تفسير سورة البقرة - ١٧
درس صوتي · ٩٣:٠٧
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩١]. يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُهنا أبهم القائل؛ لأنه لا يتعين في شخص معين، قد يكون القائل الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يكون القائل أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم؛ فلهذا قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْفحذف الفاعل هنا ليكون أشمل وأعم.
آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُالإيمان يراد به التصديق مع القبول والإذعان، وليس كل من صدق يكون مؤمنًا حتى يكون قابلًا مذعنًا، والدليل على ذلك: أن أبا طالب كان مصدقًا ولم يكن مؤمنًا؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن، إذن آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُأي: صدقوا به مع قبوله والإذعان له. وقوله: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُمَااسم موصول، والمراد به القرآن العظيم، وأَنْزَلَأي: من عنده، وهو دليل على أمرين مهمين: الأمر الأول أن القرآن كلام الله، ووجه ذلك أن القرآن كلام، والكلام ليس عينًا قائمة بذاتها، بل هو صفة في غيره، فإذا كان صفة في غيره وهو من عند الله لزم أن يكون كلام الله.
وفيه أيضًا دليل -المسألة الثانية المهمة-: علو الله سبحانه وتعالى، وعلوه من لوازم ذاته؛ ولهذا كان العلو صفة ذاتية، من الصفات الذاتية التي لا ينفك الله عنها أزلًا وأبدًا، بخلاف الاستواء على العرش، فإنه من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته؛ ولهذا قال: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] (ثم) تفيد؟
طالب: التعقيب. الشيخ: الترتيب، فدل ذلك على أنه حين خلق السماوات والأرض ليس مستويًا على العرش، أما العلو فإنه من لوازم ذاته سبحانه وتعالى، وقد دل على علوه -كما مر علينا في العقيدة-: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أدلة كلها تدل على علو الله سبحانه وتعالى بذاته كما أنه عالم بصفاته، فيفيد علو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إذا كان كلامه وهو نازل دل ذلك على أن المتكلم به عالٍ. وقد مر علينا أن علوه لا ينافي معيته، ولا ينافي نزوله إلى السماء الدنيا، فإنه ينزل إلى السماء الدنيا مع كونه عاليًا على خلقه، ولا يمكن أن نظن أن ذلك متناقض، هذا متناقض بالنسبة للإنسان أنه لا يكون عاليًا وهو نازل، أما بالنسبة للخالق عز وجل فإنه لا يزال عاليًا، وينزل سبحانه وتعالى كيف يشاء، لا نقيسه بخلقه ولا نتخيل صفاته، ولا نسأل عنها أيضًا عن كيفيتها، السؤال عنه -كما قال الإمام مالك- السؤال عن ذلك بدعة .
قَالُواهذا جواب إِذَاإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُلم يقل أيضًا: في القرآن، بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ ليكون ذلك أقوى في الحجة عليهم؛ لأنه نازل من أين؟ من الله والنازل من الله يجب الإيمان به، لكن الجواب قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَاهذا الجواب، وهذا الإثبات يتضمن نفي القيل الذي قيل لهم، كأنهم يقولون: لا نؤمن به، ولكن نؤمن بما أنزل علينا، أفهمتم يا جماعة؟ الطلبة: نعم. الشيخ: إذن تضمن هذا القول منهم نفي حق ودعوى حق، أما نفي الحق فهم نفوا أن يؤمنوا بما أنزل الله؛ لأن قولهم: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَامعناه يعني: ولا نؤمن بما أنزل الله، وأما دعوى الحق فهم يقولون: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَاوهذه دعوى؛ إذ لو كانوا يؤمنون بما أنزل عليهم حقيقة لآمنوا بهذا الذي أنزل الله؛ لأن كتبهم النازلة تصدق هذا الكتاب النازل، فلو آمنوا بها حقًّا لآمنوا بهذا القرآن، إذن صاروا مكذبين بالحق ومدعين للحق وهم كاذبون في دعواهم، مبطلون في تكذيبهم، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: وسيقيم الله عز وجل حجة عليهم في آخر الآية بينة يقرون بها هم. قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَافمثلًا النصارى يقولون: نؤمن بما أنزل علينا يعنون به: الإنجيل، واليهود يعنون به: التوراة، وكلتا الطائفتين كاذبتان، ما آمنوا بما أنزل عليهم. ثم قال: وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهأي: بما سواه، ووراء تأتي بمعنى سوى، وراءه أي: سواه، منها هذه الآية يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهأي: وراء ما أنزل عليهم. وما الذي يراد بما وراءه؟ القرآن، القرآن بالنسبة للطائفتين، والقرآن والإنجيل بالنسبة لليهود؛ لأن اليهود أيضًا ما آمنوا بالإنجيل، اليهود يزعمون أنهم قتلوا من أتى بالإنجيل وهو عيسى ابن مريم.
