تفسير سورة البقرة - ٥
درس صوتي · ٩١:٠٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث اعترفوا بكماله وتنزيهه عن الجهل في قولهم: سُبْحَانَكَ، واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم، واعترفوا لله بالفضل في قوله: إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم، والثاني الحكيم. العليم من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟
طالب: اللازمة. طلبة: متعدية. الشيخ: المتعدية، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [البقرة: ٢٥٥]، فهي من الأسماء المتعدية، يقول العلماء: الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة: إثباته اسمًا لله، وإثبات ما دل عليه من صفة، والثالث: إثبات الحكم أو الأثر الذي يترتب على ذلك، فمثلًا العليم نثبت العليم اسما من أسماء الله، ولا بد نثبت العلم الذي دل عليه العليم وهي الصفة، نثبت الأثر المترتب على ذلك والمتعدي إلى الغير وهو أنه يعلم عز وجل، قال الله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: ١١٠]، الحكيم كذلك، يعني: لا بد من أن نؤمن بالحكيم اسما من أسماء الله، ونؤمن بما دل عليه من الصفة، والحكيم دل على صفتين: الحُكم، والحكمة، فهو من الحُكم والحكمة.
الحكم: قال العلماء: إنه ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي؛ فقول الله تبارك وتعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: ٥٠] ما المراد به؟ الشرعي، وقوله تعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: ١٠] هذا أيضًا شرعي، وقوله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} [يوسف: ٨٠]، هذا حكم كوني، وقوله تبارك وتعالى: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء: ١١٢] كوني؛ لأن الله قد حكم بالشرع فلا يحتاج إلى دعاء، لكن احْكُمْ بِالْحَقِّ}يعني بيننا وبين أعدائنا. الحكم إذن ينقسم إلى أيش؟ قسمين: شرعي وكوني؛ فالكوني، يا إخوانا، الكوني لا بد من وقوعه، إذا حكم الله بالشيء كونًا فلا بد أن يقع، فإذا حكم على شخص بالمرض صار مريضًا، بالفقر صار فقيرًا، شاء أم أبى، الحكم الشرعي هل هو نافذ على كل أحد؟ لا، إنما يلتزم به من؟ المؤمنون، أما الكفار فلا يلتزمون به. الحكمة هي كما قال العلماء: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فخرج بذلك السفه وهو أن يضع الفاعل الشيءَ في غير محله، إذا كانت الحكمة وضع الشيء في محله اللائق به فلننظر، الحكمة لها متعلقان: متعلَّق بالحكم الكوني، ومتعلق بالحكم الشرعي، فإذا تأملت أحكام الله الشرعية وجدتها في غاية الحكمة والإتقان، وأنها صالحة لكل زمان ومكان وأمة، خصوصًا الأحكام التي جاءت بها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأحكام الأخرى فقد تكون غير مناسبة لكل زمان ومكان. كذلك الحكم الكوني إذا تأملت أفعال الله عز وجل في خلقه وجدت أنها في غاية الحكمة، وأنها على حال تبهر العقول، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: ٢١]، ولو أنك ذهبت إلى علماء التشريح حتى يبينوا لك ما في هذا الجسم من الأشياء التي تبهر العقول لعرفت بذلك حكمة الله عز وجل. ثم إن الحكمة في الحكم الكوني والشرعي لها حالان: حالة في وضع الشيء على ما هو عليه، وحال في الغاية المقصودة منه، انتبه، وضع الشيء على ما هو عليه هذا يسمى الغاية الصورية، والغاية المترقَّبة تسمى العلة أو الحكمة الغائية، فأنت مثلًا إذا نظرت إلى أحكام الله الشرعية، ولنقل: انظر إلى الصلاة، الصلاة كونها على هذا الوضع: قيام ثم انحناء ثم قيام ثم سجود، لا شك أنها على هذا الوضع أحسن ما تكون، والغاية من ذلك أيضًا حميدة محمودة، وانظر إلى الحج أيضًا كونه على هذه الصورة لا شك أنه موافق للحكمة، والغاية منه موافقة للحكمة أيضًا.
وكذلك الأحكام القدرية، تجد أن الله عز وجل يحكم بالأحكام القدرية على وفق الحكمة، فمثلًا يُنزل المطر حيث كان في إنزاله مصلحة، ولكن قد يعاقب بالمطر، قد يكون المطر عقوبة إذا زاد وكثر، وكونه عقوبة حكمة أو لا؟ حكمة؛ لأن الله قال: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: ٤١]، فقوله: لِيُذِيقَهُمْ}هذا تعليل لفعله عز وجل، وقوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}تعليل للمفعول، يعني صار هذا المكروه من أجل أن يرجع هؤلاء. الطالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يا شيخ، من قاصري العلم يقولون: أحيانًا يأتيني بنفسي بعض الأمور من حكمة الله عز وجل، في مثلًا بعض المخلوقات أو بعض آيات الله عز وجل الكثيرة، هل مثل هذا يا شيخ نقول له: أولا اعترف بأن الله عز وجل حكيم، ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة عظيمة، وعليك أن تنتهي، إذا لم تعرف هذا، فينتهي من التفكير في أفعال الله سبحانه وتعالى؟ الشيخ: نعم .
الطالب: فبنقول: يجب عليك أن تبحث وتتأمل وتسأل أهل العلم حتى يستقر عندك العلم؟ الشيخ: نقول: يجب إذا أشكل على الإنسان حكمة شيء من الشرع والقدر فعليه أن يستسلم، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: ٣٦]، وقالت عائشة للتي سألتها: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. وليعلم أنه لا بد لكل حكم من حكمة، لكن مجهولة، ولا بأس أن يبحث عن الحكمة استرشادًا لا انتقادًا. الطالب: شيخ، الله يحفظك، هل هناك من حكمة معلومة أو معروفة من مثل موت صبي صغير في السن جدًّا بحالة خطرة جدًّا صعبة من ذلك حادث مروع؛ لأني سمعت أحد الكفار مرة وُجه له سؤال: هل تؤمن بالله أو لا؟ فقال: أنا كيف أؤمن بالله وطفل صغير مثلًا يمشي في الغابة فيصطدم بشجرة مثلًا ويموت موتة شنيعة، كيف يكون هذا؟ فنريد جوابًا شافيًا. الشيخ: إي نعم، حكمة عظيمة، أعظم حكمة ابتلاء المصاب بهذا الصبي، ابتلاؤه به، هل يصبر أو لا يصبر، وهذه من أحسن ما يكون، ولهذا إذا نزلت المصائب الكبيرة بالإنسان المؤمن ازداد إيمانًا بالله عز وجل إذا صبر واحتسب، قال الله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: ١١]، لكن من كان على طَرَف فهذا خطر عليه جدًّا، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} [الحج: ١١]، وأنا، يحكي لنا بعض الناس أن فلانًا كان على جانب كبير من السفه والفسق، فمات أبوه، وأصيب به وحزن، فعاد مستقيمًا، عاد مستقيمًا، بينما لو يصاب أحد مثل هذه المصيبة فقد يرتد عن الإسلام، والعياذ بالله، ويرى أن الله قد ظلمه، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تخرجه من الإسلام. طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل أفعل التفضيل إذا أضيفت إلى الله عز وجل دائمًا تكون على بابها؟ الشيخ: نعم. الطالب: قوله تبارك تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: ٢٧] على بابها؟ الشيخ: نعم، صحيح على بابها. الطالب: كيف؟ الشيخ: لأن إعادة الخلق أهون. الطالب: لكن يا شيخ أهون لنا، يعني أهون بالنسبة للمخلوقين، أنا أفهم أن الله عز وجل كل شيء إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: ٨٢] فيستوي..؟ الشيخ: نعم، هو كله عليه هين لا شك، كله عليه هين، لكن بعضه أهون من بعض، وليس معنى أهون أنه يكون شديد بالثاني المفضل عليه، لا؛ لأنه عند الله كله هين. الطالب: شيخ هل لنا أن نرد على مشايخنا الذين علّمونا غير هذا؛ لأننا تلقينا غير هذا؟ الشيخ: نعم. الطالب: نرد عليهم؟
الشيخ: إي نعم، أليس الله تعالى قادرًا على أن يقول وهو هين عليه؟ بلى، لماذا قال أهون؟ حتى يتبين كل إنسان عاقل يعرف أن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، والله تعالى يخاطب الناس بما يعقلون آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: ٥٩]؟ معلوم أن هذه الأصنام ما فيها خير، لكن اتباعًا للخصم. الطالب: لأن مراعاة للمخاطب إذا توهم أن هذا صعب، هذا دفع للوهم يعني؟ الشيخ: دفعًا للوهم ومخاطبة للعقل، حتى العقل يعرف أن الشيء المعاد أهون من الابتداء.
