تفسير سورة البقرة - ٧٤
درس صوتي · ٩٣:٤٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
خير سواء أخفاها أو أظهرها؛ لقوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١]. ومنها: أن الإسرار بالصدقة أفضل؛ لقوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وللحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وذكر منهم: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» ، ولكن قد يكون في الإظهار خير يرجح على الإسرار، كما لو كان هذا الفقير طلب منا أن نعينه ونساعده، فأظهرتَ الصدقة عليه من أجل أن يقتدي بك الناس، فهذا يكون خيرًا. ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضُل الأعمال، أن بعض الأعمال أفضل من بعض؛ لقوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، أليس كذلك؟ نعم؛ لأن الإنسان يشرف بعمله ويفضل بعمله، وتفاضل الأعمال يستلزم زيادة الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، فإذا تفاضلت الأعمال تفاضل الإيمان، وهذا كله دليل على مذهب أهل السنة والجماعة وهو تفاضل الأعمال والعمال، وقد ذكرنا فيما سبق أن لأسباب فضل العمل أن له أسبابًا ستة أو سبعة، مرت علينا سابقًا فراجعوها، فهنا فيه تفاضل الأعمال الذي يستلزم تفاضل الإيمان، وأهل السنة الجماعة يؤمنون بأن الإيمان يزيد وينقص كما سيأتي إن شاء الله تعالى في العقيدة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدقة سبب لتكفير السيئات؛ لقوله: وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة: ٢٧١] قراءة، نُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ، ويشهد لهذا أيضًا، بل يؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ» . ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومعنى الاختيارية التي يفعلها بمشيئته وإرادته، وليس المعنى أن الله تعالى قد يكره على العمل، لا؛ لقوله: {وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ}. ومن فوائد الآية: بيان آثار الذنوب، وأنها تسوء العبد؛ لقوله: مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ. ومنها: إثبات الاسم لله عز وجل الخبير، وإثبات ما دل عليه من صفة. ومنها: تحذير العبد من المخالفة؛ لقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: ٢٧١] فإن إخباره إيانا بذلك يستلزم أن نخشى من خبرته عز وجل، فلا يَفْقِدُنا حيث أَمَرنا ولا يرانا حيث نهانا.
تفسير الآية (٢٧٢)
٠٠:٠٤:١٢
ثم قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة: ٢٧٢] الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْهُدَاهُمْالضمير يعود على بني آدم، والهدى هنا المنفي هدى التوفيق، وأما هدى البيان فهو على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧]، ولقوله تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [الشورى: ٤٨]، وقال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١، ٢٢]، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: ٤٠]، إلى آيات كثيرة تدل على أن على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهدي الناس هداية الدلالة والإرشاد، أما هداية التوفيق فليست على الرسول ولا إلى الرسول، لا يجب عليه أن يهديهم وليس بقدرته واستطاعته أن يهديهم، ولو كان بقدرته أن يهديهم لهدى عمه أبا طالب، ولكنه لا يستطيع ذلك؛ لأن هذا إلى الله تعالى وحده، وإذا كان ليس عليه هداهم، فمن الذي يتولى ذلك؟ استمع قال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٧٢] هداية دلالة وإرشاد ولَّا هداية توفيق؟ نعم، جميعًا، جميعًا لكن أنصها هداية التوفيق؛ لأنها جاءت بعد نفي الهداية من الرسول عليه الصلاة والسلام. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٧٢] لما بين الله عز وجل أحوال المتصدقين وأحوال المرابين وأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يتصدق العبد لما يتضمنه صدقته من المعروف والإحسان، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُوالآيات السابقة ليس فيها تعرض للربا لكن فيها تعرض للإنفاق وعدم الإنفاق، الإنفاق والبخل، والربا سيأتي إن شاء الله فيما بعد. قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والهدى الذي نفى الله وجوبه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو هدى التوفيق، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُلزَم بأن يهتدي الناس، إنما يَلزَمُه البلاغ، أما اهتداء الناس فهو إلى الله؛ ولهذا قال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وأما هداهم الذي بمعنى إبلاغ الرسالة إليهم، وإبلاغ الوحي فإنه واجب على الرسول صلى الله عليه وسلم يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] لكن هدى التوفيق ليس إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُيعني: ولكن الهداية على الله عز وجل كما قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى [الليل: ١٢، ١٣] فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي من يشاء، ويهدي هداية توفيق وهداية إرشاد وبيان، فالله عز وجل هو الذي يبين لخلقه ويوفق من شاء من خلقه للهداية، وقوله: مَنْ يَشَاءُمر علينا كثيرًا بأن تعليق الفعل بالمشيئة أو تقييد الفعل بالمشيئة مربوط بماذا؟ بالحكمة؛ لأن الله تعالى لا يشاء شيئا إلا والحكمة تقتضي مشيئته، وعلى هذا فيكون يَهْدِي مَنْ يَشَاءُممن هو أهل للهداية، كما قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] أما من ليس أهلًا للهداية فإن الله تعالى لا يهديه؛ لأنها حقت عليه كلمة العذاب، ولأنه زاغ فأزاغ الله قلبه. قال: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٧٢] وليس لله عز وجل فالله تعالى لا ينتفع به مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْتقدمونه، وما لا تنفقونه فقد حرمتم أنفسكم، قوله: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍما هذه شرطية بدليل اقتران الجواب بالفاء في قوله: فَلِأَنْفُسِكُمْ، وقوله: مِنْ خَيْرٍبيان لما الشرطية؛ لأن ما الشرطية مبهمة تحتاج إلى بيان يعني: أي خير تنفقونه فلأنفسكم، وما المراد بالخير؟ الخير كل ما بذل لوجه الله عز وجل من مال أو منفعة وأغلب ما يكون في الأموال، ولكن قد يكون في المنافع أيضًا، وقوله: فَلِأَنْفُسِكُمْالفاء رابطة للجواب، والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فهو لأنفسكم، يعني: وليس لغيركم، وهذا كقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩]. وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٢] يعني: ما تنفقون إنفاقًا ينفعكم إلا ما ابتغيتم به وجه الله، فأما ما ابتغي به سوى الله فلا ينفع صاحبه بل هو خسارة عليه، وقوله: إِلَّا ابْتِغَاءَأي: طلب، وقوله: ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِالمراد به الوجه الحقيقي، وذلك أن الإنسان إذا كان من أهل الجنة فإنه ينظر إلى الله عز وجل ينظر إليه نظرا حقيقيا بالعين، كما قال الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» إذن، إلا طلب وجه الله أي وجهه الحقيقي الذي هو صفته؛ لأن من وصل إلى الجنة نظر إلى وجه الله، فيكون أعلى مطلوب للإنسان في عمله الصالح هو النظر إلى وجه الله عز وجل، إذن المراد بالوجه؟ الأخ، المراد بالوجه الحقيقي ولَّا الجهة؟ طالب: الحقيقي. الشيخ: كيف يبتغي الإنسان يطلب الإنسان وجه الله؟ وأيش لون يعني؟ الطالب: النظر إلى وجه الله. الشيخ: النظر إلى وجهه الذي يكون في دار كرامته وهي الجنة. إذن ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله. إذا قال قائل: ألسنا نرى أحدًا ينفق لغير وجه الله؟ فالجواب: بلى، نرى ذلك، لكن الإنفاق النافع هو الذي ابتغي به وجه الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» . وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [البقرة: ٢٧٢] ما هذه أيضًا شرطية بدليل جزم الجواب يُوَفَّفإنه مجزوم بحذف حرف العلة وهي الألف، مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍيعني: أي خير تنفقونه من الأموال قليلًا كان أو كثيرًا يُوَفَّ إِلَيْكُمْأي: تعطونه، وكيف يوفى؟ «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» . قال: وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٧٢] يعني: لا تظلمون بنقص شيء من ثواب ما أنفقتموه، بل تعطونه وافيًا كاملًا، بل ليس الأمر أننا لا نظلم فقط بل نزاد، وتضاعف لنا الحسنات «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»، والإنسان «إِذِا تِصِدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ وَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنْسَانُ فَلُوَّهُ -يعني: مهره الصغير- حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» التمرة مثل الجبل كم ضوعفت؟ أضعاف كثيرة ما لها حصر، التمرة إذا كانت مثل الجبل فمعناه أضعاف كثيرة لا حصر لها، يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَيعني: لا يظلمكم الله عز وجل في ثوابكم لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم، ولكن لكمال عدله حرم الظلم على نفسه. في هذه الآية فوائد كثيرة منها: أن هداية الخلق ليست لازمة للرسل، بل ولا لغيرهم؛ لقوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، وهذا كقوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢]. ومن فوائدها: أن الإنسان إذا أبلغ شريعة الله برئت ذمته؛ لقوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْولو كانت ذمته لا تبرأ لكان ملزمًا بأن يهتدوا وهذا ليس عليه. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن جميع الأمور دقيقها وجليلها بيد الله؛ لقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. وفيها: رد على القدرية؛ لقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. وفيها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُ. وفيها أيضًا: أن أفعال العبد واقعة بمشيئة الله؛ لأن اهتداء العبد فعله، فإذا كان واقعا بمشيئة الله فهو دليل على أن أفعال العباد متعلقة بمشيئة الله. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال الإنسان لا تنصرف إلى غيره؛ لقوله: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ [البقرة: ٢٧٢]. هل يستفاد من الآية أن ثواب الأعمال الصالحة لا ينفع؛ لقوله: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْفجعل ما ينفقه الإنسان من خير لنفسه، يعني فلا يتعداه إلى غيره؟ الجواب: لا، لكنها تبين أن ما عمله الإنسان فهو حق له، ولا تدل على منع أن يتصدق الإنسان على غيره بعمله، ولهذا جاءت السنة صريحة بجواز الصدقة عن الميت كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله إن أمي افْتُلِتَتْ نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ» ، وكذلك حديث سعد بن عبادة تصدق بمخرافه -أي ببستانه- تصدق به لأمه، إذن فالآية لا تدل على منع الصدقة عن الغير، وإنما تدل على أن ما عمله الإنسان لا يصرف إلى غيره. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنفاق الذي لا يبتغى به وجه الله لا ينفع العبد؛ لقوله: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ. ومن فوائدها: التنبيه على الإخلاص، أن يكون الإنسان مخلصًا لله تعالى في كل عمله حتى في الإنفاق وبذل المال ينبغي له أن يكون مخلصًا فيه؛ لقوله: وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِالإنفاق قد يحمل عليه محبة الظهور، ومحبة الثناء وأن يقال: فلان كريم وأن تتجه الأنظار إليه، ولكن كل هذا لا ينفع، لا ينفع إلا ما ابتغي به وجه الله. وفيه إثبات وجه الله عز وجل؛ لقوله: إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وأهل السنة والجماعة يقولون: إن لله تعالى وجهًا حقيقيًّا موصوفًا بالجلال والإكرام، وأنه من الصفات الذاتية الخبرية، والذاتية الخبرية هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، ونظير مسماها أبعاض وأجزاء لنا، ولكن ما نقول إنه أبعاض وأجزاء لله؛ لأنه لا ينبغي إطلاق هذا اللفظ على صفات الله عز وجل، أهل التعطيل ينكرون أن يكون لله وجهًا حقيقيًا، ويقولون المراد بالوجه الثواب أو الجهة أونحو ذلك، وهذا تحريف منهم لظاهر اللفظ مخالف له -أي لظاهر اللفظ- ولإجماع السلف على أن لله تعالى وجهًا حقيقيًا، ولأن الثواب لا يوصف بالجلال والإكرام، والله قد وصف وجهه بالجلال والإكرام فقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينقص من عمله شيء؛ لقوله: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [البقرة: ٢٧٢]. ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنفاق من الحرام لا يقبل، من قوله: مِنْ خَيْرٍووجهه: أن الحرام ليس بخير بل هو شر. ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم في جزاء الله عز وجل؛ لقوله: وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَوهذا يستلزم كمال عدله؛ لأنه مر علينا كثيرًا أن كل ما نفى الله عن نفسه من الصفات فإنه مستلزم لكمال ضده.
تفسير الآية (٢٧٣)
٠٠:٢٠:٤٥
ثم قال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة: ٢٧٣]. هذا بيان لمصرف الإنفاق، كأن سائلًا يسأل إلى أين نصرف هذا الخير؟ لما قال: مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْكأنه قيل: إلى أين نصرفه؟ فقال: للفقراءوعلى هذا فتكون للفقراء إما متعلقة بـتُنْفِقُواأو بمحذوف، تقديره: الإنفاق أو الصدقات للفقراء، والفقراء جمع فقير، والفقير هو المعدِم؛ لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من الفقر الموافق للقفر في الاشتقاق الأكبر، في الاشتقاق الأكبر الذي يساوي في الحروف دون الترتيب، والقفر هو الشيء الخالي، الأرض الخالية وكما قال الشاعر:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرٍ
وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ
يقولون: إن الإنسان ما يأتي بهذا البيت سبع مرات إلا يغلط فيه، الكلام على إن القفر بمعنى الشيء الخالي، الفقير معناه الخالي ذات اليد، ويقرن بالمسكين أحيانا، فإذا قرن بالمسكين صار لكل منهما معنى، وصار الفقير من كان خالي ذات اليد، أو لا يجد من النفقة إلا أقل من النصف، والمسكين أحسن حالًا منه، لكن لا يجد جميع الكفاية، أما إذا انفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدا، فهو من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، لِلْفُقَرَاءِيعني: خالي ذات اليد. الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٣] أي: منعوا في سبيل الله؛ لأن الاحصار بمعنى المنع، كقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [البقرة: ١٩٦] أي: منعتم عن إتمامهما، أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِيعني: أحصروا في الجهاد، إما بالاستعداد له، وإما بما أصابهم من الجهاد من العيوب التي أقعدتهم عن العمل، المهم أنهم أحصروا في هذا الطريق، في سبيل الله. لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٧٣] يعني: لا يستطيعون سفرًا يبتغون به الرزق؛ لأنهم إما مشغولون بالجهاد، وإما عاجزون عن السفر لما أصابهم من الجراح أو الكسور أو نحو ذلك. يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة: ٢٧٣] يَحْسِبُهُم، وقراءة: يَحْسَبُهُمُففيها قراءتان، الجاهل الذي ليس عنده علم، أو الجاهل بأحوالهم؟ الثاني، الجاهل بأحوالهم؛ لأن جهل كل شيء بحسبه، الجاهل بأحوالهم الذي لا يعرفهم يحسبهم أغنياء، من أي شيء؟ قال: مِنَ التَّعَفُّفِأي: بسبب تعففهم وعدم سؤالهم، يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَلأنك إذا رأيتهم ظننتهم أغنياء مع أنهم فقراء، وهذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الطَّوَّافَ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقُمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي يَتَعَفَّفُ لَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ» ، هذا هو المسكين حقيقة، لكنك إذا رأيته تقول هذا غني، لا يظهر بمظهر الفقراء أبدًا لا في هيئته ولا في لباسه، وقوله: مِنَ التَّعَفُّفِيعني: العفة عن ما في أيدي الناس، وكلمة التعفف قد يقول قائل: إن ظاهرها تكلف العفة؛ لأن تعفف ليست كعف، عف أي: صار عفيفًا، تعفف أي: تكلَّف العفة، هكذا قيل، ولكن الصواب خلاف ذلك، بل الصواب أن التاء هنا للمبالغة، وليست للتكلف والطلب، بل المعنى أنك تحسبهم أغنياء لكمال عفتهم فلا يسألون الناس. قال: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، في الأول يقول: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَوالحسبان بحسب ظاهر الحال، وأما تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْفهو بمقتضى الفراسة والنظر والتدقيق، وكثير من الناس يكون عنده من الفراسة ودقة النظر ما يعرف به الأحوال الباطنة، فهؤلاء إذا رأيتهم عرفتهم بسيماهم، السيما بمعنى العلامة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ» يعني: علامة ليست لغيركم،بِسِيمَاهُمْأي: بعلامتهم، وأيش العلامة اللي فيهم؟ العلامة هي أن الإنسان إذا رآهم ظنهم أغنياء، وإذا دقق في حالهم تبين لهم أنهم فقراء لكنهم متعففون، وكم من إنسان يأتيك بمظهر الفقير المدقع، ثياب ممزقة، وشعر منفوش، ووجه كالح، وأنين، وطنين، وإذا أمعنت النظر فيه عرفت أنه غني، وكم من إنسان بالعكس يأتيك بزي الغني بهيئة الإنسان المنتصر على نفسه الذي لا يحتاج إلى أحد، لكن إذا دققت في حاله علمت أنه فقير، وهذا يعرفه مَنْ مَنَّ الله عليه بالفراسة، وكثير من الناس يعطيهم الله تعالى علما بالفراسة يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه ونظراته وكذلك بعض عباراته، كما قال تعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد: ٣٠]. قال: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًاالإلحاف هو الإلحاح في المسألة، الإلحاح في المسألة، قوله: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًاهل النفي للقيد؟ ولَّا للقيد والمقيد؟ إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد، يعني: لا يسألون الناس سؤال إلحاف، ولكن يسألونهم سؤال تلطف وحياء وخجل، إذا رده المسؤول مرة ما عاد إليه مرة أخرى، هذا مقتضى أيش؟ مقتضى ظاهر اللفظ، لكن مقتضى السياق وأن المقام مقام ثناء أن النفي نفي للقيد الذي هو الإلحاف والمقيد الذي هو السؤال، فهم لا يسألون الناس إلحافًا ولا غير إلحاف، بدليل قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء، بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم، فعليه يكون النفي عن القيد وأيش؟ والمقيد، لكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذموم وهو الإلحاح؛ ولهذا تجد الإنسان إذا ألحَّ وإن كان فقيرًا يُثقِل عليك، وتَمل مسألته حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه مع علمك باستحقاقه؛ لأنه ألح، وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف تجدك ترق له وتعطيه أكثر مما تعطي السائل، هذه خمس صفات، قال: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًاهذه خمس، والسادسة: الفقراء، فهولاء هم المستحقون حقًّا للصدقة والإنفاق، وإذا تخلفت صفة من الصفات فالاستحقاق باق لكن ليس كما إذا تمت هذه الصفات الست. وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٧٣] هذه الجملة جملة شرطية ذُيِّلَت بها الآية المبينة لأهل الاستحقاق حثًّا على الإنفاق؛ لأنه إذا كان الله عليمًا بأي خير ننفقه فسيجازينا عليه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، فتأمل ما في هذه الآيات من ظهور الحث على الإنفاق، وأن الإنفاق هذا كله مقيد بالخير، ومقيد بأهله الذين يستحقونه، ففي الآية بيان من يستحق الإنفاق الاستحقاق الكامل، وهم الفقراء الموصوفون بهذه الصفات الخمس؛ لأننا قلنا هم الفقراء الموصوفون بهذه الصفات الخمس التي ارتكزت على الفقر. من فوائد الآية الكريمة: أن تشاغل الإنسان بعمل يعد من سبيل الله يبيح أن نعطيه وننفق عليه، فلو تشاغل القادر على الكسب بطلب العلم فإننا نعطيه حتى من الصدقة الواجبة ليتفرغ لطلب العلم، ولو تفرغ إنسان للجهاد في سبيل الله أعطيناه ولَّا لا؟ نعم، أعطيناه، ولو من الصدقة الواجبة. طيب، لو تفرغ الإنسان للعبادة فإنه لا يعطى إلا من الصدقة المستحبة، أما من الزكاة فلا يعطى، لأنه تفرغ لنفع قاصر لا يتعداه، وفرق بين النفع القاصر والنفع العام. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن نعطي، بل لا يجوز أن نعطي من يستطيع التكسب؛ لقوله: لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِفإنه علم منه أنهم إذا كانوا يستطيعون الضرب في الأرض والتكسب فإنهم لا يعطون، ولهذا لما جاء رجلان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسألانه الصدقة صَعَّد فيهما النظر وصوبه، ثم قال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» ، فإذا كان الإنسان يستطيع الضرب في الأرض والتجارة والتكسب فإنه لا يعطى؛ لأنه وإن كان فقيرًا بماله لكنه ليس فقيرًا بعمله. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التعفف؛ لقوله: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ. ومنها: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطنًا، ذا حزم ودقة نظر؛ لأن الله وصف هذا الذي لا يعلم عن حال هؤلاء بأنه جاهل، فقال: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِفينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة وحزم ونظر في الأمور. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: مِنَ التَّعَفُّفِفإن من هنا للسببية، أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفراسة والفطنة؛ لقوله: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْفإن السيما هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذوي الفراسة، وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة، ولا بعد نظر يخدع بأدنى سبب، وكم من إنسان عنده قوة فراسة وحزم ونظر في العواقب يحميه الله تعالى بفراسته عن أشياء كثيرة. ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من لا يسأل الناس؛ لقوله: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا، وقد كان من جملة ما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا، حتى إن الرجل ليَسْقُطُ سوطُه من على بعيره فينزل ويأخذه، ولا يقول لأخيه: أعطني إياه ، كل هذا بعدا عن السؤال، والسؤال لغير ضرورة، سؤال المال لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويسر، كما لو سأل الإنسان صديقًا له يعرف أنه يكون ممتنا بهذا السؤال فإن ذلك لا بأس به، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في اللحم الذي على البرمة قال: «هُوَ لِبَرِيرَةَ صَدَقَةٌ، وَلَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ» فإذا علمت أن صاحبك يُسَرُّ بسؤالك الشيء ويفرح ولولا أنك سألته لأهداه إليك مثلًا، فلا بأس أن تسأل، ولكن ترك السؤال أسلم؛ لأنه من ذا الذي يتأكد بيقين أن صاحبه يحب أن يسأله؟ ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍوهذه عامة أي خير يكون فإن الله به عليم، ففيه بيان عموم علم الله، وأنه شامل لما يعمله الإنسان، ولما يفعله الله عز وجل بنفسه.