وقوله: يَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًاجملة وَهُوَ الْحَقُّحال من مَافي قوله: بِمَا وَرَاءَهُأي: والحال أن هذا الذي وراءه وهم يكفرون به وهو الحق، والحق معناه: الثابت، وضده الباطل، الباطل هو الضائع سدًى الذي لا يستفاد منه، أما الحق فهو الثابت المفيد النافع، وهذا بلا شك هذا الوصف ينطبق على القرآن. وقوله: مُصَدِّقًاحال أيضًا من؟ مِن (هو) أي: الضمير، يعني: وهو حال كونه مصدقًا لما معهم، مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْذكرنا أن في تفسيرها وجهين: الوجه الأول: أنها أخبرت به، فجاء مصداقًا لها، ولَّا لا؟ هذا يكون مصدق. وثانيًا: أنه يصدقها ويخبر بأنها حق؛ ولذلك كان من منهاج هذا القرآن: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]، واليوم الآخر، فهو إذن مصدق لما سبق من وجهين: الوجه الأول: أنه جاء مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت به فصدقها، ما ظنكم لو لم يأت؟ لكان تكذيبًا فمعنى ذلك أن الكتب السابقة كذبت وحاشاها من ذلك، ولكنه جاء مصدقًا لها، وثانيا: أنه يقول عنها: إنها صدق، ويثبت نزول التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، ويوجب الإيمان بها أيضًا. وقوله: لِمَا مَعَهُمْوأيش اللي معهم؟ التوراة والإنجيل، النصارى يؤمنون بالإنجيل والتوراة، واليهود يؤمنون بالتوراة ويكفرون بالإنجيل؛ ولذلك كانوا شرًّا من النصارى. الآن يقول في إقامة الحجة عليهم: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِقُلْ فَلِمَالخطاب في قوله: قُلْإما للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصح خطابه، فإن كانت للرسول عليه الصلاة والسلام كان قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْيكون المبهم من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبهمه لأجل أن يعرف أن ما قاله فهو قول المؤمنين به، وهذا من بلاغة القرآن، شوف صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] النعمة أضافها إلى الله وحده، والغضب جاء بالإبهام؛ لأن الله إذا غضب على قوم غضب عليهم كل من كان لله وليًّا؛ فلهذا قال: الْمَغْضُوبِ. إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواإذا قلنا: إن الخطاب في قوله: قُلْللرسول صلى الله عليه وسلم، وكان هو الذي يقول آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُصار إبهامه هنا لفائدة، وهو أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا يقوله أيضًا كل مؤمن به، إي نعم. أما إذا قلنا: إن الخطاب في قوله: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِلكل من يصح خطابه صار الإبهام في الأول ليس عائدًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وحده. قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ، لِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ، اللام حرف جر، أو لا؟ اللام يا إخواني اللام؟ طالب: الفاء حرف جر. الشيخ: الفاء حرف عطف، واللام حرف جر. طالب: (...). الشيخ: ولماذا أيضًا اللام حرف جر، وين أنتم؟ (...) (لِمَ) لِمَ تفعل كذا، أنا أقول لك الآن: لم تفعل كذا؟ وأيش تصير اللام؟ اللام حرف جر، مم تغضب؟ الميم حرف جر، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ: ١] (عن) حرف جر، لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢] اللام حرف جر، لِمَ تَقْتُلُونَاللام حرف جر.
طالب: (...). الشيخ: أصلها (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وجب حذف ألفه، ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر وجب حذف ألفها، تقول: (لِمَ)، و(فِيمَ)، قالوا: ففيم العمل يا رسول الله؟ و(عمَّ)، و(علَامَ)، و(مِمَّ)، و(حتَّامَ)، و(إلِامَ)، واضح الآن؟ اللام حرف جر.. طالب: (...). الشيخ: (...) اللام حرف جر. فاللام حرف جر، وما اسم استفهام حذف منه الألف للتخفيف، و(حتّامَ) كيف نكتب (حتى) في هذه الحال نكتبها بالألف ما هو بالياء، فتكون (حتى ما) مثل حتَّامٌ؟ (إلام) كيف نكتب إلى؟ لام ألف ما نكتبها بالياء مثل العادة، لام ألف (إلام)، علام؟ نكتب علا بالألف ما نكتبها بالياء مثل العادة، تصير مثل علَّام، والميم بدون ألف.
لِمَ تَقْتُلُونَاللام هذه في الحقيقة للتحدي والإلزام، يعني: إذا كنتم صادقين في قولكم: نؤمن بما أنزل علينا، فلم تقتلون أنبياء الله؟ هل هذا مؤمن اللي يقتل النبي؟ هل الذي يقتل النبي مؤمن به يا جماعة؟ لا أبدًا، وأيش تقتلون أنبياء الله وأنتم مؤمنون به؟ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِفيها قراءتان: {أَنْبِئَاءَ اللَّهِ} بالهمزة وأَنْبِيَاءَ اللَّهِبالياء، مثل النبي والنبيء، النبيء جمعه أنبئاء، والنبي أنبياء. كما أن قوله: وَهُوَ الْحَقُّ؛ لأن هذا على القاعدة ما هي خاصة بهذا يعني: وَهْوَ الْحَقُّفيها قراءة بالتسكين. طالب: أنبئاءُ؟ الشيخ: أَنْبِئَاءَبالفتح طالب: (...).
الشيخ: (...). أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُأي: من قبل هذا القرآن، وقوله: مِنْ قَبْلُنريد نسأل من هذه وأيش حرف جر؟ طالب: لا. الشيخ: مِن حرف جر، مِن؟
الطالب: لو جر جرت اللي بعدها. الشيخ: (...). طالب: (...).
الشيخ: يمكن في حرف جر ولا يجر؟ تعرف الونش الآن، الونش ما هو بيحمل ولو حتى لو شيء كبير (...) ويش تقول؟ طالب: حرف جر. الشيخ: حرف جر، بقي عندنا إشكال عاد، لماذا لم تجر مِنْ قَبْلُ؟ طالب: لأنه حذف المضاف إليه وبنيت على الضم ونوي المعنى المراد.