طالب: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: ٣٣ - ٣٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى بعد أن ذكر أنه علم آدم الأسماء كلها: ثُمَّ عَرَضَهُمْ، أي عرض المسميات، بدليل أنه لم يقل: ثم عرضهن، ولو كان الضمير يعود على الأسماء لقال: عرضهن، وأيضًا قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، فدل ذلك على أن المعروض هي المسميات، قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فهنا سبَق علم إلى آدم، وجهل من الملائكة؛ ليريهم الله عز وجل فضل آدم عليه الصلاة والسلام، فقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وسبق الكلام على هذا وبيان فوائده.
تفسير الآية (٣٣)
٠٠:١٤:١٩
{قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} ، قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فأنبأهم، وآدم الظاهر أنه عَلَم وليس بوصف على أبينا، وهو مشتق لغة من الأُدمة وهي لون بين البياض الخالص والسواد، أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}، أي بأسماء هذه المسميات، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ}، مَن الفاعل؟ آدم، لما أنبأهم؛ أنبأ الملائكة بأسمائهم، قَالَ}، أي: قال الله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، وذلك لرد قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، ثم أراد الله تعالى أن يبين مدى علم الملائكة بأمر يشاهدونه ومع ذلك لا يعرفونه بعرض المسميات عليهم وطلب معرفة أسمائها، أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، أي ما غاب فيهما، وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ}، أي: تظهرون، وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. في هذه الآية فوائد منها: إثبات القول لله؛ لقوله: يَا آدَمُ}، وأنه بحرف وصوت مسموع؛ لأن آدم سمع فأنبأهم، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، أن الله تعالى يتكلم بكلام مسموع، كلام مترتب، بعضه سابق لبعض. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آدم عليه الصلاة والسلام امتثل وأطاع ولم يتوقف؛ لقوله: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ}، ولهذا طوى ذكر قوله: فأنبأهم، إشارة إلى أنه بادر وأنبأ الملائكة، فيستفاد منه سرعة امتثال آدم لأمر الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تقرير المخاطَب بما لا يمكنه دفعه، والتقرير لا يكون إلا هكذا، أي بأمر لا يمكن دفعه، وذلك لقوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. ومن فوائد الآية: بيان عموم علم الله عز وجل، وأنه يتعلق بالمشاهَد والغائب؛ لقوله: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. ومن الفوائد: أن السماوات ذات عدد؛ لقوله: السَّمَاوَاتِ}، والأرض جاءت مفردة، والمراد بها الجنس؛ لأن الله تعالى قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: ١٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة لها إرادات تبدي وتكتم؛ لقوله: أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى عالم بما في القلوب، سواء أُبْدِيَ أم لم يُبدَ؛ لقوله: مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.
انتبهوا لكلمة: عالم لما في القلوب؛ لو قال قائل: ما دليلك على أن الملائكة لها قلوب؟ قلنا: قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: ٢٣].
تفسير الآية (٣٤)
٠٠:١٩:١٤
ثم قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا}، يعني: اذكر إذ، ومثل هذا التعبير يتكرر كثيرًا في القرآن، والعلماء يقدِّرون لفظ: اذكر، وهم بحاجة إلى هذا التقدير؛ لأن (إذ) ظرفية، والظرف لا بد له من شيء يتعلق به إما مذكورًا وإما محذوفًا، لا بد من هذا، وفي نظم الجُمَل:
لَا بــــــُدَّ لِلْجَــــارِ مِنَ التَّعَلُّقِ
بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْو مُرْتَقِي
ومثله الظرف، وعلى هذا فنقدر: اذكر إذ، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}، وسبق الكلام على ذكر الملائكة ومن أين اشتق هذا اللفظ، أليس كذلك؟ نعم، اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ}، اسْجُدُوا}، السجود هو السجود على الأرض بأن يضع الإنسان أعلى جسمه على الأرض خضوعًا وخشوعًا، وليس المراد مجرد الركوع؛ لأن الله فرق بين الركوع وبين السجود، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: ٢٩]، اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا}من غير تأخير، فالفاء هنا للترتيب والتعقيب، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}، والعياذ بالله، إبليس هو الشيطان، وسمي إبليسًا؛ لأنه أبلس من رحمة الله، أي أيس منها يأسًا لا رجاء بعده. وقوله: إِلَّا إِبْلِيسَ}، قد يقول قائل: هذه الآية تدل على أن إبليس من الملائكة؟ وقد تقرر أن الملائكة خُلِقوا من أيش؟ من النور، وإبليس؟ من نار، والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن إبليس كان من الملائكة ظاهرًا؛ لأنه يأتي ويجتمع ويعبد الله كما تعبده الملائكة حتى ظهر الدفين -والعياذ بالله- في قلبه، وتبين أنه كافر، يقول: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}، هذه الجملة ترد في القرآن على ثلاثة أوجه: تارة يُذْكَر الإباء دون الاستكبار، وتارة يُذكر الاستكبار دون الإباء، وتارة يذكر الإباء والاستكبار، ففي أي سورة ذُكر الإباء والاستكبار؟ هنا في سورة البقرة، وفي أي سورة ذكر الإباء دون الاستكبار؟ طالب: في الكهف.
