تفسير سورة الزخرف - ٤
درس صوتي · ٧٧:٥٠
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
يعني: أتردُّون قولي، وتتَّبِعون ما كان عليه آباؤكم ولو جئتكم بأهدى منه؟ والاستفهام هنا واضح أنه للإنكار والتوبيخ، يعني: كيف تتبعون ما عليه آباؤكم وأنا قد جئتكم بأهدى؟! أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف: ٢٤]، وهو شرع الله عز وجل، ومع هذا الرد واحد، قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٢٤]، وهذا غاية ما يكون من العناد، يعني حتى ولو جئتنا بأهدى مما وجدنا عليه آباءنا فإنا كافرون، ولا نقول كما قلنا أولًا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٣]، بل نقول: كَافِرُونَمطلقًا، وهذا أبلغ ما يكون في العناد -نسأل الله العافية- وهذا كقول الذين استكبروا من قوم صالح، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف: ٧٦]. في هذه الآية: بيان معالجة الرسل عليهم الصلاة والسلام للمكذِّبين أنهم يُدْلُون عليهم بالحجج الْمُقْنِعَة، ولكن الكافرين يعاندون. ومنها: جواز التفضيل بين شيئين قد لا يكون في الطرف الآخر شيء من المعنى؛ لقوله: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ، (أهدى) اسم تفضيل، ومع ذلك فإننا نقول: ما وجدوا عليه آباءهم ليس به هدى، لكن التَّنَزُّل مع الخصم لا بأس به وإن لم يكن في الطرف الآخر شيء، انظر إلى قول الله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، هذه الأصنام، هل في الأصنام خير؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، لكن من أجل مجادلة الخصم نقول له: هل الله خير أم آلهتك؟ وإنا نعلم أن هذا ليس فيه خير، هنا قال: أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ، مع العلم أن ما كان عليه آباؤهم ليس فيه هدى، بل هو ضلال، ولكن المخاطِب مَن يرى أنه هدى، فنخاطبه على قدر ما عنده من الفهم، ومن ذلك ما يستعمله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء في مجادلة أهل الكلام، حيث يتمشى فيما يجادلهم به على حسب اصطلاحهم، وإن كان ينكر أصل ما هم عليه، لكن المجادلة مع الخصم لا بأس أن ينزل الإنسان على حسب فهم الخصم، حتى يكون ذلك أبلغ في الاحتجاج عليه. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك المعانِدِين الذين يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ليس عندهم نية أن يؤمنوا؛ لأنهم لما غُلِبُوا في الحجة ماذا قالوا؟ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، يعني: لن يؤمن، مهما أتيتم من الحجة فلن نؤمن، وهذا غاية ما يكون من الاستكبار عن الحق.
تفسير الآية (٢٥)
٠٠:٠٣:٥٥
قال الله تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الزخرف: ٢٥]، انْتَقَمْنَا مِنْهُمْأي: أنزلنا بهم النقمة، وهي العقوبة، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَانظر يا محمد، أو انظر أيها المخاطب كيف كان عاقبة المكذِّبين، إذا نظرنا وجدنا العاقبة الهلاك والدمار فلنعتبر. في هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه تبارك وتعالى يُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، فإن الله قادر على أن ينتقم منهم بأول مرة، لكن يُمْلِي للظالم، فإذا أَخَذَهُ أَخَذَهُ أَخْذَ عزيز مقتدر. ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالاعتبار والنظر في الأمور؛ لقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، النظر هنا نظر عين ولَّا نظر قلب؟ الطلبة: قلب. الشيخ: نظر قلب. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عاقبة المكذِّبين الهلاك والدمار؛ لأن الله أهلك كل المكذِّبين؛ أهلك قوم نوح، قوم هود، قوم صالح، قوم لوط، فرعون، كل المكذِّبين أهلكهم الله عز وجل، لكن هذه الأمة -ولله الحمد- جعل الله هلاك عدوها على يدها، وذلك بالحروب؛ لأن هلاك عدوك على يدك أشفى من هلاكه من عند الله عز وجل، أشفى للقلب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى. الشيخ: نعم، نقول: بلى، هلاك عدوك على يدك أشفى لك من هلاكه من عند الله عز وجل، ولهذا كان هلاك المكذِّبين للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على أيديهم، كما قال عز وجل: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: ١٤، ١٥]. من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: وجوب النظر والاعتبار. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عاقبة المكذِّبين للرسل هي الهلاك والدمار. ومن فوائدها: تحذير هذه الأمة من تكذيب رسولها أن يصيبهم ما أصاب غيرهم.