الشيخ: حذف المضاف إليه ونوي معناه، فهي إذن مبنية على الضم، كذا؟ وقلنا لكم: إن قبل وبعد، إما أن يذكر المضاف إليه، أو يحذف وينوى معناه، أو يحذف وينوى لفظه، أو يحذف ولا ينوى لفظه ولا معناه، إذا حذف ولم ينو لفظه ولا معناه فهي منونة على حسب العوامل، وإذا حذف ونوي لفظه فهي على حسب العوامل غير منونة، وإذا حذف ونوي معناه فهي مبنية على الضم، وإذا أضيفت فهي على حسب العوامل وغير منونة، واضح؟ طالب: التقدير ما معناه؟ وأيش التقدير؟ الشيخ: التقدير: من قبل ذلك. مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(إن) هذه شرطية و(مؤمنين) أي: في دعواكم الإيمان، تقولون: نؤمن بما أنزل علينا، فلم تقتلون أنبياء الله إن كنتم مؤمنين؟ وهذه الجملة لتكذيبهم. وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(إن) هذه شرطية فأين جواب الشرط؟ هذه ترد في القرآن كثيرًا، فمن الناس من يقول: إن جواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، يعني: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلون، ومنهم من يقول: إنها في مثل هذا لا تحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب إنما يحتاج إليه لبيان معنى، والمعنى هنا واضح بدونه، وإلى هذا ينحو ابن القيم رحمه الله ويقول: إن مثل هذا لا يحتاج إلى جواب؛ لأن الجواب إنما يحتاج إليه لبيان المعنى وهنا يتبين المعنى بدونه، وقد ذكر ابن القيم أن هذا جارٍ حتى في جواب القسم، يعني أن القسم قد لا يحتاج إلى جواب إذا كان المعنى مفهومًا، وذكر هذا البحث في كتابه التبيان في أقسام القرآن. طالب: على قول الشيخ (...). الشيخ: جواب القسم قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، إذن هذه الآية.. طالب: (...) الشيخ: نعم هو الراجح.
طالب: (...) الشيخ: يمكن، على كل حال (...) إذا كان الجواب مفهوم (...). نأخذ الفوائد الآن: أولًا: قال الله عز وجل: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا يستفاد من هذه الآية: أن الكفر خصلة ذميمة، ولو ترقى به الإنسان إلى مآربه في الدنيا؛ لقوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا، كذا؟ الفائدة الثانية: أن كفر بني إسرائيل ما هو إلا بغي وحسد؛ لقوله: بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه. الفائدة الثالثة: أن من رد الحق من هذه الأمة؛ لأن فلانًا الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به، فقد شابه اليهود، فهمتم يا جماعة؟ يوجد بعض الناس إذا نصحه إنسان ودله على الحق وهو يحتقر هذا الإنسان ما يراه شيء (...) ثم يرده لماذا؟ لأنه جاء من قبله، ولو جاء من قبل فلان وفلان آخر لقبله، نقول: هذا الذي على هذه الحال فيه شبه من أين؟ من اليهود.
الفائدة الرابعة: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال ولَّا لا؟ يعرف الحق بالحق، فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتبعه، من أيٍّ كان مصدره، لا تقل: والله هذا جاء به إنسان أقل مني علمًا، أو أخشى إني أقبل من هذا الرجل يصير له -مثلًا- فخر واعتزاز وما أشبه ذلك، اقبل الحق للحق، لا لأنه جاء به فلان وفلان. الفائدة الخامسة: أن العلم من أعظم فضل الله عز وجل؛ لقوله: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، ولا شك أن العلم أفضل من المال، وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم وفضل المال، فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين، الخلفاء السابقون طوي ذكرهم، والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم ولَّا لا؟ بقي ذكرهم، هم يدرسون الناس وهم في قبورهم وأولئك الخلفاء نسوا، اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة يذكره من يعرفه، يذكره من يعرف أن ها المآثر لفلان، فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال؛ لقوله: مِنْ فَضْلِهِ.
الفائدة التي تليها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: عَلَى مَنْ يَشَاءُوالمشيئة هي الإرادة ولَّا لا؟ لا ما هي الإرادة، المشيئة بعض قسم الإرادة، قسم من الإرادة، وهي الإرادة الكونية، أما الإرادة الشرعية فليست من المشيئة. الفائدة التي تليها: أن الله سبحانه وتعالى يمن على من يشاء من عباده، بمعنى أريد أن أقول: إن هذا الفضل الذي ينزله الله لا يجعل المفضل به ربًّا يعبد، بل هو من العباد حتى ولو تميز في الفضل؛ لقوله: مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه. ترى هذه الفائدة لها فروع، نوضحها نقول: إن من آتاه الله الفضل لم يخرج به عن أن يكون عبدًا، إذن لا يرتقي إلى منزلة أيش؟ الربوبية، فالرسول عليه الصلاة والسلام عبد من عباد الله، ولَّا لا؟ عبد من عباد الله، ما نقول: إنه لما نزل عليه الوحي يرتفع حتى يكون ربًّا يملك النفع والضرر ويعلم الغيب، لا. أيضًا يتفرع عنها: أن من آتاه الله من فضله -خصوصًا في مسائل العلم- ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره، السبب؟ لأن الله تعالى أعطاه من فضله، فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره، أليس كذلك؟ كلما عظم الإحسان من الله عز وجل استوجب الشكر أكثر، واضح؟ كلما عظم الإحسان استوجب الشكر، إذا أنعم الله عليك نعمتين كم يجب عليك من الشكر؟ شكران، ثلاث نعم؟ ثلاث شكورات، وهكذا، إذن إذا أنعم الله عليك بالعلم الذي ورثته من نبيك محمد صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون بذلك أشد تواضعًا لله وللحق وللخلق، واضح؟
يتفرع على هذا أيضًا فرع ثالث: أن هؤلاء المغرورين -نسأل الله السلامة- الذين غرتهم أنفسهم بما أوتوا من العلم قد حرموا الفضل في الحقيقة، حرموا فضل العلم، ولَّا لا؟ يعني (...) والعياذ بالله لما من الله عليهم بالعلم رفعوا أنفسهم وتعالوا، حتى إنهم ربما لا يقبلون الحق، ربما يكونون مشابهين لبني إسرائيل في المسألة الثانية. الفائدة التي تليها: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب، من أين نأخذها؟ الطلبة: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ.
