تفسير سورة الشعراء - ١
درس صوتي · ٨٨:٠٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
الطالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ [الشعراء: ١ - ١١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدَّم أن الله سبحانه وتعالى بيَّن جزاء عباد الرحمن بأنهم يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان: ٧٥]، وأنَّ الصبر؟ طالب: (...). الشيخ: أنواعه، هذه بِمَا صَبَرُوا(...)، الباء معناها؟ طالب: الباء هنا (...). الشيخ: و(ما)؟ طالب: و(ما) بمعنى الذي. الشيخ: بمعنى الذي؟ بالذي صبروا؟ أولئك يُجْزَون الغرفة بالذي صبروا؟ الطالب: لا، (ما) مصدرية. الشيخ: (ما) مصدرية. الطالب: بصبرهم. الشيخ: أي: بصبرهم. إذا قلنا: الباء للسببية، فكيف تجمع بينها وبين قوله تعالى: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]؟ فاهم الآن؟ أقول: كيف تجمع بين قوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَويُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان: ٧٥] هما متفقان، جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَمثل يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا [الفرقان: ٧٥]، الباء للسببية لهذا وهذا، لكن يحتاج إلى الجمع بينهما، والحديث الصحيح: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» . يجمع بينهما؟ طالب: (...). الشيخ: تمام؛ لأننا نقول: الباء للعوض؛ (...) باء العوض؛ يعني: ما يمكن العمل عوضًا؛ لأنه لو كان عوضًا، وأراد الله أن يقتصَّ من العامل لكان العمل ما يكافئ نعمة من النعم، واضح؟ وأما الآيات والأحاديث التي تُثبِت أن العمل يدخل به الجنةَ الإنسانُ، وينجو به من النار، فهذه للسببية، واضح؟ إذا قلت: بعت عليك ثوبًا بدرهم، الباء هنا ويش هي؟ طالب: للعوض. الشيخ: للعوض معلوم، ما هو بسبب الدرهم، لو كان الدرهم معك ما أعطيتكَ الثوب، مجرد أن كونه معك، لكن إذا عوضتني به أعطيتُك الثوب، فهذا هو الفرق. قوله تعالى: تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان: ٧٥] هل هما مترادفان ولَّا متغيران؟ طالب: (...). الشيخ: كيف ذلك، والصحيح (...)؟ الطالب: (...). الشيخ: ما دام قلنا: إن كل الكلام تحية.. الطالب: إي نعم (...). الشيخ: إذن.. طالب: العام التحية. الشيخ: أيُّ العام؟ الطالب: العام التحية. الشيخ: العام التحية، ثم إن التحية أيضًا كما تقولون بالقول تكون بالفعل؛ ولهذا يقال: حيَّاه بالتُّحَف (...) بالمنزل، وما أشبه ذلك. قوله: قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان: ٧٧] الرسول أمر بأن يخاطب مَنْ؟ طالب: (...). الشيخ: حتى المؤمنين، إذن: فقد كذبتم، هذا وجه السؤال، شوف (...) المناقشة؛ يأمر نبيه. الطالب: (...). الشيخ: يرفع عنهم العذاب. طالب: في قوله: لَوْلَا دُعَاؤُكُمْما (...)؛ يعني: تكفرون، ثم بيَّن أنهم بعد تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وجهادهم ضد الحق أنهم الآن يحِلُّ بهم العذاب، ويكون لزامًا لهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا ما يثبت عذاب القبر أيضًا. الشيخ: المهم أن المعنى: الخطاب للكفار، والمعنى: لولا دعاؤهم الله لعجلهم بالعذاب، طيب، ويش دعاؤهم؟ طالب: دعاؤهم إذا قلنا: يا رب، اللهم.. الشيخ: لكن متى يكون هذا الدعاء؟ طالب: (...) قوله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥]، يعني: عند الاحتياج والضرورة يدعون الله سبحانه وتعالى. الشيخ: فهذا هو ظاهر الآية؛ لقوله: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ، وقيل: إن المعنى: الخطاب للمؤمنين، وأن المراد بالدعاء العبادة؛ يعني: ما يصنع الله بكم لولا عبادتكم، ويصير: فَقَدْ كَذَّبْتُمْانتقال إلى خطاب آخرين. لكن في هذا تشتيت الضمائر في الواقع، واختلاف السياق بعضه مع بعض، وما دام المعنى صحيحًا مع وجود التناسق بين الكلامين فهو أولى. لكن في هذه الحال دعاء مضطر، والله سبحانه يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: ٦٢] عام، فدعاء المضطر، ودعاء المظلوم لذاته؛ لأن المضطر في تلك الحال يعلم أنه مضطر إلى الله، إذا سأله سؤال افتقار، وسؤال حاجة، والله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، ما أحد يحتاج إليه ويدعوه ولو كان كافرًا إلا أجابه. طالب: (...). الشيخ: إي، يستجاب. الطالب: ولو كان كافرًا؟ الشيخ: ولو كان كافرًا، إي نعم، اقرؤوا الآية على تقبل العمل، (...) سياق عمل؛ قرَّب أحدهما قربانًا، فتقبَّل منه والثاني لم يتقبل، فقال: إنما يتقبَّل الله من المتقين. طالب: (...) دعاء عمل. الشيخ: إي لكن دعاء سؤال وإلحاح؛ يعني: واحد محتاج يسأل؛ يعني: كريم إذا سأله السائل ولو كان أعدى عدو له هو يعطيه؛ لكرمه، ما هو لذات السائل، مثل ما المظلوم يجاب ولو كان كافرًا، ليس لشخصه، ولكن إقامةً للعدل. طالب: (...). الشيخ: أيهم؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو (...)؛ ولهذا يُقبَل الدعاء حتى من غير المتقي مثل ما ذكرنا، ثم إنَّ الله تمدَّح أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل: ٦٢]، أن اللهَ بيَّن إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥].
