تفسير سورة البقرة - ١٨
درس صوتي · ٩٣:٢٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ومن فوائد الآية أيضًا: أن المؤمن حقًّا لا يأمره إيمانه بالمعاصي. طالب: لقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. الشيخ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَيعني فلو كنتم مؤمنين حقًّا ما اتخذتم العجل إلهًا. ومن فوائد الآية أيضًا: أن الشر لا يسنده الله تعالى إلى نفسه، بل يذكره بصيغة المبني للمجهول، من أين نأخذها؟ الطالب: يَأْمُرُكُمْ. الشيخ: لا، أنتم فاهمين السؤال؟ أن من فوائد الآية: أن الشر أو ما أشبه ذلك لا يسنده الله إلى نفسه يسنده للبناء للمجهول. من قوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُلم يقل الله تعالى: وألقى الله في قلوبهم حب العجل، بل قال: أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ، هل لها نظير من القرآن؟ وهي؟ الطالب: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]. الشيخ: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا. الطالب: الفائدة يا شيخ؟ الشيخ: الفائدة أن الشر وما يُشتق منه لا يضيفه الله إلى نفسه بالبناء للفاعل، بل بالبناء للمفعول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» مفهوم يا جماعة؟
الطلبة: نعم. الشيخ: وقد مر علينا هذا في باب القضاء والقدر في العقيدة، وذكرنا أن الشر في المفعول لا في الفعل. تقدير الله عز وجل، كل شيء فهو بقضاء الله وقدره حتى كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» ، والخير والشر، لكن الشر بالنسبة لفعل الله له خير ليس بشر، هو خير؛ لأن الله ما أوجده إلا لحكمة بالغة وغاية محمودة وإن كان شرًّا، وأظن أننا ذكرنا حوالي ثمان فوائد لإيجاد المكروهات والشرور، ولعلكم- إن شاء الله- على ذكر منها أو (...)؟ طالب: البعض.. الشيخ: على كل حال هذه الفائدة يجب أن نعلمها أن فعل الله ليس بشر مهما كان فهو كله خير؛ لأن الله حكيم لكن الشر في أيش؟ في المفعولات، والمخلوقات، وأما نفس الفعل فهو ليس بشر، ونحن ضربنا مثلًا في الرجل يكوي ابنه بالنار، والنار مؤلمة محرقة، لكنه يريد أن يُشفى، فهذا المفعول الواقع من الفاعل شر مؤلم محرق، لكن الكي نفسه من أجل غايته المحمودة يكون أيش؟ طالب: يكون خيرًا. الشيخ: يكون خيرًا. ثم قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينفي هذه الآية تكذيب لليهود الذين قالوا: لنا الآخرة ولكم الدنيا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةًما وجهه؟ أيش وجهه؟ الطالب: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ. الشيخ: لا وجه تكذيب اليهود في هذا؟ الطالب: فتمنوا الموت. الشيخ: إيه، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَوقد قال الله: لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.
الفائدة الثانية -وهي مبنية على خلاف في تفسير الآية-: جواز المباهلة لإثبات الحق، لكنها مبنية على خلاف في تفسير الآية، من أين نأخذها؟ الطالب: من قوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ. الشيخ: إيه، من قوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَوأيش هذا الرأي اللي أشرنا إليه وقلنا بناء على أنها من باب المباهلة؟ الطالب: إن تفسيرهم بأن قوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَعلى (...) إذا كنتم تدعون أن الآخرة خالصة لكم. الشيخ: نعم، هذا قول، والقول الثاني: أن المراد بالآية ظاهرها ولا تكون من باب المباهلة، وذكرنا لكم أن ابن كثير ضعَّفه، وقال: إنه لو كان الأمر كذلك لكانوا هم أيضًا يلزموننا بذلك، وبينا أن ما ذكره ابن كثير رحمه الله ليس بلازم؛ إذ أنهم لو ردوا الأمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتمنوه، ولكنهم لم يردوه؛ لأنه هم المدعون، فكانوا هم الذي يلزمهم. فيها أيضًا دليل يأتي هذا الدليل على كذب اليهود فيما يدعون، وهذه ذكرناها. وفيه أيضًا دليل وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَعلى أن الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة؟ الطالب: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ؟ قوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ. الشيخ: لا، قلنا: بما يكره من سوء العاقبة؟ الطالب: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ.
طالب آخر: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. الشيخ: الشاهد يؤخذ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْيعني أنهم يعلمون أنهم يعاقبون على الذنوب فلا يمكن أن يتمنوا الموت فيصلوا إلى العقاب. وفي الآية دليل على إثبات السببية، من أين نأخذها؟ الطالب: من الباء. الشيخ: من الباء في قوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْمَنِ الذي ينكر الأسباب من أهل البدع؟ الطالب: القدرية. الشيخ: القدرية لا. الطالب: الأشاعرة. الشيخ: ومَن؟ والجهمية، الأشاعرة والجهمية، المعتزلة بالعكس يوجبون أن يكون في الأصل العلة، ويوجبون العلة موجبة، ولهذا يرون أنه يجب على الله- كما مر- فعل الصلاح أو الأصلح على خلاف بينهم. وفيه إثبات العلم لله عز وجل، من أين نأخذها؟ الطالب: من قوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ. الشيخ: وأيش وجه الدلالة من قوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ؟ الطالب: (...). الشيخ: إذن وأيش الدليل أن هذه تفيد علم الله؟ وأيش وجه الدلالة من إفادتها لعلم الله؟ الطالب: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ. الشيخ: الظاهر أنها رمية من غير رامي، وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُتقول فيها إثبات علم الله، ما وجهه؟ الطالب: إثبات فيها علم الله، يكون السؤال وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَقوله: عَلِيمٌ. الشيخ: لا، هو صحيح فيها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَفيها إثبات العلم، لكن حتى وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُفيها إثبات العلم؟ الطلبة: يعني وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُيعني أن الله عليم.. علمه بأنهم لن يتمنوه. الشيخ: لأنهم ما تمنوه، قال الله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُفعلًا وقع ما تمنوه، فوقع الأمر كما أخبر به فدل على أن معلومه مطابق لعلمه ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لو تمنوه حاشا من ذلك لكان الأمر ما يدل على هذا، لكنهم لن يتمنوه، فعلًا ما تمنوا الموت، ولو تمنوه لماتوا. وفيها أيضًا إثبات العلم في جملة أخرى من الآية في قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وفيه أيضًا دليل على جواز تخصيص العموم للتهديد، أو لغرض أحسن أعم، تخصيص العموم لغرض. الطالب: في قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَوالله عليم بكل أحد (...). الشيخ: في الظالمين وغيرهم، ولكنه خصهم هنا للتهديد، أفهمتم الآن؟ إحنا ما نقول: العلم فقط، كل العمومات يجوز أن تُقيد بخصوص من أفرادها لغرض؟
تفسير الآيات (٩٦-١٠٥)
٠٠:١١:٥٤
ثم قال الله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةهذا (...). الطالب: حكم المباهلة؟ الشيخ: حكم المباهلة جائز في الأمور الهامة التي يقصد بها إثبات الحق وإبطال الباطل، وقد رُوي أن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أنكر العول في الفرائض وقال: من شاء باهلته على ذلك إن الذي أحصى عدد رمل عالج لا يمكن أن يجعل في المال. ، وذكر الفروض التي توجب العول. فالأشياء الهامة لا بأس الإنسان يباهل عليها لإثبات الحق، ولكن بشرط أن يكون على علم من ذلك لئلا يقع الأمر بخلاف هذا ويصاب. الطالب: شيخ، هل الرسول صلى الله عليه وسلم دعا (...)؟.