الشيخ: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ، فالعقوبات -والعياذ بالله- تتراكم مثل ما تتراكم الذنوب جزاء وفاقًا. الفائدة التي تليها: أن هؤلاء الذين اشتروا أنفسهم بالكفر بما أنزل الله أنهم كافرون؛ لقوله: وَلِلْكَافِرِينَ. الفائدة التي تليها أيضًا: أن المستكبر يعاقب بنقيض حاله؛ لقوله: مُهِينٌيهينهم بعد أن ترفعوا، فعوقبوا -والعياذ بالله- بما يليق بذنوبهم، وعلى هذا جرت سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه، قال الله تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: ٤٠]، وقال تعالى: جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ: ٢٦].الفائدة التي تليها: بلاغة القرآن؛ لأن هذه الكلمة: وَلِلْكَافِرِينَبدلًا من: (ولهم) استفدنا منها فائدة أكثر مما لو جاء الضمير (ولهم) وأيش استفدنا؟ أن هؤلاء كفار، ولو قال (ولهم)، لكنا لا ندري ما مرتبتهم في دين الله، فلما قال: وَلِلْكَافِرِينَعلمنا أنهم كفار. الفائدة الثانية: العموم أن مثل هذا الفعل يكون به الإنسان كافرًا، هم وغيرهم. الفائدة الثالثة أيضًا: بيان علة الحكم وهو العذاب المهين؛ إذ علته ما هو؟ وأيش علة العذاب المهين؟ علته الكفر وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌأي: على كفرهم، وقد مر علينا أن الحكم إذا علق على وصف دل على عِلِّية ذلك الوصف أو لا؟ دل على علية ذلك الوصف، وعلى أن الحكم يقوى بحسب قوة ذلك الوصف أو لا؟ إذا قلت -مثلًا-: اقطع السارق أي؟ يده، أي اقطع السارق، أي لأنه سرق، أي لأنه سارق، هذا واضح العلية فيه. إذا قلت: أكرم المتقي، أي؟ لتقواه، وكلما ازدادت تقواه ازداد إكرامه، إي نعم. طالب: قوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ(...)؟ الشيخ: لا؛ لأن هذا مع كونه عذابًا يهينهم. الطالب: (...). الشيخ: لا (...) على كل حال، ليس كل عذاب مؤلمًا، وليس كل عذاب مهينًا. الطالب: عذاب الآخرة. الشيخ: حتى عذاب الآخرة، لكن إذا قيل: مُهِينٌمعناه أنه يبلغ في الإهانة أعظم مبلغ، هو أبلغ من مطلق العذاب. طالب: ومُهِينٌصفة تأسيسية؟
الشيخ: صفة تأسيسة، نعم. طالب: (...) بَغْيًا(...) حسدًا تحريم الحسد؟ الشيخ: قلنا: بلى تحريم الحسد والعدوان.
الطالب: (...) غضب الله وأنه يجب على العبد أن يغضب لغضب الله كيف هذا فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ؟
الشيخ: إي نعم، يستفاد منها: إثبات الغضب لله، وإن كان ما هو بواضح، بَاءُوا بِغَضَبٍيعني: الظاهر أنه من الله الغضب، فيستفاد منه إثبات غضب الله سبحانه وتعالى، وغضب الله تعالى من صفاته أيش؟ الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته سبحانه وتعالى، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي صفة فعلية. طالب: الغضب من الله سبحانه وتعالى، نقول: كيف وضع غضب على غضب فهنا الغضب واحد؟ الشيخ: لا.
الطالب: الغضب واحد؟ الشيخ: لا (...)، الغضب يتعدد بتعدد أسبابه، يعني: غضب الله عليهم لفعل كذا، ثم غضب مرة ثانية لفعل كذا، وهكذا يتعدد بتعدد أسبابه، في فوائد بعد الثانية؟ طالب: سعة فضل الله؛ لقوله مِنْ فَضْلِهِ(...). الشيخ: إذا جعلنا (مِن) للتبعيض فهو دليل على سعة فضل الله، وإن جعلناها لبيان الجنس لم يكن في هذا دليل، ولكن جعلنا إياها للتبعيض أولى؛ لأنها تدل على معنى أكثر من بيان الجنس.
وما يستفاد من بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُم: أن النفس أمانة عند العبد؟ طالب: لما ذم الله بيعها (...). الشيخ: إيه أو اشْتَرَوْابمعنى اختاروا، فهذا دليل على أن النفس عند العبد أمانة لا يجوز له أن يكلفها ما يشق عليها أو يحرمها من فضل الله؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص قال له: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» .
ثم في القرآن ما أكثر ما يمر بنا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧] يظلمون أنفسهم، فالنفس في الحقيقة لها حق عليك لترعاها حق رعايتها؛ ولهذا يجب على المرء أن يدافع عن نفسه في غير فتنة، لماذا؟ حماية لها؛ لأن هذا من حقها، يجب عليه أن يأكل إذا جاع، وأن يشرب إذا عطش، وأن يكسو نفسه إذا خاف البرد وهكذا تمام؟ طالب: شيخ، قوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌالجار والمجرور للحصر، قدم الجار والمجرور، هل العذاب المهين لهم فقط؟ الشيخ: للكافرين يعني: دون الفاسقين مثلًا؟ الطالب: أو لغيرهم. الشيخ: ربما يستفاد منه أن غير الكافرين لهم عذاب لكن لا يصل إلى درجة الإهانة؛ لأنهم ما بلغوا إلى حد الكبر عما أنزل الله، وقد يقال: إنه لأجل مراعاة الفواصل مع أنه يصح والعذاب المهين للكافرين ليس خاصًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا يستفاد من هذه الآية: بيان خداع هؤلاء اليهود؛ لأنهم قالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَاوهم كاذبون، ولكن قصدهم رد الحق فقط لا التمسك بالحق. خذوا بالكم يا جماعة، واضح؟
الطلبة: واضح. الشيخ: لأنهم قالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَاوهم كاذبون في هذا، لو كانوا صادقين لآمنوا بالقرآن الكريم. الفائدة الثانية: أن الإيمان بما أنزل الله كل ذي فطرة سليمة يدعو إليه بناء على أن: (قيل) للإبهام فيكون شاملًا. الفائدة الثالثة: أن من دعي إلى الحق من هذه الأمة يقال: مذهب كذا وكذا، يعني: ولا أرجع عنه فهو شبيه بمن؟ باليهود؛ لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تنظر (...) الحق، فإذا كان الحق وجب عليك اتباعه، أما أن تقول: والله لا أنا مذهبي شافعي ما أنا تابع للحنبلي أو حنبلي وأنا تابع للشافعي ما يجوز فيه شبه من اليهود.