تفسير الآية (١)
٠٠:٠٧:٤٢
سورة الشعراء
الشعراء: جمع شاعر، وسُميِّت به؛ لأنه ذُكِرَ في آخرها. والتسمية للسور: منها شيء توقيفي من النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها شيء اجتهادي؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا يذكر السورة بعينها؛ مثلما قال: «اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: البَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ» ، وأحيانًا لا يذكرها ولا يُبَيِّن اسمَها، ولكن يجتهد الصحابة في تسميتها. وتسمية السور أيضًا قد تكون واحدة؛ بمعنى أن تُسمَّى السورة باسم واحد، وقد يكون للسورة عدة أسماء. ومن التُّحَفِ الغربية أن سورة الإسراء تُسَمَّى سورة بني إسرائيل، وبعض القوميين أنكر ذلك قال: ما يمكن (...) بني إسرائيل خصوصًا اليهود، فأنكروا هذا الشيء مثلما أنهم أثبتوا -القوميون- أثبتوا أن اليهود قتلوا عيسى بن مريم، وقد قال الله تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ [النساء: ١٥٧]؛ ولهذا لما اجتمعت الكنيسة قبل أعوام، وأصدروا بينانًا ببراءة اليهود من قتلِ المسيحِ عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قامت القيامة من القوميين (...)، كلٌّ يجادلون بالباطل، والحقيقة أن هذا لا يضر إسرائيل شيئًا، وإنما يضرُّهم هم بتكذيبهم للقرآن، ثم إنهم ما زالوا الآن اليهود لهم ثلاثون سنة أو أظن أكثر، (...) وأربعين، والآن نحن في ثمانين؛ أكثر من ثلاثين سنة، اثنين وثلاثين سنة، وهم محتلُّون القدس، وهؤلاء القوميون كالكلاب تنبح لكن لا تصل، ولا غرضهم أيضًا القضاء على اليهود، ولا يريدون ذلك أبدًا، وإنما غرضُهم البقاء على كراسيِّ الحكم فقط، وإلَّا فنحن نعلم بقرائن الأحوال أنهم لا يريدون القضاء عليها أبدًا، بل يريدون أن تبقى المسألة هكذا (...) مشاعر السُّذَّج والسطحيين. (...) رحمه الله له قصيدة جيدة جدًّا في هذا المعنى اسمها فلسطينيات، وذكر أن قضية فلسطين مثل الدمية الصورة التي يلعب بها الطفل يتلهَّى بها، وهذا صحيح وحق. الدليل على ذلك أن القضاء على إسرائيل لا يكون إلا عن عقيدة؛ لأنهم هم يحاربون عن عقيدة، وقد قيل لي: إنهم لما احتلوا أرض فلسطين ودخلوا مدينة القدس، جعلوا يُقَبِّلون تراب الأرض ويبكون؛ لأنهم يحاربون عن عقيدة، ونحن لا نحارب عن عقيدة بلا شك، الذين واجهوا اليهود لا يحاربون عن عقيدة إلا عن عقيدة قومية لا انتصار بها؛ ولهذا نحن نحمد الله بعد هذه الهزيمة العظيمة النكراء أن هذه الهزيمة ليست هزيمة دين، وإلا لتضاعفت نكباتها، ولكنها هزيمة عصبية، وهزيمة العصبية ما تهم، اللي يهم أن تكون هزيمة باسم الدين، فيقالُ: غُلِبَ الإسلام، ولكنهم لا يقولون: غلب الإسلام، وإنما يقولون: نُكِبَ العرب، فهذا مما يُخَفِّف عنا القضية، وإن كنا وإن كانت ثقيلةً علينا على كل حال، ولكن مع ذلك اليهود يزدادون (...) لأقدامهم في مدينة القدس، ولن يخرجوا منها إلا بصلاح المسلمين؛ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] هؤلاء هم الذين يرثون الأرض، أما غير الصالحين فلن يرثوها، اللهم إلا إزالة من هو أظلم، قد يكون ذلك، لكن انتصارًا لحق ما يمكن من غير صالحين، فإذا صلح المسلمون، ورجعوا رجوعًا حقيقيًّا إلى الله، حينئذ ينصرون، وإلا فلا نصر لهم؛ ولذلك الآن اليهود يثبتون أقدامهم في القدس. في الليلة الماضية أنا سمعت أنهم سينقلون مكاتب الحكومة إلى القدس الشرقية، معنى ذلك أنهم ما عندهم نية يخرجون، وسمعتُ مرة من خطيبٍ في مصر يقال له: عبد الحميد كشك، يقول: إنه سمع أن جولد مائير رئيسة الوزراء حين النكبة تقول: إذا كان من الجائز أن نتنازل عن تل أبيب فليس من الجائز أن نتنازل عن القدس؛ يعني: مع ذلك -صرح به يقول في لندن- معنى ذلك أنهم ما يمكن يتنازلون، وهذا صحيح، أناس يجيب الله لهم بلدًا مقدَّسًا، قيل لهم في التوارة: إنها الأرض التي كتب الله لكم، فوعدهم إياها موسى؛ ولهذا يسمونها أرض الميعاد، ثم يتركونها لعرب، ما يمكن هذا. طالب: شعارهم (...) على كل ملة (...) كفر، يعني صريح. الشيخ: إي نعم، نعوذ بالله. طالب: في حديث يقول -ما أدري عن صحته-: إنه في آخر الزمان أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق ، هل هذا الحديث صحيح؟ الشيخ: صحيح. الطالب: يعني: على شرار الخلق، كيف يعني؟ يعني: يضعف الإيمان (...)؟ الشيخ: إي نعم، يضعف الإيمان. طالب: ولكن يا شيخ ما يكون هناك أناس صالحون يبقون على هذه الحالة (...)؟ الشيخ: حتى يأتي أمر الله، إي، أمر الله بأي شيء؟ طالب: الريح الطيبة. طالب آخر: بأمر الله؛ للقضاء على (...). الشيخ: القضاء على الإسلام. الطالب: القضاء على الإسلام؟ الشيخ: إي نعم، لا تزال ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله؛ لأن إذا جاء أمر الله ذهب ظهورهم. طالب: الأشخاص هؤلاء يذهبون مع اللي ذهبوا. الشيخ: مثلما قال الرسول: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ» ، فيموت العلماء ويموت الناس المسلمون شيئًا فشيئًا حتى تنقضي الدنيا. الشعراء يقول: (مكية -والمكي هو الذي نزل قبل الهجرة على القول الصحيح؛ يعني: فالمعتبر الزمن لا المكان- إلَّا {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}) إلى آخره، أربع آيات الشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]، هذا الاستثناء كما قلنا سابقًا ونقوله الآن: ليس بمقبولٍ إلَّا إذا دلَّ الدليل عليه، والدليل عليه تارة يكون بالنقل، وتارة يكون بالمعنى، والمعنى قد يكون واضحًا، وقد يُنازَع فيه، فهنا المؤلف استثنى هذه الآيات الأربع بقرينة السياق؛ لأن قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء: ٢٢٧] هذه قِيل: إنها نزلت حينما قال حسان رضي الله عنه لما نزلت الآية.. تأثَّر لها؛ فأنزل الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا، والانتصار بعد الظلم متى كان في المدينة ولَّا في مكة؟ الطلبة: في المدينة. الشيخ: في المدينة، كان في المدينة، فمِن ثَمَّ قالوا:إن هذه الآيات إنها مدنية. ثم قال: (وهي مئتان وسبع وعشرون آية)، وتقسيمُ الآياتِ هذا أيضًا توقيفيٌّ، حتى النبي عليه الصلاة والسلام ليس له شأن في تقسيم الآيات، تَنزِلُ الآيات من عند الله مُقَسَّمة، وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بوضعها في مكانها من السورة فهي توقيفية أيضًا في الترقيم. قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقد تقدم الكلام على ذلك كثيرًا، وقلنا: إن البسملة متعلقة بفعل محذوف متأخِّر، ويش بعد؟ مناسبٍ لما يُسَمَّى عليه، فمثلًا: بسمِ الله الرحمن الرحيم، عندما تريد أن تقرأ تقول: التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وقُدِّرَ فعلًا لأنه الأصل في العمل، وقُدِّر متأخرًا لإفادة الحصر والتبرك بتقديم اسم الله، وقدِّر مناسبًا لأنه أخصُّ، وإلَّا يجوز أن تُقَدِّر: باسم الله أبتدِئ، ولكنه إذا قُدِّر خاصًّا فهو أخص وأدلُّ على المقصود. (طسمالله أعلمُ بمرادِه بذلك)، وهذا يحتمل قوله: (بمراده بذلك) يحتمل أنه يقصد أن لهذه الكلمة، أو لهذه الحروف معانٍ، والله أعلم بها، ويحتمل أن مراده الله أعلم بذلك، أي: بالغرض الذي من أجله أتى بهذه الحروف الهجائية، أفهتم الآن؟ وبين المعينين فرقٌ؛ يعني على التقدير الأول: يكون هذه الكلمة لها معنى، لكن ما هو بمعروف، وعلى التقدير الثاني: يكون لا معنى لها، ولكن ما هو الحكمة في الإتيان بها؟ غير معروفة. أما احتمال أن يكون لها معنى، فهذا بعيد؛ وجهُ البُعد أن القرآن أتى بلسانٍ عربيٍّ، وأن هذه الحروف الهجائية بمجرد كونها حروفًا ليس لها معنى، والله سبحانه وتعالى لا يُنَزِّل لنا حروفًا هجائية، ويُقصَد بها المعنى؛ لأن هذا خلافُ أن يكون القرآن بيانًا وخروجًا عن مقتضي اللغة العربية. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يُقال: اللهُ أعلم بما أراد بالغرض الذي مِن أجله أتى بهذه الحروف الهجائية، فهذا حَقٌّ، حَقٌّ إذا قال الإنسان: أنا ما أعلم، الله أعلم. ولكن بعض أهل العلم أبدى مناسبة، وقال: إن من المناسبات أن القرآن الكريم المُعجز للناسِ أجمعين أنه لم يأتِ بأمر غريب، وإنما أتى بكلماتٍ من هذه الحروف التي يتكوَّن منها كلامُ الناس، ومع ذلك أعجزهم؛ لأنه لو أتى بحروف جديدةٍ غير معلومة للناس لقيل: إن إعجازَه ظاهر، ولا أحد يقدر، لكن وجه الإعجاز وتمام الإعجاز أن يأتي بحروف هي من حروف الكلام الذي يتكلَّم به الناس، ومع ذلك يُعْجِزُهم، واستأنسوا لهذه المناسبة، أو لإثباتِ هذه المناسبة بأنك لو تدبَّرت هذه السور التي ابتُدِئت بالحروف الهجائية لوجدتها يُذكَر بعد الحروف ما يتصل بالقرآن. الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢]، الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: ١ - ٣]، المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف: ١، ٢]، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود: ١]، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف: ١]، المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: ١]، الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١]، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [الحجر: ١]، كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم: ١، ٢]، طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه: ١، ٢]، طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء: ١، ٢]، طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [النمل: ١]، طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [القصص: ١، ٢]، الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم [العنكبوت: ١ - ٣]، الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [الروم: ١ - ٣]، الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان: ١، ٢]، الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: ١، ٢]، ونمشى على هذا. بقي أنه يجب أن تقولوا: الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ١، ٢]، والم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [الروم: ١ - ٣]، وكهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم: ١، ٢] ما فيها للذكر للقرآن. فيقال: فيها ذكر للقرآن؛ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّاهذا وحي، والم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمفإنَّ قصص وأخبار الأولين إنما كان بالوحي، وغُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، إخبار أيضًا عن أمرٍ مستقبلٍ من أمور الغيب لا يُعْلم إلا بالوحي، ثم لو فُرِضَ أن هذا ليس بواضح، فإن النادر لا حكم له، وهذا المعنى الذي أشرنا إليه ذكره الزمخشري، وأيَّده شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
تفسير الآية (٢)
٠٠:٢٥:١٤
(تِلْكَأي: هذه الآيات آيات الكتاب الحكيم)، المؤلف يقول: (أي: هذه الآيات)، وتعبير القرآن: تِلْكَ آيَاتُوبينهما فرق، ويش الفرق بين التعبير القرآني وتعبير المُفَسِّر؟ طالب: (...) هذا الشيء يعني كأنه.. الشيخ: لا، ويش الفرق؟ ما نقول: ويش التعليل. ويش الفرق؟ الطالب: (...). طالب آخر: (تلك) إشارة للبعد، وهذا لإشارة للقريب. الشيخ: لإشارة للقريب، زين؟ الطالب: (...). الشيخ: المهم أن الفرق بينهما: أن التعبير القرآني أتي بالإشارة للبعيد، والمؤلف أتي بالإشارة للقريب. ثم قال: (أي: هذه الآيات آيات الكتاب) أيضًا ليبيِّن أن آيات الكتاب هي الخبر. والصواب أن نقول: لو قال المؤلف: تلك الآيات آيات، لكان أحسن؛ لأن كونه يعدل عن الإشارة للبعيد إلى الإشارة بالقريب، مع أن الله تعالى أثبت الإشارة بالبعيد، هذا ليس تفسيرًا، فالصواب -بلا شك ما يحتاج- أن القرآن هو الصواب، والإشارة بالبعيد هنا مع قُرْبِ القرآن الكريم، وكونه بين أيدينا إشارة إلى عُلُوِّ مرتبته فهو للتعظيم، وإذا مشينا على ما قال المؤلف فات عنا هذا المعنى الذي أُريدَ للإشارة بالبعيد. وقوله: آيَاتُ الْكِتَابِالقرآن، والإضافة بمعنى: (من) يعني: آيات من الكتاب، وقوله: آيَاتُ الْكِتَابِالْكِتَابِبمعنى المكتوب، كاللباس بمعنى الملبوس، والغراس بمعنى المغروس، والبناء بمعنى المبني، والفراش بمعنى المفروش. وسمي كتابًا؛ لأنه كُتِبَ في اللوح المحفوظ، وكتب بالصحف التي بأيدي الملائكة، وكتب في الأرض بين الناس. وقوله: آيَاتُ الْكِتَابِالآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا العلامة الدالة على مُنزِّل هذا القرآن وهو الله سبحانه وتعالى. إذن كل آية فيها إعجاز، من هذا نأخذ أن كل آية فيها إعجاز؛ لأنه لو لم يكن فيها إعجاز لم تكن آية؛ لأن الآية العلامة الفارقة، ولا يكون القرآن علامة فارقة بينه وبين كلام الآدميين إلا إذا كان مُعجِزًا. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء: ٢]. الْمُبِينِقال: (المظهِر الحقَّ من الباطل)، وأحيانًا يفسِّرون المبين بالبين، أحيانا يُفَسَّرُ المبين بالبين فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: ٧٩] يعني: البين الواضح؛ وذلك لأن (أبان) تُسْتَعمل قاصرة ومتعدية؛ لأنه يقال: بان الشيء، وأبان الشيء، وتستعمل متعدية، فيقال: أبنتُ الحقَّ؛ يعني: أظهرته. فالمبين إذا فُسِّرت بالبيِّن، فمعناه أن السياق لا يقتضي سوى ذلك، فتكون من اللازم ولَّا من المتعدي؟ طلبة: من اللازم. الشيخ: من اللازم، وإذا كان المعنى يحتمل أن تكون من المتعدي؛ يعني: بمعني مظهر وجب أن تُفَسَّر به؛ لأن تفسيرَها بالمظهر يشمل أو يتضمَّن تفسيرها بالبيِّن؛ إذ المبين معناه بيِّن بنفسِه مبين لغيره، بخلاف البين بنفسه؛ فقد لا يُبين غيرَه. فالآن كلما جاءت مبين في القرآن إن أمكن أن تُفَسَّر بالإبانة اللي هي الإظهار وجب؛ لأن ذلك أشمل، وإذا لم يمكن فُسِّرت بالبين الذي هو اللازم (...). وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] من أي: القسمين. طالب: من اللازم. الشيخ: بَيِّن، من اللازم، كذا؟ ويمكن على بُعد أن تكون (المبين) يعني المظهر لضلالهم، ضلال مظهر لضلالهم، ولكن المعنى الأول أبين. على كل حال، الآن نقول: المبين هنا بمعنى المظهر للحق، ولا يكون مظهرًا للحق إلا وهو بَيِّنٌ بنفسه تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء: ٢]. وفي قوله: الْمُبِينِولم يذكر المفعول، ما ذكر المفعول، لإفادة؟ طلبة: العموم. الشيخ: العموم والشمول، فهو مُبينٌ لكلِّ شيء؛ ولهذا قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وهذا هو الذي يدلُّ على أن القرآن شامل لكل شيء.
