تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الزخرف - ٥

درس صوتي · ٦٣:٣٢

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

{لَمَا} فيها قراءتان: الأولى التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية {لَمَا} بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَةً من الثقيلة، بمعنى (إنَّ) وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كلُّ ذلك لمتاع الحياة الدنيا. المؤلف رحمه الله دمج القراءتين ولكن هذا هو التفصيل. كيف التفصيل؟ طالب: إن كانت (لَمَّا) مشددة تكون (إِنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. الطالب: إن كانت مخففة تكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة. الشيخ: تكون مخففة من الثقيلة، فهي حرف توكيد و(ما).. طالب: و(ما) زائدة. الشيخ: و(ما) زائدة، والتقدير: وإن كل ذلك لمتاع الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة. (متاع الحياة الدنيايُتَمَتَّع به فيها ثم يزول، وَالْآخِرَةُالجنة عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) الآخرة، لو قيل: كل الآخرة: الجنة، وعرسات القيامة، وسلامتهم من شدة هول القيامة، وغير ذلك، لكان أعم، فصارت الدنيا للكُفَّار مهما أُعْطوا فإنه نعيمهم، والآخرة للمتقين جعلنا الله وإياك منهم. واعلم أن هذا الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغَتْ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغَتْ من الجحيم فإنها جنة الكافر. اسمع القصة، ماذا قلنا؟ طالب: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما بلغ من النعيم فإنها سجن المؤمن، ومهما بلغ من العذاب فإنها جنة الكافر. الشيخ: هذه قِصة ذكرها العلماء في ترجمة ابن حجر رحمه الله، وكان ابن حجر قاضي القضاة في مصر، فمرَّ ذات يوم من بيته إلى مَقرِّ عمله على العربة تجرها الخيول أو البغال في موكب؛ مَرَّ ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني: يبيع الزيت- فاستوقف اليهودي قاضي القضاة، وقال له: إنَّ نبيَّكم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، كيف يتفق هذا مع حالي وحالك؟ أنت الآن في نعيم، تَجُرُّك الخيول، ولك جاه وشرف ومنزلة، وهو اليهودي بهذا الذُّلِّ ثيابٌ وَسِخَة وتعب، كيف هذا؟ أتدرون، ماذا قال؟ قال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة لنعيم الجنة سجن؛ لأن نعيم الجنة أعلى وأعلى من هذا، أما بالنسبة لك فأنت في جنة بالنسبة لعذاب النار؛ لأنك إن مت على اليهودية فأنت في النار، ويُعْتَبر ما هو فيه الآن اليهودي يعتبر جنة، اليهودي -فيما يبدو لي، والله أعلم- أنه يَنْشُد الحقيقة، يريد الحقيقة، فلما بيَّن له ابن حجر هذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، سبحان الله! الإنسان العاقل الذي يريد الحقيقة لا بد أن يهتدي. المهم يقول عز وجل لما ذكر هذه الأشياء: لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: ٣٣] إلى آخره، قال: ما هذا إلا متاع الحياة الدنيا، شوف متاع كالمتاع يحمله المسافر وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٣٥]؛ لأن الدنيا مهما طالت بالإنسان الحياة فلا بد من الزوال، إما أن تزول الدنيا عنه، وإما أن يزول هو عن الدنيا، وبهذا قال الشاعر:

لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً

لَـــــذَّاتُـــــهُ بِادِّكَارِ الْمَـــــوْتِ وَالْهَـــــرَمِ

صحيح الإنسان إذا تذكر، وإذا مآله: إما موت مبكر، وإما هرم مخرِّف. الآن يوجد الذين بلغوا عُمُرًا طويلًا ووصلوا إلى حدِّ الهذْرمة، هم بأنفسهم متضايقون وأهلوهم أيش؟ متضايقون، تجد الإنسان يتضايق من أبيه وأمه، وإن كان المؤمن يصبر، لكن لا بد أن يتضايق، أو موت عاجل وينتهي الموضوع، هذا حال الدنيا في الواقع، ولذلك الغنيمةَ الغنيمة، بادر العمر قبل فواته، اعمل صالحًا، وطلب العلم من أفضل الأعمال، بشرط أن يكون العالم عاملًا، أما علم بلا عمل فالجهل والله خير منه. طالب: أحسن الله إليكم، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الآية لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢]، لماذا لا يحتمل المعنيين: السخرية، وأيضًا المعنى الآخر؟ الشيخ: وهو؟ الطالب: السخرية وأيضًا.. الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنَّ اختلاف الطبقات ليس من أجل أن يستهزِئ بعضُهم ببعض، لكن من أجْل أن يُسَخِّر بعضُهم بعضًا بالعمل، ولا يمكن أن الله عز وجل بحكمته يجعل الطبقات مختلفة علشان يستهزئ بعضهم ببعض. طالب: قول الله عز وجل: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: ٣٣] إلى أن قال: وَزُخْرُفًا [الزخرف: ٣٥] هل قوله: وَزُخْرُفًايشمل ما شمله الفضة؛ يعني يجعل البيوت..؟ الشيخ: المهم أنه ذَهَبٌ سواء كان سقفًا أخرى ذهبًا، أو تماثيل ذَهَبٍ، أو غير ذلك، عام. طالب: يقول المؤلف: وَرَحْمَتُ رَبِّكَيعني: أنه الجنة هل هذا من تأويله؟ الشيخ: لا، من التقسيم في التفسير، لا شك أنها من التأويل؛ لأن الجنة رحمة، وذكرنا أن الله عز وجل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشاءُ» ، لكن كونه يقصرها على أنواع من الرحمة (...).


الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩] . الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِلمَّا ذكر أحوال الدنيا، وأنه لولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر لمتَّع الكفار بما سمعتم، وهذه الدنيا لا بد أن تَحمِل الإنسان على الإعراض عن ذكر الله عز وجل؛ قال: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا. قوله: مَنْ يَعْشُفسَّرها بـ(يعرض)، ولكن التفسيرَ المطابق أن معنى يَعْشُأي: يتعامى حتى يرى رؤيةَ الأعشى الذي يُبصِر في النهار ولا يُبْصِر في الليل، فمعنى يَعْشُأي: يتعامى كما فسرها بذلك ابن كثير وغيره من المفسرين، ولكن المفسر فسَّرها بـ(يعرض)؛ لأنه من لازم التعامي الإعراض قال: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِأي: القرآن)، فجعل المفسِّر ذكر الرحمن يعني القرآن، وأضافه الله إلى الرحمن؛ لأن إنزاله رحمة للخلق، هكذا مشى المفسر رحمه الله. والصواب خلاف ذلك، والمراد بـ ذِكْرِ الرَّحْمَنِتَذَكُّر الرحمن يعني: مَن تعامى عن ذكر الرحمن بقلبه واستحضاره لعظمة ربه وجلاله فإنه يُقيَّد له الشيطان فيكون هذا جزاءً على إعراضه وتعاميه عن ذكر ربه، وهذا كقوله تعالى: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن: ١٧]، فالصواب أن المراد بـ ذِكْرِ الرَّحْمَنِليس القرآن، بل المراد بـ ذِكْرِ الرَّحْمَنِذكر الله نفسه؛ يعني: يغفُل قلبه عن ذكر الله ولا يذكر الله بقلبه، فهذا هو الذي يُقيَّد له الشيطان فيتَّبِع هواه كما قال عز وجل وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨]. وقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا [الزخرف: ٣٦] قال: (نسبب له)، وهذا قريب من المعنى المطابق، وإلَّا فإن معنى نُقَيِّضْأي: نهيِّئ له شيطانًا يحل محل ذكر الله عز وجل فيستولي الشيطانُ على قلبه، والشيطان يعظم بالفحشاء والمنكر، كما قال الله عز وجل: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٨]. نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًافهو أي: الشيطان لَهُأي: للعاشي عن ذكر الله، قرين لا يفارقه -نعوذ بالله من الشيطان الرجيم- ووجه ذلك أن الإنسانَ فعَّال مريد متحرِّك قلبًا وقالَبًا، فلا بد من الاشتغال بشيء؛ فإما أن يكون بذكر الله، وإما أن يكون بوساوس الشيطان ولا بد، لا تجد أحدًا يكون قلبه ساكنًا لا يتحرك ولا يريد، هذا مستحيل؛ ولهذا جاء في الحديث في الأسماء: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» «هَمَّام»: العبادة القلبية، و«حًارٍثٌ»: العمل، كل إنسان لا بد، فيهيِّئ له هذا الشيطان الذي يقارنه ولا يفارقه. (وَإِنَّهُمْأي الشياطين لَيَصُدُّونَهُمْأي: العاشين عَنِ السَّبِيلِأي: طريق الهدى وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ). يَحْسَبُونَأي: العاشون الذين صدتهم الشياطين أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(في الجَمْع رعاية معنى من). الشيطان -نعوذ بالله منه- إذا استولى على قلب الإنسان زَيَّن له سوءَ عملِه، وظنَّ أنه على حق، ولكنه على باطل، وهؤلاء هم أخسر الناس أعمالًا، كما قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف: ١٠٣]. الجواب: نعم، بيَّنها الله؛ قال: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤]؛ لأن الشيطان زيَّن لهم هذا، وقال: أنتم على حق، أنتم الأعلون، وسوَّل لهم، وأملى لهم حتى تبعوه.