الشيخ: إيه، دعاهم لكن ما أجابوا، في وفد نجران دعاهم، أما في قصة اليهود ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم للمباهلة، لكن كان ابن كثير يرجح هذا ويقول: ما يستدل على هذا الأمر. الطالب: كيف المباهلة؟ المباهلة كيف؟ الشيخ: المباهلة أصلها من الابتهال إلى الله بالدعاء؛ يعني مثلًا أنا أقول كذا وأنت تقول كذا، تقول: تعالَ، ونجتمع ونقول: لعنة الله على الكاذبين، أو الكاذب منا يصاب بكذا، أو ما أشبه ذلك. قال الله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوااللام هنا موطِّئة للقسم، والجملة مؤكدة باللام وبنون التوكيد الثقيلة في قوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْوفي القسم المقدَّر وهو: والله لتجدنهم، وهنا لَتَجِدَنَّهُمْالدال مفتوحة وهو فعل مضارع، وليس فيه ناصب ينصبه، فلماذا فتحت الدال؟ لأنه متصل بنون التوكيد، والمضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح، وقوله: لَتَجِدَنَّهُمْهذا فعل مر علينا قريبًا، وأنه ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول الهاء في لَتَجِدَنَّهُمْ، والمفعول الثاني أَحْرَصَ النَّاسِ. والخطاب هنا لَتَجِدَنَّهُمْإما للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المخاطَب بالقرآن أولًا، والخطاب للرئيس أو للإمام خطاب لأتباعه، فكل خطاب في القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم فهو خطاب لأمته إلا ما دل الدليل على أنه خاص به مثل قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ١، ٢] وما أشبه ذلك فهو على خصوصه. والخطاب للرسول، وإما لكل من يتأتى خطابه؛ أي لتجدنهم أيها المخاطَب بهذا القرآن الكريم، والقرآن الكريم مخاطَب به مَن؟ الطلبة: جميع الناس.
الشيخ: جميع الناس، مخاطب قال: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍأَحْرَصَاسم تفضيل أَحْرَصَ النَّاسِاسم تفضيل، وما هو الحِرص؟ الحِرص هو: أن يكون الإنسان طامعًا في الشيء مشفقًا من فواته، الطمع في الشيء مع الإشفاق من فواته يسمى حرصًا، والحرص يستلزم بذل المجهود، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنَّ» الطالب: شيخ، الواو؟ الشيخ: وأيش؟
الطالب: واو حيوة؟ الشيخ: حيوة؟ الطالب: مكتوب الواو أقول: الواو وأيش؟
الشيخ: على (حيوة)، هذا -سلمك الله- الرسم القديم رسم المصحف القديم على هذا الوجه، فالعلماء رحمهم الله رأوا أن الأولى إبقاء الرسم القديم العثماني على ما كان عليه، وإلا فإنه على (حياة) بالألف. الطالب: تغلط بعض الناس اللي ما تقدر؟ الشيخ: إيه اللي ما تتقرا ما نفهم، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة وأظن حكينا أقوالهم لكم، وقلنا: إن العلماء اختلفوا في كتابة القرآن الكريم: هل يجب أن يبقى على الرسم العثماني، أو يجوز أن يُنقل إلى الاصطلاحي الرسم الاصطلاحي أو يُفصَّل بين العالم والجاهل؟ وذكرنا في هذا ثلاثة أقوال، وأن القول الصحيح أنه جائز؛ لأنه لو كان الوضع في وقت عثمان رضي الله عنه حين كتب المصحف على غير هذا الاصطلاح لكتب به، والقرآن نزل مقروءًا أو مكتوبًا؟ الطلبة: مقروءًا. الشيخ: مقروءا، ولكن مع ذلك اللي ذُكِر (...) يُخشى منه يعني بعض اللي يتهجون القرآن تهجيًا ولم يتلقوه تلقيًا من أفواه المشايخ يقولون: الصلاة أيضًا (الصلوة)، والزكاة كذلك، والربا بالواو، وهلم جرًّا، ولهذا من أهم ما يكون أن يكون الإنسان يتلو كتاب الله على يد قارئ يلقنه حتى يعرفه تمامًا. أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةلَتَجِدَنَّهُميعني اليهود، أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةهنا نكَّر حَيَاةولم يقل: على الحياة؛ يعني معناه أنهم حريصون على الحياة وإن قل حتى لو ما يجيئهم إلا لحظة فهم أحرص الناس عليها، ما هي الحياة الكاملة الطويلة، لا، أي حياة هم حريصون عليها. قال: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوااختلف المفسرون في قوله: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواهل هي مبتدأ كلام منقطع عما قبله، وأن التقدير: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر، وهذا وإن كان محتملًا لفظًا لكنه في المعنى بعيد جدًّا، ولهذا الصواب الرأي الثاني أنه معطوف على قوله: النَّاسِيعني ولتجدنهم أحرص الناس وأحرص من الذين أشركوا؛ يعني اليهود أحرص من المشركين على الرغم من أن اليهود أهل كتاب يؤمنون بالبعث بالجنة وبالنار، والمشركون ما يؤمنون بذلك واللي ما يؤمن بالبعث يصير أحرص الناس على حياة؛ لأنه يرى أنه إذا مات انتهى الأمر ما عاد يعود فتجده يحرص على ها الحياة اللي يرى أنها هي رأس ماله، ولا يرى هناك حياة أخرى، فهؤلاء اليهود أحرص الناس حتى من الذين أشركوا، وهذا الرأي هو الصواب ويكون من باب عطف الخاص على العام لأيش؟ لأن المشركين من أين؟ الطلبة: من الناس. الشيخ: من الناس، المشركين من الناس، فإذن أحرص الناس ومن الذين أشركوا مع أن المشركين من الناس فيكون أحرص حتى من هذا الصنف من الناس الذين لا يؤمنون بالبعث. وقوله: مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواأي بالله، والشرك تفاصيله ما هو هذا محلها، محلها إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد، وأنه ينقسم إلى أقسام ثلاثة كل قسم من التوحيد يقابله قسم من الشرك، وهذه الأقسام الثلاثة هي كل منها يتنوع إلى أصغر وأكبر، ومنها أيضًا ما يتنوع إلى خفي وجلي. طالب: الوجه الأول. الشيخ: وأيش هو؟ الطالب: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواالوجه الأول. الشيخ: الوجه الأول يقول: إن هذه منفصلة عما قبلها، وأن معنى الآية: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر. وقوله: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ. يَوَدُّأيش معنى المودة؟ طالب: التمني. طالب آخر: الحب.
الشيخ: الحب والتمني. وقوله: أَحَدُهُمْالضمير يعود على من؟ اليهود ولَّا على المشركين؟
الطالب: على اليهود إذا أخذنا بالقول الثاني يعود على اليهود. الشيخ: أما القول الأول واضح أنه يعود على المشركين لا غير، والقول الثاني يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على اليهود، ويصير انقطع الكلام عند قوله: أَشْرَكُواويحتمل أن يكون عائدًا إلى المشركين يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍأيهما أرجح في نظركم؟ طالب: الثاني أبلغ. الشيخ: الثاني أبلغ؟ أنه يعود على المشركين؟ ما وجهه؟ الطالب: يكون على اليهود، بما أن المشركين يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وأن اليهود يرغبون في الحياة فاليهود أعظم منهم. طالب آخر: شيخ، ممكن نقول: إن اليهود يدخلون في المشركين يعني عندهم شرك. الشيخ: لا، لا ما هو صحيح، هذا ما هو صواب، ليس صواب. الطالب: يعود على اليهود لأن الخطاب..