تفسير الآيات (٢٦-٢٨)
٠٠:٠٦:٥٨
ثم قال عز وجل: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف: ٢٦]، (إذ) مفعول يُبَيِّن المحذوف، التقدير: واذكر إذ قال إبراهيم، وإنما ذَكَرَ إبراهيم؛ لأن إبراهيم تنتمي إليه جميع الأمم؛ اليهود قالوا: إنه يهودي، والنصارى قالوا: إنه نصراني، والعرب قالوا: إنهم مُتَّبِعُون مِلَّتَه، فأراد الله أن يُبَيِّن أن إبراهيم عليه السلام كان بريئًا من الشرك وأهله، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، (إذ) أيش؟ طالب: (إذ) فعل يبين المحذوف. الشيخ: فعل أو فاعل أو مفعول؟ طالب: التقدير: واذكر. الشيخ: إي، لكن هو ويش إعرابه؟ طالب: المحذوف تقديره: واذكر. الشيخ: أحسنت، تقديره: اذكر هذا الواقع، إِذْ قَالَ، اذكر إذا قال إبراهيم، إبراهيم الخليل عليه السلام هو إمام الحنفاء الذي قال الله تعالى فيه لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣]، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، لِأَبِيهِ، وهو آزر، وَقَوْمِهِ: الذين أُرْسِلَ إليهم، وقد ذَكَرَ الله تبارك وتعالى مُحَاجَّة إبراهيم لأبيه في سورة مريم على وجه مبسوط، وفي غيرها على وجه مختصر أحيانًا، ومتوسط أحيانًا. فَجَرَتْ المحاورة بينه وبين أبيه في سورة مريم، فقال عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤١، ٤٢]، إنْ دَعَوْتَهُ لم يسمعك، وإن وافقتَه لم يَرَكَ، وإن استعنت به لم ينفعك، ولا يغني عنك شيئًا، بعده؟ طالب: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم: ٤٣]. الشيخ: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ، الخطاب الآن مَبْنِيٌّ على الترقيق، والتلطيف، والتَّنَزُّل أمام الأب، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ، ولم يقل: يا أبت إنك جاهل وأنا عالم، بل قال: إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ، وهذا من أَدَبِهِ عليه السلام، جاءه من العلم الوحي، وأبوه ليس كذلك، جاءه من العلم التوحيد وأبوه ليس كذلك، فَاتَّبِعْنِي، الولد يقول لأبيه: اتَّبِعْنِي؛ لأن الابن معه الحق، والأب ليس كذلك. أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم: ٤٣، ٤٤]، لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَيعني: عبادة الطاعة، وكل مَن أطاع شيئًا فقد عَبَدَهُ على حسب الحال. الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّاأي: عاصيًا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ [مريم: ٤٥] أي: يصيبك، فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم: ٤٥]، فجعل ولايته للشيطان من العذاب؛ لأن إعراض الإنسان عن الحق مصيبة ببعض الذنوب، كما قال عز وجل: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، قف، نحن نظن أن العقوبات هي البلاء ينزل بالإنسان، من مرض وفقر وفَقْدٍ (...)، وما أشبه ذلك، وهذا حق، بلى العقوبة، لكن هناك عقوبة أشد، وهي (...)، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، هذا أعظم من عقوبة البلاء الحسي الجسدي، ولهذا قال: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم: ٤٥]، ماذا كان جواب الأب؟ جواب الأب جواب قاسٍ، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ [مريم: ٤٦]، شوف، أنكر عليه الرغبة، ولهذا قال أهل البلاغة: الذي يلي همزة الاستفهام هو الْمُنْكَر، يعني لم يقل: يا إبراهيم أراغب، بل بدأ بالإنكار على الطريقة (...)، أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ، وهذا استفهام إنكار وتوبيخ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ [مريم: ٤٦] يعني: عن دعوتك إياي إلى التوحيد، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِأيش؟ الطلبة: لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم: ٤٦].
الشيخ: لَأَرْجُمَنَّكَ، وَعِيدٌ يقوله الأب لابنه، وابنه يترقَّقَ له، ويتحَنَّن إليه بقوله: يا أبت، يا أبت، يا أبت، وهنا جواب الأب، وهذا القول: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَقاله أيضًا غيره من المكذِّبِين للرسل؛ فرعون قال لموسى: لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩].
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم: ٤٦] يعني: اتركني، مَلِيًّاأي: زمنًا طويلًا، يعني يقول: دعني على ما أنا عليه ولا تكلمني. قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ [مريم: ٤٧] هذه النهاية من إبراهيم، فما أَحْلَمَه عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: ١١٤]، قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: ٤٧]، فاستغفر له حتى نهاه الله عز وجل. الشاهد من هذا أن أبا إبراهيم كان مشركًا، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: اسمه؟ الطلبة: آزر. الشيخ: آزر، كما قال عز وجل: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً [الأنعام: ٧٤]، العجب أن بعض الناس -نسأل الله العافية- حَرَّفَ كلام الله عَمَّا أراد الله بناءً على هواه، فقال: أبو إبراهيم ليس مشركًا، بل هو على التوحيد، ولا يمكن أن يكون أبو النبي مشركًا، وآزر هو عَمُّه وليس أباه، لا حول ولا قوة إلا بالله، شوف كيف الهوى؟! «وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، كيف نقول: ليس أباه بل هو عمه، وهو يقول: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ، كيف نقول: إنه عمه، وهو يقول: يَا أَبَتِ، أما يستحيي قائل هذا القول؟ أما يتقي الله عز وجل بتحريف الكلم عن مواضعه بناء على عقيدة فاسدة أن أَبَا الرسول لا يمكن أن يكون كافرًا، فنقول: سبحان الله! تأملوا، كون أبي الرسولِ كافرًا وابنه نبي أعظم دليل على قدرة الله عز وجل، وأنه يحيي الحي من الميت، وأن النَّسَب لا يرفع أصحابه، أليس كذلك يا جماعة؟ الطلبة: بلى. الشيخ: والله لو قلنا هذا لعجوز من عجائز المسلمين: إن آزر عم إبراهيم وليس أباه لانتقدتنا، بل نقول: أبو إبراهيم كافر، وأبو محمد كافر، وماذا يضر النبي إذا كان أبوه كافرًا؟ لا يضره شيئًا، بل هذا أكبر دليل على كمال قدرة الله عز وجل، وأنه يُخْرِج الأنبياء من أصلاب هؤلاء الكفار، لكن الحمد لله ما خرج نبي أبدًا من سِفَاحٍ، أبدًا، أما مسألة الكفر والإيمان فهذا لا يعد انتهاكًا لأعراض الأنبياء. الشاهد من هذا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه صراحة وقال لقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف: ٢٦]، بَرَاءٌالمفسر قال: (بريء)، وهذا نقص من المفسر؛ لأن (براء) صفة مشبهة، و(بريء) اسم فاعل، وأيهما أعظم؟ الصفة المشبهة أعظم؛ لأنها تدل على الدوام والثبات والاستمرار، فـ(براء) أعظم من (بريء)، بَرَاءٌ، يعني: صفة البراءة، الصفة الدائمة الثابتة المستمرة البراء مما أنتم عليه، إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، وأظن لا يمكن أن نكمل الآية، انتهى الوقت.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٢٨ - ٣٠]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. طالب: الآية التي قبلها. الشيخ: اللي قبلها؟ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ؟ الطالب: اللي بعدها. الشيخ: هذه وَجَعَلَهَا كَلِمَةً. الطالب: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. الشيخ: قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، (إذ) هذه ويش محلها من الإعراب؟ طالب: مفعول به. الشيخ: لأيش؟