وأما مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] فليس المراد به القرآن، وإن كان كثير من الناس تسمعهم يستدلون بهذه الآية على أن القرآن شامل لكل شيء، ولكن المراد مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨]: اللوح المحفوظ، وتِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍأبلغ؛ إنه مذكور فيه بيان كل شيء، القرآن تبيان لكل شيء، ولا يخفى على أحد تبيانُ القرآن إلا لعلة فيه، ما في القرآن؛ لعلة في نفس الذي خفي عليه؛ لأن نحن نجزم بصدق هذه القضية، وَأنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وما خفي على أحد من الناس من الأحكام إلا لقصورٍ في فَهمه، أو في علمه، أو في إرادته؛ إما قاصر في الفهم، ما يفهم، و هذا ما يتبين له شيء، وإلا قاصر في العلم، ما عنده معلومات، وإما قاصر في قَصْدِه، ويش معنى قصده؟ يعني نيته؛ ولهذا مر علينا كلام شيخ الإسلام: منْ تدبَّر القرآن طالبًا الهدى منه تبيَّن له طريق الحق، هذه ذكرها في العقيدة الواسطية حينما تكلم على الآيات القرآنية الدالة على الصفات، وهي كلمة لها معناها: (مَنْ تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبينَ له طريق الحق)، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. إذن نقول: المبين لكل شيء، وخفاءُ بعض الأمور على الناس من القرآن ليس من قصور القرآن، ولكن من قصورِهم هم؛ إما لقصور في الفهم، أو العلم، أو القصد. قد يقول قائل: إننا لا نجد كلَّ شيء في القرآن، أول ما يعترض علينا أننا لا نجد كم عدد الركعات في القرآن في الصلاة، فأين البيان؟ طالب: القرآن أتى تبيانًا لكل شيء على العموم، والسنة (...) تبين للناس ما نُزِّل إليهم؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قد فسر القرآن، ولكن تفسيرًا عامًّا، الإشارات العامة في القرآن، إنما التفريعات بيَّنها الرسول. الشيخ: نقول: بيان القرآن نوعان: أحدهما: أن يبين الشيء بعينه، والثاني: أن يبينه بوسيلتِه وطريقتِه؛ يعني يقول: الطريق كذا، الطريق إلى معرفة هذا كذا، تارة يبين الشيءَ بعينه، والغالب أن ذلك فيما لا يمكن إدراكه، وتارة يبيِّن الشيء بطريقتِه ووسيلته؛ يعني يقول: الطريقة إلى كذا هي كذا. فمثلًا بيَّن لنا الطريق إلى معرفة عدد الصلاة بقوله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٧]، وبقوله: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]، وبقوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، وبقوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، وغير ذلك. وقد مرَّت عليكم عدة مرَّات قصة ما نُقِلَ عن الشيخ محمد عبده مع الرجل النصراني الذي اعترض عليه حيث قال: إننا لا نجد في القرآن كيف نصنع هذا الطعام. فدعا بصاحب المطعم، وقال له: كيف صنعت هذا الطعام؟ قال: فعلت كذا وكذا، فقال: هكذا علمنا القرآن، قال: كيف علَّمكم القرآن؟ قال: لأنه قال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]، فالتبيان في القرآن تارة يبيِّن الشيء بعينه، وتارة يبين وسيلته التي تظهره وتبينه.
تفسير الآية (٣)
٠٠:٣٥:٤٧
قال: (لَعَلَّكَيا محمد بَاخِعٌ نَفْسَكَقاتلها غمًّا من أجل أَلَّا يَكُونُواأي: أهل مكة مُؤْمِنِينَ. و(لعل) هنا للإشفاق، أي: أشفق عليها بتخفيف هذا الغم). لعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الشعراء: ٣] هذه (لعل) للإشفاق، وتكون للتعليل، وتكون للترجي؛ فإذا تعلَّقت بمكروه فهي للإشفاق، وإذا تعلَّقت بمحبوب فهي للترجي، وإذا تعلقت بعلة من العلل فهي للتعليل. هنا للإشفاق مثلما تقول: لعل الحبيب هالك. أنت تترجى أن حبيبك يهلك؟! لا، لكن تشفق، الله تعالى أشفق على نبيه صلى الله عليه وسلم من أن يُهلِك نفسه، يقتلها من الغم بسبب عدم إيمانهم؛ الرسول عليه الصلاة والسلام يعاني من عدم إيمانهم يعاني المشقة الشديدة، ويحزن ويضيق صدره، ولكن الله تعالى يسليه بمثل هذه الآية: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٧]. وهنا يقول: لعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَمهلكها أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، ففي هذا دليل على أن الإنسان الداعية لا ينبغي أن يهلك نفسه بالهم والغم لعدم قبول الناس للحق؛ لأنه إذا أتى بما يجب عليه انشرح صدره، كفاية أن تأتي بما وجَبَ عليك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إنِ امتثلَ الناس فهو نعمة على الجميع، وإن لم يمتثلوا فلا تغتمَّ؛ لأنك إذا اغتَمَمْتَ اشتغلْتَ بغيرِك عن نفسك، وصار همك إن صليت ولاء الناس، وإن جلست ولاء الناس، وإن قمت ولاء الناس، هذا ما هو بصحيح؛ لأنه يفسد عليك عبادتك أنت خاصة، فأنت اشتغل بنفسك، وغيرك أدِّ ما أوجب الله عليك لهم، ثم إنِ اهْتَدَوْا، وإلا فلستَ عليهم بمسيطر، وبهذا يستريحُ الإنسان راحة عظيمة، ويكون مقبلًا على عبادته محسنًا لها. طالب: نزلت بعد الواقعة. الشيخ: أيهم؟ الطالب: الشعراء. الشيخ: الشعراء؟ طالب: (...). الشيخ: (...) في الإتقان لما رتَّب السُّوَر ما ذكر دليلًا أن هذه نزلت بعد هذه، وهذه نزلت بعد هذه، ما ذكر دليلًا. الطالب: (...). الشيخ: ما يثبُت؛ لأن الزهري من التابعين، مرسَل. طالب: «وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ». الشيخ: «وَدُنْيا مُؤْثَرَة». الطالب: «وَدُنْيا مُؤْثَرَة» (...) ودع الناس. الشيخ: «فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَوَامِ». الطالب: (...). الشيخ: نقول: عليك بخاصَّة نفسك، ومن خاصَّة نفسك: أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ [المائدة: ١٠٥] متى؟ الطلبة: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. الشيخ: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، نعم إذا رأيت ألَّا تدعَ نفسَك ملاحقة الناس والاشتغال بهم عن دينهم، ولكن هل هذا الحديث الآن منطبق؟ «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ» ينطَبِقُ على وقتِنا الحاضِر؟ طلبة: نعم (...). الشيخ: كيف؟ طالب: الشح. الشيخ: الشح مطاع؟ طالب: (...). الشيخ: عند كل حد؟ الطالب: ما هو كل أحد. الشيخ: عند الغالب؟ الطالب: عند الغالب. الشيخ: يعنى معنى ذلك أنه إذا أمرته نفسه بشيء أطاعها. طالب: (...) يتبعون أهواءهم. الشيخ: وهوى متبعًا واضح. طالب: (...). الشيخ: لكن، نطبق الحديث على الواقع الآن، هل الشح المطاع؟ أنا أظن مثلما قلتم: إن الشح المطاع عند أكثر الناس الآن وارد، وهوى متبعًا أيضًا ورادة. طالب: كلهم. الشيخ: «ودنيا مُؤثَرَة»؟ طالب: (...). الشيخ: «وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ». طالب: واردة عند الاختلاف. طالب آخر: هذا كثير يا شيخ. الشيخ: هذا كثير صحيح، لكن الكلام على الغالب. طالب: في الغالب يقال.. طالب آخر: (...). الشيخ: لا في الغالب، على كل حال، فعليك بخاصَّة نفسك (...).