الشيخ: يرجحه السياق يعني؟ ترجيح السياق؟ وفيه ترجيح المعنى إذا كان يَوَدُّ أَحَدُهُمْأي المشركين، يعني محمود يرى أن الضمير يعود على المشركين أرجح، يرجح ما قال محمود أمران؛ أحدهما: أن الضمير في الأصل يعود إلى أقرب مذكور، والمشركون هنا أقرب، والثاني: أنه إذا كان المشرك يود أن يعمر ألف سنة وكان اليهودي أحرص منه على الحياة فيلزم أن يكون اليهودي يتمنى أن يُعمر أكثر من ألف سنة، ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: إذا قلنا: إن الضمير يعود على اليهود فيرجِّحه أن السياق فيه، ولكنه يدل على أن الذي يتمنى ألف سنة من هم؟ الطلبة: اليهود. الشيخ: اليهود، فتبين أن الأول أبلغ؛ لأنه إذا كانوا أحرص من المشرك الذي يتمنى أن يعمر ألف سنة وهو أعظم دليلًا على أنهم- أي اليهود- يحبون الحياة. وقوله: أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةلَوْ يُعَمَّرُوأيش معنى التعمير؟ الزيادة في العمر، والعمر هو الحياة. وقوله: لَوْ يُعَمَّرُ(لو) هذه هل هي شرطية؟ طالب: لا، ما هي شرطية. الشيخ: ما هي شرطية لكنها مصدرية، وكلما جاءت بعد (ود) فهي مصدرية؛ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُفـ (لو) هنا مصدرية، يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ [الأحزاب: ٢٠] يعني (لو) هذه مصدرية كلما جاءت (لو) بعد (ود) فهي مصدرية. وأيش معنى مصدرية؟ يعني بمعنى (أن) تؤول وما بعدها بمصدر، فيقال: يود أحدهم لو يعمر يود أحدهم تعميره. أَلْفَ سَنَةمعروف الألف سنة، والسنة هي العام وما المراد بالسنة هنا؟ السنة الميلادية أو السنة القمرية؟ طالب: الميلادية.
الشيخ: الميلادية؟ الطالب: لأنهم هم على الميلاد، حسابهم على الميلاد، هذا صريح (...). الشيخ: التاريخ الميلادي هذا حادث، واليهود لا يعترفون بالمسيح نبيًّا، والكلمات إذا أُطلقت تحمل على المعنى الشرعي، لقد قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة: ٣٦] فالميقات الذي وضعه الله للعباد إنما هو بالأشهر الهلالية يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ [البقرة: ١٨٩] لمن؟ للعرب والحج. لِلنَّاسِ وَالْحَجكل الناس، ولذلك التاريخ هذا الأخير ليس مبنيًّا على أصل من الدين ما هو على دين، فإن التواريخ كلها إلى أن حدث هذا فيما نعلم كلها على التاريخ الهلالي، التاريخ الهلالي؛ لأنه علامة حسية ظاهرة، لكن هذه الأشهر الإفرنجية هي علامتها حسية ظاهرة؟ طالب: لا. الشيخ: أبدًا، اصطلاحية محضة، ولذلك بعضها يصل إلى واحد وثلاثين، وبعضها يرجع إلى ثمان وعشرين بدون أي سبب وبدون أي علة، فهي ما هي مبنية على أصل، وقد حاول بعض الحسّابين أن يحول هذه الأشهر إلى عدد ثابت، ويجعل السنة ثلاثة عشر شهرًا بدلًا من اثني عشر شهرًا، وبعضهم حاول أن يجعلها إلى عدد ثابت بدون أن تزيد الأشهر، ولكن رجال الكنيسة قاموا على هذا. (...) وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٧، ٩٨]. الشيخ: قوله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّايشير إلى منْ؟ الطالب: الذين يقولون إن جبريل هو روح شريرة نزلت للحروب. الشيخ: هو عدو لنا؟ من اللي قال؟ الطالب: اليهود. الشيخ: اليهود. قوله: لِجِبْرِيلَفيها قراءات؟ الطالب: {جَبْرِيل} و {جَبْرَئِل} و{جَبْرَائِيل}. الشيخ: أحسنت، جبرائيل ملك ولا نبي؟ الطالب: ملَك. الشيخ: ملك مُوكّل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: بأيش؟ الطالب: موكل بإنزال القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: بالوحي، مُوكّل بالوحي. وقوله: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُهل هذا جواب الشرط أو دال عليه؟
الطالب: دال عليه. الشيخ: وين جواب الشرط؟ الطالب: الجملة. الشيخ: وين الجملة؟ الطالب: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ. الشيخ: إي نعم، يعني إذن هو جواب الشرط، تخالف مصطفى في قوله: إنه دال عليه تخالفه؟ تخالفه؟
الطالب: أخالف. الشيخ: زين، والخلاف إلى الخير خير. الطالب: قيل: إن جواب الشرط فَإِنَّهُ نَزَّلَهُهذا جواب الشرط، وقيل: إنه ليس جواب الشرط، وإنما هذا علة لجواب الشرط، وجواب الشرط محذوف تقديره: فليمت غيظًا. الشيخ: ما تقولون في هذا الجواب؟ الطلبة: صحيح. الشيخ: صحيح. وأيهم أقرب؟ الطالب: الأقرب أنه محذوف. الشيخ: الأقرب أنه محذوف؟ الطالب: الذي رجحته. الشيخ: الذي رجَّحْتُهُ ولَّا رجحتَهُ؟
الطالب: رجحتُه. الشيخ: أنا، ما تقولون؟ الطالب: لا، الأرجح أنها جواب شرط.
الشيخ: أنها جواب شرط؟ لأن الأصل؟ الطالب: لأن الأصل وجود جواب الشرط. الشيخ: عدم الحذف، الأصل عدم الحذف، ثم إن قوله: فليمت غيظًا بهذا الأسلوب يعني تقدير ما ينبغي، وإن كان يقول: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، لكنه في هذا المقام ما ينبغي، الصواب أن قوله: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُهو جواب الشرط، لكن ما وجهه؟ ما وجه ارتباط قوله: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُبقوله: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ؟ الطالب: (...)؟ الشيخ: لا من الناحية المعنوية، وإلا النحو جواب للشرط، من الناحية المعنوية؟ الطالب: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُفإنه أنزل القرآن على قلب بشر. الشيخ: لكن ما وجه ارتباط جواب الشرط بفعل الشرط من الناحية المعنوية؟ الطالب: يعني الذين يقولون: إن جبريل عدو لهم فالعدو دائمًا يأتي بالأشياء الخبيثة، وجبريل عليه السلام يأتي بالأشياء المنزلة من الله عز وجل فهو يعني يأتي بأشياء الخير. الشيخ: كأنه جواب يكون عِلّة للحكم؛ يعني فالمعنى مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلفإنه ليس فيه من أوصاف ما يعادَى عليه إلا أنه نزله على قلبك، وهذا لا ينبغي أن يكون سببًا للعداوة. وفي البلاغة يقولون: تأكيد الذم بما يشبه المدح، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، هذا شبيه به، ويقول الشاعر:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
بِهِنَّ فُلُولٌ مِــــــــــــــــنْ قِرَاعِ الْكَتَـــــــــــــــــــــائِبِ
ما بهم عيب إلا هذا، وهذا عيب ولّا مدح؟ الطلبة: مدح. الشيخ: مدح، لكن تأكيد الذم بما يشبه المدح. إذن فالصواب أن هذا هو جواب الشرط. وقوله: عَلَى قَلْبِكَلماذا اختير القلب؟ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَما قال: عليك؟ لماذا خص القلب؟ الطالب: لأنه موضع العلم موضع.. الشيخ: الوعي، موضع الوعي والفهم. قوله تعالى: بِإِذْنِ اللَّهِالمراد بإذن الله هنا؟ الطالب: بأمر الله. الشيخ: بأمر الله؟ صح. الطالب: لا يصح بمشيئته؟ الشيخ: يصح (...) الأمر المراد بالمشيئة. الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وإذن شرعي، فما تعلق بالأحكام الشرعية فإنه إذن شرعي؛ إذن الله نوعان: شرعي وقدري، فما تعلق بالأحكام الشرعية فهو شرعي، وما تعلق بالأحكام الكونية كالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك فهو إذن قدري، قال الله تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩] أيش هو؟ شرعي ولّا قدري؟ الطلبة: شرعي.
