما يمكن (...)؛ لأنه ما يتعين، ما ندري قد يكون هو، لكن تفسيرنا إياه معناه نجزم بأنه هو، وليس كذلك. طالب: إعراب لَمَّا خِفْتُكُمْلما.. الشيخ: أي حين خفتكم ظرف بمعنى حين. (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًاعلما وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ). فَوَهَبَ لِيأعطاني، وقوله: حُكْمًاعِلمًا، ولكن تفسير الحكم بالعلم قد يقول قائل: إن فيه نظرًا؛ لأن الله تعالى يعطف بعضهما على بعض آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [يوسف: ٢٢] والعطف يقتضي المغايرة، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن يفسر أحدهما بالآخر، ولننظر: هل هذا صحيح اعتراضنا، أو يُقال: إنهما من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، فإذا اجتمعتا تغايرتا، وإذا انفردت إحداهما صار معنى كل واحدة معنى الأخرى. فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ٢١] الحكم القضاء بالشيء يسمى حُكمًا، ولا حكم إلا بعلم، فتفسير الحكم الآن بلازمه ولّا لا؟ تفسيره بلازمه، وإذا جُمع مع العلم صار العلم ضد الجهل، والحكم تطبيق ذلك العلم، فالذي يظهر أن المراد بالحكم هنا أخف من العلم؛ يعني الحكم: القضاء، أو ما به يقضي الإنسان بين الناس، ولا يكون ذلك إلا بعلم، فتفسير المؤلف له تفسير بلازمه؛ لأن من لازم الحكم العلم، وليس من لازم العلم الحكم؛ لأن الإنسان قد يعلم ولكن ما يحكم. وقوله: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَهذا بعد أن أوحى الله إليه، وآتاه من العلم والحكم جعله أيضًا مرسلًا، كلف بالرسالة. وفي قوله: مِنَ الْمُرْسَلِينَولم يقل: وجعلني رسولًا، كالتنبيه لفرعون أنه ليس ببدع من الرسل، وأنه لم يأت بأمر جديد، بل إن أمامه رسلًا، وقد ذكر الله تعالى في سورة غافر أن الرجل المؤمن يقول لهم: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ [غافر: ٣٤]، فكأنه يقول له: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَالذين عندك خبرهم، فلست ببدع من الرسل.
تفسير الآية (٢٢)
٠١:٠٩:٠٤
(وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ [الشعراء: ٢٢] أصلها: تمن بها علَيَّ)، أي: تجعل بها منة عليَّ، ولكنه حذف حرف الجر وعُدي الفعل إليها فـتَمُنُّهَا عَلَيَّأي: تجعلها منة أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَيقول: (بيان لتلك أي: اتخذتهم عبيدًا)، وإذا كانت بيانًا لتلك فتكون أن تفسيرية، تفسير لاسم الإشارة في قوله: تِلْكَ نِعْمَةٌ؛ يعني أي: عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَأي: حين عبدت بني إسرائيل جعلت تربيتي عندك وليد النعمة، وفي الحقيقة أن هذا ليس بنعمة؛ لأن كون الإنسان لا يقتل هذا الرجل، وهو يقتل غيره عدوانًا هل تكون هذه نعمة؟ لا، ليش؟ لأن أصل قتل أولئك ظلم وجور، فكونه لا يقتل هذا الرجل ليس نعمة، غاية ما هنالك أنه لم يظلمه، فهو لم يدفع عنه ضررًا نازلًا به من غيره، ولم يجلب إليه نفعًا، فموسى يقول: كيف تَمُن علي بهذه النعمة أن عبدت بني إسرائيل؛ يعني: ولم تستعبدني، فهذه ليست نعمة؛ لأن كون الإنسان لا يظلم هذا الرجل، ويظلم ذاك، ليس نعمة على من لم يظلم؛ إذ لم يسد إليه نفعًا، ولم يدفع عنه ضررًا، غاية ما هنالك أنه امتنع عن ظلمه، وامتناعه عن ظلمه نعمة على من؟ في الواقع على الظالم، على نفس الظالم؛ أن الله تعالى أنعم عليه، فمنعه من ظلم هذا الرجل، ولهذا يقول: أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(ولم تستعبدني لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم)، فأنت الآن ما أعطيتني منة جديدة ونعمة جديدة، حتى تمن بها. طالب: أقول ما يكون قول (...) فرعون أنه أنعم بها عليه. الشيخ: كيف؟ الطالب: قوله: تِلْكَ نِعْمَةٌ. الشيخ: إي هو ينكر عليه، ولهذا يقول المؤلف: (وقدر بعضهم أول الكلام همزة استفهام للإنكار)، هو ينكر عليه، يقول: كيف تـمُنُّ عليَّ بهذا الشيء؛ لأنك عبدت بني إسرائيل، هذا ليس بنعمة. طالب: وإن فرعون يراها نعمة. الشيخ: إي يراها نعمة، هذا اللي قال له: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ [الشعراء: ١٨، ١٩] هو جعل هذه من النعم. هنا يقول: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَكونك عبدتهم؛ أي: جعلتهم عبيدًا له، ووجه الاستعباد أنه -والعياذ بالله- كان يقتل الرجال، فيبقى النساء بدون قَيِّم، والمرأة إذا بقيت بدون قَيِّم تُضطر إلى أن تخدم، ولهذا قال العلماء: إنه كان يستخدم النساء فيبقيهن، وبالضرورة إذا لم يكن لهن قيم سوف يلجأن إلى الأقباط لاستخدامهن. وقوله: (قدر بعضهم أول الكلام همزة) ليس ببعيد أنه قال: أَوَتِلْك نعمة تمنها علي أن عَبَّدْت بني إسرائيل؟ يعني فليس لك علي نعمة. طالب: فرعون كان يمن عليه بهذه النعمة ويذكره بالماضي، فموسى عليه السلام يُعرض عن ذلك، ويحاول أن يقرره ويبين له شناعة عمله، (...) النعمة البسيطة التي أنعمتها علي أَنْسَتْك ما عملته مع بني إسرائيل. الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، لولا وجود (أن)؛ يعني أن هذه تبين المبهم في قوله: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ؛ يعني: فكأنه يقول: تَمُن عليَّ بهذه النعمة حين عبدت بني إسرائيل؛ يعني: ولم تستعبدني، هذا المعنى، ولولا أن هذا المعنى ظاهر لقلنا: إن موسى عليه الصلاة والسلام صرف نعمته عليه كالمتهكم به، كيف؟ يعني يقول: أين النعمة التي أنعمت بها علي، وأنت تعبد بني إسرائيل؛ لأن تعبيد بني إسرائيل خلاف النعمة في الواقع، ومن المعلوم أن موسى من بني إسرائيل، فتعبيد بني إسرائيل وهم قومه إذلال له، هذا المعني جيد في الحقيقة أن نقول: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّيعني: كيف تَمُن علي بهذه النعمة؛ يعني وأنت تُعَبِّد بني إسرائيل، ويكون هذا من باب ما يسمونه بتأكيد الذم بما يشبه المدح، وحينئذ نبقي أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَعلى أنها تفسير لتلك؛ يعني: أهذه النعمة التي تَمُن عليَّ أن تعبد بني إسرائيل فأين النعمة فهذا معنى جيد، إن كنت تريد هذا فهذا معنى جيد.
تفسير الآيتين (٢٣-٢٤)
٠١:١٥:٤٩
(قَالَ فِرْعَوْنُلموسى وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَالذي قلت: إنك رسوله؛ أيْ: أيُّ شيء هو؟ ولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى، وإنما يعرفونه بصفاته، أجابه موسى ببعضها) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِهذا الكلام الذي قاله المؤلف في تفسير الجملة بعيد من الصواب كل البعد، وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَمن المعروف أن (ما) يستفهم بها عن الحقيقة، فتقول: ما الذهب؟ يُقال مثلًا: هو معدن نفيس إلى آخره، تقول مثلًا: ما العلم؟ تقول: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فـ(ما) يُستفهم بها في الأصل عن الحقيقة. ويدعي المؤلف أن فرعون استفهم عن ذلك عن الحقيقة، ولكنه ليس كذلك، فرعون استفهم عن هذه الربوبية؛ لأنه قال: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَفما هذه الربوبية التي زعمت أن الله تعالى أرسلك وهو رب العالمين؟ لأننا لو قلنا: بأنه يستفهم عن حقيقة الله سبحانه وتعالى للزم من ذلك أن يكون قد أقر به، ولكنه يسأل عن حقيقته، وهو لم يقر به حتى يسأل عن الحقيقة، عن حقيقة هذا الرب، وإنما ينكر الرب أصلًا. فالاستفهام للإنكار؛ أي شيء هو رب العالمين الذي زعمت أنه أرسلك؟ يعني ليس هناك رب، فالتفسير الذي ذهب إليه المؤلف بناء على ما هو معروف، من أن (ما) -وهو عند المناطقة أيضًا، ما هو معروف في اللغة العربية، عند أهل المنطق- أن (ما) يُستفهم بها عن كنه الشيء وحقيقته، فقال: إن فرعون يستفهم عن كنه الخالق سبحانه وتعالى وحقيقته، ولكن موسى لما لم يمكن أن يجيب عن ذلك عدل إلى بيان صفة من صفاته، فيكون الجواب من موسى غير مطابق للسؤال، ويُسمى هذا بأسلوب الحكيم أن يُجاب السائل بغير ما يتوقع، ولكن ما قاله وما ذهب إليه ليس بصحيح، كما أنكره ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، وقال: إن هذا معناه إقرار فرعون بالله، لكن يسأل عن حقيقة هذا الإله، والصواب أن موسى عليه الصلاة والسلام أجابه بجواب مطابق للسؤال، وأن فرعون يسأل عن هذه الربوبية التي زعم موسى أنه مرسل من رب العالمين مَا رَبُّ الْعَالَمِينَأي شيء رب العالمين الذي أرسلك؟ ليس معناه: من أي شيء هو مادته، لا. الجواب: (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاأي: خالق ذلك)، ولا يكفي أن يُفسر بالخالق، خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف، وقوله: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاهل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، وهل يدخل في ذلك؛ لأن الله ربه؟ نعم؛ لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها، وهو في الأرض وما بينهما، وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خلق سماوات ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق الربوبية؟