طالب: طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الشعراء: ١ - ١٤]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدَّم أن الله سبحانه وتعالى يبتدِئُ بعضَ السُّوَرِ بالحروف الهجائية، فهل لهذه الحروف معنى؟ طالب: الله أعلم بمرادها. الشيخ: نعم، أقول: ما نفهم اللغة العربية. طالب: يعني: هل لها حكمة؟ الشيخ: لا، (...) وهل لها يعني حكمة في..؟ طالب: (...). الشيخ: قوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء: ٢] الإشارة بصيغة البعد؛ لعلو شأنه..؟ طالب: ومرتبته. الشيخ: ولماذا سُمِّيَ كتابًا؟ طالب: لأنه مكتوب في المصاحف. الشيخ: طيب، ويش بعد؟ كتابته في اللوح المحفوظ، كتابته بين الناس كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٤]. والْمُبِينِهنا بمعنى؟ طالب: البين والمظهر. الشيخ: وإن احتملتهما. الطالب: (...) أنه.. الشيخ: أي؟ الطالب: أنه يشمل الأمرين. الشيخ: المظهر يعني. قوله تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الشعراء: ٣]، (لعل) ويش معناها؟ الطالب: هنا أي: لا تأسى عليهم. الشيخ: أي؟ الطالب: للإشفاق. الشيخ: للإشفاق، نعم؛ أن الله يُشْفِقُ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم أن يُهلِكَ نفسَه بعدم إيمانهم. في هذه الآية لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الشعراء: ٣]. طالب: (...). الشيخ: لا تكون مخلوقةً، مثل القرآن ما هو مخلوق، ولَّا نعم مثل الشمس والقمر مخلوقات. طالب: على مَنْ أوجدها؟ الشيخ: يعني: الآية هي العلامة، لكن أهم شيء عندي أن نقول: الخاصة، أو المعجزة مثلًا؛ لأن علامةَ الشيء معناه ما يختص به، لو كان هذا الشيء ما يختص بالله ما صار آية له، فالآية هي العلامة الخاصة التي لا تكون لغير مَن كانت له. فالشمس والقمر ما يمكن أحد أن يأتي بمثلهما، والقرآن ما يمكن أحد يأتي بمثله. طالب: نقول: الآية هنا بمعنى أيش؟ الشيخ: العلامة الخاصَّة لمن كانت له بحيث لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها، سواء كانت كونية أو شرعية، وكذلك في الآية هذه أن جميع آيات القران معجزات، ولو كانت آية واحدة فإنها معجزة، قد تكون معجزة بذاتها، وقد تكون معجزة بسياقها؛ لأنه مثلًا: ثُمَّ نَظَرَ [المدثر: ٢١] قد لا يستطيع أحد أن يقول: إنها معجزة، وأن كل إنسان يمكن يأتي بكلمة ثم نظر، لكنها معجزة في سياقها، وفي موضعها. فالآيات حقيقة كما قلنا هي حروف من كلمات الناس، وهذه الحروف ليست معجزة؛ لأنها من كلامهم، يستطيعونها، لكن مكانها وسياقها، وما تدل عليه هذا هو المعجز. طالب: (...). الشيخ: معلوم هذا، لا (...)؛ لأنَّ معنى ذلك أنه في استطاعة الإنسان أن يفعل لولا المانع، وهذا ما يسميه العلماء مذهب أهل الصِّرْفة الذين يقولون: إن الناس مصرفون عن معارضة القرآن، لا عاجزون. وفرق بين مَنْ يقول باستطاعته أن يفعل لولا المانع، وأن نقول: ليس باستطاعتهم أن يفعلوا، وأيهم أبلغ؟ الأخير؛ ولهذا مذهبُ الصِّرْفة يقول العلماء: إنه مذهب باطل، وأنه ليس باستطاعة أحد أن يفعل أبدًا. طالب: (...). الشيخ: إي معلوم، ولا (...). طالب: (...) هل ينقل على حقيقته (...)؟ الشيخ: كيف يعني؟ الله سبحانه وتعالى يُعَبِّر عنه، لا بلفظه. طالب: يعني ليس هذا لفظه؟ الشيخ: ليس هو لفظه حقيقة، ولهذا مثلًا كلام موسى باللغة العبرية، وكلام فرعون باللغة القبطية، وما أشبه ذلك، ثم إنَّ الكلمات أيضًا تختلف يعني نفس الآيات تُنْقَل مرة كذا، ومرة كذا، الله يعبِّر ويكون السياق هو الذي يقتضي هذا التعبير دون ذاك.
تفسير الآية (٤)
٠٠:٤٨:٤٢
قال الله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْبمعنى المضارع أي: تظل، أي: تدوم أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَفيؤمنون).
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ [الشعراء: ٤] (إن) الشرطية، فعل الشرط (نشأ)، وجوابه (ننزل)، وفي الإتيان بهذه الصيغة (نشأ.. ننزل) فيها من تعظيم الله سبحانه وتعالى لنفسه ما لا يخفي؛ لأنه جعل الأمر هنا يسيرًا عليه إذا شاءه، وأنه سبحانه وتعالى بإرادته لم يفعَلْ، ثم الإتيان بنون العظمة هو تعظيم آخر أيضًا، فالله تعالى ما قال إذا شئنا نزَّلْنا إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ. وقوله: مِنَ السَّمَاءِ آيَةًأي: علامة، وهذه العلامة لا شك أنه لا يمكن لأحدٍ أن يأتي بمثلها كما أشرنا إليه قريبًا، ثم إنها علامةٌ أيضًا ليست على قدرة مَنْ هي له، أو على انفراده بالخلق، ولكنها آية أيضًا على أنهم لم يؤمنوا، وعلى تهديدِهم بالوعيد؛ ولهذا قال: فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء: ٤] لا تستطيع أن تمثِّل هذه الآية؛ لأن الله تعالى نكرها، فهي آية ليست معلومة لنا؛ لأن الله لم ينزلها، لكنها آية تسمعهم؛ ولهذا قال: فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا. وقوله: مِنَ السَّمَاءِهل المراد بها السقف المحفوظ أو المراد بها العلو؟ محتمل هذا وهذا، يحتمل أنه العلو يعني: من العلو، ويحتمل أن المراد به السقف الذي هو على الأرض، وأيًّا كان فإن إتيان الشيء من فوق أبلغ في التهديد؛ لأن من فوقك فقد علاك، ومَن علاك فلا طاقة لك به، بخلافِ من كان بحذائِكَ فقد تفر، وقد تناضل لكن المشكل إذا جاء الأمر من فوق. وقوله: فظَلَّتْيقول: (بمعنى المضارع، أي: تظل)، وإنما قال المؤلف: بمعنى المضارع؛ لأن قوله: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْمضارع. فظَلَّتْالذي يناسب أن يكون مضارعًا، لكنه عُدِلَ عنه لبيان أنه كالأمر الواقع؛ مثل قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] مع أنه سيأتي. فالمعنى: فإذا نزلت بهم ظلت أعناقهم لها خاضعين. وقوله: أَعْنَاقُهُمْ لَهَاأي: لهذه الآية، فيحتمل أن تكون اللام هنا للتعدية أي: خاضعين لها، أو للتعليل أي: من أجلها. وقوله: خَاضِعِينَأي: ذليلين، عندي أنا، (ولَمَّا وُصِفَتْ الأعناقُ بالخضوع الذي هو لأربابها جُمِعَتْ الصفةُ منه جمعَ العقلاءِ). المراد بـ(الصفة منه) هنا الخبر خَاضِعِينَ، والخبر صفة في المعنى، وإن كان في الإعراب لا يُسَمَّى صفة، لكنه في المعنى صفة، وهنا أَعْنَاقُهُمْالمعروف الكثير في اللغة العربية أن تقول: خاضعة، أعناقهم لها خاضعة، مثل خاشعة أبصارهم، لكنه لما كان الخضوع من أوصاف العقلاء لا من أوصاف غير العاقل، وكذلك الخضوع من أوصاف العقلاء، جُمِع جمع عاقل؛ لأن جمعَ المذكر السالم يختص بالعقلاء؛ فجُمِعَت جمع العاقل لهذا السبب. ولا يمكن أن نقول أَعْنَاقُهُمْ لَهَاإن (لها) هي الخبر، فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَاهي الخبر، وتكون خاضعين حالًا من الضمير المستتر في الخبر، نقول: هذا بعيد؛ لأن ما معنى: (ظلت أعناقهم لها)؟ ليس لها معنى، فإذا قال إنسان: ربما يكون التقدير ناظرة لها، ظلت أعناقهم ناظرة لها.