الشيخ: شرعي؛ لأنه قدرًا قد أذن لهم؛ لأنهم فعلوا هذا، حرَّموا ما شاؤوا وأباحوا ما شاؤوا. أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] طالب: شرعي. الشيخ: شرعي، وأيش الدليل على أنه شرعي؟ الطالب: قوله: شَرَعُوا. الشيخ: قوله: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِوأيضًا هو قدرًا مأذون فيه، هذا الذي شرعوه من الدين قدرًا مأذون فيه ولو لم يُؤذن ما وقع، لو لم يأذن فيه قدرًا ما وقع، فهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله شرعًا ولكنه أذن به قدرًا.
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] ما قولكم في هذا الإذن شرعي ولّا كوني قدري؟
الطلبة: كوني وشرعي. الشيخ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِهذا كوني؛ لأنه يتعلق بالتدبير والفعل يَشْفَعُفعل يتعلق بإذن الله وقضائه، فيكون المراد بالإذن هنا الإذن الكوني القدري. الفرق بينهما من حيث المعنى ومن حيث الأثر، قلنا: من حيث المعنى ما تعلق بالأحكام الشرعية فهو إذن شرعي، وما يتعلق بالأمور الكونية فهو إذن كوني. الفرق بينهما من حيث الأثر: الإذن الشرعي يقع فيه المأذون وقد لا يقع، أما الإذن الكوني فلا بد أن يقع. الفرق الثاني أيضًا من (...): الإذن الشرعي يكون مما رضيه الله وأحبه وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] والإذن الكوني قد يكون مما يرضاه الله، وقد يكون مما لا يرضاه الله، مفهوم يا جماعة؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: هنا اللي عندنا بالآية: نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِأي القسمين هذا؟
الطلبة: القدري. الشيخ: القدري، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِمُصَدِّقًاحال، حال من أين؟ من الضمير في قوله: نَزَّلَهُيعني: نزله حال كونه مصدقًا لما بين يديه، وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي لما سبقه؛ لأن ما بين يديه قد تقدمك، والمراد بما بين يديه التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب التي أخبرت عن نزول القرآن، وتصديق القرآن لها له وجهان: الوجه الأول: أنه شهد لها بالصدق ولّا لا؟
والوجه الثاني: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به، فقد صدقها وقوعًا؛ لأنها هي أخبرت بهذا القرآن فجاء مصدقًا لها. وقوله: وَهُدًىمعطوفة على مُصَدِّقًاهُدًى، والهدى معناه الدلالة أي دلالة، وقد يراد به التوفيق، والقرآن كذلك هداية بمعنى دلالة وبمعنى توفيق، فإن الله تعالى يقول: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة: ١٦] وهذه هداية التوفيق بلا ريب؛ لأن هداية الدلالة لمن اتبع رضوان الله ولمن لم يتبع، لكن هداية التوفيق لا تكون إلا لمن اتبع رضوان الله. وقوله: هُدًى وَبُشْرَىبُشْرَىأي بشارة، والبَشارة الإخبار بما يسُر، وقد تأتي في الإخبار بما يضر مثل قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]. وقوله: لِلْمُؤْمِنِينَالمراد بالإيمان هنا الإيمان الشرعي لا الإيمان اللغوي الذي هو مشهور بين الناس وهو مجرد التصديق على أن الإيمان في الحقيقة ما هو ليس مطابقًا للتصديق، ولذلك يختلف مع التصديق في المتعلق، فالإيمان يقال: آمن به، ولا يقال: صدَّق به، أو يقال؟ طالب: لا.
الشيخ: صدق به لكن ما هي مثل.. ليست على غرار آمن به، لها معنى آخر، ثم إن الإيمان يدل على أمن واستقرار، ولهذا قال بعض العلماء: إنه يكون في الأمور الغيبية دون الأمور المحسوسة، وهذا قد يكون فيه نظر؛ لأن قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال الله له: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] فهنا ازداد قلبه بأمر محسوس، وأيضًا يقول الله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣] فدل هذا على أن الإيمان قد يكون بما يشاهَد، وإلا لم يكن لقوله: بِالْغَيْبِفائدة. على كل حال الإيمان هنا هو في الحقيقة: التصديق المتضمن شنو؟ للقبول والإذعان، لا بد من أن يكون متضمنًا للقبول والإذعان؛ قبول في الأخبار وإذعان في الأحكام، أما إذا لم يكن قبول ولا إذعان فليس بإيمان حتى لو، وقد ذكرنا كثيرًا من شواهد هذا بأن مجرد التصديق ليس بإيمان. هنا يقول الله عز وجل: هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينقوله: لِلْمُؤْمِنِينمتعلق بـهُدًى وَبُشْرَى، ولّا بالثاني فقط؟ طالب: بالثاني. الشيخ: إن قلنا بالثاني فلا إشكال، وإن قلنا بالأولى ففيه إشكال؛ لأن القرآن هدى للناس كما قال الله عز وجل: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: ١٨٥] وحينئذٍ إذا قلنا: إن المتعلق بهدى وبشرى بهما جميعًا فإنه يحتاج إلى بيان وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: هُدًى لِلنَّاسِ، ووجه الجمع أن يقال: إن المراد بالهداية هنا هداية الانتفاع؛ يعني ما ينتفع به ويهتدي به إلا المؤمنون، والله تبارك وتعالى يقول في القرآن عن الإنسان: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: ٣] يعني سواء كان شاكرًا أو كفورًا، فإن الله قد هداه السبيل يعني بينه له وأظهره وأوضحه، لكن من الناس من يكون شاكرًا ومنهم من يكون كفورًا. الطالب: غالبًا ما تأتي (...). الشيخ: إلا تأتي لكن مقيدة، ما تأتي إلا مقيدة. الطالب: ما الفرق بينهما؟ الشيخ: بينهما فرق كما بين الحركة والسكون، إذا قلنا: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي أنه شاهد لها بالصدق، هل معنى إنه يقول: إن هذه الكتب صادقة، وأنها من عند الله، فيقتضي أن نؤمن بها، هذا إذا قلنا: مصدقًا لها يعني شاهدًا لها بالصدق، وإذا قلنا: إنه مطابق لما أخبرت به هو معناه أنها هي أخبرت بأنه سيكون القرآن ينزل فنزل، بينهما فرق. الطالب: في الأحكام يعني (...)؟ الشيخ: هذا معروف أن إيماننا بالكتب السابقة ليس إيمان الشهداء، بل إيمان تصديق واتباع لما تقتضيه شريعتنا أن نتبعها فيه، وأما ما خالفتها شريعتنا فـ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]. الطالب: شيخ، قوله في رمضان: هُدًى لِلنَّاسِما نخص الناس بالمؤمنين؟ الشيخ: لا.