تفسير الآيات (٩٢-٩٥)
٠٠:٣٧:٤٤
{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: ٩٢] قوله: وَلَقَدْ جَاءَكُمْاللام هذه موطئة للقسم، وقد للتحقيق، وقد مر علينا أن قد إذا دخلت على الماضي فهي للتحقيق، وإذا دخلت على المضارع فهي للتقليل، ولكنها قد تكون أيضًا للتحقيق مثل قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: ٦٤]، ومثل قوله: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [الأحزاب: ١٨]، فإن هذه بلا ريب للتحقيق، وليست للتقليل، وإذا قلنا: اللام للتوكيد، وقد للتحقيق، وهي موطئة للقسم، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات. وَلَقَدْ جَاءَكُمْالخطاب لليهود وَلَقَدْ جَاءَكُمْ، والدليل أنه لليهود قوله: مُوسَى؛ لأن موسى نبيهم، وهنا خاطبهم باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص، إذ إن موسى لم يأت هؤلاء الذين كانوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه أتى بني إسرائيل اللي هو منهم. وقوله: بِالْبَيِّنَاتِالباء للمصاحبة أو للتعدية، يعني: جاءكم مصحوبًا بالبينات، أو أن البينات هي التي أتي بها؟ فتكون للتعدية، والمراد بالبينات هي صفة لموصوف محذوف، أي: بالآيات البينات، أي: بالعلامات الدالة على رسالته، ومنها: اليد، والعصا، والحجر، وفلق البحر، والجراد اللي أرسل على آل فرعون، والسنين وأشياء كثيرة، الجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وقوله: بِالْبَيِّنَاتِالبين بمعنى: الظاهر، أي: أنها آيات ظاهرة على رسالته، ومع هذا يقول: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَو(ثم) تفيد المهلة، الترتيب بمهلة، يعني: ثم بعد أن مضى عليكم وقت أمكنكم أن تتأملوا في هذه الآيات وأن تعرفوها، الذي حصل أنكم لم ترفعوا بها رأسًا: اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِاتَّخَذْتُمُهذه مرت علينا قريبًا وأيش من أفعاله؟ التصيير، من أفعاله التصيير، اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] يعني: صيره، إذن هي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول: العجل اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَأين المفعول الثاني؟ طالب: إلهًا. الشيخ: محذوف تقديره: إلهًا، وحذف ما يعلم جائز. وقوله: الْعِجْلَهو ولد البقرة، وليس عجلًا من حيوان، ولكنه عجل من حلي صنعوا من الحلي عجلًا، وأغواهم السامري وأضلهم، وصار لهذا العجل خوار، قيل: إنه خوار حقيقي، وقيل: إنه خوار صوت الريح، تدخل من دبره وتخرج من فيه، لكنه -والعياذ بالله- قال لهم: إن هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه: ٨٨]؛ لأن موسى كان قد ذهب منهم لميقات ربه على أنه ثلاثون يومًا، فزاده الله تعالى عشرًا، فصار أربعين يومًا، فقال لهم: إن موسى ضل عن إلهه؛ ولهذا تخلف ما رجع، فهو قد ضل ولم يهتد إلى إلهه، فهذا إلهكم وإله موسى -والعياذ بالله- فاتخذوه إلهًا، وهذا مما يدل على غباوة بني إسرائيل؛ لأنهم هم الذين صنعوا هذا الحلي بأيديهم، فكيف يكون إلهًا؟ لكن هم على كل حال اتخذوه إلهًا بعد أن ذهب موسى. وقوله: مِنْ بَعْدِهِأي: من بعد موته؟ ولا من بعد ذهابه لميقات ربه؟ الطلبة: من بعد ذهابه.
الشيخ: من بعد ذهابه لميقات ربه، يتعين هذا؛ لأن موسى رجع إليهم وقال للسامري في إلهه: لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [طه: ٩٧]، وجرى هذا، فحرقه موسى عليه الصلاة والسلام ونسفه في اليم في البحر. وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَظَالِمُونَأي: معتدون، وأصل الظلم النقص، وسمي العدوان ظلمًا؛ لأنه نقص في حق المعتدى عليه، قلت: إن أصل الظلم النقص؛ لقوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، وجملة وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَحال في موضع النصب، حال من أين؟ من فاعل اتَّخَذْتُمُيعني: والحال أنكم ظالمون، وأيهما أبلغ في القبح أن يتخذ الإنسان العمل القبيح وهو ظالم يعرف أنه ظالم؟ أو أن يتخذه وهو جاهل؟ الأول أشد، إي نعم. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، أكثر من هذا؛ لأن قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١] ما يقتضي الحصر، ما قال مثلًا: الآيات التي هي التسع، وحتى لو قالها لكان (...). طالب: ما ميزة هذه التسع؟ الشيخ: ميزة هذه التسع أنها صارت حجة على بني إسرائيل لما فيها من إهلاك عدوهم وإظهاره بهم، فهي أقوى من غيرها وأكبر. قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْإِذْوأيش إعرابها؟ هذه تأتي في القرآن كثيرًا، والعلماء يعربونها بأنها مفعول لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو إذا كان الخطاب لأكثر من واحد يقدر: اذكروا، اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، الميثاق العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يتوثق به (...). من الأخذ بالتوراة، وجعلوا يشاهدونه، لما شاهدوا الطور فوقهم كأنه ظلة سجدوا، سجدوا خوفًا من الله عز وجل، وجعلوا ينظرون إلى الجبل وهم يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى بأن يرفعه عنهم؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم أنهم يرون أن أفضل سجدة يسجدون لله بها أن يسجدوا وعيونهم إلى السماء، يقولون: هذه السجدة أنجانا الله بها، فهي أشرف سجدة عندنا، فإذا سجد يكون رافع رأسه كذا. وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَتهديدًا لهم، خُذُوافعل أمر، وهو في محل نصب مقولًا لقول محذوف، أي: قلنا خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْما أعطيناكم، بِقُوَّةٍأي: بجد ونشاط، فالجد: العزيمة الثابتة، والنشاط: القوة في التنفيذ، والمراد بما آتيناكم شو المراد به؟ الطلبة: التوراة. الشيخ: التوراة.