الطالب: (...). الشيخ: والتقدير: واذكر إذ قال، نعم، اذكر، يعني لهؤلاء المكذِّبين، اذكر هذا القول الذي قاله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي كانوا يفتخرون بالانتساب إليه وإلى مِلَّتِه حتى تقيم عليهم الحجة، إِذْ قَالَلِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ، وأبوه هو آزر، وله معه مناظرات سبق الكلام عليها، وَقَوْمِهِأصحابه الذين بُعِثَ إليهم، وكان إبراهيم عليه السلام كغيره من الأنبياء بُعِثَ إلى قومه خاصة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي»، مِنْهَا: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَالجملة هذه مُؤَكَّدَة -كما هو معلوم- بـ(إن)، وبَرَاءٌصفة مشبهة، وهي أبلغ من كلمة (بريء)؛ لأن الصفة المشبهة تقتضي الدوام والثبوت، مِمَّا تَعْبُدُونَ، أي: من الذي تعبدونه، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، والمراد بيعبدونه الأصنام التي ينحتونها هم بأيديهم ثم يعبدونها، ولهذا قال لهم إبراهيم عليه السلام في جملة مناظراته: قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥، ٩٦]، فكيف تعبدونها وهي مخلوقة؟ كيف تعبدونها وأنتم الذين تنحتونها؟ وقوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، (إلا) أداة استثناء، لكن هل الاستثناء هنا منقطع أو هو متصل؟ فالجواب: إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو الذي يكون ما بعد (إلا) من غير جنس الذي قبلها، هذا هو الاستثناء المتقطع، ومَثَّلَ له النحويون بقولهم: جاء القوم إلا حمارًا، حمارًا من جنس القوم أو من غيرهم؟ طالب: من غيرهم. الشيخ: من غير جنسهم، فيكون الاستثناء منقطعًا، أما إذا قيل: جاء القوم إلا زيدًا، فالاستثناء هنا متصل؛ لأن زيدًا من جنس الْمُسْتَثْنَى منه، فهنا نُطَبِّق هذه القاعدة، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِيإن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء؟ طلبة: متصل. الشيخ: متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، وقوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، لم يقل: إلا الله، من أجل أن يُقِيمَ الدليل على أنه لا يستحق العبادة إلا هو، فالذي فطرك أول مرة وأوجدك من العدم هو الذي يستحق أن يُعْبَد؛ لأنه الذي خلقك، انتبه. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: إلا الله؟ فالجواب: ليقيم الحجة على أنه لا ينبغي أن يُعْبَد إلا اللهُ عز وجل، وهذا كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١]، ومعلوم أن (رب) خالق، لكنه أتى بقوله: الَّذِي خَلَقَكُمْوهو معلوم؛ ليقيم الحجة على أنه المستحق للعبادة وحده، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِيقال المؤلف: (خلقني). فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ: سيرشدني لدينه، والهداية نوعان، كما سيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد. وَجَعَلَهَاأي: كلمة التوحيد المفهومة من قوله: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات: ٩٩]، جَعَلَهَاالضمير يعود على الكلمة التي قالها، وما هي الكلمة التي قالها؟ اسمع كلام المفسِّر، قال: هي قوله: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، وهذا غلط من المؤلف، الكلمة التي قالها هي أقرب كلمة، وهي: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، وهي كلمة التوحيد، أما قوله: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِفلا علاقة لها في الآية، إذن جَعَلَهَاالضمير يعود على أيش؟ طالب: قوله: إِنَّنِي بَرَاءٌ. الشيخ: لا جَعَلَهَاالضمير يعود على أيش؟ على الكلمة التي قالها، وهي؟ الطالب: إِنَّنِي بَرَاءٌ. الشيخ: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، ومعنى قوله: جَعَلَهَاأي: صَيَّرَهَا هي الطريقة التي يصير عليها مَن بعده، كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِعَقِبِ مَن؟ طالب: عقب إبراهيم. الشيخ: عقب إبراهيم، قال: أي ذريته، فلا يزال فيهم مَن يُوَحِّدُ الله، هكذا قال المؤلف، أن المعنى أن هذه الكلمة ستبقى في ذريته، ولا يمكن أن تُشْرِكَ الذرية كلها، بل لا بد أن تبقى، والصواب خلاف هذا، الصواب أن المعنى: جعل هذه الكلمة هي الكلمة الوحيدة التي يسير عليها مَن بعده، سواء التزموها أم لم يلتزموها. لَعَلَّهُمْأي: أهل مكة، ولو قيل: لَعَلَّهُمْأي: عقبه؛ لأن الآيات ما فيها ذِكْر أهل مكة، فيها العَقِب، ومعلوم أن أهل مكة مِن عَقِبِه، وأن بني إسرائيل من عَقِبِه، فإذا قلنا: إن الضمير في لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَيعود على عَقِبِهِصار أعمَّ مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف خَصَّهَا بجزء من العقب، وهذا قصور بلا شك، ولهذا اتَّخِذ هذه القاعدة، لا تُفَسِّر القرآن بأَخَصّ مما يدل عليه، بمعنى: إذا كان القرآن يدل على شيء عامّ فلا تُخَصِّصْه إلا إذا كان هناك دليل، وإلا فَأَبْقِهِ على عمومه، إذن جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٨]، الضمير يعود على مَن؟ طلبة: عقبه. الشيخ: على العقب؛ من قريش وبني إسرائيل، لكن ما معنى جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً؟ على كلام المؤلف رحمه الله المفسِّر يعني أنها ستبقى هذه الكلمة في العقب فلا يمكن أن يُفْقَد منهم التوحيد، والصواب أنه جعلها جَعْلًا شَرْعِيًّا، بمعنى أنه عَهِدَ إلى عقبه أن يُوَحِّدوا الله عز وجل، فمنهم مَن أطاع، ومنهم مَن عصى. في هذه الآية الكريمة: مَزِيَّة عظيمة لإبراهيم عليه السلام، وهي إعلانه بالبراءة مما يعبد قومه، إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. ومنها: التوحيد الخالص في إبراهيم؛ لقوله: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، وهذا معنى قوله: (لا إله إلا الله)، فـإِنَّنِي بَرَاءٌبإزاء (لا إله)، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي؟ أجيبوا. طلبة: (إلا الله). الشيخ: بإزاء (إلا الله)، إذن هذه الكلمة إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَبمعنى (لا إله إلا الله) تمامًا، أليس كذلك؟ طالب: إي نعم. الشيخ: ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يقرن الحكم بالدليل؛ لأنه أبلغ، ذلك حين قال إبراهيم: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة الرجاء، أي: رجاء إبراهيم بالله عز وجل؛ لقوله: فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، والسين هذه تدل على التحقيق، والهداية نوعان؛ النوع الأول: هداية الدلالة، وهذه تكون من الله، ومن عباد الله، والثاني: هداية التوفيق للحق، وهذه لا تكون إلا من الله عز وجل، لا أحد يَمْلِكُهَا، استمع، الهداية نوعان: الأول؟ الطلبة: هداية الدلالة. الشيخ: هداية الدلالة، بمعنى الدلالة على الحق، وهذه تكون من الله، ومن غيره، والثاني: هداية التوفيق، وهذه لا تكون إلا من الله وحده، لا أحد يملكها، نسأل الله أن يَهْدِيَنَا وإياكم. ثم الآيات الواردة في هذا منها ما يتعين حمله على هداية التوفيق، ومنها ما يتعين حمله على هداية الدلالة، ومنها ما يشمل الأمرين، الآيات الواردة في الهداية، فقول المصلي: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] يشمل؟ طلبة: هداية الدلالة. الشيخ: الأمرين: هداية الدلالة؛ وهي العلم، وهداية التوفيق؛ وهي العمل، فهل أنت أيها المصلي تشعر بهذا إذا قلت: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ؟ أو تشعر بأنك تتلو قرآنًا فقط؟ أخبرونا بالصدق. طالب: الثاني. الشيخ: الثاني غالبًا، ما هو كل الناس، أكثر الناس يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَيقرؤها على أنها آية تُقْرَأ، لا يشعر بأن المعنى: اهْدِنِي عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل، ما يشعر بهذا، لكن استشعر هذا الشيء حتى تعرف على أي شيء تُؤَمِّن. مثال هداية الدلالة وحدها: قول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] هذه هداية أيش؟ الطلبة: دلالة. الشيخ: الدلالة، يعني: تدل الناس إلى الصراط المستقيم، ومثال دلالة هداية التوفيق قول الله تبارك وتعالى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: ٥٦] يقوله للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني: لن توفِّق أحدًا للهداية ولو كنت تحبه، ولهذا حاول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين حضر عمَّه أبا طالب وهو في سياق الموت، حاول أن يُوَحِّد اللهَ ولكن عجز، قال في سياق الموت: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» ، وكان عنده رجلان من قريش جليسا سوء، فقالا لأبي طالب: أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، شوف -والعياذ بالله- النخوة، أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، يعني جده الذي تفتخر به قريش، فكان آخر ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فما هي الهداية التي عجز عنها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؟ الطلبة: هداية التوفيق. الشيخ: هداية التوفيق، أما هداية الدلالة فقال: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قول الله عز وجل: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧]، من أي النوعين؟ الطلبة: الدلالة. الشيخ: هداية الدلالة، قوله تعالى: اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: ١٢١]. طلبة: يشمل الأمرين. الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا. من فوائد هذه الآية الكريمة: تمام نصح إبراهيم عليه السلام لِعَقِبِهِ، حيث جعل كلمة التوحيد باقية فيهم، وهذا بمنزلة الوصية للعَقِب أن يقوموا بهذه الوصية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى ما كان عليه الأسلاف من الحق؛ لقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
تفسير الآية (٢٩)
٠٠:٣٣:٤٧
ثم قال الله عز وجل: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف: ٢٩]، بَلْهذه للإضراب، إضراب إبطال أو انتقال. طالب: انتقال. الشيخ: إضراب انتقال؛ لبيان مِنَّةِ الله عز وجل على قريش، (مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِالمشركين، أي: أَبْقَيْتُهُم، وآباءهم، ولم أعاجلهم بالعقوبة)، بل أبقاهم بدون عقوبة مع شركهم وكفرهم واتخاذ الأصنام كاللات والعزى وهبل ومناة، حَتَّىللغاية، يعني: إلى أن جاءهم الحق وَرَسُولٌ مُبِينٌ، حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّيقول: (القرآن)، والصواب ما هو أعم؛ القرآن والإسلام والسُّنَّة، فهو أعم مما قاله المؤلف، ونحن نقول بالقاعدة التي أشرنا إليها قبل قليل، وهي أيش؟ طلبة: لا نخصصه. الشيخ: إبقاء القرآن على عمومه لا نخصصه، فنقول: جَاءَهُمُ الْحَقُّأي: الذي أتى به رسول صلى الله عليه وسلم من القرآن والسُّنَّة وغير ذلك من الشرعية، ({وَرَسُولٌ مُبِينٌ}: مُظْهِرٌ علم الأحكام الشرعية، وهو محمد صلى الله عليه وسلم)، رَسُولٌنَكَّرَهُ للعلم به، ونَكَّرَهُ للتعظيم، وقوله: (مُبِينٌأي: مُظْهِرٌ للأحكام الشرعية)، والأمر كما قال الله عز وجل. في هذه الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل بيده كل شيء، إن شاء مَتَّعَ الناس وأبقاهم، وإن شاء أهلكهم؛ لقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ، فالتمتيع عائد إليه وحده. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل له حكمة في إبقاء الكافر على وجه الأرض، وإلا لأهلكه، لكن له الحكمة، من الحكمة أن يأتي حق فيؤمن به فيسعد في الدنيا والآخرة، ومن الحكمة في بقاء الكفار أن يكون في ذلك امتحان للمؤمنين مع هؤلاء الكفار بجهاد الكفار وظهور نعمة الله عز وجل على المسلمين بالإسلام. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق، إن كان أخبارًا فهي أيش؟ صِدْق، وإن كانت أحكامًا فهي عدل، وليس فيما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باطل، كله حق. ومن فوائد الآية الكريمة: أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول الله حقًّا. ومن فوائدها: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَيَّنَ كل ما تحتاج أمته إليه؛ من خير فتفعله، ومن شر فتتركه. قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد تُوُفِّيَ رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما طائر يُقَلِّبُ جناحيه في السماء إلا ذَكَرَ لنا منه علمًا .
وإذا شئت مِصْدَاق هذا القول فانظر، الشريعة الإسلامية جاءت لتقرير التوحيد، وهذا أعظم ما يكون، جاءت ببيان الصلاة والزكاة والحج والصيام، جاءت بآداب الأكل والشرب، جاءت بآداب التَّخَلِّي منهما؛ من الأكل والشرب، جاءت بآداب اللباس، حتى لبس الثوب جاءت الشريعة ببيانه، تُدْخِلُ الكُمَّ الأيمن قبل الأيسر، وتخلع الأيسر قبل الأيمن، جاءت بآداب معاملة الناس بعضهم مع بعض، كل شيء دقيق أو جليل فالشريعة جاءت ببيانه، ولله الحمد، لكن يَضِلُّ مَن يَضِلُّ، ويهتدي مَن يهتدي.