قلنا: رَدُّ هذا بأن يقال: إن المتعلَّقَ إذا كان خاصًّا فإنه لا يُحذَف، وإنما يُحذَف إذا كان عامًّا؛ يعني: تقديره: كائن أو مستقر، هذا الذي يُحْذَف، أما إذا كان خاصًّا كراكب، وجالس، وما أشبه ذلك فإنه لا يُحْذَف. ثم في هذه الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: إِنْ نَشَأْ. وفيه: إثبات القدرة؛ لقوله: نُنَزِّلْ. وفيه: التهديد لهؤلاء المكذبين؛ لقوله: فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ. وفيه: دليل على أن الأسباب مؤثرة؛ لأنها إذا نزلت الآية خضعوا، وهذا دليل على ثبوت الأسباب وأنها مؤثرة. وفيه: دليل على إثبات الحكمة؛ لأن الله لم ينزل هذه الآية؛ لأنه لو أنزلها لكان الإيمان اضطراريًّا، والإيمان الاضطراري لا مدح فيه ولا ثناء، بل ولا ينفع صاحبه، ولهذا إذا آمن الإنسان عند ملاقاة الموت ما نفعه، وبعد طلوع الشمس من مغربها ما نفعه، ما ينفع إلا إذا كان الإيمان اختياريًّا، ولما نطقَ الله الجبلَ فوق بني إسرائيل آمنوا، ولكن هذا الإيمانَ لا شكَّ أنه ضعيف؛ لأنه إيمان اضطراري؛ فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يُنزِل هذه الآية ليكون الإيمان عن اختيار، لا عن اضطرار. طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: (...). الشيخ: (...)؛ لأن نزول الآيات من عنده ما يدل على أنه (...)، قال: من السماء لو قال: من عندنا، لا بأس؛ النزول من السماء لا يقتضي أن يكون الله فوق. طالب: هل تنكير الآية يدل على عظمتها؟ الشيخ: إي نعم، العظمة من هي له، وعلى تعظيم الآيات نفسها؛ ولهذا تظل أعناقهم لها خاضعين.
تفسير الآية (٥)
٠٠:٥٦:٢٦
وفي هذا يقول: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍقرآنٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍصفة كاشفة إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ). (ما) نافية بدليل قوله إِلَّا كَانُوا، وهذا الاستثناء مُفرَّغ من عموم الأحوال؛ يعني: ما يكون لهم من أيِّ حالة من الأحوال سوى الإعراب. وقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ(من) زائدة إعرابًا للتوكيد، والتقدير: ذكرٌ. وقوله تبارك وتعالى: مِنْ ذِكْرٍالمؤلف قال: (قرآنٍ)، وسُمِّيَ القرآنُ ذكرًا؛ لأن به التَّذَكُّر والتذكيرُ أيضًا، فهو تذكير من الله، وتَذَكُّرٌ من سامعه، ولهذا سمي ذكرًا، ووُصِف القرآن مرة ثانية بأنه ذِي الذِّكْرِ [ص: ١]، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩]، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ص: ١]، فمرة جعله ذكرًا، ومرة جعله ذا ذكرٍ، ولا فرق بينهما في الواقع؛ لأنه ذكرٌ بنفسه وتذكير، ولأنه ذو ذِكْرٍ، أي: ذو تذكُّرٍ، فمنْ قرَأَه وحفظه وتدبره تذكَّرَ به وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ١٧]. طالب: ما يكون مشتمل للذكر. الشيخ: كيف مشتمل للذكر؟! مشتمل على الذكر يعني؟ ويش معنى مشتمل عليه؟ الطالب: فيه آيات فيها تذكرة. الشيخ: لا، حتى ولو كان فالمقصود به التذكرة نفسها، المقصود أنه ذِكْرٌ مُذَكِّر، ويتذكَّر به من تلاه. وقوله: مِنَ الرَّحْمَنِ [الشعراء: ٥]، والآية الأخرى مِنْ رَبِّهِمْ [الأنبياء: ٢]، فَذِكْرُ الرحمن هنا إشارة إلى أن نزول هذا القرآن وإتيانه من مقتضى رحمة الله، وأن الله سبحانه وتعالى رَحِمَ العبادَ بهذا القرآن، وهذا كقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] إلا رحمةً منا للعالمين، وليس المعنى كما يفهم كثيرٌ من العوام إلا رحمة؛ يعني: أنك أنت الرحمة، لا، يعني: وما أرسلناك إلا لنرحم العباد، هذا المعنى، وليس هو نفسه رحمة، كما يقول أهل الغلو بالنبي صلى الله عليه وسلم والجاهلون أيضًا. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ [الشعراء: ٥] يقول: (صفة كاشفة)، والصفة الكاشفة هي التي تبيِّنُ الواقع، ولا تُقيِّد الموصوف؛ لأن الصفات -كما تعرفون- منها صفة مقيِّدة تخرج ما سواه، ومنها صفة كاشفة تبين حقيقة أمره، فهنا يقول المؤلف: إن كلمة مُحْدَثٍصفة كاشفة؛ لأن القرآن ما يأتيهم من ذكر محدث، كلمة مَا يَأْتِيهِمْتدل على محدث فلا مفهوم لها؛ لأنه إذا كان يأتيهم، وجب أن يكون مُحْدَثًا؛ لأن بإتيانه إياهم صار محدثًا؛ ووجه ذلك ظاهر أنها صفة كاشفة؛ لأنه لو كان غيرَ مُحْدَثٍ ما صحَّ أن يقول: وما يأتيهم إذ هو آت من الأصل. وقوله: مُحْدَثٍهل ظاهر الآية الكريمة أنَّ المحدثَ هو الذكر نفسه، فيكون في الآية دلالة على أن الله تعالى يتكلم بالقرآن حين إنزاله. وأنه ليس كما رُوِيَ عن ابنِ عباس: أنه نزل إلى بيت العزة من اللوح المحفوظ، وإنما يتكلم الله تبارك وتعالى به حين إنزاله.
وقيل: مُحْدَثٍ إنزاله، فـمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍإنزالُه، فلا تكون الصفة هنا حقيقية، وإنما هي صفة سببية؛ لأن الموصوف بها حقيقة ليس الذكر، بل هو الإنزال، إذا قلنا: محدث إنزاله.
مثلما إذا قلت: مررت برجل قائمٍ أبوه، فقائم هذه صفة من حيث الإعراب لرجل، لكن من حيث المعنى صفة لأبيه، وهذا الوصف على هذا الوجهِ يُسَمَّى بالنعتِ السببيِّ، فعلى القول بأن المراد محدث إنزاله يكون النعت هنا سببيًّا، لا حقيقيًّا. ولكن إذا دارَ الأمرُ بين أن يكونَ النعتُ صفةً حقيقية، أو صفة سببية فالواجب أن يكون صفة حقيقة؛ لأنَّ الصفة السببية تحتاج إلى تقييد، وكل ما يحتاج إلى تقييد يحتاج إلى دليل، فهنا نقول: إذا قلنا: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍإنزاله، خرجت عن ظاهر اللفظ؛ لأنَّ ظاهرَه مُحدَث هو، أي: القرآن نفسه، ثم إنَّ (محدَثٍ إنزاله) لا معنى لها في الواقع بعد قوله: وَمَا يَأْتِيهِمْ؛ لأنه ما يمكن يأتيهم إلَّا وإنزاله مُحدَث؛ لأن (أتى) معناه حدث. فعلى هذا نقولُ: الصوابُ أنَّ المراد بالمُحدَث نفس الذكر، وليس إنزالَه. قال: إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَعَنْهُجار ومجرور متعلَّق بمعرضين، ومعرضين خبر كان، وفائدة تقديمه عليه هنا لفظية ومعنوية؛ أما اللفظية: فمراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات. وأما المعنوية: فلإفادة الحصر، كأنه يقولُ: ما تكون حالهم إلا الإعراض عنه دون غيره، يعنى: عنه فقط وحده معرضين، وهذا أبلغ في الذم مما لو قال: إلَّا كانوا معرضين عنه؛ لأنه يحتمل أن يعرضوا عنه وغيره، ولكنه لما قال: عَنْهُ مُعْرِضِينَكأنهم لا يتَّصفون بالإعراض إلا عن هذا الذكر. ففائدة تقديمها إذن.. طالب: مراعاة (...) معنوية ولفظية. الشيخ: طيب. الطالب: (...) الفواصل (...) المعنوية. الشيخ: إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَهذا الإعراض معنويٌّ أو حسي؟ الجواب: يشمل الأمرين؛ فهم معرضون وإن حضروا بأبدانهم، ومعرضون أيضًا بأبدانهم يقومون عنه؛ وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦] فهم معرضون -والعياذ بالله- بقلوبِهم وأبدانهم. قال الله تبارك وتعالى: (فَقَدْ كَذَّبُوابه). طالب: (...). الشيخ: فَقَدْ كَذَّبُوا، لكن المؤلف يقول: (به)، أي: بهذا الذكر، والجملة محققة بـ(قد)، والمعنى أنه مع وضوح كون هذا الذكر من الرحمن ما انتفعوا به، بل كذَّبوا به، والتكذيبُ به يَعُمُّ التكذيبَ به رأسًا؛ بأن يقولوا: إن هذا ليس القرآنَ مِن الله كما قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣]، أو التكذيب ببعضِ الآيات منه، كما لو كذَّبوا بقصة أحد الرسل، أو بقصة قصها الله تعالى على أحد؛ كالذي مر على قرية، وما أشبه ذلك. فهو إما أن يكون التكذيبُ به رأسًا، فيقال: أنت لا يوحى إليك، وهذا القرآن ليس بوحي، أو التكذيب ببعض الآيات التي جاءت في هذا، فكلُّه تكذيب. والتكذيب أبلغ من الإعراض؛ لأن الإنسان قد يُعرِضُ تهاونًا، وتكاسلًا، ولسبب من الأسباب ولا يكذِّب، لكن المكذِّب أشدُّ؛ لأنَّ المُكذِّب لا يمكن أن يُقبِل، وكيف يُقبِل على أمر يعتقده كذبًا؛ ولهذا قال: إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا [الشعراء: ٥، ٦] ما قال: فقد أعرضوا قال: فَقَدْ كَذَّبُوا، وهذا شاملٌ للإعراضِ ولا عكس.