الشيخ: في الكهف؟ لا، في الحجر أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: ٣١]، وفي أي سورة ذكر الاستكبار دون الإباء؟ طالب: غافر. الشيخ: لا. طالب: ص. الشيخ: ص، ذُكر الاستكبار دون الإباء، فهل المعنى أن الشيطان يوصف مرة بهذا ومرة بهذا ومرة بهذا؟ أو نقول: هو موصوف بالاثنين جميعًا، لكن لا مانع من أن يوصف الموصوف بإحدى الصفتين في موضع، وبالصفتين جميعًا في موضع آخر؛ لأنه لا منافاة؟ أَبَى}يعني امتنع، وَاسْتَكْبَرَ}أي صار ذا كِبر، وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}، زعم بعض العلماء أن المراد كان من الكافرين في علم الله، بناء على أن (كان) فعل ماضي، والمضي يدل علي شيء سابق فيكون معنى كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}، أي في علم الله، لكن هناك تخريجًا أحسن من هذا، أن نقول: إن (كان) تأتي أحيانًا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقق اتصاف الموصوف بهذه الصفة، ومن ذلك مثل قوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: ٩٦]، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: ١٥٨]، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: ١٣٤] وما أشبهها، هذه ليس المعنى أنه كان فيما مضى، بل لا يزال، فتكون (كان) هنا مسلوبة الزمان، ويراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بما دلت عليه الجملة، وهذا هو الأقرب، وليس فيه تأويل، ويُجرى الكلام على ظاهره، وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}؛ لأنه ليس هو كل الكافرين لكنه منهم. في هذه الآية الكريمة بيان فضل آدم على الملائكة، وجهه؟ طالب: يقول الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}. الشيخ: هذه الآية، لكن ما وجه الدلالة من الآية؟ الطالب: لأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم. الشيخ: لأن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له، ومعلوم أن الساجد إذا سجد لغيره فهو في مرتبة دونه، أدنى منه. وفي الآية إشكال، وهو أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، والسجود لغيره تعالى شرك، فكيف يأمرهم بالشرك والله عز وجل يقول: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}؟ طالب: شيخ بارك الله فيكم، هذا سجود تحية كسجود إخوة يوسف ليوسف. الشيخ: نعم، وليس سجودًا حقيقيًّا، ما الدليل على صرفه؟ الطالب: ما علم (...) من دين الإسلام. الشيخ: من دين الإسلام. طالب: إقرار يوسف عليه السلام إخوته على فعلتهم؟ الشيخ: لا تنقلونا يا ناس إلى مكان آخر، أجيبوا عن هذا المكان.
طالب: أمر الله عز وجل في حد ذاته بذلك الذي نهى عنه من الشرك عُلِم أنه ليس شرك. الشيخ: يعني إذن تقول كما قال الأخ إن السجود تحية خضوع بالرأس هكذا؟ الطالب: لا، سجود حقيقي، حقيقي وتحية. الشيخ: إي.
الطالب: لكن امتنع الآن أن يكون حتى أن معاذ بن جبل سجد للنبي؟ وقال له النبي صلى الله عليه وسلم. الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. طالب: شيخ، نقول: هذا وقع بأمر الله.
الشيخ: نعم، وإذا وقع بأمر الله صار عبادة ولو كان لغير الله، السجود حق الله عز وجل، فإذا أمر به أن يُسجد لغيره فمن الذي يمنعه؟ أليس قتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر؟ ومع ذلك صار قتل إبراهيم الذي أُمر أن يقتل ولده صار من الطاعات الجليلة، فقتل النفس حرام لا شك ومعصية، لا سيما إذا كان يقتل الإنسان ولده أو يقتل أباه أو قريبه، لكن لما كان بأمر الله صار طاعة لله، ولهذا تفسَّر العبادة بأنها التذلل لله عز وجل، بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالصواب أن نأخذ القرآن بظاهره، ونقول: هو سجود حقيقي، لكن لما أمر الله به صار ذلك من حقه وصار امتثاله عبادة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من انتسب إلى أحد ظاهرًا عومل معاملته، من أين يؤخذ؟ طالب: (...).
الشيخ: كيف؟ وجه الدلالة؟ الطالب: (...). الشيخ: لكن ما وجه الدلالة أنه انتسب إلى الملائكة؟ الطالب: (...).
الشيخ: لأن الخطاب الموجه إليهم صار شاملًا له، ولذلك عامل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين معاملة المسلمين، واستؤذن أن يقتلهم مع أنه يعرف بعضهم بأعيانهم فقال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» ، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ، مع أنه ليس من نسبهم. ومن فوائد هذه الآية: أن المتظاهر بالخير إذا كان قلبه منطويًا على الشر فلا بد أن يتضح أمره. طالب: (...) أبى واستكبر هذا يدل على أنه ليس منهم. الشيخ: أن في قلبه مرض خبيث، نعم، هذا ننطلق منه إلى تربية الإنسان نفسَه، وأن ينظر الإنسان في قلبه، هل فيه سر خبيث فليحذر منه؛ لأن الإنسان قد يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، طهر قلبك، تطهير القلب أهم من تطهير البدن، والخضوع لله بالقلب أهم من الخضوع بالرأس، وسجود القلب لله أهم من سجود البدن - نسأل الله أن يعيننا على ذلك - احرصوا على هذا، احرصوا على إصلاح القلب، لا تحملوا رياء ولا شركًا، ولا غلًّا للمؤمنين، ولا حقدًا ولا حسدًا، طهروا القلوب، حتى لا يُختم لكم بسوء الخاتمة، «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . اللهم إنا نعوذ بعظمتك من ذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: أن إبليس - والعياذ بالله- جمع صفات الذم كلها؛ الإباء عن الأمر، والاستكبار على الحق وعلى الخلق، والثالث الكفر، إبليس استكبر عن الحق؛ لأنه لم يمتثل أمر الله، واستكبر على الخلق؛ لأنه قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢]، فاستكبر في نفسه، وأذل غيره، والكبر بطر الحق وغمط الناس. طالب: شيخ، قلنا: لا بد لمن كانت طويته سيئة أن يظهر ذلك؟ لا بد؟ الشيخ: نعم، قال الحسن رحمه الله: مَا أَسَرَّ رَجُلٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَلَى فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ . الطالب: قول الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم عن المنافقين: وَمِنْهُمْ من..، قال له: بعضهم لا يعرفهم، اللي ماتوا على أنهم مؤمنين ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: الله قال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: ٣٠].
الطالب: والآية هذه؟ الشيخ: أي آية؟ الطالب: التي يقول فيها أن بعض المنافقين لا يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: لكن لا بد أن يبين نفاقهم، لا بد أن يبين.
تفسير الآية (٣٥)
٠٠:٣٣:٢٧
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قلنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: ٣٥ - ٣٩]. الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ}، ما سبق أخذنا فوائده، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}، الفاعل، فاعل القول هو الله عز وجل، وقوله: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ، (زوج) معطوف على الفاعل في اسْكُنْ}، ولّا على أَنْتَ}؟ على الفاعل في اسْكُنْ}لأن أَنْتَ}توكيد للفاعل وليست هي الفاعل؛ لأن اسْكُنْ}فعل أمر، وفعل الأمر لا يمكن أن يظهر فيه الفاعل؛ لأنه مستتر وجوبًا، وعلى هذا فـأَنْتَ}الضمير المنفصل هذا توكيد للضمير المتصل، وقوله: وَزَوْجُكَ}هي حواء، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره.
