تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٤٩

درس صوتي · ٩٢:٥٩

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الرحمة وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا [غافر: ٦١] الغيث ينزل؟ طالب: برحمة الله. الشيخ: برحمة الله، النقم تندفع برحمة الله، دلالة نزول الغيث على رحمة الله ظاهرة ولا خفية؟ الطلبة: ظاهرة. الشيخ: ظاهرة للعامي ولطالب العلم، لكن كون التخصيص دالًّا على الإرادة هل هو ظاهر لكل أحد؟ لو قال لك قائل: أثبت الإرادة بدلالة التخصيص، يصعب عليك أن تفهم وأنت طالب علم، فإذا كانت الرحمة قد دل عليها العقل دلالة أبين وأظهر من دلالة التخصيص على الإرادة، فإن إنكاركم للرحمة مع إثبات الإرادة أيش؟ مكابرة وتناقض؛ ولهذا الحقيقة أن المعتزلة.. طالب: (...). الشيخ: نعم، أنا أقول: المعتزلة، أن المعتزلة أقوم قاعدة من الأشاعرة، لماذا؟ لأن المعتزلة يطردون كلامهم ما يتناقضون، يقولون: الصفات ما نثبتها لا هذه ولا هذه، طردًا، لكن أولئك الأشاعرة يتناقضون تناقضًا بينًا ظاهرًا، والسبب في ذلك أن مذهب الأشاعرة مجموع، فالأشعري رحمه الله كان على طريق المعتزلة، ثم صار على طريق الكلابية، ثم في آخر أمره على طريق أهل السنة والجماعة، فصار مذهبه رحمه الله مزيجًا من عدة مذاهب، ثم إنه هو خلص مذهبه على مذهب أهل السنة، لكن أتباعه ما بقوا على مذهبه الأخير، صاروا يأخذون من هذا وهذا، فصار هذا المذهب مذهبًا ملفقًا، لا في باب الصفات، ولا في باب أسماء الإيمان والدين، ولا غيرها، كما يظهر ذلك لمن تأمله. عندك -مثل- في الكلام ما هو الكلام عند الأشاعرة؟ طالب: المعنى. الشيخ: هو المعنى القائم بالنفس، وما يسمع أو يكتب فهو عبارة عنه، مخلوق، عبارة عن هذا الشيء؛ ولهذا يقول لهم المعتزلة: أي فرق بيننا وبينكم ونحن متفقون على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق؟ أي فرق؟ متفقون على أن ما سمعه موسى، وما سمعه النبي عليه الصلاة والسلام، وما يسمعه جبريل من الله مخلوق، أي فرق بيننا وبينكم؟ ولهذا الحقيقة أن هؤلاء عندهم تناقض، فمذهب المعتزلة من وجه أنه مضطرب ما يتناقض أقعد وأقوم، لكنه لا شك أنه أفضل من مذهبهم؛ لأن إثبات البعض أهون من إنكار الكل. فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًاإِذَا قَضَيْتُمْأي: أنهيتم مناسككم، فَاذْكُرُوا اللَّهَوذلك أن الإنسان إذا قضى نسكه، فقد قضى من عبادة، فهو حري أو قريب بأن يترك ذكر الله عز وجل؛ لأنه يقول: انتهت العبادة، فأنا أنتهي من العمل، فأمر الله تعالى بذكره، ونظير هذا قوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الجمعة: ١٠]. فلما كان انتهاء الإنسان من عبادته مظنة الغفلة أمر الله تعالى بذكره بعد انتهاء العبادة، فقال: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ. وقوله: قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْأي: فرغتم منها، والمناسك جمع منسك، وهو -فيما يظهر- اسم مصدر، يعني: مصدر ميمي، أي: قضيتم نسككم، والنسك بمعنى العبادة، وهو كل ما يتعبد به الإنسان، ولكنه خص بشيء واحد بل بشيئين: بالحج كثر استعماله في الحج، وكثر استعماله في الذبح، ومنه قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢]. وقوله: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْهل المراد إذا تحللتم؟ لقوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة: ٢٠٣]، فإن ذكر الله في أيام معدودات من الحج لكنه بعد التحلل، وهذا هو الأظهر. وقوله: كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا(ذكر) هنا مصدر مضاف لفاعله، و(آباء) مفعول به، أي: كما تذكرون آباءكم. أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًاوقوله: أَوْ أَشَدَّولم يقل: أو أكثر؛ ليشمل الشدة في الهيئة وحضور القلب والإخلاص، والشدة في الكثرة أيضًا، فيذكر الله تعالى ذكرًا كثيرًا، ويذكره ذكرًا قويًّا مع حضور قلبه. وقوله: كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يذكرون أمجاد آبائهم إذا انتهوا من المناسك، فيذكرونهم، كل يفخر بنسبه وحسبه، فأمر الله أن يذكر سبحانه وتعالى كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا. وقوله: أَوْ أَشَدَّ(أو) قال كثير من النحويين: إنها بمعنى (بل)، يعني: بل أشد، وهو هنا متوجه، ويشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧]، وقد سبق أن ابن القيم ذكر في قوله تعالى: أَوْ يَزِيدُونَأن (أو) هنا ليست بمعنى (بل)، ولكنها لتحقيق ما سبق، يعني: إن لم يزيدوا فلم ينقصوا، وبناء على هذا نقول بمثله في هذه الآية، أي كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ: إن لم يزد فلا ينقص، إلا أنه هنا إذا جعلناها (بل) تكون أبلغ؛ لأن ذكر الله يجب أن يكون أشد من ذكر الآباء. ثم قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُومنهم من يقول، (من) للتبعيض، فَمِنَ النَّاسِوالدليل أنها للتبعيض أنها قوبلت بقوله: وَمِنْهُمْ، فتكون المعنى: بعضهم كذا، وبعضهم كذا، وهذا من باب التقسيم، يعني: ينقسم الناس في أداء العبادة -ولا سيما الحج- إلى قسمين. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَاآتِنَا فِي الدُّنْيَايعني: أعطنا في الدنيا، والمفعول محذوف، المعنى: آتنا نصيبنا في الدنيا، بحيث لا يسأل إلا ما يكون في ترف دنياه، ولا يسأل ما يتعلق بالدين، يسأل ما يتعلق بالدنيا فقط. وربما يكون قوله: يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَاشاملًا للقول باللسان والقول بالحال، يعني بلسان المقال ولسان الحال، يعني قد يقول صراحة: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَاأعطنا مثلًا سكنًا جميلًا، سيارة جميلة، وما أشبه ذلك، وربما يكون قاله بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأنه إذا دعا في أمور الدنيا أحضر قلبه وأظهر فقره، وإذا دعا بأمور الآخرة لم يكن على هذه الحال. قال الله تعالى: وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍمَانافية، ومِنْ خَلَاقٍمبتدأ، وخبره الجار والمجرور لَهُ، ولكنها دخلت (مِن) على المبتدأ من أجل توكيد العموم؛ لأن خلاق نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فإذا دخلت عليها (مِن) كان ذلك تأكيدًا للعموم، والخلاق بمعنى النصيب، يعني: ما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لا يريد إلا الدنيا. وهل المراد: أنه ما له من نصيب في كل شيء، أو ما له من نصيب مما دعا به فقط؟ لأنه هو مسلم ليس بكافر؛ إذ إن الكافر لا يحج، لكنه ليس له نصيب مما دعا به؛ لأنه ما دعا فيما يتعلق بالآخرة إنما دعا فيما يتعلق في الدنيا فقط، وعلى هذا فلا يكون له نصيب في الآخرة مما دعا به؛ لأنه لم يدعُ به. وأما إذا فعل النسك هذا رياء وسمعة، فإنه ليس له نصيب حتى في ثواب النسك، ليس له نصيب؛ لأن العمل إذا دخله الرياء أفسده. وَمِنْهُمأي: من الناس، مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةًحَسَنَةًمفعول (آتي) الثاني، وأما الثاني حَسَنَةًفهي معطوفة على الأولى، يعني: من الناس من تكون همته عليا يريد الخير في الدنيا وفي الآخرة، يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، يعني: آتنا حسنة في الآخرة، ما هي حسنة الدنيا؟ حسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان منها، هذه حسنة الدنيا، كل ما تستحسنه من الدنيا، فهو داخل في حسنة الدنيا، مثل أيش؟ كالصحة، وسعة الرزق، وكثرة البنين، وكذلك الزوجات، وكذلك القصور، والمراكب الفخمة، والأموال، المهم أن حسنة الدنيا كل ما يستحسنه الإنسان من الدنيا. وأما حسنة الآخرة فقيل: إنها الجنة؛ لقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، وقوله: وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١]، فقال بعضهم: إن المراد به الجنة، ولا شك أن الحسنة العظمى في الآخرة هي الجنة، لكن في الآخرة حسنات، يعني يستحسن المرء وقوعها غير الجنة، مثل: أن يبيض وجهه، وأن تثقل موازينه، وأن يعطى كتابه بيمينه، فإنه -كما تعلمون- إذا أعطي كتابه بيمينه ماذا يقول؟ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [الحاقة: ١٩] فرحًا مسرورًا، هذه حسنة أنه يُرِي الناس كتابه الذي كتب من أعماله، فيكون هذا حسنة، كذلك إذا حشر يوم القيامة ووجهه أبيض، وأهل السوء وجوههم سود، فإن هذا من حسنة التي تسره، وكذلك إذا عبر على الصراط، وكذلك إذا ثقلت موازينه، وكذلك إذا دخل الجنة، كل هذا من حسنة الأخرى. وقوله: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(قِ) فعل أمر، ووزنها الصرفي؟ طالب: (فعِ). طالب آخر: (فِ). الشيخ: (فِ)، لا. طالب: (عِ). الشيخ: (عِ)، وزنها الصرفي (عِ)؛ لأن فاءها محذوفة، والموجودة الآن العين؛ إذ إن (قِ) من وَقَى، والواو محذوفة، فتكون وزنها (عِ)، وإذا أمرتك أن تعي القول وأيش أقول؟ (عِ) ووزنها الصرفي (عِ). وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(قنا) يعني: اجعل لنا وقاية منه، إما رحمتك، أو حسنات نفعلها، أو بإقرار المؤمنين لنا، أو ما أشبه ذلك، وقوله: عَذَابَ النَّارِأي: عقوبتها، ونسب إلى النار؛ لأنها مكان العقوبة -والعياذ بالله- الآن سألوا الله عز وجل الحسنى في الدارين، وسألوا الوقاية مما يضر منين؟ من النار. فإن قال قائل: أليس قولهم: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِمن باب الاعتداء؛ لأن الله يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَايعني: وارد النار كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: ٧١، ٧٢]؟ طالب: يعني هذا الصراط. طالب آخر: المرور؛ لأنهم يمرون على الصراط (...) فقط. الشيخ: يعني: يحمل الورود على المرور على الصراط؟ هذا قول: أن المعنى أنهم يمرون على الصراط، وهذا ورودها؛ لأنهم من فوقها، إذ إن الصراط جسر ممدود على جهنم، فإذا مشوا عليه فقد وردوها، وقيل: إن الورود الدخول، كما قاله ابن عباس وجماعة من أهل العلم، قالوا: لأن الله يقول في فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، فيقتضي هذا أَوْرَدَهُمُ النَّارَيعني أوصلهم إليها فقط ولّا أدخلهم إياها؟ أدخلهم إياها، قالوا: فالورود بمعنى الدخول، ومنه: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٣] أي: وصل إليه، ولكن هذه الآية قد تكون دليلًا لمن قال: إن الورود المرور؛ لأنه ورد ماء مدين ولم يشرب، والمسألة فيها خلاف. والذين قالوا: إن المراد بالورود الدخول، قالوا: إنهم يدخلونها ولكنهم لا يحسون بعذابها، بل تكون بردًا عليهم وسلامًا، كما كانت النار في الدنيا على إبراهيم بردًا وسلامًا، وعلى هذا فلا ينافي الآية، حتى لو قلنا: بأن الورود الدخول، فلا ينافي الدعاء هذا؛ لأنهم قالوا: قنا عذابها، ولم يقولوا: قنا دخولها، فيمكن أن يدخلوها ولا يعذبون بها، فهذا الدعاء إذن ليس فيه اعتداء، بل هو دعاء مفتقر إلى الله عز وجل، معترف بضعفه، محسن للظن بربه. قال الله تعالى: أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا(أولاء) اسم اشارة، فما هو المشار إليه؟ هل المشار إليه مورد التقسيم كله أو قسم منه؟ طالب: الأخير. الشيخ: فيه خلاف، فقال بعض العلماء: إن الإشارة تعود إلى مورد التقسيم كله، يعني: أولئك المذكورون الذين يقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا، والذين يقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ، ويكون كلٌّ له نصيب مما كسب، كقوله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا؛ ولأنه قال: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وهذا يقتضي أن يكون المشار إليه؟ القسمان، كلا القسمين. وقال آخرون: بل إن الإشارة تعود إلى القسم الثاني الذين يقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، فهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ لقوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا [النساء: ٨٥]، فالأعمال الصالحة لك نصيب. وعلى هذا فيكون معنى قوله: لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا(مِن) للسببية وليست للتبعيض؛ لأن الإنسان يجزى بكسبه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، والمعنى: لهم نصيب بسبب كسبهم، إن كان كثيرًا فالنصيب كثير، وإن كان قليلًا فالنصيب قليل، الآية إذن محتملة لكلا القولين، فأيهما أرجح: أن نرجح أنها شاملة للقسمين لتكون أعم، أو أنها مختصة بالأخير لأنه أقرب إلى الإشارة؟ الطلبة: الأول. الشيخ: أولى ما دام أن اللفظ ثابت له، فإننا إذا أخذنا به صار عامًّا لهؤلاء وهؤلاء، يعني: أولئك الناس الذين يقولون هذا والذين يقولون هذا لهم نصيب مما كسبوا، فمن أراد الدنيا لم ينل من الآخرة شيئًا، ومن أراد الدنيا والآخرة نال الدنيا والآخرة إذا شاء الله عز وجل. وقوله: مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِسَرِيعُ الْحِسَابِهل السرعة هنا سرعة الزمن بمعنى أن حساب الله قريب، كما في قوله تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧]، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: ٦٣]، والمعنى -كما يقال-: ما أسرع الحساب أن يأتي، أو أن المعنى أن الله عز وجل في حساب عباده سريع، يعني نفس حسابه سريع، أو الأمران جميعًا؟ طالب: جميعًا. الشيخ: جميعًا، لكن الثاني أبلغ: أن يكون الله عز وجل يحاسب الخلائق كلها في يوم واحد، يحاسبهم في يوم واحد، ويعطي كل إنسان ما يستحقه من ذلك الحساب. وقوله: سَرِيعُ الْحِسَابِمر علينا هذا التركيب هل هو اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة أم ماذا؟ طالب: صفة مشبهة. الشيخ: صفة مشبهة؛ لأنها مصوغة من فعل لازم، سَرُعَ أي: صار سريعًا، فتكون إذن الْحِسَابِيكون فاعلًا، أي: فاعلًا بالمعنى ما هو بالإعراب، أما بالإعراب فإن (سريع) مضاف، و(الحساب) مضاف إليه. وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِوالحساب هو: محاسبة الله تعالى الخلائق، ومحاسبة الله الخلائق لها وصفان: الوصف الأول للمؤمنين، والوصف الثاني للكافرين، أما وصف الحساب للمسلمين، فإن الله تعالى يخلو بعبده المؤمن ويقرره بذنوبه، ويقول له: «عَمِلْتَ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا»، حتى يقر ويعترف، فيقول الله عز وجل له يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» ، هذا حساب المؤمنين؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ»؟ طالب: «هَلَكَ». الشيخ: أو «عُذِّبَ»، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ الْعَرْضُ» ، يعني: تعرض الأعمال على الشخص حتى يقر، فإذا أقر بها قال الله تعالى له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». أما غير المؤمنين فإنهم لا يحاسبون كذلك، وإنما الأمر -كما قال شيخ الإسلام-: لا يحاسبون حساب من توزن حسناته وسيئاته؛ لأنهم لا حسنات لهم، ولكن تحصى أعمالهم، تحصى وتحفظ، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها -والعياذ بالله- يخزون بها، يعني ينادى عليهم على رؤوس الخلائق: هَؤُلَاءِ الَّذِينَأيش؟ الطلبة: (...). الشيخ: كذبوا على الله؟ طالب: عَلَى رَبِّهِمْ. الشيخ: عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨]. طالب: بالنسبة أرجح حديث القبر أن المؤمن إذا وجد أنه مد له قدر بصره ورد أنه يقول: رب أقم الساعة، والله سبحانه وتعالى يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا، هل يعني هذا يرجح ما يذوقون العذاب؟ كيف يقول: رب أقم الساعة ويعلم أن فيه ورود على النار؟ الشيخ: ما ندري لعله قد يكون ذاك الساعة ينسى أو يذهل، الله أعلم، لكن هنا قال: رب أقم الساعة؛ لأنه لما رأى نعيم القبر وفتح له باب إلى الجنة أراد أن يدخل هذه الجنة العظيمة. طالب: شيخ، إذ قال: لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء: ١٠٢] لا تمسهم النار وهم عنها مبعدون الآية، لا تمسهم النار كيف الدخول؟ الشيخ: إي نعم، يدخل لكن ما تؤثر عليهم. طالب: يعني ما تمسهم؟ الشيخ: أما ما تمسه أو مسته، ولكن تكون بردًا وسلامًا، يعني نفس اللهب -والعياذ بالله- ما يؤثر عليه. طالب: شيخ، بيكون هذا الجمع كيف؟ الشيخ: أي؟ طالب: الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: ٧١]؟ الشيخ: إذا قلنا: بأن الورود الدخول، أما إذا قلنا: إن الورود العبور على الصراط، فلا إشكال فيه، ما فيه إشكال. طالب: القول بأن الورود هو الدخول بحيث إنهم لا يحسون بالعذاب ما الحكمة في ذلك؟ الشيخ: الحكمة: ليعرفوا بذلك فضل الله عليهم بإنقاذهم منها، هذا هو الحكمة، وإلا ففي آيات كثيرة يقول الله عز وجل، «فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ -هذا في الحديث- يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» ، «حَرَّمَ عَلَى النَّارِ»، وهذا مما استدل به من قالوا: إن المراد بالورود العبور على الصراط، قالوا: لأن الله حرم هؤلاء على النار، كيف يدخلون؟ والذين يقولون بذلك ويتمسكون بلفظ الورود، يقولون: إن قوله: «حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» يقولون: إن المراد: حرمها، حرمها عليها أن تعذبه أو أن تناله بعذاب. طالب: والأرجح يعني؟ الشيخ: الأرجح أنه العبور على الصراط، هذا هو الأرجح. طالب: المؤمنين اللي يعملون الكبائر هل هم يشملهم قول الله: «أَنَا سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» ؟ الشيخ: ما كل أحد، لا؛ لأن الله عز وجل يقول في أهل الكبائر: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، فيمكن أن يكون هذا المؤمن إما ممن شاء الله تعالى أن يغفر له، وإما أن يكون هذا المؤمن ممن لم ترجح سيئاته على حسناته فتغفر له. طالب: ما تكون الصغائر، يكون الصغائر لقوله: إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢]؟ الشيخ: ويمكن أن يراد بها الصغائر، لكن الصغائر تكفر بالصلاة والصوم ويخرج من الدنيا وليس عليه شيء. طالب: بالنسبة لأول آية إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] ما يعين أن المراد به الصراط؟ الشيخ: قوله؟ الطالب: مُبْعَدُونَ. الشيخ: يعني هذا مما يرجح أن المراد الورود على الصراط. طالب: وأيش المقصود من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ حُوسِبَ فَقَدْ هَلَكَ» ؟ الشيخ: إي نعم، المقصود أنه لو أن الله حاسبه لكان يهلك؛ لأنه ما يجد مقابلًا لنعمة واحدة من نعم الله، كل عمله لو يقابل به نعمة من نعم الله لاستوعبته، فبقي بدون أعمال، إي نعم. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، ما فهمت. طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: لا يبقى (...) شيء؟ الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، لكنه يقيد بالحديث الثاني: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» . طالب: يقول بعض أهل العلم: بأن هذا الحديث جاء بعد هذا، وذلك فضل من الله عز وجل أنه جعل الصلاة أيضًا تكفر الكبائر؟ الشيخ: ما نستطيع؛ لأن كلمة «دَرَنِهِ شَيْءٌ» لا شك أنها عامة؛ لأنه مفرد مضاف، والعام قد يراد به الخصوص في بعض الأحيان. طالب: (...) يعني يغتسل خمس مرات ويبقى يعني الدرن؛ لأن الكبائر درن؟ الشيخ: ما فيه شك، السبب في ذلك؛ لأن الصغائر أيضًا إذا كثرت، درن كثير، قد تملأ الجسم وإن كانت في القوة ليست كالكبائر، الحديث يقول: من درنه شيء يعني من صغائره كما فصل الحديث الثاني، وأيضًا تؤيده الآية: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: ٣١]؛ لأن بعضهم يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوامع قيامكم بالصلاة والجمعة ورمضان، وليس المعنى إِنْ تَجْتَنِبُواولا تصلوا. قال الله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب المبيت بمزدلفة؛ لقوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، ومتى أفاض الإنسان من حيث أفاض الناس، فإنه يلزم من ذلك أن يكون قد بات بمزدلفة. ويستفاد من الآية الكريمة: أن هذا النسك كان أمرًا معلومًا يمشي الناس عليه من قديم الزمان؛ لقوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. ويستفاد منها: أن الإنسان لا يخصص بالعمل لشخصه، ما من أحد يثبت له حكم خاص لأنه فلان أو لأنه من القرية الفلانية، أبدًا، ما خصص أحد بحكم من الأحكام لشخصه، وإنما الأحكام تخصص أو تعلق بماذا؟ طالب: بالأوصاف. الشيخ: بالأوصاف، إلا أنه يشكل على هذا مسألتان بل عدة مسائل، لكن من أبرزهم مسألتان: وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بردة حين أذن له أن يذبح العَنَاقَ من المعز وقال: «إِنَّهَا لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ، فظاهر هذا أن الحكم خاص به لشخصه، فما هو الجواب؟ الجواب: قال بعض أهل العلم: إن هذا من باب النسخ، فيكون ثبت الحكم في هذا الرجل ثم نسخ، ولا مانع من أن يثبت الحكم لشخص ثم ينسخ، ولا يثبت لأحد بعده ولو اتفق بمثل حاله. وقال آخرون: إن النسخ في مثل هذه الصيغة بعيد؛ لأنه كيف يكون النسخ بدليل الوجوب أو بدليل ثبوت الحكم الأول المنسوخ، وإنما المراد بقوله: «لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» أي: بعد حالك، يعني: لو وقعت مثل هذه الحال لشخص إلى يوم القيامة، فإن الحكم يثبت له، مثل ما يقال ما بعد حالة فلان شيء، يعني؟ في الشدة، ما هو المعنى أنه ما يمكن يقع بعدها حال تشابهها، لكن في الشدة وفي الوصف التي كانت عليه. وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ومن ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام لزوجة أبي حذيفة قال لها: «أَرْضِعِيهِ -يعني سالمًا- تَحْرُمِي عَلَيْهِ» ، فإن أكثر أهل العلم يقول: إن هذا الحديث منسوخ، وقال شيخ الإسلام: ليس بمنسوخ، لكن لو وقعت حال مثل حال سالم، فإنه يثبت بها الحكم، ومرة قال: يتبعض الحكم، حالُ سالمٍ: كان أبو حذيفة قد تبناه، فكان عنده مثل الابن، فإذا وجد أحد تبنى شخصًا، ثم احتاج إلى أن يبقى في بيته وتكشف له امرأة، ثبت ذلك. ونحن الآن علقناه بماذا؟ بشيء مستحيل التبني، وأيش يقول شيخ الإسلام أن غيره لا يوافقه؛ لأنه ما يمكن يشابهه في الحال، ما يشابهه في الحال أبدًا، ما هو لأن هذا سالم مولى أبي حذيفة، لكن لأنه عندهم من الصغر قد تبني، والتحرز منه مشقة عظيمة بخلاف الكبير اللي في السوق تمسكه امرأته (...) أرضعك. ومرة قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن حكم الرضاع هنا يتبعض، بمعنى أنه يثبت به جواز النظر والخلوة فقط دون المحرمية؛ لأنه هو موضع الحاجة، ولكن هذا بعيد، وكلامه الأول أصح. وهل من هذا النوع قيام الرجل الذي قال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال:«سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» أو لا؟ تعرفون القصة؟ نعم، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أَنَّ مِنْ أُمَّتِهِ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فقال: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ:«سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» ، فهل هذا من باب التخصيص بالعين؟ طالب: لا. الشيخ: كيف؟ طالب: لأن هذا مما أطلعه الله. الشيخ: لأن هذا ليس تخصيصًا بحكم شرعي، ولكنه تخصيص بفضيلة وهو أن يكون من هؤلاء الجماعة، مثل ما خص أبو بكر بفضيلة، وعمر بفضيلة، وعثمان بفضيلة، وعلي بفضيلة، لم يشاركه غيره فيها، لكن ليس هذا حكمًا شرعيًّا قيل: إنه لعكاشة بن محصن دون غيره. ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يشرع استغفار الله عز وجل في آخر العبادات؛ لقوله: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَأي: اطلبوا منه المغفرة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور، الرحيم، وإثبات ما تضمناه من الصفة وهي: المغفرة والرحمة، وإثبات ما تضمناه من الحُكْم بمقتضاهما وهو: أنه يغفر ويرحم، يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١]، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ١٣٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: قرن الحكم بالعلة؛ لقوله: اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقرن الحكم بالعلة مثل هذا يفيد الإقدام والنشاط على استغفار الله عز وجل. ثم قال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْإلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان إذا قضى من العبادة لا يغفل بعدها؛ لقوله: فَإِذَا قَضَيْتُمْفَاذْكُرُوا اللَّهَ، وهذا مشروع فيما بعد الصلاة: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء: ١٠٣]، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠]، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ؛ لأنه لما كان انتهاء الإنسان من العبادة مظنة الغفلة والتقصير ذكره الله عز وجل بأن لا يغفل. طالب: ما هو الذكر؟ التكبير؟ الشيخ: لا، عام، ذكر الله يشمل كل طاعة الله. ومن فوائد الآية الكريمة: تقديم ذكر الله تعالى على ذكر الوالدين؛ لقوله: أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا. ومن فوائدها: أن الأجداد داخلون في مسمى الآباء؛ لأن العرب كانوا يفتخرون بأمجاد آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم، فيكون الآباء يشمل الأجداد. ويتفرع على هذا مسألة حكمية: أن من قال: هذا وقف على آبائي، شمل الأجداد، وأن من مات عن جد وأخ، فالمال للجد؛ لأنه أب. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان انقسام العباد فيما يطلبون من الله، وأن منهم ذوي الغايات الحميدة العالية، ومنهم ذوي الغايات الذميمة النازلة؛ لقوله: فمنهم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَاوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يذم إذا طلب حسنة الدنيا؛ لقوله: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. ومن فوائد الآية: أن الثواب يكون بالعدل؛ لقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا، ولكنه بالعدل في العقوبة، وبالفضل في المثوبة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقوله: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ومنها: تمام قدرة الله؛ لقوله: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ. ومنها: إثبات علم الله؛ لأن المحاسب لا بد أن يكون لديه علم يقابل به من يحاسبه. ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله: مِمَّا كَسَبُوا.


تفسير الآيات (٢٠٣-٢٠٦)

٠٠:٤٣:٠٨

قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة: ٢٠٣] هنا أمر الله تعالى بذكره اذْكُرُوافعل أمر، وفعل الأمر -كما سبق- يقتضي الوجوب، وقد يكون مشتركًا بين الوجوب والاستحباب حسب ما تقتضيه الأدلة الأخرى. وقوله: اذْكُرُوا اللَّهَيتناول كل قول أو فعل يقرب إلى الله عز وجل، يعني: ليس المراد أن نقول: لا إله إلا الله، فقط، بل هو شامل لكل قول أو فعل يقرب إلى الله. فإن قال (...): ما دليلك على ما تقول؟ وما وجه ذلك؟ قلت: دليلي على ذلك قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥]، يعني: ذكر الله الذي تضمنته هذه الصلاة أكبر، ودليل أيضًا من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْىُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» . وأما وجه ذلك -وجه كون كل قول وفعل يقرب إلى الله فإنه من ذكره- لأن كل قول أو فعل يقرب إلى الله مقرون بنية القصد أن يكون لمن؟ لله، وهذا ذكر لله، أنت عندما تفعل شيئًا تتقرب به إلى الله، أو تقول شيئًا تتقرب به إلى الله يكون في قلبك النية أنك قصدت (...)؛ لأنك تبتغي بذلك وجه الله، فهذا ذكر لله عز وجل (...). وقوله: فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍأيام معدودات قيل: أيام التشريق، أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وذكر الله تعالى فيها يتناول -كما قلت قبل قليل- كل قول أو فعل يقرب إلى الله، وعلى هذا فالتكبير المطلق والمقيد يدخل في ذلك، يدخل فيه أيضًا رمي الجمرات، ويدخل فيه الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة إذا كانا في هذه الأيام. قال الله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ(...) إذن فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِتعجل أيش؟ قال أهل العلم: تعجل، أي: خرج من منى، فِي يَوْمَيْنِأي: في هذا الظرف، في يومين، فلا إثم عليه إذا تعجل، ما يقال: يجب أن تبقى إلى اليوم الثالث عشر؛ لأن الله قال: أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، والأيام جمع، فقد يفهم أحد أن البقاء للأيام الثلاثة واجب فقال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِأي: لا حرج عليه. وقوله: لَا إِثْمَ عَلَيْهِهذا هو جواب الشرط، وهو -كما نعرف جميعًا- مقرون بالفاء الرابطة للجواب؛ لأن الجملة اسمية، ويجب اقتران الجواب بالفاء (...).