الطالب: وأيش معنى يهدي غيرهم؟ الشيخ: هداية الدلالة مثل ما تلونا عليك الآية: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا. الطالب: هذه ما فيها إشكال، لكن رمضان فيه إشكال؛ وأيش معنى يهدي غير المؤمنين؟ الشيخ: نعم، يهديهم دلالة لهم هُدًى لِلنَّاسِيعني دلالة لهم.
الطالب: القرآن يعني يعود عليه؟ الشيخ: القرآن دلالة نعم، دلالة في جميع القرآن. الطالب: يعني ما هو بيعود على الشهر؟ الشيخ: لا، ما يعود على الشهر، القرآن. قال: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ(مَنْ): اسم شرط ولّا لا، أو شرطية؟ الطالب: شرطية. الشيخ: شرطية، الدليل على ذلك جوابها فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينفهي شرطية. وقوله: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِبعد قوله: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَدليل على أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لله، وهذا يشهد له الحديث الصحيح: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» «فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» يعني معناه أعلنت الحرب عليه، فإذن وجه المناسبة لما قبلها أن من كان عدوًّا لجبريل فإنه عدو لله. وقوله: وَمَلَائِكَتِهِيعني وعدوًّا لملائكته، والملائكة جمع (ملَك)، والملك قالوا: إنه مشتق من (الأَلُوكَة) وهي الرسالة؛ لأن الله يقول: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١] فمعنى إذن ملائكة أي رسلًا، أي رسل، وقوله: وَمَلَائِكَتِهِيشير إلى أن العداوة لجبريل عداوة لجميع الملائكة؛ لأن حقيقة الأمر أن مثل هذه العداوة هي عداوة لشخص متمثلًا في جنس، متمثل في جنس، فالعدو لواحد من هذا الجنس عدو للجميع.
وقوله: وَرُسُلِهِما في ذكر في الآية الكريمة للرسل، لكن من المعلوم أن من كان عدوًّا للملائكة فهو عدو للرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الملائكة ولا سيما جبريل ينزلون على الرسل بالوحي والنصر والتأييد إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢] فاللي يكون عدوًّا للملائكة يكون عدوًّا للرسل وعدوًّا لغير الرسل أيضًا من أتباعهم. وقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَجبريل معروف، وفيها القراءات السابقة، عندي {جَبْرَئِل} {جَبْرَئِيل} القراءات السابقة. وقوله: مِيكَالَفيها قراءتان أخريان، وهي {مِيكَائِل} و{مِيكَائِيل} مثل جبريل، فاللي يكون عدوًّا لجبريل هو عدو لميكائيل أيضًا، وقد سبق أن اليهود يقولون: إن ولينا من الملائكة مَن؟ ميكائيل، وأما جبريل فهو عدونا، ولكن الله تعالى بيَّن في الآية الكريمة أن من كان عدوًّا لجبريل فهو عدو لميكائيل أيضًا؛ لأن ميكائيل وجبريل كلاهما رسول يفعلان ما أُمرا به، فكما أن ميكائيل موكل بالقطر والنبات فإن جَبرئيل موكل بأيش؟ طالب: بالوحي. الشيخ: بالوحي، فكلاهما ممتثل مطيع، فكيف تكون عدوًّا لهذا دون هذا مع أنهما سواء في عبادة الله سبحانه وتعالى والسمع له والطاعة؟! وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَهذا جواب الشرط، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَمن كان عدوًّا لله فالله عدو له، هذا المعنى، من كان عدوًّا لجبريل فالله عدو له، من كان عدوًّا للملائكة فالله عدو له، من كان عدوًّا لميكائيل فالله عدو له، وهنا قال: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَوفيه نكتة بلاغية وهي؟ طالب: الانتقال من الغيبة. الشيخ: الإظهار في مقام الإضمار، لم يقل: فإن الله عدو له لفائدتين، إحداهما لفظية، والثانية معنوية؛ أما اللفظية: فهي مناسبة رؤوس الآي، ولّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لأن كل.. لو قال: فإن الله عدو له ما تناسبت الآية مع ما قبلها وما بعدها، فلأجل تناسب رؤوس الآي جاءت: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ. فإذا قال قائل: ما دليلكم على أن الله تعالى يلاحظ أو يراعي مناسبة رؤوس الآي؟ قلنا: إنا عندنا دليل في سورة طه قالت السحرة: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠] ونحن لا نعلم لهذا فائدة إلا مراعاة رؤوس الآي، وإلا فإن موسى في كل ما ذُكر يقدم على هارون وهو أحق بالتقديم منه؛ لأنه أفضل منه، لكن في هذه الآية قدم هارون على موسى فدل ذلك على أن القرآن من بلاغته أن تتناسب رؤوس الآيات حتى لا يحصل التنافر بينها، وأحيانًا قد لا تتناسب في بعض الأحيان لكن يكون لها علة تفهم من السياق.