وقوله: الْجَنَّةَ}اختلف العلماء، أولاً الجنة هي البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه مستتر بأشجاره. وهل المراد بالجنة جنة الخلد؟ أم هي جنة سوى جنة الخلد؟ ظاهر القرآن والسنة أنها جنة الخلد، وليست جنة، يعني ليست بستانًا كثير الأشجار عذب المياه طيب الهواء، لا، ولكنها جنة الخلد؛ لأن أل هنا للعهد الذهني، وقوله: وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}، كُلَا مِنْهَا}أي: من هذه الجنة، رَغَدًاأي: أكلًا هنيًّا ليس فيه تنغيص، حَيْثُ شِئْتُمَا}، أي: في أي مكان من هذه الجنة، ونقول أيضًا: وفي أي زمان؛ لأن كُلَا مِنْهَا}فعل مطلق لم يقيَّد بزمان، فهما يأكلان من أي مكان كان، وفي أي زمن كان. وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}الشجرة أشار الله إليها هَذِهِ الشَّجَرَةَ}، ولم يقل: شجرة كذا أو كذا، بل أشار إليها بعينها، و(أل) في الشجرة للعهد الحضوري؛ لأن كل ما جاء بـ(أل) بعد اسم الإشارة فهو للعهد الحضوري؛ إذ إن اسم الإشارة يعني الإشارة إلى شيء قريب، هذه الشجرة هل لنا أهمية في بيان نوعها؟ لا، ولهذا لم يبينها الله في القرآن ولا النبي صلى الله عليه وسلم في السنة، فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}، تَكُونَا}، ولم يقل: فتكونان؛ لأنها وقعت جوابا للطلب وهو قوله: لَا تَقْرَبَا، فالفاء هنا للسببية، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وقيل: إن الفعل منصوب بنفس الفاء، والأول للبصريين والثاني للكوفيين، والثاني هو المختار عندنا بناء على القاعدة: أنه متى اختلف علماء النحو في إعراب كلمة أو جملة فإننا نأخذ بالأسهل ما دام المعنى يحتمله. فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}، والظالم هو المعتدي؛ لأن أصل الظلم هو النقص، قال الله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: ٣٣]، والظلم يكون بواحد من أمرين: إما بتفريط في واجب، أو غلو فيه، أو انتهاك لمحرَّم، والمراد به هنا الانتهاك للمحرم، يعني: إن فعلتما فأنتما ظالمان؛ لأنكما عصيتما الله. في هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، من أين أخذنا؟ طالب: وَقُلْنَا يَا آدَمُ}. الشيخ: وفيها أيضًا دليل على أن قول الله بصوت مسموع وحرف مرتب، من أين يؤخذ؟ من قوله: يَا آدَمُ اسْكُنْ}، ولولا أن آدم يسمعه لم يكن في ذلك فائدة. وأيضًا: هو مرتب؛ لأنه قال: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ}، وهذا ترتيب للحروف، يَا} {آدَمُ} {اسْكُنْ} {أَنْتَ} {وَزَوْجُكَ} {الْجَنَّةَ}، وإنما قلنا ذلك؛ لأن بعض أهل البدع يقول: إن كلام الله تعالى ليس مرتبًا، وأن قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: ١] خرجت دفعة واحدة، يعني: السين والباء والميم خرجت دفعة واحدة غير مرتبة، وهؤلاء يسمون الاقترانية الذين يقولون: إن كلام الله مقترن بعضه ببعض؛ لأنهم يزعمون لو قلنا بترتبه وأن بعضه سابق على بعض، لزم من ذلك أن يكون حادثًا، وكما تعرفون أن القاعدة عندهم أن الحادث لا يقوم إلا بحادث، وقد بينّا مرارًا أن هذه قاعدة باطلة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل على آدم وحواء، حيث أسكنهما الجنة من أول ما خلقهما. ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية النكاح لبني آدم؛ لقوله: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ}، فهذه سنة أبينا آدم، فإن قال قائل: زوجته بنت من؟ قلنا: إنها خُلقت من ضلعه، خلقها الله من ضلعه، فإن قال قائل: إذن تكون بنتًا له، فكيف يتزوج ابنته؟ فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم ما شاء، لله أن يحكم ما شاء، فكما جاز أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأول، فكذلك جاز أن يتزوج آدم مَن خلقها الله تعالى من ضلعه، والله تعالى يحكم بما يشاء. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمر يأتي للإباحة؛ لقوله أيش؟ وَكُلَا مِنْهَا}، فإن هذا للإباحة، بدليل قوله: حَيْثُ شِئْتُمَا}، خيّرهما أن يأكلا من أي مكان، ولا شك أن الأمر يأتي للإباحة، ولكن الأصل فيه أنه للطلب حتى يقوم دليل على أنه للإباحة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظاهر النص أن ثمار الجنة ليس له وقت محدود، بل هو موجود في كل وقت، من أين تؤخذ؟ حَيْثُ شِئْتُمَا}، فالتعميم في المكان يقتضي التعميم في الزمان، وقد قال الله تعالى في فاكهة الجنة: وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: ٣٢، ٣٣]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يمتحن العبد فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}، ووجه ذلك: أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها. ومنها: أنه قد يُنهى عن قربان الشيء والمراد فعل الشيء مباشرة؛ للمبالغة في التحذير منه، فإن قوله تعالى: لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}، المراد: لا تقرباها، أي: لا تأكلا منها، لكن لما كان القرب منها قد يؤدي إلى الأكل نُهي عن قربها. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يبهم ما أبهمه الله، ووجه الدلالة: أنه لو كان الله تعالى أراد منا أن نعتقد شجرة معينة لعينها، فالأدب مع الله أن تبهم ما أبهم، وتعيّن ما عيّن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}. ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الله تعالى ظلم، ظلم للنفس وعدوان عليها؛ لقوله: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}.
تفسير الآية (٣٦)
٠٠:٤٥:١٦
ثم قال الله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا}، وفي قراءة: {فَأَزَالَهُمَا}، والفرق بينهما أن أَزَلَّهُمَا}بمعنى أوقعهما في الزلل، و{أَزَالَهُمَا} بمعنى نحّاهما، فعلى القراءة الأولى يكون الشيطان أوقعهما في الزلل فزالا عنها وأُخرجا منها، وعلى الثانية يكون المعنى: نحاهما، أي: كان سببًا لتنحيتهما. أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ}، أي شيطان هو؟ الظاهر أنه الشيطان الذي أبى أن يسجد لآدم، أراد أن يغويهما حتى يكونا مثله في معصية الله. أَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا}، أي: عن الجنة أو عن الشجرة؟ الطلبة: عن الجنة. الشيخ: عن الجنة، ولهذا قال: فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}، أخرجهما مما كانا فيه من النعيم؛ لأنهما كانا في أحسن ما يكون من الأماكن، جنة، أُذِنَ لهما بالأكل من حيث شاءا، ومع ذلك أخرجهما الشيطان مما كانا فيه. وَقُلْنَا}، أي: قال الله لهما: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}. اهْبِطُوا}، الخطاب لجمع، ولم يقل: اهبطا، فمن الذي انضاف إلى آدم وزوجه؟ الشيطان، ولهذا قال: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}، من الذي عدو للآخر؟ الشيطان عدو لآدم وحواء. وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}، يعني: أنكم سوف تستقرون في الأرض، وسوف تتمتعون بها بما أعطاكم الله من النعم، ولكن لا على وجه الدوام، بل إِلَى حِينٍ}، وهو قيام الساعة.