تفسير الآية (٣٠)
٠٠:٣٩:٤٣
قال الله عز وجل: وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٣٠] -نسأل الله العافية- لما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر، ويَعْنُونَ به القرآن؛ لأن القرآن أَبْيَنُ الكلام وأفصح الكلام، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» ، ولهذا كانت قريش تأتي خُفْيَةً في الليل لتستمع قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أَخَذَ بِأَلْبَابِهَا، وجرَّها جَرًّا عنيفًا إلى استماعه، فقالوا: هذا سِحْر، سَحَرَنا محمد، محمد ساحر، كاهن، مجنون، قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ-نسأل الله العافية- أَكَّدُوا أنهم كافرون به؛ لأنه على زعمهم؟ طلبة: ساحر. الشيخ: سِحْر، وإذا كان القرآن سِحْرًا فالذي جاء به يكون ساحرًا، ولهذا لَقَّبُوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بألقاب السوء حتى ينفر الناس من دعوته، ولكن -والحمد لله- كلما أَحْدَثُوا شرًّا أحدث الله خيرًا. من فوائد هذه الآية: شدة عناد المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث زعموا أن ما جاء به سحر مع أنه حق. ومن فوائد الآية: شدة عنادهم، حيث أعلنوا إعلانًا صريحًا أنهم كافرون به، قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ.
تفسير الآيتين (٣١-٣٢)
٠٠:٤١:٤٩
وقالوا أيضًا لما جاءهم الحق: (وَقَالُوا لَوْلَا [الزخرف: ٣١]: هَلَّا)، نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] لَوْلَابمعنى: هَلَّا، ولها أمثلة، مثل قوله تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور: ١٣] أي: هَلَّا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، وقوله: نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ، هذه عِلَّةٌ أخرى لِرَدِّهِم للقرآن، يقولون: لو كان هذا القرآن نزل على رجل عظيم من القريتين؛ وهما مكة والطائف، يعني لكُنَّا قبلناه، لكنه لم ينزل على رجل عظيم من القريتين فلا نقبله، وسبحان الله! ما أعظم عنادهم! إن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو أعظم رجل في قريش، إن نظرت إلى السلسلة سلسلة آبائه وجدت الأمر كذلك، وإن نظرت إلى خُلُقِهِ ومعاملته وجدت الأمر كذلك، حتى كانوا يُلَقِّبُونَه بالأمين، ولَمَّا جاء الحق صار كَذَّابًا، صار ساحرًا، صار مجنونًا، صار كاهنًا. إذن تَعَلَّلُوا الآن بعلة ثانية، غير أن القرآن سِحْر، ما هي؟ طلبة: (...). الشيخ: العلة الثانية قالوا: لو أن هذا لقرآن نزل على رجل عظيم من أهل الطائف أو أهل مكة لقَبِلْنَاه، ولكن نزل على محمد، وليس عظيمًا في قومه فلا نقبله. يقول الْمُفَسِّر: (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ، أي: من أَيَّةٍ منهما)؛ إما مكة، وإما الطائف، عَظِيمٍأي: مُعَظَّمٍ في قومه، ثم سَمَّاهُم فقال: (أي الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف)، هذا التعليل يحتاج إلى دليل، فإذا صَحَّ من حيث التاريخ أن أهل مكة يعنون هذين الرجلين فلا غرابة، وإلا تبقى الآية على إبهامها، وأنهم تَعَلَّلُوا بهذه العلة الباطلة بأن القرآن لم ينزل على رجل عظيم من القريتين. قال الله عز وجل: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢]، الاستفهام هنا للإنكار، يعني: هل هم الذين يقسمون رحمة الله فيجعلون لهذا حظًّا ولهذا حظًّا، أو يقولون: هذا لا يستحق، وهذا يستحق، أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] قال المؤلف: (بالنبوة)، وهذا أيضًا مما يُؤْخَذ على المؤلف، كيف ذلك؟ طالب: خَصَّص. الشيخ: خَصَّهَا بالنبوة، ونحن نقول: بالنبوة وغيرها، هم لا يقسمون رحمة الله، لا بالنبوة، ولا بالقوة، ولا بالأكل، ولا بالشرب، ولا غير ذلك، قال الله عز وجل: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: ٣٢]، وهذا دليل حِسِّيّ لا بمكن إنكاره، يعني: إن كانوا صادقين هم الذي يقسمون رحمة الله فلينظروا، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: ٣٢] أي: قَدَّرْنَاهَا، هذا غني، وهذا فقير، وهذا متوسط، هذا قادر، وهذا عاجز، أليس كذلك؟ هل تُنْكِرُ قريش هذا؟ لا تنكره؛ لأن هذا شيء معلوم ملموس محسوس، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فجعلنا بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا، وهذا مثال، وإلا نقول: وجعلنا بعضهم قويًّا وبعضهم ضعيفًا، وبعضهم قادرًا وبعضهم عاجزًا، وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف: ٣٢]، إلى آخره. أسئلة خمس دقائق. طالب: شيخ، قوله: مَتَّعْتَهُمْ [الفرقان: ١٨] الفاعل هو الله عز وجل؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: وهل يَتَّصِفُ الله بهذا؟ الشيخ: أفعال الله ما لها حصر، فالذي مَتَّعَهُم هو الله عز وجل، كل ما في الكون فهو من فعل الله، فلا حصر لها. طالب: شيخ بارك الله فيك، هل للإنسان أن يقول يدعو يقول: يا رب اهدني من هداية التوفيق، يُعَيِّن هداية معينة؟ الشيخ: لا، يقول: اللهم اهدني، وينوي الهدايتين، أو يقول: اللهم عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل الصالح. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن الإنسان ما يُفَسِّر الآية بما هو أخص. الشيخ: أخص من عمومها، إلا بدليل. الطالب: لا بدليل، يا شيخ، أحسن الله إليك، إذا قال القائل: الآية هذه رَحْمَتَ رَبِّكَمذكورة في سياق، وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ.. اختص النبوة أن تكون لأحد الرجلين، من القريتين عظيم؟ الشيخ: لا، نقول: نعم السياق هو في النبوة، لكن إذا كان عامًّا دخلت فيه النبوة، ولهذا قال الأصوليون: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الطالب: السياق ما يكون دليلًا؟ الشيخ: لا، ما يكون دليلًا؛ لأننا إذا قلنا: إنها عامّ، لم يُخْرِج ما دل عليه السياق، أما إذا كان يُخْرِج ما دَلَّ عليه السياق فمعلوم أنه لا يصح، ويش عندنا؟