الفائدة الثانية معنوية: وهي تتضمن أمرين: أولًا: الحكم على أن من كان عدوًّا لله وما عُطف عليه سبحانه وتعالى فإنه يكون كافرًا؛ يعني الحكم على هؤلاء بالكفر. ثانيًا: الأمر الثاني: أن كل كافر سواء كان سبب كفره معاداة الله أو لا، فهو عدو لله، كل كافر فهو عدو لله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: ١] والمراد بهم كفار قريش، ومع ذلك هم ما هم أعداء لجبريل ما نعلم أنهم أعداء لجبريل وميكائيل وإسرافيل. إذن الفائدة، الفائدة في كونه قال: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَله فائدتان: الفائدة الأولى؟ الطالب: مراعاة رؤوس الآيات. الشيخ: نعم، وهذه فائدة لفظية. بس نشوف الثاني منها، الثانية؟
الطالب: الثانية حكم من كان عدوًّا لله. الشيخ: تتعلق بالمعنى وتحته أمران. الطالب: حكم من كان عدوًّا لله الكفر (...) الشيخ: والثاني: أن العداوة لا تختص بمن عادى الله، عداوة الله للكافر ما تختص بمن عادى الله، ولكن كل كافر فهو عدو لله سبحانه وتعالى. إذن من عادى الله وأبغضه- والعياذ بالله- أو أبغض شريعته أو رأى أنه ظالم له بما يجري عليه من أقداره فهو كافر ولّا لا؟ فهو كافر؛ لأن الله يقول: عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَفكل من عادى الله عز وجل فإنه كافر به، لو صلى وصام وزكّى وحج ما دام أنه يشعر بأن الله عدو له- والعياذ بالله- فهو كافر. إذن فهمنا من هذا أن اليهود بهذه العداوة لجبريل كانوا كفارًا، ومع ذلك فإن لهم أحكام اليهود من أخذ الجزية منهم، وإقرارهم على دينهم، وحل ذبائحهم، وجواز نكاح نسائهم، مع أن الله أثبت بأنه عدو لهم، ولكن سورة المائدة من آخر ما نزل، ولذلك قال أهل العلم: إن جميع الأحكام المذكورة في سورة المائدة مُحكمة ما فيها شيء منسوخ، كل ما فيها فهو غير منسوخ. ثم قال الله تعالى. الطالب: قوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَهو من عطف الخاص على العام؟ الشيخ: إي نعم، من عطف الخاص على العام. الطالب: إضافة الملائكة للرسل من أي أنواع الإضافة؟ الشيخ: كيف؟
الطالب: وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ؟ الشيخ: لأن مثل ما قلت: إن المعادِي لفرد من جنس يعتبر مُعاداة للجنس كله. الطالب: لا قصدي إضافة الله للملائكة لنفسه؟ الشيخ: لأنهم رسله. الطالب: إضافة عبادة؟ الشيخ: إضافة تشريف وتكريم كما قال الله تعالى: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]. وقال: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ. ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍلَقَدْتتكرر علينا كثيرًا في القرآن الكريم وقد بينا أنها؟ طالب: موطئة. الشيخ: أن اللام موطئة للقسم، وأن (قد) للتحقيق، وأنه بناء على ذلك تكون الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات. أَنْزَلْنَا إِلَيْكَالإنزال إنما يكون من الأعلى إلى الأسفل؛ وذلك لأن القرآن كلام الله، والله تعالى فوق عباده، استوى على عرشه على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، والعلو من صفاته الذاتية اللازمة له أزلًا وأبدًا، وإنكار علوه بذاته كفر؛ لأنه من الصفات الذاتية اللازمة، وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، ولهذا العقل يدرك أن الله سبحانه وتعالى في العلو، ولكنه لا يدرك أنه استوى على العرش لولا ثبوت السمع به، وقد ذكرنا فيما سبق قصة أبي المعالي الجويني، كان رحمه الله له كرسي يوم الجمعة يجلس عليه ويقرر للناس، وكان أبو المعالي الجويني من الأشاعرة من المتكلمين، وكان ينكر العلو، فقال في جملة كلامه: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه. وأيش قصده؟ إنكار أن يكون في العلو، فقال له مَنْ؟ الطلبة: أبو العلاء الهمداني. الشيخ: أبو العلاء الهمداني. قال له: أيها الشيخ، دعنا من ذكر العلو لكن ما تقول فيما يجده كل إنسان يقول: يا رب يجد من نفسه ضرورة بطلب العُلو؟ فلطم على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني؛ لأنه ما وجد عنها جوابًا، الأمور الفطرية ما يمكن الجواب عنها صح ولّا لا؟ الطلبة: صح. الشيخ: أنت الآن تجد العجوز اللي ما قرأت ولا تفهم القرآن ولا شيء عندما تدعو وين تروح بيديها؟ تذهب بها إلى فوق مع أنها ما درست ولا تفهم القرآن، لكن هذا شيء ضروري فطري، فإذن علو الله عز وجل من لوازم ذاته من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها أزله أبدًا. وقوله: إِلَيْكَ آيَاتٍآيَاتٍجمع (آية)، والآية في اللغة العلامة، لكنها في الحقيقة أدق من العلامة، العلامة تفسر بها الآية للإيضاح وإلا فإنها أدق؛ لأنها علامة بدليل يعني تتضمن العلامة والدليل، والفرق بين العلامة والدليل: إن العلامة مجرد علامة فقط، لكن الدليل مقنع للنفس موجب أن تنقاد، هذا الفرق بين العلامة المجردة وبين الدليل، في الحقيقة أن الآية علامة بدليل، وهذا العلماء رحمهم الله دائمًا يفسرون الشيء بما يقاربه وإن كان بينهما فرق مثل ما يقولون: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] وأيش معنى لَا رَيْبَ فِيهِ؟
طالب: لا شك. الشيخ: لا شك، مع أن الريب غير الشك، بينهما معنى دقيق؛ إذ إن الريب شك بقلق، لكن الشك شك مطلق ما عند الإنسان شيء يوجب أن يقلق بهذا الشك، لكن المفسرون الأشياء بما قاربها تقريبًا. إذن الآيات معناها العلامات، لكنها علامات دلائل موجبة لتصديق النفس، موجبة للتصديق، وهذه الآيات التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم كونية ولّا شرعية؟ الطلبة: شرعية. الشيخ: شرعية، والآيات آيات الله تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، فالليل والنهار والشمس والقمر هذه آيات كونية وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ [فصلت: ٣٧] فهذه آيات كونية، وأما الآيات الشرعية فهي ما أنزله الله على رسوله، وأشرفها وأعظمها هذا القرآن العظيم.
وقوله: آيَاتٍ بَيِّنَاتٍالبيِّن بمعنى الواضح؛ يعني اللي هو واضح الدلالة والعلامة، فالقرآن بيِّن، ولكن لاحظوا أنه بيِّن بنفسه ولا يلزم أن يكون مُبينًا لكل أحد، فإن من الناس من تزيده الآيات عمى كما قال الله تعالى في سورة فصلت: وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ [فصلت: ٤٤] مع أنه يقول: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١٣٨]، فالقرآن لا شك أنه بيان يُبين، لكنه لمن لم يُعمِ الله بصيرته، أما من أعمى الله بصيرته- والعياذ بالله- فإنه لا يستفيد من القرآن إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ١٣]؛ لأنه ما تأخذه بلبه وقلبه بسبب أنه ران على قلبه ما كان يكسب كَلَّاليست أساطير الأولين ولكن بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]؛ إذن هي بينات من حيث هي ذاتها، ولكن هل تكون بيانًا لكل أحد؟
نقول: من أعرض عنها واستكبر فإنها لا تكون بيانًا له وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٥] وأما من كان مقبلًا عليها حريصًا عليها يتخذها نبراسًا له، يتخذها منهجًا يسير عليه؛ فإنها بلا شك آيات بينات له ينتفع بها غاية الانتفاع. ولهذا قال: وَمَا يَكْفُرُ بِهَاأي بهذه الآيات البينات إِلَّا الْفَاسِقُونَووَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [البقرة: ٩٩]. هنا الكفر بمعنى الستر على سبيل التقريب، لكنه مُضمّن لمعنى الجحد، ولهذا تعدى بالباء فقيل: كفر به، وأما الستر فإنه يتعدى بنفسه وسترها، سترته، لكن الكفر هنا يُعدَّى بالباء؛ لأنه يتضمن معنى الجحد، وكل جحد فهو ستر بلا شك. وقوله: إِلَّا الْفَاسِقُونَالفاسق الخارج عن الطاعة؛ لأن الفسق معناه الخروج عن الطاعة، ولكن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسق يُراد به فسق الكفر، وفسق يراد به ما دون ذلك، قال الله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات: ٧] هنا الفسق غير الكفر؟ غير الكفر، والدليل على ذلك: عطفه عليه، والأصل في العطف التغاير، لكن قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا [السجدة: ١٦ - ١٨].