في الآية فوائد، أولا: الحذر من وقوع الزلل الذي يمليه الشيطان؛ لقوله: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا}. من فوائدها بالضم إلى آية أخرى: أن الشيطان يغر بني آدم كما غر أباهم، فإن الشيطان لم يسهُل عليه أن يقول لهما: كلا من هذه الشجرة، بل دلاهما بغرور، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: ٢١]، وقال: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى}، فأتى بالأشياء التي تغريهما أن يأكلا من الشجرة، وعليه فليحذر الإنسان من وساوس الشيطان، الشيطان قد يأتي للإنسان فيوسوس له فيصغِّر المعصية في عينه، ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها منَّاه بأن يتوب منها، فيسهُل عليه الإقدام، ولّا لا، احذر عدوك، احذر عدوك أن يغرك. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو للإنسان؛ لقوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان يحرص على إزالة الخير عن بني آدم وإيقاعهم في الشر، ومن ذلك: أن الشيطان يُلقي في قلب الإنسان الحزن والهم والغم، كما قال تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [المجادلة: ١٠]، فهنا يقول: أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}من النعيم إلى ما لا يجدان فيه ذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: أن قول الله تعالى يكون شرعيًّا ويكون قدريًّا، فقوله: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا}، هذا شرعي، وقوله: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ}، الظاهر أنه كوني؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا، لكن هذا قول كوني، ويحتمل أن يكون قولًا شرعيًّا، لكن الأقرب عندي أنه قول كوني، والله أعلم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة في مكان عالٍ، تؤخذ من أين؟ الطلبة: من قوله: اهْبِطُوا}. الشيخ: من قوله: اهْبِطُوا}، والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان كان معهما في الجنة؛ لقوله: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}، تأملوا هذه الفائدة، هل يصح أو لا؟ طالب: لا يصح. طالب: يصح. طالب: محتمل. الشيخ: يحتمل أن يقال: اهْبِطُوا}، يعني من السماء، من الجنة بالنسبة لآدم وحواء، ومن السماء بالنسبة للشيطان، ويحتمل أن الشيطان دخل الجنة امتحانًا لأجل أن يُضل أبوينا. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن العيش إلا في الأرض لبني آدم، لا يمكن أن يعيشوا إلا في الأرض؛ لقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}، ويؤيد هذا قوله تعالى: فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: ٢٥]، وبناء على ذلك نعلم أن محاولة الكفار أن يعيشوا في غير الأرض، إما في بعض الكواكب أو في بعض المراكب محاولة لا تجدي شيئًا؛ لأنه لا بد أن يكون مستقرهم الأرض. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا؛ لقوله: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}. ثم قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}، (تلقى) يعني أنه أخذ وقبل ورضي من الله تعالى كلمات، وفي قراءة: {فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ}، فيكون الفاعل هنا الكلمات، فما هي هذه الكلمات؟ الكلمات هي قوله تعالى: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [الأعراف: ٢٣] إذن فالكلمات اعتراف آدم وحواء بأنهما أذنبا وظلما أنفسهما، وتضرعهما إلى الله عز وجل بأنه إن لم يغفر لهما ويرحمهما لكانا من الخاسرين. طالب: شيخنا يلزم من خلق حواء من ضلع آدم أن تكون منه؟ الشيخ: أن تكون منه؟ الطالب: من نفسه؟ الشيخ: من أين خلقت؟ الطالب: من ضلعه. الشيخ: أي منه، والرسول قال في فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي» ؛ لكنها ليست كخلق بني آدم؛ يعني أنها خُلقت من ماء دافق، خُلقت على وجهٍ الله أعلم به. طالب: قلنا هنا اهْبِطُوا}أمرًا لآدم وحواء والشيطان، في سورة طه قَالَ اهْبِطَا} [طه: ١٢٣]، فما رأيكم؟ الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد أن الشيطان وُجِّه إليه الخطاب في قوله: اهْبِطُوا}، يعني: بالنسبة للشيطان من السماء، بالنسبة لآدم وحواء من الجنة. طالب: ما هي النجوى؟ الشيخ: النجوى الكلام الخفي بين الرجل وصاحبه، وكان المنافقون إذا أقبل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره من الصحابة يتهامسون بينهم إغاظة للمؤمن وترويعًا له أن يكونوا يتحدثون بقتله أو إيذائه أو ضربه. طالب: كيف تكون النجوى من الشيطان؟ الشيخ: نعم، يعني هو الذي يمليها، هو الذي يمليها على من فعلها. طالب: شيخ بارك الله فيك، هل يُفهم ما في قوله: وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}إباحة ما على الأرض، ما خلقه الله في الأرض؟ الشيخ: يعني (...) المتاع؟ نعم، يمكن، يؤخذ، وفي أية أخرى أصرح من هذا هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: ٢٩]. طالب: كيف تمكن الشيطان من الوسوسة لآدم وحواء وهما في الجنة، وهو مطرود من رحمة الله؟
الشيخ: أما إذا قلنا: إن قوله: اهْبِطُوا مِنْهَا}، أي: من الجنة، فهذا يكون معهم، وإذا قلنا: إنه ليس معهما في الجنة فإنه يمكن أن يوسوس لهما ولو من بعيد؛ ألا يمكن أن الإنسان يكون في بيته ورجل في الشارع يخاطبه ويناجيه؟ طالب: هل الشيطان كان مرئي يراه آدم وحواء؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: الشيطان يراه آدم وحواء؟
الشيخ: هو ظاهر، والظاهر -والله أعلم- أنه كان يراهم، هو يراهم ولا شك لكن الظاهر أنهما كانا يرياه. طالب: يا شيخ بارك الله فيك، ما مدى صحة قول بعضهم: إن آدم خُلق من غير أب ولا أم، وأن حواء خُلقت من غير أم، وأن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير أب، هذا القول صحيح؟ الشيخ: صحيح، آدم خُلق من طين ليس من أب ولا أم، وحواء من أب بلا أم، وعيسى من أم بلا أب. طالب: أحسن الله إليك، كلنا نعلم أن آدم وحواء، وكذلك الرسول عليه الصلاة والسلام دخلوا الجنة قبل دار الآخرة، هل هنالك من الأنبياء والرسل غيرهم دخلوا الجنة؟ الشيخ: ما نعلم، أنا لا أعلم. طالب: شيخ، ما رأيك فيمن يقول: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ}، أن الاستثناء هنا يدل على أن إبليس كان من الملائكة؟ الشيخ: إي نعم، نرد على هذا بأن الله تعالى قال: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}، وأنه كان من الملائكة، أي في جملتهم معهم، لكن عنصره مختلف عن عنصرهم، ولهذا عاد إلى عنصره هو، وهو النار، وعادوا إلى عنصرهم وهو أنهم خُلقوا من نور. طالب: في تفسير قوله تعالى: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}هل هذا التقديم على (...)؟ الشيخ: وأيش يعني الإشكال؟
الطالب: (...). الشيخ: لما قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: ٣] وكان المشركون، الآية قبلها، أحد يذكرها؟ الطالب: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ. الشيخ: نعم، هذا إشكال جيد، يقول: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}الفاء لا شك أنها عاطفة وتدل على أن ما بعدها فرع عما قبلها، فكيف نهى عن خشيتهم مع أنه أخبر أنهم يئسوا؟ فما هو الجواب؟ أوما فهمتم الإشكال؟ طالب: أنهم يئسوا، لكن لم يَيْئسوا من محاولة صد المسلمين.