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١]، من قال هذا؟ كفار قريش، وما المراد بالقريتين؟ طالب: مكة والطائف. الشيخ: مكة والطائف، قال الله عز وجل -مبتدأ درس اليوم-: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، الاستفهام هنا للنفي، يعني: ليسوا هم الذين يَقْسِمُونَ رحمة الله فيوزعونها كيف شاؤوا، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء، قال: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ: النبوة)، هكذا خَصَّهَا المؤلف رحمه الله بالنبوة بناء على قولهم: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، ولكن الصحيح في مثل هذا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا نقول: المراد برحمة الله ما هو أعمُّ من النبوة، يعني: النبوة، وسعة الرزق، والأمن، وكثرة الأولاد، وما أشبه ذلك، هل هم الذين يَقْسِمُون هذا؟ الجواب بالنفي: لا. ثم بَيَّنَ الله تعالى حجةً عليهم لا يمكنهم التخلص منها، فقال: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وهذا شيء لا يستطيعون إنكاره، فجعلنا بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا. (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْبالغِنَى)، فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، يقول: (بالغنى)، ولكن هذا أيضًا من القصور، والصواب أنه رفع بعضهم فوق بعض درجات في الغنى، والعلم، والعقل، والخُلُق، وغير ذلك، رفع الله بعض الناس على بعض درجات، أي: درجات واسعة. لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢]، قال المؤلف: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ: الغَنِيُّ، بَعْضًا: الفقيرَِ، سُخْرِيًّا: مُسَخَّرًا في العمل له بالأجرة، والياء للنسب، وقُرِئَ بكسر السين). رفع الله بعضهم فوق بعض درجات، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْيقول المؤلف: الأغنياء، بَعْضًا: الفقراء، فما تقول؟ طالب: تخصيص. الشيخ: هل هذا قاصر أو لا؟ الطالب: قاصر. الشيخ: قاصر؛ لأن المراد لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّاحتى في غير الغنى، حتى في الذكاء، حتى في الصناعة، فتجد الرجل -مثلًا- عنده خبرة بالصناعة، يأتي بالعمال، هو فوقهم، كذلك بالذكاء، يجلس مع قوم ويتحدث إليهم بذكائه الْمُفْرِط وهم دون ذلك، فيرفعه الله. المهم أنه لا يجوز أن نُخَصِّص القرآن نخصص عمومه إلا بدليل، وقوله رحمه الله: (الياء للنسب)، أي: لنسب التسخير، وقوله: (قرئ بكسر السين)، (قرئ) المؤلف له اصطلاح لا بد أن نفهمه؛ إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: (قرئ) فهي شاذة، هذا اصطلاحه، فهنا يقول: (قرئ بكسر السين) فتكون القراءة شاذة خارجة عن القراءات السبع، انتبه، وهذا هو الصواب أنها قراءة شاذة؛ لأن السين بالكسر: الاستهزاء، كما قال عز وجل: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ [ص: ٦٣]، وقال سبحانه وتعالى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون: ١١٠] أي: هزءًا، وأما بالضم سُخْرِيًّافهو من التسخير، يعني: التذليل، أفهمتم؟ إذن هنا كلمتان (سِخريًّا) و(سُخريًّا)، ما الفرق بينهما؟ طالب: (سِخريًّا) بالكسر من التسخير. الشيخ: (سِخريًّا) بالكسر من التسخير، وبالضم؟ الطالب: (سُخريًّا) من السخرية. الشيخ: من السخرية، أخطأت. طالب: إذا قال: (سُخريًّا) من التسخير. الشيخ: (سُخريًّا) بضم السين من التسخير. الطالب: وبكسرها من الاستهزاء. الشيخ: منين؟ الطالب: من الاستهزاء. طالب آخر: العكس يا شيخ. الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. طالب: (سُخريًّا) تَذَلُّل. الشيخ: نعم، (سُخْريًّا) بضم السين من؟ الطالب: من التسخير. الشيخ: من التسخير وهو التذليل. الطالب: وبالكسر من الاستهزاء. الشيخ: من السُّخْرِيَّة وهي الاستهزاء. ما المناسب هنا؛ الضم أو الكسر في القرآن؟ طلبة: الضم. الشيخ: الضم؛ لأنه من التسخير، لولا اختلاف الناس هذا الاختلاف لتعطلت المصالح، لو كانوا كلهم أغنياء مَن يقوم بالعمل؟ أجيبوا يا جماعة. طلبة: لا أحد. الشيخ: لا أحد يقوم؛ لأنه إذا طلب منه أن يعمل قال: إذا كان عندك ألف ريال فأنا عندي ألفان، كذلك أيضًا في بقية الأوصاف، لولا هذا الاختلاف ما قامت الدنيا أبدًا، وهذا من حكمة الله عز وجل. ثم هناك حكمة أخرى، وهي أن يُعْرَف بهذا قدرة الله تبارك وتعالى، حيث جعل هذا البشر من جنس واحد، وبقوى واحدة، ومع ذلك يتفاضلون تفاضلًا كبيرًا فيما أعطاهم الله عز وجل من الغنى وغيره، هذا جملة معترضة (...). .. عز وجل: (ورحمة ربكأي: الجنة، خير مما يجمعونفي الدنيا). قوله: وَرَحْمَتُ رَبِّكَأي: الجنة، فيه أيضًا شيء من القصور، الرحمة تُطْلَق على الجنة بلا شك، كما قال الله تعالى لها يخاطبها: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» ، وقال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧]، يعني: الجنة، لكن ينبغي أن يقال: رحمة الله أعمّ من هذا، حتى رحمة الله تعالى للعبد بهدايته للإسلام والإيمان خير مما يجمعون، فالأَوْلَى التعميم دون التخصيص. في هذه الآية فوائد، منها: مجادلة المشركين بالباطل؛ لقوله، الدليل؟ طالب: نعم. الشيخ: مجادلة المشركين بالباطل، من أين تؤخذ؟ ما عندك علم؟ طالب: قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ. الشيخ: غلط. طالب: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. الشيخ: لقولهم: لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، وجه ذلك أن قريشًا تعرف أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحق الناس بالرسالة لو صَدَّقُوا بها؛ لأنه من خيرة العرب نسبًا، ولأنه الأمين الصادق، وهم يُسَمُّونَه الأمين من قبل أن يأتي بالرسالة. ومن فوائد هذه الآية: أن القرية تُطْلَق على المدن الكبيرة، بل على أُمِّ المدن؛ لقوله: مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، ولقوله تعالى في آية أخرى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد: ١٣]، ما هي قريته التي أخرجته؟ طالب: مكة. الشيخ: مكة، في عُرْفِنَا الآن تُطْلَق القرية على المدينة الصغيرة، ولو قلت لأهل المدينة الكبيرة: أنتم أهل القرية، لاشتاطوا غضبًا، ولكن يقال: القرآن بيننا، القرية تُطْلَق حتى على المدينة الكبيرة؛ لأنها مأخوذة من القَرْي وهو الاجتماع. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الله تعالى عليهم، وبيان أنهم ليسوا الذين يَقْسِمُون رحمة الله؛ لقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ.