ولهذا قال: (وَإِنَّهُمْيعني الشياطين لَيَصُدُّونَهُمْأي: العاشين عَنِ السَّبِيلِ) أي: سبيل الحق وطريق الهدى وَيَحْسَبُونَ، الواو تعود على مَنْ؟ طالب: على (العاشين). الشيخ: تعود على (العاشين) أَنَّهُمْأي: العاشين، مُهْتَدُونَأي: على هدى، وهذا غاية ما يكون من الخسران، والعياذ بالله، أن يتمادى الإنسان بالباطل وهو يظن أنَّه على حق. قال المفسِّر: (في الجَمْعِ رعاية معنى (مَن)) الجمع وهو قوله: يَحْسَبُونَ، إِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ؛ ففيها رعاية بمعنى مَنْ في قولِه: مَنْ يَعْشُكلمة (مَنْ)، و(ما) وما أشبههما من الألفاظ العامَّة يجوزُ مراعاة معناها، ومراعاة لفظها، اللفظ مفرد ولَّا جمع؟ مفرد، وَمَنْ يَعْشُ؛ ولذلك عاد الضمير إليه للمفرد وَمَنْ يَعْشُ، نُقَيِّضْ لَهُأيضًا مراعاة اللفظ، فَهُوَ لَهُمراعاة اللفظ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْمراعاة المعنى، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَكذلك مراعاة المعنى، واضح؟ إذن إذا أتتك (مَنْ) موصولة كانت أو شرطية فلك أن تراعي في ضميرها اللفظة فتجعله مفردًا، والمعنى فتجعله حسب ما أريد به، وانظر إلى قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [الطلاق: ١١] كل هذا مراعاة أيش؟ طلبة: اللفظ. الشيخ: اللفظ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًامراعاة المعنى، قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُمراعاة اللفظ، قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١] فتجد هذه الآيات تارةً روعي اللفظ، وتارة روعي المعنى وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ. (حَتَّى إِذَا جَاءَنَاالعاشي بقرينه يوم القيامة قال له: يَاللتنبيه لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِأي: مثل بُعْدِ ما بين المشرق والمغرب فَبِئْسَ الْقَرِينُأَنْتَ لي). حَتَّى إِذَا جَاءَنَايعني الشيطان وقرينه، وذلك يوم القيامة، تبرأ كل واحد من الآخر، وقال له: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِيَاهذه للتنبيه، ولا تصح أنْ تكونَ للنداء؛ لأن يَاالتي للنداء لا تدخل إلا على اسم، لا تدخل على حرف كما هنا، ولا على فعل، فإذا وجدتها داخلة على حرف أو فعل فهي للتنبيه. يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، ومثل ذلك قوله تعالى: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [يس: ٢٦] فهي للتنبيه، وقيل إن: (يا) داخلة على منادى محذوف والتقدير في هذه الآية: يا هذا ليت بيني وبينك بعد المشرقين؛ يعني: تُقدِّر منادى اسمًا؛ يا هذا يا ليت بيني بينك بعد المشرقين. فإذا قال قائل: أيهما أولى أن نُقَدِّر منادى يناسب السياق من أجل أن يصِح حلول (يا) في هذا المكان، أو نقول: الأصل عدم التقدير ونجعل (يا) للتنبيه؟ طالب: الثاني. الشيخ: الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا؛ فالأولى ألَّا يكون فيه شيء محذوف. وقوله: بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِيقول المؤلف: (ما بين المشرق والمغرب)، وعليه فيكون في الكلام تغليب، وهو تغليب المشرق على المغرب، والتغليب هذا جائز في اللغة العربية؛ مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» إذا جعلنا مُطْلَق الأذان هو الأذان الذي يكون بكل وقت، أما إذا جعلنا الأذان بمعنى الإعلام، فإن الأذانَيْنِ ليس فيه تغليب؛ لأن كلًّا من الإقامة والأذان يُسمَّى الأذان. لكن قولهم: (القَمَران) يعنون بذلك الشمس والقمر، قولهم: (العُمَران) يعنون بذلك أبا بكر وعمر، هذا من باب التغليب، فيكون بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِأي: بعد ما بين المشرق والمغرب، ولكن ذُكِرَ بلفظ المشرق تغليبًا. ويحتمل أن يكون المعنى بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِأي: مشرقي الشمس شتاءً ومشرقها صيفًا؛ لأن بينهما مسافة عظيمة جدًّا لا يعلم قدْرَها إلا الله عز وجل، وكلا المعنيين صحيح؛ يعني: سواء جعلنا اللفظ فيه تغليب أو لا، والمراد أن هذا العاشي الذي أضله الشيطان إذا جاء معه يوم القيامة تبرَّأ منه، وقال: ليتك بعيد عني، وأنا بعيد عنك. وقوله: فَبِئْسَ الْقَرِينُهذه الجملة إنشائية للذمِّ، قال المؤلف: أنتَ يعني أنه قد حُذِفَ فيها المخصوص؛ لأن (بئس) و(نعم) لا بد فيها من فاعل ومخصوص، وتفصيل ذلك في كتب النحو، ولا علينا منه في هذا المكان. قال الله تعالى: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُأي: العاشين تمنِّيكم وندمكم الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْأي: تبيَّن لكم ظلمُكم بالإشراك في الدنيا أنَّكم مع قرنائكم فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَعِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام؛ لعدم النفع وإِذْبدل من الْيَوْمَ) يعني: لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، هذا هو الصحيح، وعلى هذا فتكون أَنَّكُمْليست للتعليل، كما ذهب إليه المفسر، بل هي فاعل ينفع، والمعنى لا ينفعكم اشتراككم في العذاب، ووجه ذلك أنَّه جرت العادة أن الإنسان إذا عُذِّب ورأى غيرَه يُعَذَّب هان عليه الأمر وتسلَّى، وفي يوم القيامة يشترك أهل النار في العذاب، لكن هل ينفعُهم هذا شيئًا؟ لا ينفعهم، فهذا هو الصواب الذي تدل عليه الآية، أما المؤلف فجعل (أنَّ) أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(عِلَّةٌ بتقديرِ اللَّام) أي: أنَّكم في العذاب مشتركون، ولكن هذا بعيد من اللفظة. قوله تعالى لما ذكر ما يجعله للكافرين: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةًقال: وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَإلى آخره. في هذه الآية فوائد: أن هذه المُتَعَ الدنيويَّة ما هي إلا متاع الحياة الدنيا، فهي زائلة، ويتفرع على هذه الفائدة ألَّا يتعلقَ الإنسان بها، وألا يهتم بها، وأن يرى أنه عايش بدونها، وليس لك من الدنيا إلا ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبِسْتَ فأبليتَ أو تصدَّقْتَ فأمضيتَ. ومن فوائد هذه الآية: التزهيدُ في هذه الأمور، وألًّا تهتم بها، لا تعلِّقْ قلبَكَ بمظاهرِ الدُّنْيا، فإنَّك إن فعلتَ هلكتَ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من الدنيا ما يعجبه قال: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» «لَبَّيْكَ» يعني إجابةً لك ليصرِفَ قلبَه عن التعلُّقِ بما رآه مما يعجبه في الدنيا، ثم وطَّن نفسه، وقال: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» والله هذا هو الحق أن عيش الدنيا فإنه مهما طاب لك محفوفٌ بنكدٍ قبلَه ونكدٍ بعدَه؛ لأن لم تحصله غالبًا إلا بتعب، ثم إذا حصَّلْتَه هل ستبقى لك أو لا تبقى؟ هو لا بد (...) إما أن تموت وتتركه، وإما أن يهلك وأنت حي. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى للمتَّقين وأنَّ لهم الآخرة، فالآخرة خير للمتقين، ففيه البَشارة وأنَّ الإنسان المتقي إذا انتقل من الدنيا فلا يندم؛ لأنه انتقل إلى دار أفضل وأحسن مما ترك. وفيه: الحسُّ على التقوى؛ وذلك لأنَّ ذِكْرَ الجزاء والثواب يستثير النفس حتى يصل الإنسان إلى الوصف الذي يحصل به على الثواب. ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌإلى آخره. في هذه الآية الكريمة فوائد: منها: التحذير من الغفلة عن ذكر الله؛ لأنك إذا غفلت عن ذكر الله حلَّ محل ذكر الله أيش؟ وساوس الشيطان. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب العبد بما يقتضيه الذنب، وهذا كقوله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: ٤٠] فهذا الرجل لما أخلى قلبه من ذكر الله عوقب أن يحلَّ محله الشيطان. ومنها: الحظر من قرناء السوء؛ لأن الشياطين ليس اسمًا خاصًّا بشياطين الجن، بل حتى الإنس لهم شياطين، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام: ١١٢]، وقال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١] إلى قوله: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٦]. ففي هذا التحذير من قرناء السوء، وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من قرناء السوء؛ حيث شبَّه قرينَ السوء أو جليس السوء بنافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، ثم إن الواقع كذلك، فما أكثر ما يمر علينا ممن يتصلون بنا يَشْكُون من قوم كانوا مستقيمين وأئمة مساجد أو مؤذني مساجد، اتصل بهم أناس من أصحاب السوء فانحرفوا انحرافًا كاملًا، ومثل هؤلاء -والعياذ بالله- إذا انحرفوا -نسأل الله الثبات- يكون انحرافهم أشد وأعظم، كالماء الذي حبسته ثم أطلقت الحبس سيندفع بقوة. فالمهم أن الإنسان إذا أعرض عن ذكر الله قيضَّ له الشيطان من الإنس، كمل. طالب: ومن الجن. الشيخ: ومن الجن، فهو له قرين. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المُلازِمَ أشد تأثيرًا من العابد الذي يلازمك ويبقى قرينًا معك، أشد تأثيرًا من العابد؛ بمعنى أنك لو جلست مع إنسان صاحب سوء لمدة ساعة أو ساعتين ربما سيؤثِّر فيك، وربما يتأثر، لكن إذا كان مقارنًا فإنه سيؤثر؛ ولهذا قال: فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. أقول هذا لتحْذَروا من الاستمرار لقرناءِ السُّوءِ؛ ولتعلموا أنكم متى علمتم أنه قرين سوء وجب عليكم البعد عنه، لا تقل: أخشى أن يتأثر، أخشى أن يقول: ليش؟ الرجل كان صاحب لي ثم فارقني؟ لا يهمُّك، الذي يهمك هو نفسك فأنقِذْها. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عمى القلب -والعياذ بالله- لما تعامى بعينه عن ذكر الرحمن وبقلبه أيضًا قُيِّضَ له هذا الشيطان، الذي يصده عن الهدى، وهو يحسب أنه مهتد وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٣٧]، وما أكثر هذا، أهل البدع الذين أصرُّوا على بِدَعهم صغيرة كانت أم كبيرة، ألم يكونوا قد يستحسونها؟ طالب: بلى. الشيخ: لماذا استحسنوها وهي بدعة ضلالة؟ لأن الشيطان صدَّهم عن الحق، أهل الأفكار الرديئة كالعلمانيين والشيوعيين والبعثيين ومن أشبههم لماذا استمروا على ذلك؟ لأن الشيطان ركب قلوبهم -والعياذ بالله- فجعلهم يظنون أن هذا السيئ حسنًا، وهذا أشد ما يكون من الفتنة؛ أن يرى الإنسان السيئ حسنًا فيمضي فيه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بعضَ الظنِّ إثم، وجهه أن هؤلاء ظنوا أنهم على حق فاستمروا في الباطل . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرين في الدنيا يتبرأ من صاحبه يوم القيامة، يقول: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف: ٣٨] . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه مع تمنِّيه هذا الذي لم يدرك منه شيئًا يثني على قرينه هذا بالذم والقدح، فيقول: فَبِئْسَ الْقَرِينُ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من القرناء مَن هو قرينُ خير وقرين سوء، وهو كذلك، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا أبين شيء حيث قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ» يعني: يعطيك هدية، «وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، وَجَلِيسُ السُّوءِكَنَافِخِ الْكِيرِ» إما أن يحرق ثيابَك بالشرَّرِ الذي يتطاير من النار إذا نُفِخَت، وإما أن تَجِدَ منه رائحةً كريهة. من فوائد هذه الآية الكريمة وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ [الزخرف: ٣٩]: أن المشتركين في عذاب الآخرة لا ينفعهم الاشتراك، بخلاف الاشتراك في العذاب في الدنيا فإنه يُسَلِّي الإنسان ويهون عليه؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:

وَلَــوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِــــينَ حَــــــوْلِي

عَـلَى إِخْــوَانِهِمْ لَقَـتَلْتُ نَـــفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ

أُسَــلِّي النَّــــفْسَ عَــــنْهُ بِالتَّــــأَسِّي

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المُعذَّبين هم الذين ظلموا، وما ظُلِموا؛ لقوله: إِذْ ظَلَمْتُمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم أي المعذبين يعرفون أنهم مشتركون في العذاب، ولكن ذلك لا يُسلِّيهم، ولا يهوِّن عليهم المصيبة.

تفسير الآية (٤٠)

٠٠:٣٤:٣٦

ثم قال الله تبارك وتعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزخرف: ٤٠] بَيِّنٍ؛ أي: فهُمْ لا يؤمنون، الهمزة للنفي؛ يعني أنك لا تُسْمِع الصم ولا تهدي العُمْي؛ لأن هذا موكول إلى الله عز وجل وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍأي: بَيِّن، والمراد بالسماع هنا: اسمعوا الهدى، والمراد بالهدْيِ: هَدْيُ الهدى، وليس المعنى أن تُسْمِعَ الصُّمَّ صوتَك، لا، لأن هذا شيء يشترك فيه كل الناس، لكن إذا كان الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام صار المراد بالإسماع هنا إسماع الحق، والمراد بالهدْيِ الهَدْيُ إلى الحق. في هذه الآية الكريمة: تَسْلِيَة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان يندم على عدم اهتداء الناس فبيَّن الله له أن الأمر ليس إليه، بل إلى الله، وحينئذ تهونُ عليه المصيبة، ويرضى ويسلِّم عليه الصلاة والسلام. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الكفار بمنزلِةِ أهل الصَّمَمِ الذين لا يسمعون، وقد وصفهم الله تعالى في آية أخرى بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١] ، أو صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة: ١٨]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمى سبب لأن يتيه الإنسان عن الطريق؛ لقوله: أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ من كان في ضلال مبين، أي: منغمسًا في الضلال؛ فإنه لا يهتدي في الغالب. طالب: (...) بالنسبة لـوَمَنْ يَعْشُ، هل هذا يكون بالتقصير في أمور الطاعات أو اقتراف المحرمات؟ الشيخ: الآية تدل على مسألة قلبية مَنْ يَعْشُيتعامى. الطالب: يعني: ليس لها علاقة بالجوارح. الشيخ: لا، إذا صلح القلب صلحت الجوارح. طالب: المشارق أحيانًا تأتي في القرآن مفردة، وأحيانًا تأتي جمعًا، وأحيانا تأتي بالتثنية. الشيخ: المشارق والمشرق والمشرقين، نعم هي تأتي على هذه الأوجه الثلاثة، ولا منافاة بينها؛ فقوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [المزمل: ٩] هذا مفرد، والمراد بالمشرق هنا الجهة؛ لأن الجهات أربعة: شرق، وغرب، وجنوب، وشمال؛ فالمشرق يعني جهة المشرق، المغرب يعني جهة المغرب. أما (رب المشارق والمغارب) بالجمع: فالمراد مشارق النجوم والكواكب والشمس والقمر؛ لأن كل واحد من هذا له مشرق، أو المراد بالمشارق مشارق الشمس؛ لأن كل يوم للشمس مَشْرِق، كل يوم لها مشرق، ولولا ذلك ما رأيتها تتنقل من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال. أما رب المشرقين ورب المغربين؛ المثنى: فالمراد بذلك مشرقا الصيف والشتاء. طالب: يا شيخ أثابكم الله، بالنسبة إلى قرناء السوء، إذا كان هناك إنسان منحرفًا يظن الإنسان أنه إذا كان معه ربما .. الشيخ: يدعوه، نعم. الطالب: هل يعني..؟ الشيخ: هل يصاحبه؟ أو يصادقه؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: ما هو بصحيح، بل يجلس معه للدعوة إلى الحق ويفارقه، وبعد الدعوة؛ لأنه إذا لزمه لا بد أن يتأثر، ولا يدري هل يؤثر المستقيم على المنحرف أو المنحرف على المستقيم، والمشاهد الآن في الغالب أن المنحرف هو الذي يؤثر على المستقيم، هذا ما نعلمه، فأنت لا تقارنه، تأتي مثلًا، تزوره أو تدعوه إلى بيتك، وتدعوه فقط أما أن تلازمه ويكون صاحبًا لك، هذا خطر عظيم، والإنسان تُسَوِّلُ له نفسه أنه إذا صاحبه كان السبب في إقامته، ويكون الأمر بالعكس مثل المرأة يخطبها إنسان منحرف، وترغب أن تتزوجه، وتقول في نفسها أو يقول وليها: يهديه الله، لعله يهديه إذا تزوج، ويكون الأمر في العكس، هذه المرأة المستقيمة تكون منحرفة بوسوسة هذا الزوج. طالب: ما واجب الإنسان إذا كان له أخ مستقيم ثم انحرف؟ الشيخ: من أي ناحية (...)؟ الطالب: بالنصح له أو بتركه بالكلية إذا انحرف ويكون كما ذكرتم (...) عن المعاصي وعن الدنيا. الشيخ: ليش ما يدعوه، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عشيرته الأقربين؟ (...) لماذا لا يدعوه؟ الطالب: يدعوه، ويغلق الباب عليه. الشيخ: كيف يغلق الباب، يحبسه؟! الطالب: لا إذا أتى إليه يدعوه يصد الباب عنه، ويتهرب عنه. الشيخ: نفس (...)، خلاص هذا، لا يهمه، ينتهز فرصةً أو أخرى ويدعوه.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤١ - ٤٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]، ما معنى الآية؟ طالب: يعني أنهم إذا أُدخِلوا في النار -ولو كانوا جماعة- لا ينفعهم هذا الاجتماع، ولا يتَسلَّوْن بهذا الاجتماع، أما في الدنيا ينفعهم الاجتماع على الشَّرِّ وما إلى ذلك (...) في العذاب. الشيخ: يعني أن اشتراكهم في العذاب في الآخرة لا ينفعهم فيتسلَّون به كما هو في الدنيا. قوله: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ [الزخرف: ٤٠]، الأخ الاستفهام ليش؟ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ، المعنى؟ طالب: لا تهدي العُمْيَ. الشيخ: أيش؟ الطالب: أنك لا تهدي العُمْيَ. الشيخ: وين الهداية؟ ما في الآية هداية. طالب: لا تسمع الصم (...). الشيخ: أيش؟ الطالب: تكلم أنت رجل وبين الرجال قلت: إنه للنفي، المعنى إذا كان للنفي؟ الطالب: المعنى أنك لا تُسْمِعُ مَنْ به صمم عن سماع الحق ولا يُبْصِر الهدى. الشيخ: إي، طيب، ما معنى قوله: وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؟ طالب: أحسن الله إليك، (ضلال) ضد الهدى، والمبين البين الواضح. الشيخ: والمعنى؟ الطالب: والمعنى أنك لا تهديهم. الشيخ: لا تهدي من هو في ضلال مبين. لمن الهداية؟ مَنِ الذي يهدي؟ الطالب: الذي يهدي إن كانت هداية التوفيق فهي.. الشيخ: وإن كان الآن فهي هداية التوفيق، الرسول يعرض عليهم دين الحق. الطالب: فهي لله عز وجل. الشيخ: يعني أن ذلك لله عز وجل.