الشيخ: الظاهر أن المعنى أنهم يئسوا من دينكم واستبعدوا أن ترجعوا عنه، لكن إذا أعادوا عليكم الكَرّة فلا تخشوهم في هذا، هذا ما يظهر، لكن الله أعلم.
تفسير الآية (٣٧)
٠٠:٥٩:٤٠
طالب: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٣٧ - ٤٢]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}(تلقى) أي: أخذ حينما ألقى الله إليه هذه الكلمات تقبلها وأخذها، وهذه الكلمات هي قوله تعالى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: ٢٣]، وقوله: مِنْ رَبِّهِ}هذا فيه إضافة الربوبية إلى آدم، وهي الربوبية الخاصة، وقوله: فَتَابَ عَليه}، الفاعل مَن؟ الله، يعني فتاب ربه عليه. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، والتوبة هي: رفع المؤاخذة، والعفو عن المذنب إذا رجع إلى ربه عز وجل، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، هذه الجملة تعليل لقوله: فَتَابَ عَلَيْهِ}؛ لأن هذا مقتضى هذين الاسمين العظيمين: التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، وقوله: هُوَ التَّوَّابُ}، هو ضمير فصل يفيد الحصر، وأيش بعد؟ والتوكيد، هنا لا نقول: الفصل بين الخبر والصفة؛ لأن ما قبل الصفة أو ما قبل ما يحتمل أن يكون صفة ضمير، والضمير يقول النحويون: إنه لا يوصف ولا يوصف به، إذن نستفيد من ضمير الفصل هنا فائدتين فقط هما: التوكيد والحصر. وقوله: التَّوَّابُ}صيغة مبالغة من تاب، وذلك لكثرة توبة الله عز وجل على العباد، فما أكثر التوبة من الله علينا على كل فرد منا، وما أكثر التوبة باعتبار أفراد التائبين، فلذلك سمى الله نفسه التواب. واعلم أن لله تعالى على العبد توبتين: التوبة الأولى قبل توبة العبد، وهي: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبول التوبة، يعني أنه يوفق العبد للتوبة فيتوب، فيتوب الله عليه، وكلاهما في القرآن، قال الله تبارك وتعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} [التوبة: ١١٨]، تاب ليتوبوا، إذن هذه التوبة الأولى؛ توبة التوفيق للتوبة، لِيَتُوبُوا}أي: ليتوبوا إلى الله فيتوب الله عليهم توبة القبول. وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: ٢٥]، إذن التَّوَّابُ}صيغة مبالغة من تاب، وتوبة الله تعالى على قسمين، أو نوعين: الأول: التوفيق للتوبة، والثاني: قبول التوبة، وكلاهما في القرآن العظيم. الرَّحِيمُ}يعني: ذو الرحمة الواسعة الواصلة إلى من شاء من عباده، وعلى هذا فالرحمن داخل في ضمن الرحيم؛ لأنه إذا ذُكر الرحمن وحده أو الرحيم وحده دخل أحدهما في ضمن الآخر، وإن ذُكرا جميعًا صار الرحمن باعتبار الصفة، والرحيم باعتبار الفعل. من فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله سبحان الله وتعالى على أبينا آدم حين وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها التوبة؛ لقوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}. ومن فوائدها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منّ على أحد أجداده كان مانًّا عليه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قول الإنسان: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: ٢٣] سبب لقبول توبة الله على عبده. وفيها أي في رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}فيها أنواع من التوسل: الأول التوسل بالربوبية، والثاني: التوسل بحال العبد ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا}، والحال الثالثة: تفويض الأمر إلى الله، والرابعة: ربما يقول لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}أيضًا فيها ذكر العبد إذا لم يُغفر له، فهو توسل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يتكلم بصوت مسموع، كيف ذلك؟ تلقى منه كلمات، وتلقي الكلمات لا يكون إلا بسماع الصوت، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام يُسْمَع، بصوت مسموع وحروف مقروءة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: منة الله عز وجل على آدم بقبول التوبة، فيكون في ذلك مِنَّتان: الأولى التوفيق للتوبة حيث تلقى الكلمات من الله، والثاني: قبول التوبة، حيث قال: فَتَابَ عَلَيْهِ}. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه، وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ ذِرَاعًا تَقَرَّبَ اللَّهُ إِِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَاهُ يَمْشِي أَتَاهُ هَرْوَلَةً» ، فكرم الله عز وجل أعلى وأبلغ من كرم الإنسان. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: التواب والرحيم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اختصاص الله بالتوبة والرحمة، بدليل ضمير الفصل، ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره، ليس بكل توبة؛ لأن الإنسان قد يتوب مثلًا على عبده، على ابنه، على أمته، وما أشبه ذلك، لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله وهي المذكورة في قوله: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: ١٣٥] هذه خاصة بالله، كذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله، أما رحمة الخلق بعضهم لبعض هذا ثابت لا ينحصر بالله عز وجل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» .