تفسير الآية (٢٧٤)
٠٠:٣٨:٣٩
ثم قال تعالى مثنيًا على المنفقين قال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [البقرة: ٢٧٤] الَّذِينَمبتدأ، وجملة فَلَهُمْ أَجْرُهُمْخبر المبتدأ، واقترنت بالفاء لشبه المبتدأ بالشرط في العموم؛ لأن المبتدأ هنا اسم موصول، والاسم الموصول يشبه الشرط في العموم. قال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْيحتمل أن يقال: أن يراد بالأموال هنا كل الأموال، ويحتمل أن يراد الجنس، فيشمل الكل والبعض. وقوله: بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِهذا فيه عموم الزمن، سِرًّا وَعَلَانِيَةًفيه عموم الأحوال، يعني على كل حال وفي كل زمن. وقوله: سِرًّاأي خفاء، وهو مفعول مطلق لـيُنْفِقُونَيعني: إنفاقًا سرًّا، وَعَلَانِيَةًيعني جهرًا، وفي تقديم السر على العلانية والليل على النهار دليل على أن الصدقة كلما كانت أخفى فهي أفضل وأولى، ولكن قد تكون علانية أفضل إذا ترتب على ذلك مصلحة. قال: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْأجرهميعني ثوابهم عند الله مدخرًا يجدونه أحوج ما يكونون إليه، وهذا الأجر قد بين فيما سبق بـأن الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١]. قال: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٧٤] لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْفيما يستقبل، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَفيما مضى، فهم لا يحزنون على ما سبق ولا يخافون من المستقبل؛ لأنهم يرجون ثواب الله عز وجل، ولا يحزنون على ما مضى لأنهم أنفقوه عن طيب نفس. في الآية الكريمة: ثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، سواء كان ليلًا أو نهارًا، أو سرًّا أو جهارًا، وفيه أيضًا دليل على كثرة ثوابهم؛ لأنه أضافهم إلى نفسه فقال: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْوالثواب عند العظيم يكون عظيما. ومن فوائد الآية: أن الإنفاق يكون سببا لشرح الصدر وطرد الهم والغم؛ لقوله: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَوهذا أمر مجرب مشاهد أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي بها وجه الله انشرح صدره، وسرت نفسه، واطمأن قلبه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله ذلك من أسباب انشراح الصدر، ذكره في زاد المعاد. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظم العطية؛ لقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْلأن عظم المعطي يستلزم عظم العطية. ومنها أيضًا: كرم الله عز وجل حيث جعل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه جعله أجرًا لفاعله يؤجر عليه كالأجير إذا استأجرته فإن أجره ثابت لازم. ونقف على هذا لأنه البحث الآتي مهم. طالب: (...)؟ الشيخ: من أين يؤخذ؟ الطالب:(...)؟ الشيخ: لا، أخاف هذا يكون دليلًا لهم، أخاف أن يكون حجة لهم، يقولون: ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، ما تبغون الثواب. الطالب:...؟ الشيخ: إي هو يقول: نعم أنت إذا عملت لله نفسه هذا لا بأس نعم؟ طالب: ما يمكن أن نقول إن من في الآية تبعيضية أي: من بعض أموالكم..؟ الشيخ: وين فيه؟ الطالب: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ. الشيخ: لا، هي الأحسن أن تكون بيانية؛ لأن ما إذا جاءت من بعد ما الشرطية أو الموصولة فهي بيانية. الطالب: قاعدة؟ الشيخ: إيه، قاعدة نعم قاعدة. طالب: شيخ، لِلْفُقَرَاءِمتعلقة بمن؟ الشيخ: بمحذوف، خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: الإنفاق للفقراء. الطالب: وَمَا تُنْفِقُوامتعلقة (...)؟ الشيخ: وَمَا تُنْفِقُواإذا كان فيها احتمال لهذا ولهذا نعم. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، إذا أطلق فالمراد به قتال الأعداء، هذا هو الصحيح. طالب: شيخ، قلتم أنه يجوز أن يعطى لطالب العلم والمجاهد من الصدقة الواجبة، فالدليل بالنسبة للمجاهد واضح في هذه الآية، طب وطالب العلم؟ الشيخ: طالب العلم مجاهد في سبيل الله؛ لأن الجهاد في سبيل الله يشمل الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم، بل إن الجهاد بالعلم أشق؛ لأن الجهاد بالعلم سلاح للمنافقين، المنافق ما تقدر تقاتله أو تجاهده بالسلاح، لكن بالحجة والبيان، فالسلاح بالعلم أعم وأشمل؛ لأنه يجاهد به المنافق، ويجاهد به الكافر، ويجاهد به الفاسق العاصي المسلم بخلاف الجهاد في السلاح. طالب: شيخ، في سبيل الله كما نعلم، وذكرت حضرتك الآن أنها إذا أطلقت فتكون في الجهاد في القتال؟ الشيخ: إي نعم، لكن العلماء يقولون: إن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله. طالب: يعني بمنزلة القتال؟ الشيخ: إي نعم حتى إن ابن القيم في مقدمة النونية قال: إنه أفضل لشموله وعمومه. طالب: شيخ، الأوصاف التي وردت في الآية، هل هي تنطبق على فقراء الصفة؟ الشيخ: إي نعم، تنطبق، الفقراء أهل الصفة تنطبق لأنهم محصرون في سبيل الله، وتنطبق عليهم هذه الصفات، لكنها ليست خاصة بهم، بل هم من أول ما يدخل فيهم في الآية الكريمة. طالب: إذا كان طالب العلم قويًّا مقتدرًا على الكسب، يُعْطَى من الزكاة؟ الشيخ: لا ما يعطى، ما يعطى؛ لأنه لا حاجة له إلى ذلك. الطالب: أقول الذين يستطيعون ضربا في الأرض هل يستحقون (...) الزكاة؟ الشيخ: لا يستحقون إلا إذا كان دخلهم لا يكفيهم وعائلتهم، إذا كان لهم عائلة في بلادهم وهذا الدخل الذي يأخذونه الآن ما يكفيهم صاروا فقراء. طالب: من هم فقراء الصفة؟ الشيخ: الصفة هؤلاء قوم مهاجرون ليس لهم أهل في المدينة، وقد جعل النبي عليه الصلاة والسلام لهم صفة في المسجد يأوون إليها، فيأتون فقراء لا معهم زاد ولا مزاد ولا لهم أهل ولا شيء، فهم في هذا المكان يتصدق عليهم المسلمون. الطالب: في ناس موجودين الآن؟ الشيخ: لا، هذا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام الآن ما هم موجودين. طالب: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْهل هو خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: لا، هذا الخطاب عام لكل من يتأتى منه الخطاب يعني تعرفهم أيها الناظر بسيماهم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]. في الآية التي قبلها يقول الله عز وجل: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٧٤] ذكرنا من فوائدها: أن تقديم الليل والسر على النهار و العلانية يشعر بأنه كلما كانت الصدقة أخفى فهي أفضل، ولكننا ذكرنا أنه قد تكون العلانية أفضل بحسب الحال. وذكرنا من فوائدها أيضًا: أن هؤلاء الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية لا يخافون في المستقبل، ولا يحزنون على الماضي، فلا يخافون في المستقبل من ظلم أو هضم، ولا يحزنون على الماضي؛ لأنهم استغلوا الماضي وأنفقوا مما رزقهم الله عز وجل سرًّا وعلانية. ومن فوائد الآية: أن إنفاق الإنسان من غير ماله لا أجر فيه؛ لقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْويشمل هذا الوكيل فلا يتبرع من مال موكله، والولي فلا يتبرع من مال موليه، ويشمل ذلك الغاصب فلا يتبرع من المال المغصوب، وكل هذا إن فعلوا فليس لهم أجر، ولكن لو أن أحدًا اكتسب مالًا محرما ولم يعلم صاحبه ثم تاب، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق به تخلصا منه لصاحبه لا تقربًا به إلى الله؛ لأنه لا ينفعه لأنه ليس بماله. ويستفاد من الآية الكريمة: عظم ثواب المنفقين؛ لقوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وإضافة الشيء إلى الله عز وجل تدل على عظمته؛ لأن عظمة المعطي تدل على عظمة المعطى، ومنه قوله في الحديث الصحيح: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ» .