تفسير الآية (٦)
٠١:٠٧:٠٥
(فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُعواقِبُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) الفاء عاطفة، وتفيدُ الترتيب، والسين تفيدُ التقريب أيضًا، المعنى: فبسبب تكذيبهم سيأتيهم عن قُرْبٍ. وأنباء بمعنى أخبار فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَالأنباء جمع نبأ، وهو الخبرُ من الأمور الهامة، والمراد بالخبر هنا: العواقِبُ كما قال المؤلف: (العواقب)؛ لأنَّ العواقب أخبار في الحقيقة. فمثلًا في القرآن أنَّ الله تعالى ينصُر رسولَه ويهلك المكذبين، هذه أنباء هي في الحقيقة ستكونُ عواقبَ سينتصرُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وسيهزم أعداؤه، وهذه هي الحقيقة وهي العاقبة. وقوله: مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَيَسْخَرون، وتقديمُ المعمول في قوله: بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ؛ للفائدتين السابقتين اللفظية والمعنوية. وقوله: مَا كَانُوا بِهِهذه يحتمل أن تكون مجردة عن الزمان؛ أي: ما يستهزِئون به، ويحتمل أن تكونَ من الزمان، أي: ما كانوا في الماضي يستهزئون به عند وقوع العاقبة، فإنَّ استهزاءهم به سابق لهذه العاقبة، ولكن الظاهر أنها مجردة عن الزمان، وهو غالب ما تأتي (كانوا). إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَأي: يسخرون ويضحكون منه، والتكذيب بالشيء الحقِّ نوع من الاستهزاء به؛ لأنه مثلًا إذا كان فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وخبر واستخبار، وإرشاد وتوبيخ، ثُمَّ كُذِّب به معناه أنه يستهزِئ به، وبأحكامه، وبأخباره، وبما تضمنه من هذه الأمور. طالب: (...). الشيخ: نعم. الطالب: ما الفائدة؟ الشيخ: الفائدة يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى؛ فإذا وجدْتَ في الكلمة حروفًا زائدة فمعنى ذلك أن هناك معان زائدة، والزيادة هنا للمبالغة؛ مثل: استكبر وتكبر، استكبر أبلغ من تكبر، وهنا استهزَأ أبلغ من هَزِئ به؛ فلذلك نقول: السين والتاء هنا للمبالغة. قال الله تعالى مبينًا دليلًا واضحًا على آياته: (أَوَلَمْ يَرَوْاينظروا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَاأي: كثيرًا أنبتنا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍنوع حسن).
تفسير الآية (٧)
٠١:١٠:٥٤
{أَوَلَمْ يَرَوْا} يعني هؤلاء المكذبين، و يَرَوْايقول المؤلف: (ينظروا)، فجعلها من الرؤية الحسية، لا من الرؤية العلمية، وقد سبق لنا مثل هذا، وقلنا: إنها تحتمل المعنيين الرؤية الحسية إذا نظر بعينه هو، والعلمية إذا عَلِمَ بذلك من غيرِه؛ لأنَّ فيه أشياء ما نعلمها مما ينبت في الأرض، يعني: ما نراها، ولكننا نخبر بها، فالأولى أن يقال: إنه شامل لنظر العين، والنظر بالقلب اللي هو العلم. إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَايقول المؤلف: (أي كثيرًا)، و(كثيرًا) هذه تفسيرٌ لـ(كم)، يعني: فهنا (كم) تكثيرية، المعنى: كثيرًا أنبتنا فيها. مثل قوله تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة: ٢٤٩]، أي: كثيرًا من فئة قليلة تغلب الفئة الكثيرة. وقوله: كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍأضافَ الإنباتَ إليه تبارك وتعالى؛ لأنَّه هو الفاعلُ حقيقة، وإذا أضيف الإنبات إلى المطر فإنما ذلك؛ لأنه سبب. وقوله: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍأي: صنف، والكريمُ في الأصل كثير البذل، ولكنه يُطْلَق أحيانًا على الحَسَنِ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أي حَسَنها، وليس المعنى كرائهما التي تعطي كثيرًا؛ لأنها لا تعطي بهائم، ولكن يراد بها الحسنة، فهنا الكريم نقول: الحسن. والزَّوج بمعنى: الصنف والنوع، هذه الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة تدل على قدرة خالقِها تبارك وتعالى، وعلى فضلِه وإحسانه، وعلى حكمتِه، فانظر إلى الأرض وفيها هذا النبات تجده مختلفًا في حجمه، ومختلفًا في لونه، ومختلفًا في نفعه، ومختلفًا من جميع الوجوه، والأرضُ واحدة، والماء واحد، بل أحيانًا تجدُ النوع الواحد من هذا النبات يختلف؛ كما إذا نظرنا إلى البُر، البُرُّ نوع واحد بالنسبة للحبوب، ومع ذلك يختلِفُ، وإذا نظرنا أيضًا إلى النَّخْل وجدناه يختلف، وإذا نظرنا إلى البطيخ وغيره نجده مختلفًا، مما يدل على كمال قدرة الله تبارك وتعالى كما قال الله تعالى: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: ٤]، الماء واحد والأرض واحدة تأخذ من هذا شيئًا تذوقه وإذا هو مُرٌّ، وتأخذ من هذا تذوقُه وإذا هو حلو، مع أن الأرض واحدة والماء واحد، ولكن هذا هو قدرة الله تبارك وتعالى التي يَستدل بها الموفَّقون على كمال قدرته.