تفسير الآية (٣٨)
٠١:٠٨:٢١
ثم قال عز وجل: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا}، اهْبِطُوا}الواو تدل على الجمع، وهل المراد الجمع أو المراد التثنية بناء على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن العلماء مختلفون: هل أقل الجمع اثنان أو أقل الجمع ثلاثة؟ فمن قال: إن أقل الجمع اثنان قال: المراد هنا آدم وحواء فقط، ومن قال: أقل الجمع ثلاثة قال: آدم وحواء وإبليس؛ لأن إبليس وإن لم يكن في الجنة، خرج منها حين أبى أن يسجد لآدم، ولكن هو حولها يوسوس لهما ويكلمهما، فقيل لهم جميعًا: اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا}، هل في القرآن اهبطا بالألف؟ فيها اهبطا، وهذا مما يؤيد أن الضمير هنا الواو إنما تدل على اثنين فقط، اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا} [طه: ١٢٣] أي الاثنين، وهي حال من الواو في اهْبِطُوا}. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى}، إما: أصلها (إن ما) فإن شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، ويَأْتِيَنَّكُمْ}أيضًا فعل مؤكد بنون التوكيد، ولذلك لم يكن مجزومًا، بل كان مبنيًّا على أيش؟ طالب: (...). الشيخ: لماذا؟ لاتصاله بنون التوكيد لفظًا وتقديرًا، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ،{إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى}، أي: علمًا، وذلك بالوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى أنبيائه ورسله، فَمَنْ تَبِعَ}، الفاء هنا رابطة للجواب جواب الشرط؛ لأن الجملة بعد الفاء هي جواب الشرط، والجملة بعد الفاء هنا اسمية ولّا فعلية؟ اسمية، وقوله: فَمَنْ تَبِعَ}، مَنْ}شرطية، وتَبِعَ}فعل الشرط، والفاء في قوله: فَلَا خَوْفٌ}رابطة للجواب أيضًا، و(لا) نافية، وخَوْفٌ}مبتدأ، انظر تداخل الشروط الآن. جملة فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ}جواب (إن) في قوله: إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ}، وجملة: فَلَا خَوْفٌ}جواب: فَمَنْ تَبِعَ}، إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ}، أي: أخذ به تصديقًا بأخباره وامتثالًا لأحكامه، وأضافه الله لنفسه؛ لأنه الذي أنزله عز وجل وأمر عباده به، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}فيما يستقبَل، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}فيما مضى، بل هم مطمئنون غاية الطمأنينة لا خوف عليهم مما يُستقبل؛ لأنهم آمنون، ولا هم يحزنون عما سبق؛ لأنهم قد اغتنموه وقاموا فيه بالعمل الصالح. في هذه الآية فوائد، منها: أن آدم كان عاليًا في الأول؛ لقوله: اهْبِطُوا}، والهبوط لا يكون إلا مِن؟ من أين؟ طالب: من السماء؟ الشيخ: لا، الهبوط لا يكون إلا من أعلى، وهل الجنة التي أُسْكِنها آدم هي جنة الخلد؟ أو هي عبارة عن بستان عظيم كثير الأشجار كثير النبات كثير الأنهار؟ في هذا قولان للعلماء، والصحيح -إن لم نقل: المقطوع به- أنها جنة المأوى التي أُسْكِنَها آدم، ولا يقال: كيف تقولون: إن هذا هو الصحيح والجنة من دخلها لم يخرج منها؟ قلنا: نعم من دخلها لم يخرج منها، متى؟ بعد البعث يوم القيامة، أما الآن فلا، وعلى هذا فالقول الراجح أنها جنة المأوى، وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة:
فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا
مَنَـــــازِلُكَ الْأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ
قال: منازلك الأولى. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الكلام لله؛ لقوله: قُلْنَا. ومنها: أنه بصوت مسموع وحروف مقروءة؛ لقوله: اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا}، فلولا أنهم سمعوا ذلك ما صح توجيه الأمر إليهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوكيد في الأسلوب العربي فصيح ومن البلاغة؛ لقوله: جَمِيعًا}وهو توكيد معنوي؛ لأنه حال من حيث الإعراب؛ لأن الشيء إذا كان هامّا فينبغي أن يؤكَّد، فتقول للرجل إذا أردت أن تحثه على شيء: يا فلان، عجِّل عجل عجل، هذا ثلاث مرات، المقصود أيش؟ التوكيد والحث. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الهدى من عند الله؛ لقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى}. ويتفرع على هذه الفائدة: أنك لا تسأل الهدى إلا من الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأتي به. فإن قال قائل: إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ}(إن) لا تدل على الوقوع؛ لأنها ليست كـ(إذا)، قلنا: نعم، هي لا تدل على الوقوع، ولكن الواقع يدل على الوقوع، ما هو الواقع؟ أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اتبع هدى الله فإنه آمِن مِن بين يديه ومن خلفه؛ لقوله: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. ومن فوائدها: أن من تبع هدى الله فهو الرابح لا أحد غيره؛ لقوله: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، أما غير هؤلاء فهم دائمًا بين خوف مما يُستقبَل وحزن على ما مضى.
تفسير الآية (٣٩)
٠١:١٥:٣٨
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، نحن قلنا: إن (إن) لا تدل على الوقوع، ولكن الواقع يدل على الوقوع، ممكن أن نقول في هذه الصيغة: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ}ما يدل على الوقوع وهو التوكيد، توكيد الجملة يدل على الوقوع كما هو الواقع. ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، الَّذِينَ كَفَرُوا}مبتدأ، وَكَذَّبُوا}معطوف عليها، أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}الجملة خبر المبتدأ، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}جملة في موضع نصب على الحال، يعني: حال كونهم خالدين. الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا}: كفروا بالأمر، وكذبوا بالخبر، فعندهم جحود واستكبار، وهذان هما الأساسان للكفر؛ لأن الكفر يدور على شيئين: إما استكبار، وإما جحود، ولننظر كفر إبليس؟
الطلبة: استكبار. الشيخ: استكبار، مقرّ؟ الطلبة: نعم. الشيخ: نعم، هو مقرّ، لكن استكبر، كفر فرعون وقومه؟ الطلبة: استكبار. الشيخ: نعم، استكبار، لكنه ظاهره الجحود والتكذيب؛ لأنه قال: جَحَدُوا بِهَا} [النمل: ١٤]، فهم في ألسنتهم مكذِّبون، لكنهم في نفوسهم مصدِّقون، إذن يمكن أن نقول: إن كفرهم استكبار وجحود، فباعتبار أقوالهم أيش؟ جحود، وباعتبار أفعالهم استكبار؛ لأنهم مقرّون بالحق، فقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا}، أي: كفروا عن الأعمال واستكبروا عنها ولم ينقادوا لها.
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}، أيّ الآيات؟ الآيات الشرعية، وإن انضاف إلى ذلك الآيات الكونية زاد الأمر شدة، لكن المهم الآيات الشرعية؛ لأن من المكذبين الكافرين من آمنوا بالآيات الكونية دون الشرعية، فمثلًا كفار قريش مؤمنون بأيش؟ بالآيات الكونية، يقرون بأن الله خالق السماوات، وأنه الرازق، وأنه المحيي، وأنه المميت، وأنه مدبر لجميع الأمور، لكنهم كافرون بالآيات الشرعية، إذن بِآيَاتِنَا}ما دام أن الكفر بالآيات الشرعية ينتظم الكفر بالآيات الكونية، فلنقل: بِآيَاتِنَا}أيش؟ الشرعية، وإن انضاف إلى ذلك الكفر بالآيات الكونية ازداد قبحًا وشرًّا.
و{أُولَئِكَ}، أي: المذكورون، وأشار إليهم بإشارة البعيد، استبعادًا لهم واجتنابًا لطريقهم، لا ترفيعًا لهم وتعلية لهم، لكنهم لظاهر التبرؤ منهم والاستبعاد قال: أُولَئِكَ}، أي: المذكورون أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، أصحابها، أي: الملازمون لها، ولهذا لا تأتي (أصحاب) إلا في الكفار، ما تأتي في المؤمنين أبدا، كل ما فيه أصحاب النار فهم الكفار؛ لأن المراد الذين هم مصاحبون لها، والمصاحب لا بد أن يلازم مَن صاحب. وقوله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}أي: ماكثون. وهل المراد المكث الطويل أو الدائم؟ يتعين أن نقول: إن المراد بذلك المكث الدائم، ودليل ذلك ثلاث آيات في كتاب الله: آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن، فآية النساء، هاتها؟ الطالب: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
الشيخ: من أين أتيت بالآية؟ هذه في النساء؟ أنا قلت: في النساء وفي الأحزاب وفي الجن، نريد منك آية النساء؟ ما تحفظها؟ طالب آخر: إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا. الشيخ: اقرأ ما قبلها؟ الطالب: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: ١٦٧ - ١٦٩]. الشيخ: أحسنت، تمام، وفي الأحزاب؟ الطالب: إن الله أعد للكافرين سعيرا خالدين فيها. الشيخ: اقرأ الآية؟ الطالب: (...) الشيخ: نعم.