تفسير الآيتين (٤١-٤٢)

٠٠:٤٤:٤٠

قال الله عز وجل: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ [الزخرف: ٤١] إِمَّايقول المفسر: (فيه إدغام نون (إن))، ففيه إدغام نون (إن) الشرطية في (ما) الزائدة، فـ(إما)، وأصله (فإن ما)، لكن اجتمعت النون الساكنة مع الميم، فأُدْغِمَت إحداهما في الأخرى فصارت إِمَّا نَذْهَبَنَّ. وقوله: (في (ما) الزائدة)، اعلم أنه ليس في القرآن شيء زائد، كل ما في القرآن فإنه في محله والسياق يحتاج إليه، لكن مرادهم بالزيادة هي التي يتم الكلام بدونها لا التي يكمل الكلام بدونها، هذه بالنسبة للقرآن؛ يعني: لو حُذِفَت لاستقام الكلام وإلَّا فإنها لها معنى وهو التوكيد. فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَيقول المفسر: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَبأن نُمِيتَك قبل تعذيبهم فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) أي: (في الآخرة) كما قال، يعني أننا إن ذهبنا بك فلن نُغفِلَهم من العذاب، بل نعذبهم وقول المفسر: (في الآخرة) فيه نظر، والصواب في الدنيا؛ يعني: إن ذهبنا بك قبل أن نعذبهم فإننا لا بد أن نعذبهم، وهذا تهديد واضح لهؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْفي حياتك من العذاب {فَإِنَّا عَلَيْهِمْ} -أي- على عذابهم {مُقْتَدِرُونَ} -أي- قادرون). فالمسألة إما أن نُعَذِّبهم قبل أن تموت، وإما أن تموتَ قبل أن نعذبهم، فإن مِتَّ قبل أن نُعَذِّبَهم فإنهم لن يُفْلِتُوا من العذاب، سننتقم منهم، وإن عذبناهم قبل موتك فإنا قادرون على ذلك، ولن نُؤَخِّر عنهم العذاب عجزًا. وقول المفسر: فَإِنَّا عَلَيْهِمْأي: (على عذابهم) الصواب العموم على عذابهم، وعلى ذواتهم، وعلى جميع أحوالهم. وقوله: (مُقْتَدِرُونَقادرون) أيضًا فيه قصور؛ لأن المقتدر أبلغ من القادر، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فهو أبلغ من القادر. وعلى كل حال فالآية معناها الإجمالي أنَّنا إن ذهبنا بك بالموت فإننا لن نُغْفِلَهم عن العذاب، وإن عذبناهم في حياتك فسترى عذابهم بنفسك. في هذه الآية الكريمة: التهديد للمكذِّبين للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن عذابهم واقع لا محالة. ومن فوائدها: تسلية النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى والحق والآيات، فإذا كُذِّب فسيكون ذلك ثقيلًا على نفسه فسلَّاه الله عز وجل بهذا الوعيد. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وصفُ الله تبارك وتعالى بالانتقام كما وصفه في آية أخرى، ولكن هل يوصف به على الإطلاق؛ فيقال مثلًا: المنتقم؟ فالجواب: لا؛ لأن كلمة (المنتقم) ليست مدحًا في ذاتها حتى تقابَل بما يكون سببًا للانتقام؛ ولهذا تمر بنا أسماءُ الله الحسنى التي عدَّها بعض الناس؛ منها: المنتقم، وهذا غلط، فإن ذلك ليس من أسماء الله؛ لأن الله لم يذكر ذلك من أسمائه، وإنما ذكره مقيَّدًا بحال من الأحوال. هنا فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَمُقَيَّدٌ بحال من الأحوال، وهي تكذيبُ هؤلاء، وهو كقوله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظمة الله عز وجل حيث وصف نفسه بالجمع، ومن المعلوم أنَّه ليس المراد بالجمع التعدد؛ لأن اللهَ إله واحد، لكن المراد بالجمع هنا التعظيم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوعد يأتي في الشرِّ والعقوبة خلافًا لمن قال: الوعد في الخير، والإيعاد في الشر، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:

وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَـــــــدْتُهُ أَوْ وَعَــــــدْتُهُ

لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

فالصواب أنها تُطْلَق على هذا وعلى هذا، فهنا قال: الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ، وعلى قياس قول البيت يكون التعبيرُ الذي أوعدناهم، ولكن الصحيح أنها جائزة لهذا وهذا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ غَلَبَةِ قدرة الله عز وجل على كُلِّ قدرة؛ لقوله: فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ، وهو كذلك، ولما قالت عاد: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥] قال الله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥] فلا قُوَّة تمانِعُ قوة الله عز وجل، ولا قدرة تمانع قدرته، بل هو العزيز الغالب على كل أحد.

تفسير الآيات (٤٣-٤٥)

٠٠:٥١:٢٨

قال الله تعالى: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَأي القرآن إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍطريق مستقيم). اسْتَمْسِكْبمعنى تمسَّك، لكن زيدت حروفها للمبالغة، أي: تَمَسَّكْ تَمَسُّكًا قويًّا بالذي أوحي إليك، والموحِي هو الله عز وجل، والموحَى القرآن، وإنما قال: بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَليثبِّتَ رسالته، وإلَّا لو قال بالقرآن كفى، لكن مِنْ أجل تثبيت الرسالة قال: بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ. والوحي هو إنباء الله سبحانه وتعالى لرُسُلِه بما يَشْرَعُه لعباده. بالذي أوحي إليك إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍأمر وتثبيت؛ الأمر اسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ، التثبيت إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وإذا كان على صراط مستقيم فإنَّ العقل يقتضي ألا يحيد عنه، بل أن يستمسك به تمامًا. والصراط هو الطريق الواسع المستقيم، هذا الصراط، فالطريق الضيِّق لا يُسَمَّى صراطًا، والطريق المُعْوَجَّ يمينًا وشمالًا لا يُسَمَّى صراطًا؛ لا يُسَمَّى صراطًا إلا ما كان طريقًا واسعًا مستقيمًا؛ كما قال الله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] أي: الطريق الواسع المستقيم. (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌلشَرَفٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَلنزوله بلغتهم وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: ٤٤] عن القيام بحقه)، ووَإِنَّهُ أي: القرآن الذي أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. لَذِكْرٌ لَكَأي: (لشَرَفٌ) على ما فسَّره المفسر؛ أي: أنكم تشرُفون به لنزوله بلغتكم، ولكونه نزل على واحد منكم، فهو شَرَفٌ، هذا ما ذهب إليه المؤلف ولا مانع منه، لكن الصواب أن المراد بالذكر هنا التذكير؛ يعني: وإنَّ هذا الذي أوحي إليك لتذكير لك ولقومك. فإن قال قائل: يَرِد على هذا أنه تذكير لكل الناس. فالجواب أن هذا كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] مع أنه بعث لجميع الناس. وقوله: وَسَوْفَ تُسْأَلُونَسوف تسألون عن أيش؟ يقول: (عن القيام بحَقِّه)، ومِنْ حقِّه العمل به، ومن حقه إبلاغه للناس؛ ولهذا يعتبر العرب هم الإشعاع لعامة الناس في نقل الشريعة الإسلامية. مَنْ في الجزيرة حين نزل الوحي؟ ليس فيها إلا عرب، هؤلاء العرب بَثُّوا الإسلام في جميع أقطار الدنيا، وهذا من حقه. سَوْفَ تُسْأَلُونَعما فيه من الأمر بالجهاد، هل جاهدتم أم لا؟ سَوْفَ تُسْأَلُونَعن تنفيذ جميع شرائعه؛ ولهذا كلام المؤلف هنا جيد: (عن القيام بحقه). قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِأي: من غيره {آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: ٤٥]). اسْأَلْالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا. أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَوسوف يكون الجواب: نعم ولا لا؟ لا، والمقصود من هذا الأمر هو إقامة الحجة على المشركين الذين يعبدون مع الله إلهًا آخر؛ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: اسأل جميع الرسل السابقين؛ هل جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون حتى يقوم هؤلاء المشركون فيعبدون مع الله غيره؟ ففيه إقامة الحجة على المشركين؛ أن جميع الرسل السابقين ليس فيهم مَنْ يُحِلُّ الإشراك بالله عز وجل. فإن قال قائل: كيف يسألُ مَنْ أرسلَ الله من الرسل قبله وهو لم يدركهم؟ فالجواب أن هذا من أساليب اللغة العربية، والمعنى: إنك إنْ تسألْ على الفرض، والتقدير: فلن تجاب بـ(نَعَم)، بل سيكون الجواب (لا)، فهو مِن باب التحدي لهؤلاء المشركين الذين يَدَّعون أنهم على حق. أَجَعَلْنَاأي: صيَّرْنا (مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَقيل: هو على ظاهره بأن جُمِعَ له الرسل ليلة الإسراء)؛ لأنه هو سألهم، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الإسراء ليس فيها هذا، ثم إنَّ المقصود بالإسراء إظهارُ شرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هذا من مقصود الإسراء إظهار شرفه على الرسل، فكيف يوجه إليهم هذا السؤال؟! فهذا القول ضعيف جدًّا، ولا وجه له. وقيل: المرادُ أممٌ من أهل الكتابين؛ وهذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني هؤلاء يقولون: المعنى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَايعني: اسأل الأمم الذين أُرْسِلَ إليهم، وهؤلاء باقون إلى بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا ضعيف مخالف لظاهر القرآن؛ القرآن يقول: اسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا، والأمم التابعة للرسل فيهم مشركون؛ فالنصارى أقرب الأمم فيهم مشركون، فلا يتوجه سؤالهم مع كونهم مشركين، هذا أيضًا ضعيف. قال: (ولم يسأل على واحدٍ من القولين؛ لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأتِ رسول من الله ولا كتاب بعبادة غير الله) هذا صحيح؛ يعني أن السؤال إنما أُريدَ به إلزام قريش بأنه لم يأتِ أحد من الرسل بإباحة عبادة غير الله، هذا المقصود، وهذا كقوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] لكن الآية الأخيرة، هذه السؤال فيها أعم؛ لأنه قال: اسْأَلِالذين يقرؤون الكتاب من قَبْلِك، ولم يَخُصَّ ذلك بالرسل. في هذه الآية الكريمة فوائد: وهى حَثُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على التَّمَسُّكِ بما أوحي إليه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحَثُّ على ذلك فنحن من باب أولى. ومن فوائد هذه الآية: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان رسول الله حقًّا؛ لإثبات الوحي إليه. ومن فوائد هذه الآية: تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم على الاستمساك بما أوحي إليه، وذلك بأنه على صراط مستقيم. ومن فوائد هذه الآية: أن الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم صراط مستقيم لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ومن فوائد الآية: أن هذا القرآن الكريم فيه ذكر للعرب، أي: شرف لهم، وفيه تذكير لهم؛ لقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤]. ومن فوائد الآية: تحميل المسؤولية العظيمة على العرب؛ وهي أنهم سوف يُسْأَلون عن هذا الوحي هل قاموا بحقِّه، أم لم يقوموا بحقه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقامةُ البينة الكبرى على أنه لم يقلْ أحدٌ من الرسل السابقين: إن هناك آلهةً تُعْبَد من دون الله؛ لقوله: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا. ومن فوائد هذه الآية: إثبات اسم الرحمن لله عز وجل؛ لقوله: أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥]، والرحمن هو أحد الاسمين اللَّذَيْنِ لا يُسَمَّى بهما غير الله؛ وهما الله والرحمن، لا يصف بهما سوى الله، الرحيم يوصف به غير الله، العزيز يوصف به غير الله، السميع يوصف به غير الله، وهكذا، لكنَّ هذين الاسمين الكريمين (الله، والرحمن) لا يوصف بهما أحد ولا يسمى بهما أحد إلا الله تعالى وحده لا شريك له. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اتفاق الرسل على التوحيد، وهذا كقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، وهذا قد اتَّفق عليه الرسل، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، والرُّسل ما جاءت إلا لإصلاح الخلق، والخلق لا يمكن صلاحهم ولا إصلاحهم إلا إذا قاموا بتوحيد الله عز وجل، فإن لم يقوموا بتوحيده تشتَّتت قلوبهم، وصار كل واحد يذهب مذهبًا غير الآخر؛ لأنَّ كل أمة تريد أن يكون لها معبودٌ خاصٌّ، فتحصل الفوضى بين العباد، فإذا اجتمع الناس على عبادة الله وحده حصل الاتفاق بدون فوضى. ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [الزخرف: ٤٦] إلى آخره.