وَاسْمَعُواأمر بالسمع، وليس سمع الأذن ولكنه سمع الانقياد والاستجابة، فأمروا بأن يأخذوا بالتوراة بقوة، وأن يسمعوا: يستجيبوا وينقادوا. وكان الجواب: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا-أعوذ بالله- سمعنا بآذاننا وعصينا بأفعالنا، فما سمعوا السمع الذي طلب منهم ولكنهم استكبروا عنه. وقوله تعالى: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاظاهر الآية الكريمة أنهم قالوا ذلك لفظًا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وقال بعضهم: قَالُوا سَمِعْنَابألسنتهم، وعصوا بأفعالهم، فيكون التعبير بالعصيان هو عبارة عن أفعالهم، وأنهم لم يقولوا بألسنتهم: عصينًا، لم يقولوا: عصينًا، ولكننا نقول -ردًّا لهذا القول-: ما المانع من أن يقولوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاوهم الذين قالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَة [البقرة: ٥٥] وأيش المانع؟ الذين تجرؤوا أن يقولوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةيتجرؤون أن يقولوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وكأن الذين قالوا: إن المراد بالمعصية هنا فعل المعصية، وليس معناه أنهم قالوا بألسنتهم عصينا، كأنهم قالوا: إنهم التزموا بهذا والجبل فوق رؤوسهم، ومن كان هذه حاله لا يمكن أن يحصل منه هذا الأمر، اللي فوقه جبل ما يمكن أن يقول: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، ولكننا نقول: لا مانع من أن تكون النية الجازمة التي أظهروها بعد أن رفع عنهم هذا التهديد، لا مانع أن يكون حقيقة في الموضوع. وما هو العصيان؟ العصيان هو مخالفة الأمر، وإن شئت فقل: الخروج عن الطاعة، هذا العصيان هو الخروج عن الطاعة، سواء كان ذلك في مخالفة المأمور أو في فعل المحظور، أفهمتم؟ المعصية تكون في ترك المأمور وفي فعل المحظور، فمن ترك جماعة وهي واجبة عليه، فهو عاص، يصلح أن نقول: هذا عصى الله ورسوله، ومن زنا أو سرق أو شرب الخمر، فهو أيضًا عاص لله ورسوله. قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ-أعوذ بالله- أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُقال بعضهم: إنه على تقدير مضاف، أي: أشربوا في قلوبهم حب العجل؛ لأن العجل نفسه لا يمكن أن يشرب القلب، ومعنى أُشْرِبُواأنه جعل هذا الحب كأنه ماء سقي به القلب، إذن امتزج بالقلب ولَّا لا؟ امتزج به، كما يمتزج الماء بالمدر إذا أشرب إياه، تعرفون المدر؟ من يعرفه؟ طالب: السكر والليمون. الشيخ: لا، المدر هذه الطين اليابسة، يسمونها عندنا الناس (الجمح)، ما أدري هي لغة عربية ولَّا عامية، إنما الطين اليابس يسمى مدرًا.
طالب: المدر الطينة الحمرة يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما هو شرط أن تكون حمرة، يعني من الفخار قصدك؟
الطالب: لا، عندنا الطين الحمرة يسمونه مدر غير الطين هذه. الشيخ: لا، كل طين يابس يسمى مدر، المهم أنه -والعياذ بالله- أن هذا القلب أشرب به العجل، ولكن عبر بالعجل عن حبه؛ لأنه أبلغ كأن نفس العجل دخل في قلوبهم، وهذا أبلغ والعياذ بالله. وقوله: أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُمن الذي أشرب هذا في قلوبهم؟ الله سبحانه وتعالى، ولكن من بلاغة القرآن أن ما يكرهه الله يعبر عنه غالبًا بالبناء للمجهول؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ، قال الله تعالى عن الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠] الشر قالوا: أُرِيدَ، ما نسبوه إلى الله، والرشد نسبوه إلى الله، المهم أن هؤلاء -والعياذ بالله- أشربوا في قلوبهم العجل، وهذه فتنة أن يشرب في قلب المرء ما لا يرضاه الله والعياذ بالله، فإن هذا من أعظم الفتن، سواء كان حب معبود أو حب مطلوب، فحب المال قد يشرب في قلب المرء حتى ينسى به مصالح دينه ودنياه، حب النكاح قد يشرب في قلب المرء حتى يوقعه أحيانًا في الحرام -والعياذ بالله- وعلى هذا فقس. فالله سبحانه وتعالى قد يبتلي العبد بالبلاء؛ لأنه أهل لأن يبتلى بذلك؛ ولهذا قال: أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْوالباء هنا للسببية، أي: بسبب كفرهم بالله السابق على عبادة العجل؛ لأنهم -والعياذ بالله- قد نووا الإثم قبل أن يقعوا فيه، فصاروا كفارًا به، ثم أشربوا في قلوبهم العجل حتى صاروا لا يمكن أن يتحولوا عنه، قال لهم هارون عليه الصلاة والسلام: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه: ٩٠] مع أن هارون كان وكيلًا وخليفة لموسى، لكن ماذا كان جوابهم لهارون؟ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١] أصروا -والعياذ بالله- لأنهم أشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ(قل) يخاطب الله من؟ موسى؟ طالب: النبي صلى الله عليه وسلم. الشيخ: يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، أو يخاطب كل من يصح توجيه الخطاب إليه أي: قل أيها المخاطب، أو قل أيها النبي. بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَبِئْسَهنا فعل ماض جامد ولَّا متصرف؟ الطلبة: جامد. الشيخ: جامد، تعرف الجامد من غير الجامد؟ طالب: إي نعم. الشيخ: وأيش هو الجامد؟ الطالب: الجامد الذي لا يتصرف. الشيخ: مثل؟ الطالب: بئس، (...).