ومن فوائدها: إقامة الدليل الذي لا انفكاك عنه بأنهم لا يستطيعون قَسْم رحمة الله، تُؤْخَذ؟ طالب: قوله: أهم يقسمون رحمة الله. الشيخ: غلط. طالب: قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ. الشيخ: تؤخذ من قوله: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ، فهذا لا يمكنهم إنكاره، هم يعرفون أن فيهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، والذكي والبليد، والعاقل والسفيه، هم يعرفون هذا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة في أن الله عز وجل جعل الناس على درجات؛ لقوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. ومن فوائد الآية: إثبات التعليل والحكمة لأفعال الله سبحانه وتعالى، أي أنه عز وجل يفعل لحكمة، لا بد أن يكون لحكمة؛ لقوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا؛ لأن اللام هنا للتعليل، وتعليل أحكام الله الكونية موجود بكثرة في القرآن، وهل الأحكام الشرعية كالإيجاب والتحريم والإباحة مُعَلَّلَة؟ الجواب: نعم، مُعَلَّلَة، كل حُكْم من أحكام الله الكونية أو الشرعية فلا بد له من حكمة، ولكن هنا سؤال: هل هذه الْحِكَم معلومة للخلق أو ليست معلومة؟ فالجواب: منها ما هو معلوم، ومنها ما ليس بمعلوم، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: لأن عقولنا قاصرة، مهما بلغنا من العقل فهو قاصر. إذن خذ هذه الفائدة: جميع أحكام الله الكونية والشرعية مُعَلَّلَة بحكمة، لكن من الْحِكَم ما نعلمه، ومنها ما لا نعلمه، هكذا يجب. فإن قال قائل: أيُّمَا أبلغ في التعبد؛ أن يعبد الله وهو لا يعرف الحكمة، أو أن يعبد الله وهو يعرف الحكمة؟
فالجواب: أما من جهة التَّذَلُّل الْمُطْلَق فتَعَبُّد الإنسان بشيء لا يعرف حكمته أبلغ ما تَعَبُّدِه بشيء يعرف حكمته؛ لأنه إذا تعبَّد لله بشيء يعرف حكمته فإنه قد يتعبَّد لله من أجل هذه الحكمة، لكن إذا لم يَعْرِف الحكمة صار أبلغ في التَّذَلُّل، كأنه يقول: سأعبد الله سواء عرفت الحكم من هذا أو لا. مثال ذلك: رَمْيُ الجمرات في الحج، يأتي الإنسان بحصى معينة ويرميها في مكان معين، بينما لو أتى بأضعاف هذه الحصى بعد عشرة أيام ورمى في هذا المكان لعُدَّ هذا عبثًا، فما الحكمة؟ الجواب: الحكمة أن ذلك لإقامة ذِكْرِ الله، ولهذا كلما رمى الإنسان قال: الله أكبر، ثانيًا: أن يظهر بذلك أثر التَّعَبُّد الْمُطْلَق، حيث يفعل الإنسان هذا الفعل دون أن يعرف الغاية منه على وجه التحديد، وأمثال هذا كثير. ولهذا أطلق الفقهاء -رحمهم الله- على الأحكام التي لا تُعْلَم حكمتها اسم تَعَبُّدِيَّة، أو هذا تعبُّد، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه ليس الغرض منه إلا إقامة العبادة لله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز استخدام العُمَّال، من قوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحكمة العظيمة في هذا، أي: في التفاوت؛ لأنه لولا هذا التفاوت ما عُرِفَ قدر نعمة الله على الغَنِيّ بالغِنَى، وعلى العاقل بالعقل، وعلى القوي بالقوة، وهكذا، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: نعم، لولا الجنون ما عُرِفَ قدر قيمة العقل، ولولا المرض ما عُرِفَ قدر قيمة الصحة، أتوافقون على هذا؟ طلبة: نعم. الشيخ: إذن، هذا من الحكمة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله عز وجل، ومنها الجنة، خير مما يجمعون، أي: من كل ما يجمعون؛ لأن الله الغاية التي يسعى إليها كل مؤمن، بل يجب يسعى إليها كل عاقل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى خطورة الجمع، أي: جمع الأموال، وأن ذلك قد يُنْسِي الآخرة، وهو كذلك، جمع الأموال يُنْسِي الآخرة، إلا مَن رحم ربي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، وهذا هو الواقع، الدنيا والدين في الغالب لا يجتمعان، إلا من رحم الله، وكم من إنسان كان فقيرًا مستقيمًا على دين الله فأغناه الله، فصار غِنَاه سببًا لطغيانه واستغنائه عن ربه، قال الله عز وجل: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧].