تفسير الآية (٨)
٠١:١٥:١٢
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةًدلالة على كمال قدرته تعالى وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ). يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً، كيف نُصِبَت آية؟ طالب: (...). الشيخ: اسم (إن)، وين خبرها؟ الطالب: في ذلك. الشيخ: في ذلك. الطالب: (...). الشيخ: والخبر، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً؛ في ذلك المذكور من الإنبات، ومن الأنواع، ومن الحسن، فتكون آية هنا بمعنى آيات. و(آية) يقول: دلالة على كمال قدرة الله، صحيح هذا أبرز ما فيها القدرة، لكن فيها أيضًا من الآياتِ دلالة على الحكمة البالغة في تنويع هذه الأشياء واختلافها، فإنه لحكمة أرادها الله تبارك وتعالى، فالقدرة -مثل ما قال المؤلف- هي أبين ما يكون في هذه النبات من آيات الله سبحانه وتعالى، لكنها أيضًا على أمور أخرى أيضًا. وقوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٨] قال المؤلف: (في عِلْمِ الله) يقْصِدُ (كان) وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ؛ لأنهم إلى الآن ما آمنوا، ليس معناه أنهم لم يكونوا مؤمنين فيما سبق، والآن هم مؤمنون، فيقول المؤلف: (في علم الله)، ما كانوا في علم الله، ولكن قال: (وكان قال سيبويه: زائدة)، و(كان) وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَزائدة، وهذا إدخال من المؤلف لقولٍ في قول؛ لأنَّ الذي يقول: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، إن (كان) زائدة، ما يقول في علم الله، وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَيعني: حسب الواقع والحال، لا، أما الذي يقول: إنها في علم الله ما يحتاج إلى كونها زائدة، واللي يقول: إن كان فعل ماض على حقيقتها، يحتاج إلى أن يقول في علم الله. ولكننا نتخلص من هذا كله بأن نقول: إن المراد بـ(كان) هنا مجرد الحدث، الدلالة على الحدث فقط، فهي مجردة عن الزمان، وإذا كانت مجردة عن الزمان ما نحتاج أن نقول: إنها زائدة، ولا نحتاج أن نقول: في علم الله. نقول: الواقع أن أكثرهم ليس بمؤمن، وما أكثرهم بمؤمنين. وقوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ. طالب: (...). الشيخ: ما يتوجه على كلام الشارح إلا أن يكون قولًا آخر؛ لأنك إذا قلت: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَفي علم الله، ما يصح أن تقول: (كان) زائدة. طالب: (...) وقال سيبويه. الشيخ: (...). طالب: وقال سيبويه (...). الشيخ: لا، يعني: يقول: وقال سيبويه (...)، لكن لما قال: (وكان قال سيبويه) يعني: معناه أنه كلام مفرَّع على ما قبله.
المهم أن سيبويه يرى أنها زائدة، والمؤلف يرى أنها أصلية لكن باعتبار علم الله، ونحن نقول: إنها أصلية مجردة عن الزمان، بل للدلالة على الحدث فقط. وقوله: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَفيه دليل على أن بعضهم مؤمن، وهو كذلك، فإن بعضهم مؤمن وآمن بالفعل.
تفسير الآية (٩)
٠١:١٩:٤٠
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: ٩] وَإِنَّ رَبَّكَالرُّبوبية هنا خاصة؛ لأن الله تعالى رب النبي صلى الله عليه وسلم وغيره لكنه للعناية به صلى الله عليه وسلم، وبيان أنه لن يخذُلَه مع هذا التكذيب، بل لا بد أن يتولاه بعنايته وربوبيته الخاصة. وقوله: (لَهُوَاللام للتوكيد، الْعَزِيزُذو العزة ينتقم من الكافرين الرَّحِيمُيرحم المؤمنين). لَهُوَ الْعَزِيزُذو العزة، والعزة بمعنى الغلبة، يقال: عزَّ بمعنى غلب وقهر، وقد قالوا: إن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. فمعنى عزة القدر: أنه سبحانه وتعالى عزيز لا يبلغ أحد قدره. وعزة القهر: عزيز لا يقهر، بل هو الغالب. وعزة الامتناع: أنه سبحانه وتعالى ممتنع عليه النقص بأي وجه من الوجوه؛ عبارة عن القوة، ومنه: الأرضُ العزاز، العزاز يعني الصلبة القوية. على كل حال، العزة بجميع أنواعها؛ هذه الثلاثة كاملة لله تبارك وتعالى، ومِن عزَّتِه أخذ المكذبين؛ ولهذا قال المؤلف: (ينتقم من الكافرين)، وهذا يعود إلى أي أنواع الثلاثة؟ طالب: إلى عزة القهر. الشيخ: إلى عزة القهر. (الرَّحِيمُيرحَمُ المؤمنين)، ولو أنَّ المؤلفَ أبقاها على عمومها لكان أولى، لكنه لما قال الله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣] أخذ المؤلف يُقَيِّد كلمة الرحيم بالمؤمنين، ولكن ينبغي أن يكون عامًّا؛ لأن عزته لا تقتضي انتقامه، بل قد يمنعُ الانتقام هذه الرحمة التي تُختص به، فالجمع هنا بين العزة والرحمة بين هاتين الصفتين للتَّناسُبِ البالِغ؛ لأن من اجتماعهما يحصُل كمالٌ، فهو بعزته ذو رحمة؛ لأن لو قارنَّا بين العِزَّة والرحمة في صفات المخلوقين لوجدنا أنهما لا يجتمعان في الغالب، وأنَّ العزيز الذي يرى نفسه قاهرًا في الغالب لا يكون فيه رحمة، فاجتماع الصفتين يحصل بهما كمالٌ على الكمال؛ عزة ورحمة، ثم اجتماعهما كمال، سيكون مع العزة رحيمًا، لا يؤاخِذُ ولا ينتقم؛ ولهذا لم يعجل الله سبحانه وتعالى العقوبة للظالم، ولكنه بحكمته يُمْلِي له حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه. طالب: هو ضمير فصل؟ الشيخ: إي نعم، هو ضمير فصل. طالب: اللام. الشيخ: اللام للتوكيد. طالب: عزة الامتناع، أيش معناها؟ الشيخ: عزة الامتناع معناها أنه يمتنع عليه النقص. طالب: (...) القدرة. الشيخ: الله أعلم، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل بعد الموت لغة عربية؛ لأنه في الآخرة الظاهر أنَّ اللسان عربي، مثلما جاء في الحديث: «إِنَّ لِسَانَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» والظاهر، والله أعلم أنه في الآخرة يكون عربيًّا؛ ولهذا أخطأ من قال: إن الملكين يسألان الميت باللغة السريانية، والظاهر من هذا أنه مُتَلقى من النصارى بالذات؛ لأن هي لغة الإنجيل زعموا أن الملكين يسألان المرء عن ربِّه ودينة بالسريانية، (...) باللغة العربية. طالب: (...) يريدون (...). الشيخ: ما أدري، ما ذكرها (...). طالب: (...). الشيخ: الحديث ضعيف، لكن المعنى يشهد له؛ لأن غالبَ أهلِ الجنة من هذه الأمة من المسلمين، إما أن يقال: القرآن اللي هو أشرف الكتب المنزلة هو باللسان عربي (...).
تفسير الآيات (١٠-١٧)
٠١:٢٤:٥٤
الطالب: قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ [الشعراء: ١١ - ١٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الشعراء: ١٠] في القرآن الكريم يُكْثِر الله تبارك وتعالى من ذكر قصة موسى، وما جرى له مع فرعون، ومع بني إسرائيل؛ وذلك ليستعدَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لليهود الذين في المدينة حتى يعرف من أمرهم ما لم يكن معروفًا عنده؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا بَعَث أحدًا أخبره بحالِ المبعوثِ له، كما قال لمعاذ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ» ليستعد لهم. وقد كرر الله تعالى قصة موسى مختصرة، ومبسوطة لهذا الغرض لُيبيِّن حال هؤلاء اليهود الذين هم (...)، أو الذين هم من سكان دار الهجرة. وفي درس أمس بيَّن اللهُ تبارك وتعالى أنَّ المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ [الأنبياء: ٢]. وسبق البحثُ في قوله: مُحْدَثٍ، ما المراد بذلك؟ يعني: قيل: المراد بـ(محدث) أي: إنزاله، أو محدث هو أي: الذكر، وأيهما أرجح ؟ الطالب: الأرجح أنه الذكر. الشيخ: الجواب الثاني. الطالب: الجواب الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه مُحدَث إنزاله (...)، قوله: وما يأتيهم (...). الشيخ: (...) بيان على إحداث النزول. وأيضًا إنه لو كان الثالث لكان النعت سببيًّا؛ يعني: الموصوف به غير (...)، والأصلُ خلافُ ذلك، الأصل أن يكون النعتُ حقيقيًّا، (...)، بل لما يتصل به، والأمرُ ليس كذلك. تقدَّم أن المراد بالأنباء هنا العاقبة؛ لأنهم أُنْبِئوا بها، فالمراد بإتيان النَّبأ إتيانُ المنبأ به، وهو العاقبة. وسبق أيضًا أن الله تعالى..