الشيخ: عسى؟ الطالب: عسى جامد. الشيخ: بعضهم يقول: قد يعسو أو يعسي، ولكن الأصح أنه جامد. الشيخ: وليس؟ طالب: جامد. الشيخ: جامد. فعل ماض جامد يراد به إنشاء الذم. وقوله: بِئْسَمَاوأيش إعراب مَا؟ هذه نكرة في محل نصب مبنية على السكون في محل نصب تمييز، يعني: بئس شيئًا يأمركم به إيمانكم، وبئس ونعم وما أشبههما تحتاج إلى مخصوص، وين المخصوص؟ المخصوص محذوف دل عليه السياق، أي: بئس شيئًا يأمركم به إيمانكم عبادة العجل، يعني: إذا كان عبادة العجل هو مقتضى إيمانكم، فهل إيمانكم أمركم بأمر رشد ولَّا بأمر قبيح؟ بأمر قبيح، يعني: أين إيمانكم وأنتم قد أشرب في قلوبكم العجل، وأن هذا الإيمان الذي زعمتموه هو الذي حبب إليكم عبادة العجل وعبدتموه. إسناد الأمر إلى الإيمان حقيقي ولَّا لا؟ إي نعم حقيقي؛ لأنه سبق أنه لا يوجد في القرآن كلمة مجازية، بناء على أن الكلمات نفسها ليس لها معان ذاتية، وأن معانيها تفهم من السياق وقرائن الأحوال، فأمر الإيمان لهم، يعني معناه: ما يقتضيه الإيمان، مثلًا أنت تحب هذا الشيء، حبك إياه وأيش يقتضي؟ الميل إليه والحرص على الحصول عليه، تكره هذا الشيء، كرهك إياه يقتضي النفرة منه والبعد عنه، وأن لا تتوصل إليه بأي سبب من الأسباب، فإيمانهم هذا الذي يزعمونه أنهم مؤمنون أمرهم بأمر لا يقتضيه الإيمان وهو عبادة العجل. وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَهذه شرطية للجنس، والمقصود بها التحدي، يعني: إن كنتم مؤمنين حقيقة، فكيف يأمركم إيمانكم بهذا العمل القبيح؟ وإنما قال سبحانه وتعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ لأنه ذكر عنهم حين سبق: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا، فهل الذي أنزل عليهم أن يعبدوا العجل؟ لا، ما أنزل عليهم ذلك، فإذا كنتم مؤمنين حقيقة، فلماذا يأمركم الإيمان بهذا الفعل القبيح الذي هو عبادة العجل. طالب: شيخ، إعراب مَا؟ الشيخ: إعراب مَانقول: إنها نكرة مبنية على السكون في محل نصب على أنها تمييز. الطالب: تمييز (...)؟ الشيخ: تمييز للفاعل المحذوف. الطالب: فاعل بئس؟ الشيخ: فاعل بئس المحذوف. طالب: (...). الشيخ: ما هي بعيدة؛ ولهذا نحن رجحنا أن القول هذا حقيقة، ما هو المراد به ترك العمل، والذين ذهبوا إلى أنه عبارة عن ترك العمل قالوا: ما يمكن أن يقولوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاوالجبل فوق رؤوسهم، فلا بد أن هذا المراد به، ولكن نقول: هذا ما هو مانع؛ لأنهم يقولون ذلك إذا ارتفع عنهم قالوا هذا الكلام ما يهمهم، ما يذكرون الذي حصل لهم من قبل. طالب: شيخ تقدير (ما) نقصد بئس الشيء الذي يأمركم به؟ الشيخ: لا، بئس شيئًا؛ لأن التمييز لا بد أن يكون نكرة ما يأتي معرفة. قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةًهل كان هنا تامة ولَّا ناقصة؟
الطلبة: ناقصة، تامة. الشيخ: تامة؟ طالب: ناقصة.