المراد بالفسق هنا فسق الكفر، والدليل قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة: ٢٠]. هنا ما يكفر بآيات الله، أي المراد، وهنا (ما) عاملة ولّا لا؟ طالب: لا ما هي عاملة. الشيخ: وأيش السبب؟ الطالب: (...) الشيخ: (...) أن تكون منوطة. (...) فهي كقوله تعالى: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [المؤمنون: ٢٤] فما رأيك هل توافق على رأيه؟ الطالب: ما أدري. الشيخ: نحن قرأنا هذا. الطالب: هذه دخلت على الجملة الفعلية فليست. الشيخ: فليست من هذا الباب صح، هذه ليست من هذا الباب أصلًا؛ لأن ما الحجازية تدخل على المبتدأ والخبر على الجمل الاسمية، فهذه ليست من هذا الباب أصلًا. الطالب: ما يصير المبتدأ جملة؟ الشيخ: لا ما يصير، اللي يأتي مفردًا يأتي ويأتي جملة: الخبر، وهذه في بعض الأحيان يعطي الإنسان السؤال يشوف يعني يعطي نظر المسؤول. الطالب: فيه شُبهة الآن يروجوها أن الأرض كروية، وبناءً على هذا بعض الناس اللي يعتقدون هذا الاعتقاد يقولون: إذا كانت الأرض كروية مثلًا أنا هنا في السعودية فالله فوق أروح أمريكا كروية الشكل، الأرض كروية يكون تحت، فالله معناه يكون تحت؟ الشيخ: أصلها الأرض ليست بالنسبة إلى الله بشيء السماوات السبع والأرضين السبع كما قال ابن عباس: فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ كَخَرْدَلَة فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ ، ومن هذه العظمة لا يتصور أن يكون شيء فوقه أبدًا، هذه ليست بشيء بالنسبة إلى الله، لله المثل الأعلى، لو فُرض أن تحت قدمك بيضة فهل أنت مهما كان ما تكون تحتك؟ هذا خطأ، وأما مسألة أن الأرض كروية فلا شك أن الأرض كروية، إي نعم الأرض كروية؛ لأن القرآن يدل على ذلك، وكذلك كلام أهل العلم يدل على هذا، الفقهاء رحمهم الله، فأما القرآن فقال الله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ [الانشقاق: ١ - ٤] متى هذا إذا الأرض مدت؟ الطلبة: يوم القيامة. الشيخ: يوم القيامة، إذن الآن ليست ممدودة، ما مُدَّت فهي مُكوَّرة. وكذلك قال الله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: ٥]، ومعلوم أن الليل والنهار يتعاقبان على الأرض، وأما كلام أهل العلم فإنهم قالوا: لو مات رجل في المشرق عند غروب الشمس ومات رجل في المغرب عند غروب الشمس ورث الذي في المغرب الذي في المشرق، مع أنهما ماتا عند غروب الشمس تمامًا، كل واحد لما غربت الشمس طلع فوق، وهذا دليل على أيش؟ طالب: الكروية. الشيخ: على أن الأرض كروية؛ لأنه لو لم تكن كذلك لكانت الشمس تغيب عن الأرض جميعها مرة واحدة، وهذا في الحقيقة ما فيه جدال، الآن الناس صاروا يجادلون في مسألة حركة الأرض ودوران الأرض، وهذا لا شك أنه من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان أن يُضيع الأوقات ويتعب الأفكار في إثباته أو نفيه، نحن نقول: الحمد لله الذي جعل الأرض راسية قرارًا لمصالحنا ومنافعنا. طالب: ومن السنة كمان يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، مثل؟ الطالب: (...) يسمعهم الداعي (...). الشيخ: إيه، في يوم القيامة مثل الآية وأيضًا الرسول قال: «تُمَدُّ مَدَّ الأَدِيمِ» يوم القيامة. أَوَكُلَّمَاالهمزة هنا للاستفهام والواو للعطف، ومثل هذه الصيغة متكررة في القرآن كثيرًا، وقد اختلف النحويون فيها على قولين: فمنهم من يقول: إن الهمزة داخلة على مقدّر. نقول: منهم من يرى أن المعطوف عليه محذوف مقدر بما يناسب المقام فيقول مثلًا: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْإلى آخره، أينقضون العهد وكلما عاهدوا عهدا نبذه، هذا وجه، والوجه الثاني يقول: إن الهمزة للاستفهام، وأن الواو للعطف، وأصل الواو قبل الهمزة، وهذا الرأي لا يحتاج قائله إلى تقدير، ويقول: إن الأصل: وأكلما عاهدوا عهدًا (وأكلما) فلا يحتاج إلى تقدير، وهذا لا شك أنه أيسر، والأول أقعد؛ يعني من جهة القواعد العامة في النحو الأول أقعد، لكن هذا أيسر، لماذا؟
لأنه لا يحتاج إلى تكلف المقدر، وأحيانًا يصعب على المرء أن يقدر شيئًا يناسب المقام، وما دام هذا أسهل فإنه ينبغي أن يكون هو المعتمد، ويصير التقدير أن الهمزة مؤخرة بعد حرف العطف، ونقول: أَوَكُلَّمَاأي: وأكلما عاهدوا عهدًا، أما (كلما) فإنه أداة شرط تفيد التكرار، أداة شرط تفيد التكرار؛ يعني تكرار الشرط جوابها بتكرر شرطها، ولهذا لو قال القائل لزوجته: كلما كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق مثلًا، وقلنا بصحة هذا التعليق، فإنها كلما كلمته طلقت، إذا كلمته مرة طلقت، إذا كلمته الثانية طلقت، إذا كلمته الثالثة طلقت، بخلاف (إن) إذا قال: إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق، فهي ما تطلق إلا مرة واحدة. هنا يقول الله: كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًاوالعهد الميثاق الذي يكون بين الطوائف سواء كان ذلك بين أمة مسلمة وأمة كافرة، أو بين أمتين مسلمتين، أو بين أمتين كافرتين، والضمير في عَاهَدُوايعود على اليهود كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُوالنبذ بمعنى الطرح والترك؛ أي نبذوا هذا العهد وطرحوه ولم يفوا به، وهذا هو حال بني إسرائيل لا مع الله ولا مع عباد الله، فالله تعالى أخذ عليهم العهد والميثاق، ومع ذلك نبذوا العهد والميثاق، والنبي عليه الصلاة والسلام عاهدهم، ومع ذلك نبذوا عهده، عاهدهم لما قدم المدينة وإذا فيها ثلاث طوائف: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، فعاهدهم النبي عليه الصلاة والسلام كلهم نقضوا العهد، ولكن كانت الدائرة عليهم، فهنا يقول: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْفَرِيقٌجماعة، مِنْهُمْأي من هؤلاء اليهود، وإنما قال: فَرِيقٌ مِنْهُمْ؛ لأن من اليهود من لم ينقض العهد بل وفى به، بل أسلم ودخل في الإسلام، ولكن غالبهم نبذه، ولهذا قال: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَوهذا الإضراب ليس للإبطال، ولكنه للانتقال من وصف إلى وصف، من وصف نقض العهد ونبذه إلى وصف عدم الإيمان، فعليه يكون هذا الإضراب إثباتًا لما قبله بـ (بل) وزيادة وصف وهو: أن أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَوقوله: لَا يُؤْمِنُونَلأن المؤمن حقيقة لا بد أن يفي بالعهد كما قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤] وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن آية المنافق ثلاث منها: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ» . بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَولو أنهم آمنوا ما نقضوا العهد الذي بينهم وبين الله أو الذي بينهم وبين عباد الله، وهذا من الأوصاف الذميمة التي من اتصف بها من هذه الأمة كان فيه شبه من اليهود الذي كلما عاهد غدر، ومن المنافقين في هذا العمل وهو أيضًا مشابه لليهود حيث إن هذا دأبهم. الطالب: فيه ناس صالحون يورد للكفار ويجيبوا يعني يقول هادول اللي بنى بالعمارة أحسن من المسلمين؛ يعني يقول: أهل أمانة ولا يخونون؟ الشيخ: إيه، هذا من تزيين الشيطان، هذا من تزيين الشيطان لهم، وهؤلاء وإن كانوا مؤتمنين من حيث العمل الفردي الخاص، لكنهم غير مؤتمنين من حيث الأمة الإسلامية عمومًا؛ لأن دولا جواسيس للنصارى، ثم إن كل درهم نبذله لهؤلاء ففي الحقيقة أننا نبذله ليقيموا به رصاصة تكون في نحور المسلمين خصوصًا الشرقيين مثل الفلبيين؛ لأنهم الآن الحرب بينهم وبين المسلمين قائمة، ومع ذلك نأتي بهم، ثم إنه مهما كان الأمر لو فرض أن هؤلاء يريدون أن يُحسنوا المعاملة بينهم وبين الناس لأجل أن يسكتوا؛ لأنهم لو ساءت معاملتهم بينهم وبين الخلق ما أحد (...) يقول: حشف وسوء كيله، لكن هم يقولون: نحن نحسِّن المعاملة لأجل أن نرغب، فهذه سياسة وخيانة مكر، فالواجب على المسلم أن يكون حذرًا، ولا ينبغي لمسلم أن يعرف كراهة النبي عليه الصلاة والسلام بوجود اليهود والنصارى في هذه الجزيرة ثم يذهب يجلبهم، وهو الذي يقول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ويقول فيما ثبت في صحيح مسلم: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» . وفي السنن أنه قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» كيف الرسول يقول: أخرجوهم وإحنا نجيبهم؟! ولذلك حصل منهم مفاسد عظيمة الآن، وهم إذا كثروا يبغوا يطالبون بحقوق، يطالبون مدارس، ويطالبون بالكنائس، ويطالبون بكل ما يكون لهم في البلاد الأخرى. طالب: المسيحية اللي بتجيبوها من مصر وهذا داخلين فيها؟ الشيخ: داخلين فيها أيوه، والمسيحيون من العرب قد يكونون أخبث من المسيحيين من غيرهم. قال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ. الطالب: فضيلة الشيخ، كلما، قولنا: كلما كلمت زيدًا فأنتِ طالق ما يصح يعني يقول: إذا استمريت في تكليم زيد فأنت طالق؟ الشيخ: لا، كلما وقع منها كلام؛ يعني لو كلمته ثلاث مرات طلقت ثلاث. الطالب: يعني هي تدل على استمرار الجواب كلما؟ الشيخ: لا لا، تدل على وقوع الشرط وتكراره. الطالب: استمرار وقوع الشرط؟
الشيخ: نعم، وقوع الشرط وجوابه. فيه عند الناس الآن أسلوب خطأ في اللغة العربية وهو أنهم إذا جاؤوا بـ(كلما) يكررونها في الجواب فيقولون: كلما جاء زيد كلما جاء عمرو، كلما حصل كذا كلما حصل كذا، هذا خطأ في أسلوب العرب، ويعتبر لحنًا؛ لأن إذا قال:كلما كان كذا كلما كان كذا صار الآن كرر أيش؟ كرر الشرط، ولم يأتِ بالجواب، والجواب ما يحتاج إلى أن تأتوا بالأداة مرة ثانية.
وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَوَلَمَّا جَاءَهُمْلَمَّاهذه شرطية، وقد تقدم لنا أنها تأتي على أربعة أنحاء في اللغة العربية؛ شرطية، ونافية، وبمعنى إلا، وبمعنى حين (لما)، وهنا شرطية وقوله: رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِهذه صفة للرسول؛ يعني رسول مرسل من عند الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْمصدق للذي معهم من التوراة إن كانوا من اليهود، ومن الإنجيل إن كانوا من النصارى، والحديث في الآيات كلها عن اليهود.
وقوله: مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْتقدم أن تصديق القرآن لما سبقه من الكتب له ناحيتان أو وجهان: الوجه الأول: أنه جاء مصدقًا لما أخبرَت به من نزوله، فإن الكتب السابقة أخبرت بنزول القرآن فجاء تصديقًا لها، والثاني: أنه شاهد لها في الصدق، وأنها من عند الله، فهذا إذن كان على اليهود والنصارى أن يفرحوا بهذا القرآن؛ لأنه مؤيد لما معهم، ولكن الأمر كان بالعكس نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِنَبَذَهذه الجملة جواب الشرط في قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْوالنبذ بمعنى: الطرح. فَرِيقٌجماعة أُوتُوابمعنى أعطوا وأما (أتوا) بدون واو بمعنى جيء إليه، فـ (أتى) و(آتَى) بينهما فرق، آتى بمعنى أعطى، وأتى بمعنى جاء. وهنا أُوتُوابمعنى أُعطوا، الْكِتَابَمفعول ثاني لأوتوا، ومفعولها الأول الواو التي هي نائب الفاعل (أوتوا)، وهذه (آتى) من باب (ظن وأخواتها) ولا أيش؟
طالب: لا. الشيخ: من باب أيش؟ طالب: اسم مرة. الشيخ: لا، من باب كسا، عندكم ابن مالك يقول:
وَالثَّانِ مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَيْ كَسَا
............................
فهو من باب (كسا) يعني ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعولان هنا الأول (الواو) اللي هي نائب الفاعل، والثاني (الكتابَ). وقوله: أُوتُوا الْكِتَابَ(أل) هنا للعهد الذهني، وهو بالنسبة لليهود التوراة، وبالنسبة للنصارى الإنجيل. وقوله: كِتَابَ اللَّهِكتاب مفعول نبذ، والمراد بكتاب الله هنا القرآن، وأُضيف إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه المتكلم به، وسُمي القرآن كتابًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بأيدي البشر. كِتَابَ اللَّهِوإضافته إلى الله؛ لأنه كلام الله، فالقرآن الذي نقرؤه الآن هو كلام ربنا تبارك وتعالى، تكلم به حقيقة بلفظه ومعناه، وسمعه منه جبريل، ثم أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم حتى وعاه وأداه إلى الصحابة، والصحابة أدوه إلى التابعين، وهكذا حتى بقي إلى يومنا هذا ولله الحمد. وقوله: كتاب الله نبذوه وَرَاءَ ظُهُورِهِمْطرحوه وراء الظهر، وهو عبارة عن الانصراف التام عنه؛ لأنهم لو نبذوه أمامهم لكان من الجائز أن يكونوا يأخذون به، أو عن اليمين، أو الشمال، لكن من ألقاه إلى وراء ظهره كان ذلك أبلغ في التولِّي والإعراض عنه، وعدم الرجوع إليه؛ لأن الشيء إذا خُلِّف وراء الظهر فإنه لا يُرجع إليه، كما أن فيه أيضًا -والعياذ بالله- إهانة أو استهانة بالقرآن، فإن الشيء الذي يُلقى وراء الظهر، هذا غاية ما يكون من الإهانة له، فصار التعبير بوراء الظهور يدل على أمرين؛ أحدهما: أنه لا مطمع في رجوعهم إليه، كذا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لأن اللي وراء ظهرك ما ترجع إليك، اللي أمامك يمكن إذا وصلت أخذت به، لكن وراء ظهرك هذا إعراض كلي لا مطمع في الرجوع إليه، والثاني: أنه يدل على الاستهانة به واحتقاره، وأنه ليس بشيء عند هؤلاء والعياذ بالله، فهم نبذوه وراء ظهورهم كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَكَأَنَّهُمْ(كأن) لها معنى ولها عمل، عملها أيش؟ طالب: عمل (إنَّ). الشيخ: عمل (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر، وأما معناها فهو هنا التشبيه؛ يعني كأنهم في نبذهم لكتاب الله لا...