طالب: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: ٦٥]. الشيخ: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، في الجن؟ طالب: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: ٢٣]. الشيخ: أحسنت، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}.
طالب: بارك الله فيكم، إيه رأي الشيخ إذا أراد الإنسان أن يفسر فقال: قال الله تعالى كذا وكذا، ثم فسر، هل هو ينبغي أن يستعيذ؛ لأن الله عز وجل قال: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: ٩٨] أم نقول: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدل بالآيات ولا يستعيذ؟ الشيخ: الظاهر أن هذا في مناط التلاوة فقط، أما مناط التفسير فلا أظنه يدخل في ذلك، لكن لو استعاذ فأرجو أن لا يكون مبتدعًا. طالب: قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ}ذكرتم فيها أن الكلمات هي قوله تعالى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا}، ظاهر الآيات ما قال: قال الله: قُولا؟ الشيخ: نعم، إي نعم، ما هو شرط أن يقول، ما هو بشرط، هذا هو المشهور عند العلماء. الطالب: ما هو الدليل على أن الله عز وجل ألقى إليه هذه الكلمات؟ الشيخ: تلقاها من ربه، التلقي لا بد أن يكون له مُلقَى ومتلقي.
طالب: إذا قال قائل: قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: ٤] نحن عرّفنا أن الطيبات هي ما أحله الله، إذا قال قائل يا شيخ (...)؟ الشيخ: صحيح، هذا ربما يقال: يلزمهم التوبة؛ لأننا إذا.. يلزم من كونها طيبات ما طاب واستلذه الإنسان أيضًا الاختلاف والفوضى، كلٌّ يقول: هذا طيب، وهذا يقول: رديء، ألم تعلم أن من الناس من لا يأكل الجراد ويقول: هذا خبيث مثل الصوارير؟ نعم، ألم تعلم أن الدخان الآن فيه من يرى أنه طيب، ولا يمكن، لكن المعنى أنه لكمال شريعته ما أحل إلا الطيبات فقط، هذا هو المعنى. طالب: من أهل العلم من قال: بعدم خلود النار؟ الشيخ: بعدم تأبيدها؟ أحد قال بهذا؟ أرأيت لو أن أحدًا قال هذا، وقال رب العالمين: أبدًا، ماذا تقول؟ من تصدق؟ نعم، إي نعم، انتهى؛ ولهذا في الحقيقة أن هذه تعتبر من هفوات بعض العلماء، من هفواتهم، ورأيت تعليقًا لشيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله على كتاب شفاء العليل لابن القيم انتقد هذا بشدة، حتى قال: إنه لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة، ومثل هذا لا ينبغي لابن القيم أن ينتصر له، ولا شك أن هذا قول ضعيف، ولهذا تجد عقائد أهل السنة والجماعة كلها فيها موجودتان لا تفنيان أبدا، عرفت؟ إي نعم. طالب: شيخ، بالنسبة لما ذكرنا من (...) الخبائث، قول النبي صلى الله عليه وسلم في الثوم والبصل: «إِنَّهُمَا شَجَرَتَانِ خَبِيثَتَانِ» ، هل يمكن أن نحمل الخبث هنا على أنه خبث آخر غير الخبث الوارد المذكور؟ الشيخ: بلى بلى، ما فيه شك، بلى خبث من أجل رائحتها الكريهة.
الطالب: فيصح الاستدلال بالآية وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: ١٥٧] على تحريم الدخان؟ الشيخ: لا ما (...)، الذين يشربونه يقولون: ما هو بخبيث، يقول: ما شاء الله إذا استدار رأسك تشرب لك سيجارة والشرط إن ها الدوران يروح عنك. الطالب: (...) الخبث الشرعي؟
الشيخ: الخبث الشرعي ما قيل شيء في الشرع، إن قلت: الرائحة، جئنا بالثوم والبصل، إن قلت: الضرر، قال: ما شاء الله في الآن ناس يشربونها من أصح الناس. الطالب: (...). الشيخ: نعم، ما (...)، ولهذا رأيت بعض العلماء أول ما طلع قال: إن شرب الدخان قد يجب وجوبًا على الإنسان، قال: مثلًا لو كان إنسان لتأخره عن شرب السيجارة داخ ولا يستطيع يصلي إلا وهو يشرب الدخان، والوقت ضيق الآن، لو دخل وقال: الله أكبر، ما يدري يقول: الله أكبر، أو يقول: سمع الله لمن حمده، قلنا: يجب على هذا يشرب. الطالب: (...)؟ الشيخ: نعم، رأيت أنا في..، أظن في مجمع المنقور. الطالب: مش (...)، يا شيخ على تحريم الدخان الآن بكلمة هذه؟ الشيخ: لا مذهب، قول مذهب، يعني الآن اتفق الأطباء على أنه ضار، وأن كثيرًا من الأمراض السرطانية الرئوية واللثية منه، ولهذا يحذرون عنه، وبلغني نقلًا متواترًا عن جميع الطيارين أنهم إذا حاذوا سماء الولايات المتحدة امتنعوا من الدخان، أبدا، ممنوع، حتى في أجوائها، إي نعم، أما في المطاعم والأسواق فممنوع منعًا باتًّا؛ لأنهم أثبتوا أنه ضرر، وأن ها الدخان الذي يتطاير من السيجارة هذا مضر جدًّا، فضلًا عن الذي يستنشقه؛ لأن ما عندنا فيه إشكال الآن، ما في إشكال عندي إطلاقًا أنه من المحرمات، ومسألة يعني يسرف المال فيه أشياء يمكن ينفق عليها الإنسان أكثر من الدخان وهي حلال ما فيها شيء، لكن ضرره واضح، إي نعم.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: ٤٠ - ٤٤]. الشيخ: يقول الله عز وجل: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}، هذه السورة كما تعلمون مدنية، وفي المدينة قبائل من اليهود، فلذلك يوجه الله الخطاب إلى بني إسرائيل. طالب: الفوائد؟ الشيخ: الآية اللي قبلها؟ من أين؟ الطالب: من وَالَّذِينَ كَفَرُوا} الشيخ: من فوائد الآية التي قبلها وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} من فوائد الآية الكريمة: أن الذين جمعوا بين هذين الوصفين: الكفر والتكذيب هم أصحاب النار، فإن اتصفوا بأحدهما فقد دل الدليل من جهة أخرى غير الآية أنه يكفر ويكون من أصحاب النار، وهنا الكفر سبق أن شرحناه، وقلنا: الكفر بالنسبة للعمل، والتكذيب بالنسبة للخبر. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذين الوصفين مخلَّدون في النار؛ لقوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}، والصاحب هو الملازم لمن صاحبه.