اسْــمِـيَّــةٌ طَـلَـبِـيَّــةٌ وَبِـجَـامِــدٍ

وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

سبعة مواضع كلها إذا وقعت جواب الشرط فإنها تقترن بالفاء، اللي معنا الآن ما هي؟ الطلبة: اسمية. الشيخ: اسمية، ويصلح أن نقول: اسمية أو مقرونة بلا، أو لا؟ طالب: نعم. الشيخ: وبلا، هي مقرونة بلا وهي اسمية أيضًا. طالب: في البيت (بلا) ولا (بما)؟ الشيخ: وبما، إي نعم، بما.

اسْــمِـيَّــةٌ طَـلَـبِـيَّــةٌ وَبِـجَـامِــدٍ

وَبِمَا..................

ما هي (بلا)، إذن اسمية هذه، هذه اسمية فقط. فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِوقوله: عَلَيْهِهو الخبر. وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِتأخر إلى متى؟ ما قيد تَأَخَّرَ، لكن نعلم تَأَخَّرَفي هذه الأيام المعدودات، يعني إلى اليوم الثالث، فلو بقي أحد إلى اليوم الرابع قلنا: هذا غير مشروع، فإن احتج علينا بالآية وقال: إن الله قال: وَمَنْ تَأَخَّرَولم يقيده، قلنا: لكن أصل الذكر مشروع متى؟ في ثلاثة أيام، فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍأي: ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه، فنفى الإثم عن المتعجل وعن المتأخر، عنهما جميعًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى في ذكر فوائد الآية أيهما أفضل التعجل أو التأخر. وقوله: لِمَنِ اتَّقَىهذه جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ذلك، أي: نفي الإثم لمن اتقى، أي: نفي الإثم بالتقدم أو التأخر لمن اتقى، يعني الذي يكون قد صاحب التقوى في حجه، وذلك أن الله عز وجل لما قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِقد يتوهم الواهم أنه لا إثم عليه مطلقًا حتى لو أذنب في حجه أو خالف التقوى فقال.. طالب: لِمَنِ اتَّقَى. الشيخ: لِمَنِ اتَّقَىحتى يزول الوهم الذي حصل بنفي الإثم؛ لأن (لا) النافية للجنس تنفي كل إثم، لكن الله قيده لِمَنِ اتَّقَى، و(اتقى) فعل ماض مأخوذ من التقوى، وما هي التقوى؟ طالب: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى؛ لأنها مأخوذة من الوقاية، وأصلها -على ما قال النحويون- أصلها: وقوى، لِمَنِ اتَّقَى. ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَفي جميع أحوالكم في الحج وفيما بعد الحج، وليست التقوى لمن كان متلبسًا بالطاعة فقط كحال الغافلين، الغافلون تكون التقوى عندهم في حال التلبس بالطاعة، إذا كان صائمًا عنده تقوى، إذا كان في الحج عنده تقوى، لكنه إذا انتهى من هذا العمل، فبعض الناس لا يتقي الله، يعود على الغفلة، فينسى هذا الأمر الواجب وهو التقوى؛ ولهذا قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ. ثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَفذكرنا الله عز وجل بالمعاد إليه، كأننا لما انتهينا من المناسك ذكرنا أننا سننتهي أيضًا من الدنيا كلها، وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، والحشر معناه الجمع والضم، أي: تجمعون إليه تعالى يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم، والغرض من هذه الجملة الأخيرة وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَالغرض منها: التهديد والتحذير من المخالفة والمعصية؛ لأن من علم أنه سيحشر إلى الله يتقي الله ولَّا لا؟ نعم، يتقي الله، إذا علم أنه سيحشر إليه ويجازيه على عمله اتقاه سبحانه وتعالى. وقوله: وَاعْلَمُواتصديرها بالأمر بالعلم يدل على أن هذا العلم له أهمية في إصلاح قلب المرء ومنهجه ومسلكه. وقوله: أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَفيها تقديم المتعلِّق على المتعلَّق إِلَيْهِ تُحْشَرُونَفماذا يفيد التقديم؟ طالب: الحصر. الشيخ: يفيد الحصر، يعني: تحشرون إليه لا إلى غيره، فإليه المرجع كما أن منه المبتدأ. ثم قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُفيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين: منهم من يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، ومنهم من يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وهؤلاء لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا، هنا قسم الناس أيضًا إلى قسمين: إلى مؤمن وإلى منافق، فقال في المنافق قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَامِنَ النَّاسِ(مِن) هنا للتبعيض، وهي بمعنى: بعض الناس؛ ولهذا أعربها بعض النحويين على أنها مبتدأ، قال: لأنها حرف بمعنى الاسم؛ إذ إنها بمعنى: بعض الناس، فيكون (مِن) مبتدأ، ومَنْ يُعْجِبُكَخبره، لكن المشهور أن (مِن) حرف جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومَنْ يُعْجِبُكَمبتدأ مؤخر، يعني: ومن الناس الذي يعجبك قوله. وقوله: مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَالخطاب في قوله: يُعْجِبُكَإما للرسول صلى الله عليه وسلم، وإما لكل من يتأتَّى خطابه، وأيهما أولى؟ طالب: الثاني. طالب آخر: العموم. الشيخ: الثاني، العموم، يعني: من يعجبك أيها المخاطب: الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره، مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ. وقوله: مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُذكر بعض النحويين أنه إذا قيل: أعجبني كذا، فهو لما يستحسن، وإذا قلت: عجبت من كذا، فهو لما ينكر، فتقول مثلًا: أعجبني قول فلان، إذا كان قولًا حسنًا، وعجبت من قوله، إذا كان قولًا سيئًا منكرًا، فقوله: مَنْ يُعْجِبُكَأي: من تستحسنه، تستحسن قوله. وقوله: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاأي: فيما إذا تكلم فيما يتعلق بأمور الدنيا، كأن يتكلم بشيء يتوصل به إلى نجاته من القتل والسبي وما أشبه ذلك؛ لأننا قلنا: الآية هذه فيمن؟ في المنافقين، ودليل ذلك قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: ٤] من حسنه وفصاحته، ولكنهم أهل غرور وخداع وكذب؛ فإن آية المنافق ثلاث منها: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ» . قال: مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاكلمة فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَامتعلقة بمحذوف حالًا من (قول)، أي: قوله حال كونه في الحياة الدنيا، أي: فيما يتعلق بالدنيا؛ لأنه لا يتكلم بما يعجب في أمور الدين، ويحتمل أن المعنى مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَايعني: القول الذي يعجب حتى في الدين، لكن لا ينتفع به في الآخرة، إنما ينتفع به في الدنيا فقط. قال: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِاختلف المفسرون في معناها على قولين: القول الأول: يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِمن النفاق، يعني: أن باطنه خلاف ظاهره، فالذي يشهد عليه -أي على باطنه- من؟ الله، فهو بإضماره النفاق مشهد لله على ما في قلبه من النفاق، هذا قول. القول الثاني: يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِأي: يقسم ويحلف بالله أنه مؤمن مصدِّق، وأن الذي في قلبه هو هذا، فيشهد الله على ما في قلبه من محبة الإيمان والتمسك به وهو كاذب ولَّا صادق؟ طالب: كاذب. الشيخ: كاذب، ويدل لذلك قوله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِيقول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] لكاذبون في أنك رسول الله ولَّا في دعواهم أنهم يشهدون بذلك؟ الطلبة: في دعواهم. الشيخ: في دعواهم أنهم يشهدون بذلك. يقول الله عز وجل: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِهذا.. فيها قولان، أقول: القول الأول: أنه يشهد الله على ما في قلبه من النفاق، أي: أن قلبه منطوٍ على ذلك، متمكن من قلبه ولا يشهده إلا؟ إلا الله عز وجل؛ لأنه باطن. والقول الثاني: يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِأنه يحلف ويشهد علنًا أمام الناس بأنه مؤمن ويحب الإيمان وملتزم، وهو في ذلك كاذب، وعندي أن المعنيين لا يتنافيان، كلاهما حق، فهو منطوٍ على الكفر والنفاق، وهو أيضًا يعلن للناس ويشهد الله على أنه مؤمن. أما حقيقته قال الله فيه: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِأَلَدُّ الْخِصَامِيعني: أعوجهم وأكذبهم، والْخِصَامِيحتمل أن يكون مصدرًا، ويحتمل أن يكون جمعًا، إن كان مصدرًا ففعله: خَاصَمَ يُخَاصِمُ خِصَامًا، مثل: جَادَلَ يُجَادِلُ جِدَالًا، وقَاتَلَ يُقَاتِلُ قِتَالًا، المهم أن (فِعَال) تأتي مصدرًا لـ(فَاعَلَ)، وابن مالك أعطانا تلك القاعدة في قوله: طالب: وفاعل. الشيخ: لا، لِفَاعَلَ، ما هي وفاعل.

لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ

..................

فهنا خَاصَمَ لها: الخِصَام والْمُخَاصَمَة، وعلى هذا أَلَدُّ الْخِصَامِتكون الإضافة لفظية؛ لأنها صفة مشبهة مضافة إلى موصوفها، أي: وخصامه ألد الخصام. وأما إذا قلنا: إن الخصام جمع خَصْم، يعني: بمعنى الخُصُوم، يعني: معناه هو أعوج الخصوم وأشدهم كذبًا، فهو كذلك يصح، ويكون أيضًا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها؛ لأن المعنى وهو من الخصوم الأشداء الأقوياء في خصومتهم، وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» ، فالإنسان المخاصم المجادل بالباطل ليدحض به الحق، هذا أبغض الرجال إلى الله. وما من إنسان -في الغالب- أعطي الجدل إلا حرم بركة العلم، الإنسان اللي يعطي الجدل يحرم بركة العلم؛ لأن غالب من أوتي الجدل غالبهم قد يريد بذلك نصرة قوله فقط، وبذلك يحرم العلم. أما من أراد الحق فإن الحق سهل قريب، ما يحتاج إلى مجادلة كبيرة؛ لأنه واضح؛ ولذلك تجد أهل البدع الذين يخاصمون في بدعهم، تجدهم علومهم ناقصة البركة، ناقصة البركة ما فيها خير، وتجد أنهم يخاصمون ويجادلون وينتهون إلى لا شيء، ما ينتهون إلى حق؛ لأنهم ما قصدوا إلا أن ينصروا ما هم عليه، فكل إنسان جادل -نسأل الله السلامة والعافية- كل إنسان جادل من أجل أن ينتصر قوله، فإن الغالب أنه لا يوفق، ولا يجد بركة العلم، وأما من جادل ليصل إلى العلم، فهذا محمود مأمور به ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. لكن راجع ما نقل عن أهل البدع في خصومهم لأهل السنة والجماعة تجد جدالًا طويلًا عريضًا، ومنطق، وفلسفة، لكن ما تصل فيها إلى شيء، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «بَأَنَّ الْخَلْقَ لَا يَزَالُونَ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ» إذا بلغ إلى هذا ماذا يقول الإنسان؟ طالب: يستعيذ بالله. الشيخ: يستعيذ بالله وينتهي، لكن هؤلاء الفلاسفة أو المناطقة لو تذهب إليهم، شوف وأيش لون يجيبون أدلة ومقدمات وأشياء كثيرة، وفي النهاية لا يصلون إلى ما وصل إليه الحديث. فالمهم أن الإنسان الخصم الغالب -ولا أقول: كل المخاصمين- الغالب أنه يحرم بركة العلم؛ لأنه إنما يريد بذلك فَتْلَ خصمِه وانتصار قوله، وهذا حرمان من البركة. وقوله: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِشوف هذا الرجل الآن صار ألد الخصام؛ لأن قوله جيِّد وبيِّن، فيه بيان وفيه فصاحة، يعجبك قوله، فتجده لاعتماده على فصاحته وبيانه تجده ألد الخصام، يخاصم ويجادل. طالب: شيخ، قول النحويين (...) ما يرد عليه؟ الشيخ: إي، هذا ما ينبغي منهم، هذا لا ينبغي منهم أن يقنطوا منه مع أنه سبحانه وتعالى قريب التغيير. الطالب: يعني هذا أمر، يعني.. الشيخ: ما هو محمود، هذا ليس محمودًا من الخلق أن يقنطوا من رحمة الله وهو قريب التغير سبحانه وتعالى. طالب: شيخ، (...)؟ الشيخ: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. طالب: يعني ما فيها قراءة؟ الشيخ: نعم. الطالب: {وَيَشْهَدُ اللَّهُ}. الشيخ: لا، ما فيها قراءة سبعية، لا. الطالب: فيها قراءة. الشيخ: ما هي سبعية. طالب: نعم، سبعية، سبعية. الشيخ: أنا ما عندي إجابة، ما كتبت عندي. الطالب: نعم، قرأها حمزة الزيات على الخبر. الشيخ: ما أدري، على كل حال تأكدوا منها؛ لأنها ما كتبت، والغالب أني متتبع القراءات السبع. طالب: هو بيقول حمزة. الشيخ: ما دونه، بس تأكدوا منها. الطالب: من واحد. الشيخ: أقول: تأكدوا منها، التأكد طيب. قال: وَإِذَا تَوَلَّىعندي {وَهْوَ} هذه معروفة فيها قاعدة: {وَهْوَ} يعني: سكون الهاء، هذه في كل القرآن، يقال: وَهُوَ، ويقال: وَهْوَ. طالب: على قراءة (...)؟ الشيخ: أيها؟ الطالب: {وَيَشْهَدُ}. الشيخ: إي، تقول: {وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}؟ هذا يرجح المعنى الثاني أن يُشهد اللهَ ما في قلبه من النفاق. قال: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِإِذَا تَوَلَّىيعني: عنك وذهب، سَعَى فِي الْأَرْضِالمراد بالسعي هنا مطلق الحركة، وليس المراد بالسعي: الركض بالرجل، المراد أنه يتحرك للفساد، سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَااللام هنا للتعليل ولَّا للعاقبة؟ طالب: للتعليل. الشيخ: للتعليل، يعني: أنه يطلب الفساد، ويحرص عليه، ويسعى له بقدر ما يستطيع. لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَكيف يهلك الحرث والنسل؟ قال بعض المفسرين: إن الآية نزلت في شخص معين وهو الأخنس بن شريق، وإنه ذهب إلى قوم من الأنصار وأحرق عليهم زروعهم، وقتل ما عندهم من الحمر؛ الحمير. ولكن الصحيح أن معنى يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَأنه بسبب فساده في الأرض تنقص البركات وتحل الآفات، وبذلك يكون هو السبب في إهلاك الحرث والنسل؛ لأن الصحيح -كما قلنا-: إن الآية عامة ما هي في شخص معين، في كل من كان هذا وصفه؛ لأن الله يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ، فعلى هذا يكون يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَأي: يكون سببًا لهلاك الحرث والنسل. الْحَرْثَالمراد به: المحروث، وهو الزروع، كما يقال: الغرس، يعني المغروس، وقوله: النَّسْلَمثلها أيضًا، النسل بمعنى المنسول، يعني: الأولاد والذرية، يعني: فيكون سعيه هذا سببًا لفساد الأرض ولفساد الحيوانات؛ لأنه إذا حصلت المعصية -والعياذ بالله- إذا حصلت المعصية قلَّت البركات ونزعت من الأرض، وحلت الآفات ونقصت الأمطار، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٥، ٦٦] أَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْمن الثمار من الأشجار، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْمن الزروع. وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَبيان أن عمله هذا محبوب إلى الله ولَّا مكروه إليه؟ مكروه إليه؛ لأن الله لا يحب الفساد، وإذا كان لا يحب هذا الفعل، فإنه لا يحب من اتصف به؛ ولهذا جاء في آية أخرى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤]، والله لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين، فالفساد نفسه مكروه إلى الله، والمفسدون أيضًا مكروهون إليه لا يحبهم. وإذا علق انتفاء المحبة على وصف، فقد يؤخذ منه أن المحبة تثبت فيما يقابله من الوصف، فإذا كان لا يحب الفساد، فهو يحب الصلاح. وكذلك المصلحون، حتى قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: ١١٧]، فالله تعالى يحب المصلِح، ويحب الصلاح أيضًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ-والعياذ بالله- إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَمن قاله؟ أي قائل؛ لأن (قِيلَ) فعل مبني للمجهول، وأصل (قِيلَ): قُوِلَ، على وزن ضُرِبَ؛ لأنه فعل ثلاثي مبني للمجهول، لكن حدث فيه إعلال بقلب الواو ياءً، ثم كسر ما قبلها: قِيلَ. إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَيعني: أمر بأن يتقي الله عز وجل، فيتجنب ما يسعى في الأرض من الفساد الذي هو سبب لهلاك الحرث والنسل كان جوابه -والعياذ بالله-: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُالعزة هنا بمعنى الأنفة والحمية والترفع. والعزة قد تكون وصفًا محمودًا، وقد تكون وصفًا مذمومًا، فالمعتز بدينه هذا محمود، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]، والمعتز بحسبه ونسبه حتى يكون عنده أنفة من الأمر بالدين، هذا مذموم، فتأخذه العزة بالإثم، أي: تحمله على الإثم، والباء هنا قيل: إنها للسببية، أي: أخذته العزة الأنفة بسبب إثمه، فلإثمه لم يوفق للاهتداء، ولم يوفق لقبول الأمر بالتقوى، وقيل: إن الباء للتعدية، أَخَذَتْهُ بكذا، يعني حَمَلَتْهُ عليه، وهذا هو الأقرب. وقوله: بِالْإِثْمِوأيش معنى الإثم؟ أي: الذنب الموجب للعقوبة، فكل ذنب موجب للعقوبة فهو إثم. يقول الله عز وجل: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُحَسْبُهُ جَهَنَّمُأي: كافيه، وهو وعيد له بها -والعياذ بالله- والحسْب بمعنى الكافي، قال الله تعالى: فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ [التوبة: ١٢٩] أي: كافيني، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ [آل عمران: ١٧٣] أي: كافينا، فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُأي: كافيته، والمعنى: أنه يكون من أهلها -والعياذ بالله- وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. (جهنم) اسم من أسماء النار، قيل: إنها اسم معرَّب أو كلمة معرَّبة، وإنها ليست من العربية الفصحى لكنها معرَّبة، وقيل: بل هي من اللغة الفصحى، وإن أصلها من الجُهمة وهي الظلمة، ولكن زيدت فيها النون: جهنم للمبالغة، وعلى كلٍّ فإن جنهم اسم للنار التي أعدها الله تعالى للكافرين، اسم لها، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمتها، والعياذ بالله. وقوله: وَلَبِئْسَ الْمِهَادُاللام هنا ماذا نعربها؟ طالب: للابتداء. الشيخ: اللام للابتداء لأيش؟ طالب: موطئة للقسم. الشيخ: أو موطئة للقسم، أي: ووالله لبئس المهاد، وهذا أقرب. وقوله: بِئْسَ الْمِهَادُهذه فعل جامد لإنشاء الذم، (بئس) فعل جامد لإنشاء الذم، وفاعلها؟ الْمِهَادُ، وهي من الأفعال التي تحتاج إلى مخصوص بالذم، أين المخصوص؟ طالب: المهاد. الشيخ: لا، الْمِهَادُفاعل. طالب: محذوف. الشيخ: محذوف، أي: ولبئس المهاد مهاده، حيث كانت جهنم. (...) فِي يَوْمَيْنِإلى آخره. يستفاد من هذه الآيات الكريمة: مزية الذكر في هذه الأيام المعدودات؛ لقوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ؛ لأن ذكر الله على سبيل العموم في كل الوقت، لكن هذا على سبيل الخصوص. ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه يجوز في هذه الأيام الثلاثة التعجل والتأخر؛ لقوله: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. ومن فوائدها: سعة فضل الله عز وجل وتيسيره في أحكامه؛ حيث جعل الإنسان مخيرًا أن يبقى ثلاثة أيام أو أن يتعجل في اليومين. ومن فوائدها: أنه لا بد أن يكون خروجه من منى قبل أن تغرب الشمس؛ لأن (في) للظرفية، والظرف يحيط بالمظروف، فلا بد أن يكون التعجل في خلال اليومين. ومن فوائدها: أنه لا يجوز التعجل في اليوم الحادي عشر؛ لأنه لو تعجل في اليوم الحادي عشر لكان تعجل في يوم لا في يومين، واضح؟ وهنا أنبهكم إلى أن كثيرًا من العامة يظنون أن المراد باليومين: يوم العيد واليوم الحادي عشر، ويظنون أن الإنسان يجوز أن يتعجل في اليوم الحادي عشر، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله قال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍوهي أيام التشريق، وأيام التشريق إنما تبتدئ؟ طالب: في الحادي عشر. الشيخ: في الحادي عشر. ومن فوائد الآية: أن الأعمال المخيَّر فيها إنما ينتفي الإثم إذا كان الإنسان فعلها على سبيل التقوى لله عز وجل دون التهاون بأوامره؛ لقوله: لِمَنِ اتَّقَى، فمن فعل ما يخير فيه على سبيل التقوى لله عز وجل والأخذ بتيسيره، فهذا لا إثم عليه، وأما من فعلها على سبيل التهاون وعدم المبالاة، فإن عليه الإثم بترك التقوى وتهاونه بأوامر الله. وهل يستفاد من الآية: جواز التأخر إلى اليوم الرابع عشر والخامس عشر أو لا؟ الطلبة: لا. الشيخ: الآية يقول: مَنْ تَأَخَّرَ، ما قال: في ثلاثة أيام، أطلق؟ لكن أصل الذكر في ثلاثة أيام في أيام معدودات، فيكون المعنى: من تأخر في هذه الأيام المعدودات وهي الأيام الثلاثة. طالب: (...)؟ الشيخ: أيها؟ الطالب: (...)؟ الشيخ: لأن الله قيدها قال: لِمَنِ اتَّقَى. الطالب: كيف يتصور؟ الشيخ: يتصور؟ الطالب: نعم. الشيخ: يتصور أن الرجل يكون يفعل هذا على سبيل التهاون وعدم المبالاة لا على سبيل أن الله تعالى يسره له ورخص له فيه. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التقوى؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ، وقد سبق لنا أن التقوى هي والبر إذا ذكرا جميعًا؟ طالب: افترقا. الشيخ: إذا ذكرا جميعًا؟ طالب: افترقا. الشيخ: افترقا في المعنى، وإن أفرد أحدهما؟ دخل فيه الآخر. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. ومن فوائدها: قرن المواعظ بالتخويف؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ؛ لأن الإنسان إذا علم بأنه يحشر إلى الله عز وجل، وأنه سيجازيه، فإنه سوف يتقي الله ويقوم بما أوجب الله، وبهذا عرفنا الحكمة من كون الله عز وجل يقرن الإيمان باليوم الآخر في كثير من الآيات بالإيمان بالله، ففي كثير من الآيات يُقرن الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله دون بقية الأشياء التي يؤمن بها؛ وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر يستلزم العمل لذلك اليوم، وهو القيام بماذا؟ بطاعة الله ورسوله. ثم قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاإلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الناس ينقسمون إلى طرق، منهم من هذا وصفه، ومنهم من يأتي وصفه أيضًا. ويستفاد منه: أنه لا ينبغي للإنسان أن يغتر بظواهر الأحوال، من أين تؤخذ؟ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ، وكذلك من الناس من يعجبك فعله، ولكنه منطوٍ على الكفر -والعياذ بالله- فهذا لا تغتر بظاهر الحال، ولكن لا شك أنه بالنسبة إلينا ليس لنا أن نحكم إلا بما تقتضيه؟ طالب: الظاهر. الشيخ: الظاهر؛ لأن ما في القلوب ما نعلمه، ولا يمكن أن نحاسب الناس على ما في القلوب، وإنما نحاسبهم على حسب الظواهر. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الصنف من الناس يُشهد الله على ما في قلبه، إما مما أظهره، وإما مما أبطنه؛ لأنا قلنا: إن فيها معنيين: إما فيما أظهره، يعني يظهر لك أنه يتكلم بالكلام الذي يُشهد الله على ما في قلبه من ظاهر حاله، أو أنه يُشهد الله على ما في قلبه من الكفر والنفاق، فهو منطوٍ عليه. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ترك الجدل والخصام؛ لقوله: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، فإن الخصومات في الغالب ما يكون فيها بركة، ولكن هذه الآية -كما قلنا سابقًا- مقيدة بما أمر الله به من المجادلة، مجادلة أهل الباطل بالحق، فإن هذا أمر لا بد منه. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل بما في الصدور؛ لقوله: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ؛ لأن ما في القلب ما يعلمه إلا الله عز وجل ومن كان في قلبه هذا الشيء. ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هذا الرجل الذي يعجب قوله ويُشهد الله على ما في قلبه أنه إذا تولى سعى في الأرض بما يفسدها، بماذا؟ طالب: بالمعاصي. الشيخ: بالمعاصي، فإن المعاصي سبب لهلاك الحرث والنسل -والعياذ بالله- الدليل؟ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة: ٦٥،٦٦]. ومن فوائد الآية أيضًا: أن هذا الذي يُعجب قولُه يتولى، ما يبقى ولا يمكث؛ لقوله: وَإِذَا تَوَلَّى، وقد مر علينا في أول سورة البقرة أن اللغة العربية تفرق بين (إنْ) و(إذا)؛ بأن (إن) الشرطية لأمر قد يكون مستحيلًا ولا يمكن، والغالب أنه يكون غير واقع، أما (إذا) فهي فيما يكون ممكنًا ومتوقعًا؛ ولهذا قالوا في قوله تعالى: كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [البقرة: ٢٠] ما قال: وإن أظلم، فلما قال: وَإِذَا أَظْلَمَعلم بأنه لا بد أن يظلم، هذا إِذَا تَوَلَّىليست كقوله: إن تولى، إن تولى سعى، ولكنه إذا تولى، يعني سيكون منه التولي؛ لأنه غير ثابت. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. فإن قلت: هذا نفي وليس بإثبات، قلنا: إن نفيه محبة الفساد دليل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لا يحب أبدًا لم يكن هناك فرق بين الفساد والصلاح، أو لا؟ فلما نفى المحبة عن الفساد علم أنه يحب الصلاح، وهو كذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الفساد في الأرض؛ لقوله: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. ومعلوم أن كل إنسان يجب أن يكون حذرًا من التعرض لأمر لا يحبه الله. إذا كان لا يحب الفساد هل هو لا يحب المفسد؟ الطلبة: نعم. الشيخ: نعم، معلوم؛ لأن الوصف إذا كان غير محبوب إلى الله، فمن اتصف به فغير محبوب إلى الله، على أنه ورد في آيات أخرى وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤]. ثم قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن هذا الرجل الموصوف بهذه الصفات أنه يأنف أن يؤمر بتقوى الله؛ لقوله: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ، فهو يأنف، كأنه يقول في نفسه: أنا أرفع من أن تأمرني بتقوى الله عز وجل، وهذا لا شك أنه ظلم، والنبي عليه الصلاة والسلام أمره الله تعالى بأن يتقي الله، أمر نبيه وهو أتقى الناس لله أن يتقي الله يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب: ١]، وقال في قصة زينب: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب: ٣٧]، هذا قاله للنبي عليه الصلاة والسلام، كيف أنت أيها الإنسان ما يقال لك: اتقِ الله؟! لكن -والعياذ بالله- في هذا دليل على أن عنده أنفة عن الحق واستكبارًا وعلوًّا. ومن فوائد الآية الكريمة: البلاغة التامة في حذف الفاعل في قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، لم يقل: إذا قال له فلان أو فلان؛ ليشمل كل مَن قال له ذلك؛ لأنه لا يرد هذا الأمر لشخص القائل، ولكن لكراهة ما أمر به؛ لأنه لو قال: إذا قال له الرسول، كأنه يقول: هذا أنف من أن يكون الرسول محمدًا عليه الصلاة والسلام وهو لم يرسل، أو إذا كان اللي قال له فقير، يقول: هذا وأيش ها الفقير يقول لي؟ لكن إذا حذف الفاعل صار رده للحق من أجل؟ طالب: الكراهة. الشيخ: لكراهة الحق نفسه وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ. ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من رد الناصحين؛ لأن الله تعالى جعل هذا من أوصاف هؤلاء المنافقين، فمن رد آمرًا بتقوى الله، ففيه شبه من المنافقين، والواجب على المرء إذا قيل له: اتقِ الله، أن يقول: سمعنا وأطعنا، مهما كان الذي أمرك بتقوى الله يجب أن تقول: سمعنا وأطعنا، ما هو لهذا الرجل، ولكن لوجوب التقوى الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنفة قد تحمل صاحبها على الإثم؛ لقوله: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، وسبق لنا أن العلماء ذكروا لها معنيين -وهما صالحان-: إما أن المعنى أنه لإثمه تأخذه العزة ولا ينصاع للأمر بالتقوى، أو أن المعنى أن عزته أوقعته في الإثم، يعني: هل الإثم سابق على العزة، فأخذته العزة بسببه، أو أن العزة سابقة حملته على الإثم؟ ذكرنا في هذا قولين، وقلنا: إن كليهما صالح. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه -أي هذا الرجل- من أهل النار؛ لقوله: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ. ومنها: الثناء على النار بالقدح؛ لقوله: وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ، ولا شك أن جهنم أنها بئس المهاد..