تفسير الآية (٢٧٥)
٠٠:٥١:٠٧
ثم قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. الَّذِينَمبتدأ، ولَا يَقُومُونَخبره، فقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاقال العلماء: معناه أنهم يأخذون الربا فينتفعون به بأكل أو شرب أو لباس أو سكن أو غير ذلك، لكنه ذكر الأكل؛ لأنه أعم وجوه الانتفاع وأكثر وجوه الانتفاع، فهو أعمها وأكثرها، كل الناس يتكسبون ولا ينتفعون من مالهم إلا ما أكلوا أو لبسوا «لَيْسَ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ» ، وقوله: الرِّبَاالربا لغة الزيادة، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥] أي: زادت، ومنه ربا الشيء أي: علا وارتفع وزاد، وهو في الشرع: زيادة في شيئين منع الشارع من التفاضل بينهما، هذا واحد أو تأخير قبض بين شيئين اشترط الشارع التقابض فيهما، إذن هو إما زيادة وإما تأخير؛ ولهذا يقولون: إن الربا ربا نسيئة وربا فضل، ربا النسيئة أعظم من ربا الفضل، ثم الربا هل هو في كل شيء؟ لا ليس في كل شيء، يجوز أن أبيع عليك كتابًا بكتابين، وثوبًا بثوبين، وبعيرًا ببعيرين، وسيارة بسيارتين، وبيتًا ببيتين، كذا؟ ورجلًا برجلين، وامرأة بامرأتين صح؟ صح في الرقيق، إي نعم، في الرقيق، لكن الربا إنما يكون في أشياء معينة بينها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ» قال: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» كم هي؟ طالب: ستة، البُرُّ والشعير والملح والتمر.. الشيخ: والزبيب والأقط؟ الطالب: لا، ولا الزبيب. الشيخ: ولا الزبيب؟ طالب: الذهب والفضة. الشيخ: نعم، الذهب والفضة، طيب امش؟ الطالب: الذهب والفضة والبُرُّ والتمر والملح والشعير. الشيخ: نعم، والشعير، كذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، احفظوا الحديث، «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ»يعني: إذا بيع هذا بهذا «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» هذه الأموال الربوية، هذه هي الأموال الربوية فذهب بذهب لا بد فيه من أمرين: المساواة، والقبض قبل التفرق، فضة بفضة لا بد فيها من أمرين: مساواة وقبض قبل التفرق، بُرٌّ ببُرٍّ لا بد فيه من أمرين: المساواة والقبض قبل التفرق، شعير بشعير لا بد فيه من أمرين: مساواة، وقبض قبل التفرق، تمر بتمر كذلك، ملح بملح كذلك، شوف يقول: «مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ» إذا اختلفت هذه الأصناف فبعت تمرًا بشعير، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد، إذا بعت ذهبًا بذهب يدًا بيد لكن كيلو بكيلو وعشر جرامات؟ الطلبة: (...). الشيخ: وأيش نوع الربا؟ ربا فضل زيادة، هذا فيه زيادة، بعت ذهبًا بذهب، سواء بسواء مع تأخير القبض، ربا هذا ربا وأيش سُمِّي؟ الطلبة: نسيئة. الشيخ: ربا نسيئة، بعت ذهبًا بذهب كيلو بكيلو وعشر جرامات مع تأخير القبض، ربا جامع بين الفضل والنسيئة، تمام ولَّا لا؟ طيب، بعت مسجلا بمسجلين؟ بعت مسجلا بمسجلين مع تأخير القبض يجوز؟ الطلبة: نعم يجوز. الشيخ: يجوز، لأيش؟ لأنه لا هو بذهب ولا فضة ولا بُر ولا تمر ولا شعير ولا ملح، كذا؟ إذن يجوز، بعت بعيرًا ببعيرين يجوز، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستسلف البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة يجوز؛ لأن هذا ليس من الأموال الربوية، إذن فليس الربا هو الزيادة في كل شيء، الزيادة في أشياء معينة خصها الشارع، ستة، عرفتم؟ طيب، بعت عليك ورقة بورقتين إلى أجل؟
الطلبة: (...). الشيخ: ورقة، استفسر: إن كان عادية؛ يعني ورقة قرطاس تكتب بها فهذا جائز، وإن كان ورقة نقود فهذا لا يجوز؛ لأنها تلحق بالنقود، لا يجوز؛ لأنها تلحق بالنقود، طيب بعت عليك تفاحة كبيرة أبو سرة تفاحتين صغيرتين ما لهم سرة، جائز؟ طالب: التفاح ما له سرة! الشيخ: أنا قلت تفاحة أبو سرة؟ لا، أنا أريد برتقال أبو سرة يجوز ولَّا لا؟ طالب: يجوز. الشيخ: يجوز، لأيش؟ لأنه هذا ما يدخل في الحديث، كذا؟ شوف ذهب، فضة، بر، تمر، شعير، ملح، هذا ما هو من هذه كله، إذن ما في مانع، كذا؟ طيب تفاحة بتفاحتين؟ كذلك يجوز؛ لأنه لا يدخل في الحديث. يرى بعض العلماء أنه لا ربا إلا في هذه الستة وغير ذلك ما فيه ربا، يقول: لأن الله أحل البيع وحرم الربا، والرسول صلى الله عليه وسلم قال الربا في هذه الأشياء، فلا ربا في غيرها، وهذا مذهب الظاهرية ومذهب بعض علماء القياس؛ لأن علماء القياس الذين قالوا لا قياس في هذه المسألة قالوا لأن العلماء اختلفوا في العلة وليس ثمة دليل واضح يرجح أحد الأقوال، فحينئذ تتعارض الأقوال وتتساقط، كما لو اختلف عليه في الصلاة من ينبهه؟ واحد لما قمت قال: سبحان الله، لما قعدت قال الثاني: سبحان الله. وأيش يصير؟ تسقط أقوالهم وأرجع إلى ما عندي، إذن نقول: الربا في هذه الستة أمر معلوم لا شك فيه، قطعي بالنص والإجماع أيضًا، بالنص والإجماع، وما سوى ذلك فهو موضع خلاف بين أهل العلم. طيب، لو بعتك دراهم، فضة عشرة ريالات فضة بأحد عشر ريالًا مع القبض يجوز؟ الطلبة: ما يجوز. الشيخ: وأيش الربا اللي فيه؟ الطلبة: تفاضل. الشيخ: ربا تفاضل، أظن واضح الآن. يقول الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاهناك ربا جامع بين النسيئة والتفاضل بأن يعطيه عشرة بأحد عشر لمدة سنة، هذا جامع بين النوعين، ربا فضل من أجل الزيادة، وربا نسيئة من أجل التأخير، في الجاهلية كانوا إذا حل الدين على شخص وهو فقير قال له: إما أن ترابي وإما أن تقضي، يعني: توفيه ولَّا ترابي، إذا أوفاه واضح انتهت المعاملة، المراباة وأيش يقول؟ يقول: تبقى عليك المئة والعشرين إلى سنة بمئة وأربعين، عرفت؟ ثم إذا جاءت السنة الثانية فإذا هو فقير، قال له: يلا تقضي أو ترابي؟ قال: ما عندي ما أقضي، قال: طيب، خل مئة وأربعين كم؟ مئة وستين، وهكذا، هذا هو قوله تعالى: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠]، ونظير ذلك ما يفعله بعض الناس عندنا، يعطيه مثلًا الدين مئة ألف، ويقول: عليك زكاته كل سنة، كل سنة عليك زكاته وهو فقير، كم يربح كل سنة هذا؟ مئة ألف يربح بالسنة ألفين وخمس مئة، كل سنة أضعافًا مضاعفة على هذا الفقير، أليس كذلك؟ إذن داخل في الربا، الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا-يقول الله عز وجل-: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، وقد اختلف المفسرون ما هذا القيام، ومتى؟ فقال بعضهم وهم الأكثر: إنهم لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، يعني: كالمصروع، الذي يتخبطه الشيطان، التخبط معناه الضرب العشوائي، ولهذا نقول للسيارة إذا صارت ما هي بزينة مخبطة، ونقول هذا الرجل خبط عياله يعني ضربهم ضربًا عشوائيًّا، فالشيطان يُسَلَّط على بني آدم تسليطًا عشوائيًّا فيصرعهم، فيقومون هؤلاء من قبورهم يوم القيامة كالمصروعين، كالمصروعين -والعياذ بالله- يشهدهم الناس كلهم، وهذا القول قول جمهور المفسرين، وهو مروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. القول الثاني: لا يقومون يعني في الربا والتعامل به إلا كما يقوم المصروع؛ لأنهم -والعياذ بالله- لشدة شغفهم بالربا كأنما يتصرفون تصرف المتخبط الذي لا يشعر؛ لأنهم سكارى بمحبة الربا، وسكارى بما يربحونه، وهم الخاسرون من الربا، فيكون القيام هنا متى؟ في الدنيا، شبه تصرفاتهم العشوائية الجنونية المبنية على هذا الربا العظيم الذي يتضخم المال عند الإنسان من كثرة الربا بأيش؟ بالإنسان المصروع الذي لا يعرف كيف يتصرف، تخبط، وهذا قول كثير من المتأخرين، وقالوا: إن يوم القيامة هنا ليس له ذكر، ما في ذكر حتى نقول لا يقومون يوم القيامة، ولكن الله شبه حالهم بحال من؟ أيش؟ بحال المصروع من سوء تصرفهم مجانين بس وين وين وين يمشون لكل أحد، وكلما كان الإنسان أشدَّ فقرًا كانوا له أشدَّ ظلمًا، يجيئهم واحد دسم وأيش معنى دسم يعني كثير الشحم؟ يعني: ماله لا بأس به يستدين منهم يقول: نعم، نعطيك العشرة اثنا عشر، جاءهم واحد فقير ميت من الجوع، قال: دينوني قال نعطيك العشرة ثمانية عشر، وأيش الفرق؟ هذاك يرجون أنه يوفيهم، وذا ما يرجون إنه يوفيهم فقير، يكثرون عليه الظلم لفقره بينما إن حاله تقتضي الرأفة والتخفيف، لكن هؤلاء ظلمة ما همهم إلا أكل أموال الناس، فيقول: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. طيب اختلف الآن المفسرون في معنى القيام ومتى هو، لكنهم لم يختلفوا في قوله: يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّيعني: متفقون على أن الشيطان يتخبط الإنسان، مِنَ الْمَسِّيعني بالمس بالجنون، وهذا أمر مشاهد، أن الشيطان يصرع بني آدم، يصرعه وربما يقتله -نسأل الله العافية- يصرعه ويبدأ يتخبط ويتكلم وهو لا يتكلم، الإنسان نفسه ما هو بيتكلم، يتكلم اللي فيه، الصارع، وهذا قد جاءت به السنة بسند جيد رواه الإمام أحمد في مسنده: أن الرسول عليه السلام مر بامرأة ولها ابن يُصرَع، فقرأ عليه، فشُفِيَ هذا الابن، وقال له: اخرُج عدو الله فإني رسول الله وهذا سنده جيد في المسند وغيره أيضًا، ثم إن الواقع يشهد بذلك، الواقع يشهد بذلك، فكثير من المصروعين يؤتى بهم إلى أحد من الناس الذي يقرأ وعنده عزيمة جيدة، يخاطب الجن يقول: وأيش السبب، لأيش؟ وأحيانًا يعلمه الجن: يقول: السبب كذا وكذا وكذا، ويشترط الجن شروط أحيانًا يشترط شروطًا إذا وَفَّي له بها طلع، وأنا أذكر أن بعض الناس من الذين توفوا رحمة الله عليهم أتي إليه بصبي قد مسه الشيطان، فخاطب الجن وقال له: وأيش اللي..؟ قال: إن هذا الصبي كان يعجبني صوته، وهو في الابتدائي وأنني ما زلت أترقب غفلته حتى كان ذات يوم وهو يراجع دروسه في سطح بيته فمر بس أسود، فحذفه رماه بحصاة، ففز فتحينت الفرصة فصرعته، اتق الله وقام يكلمها ويتكلم عليها، قالت: ما أخرج حتى تودوني على حدود الكويت، إذا وصلت هناك فلا بأس، أنا أخرج، فذهب به أبوه إلى هناك فلما وقفت السيارة عند اللي يفتشون في الجوازات، وذهب أبوه يعرض الجوازات على المسؤولين، ورجع وإذا الولد قد شفي، ما فيه إلا العافية، فرجع، هذه القصة اشتهرت عندنا. طالب: (...). الشيخ: يمكن (...)، أما شيخ الإسلام ابن تيمية فحكى عنه تلميذه ابن القيم في زاد المعاد أنه أتي إليه برجل مصروع، قد صرعته امرأة فكلمها وهددها فقالت له المرأة الجنية: إنني أحب هذا الرجل، قال لها شيخ الإسلام: لكن هو لا يحبك، فقالت: إني أريد أن أحج به، فقال لها شيخ الإسلام: هو لا يريد الحج معك، فقالت لشيخ الإسلام: أنا أخرج كرامة للشيخ، قال لها: لا تخرجي كرامة للشيخ، اخرجي طاعة لله ورسوله، ثم عاهدها أن تخرج ولا ترجع وخرجت ولا رجعت، ويقول في نفس القصة: أول ما كلمها وأبت صار يضربها، الضرب يقع في الظاهر على الرجل وهو يقع عليها، ولهذا يقول لما أفاق هذا الرجل، قال لهم: ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ وأيش اللي جاء بي؟ قالوا: سبحان الله ما أحسست بالضرب والكلام والمحاورة، قال: أبدا ما أحسست بشيء من ذلك. سبحان الله، المهم أن هذا أمر واقع لا يمكن تكذيبه، ويقول ابن القيم: لا يكذب به إلا جهلة الأطباء الذين يعزون ذلك إلى توتر عصبي. وقال أيضًا: إنه لاشك إن التوتر العصبي يحصل منه هذا، لكن الصرع نوعان: صرع بالشياطين وصرع بتوتر الأعصاب، ونحن لا ننكر لا هذا ولا هذا، والقرآن يشهد لوقوع ذلك ولَّا لا؟ نعم؛ لقوله: الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. شوف، من تخبطهم العقلي أنهم تخبطوا تخبطًا فكريًّا، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] شوف، أعوذ بالله قالوا: البيع مثل الربا، لا فرق بينهما، هما سواء؛ لأنك بدلا من أن تقول لهذا الرجل هذه السلعة التي تساوي الآن مئة، أبيعها عليك بمئة وعشرين إلى أجل، هذا مثل قولك: خذ مئة ريال بمئة وعشرين إلى أجل، وأيش الفرق؟ قالوا: البيع مثل الربا، ألست تقول: إنك إذا بعت هذه السلعة تساوي الآن مئة نقدا بمئة وعشرين إلى سنة جائز ولَّا غير جائز؟ جائز ما فيه إشكال، حتى بعض العلماء حكى الاتفاق ما دام الرجل يريد السلعة نفسها ما دام يريد السلعة نفسها ما يريد التحيل فهو جائز بالاتفاق، قالوا: إذا جاز هذا، جاز خذ مئة بمئة وعشرين وأي فرق؟ عرفتم، ولَّا لا؟ طيب، قولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاهل قالوه من باب التحدي حيث عكسوا القياس فقاسوا ما فيه شُبْهَة على ما لا شبهة فيه؟ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاما قالوا: إنما الربا مثل البيع، كان مقتضى الظاهر أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع، لكنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا فجعلوا الربا أصلًا في الحل والبيع فرعا ومقيسا، هل قالوا هذا من باب التحدي تحدي من يقول: إنه حرام؛ حيث يقولون بلسان الحال: الربا أحل من البيع كيف تقولون إنه حرام؟ لأن مقتضى هذا القياس أن الربا أحل من البيع، فهل قالوا القياس على هذا الوجه؟ من باب تحدي المحرمين الذين يقولون: الربا حرام، كأنما يقولون: الربا أولى بالحل من البيع غصبًا عليكم؟ أم قالوا ذلك؛ لأنه التبس عليهم الأمر لشدة ولعهم بالربا لم يتبين لهم الفرق بين البيع وبين الربا؟ يحتمل، أما البلاغيون فقالوا: إن هذا من باب القياس المقلوب، من باب القياس المقلوب، أو التشبيه المقلوب، وأن الأصل إنما الربا مثل البيع، لكن قلبوا التشبيه ادعاء منهم أن وجه الشبه في المشبه أظهر من المشبه به، ولكن لا يبعد أنهم قالوا ذلك من باب التحدي، يعني: أنتم تقولون الربا حرام، ونحن نقول الربا أحل من البيع، أحل من البيع، هذا ما نقوله، ويكون الأمر قد التبس عليهم واقترن هذا أيضًا بالتحدي لمن يُحرِّمون. طيب، شوف هل بينهما فرق؟ بينهما فرق، الفرق أوضحه الله بقوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]، فإن قال قائل: هذا فرق بالحكم، وهو الذي فيه الدعوة والخصومة أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاهم يقولون أيضًا: أحل الربا، فيقال: إن الله أشار إلى الفرق العظيم بينهما، فكون الله أحل هذا وحرم هذا، دليل على أن بينهما فرقًا؛ لأنه لا يمكن لشيئين يفترقان في الحكم إلا وبينهما فرق في العلة والسبب؛ لأن الشرع لا يساوي بين مفترقين ولا يُفرِّق بين متماثلين، فيكون الله عز وجل هنا قد أبطل قولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاوبين أن بينهما فرقًا عرفناه من أي طريق؟ من طريق اختلافهما في الحكم فإذا اختلفا في الحكم لزم أن يختلفا في أيش؟ في الحقيقة والعلة، واضح يا جماعة؟ فإذن هنا نقول إن الله تعالى ذكر الفرق بينهما، وجهه؟ أن الله فرق بينهما في الحكم، وإذا افترقا في الحكم لزم أن يفترقا في الحقيقة والعلة، واضح؟ وهو كذلك فإنه لا يخفى على أحد أن الإنسان إذا باع السلعة التي تساوي مئة بمئة وعشرين أن هذا بيع محض، وأنا ما أبدلت ربويا بربوي، وإنما بعت سلعة بثمن مؤجل ومن المعلوم بفطر جميع عقول الناس أو بفطر عقول جميع الناس أن هناك فرقًا بين الثمن المعجل والثمن المؤجل، أليس بينهما فرق؟ نقول: بلى. قال الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ أين خبر المبتدأ في قوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا؟ طالب: (...)؟ الشيخ: الفرق الحكمي الشرعي، ليس هو الفرق الحكمي الشرعي بل هو فرق معنوي دل عليه الفرق الشرعي عرفت؟ وأظن هذا واضح، وهذا أبلغ من أن نقول إن الفرق بينهما فرق حكمي شرعي؛ لأن هذا الفرق الحكمي الشرعي لا بد أن يكون مبنيًّا على فرق معنوي، وهو واضح. أظنا كنا نتكلم على الأموال الربوية؛ لأننا نحب أن نبسط القول في هذا من أجل أن يتبين الحكم الشرعي في الربا، ذكرنا أن الأموال الربوية نص عليها الشرع، وأنها كم؟ طالب: ست. الشيخ: ستة أنواع، ما هي؟ طالب: القمح والشعير والذهب والفضة والملح والتمر. الشيخ: كم هذه؟ ستة طيب. الشيخ: كيف يكون الربا في هذه الستة؟ طالب: (...)؟ الشيخ: (...) فلا ربا فيه أصلًا، واضح، ذهب بذهب يجري فيه؟ طالب: (...). الشيخ: بجرام ذهب مع تأخر القبض؟ طالب: نسيئة. الشيخ: بيع جرام ذهب بجرامين مع تأخر القبض؟ طالب: ربا فضل ونسيئة. الشيخ: صح، توافقون على هذا؟ إي نعم. بيع ذهب بفضة ما الذي يجري فيه من الربا؟ أي أنواع الربا يجري؟ بيع ذهب بفضة؟... طالب: فضل. طالب: يجري فيه ربا النسيئة. الشيخ: ربا النسيئة فقط؟ طيب باع جرام ذهب بخمسة جرامات فضة مع التقابض؟ طالب: لا ربا. الشيخ: لا ربا، يجوز؟ طالب: يجوز. الشيخ: يجوز لأنه ليس فيه ربا فضل. باع جرام ذهب بخمسة جرامات فضة بدون تقابض؟ طالب: هذا يكون فيه ربا نسيئة. الشيخ: هذا ربا ونوعه ربا نسيئة.باع صاعًا من البُر بصاعين من القمح؟ الطالب: نسيئة. الشيخ: انتبه للمثال صاعًا من البُرِّ بصاعين من القمح؟ الطالب: ربا الفضل. الشيخ: ربا الفضل كيف هذا بُر وهذا قمح؟ أي قمح مع التقابض، فيه ربا؟ لا تقابض ما تأخر، النسيئة يعني التأخير، وأيش تقول في هذا؟ طالب: ما فيه ربا. الشيخ: ما فيه ربا. باع صاع بُرٍّ بصاعي شعير مع التقابض، وأيش تقول؟ طالب: هذا ربا الفضل. الشيخ: يعني حرام؟ حرام؟ طالب: حرام. الشيخ: صاع بُر بصاعي شعير حرام ولَّا حلال؟ يمكن صاعات ذهب بصاع بر، يمكن ولَّا لا؟ نسأل الله أن يحمينا، يمكن يصير؛ لأن الذهب العلة فيه الثمنية والوزن، وذاك العلة فيه الكيل والطعم فهمت يا..؟ طيب. بقي عندنا المثال الرابع على حسب ما شرحناه، باع بعيرا ببعيرين إلى أجل؟ بعيرا ببعيرين؟ طالب: يجوز. الشيخ: كيف يجوز، بعير ببعيرين؟ طالب: نعم. الشيخ: لأيش؟ طالب: لأنه ليس من الأصناف التي وردت. الشيخ: صحيح، لأنها ليست من الأصناف الربوية كذا؟ والأصل الحل وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، ولأنه أيضًا قد ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد حسن أن الرسول أمره أن يجهز جيشًا فكان يأخذ البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة إلى إبل الصدقة . إذا باع صاع بُر طيب، بصاعي بُر رديء مع التقابض؟ صاع بُر طيب يساوي عشرة بصاعي بُر رديء تساوي عشرة، كلها قيمتها واحدة؟ طالب: (...). الشيخ: وأيش تقولون؟ يقول: إنه لا يجوز؟ ما نوع الربا هذا؟ طالب: ربا الفضل. الشيخ: ربا الفضل طيب، هل عندك دليل؟ طالب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ» . الشيخ: يدا بيد كذا؟ صح، وفيه دليل أيضًا أخص من هذا؟ طالب: الصحابي (...). الشيخ: هو باع الجيد وأخذ الرديء، ولَّا باع الرديء وأخذ الجيد؟ طالب: باع الرديء وأخذ الجيد. الشيخ: طيب. طالب: (...). الشيخ: طيب، أسمعتم القصة؟ أُتِي الرسول عليه الصلاة والسلام بتمر طيب، فقال: «هَذَا تَمْرُنَا؟». قالوا: لا، ولكننا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فنهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال:«رُدُّوهُ» وقال: «هَذَا عَيْنُ الرِّبَا» ، ثم أرشدهم إلى الصواب بأن يبيعوا التمر الرديء، ثم يشتروا بثمنه تمرًا طيبًا، واضح؟ طيب وبهذا نعرف أن العلة في الربا أصلها الظلم لكن قد تكون في بعض الأحيان قد تتخلف هذه العلة، فلا يكون في هذا ظلم، فصاع طيب يساوي عشرة بصاعين رديئين يساويين عشرة فيه ظلم ولَّا لا؟ ما فيه ظلم، ولكن لما كانت النفوس مجبولة على حب المال والكسب والربح فيه، صار ربما يتخذ هذا ذريعة إلى الربا، فسد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام جميع الذرائع إلى الربا، نظير ذلك كل المحرمات العظيمة تجد أن الشارع قد أحاطها بما حولها وسد كل ذريعة، الزنا أحاطه بكل ما يفضي إليه، بمنع كل ما يفضي إليه، نظر الرجل إلى المرأة بغير شهوة ما فيه شيء في الأصل ينظر إلى امرأة كبشر، لكن لما كان ذريعة إلى الزنا منعه، الشرك إذا نذر شخص أن يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، وهو مخلص لله عز وجل يمنع ولَّا لا؟ الطلبة: يمنع. الشيخ: مع أن فعله مباح، لكن لما كان ذريعة إلى الشرك منع منه، فكل المحرمات الكبيرة تجد الشارع قد أحاطها بما حولها، ومنع كل ذريعة توصل إلى هذا الشيء، فنقول: إنه لا ظلم فيما إذا باع صاعًا من التمر الطيب بصاعين من التمر الرديء، ولكن هذا يكون ذريعة إلى الربا فمنعه الشرع، وقال: هذا عين الربا، على كل حال إذا عرفتم القواعد سهل عليكم التطبيق، الآن عندنا ذكرنا أربع قواعد، بيع الربوي بجنسه يجري فيه الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة، انفرادًا واجتماعًا ولا انفرادًا أو اجتماعًا؟ انفردًا واجتماعًا كذا؟ يعني بمعنى أنه قد ينفرد فيه ربا الفضل أو ربا النسيئة أو يجتمعان. ثانيًا: ربوي بغير جنسه مع الاتفاق في العلة، يجري فيه ربا النسيئة فقط دون ربا الفضل أي: أنه يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا لكن بشرط أيش؟ بشرط التقابض. ثالثا: ربوي بغير جنسه لا يشاركه في علة الربا هذا لا ربا بينهما لا فضل ولا نسيئة؛ ولهذا أجاز الشارع السلم، السلم، تعرفون السلم؟ أن تدفع دراهم إلى شخص لتشتري بها طعامًا بعد سنة، سواء كان تمرًا أو برًّا أو غير ذلك، الآن الدراهم والتمر رِبَوِيَّان ولَّا لا؟ ربويان، لكنهما اختلفا في الجنس والعلة، في الجنس والعلة، واضح يا جماعة؟ طيب. رابعًا: أن يباع شيء لا يجري فيه الربا بشيء لا يجري فيه الربا أصلًا، يعني: ليس من الأموال الرِّبَوِيَّة، فهذا ليس به ربا لا نسيئة ولا فضل.
قال الله تعالى: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥] وقفنا على هذا أظن؟ كيف؟ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. قال الله تعالى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] من شرطية، وفعل الشرط جَاءَهُ، وجواب الشرط فَلَهُ مَا سَلَفَيعني: أي إنسان تأتيه موعظة من الله عز وجل، وقوله: جَاءَهُ مَوْعِظَةٌيشمل ما إذا كان الموعظة جاءته؛ لأنها نزلت أو جاءته لأنه كان جاهلًا بها، فمثلًا لو أن رجلا كان يتعامل بالربا ويأخذ به وهو لا يدري أن هذا النوع من المعاملات ربا، ثم علم وانتهى، فالربا السابق يكون حلالًا له، أما الربا الذي لم يأخذه الآن فإنه يكون حرامًا عليه، كذلك أيضًا الذين كانوا يرابون قبل نزول الآية الذين كانوا يرابون قبل نزول الآية، نزلت الآية بتحريم الربا، وكانوا قد أخذوا الربا فيما سبق هل يلزمهم رده؟ لا، أما الربا الباقي فلا يجوز لهم أخذه، ولهذا أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع قال: «رِبَا الْجَاهِلَيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ» طيب، قوله: مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىالموعظة ما يحصل به الاتعاظ، والذي يحصل به الاتعاظ نوعان: شرعي وكوني، أما الشرعي فهو ما جاءت به الرسل، قال الله تعالى في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس: ٥٧]، وأما الكوني فما يجريه الله عز وجل من الكوارث كالزلازل والفيضانات والجدب وغير ذلك، دليله قوله تعالى في قرية أصحاب السبت: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٦] إذن فمواعظ الله إما آيات كونية وإما آيات شرعية، وكثير من الناس...