تفسير الآيات (٣٣-٣٩)
٠١:٠٧:٢٣
ثم قال عز وجل: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا [الزخرف: ٣٣]، إلى آخره، لَوْلَاهذه حرف فيها شرط، لولا كذا لكان كذا، فهي حرف امتناع لوجوب، لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا، لكن امتنع الْجَعْل لِئَلَّا يكون الناس أمة واحدة، لَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةعلى أي شيء؟ على الكفر، بدليل قوله: لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: ٣٣]، لَجَعَلْنَاأي: صَيَّرْنَا، لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِوهو الله عز وجل، لِبُيُوتِهِمْبدل مِن لِمَنْ؟ بدل أيش؟ مر علينا البدل قريبًا. طالب: اشتمال. الشيخ: بدل اشتمال، لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ، والبدل هو المقصود بالحكم، فيكون المعنى: لجعلنا لبيوت مَن يكفر بالرحمن، {سَقْفًا} بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعًا، بفتح السين وسكون القاف أي: سَقْفًا، مُفْرَد، وبضمهما جمعًا: سُقُفًا. الْمُفَسِّر قال: بهذا وهذا، فهل يعني ذلك أنهما قراءتان؟ فالجواب: نعم، هما قراءتان سَبْعِيَّتَان؛ لأنه لم يُحْفَظ أحدهما على الآخر، فهما صحيحان، وهذا أيضًا من أسلوبه -رحمه الله- أنه إذا قال: بكذا وكذا، فهما قراءتان سَبْعِيَّتَان. إذن يجوز أن تَقْرَأ: {لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ}، أو لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ، أفهمت؟ مِنْ فِضَّةٍوهي معروفة، (وَمَعَارِجَكالدَّرَج من فضة أيضًا، عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ: يَعْلُونَ إلى السطح)، وَلِبُيُوتِهِمْأي: وجعلنا لبيوتهم أيضًا، أَبْوَابًايعني: (من فضة)، وجعلنا لهم سُرُرًا يعني: (من فضة، جمع سرير)، عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَأي: يعتمدون، وَزُخْرُفًا: (ذهبًا). استمع لهذا التصوير، يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا لجعلنا للكافر هذه البيوت سُقُفًا من فضة، يعني بدل ما يكون السقف من خشب، أو من صَبَّات أسمنت، يكون من فضة، والمراد فضة لامعة تجذب النظر، وتسر العين. مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَقيل: إنها الدَّرَج، وقال بعض المتأخرين: إنها المصاعد الكهربائية التي تسمى أسانسير، ولفت، ومصعد، وما أشبه ذلك؛ لأن الدرج العادية لا تلفت النظر كثيرًا، ولهذا قال: عَلَيْهَا يَظْهَرُونَأي: يَعْلُون حتى يصلوا إلى السقف، وأيًّا كان هذا أو هذا فإنها دَرَج غريبة ليست كالدَّرَج المعتاد، والثالث: أبواب. طلبة: أبواب. الشيخ: أبواب، المؤلف يقول: (من فضة)، بناء على ما ذُكِرَ في أول الآية، سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ، ولكن هذا ليس بِمُتَعَيِّن، بل نقول: أَبْوَابًا: أبوابًا فخمة، ليست كالمعتادة، سواء من فضة، أو من حديد، أو من خشب، المهم أنها أبواب غير معتادة. وَسُرُرًاجمع سرير، وهو ما يُجْلَس عليه، عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، أيضًا مع السُّرُر متكأ يَتَّكِئ عليه، أي: يُعْتَمَد، سواء من خلف الظهر، أو من اليمين، أو من الشمال، وهو كناية عن كثرة الإرفاه. وَزُخْرُفًاهذا الذهب، فهي كم من واحد؟ سُقُفًا من فضة، معارج عليها يظهرون، أبوابًا فخمة، سُرُرًا مُرِيحَة، زُخْرُفًا، يعني ذهب، خمسة أشياء، يعني المعنى: (لولا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذُكِرَ لأعطيناه ذلك لقلة خَطَر الدنيا عندنا، وعدم حَظِّه في الآخرة في النعيم). ووجه ذلك أن النفوس مَيَّالَةٌ إلى اللهو واللعب والتَّرَف، فإذا رأى الإنسان هذا الترف للكافر فإن ذلك يُغْرِيه ويَغُرُّه، كما يُفْعَل الآن بالنسبة للمُنَصِّرِين ضُلَّال النصارى، يمشون على الأقاليم الفقيرة، ويُزَيِّنُون لهم الدنيا، وهؤلاء الفقراء يتبعونهم؛ لأن النفوس مجبولة على محبة المال والفخر والخيلاء. قال عز وجل: وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: ٣٥]، الْمُفَسِّر قال: (إنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة) الْمُشَدَّدَة، والْمُخَفَّفَة ما حُذِفَ تشديدها، (وإنْ مُخَفَّفَة من الثقيلة، {كُلُّ ذَلِكَ لَمَا} بالتخفيف، فـ(ما) زائدة، وبالتشديد بمعنى (إلَّا))، أي أن فيها قراءتين: {لَمَا} ولَمَّا، (فـ(إن) نافية)، خَلَّطَ المؤلف رحمه الله. الآن (إن) أعربها على أنها مُخَفَّفَة من الثقيلة فهي مؤكِّدة، ثم قال في الأخير: فإن نافية، وفرق بين الإثبات والنفي، لكن هذا ينبني على (لَمَا) إن قُرِئَت بالتخفيف فـ(إنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وإن قُرِئَت بالتشديد فـ(إنْ) نافية، انتبه. فصار اختلاف الإعراب في (إنْ) مبنيًّا على اختلاف القراءة في (لَمَا)، فعلى قراءة التشديد تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إِلَّا)، وشاهد هذا قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وأما إذا قُرِئَت (لَمَا) بالتخفيف فـ(إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة، وتكون (مَا) زائدة، ويكون التقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا؛ لأن (ما) زائدة، أرجو الانتباه. (لَمَا) فيها قراءتان؛ الأولى: التشديد، وبناء على هذه القراءة تكون (إنْ) نافية، و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، والشاهد لهذا قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ، أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ، القراءة الثانية: (لَمَا) بالتخفيف، وعلى هذه القراءة تكون (إِنْ) مُخَفَّفَة من الثقيلة بمعنى (إِنَّ)، وتكون (ما) زائدة، ويكون تقدير الكلام: إن كل ذلك لَمَتَاعُ الحياة الدنيا، واضح ولَّا غير واضح؟ الطلبة: واضح. الشيخ: المؤلف رحمه الله دَمَجَ القراءتين، ولكن هذا هو التفصيل، كيف التفصيل؟ طالب: إن كانت .. الشيخ: إن كانت (لَمَّا) مشددة. الطالب: تكون (إنْ) نافية. الشيخ: تكون (إنْ) نافية. الطالب: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا). الشيخ: و(لَمَّا) بمعنى (إلَّا) تمام، والتقدير: ما كل نفس إلا عليها..