الشيخ: ناقصة، وأين خبرها؟ يجوز أن يكون خبرها الجار والمجرور في قوله: لَكُمُ الدَّارُ، وتكون خَالِصَةًحالًا من الدَّارُ، يعني: حالة كونها خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ، ويجوز أن تكون الخبر خَالِصَةً: قل إن كانت لكمُ الدارُ الآخرةُ خالصةً من دونِ الناسِ، والمعنى واحد. يقول الله: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُوالمراد بالدار الآخرة: الجنة، وإنما قال ذلك أو أمر أن يقول ذلك؛ لأنهم قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] وبعدها تخلفوننا في النار ونكون نحن في الجنة، هذا كلام اليهود، الذي يقول هذا الكلام وأيش يدعي؟ يدعي أن الدار الآخرة له من دون الناس؛ ولهذا اليهود يدعون أنهم شعب الله المختار، يقولون: إن الله فضلنا على العالمين، ويدعون أن الآخرة لهم من دون الناس، والمستحق للنار منهم يدخلها أيامًا معدودة ثم يخرج إلى الجنة، فالله يقول: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةًفسروها بأنها خاصة؛ لأن معنى خَالِصَةًأي: خاصة، ويحتمل أن المراد بالخالصة معناه: التي لا يشوبها شيء، بمعنى لا يشارككم فيها أحد، والمعنيان مؤداهما واحد. وقوله: فَتَمَنَّوُاالفاء؟ وأيش إعراب الفاء؟ طالب: (...). الشيخ: جواب أيش؟
الطالب: الشرط. الشيخ: وهو؟ الطالب: قل. الشيخ: إن كانت، رابطة. وإنما احتيج إلى ربط الجواب بها؛ لأن الفعل الذي بعدها فعل أمر، وقد قالوا: إنه يجب ربط الجواب بالفاء في سبعة مواضع. طالب: ستة. الشيخ: ستة مواضع؟
اسْــــــــــمِيَّةٌ طَلَـــــــــبِيَّةٌ وَبِجَـــــــــامِدٍ
وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيس
سبعة مواضع، أنه يجب أن تقترن بها الفاء. وقوله: تَمَنَّوُا الْمَوْتَأي: اطلبوا حصوله، والتمني أيضًا طلب حصول المحبوب ولَّا لا؟ كيف ذلك؟ لأنه إذا كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ، فالدار الآخرة خير من الدنيا والإنسان وأيش يتمنى؟ أن ينتقل إلى ما هو خير، لو كنت في بيت قديم متهدم تخشى منه أن يسقط عليك، هل تقول: ليتني أسكن في بيت جديد؟ الطلبة: نعم. الشيخ: تقول ذلك، هؤلاء يقولون: الآخرة لنا، وإذا كانت الآخرة لهم، فالآخرة بلا شك خير من الدنيا، فإذا كنت ترى أن الآخرة لك، فإنك يلزمك أن تتمنى الموت لتصل إلى ما هو خير، عرفتم؟ وهذا تحد لهم؛ ولهذا قال الله تعالى هنا: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا، وكذلك في سورة الجمعة قال: وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا [الجمعة: ٧]؛ لأن الله يعلم أنهم لن يتمنوه فتحداهم به؛ لأنه ما يمكن يتمنوه، إذ إنهم يحبون الدنيا أكثر من الآخرة كما سيأتي فيما بعد، وظاهر الآية الكريمة على ما شرحنا الآن: أن الله أمر نبيه أن يتحداهم بأنه إن كانت الدار الآخرة لكم -كما تزعمون- فتمنوا الموت لتصلوا إليها، وهذا لا شك هو ظاهر الآية الكريمة، وهو الذي رجحه ابن جرير وكثير من المفسرين. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بقوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَأي: فباهلونا وتمنوا الموت لمن هو كاذبٌ منا، فيكون هذه كقوله تعالى في سورة آل عمران: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: ٦١] وأيش يكون معنى تمني الموت؟ عن طريق أيش؟ عن طريق المباهلة، ورجح هذا ابن كثير، وضعف الأول بأنه لو كان المراد: أن يتمنوا حصول الموت؛ لكانوا يحتجون أيضًا علينا نحن ويقولون: أنتم أيضًا إن كنتم تقولون: إن الدار الآخرة لنا فتمنوا الموت؛ لأن التحدي يكون إيانا بذلك ليس بأولى من تحدينا إياكم به، فهم يقدرون يقولون: نحن ما نتمنى الموت؛ لأنكم أنتم أيضًا تقولون: إن الدار الآخرة لكم، وإن اليهود بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم في النار، فتمنوا الموت أنتم أيضًا؟ وهذا ما يصح، وهذا لا يصح؛ لأننا نحن لا نتمنى الموت، ولا يشرع لنا أن نتمنى الموت، فإن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، والإنسان يتمنى أن الله يمد في عمره على زيادة عمل صالح يستفيد به، ولا يتمنى الموت، لو هو من أتقى الناس ما تمنى الموت. وهذا المعنى الذي نحا إليه ابن كثير قوي جدًّا في الحقيقة، وإن كان يخالف ظاهر السياق لكنه قوي، قوي جدًّا، والذين أخذوا بظاهر السياق قالوا: نحن نأخذ به؛ لأن المقام مقام تحدٍّ قد علم الله أنهم لن يفعلوا، وهم ما متمنين الموت ولا هم برادين علينا بقولهم: تمنوه أنتم، فهم المدعون، وقد علم الله أنهم لن يتمنوه، ولن يقولوا أيضًا: لنا تمنوه، كما قلنا: هذه القضية قضية خاصة تحدث الله عنها وأخبرنا ماذا تكون النتيجة بدون أن يقع الأمر، الله يقول: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ، ولكن الثاني هو: وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا [الجمعة: ٧] فأيهما نأخذ؟ نأخذ بما يقتضيه ظاهر القرآن، ونقول: هذه قضية معينة أخبر الله أنها لن تكون، أو نأخذ بما يؤيده المعنى العام الذي ذهب إليه ابن كثير. طالب: (...) سبب النزول يبين المعنى؟ الشيخ: ما ذكروا سبب نزول، ابن عباس ظاهر كلامه أنه في المباهلة، ومن المعلوم أن ابن عباس رضي الله عنه يرجع إليه في التفسير؛ لأنه صحابي ومعتنٍ بالتفسير، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه الله التأويل .
طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، إي تكون مباهلة بطريق آخر؛ لأن مباهلة النصارى التي في سورة آل عمران مباهلة للنصارى الذين ذكروا في عيسى ما ذكروا، فطلب منهم المباهلة، ولكنهم أبوا واستسلموا ورضوا بالجزية، أما هؤلاء فهي المباهلة مع اليهود. طالب: ما يجوز تمني الموت؟ الشيخ: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفْنِي مَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» .
الطالب: وإذا خشي الفتنة؟ الشيخ: أما إذا خشي الفتنة، فهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنْ أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ» ، ولا يقول: أمتني؛ لأنه ما يدري قد يكون بقاؤه في الفتنة خيرًا له ولغيره، قد ينقذ الله على أيديه أناسًا لولا وجوده بينهم ما أنقذوا، يقول: «فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ». طالب: إذا يعرف ضعفه مثلًا؟ الشيخ: يقول هذا الكلام: «اقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ»، فيقيد طلب الموت بكونه غير مفتون، سواء الآن ولا بعد زمان. طالب: المباهلة (...)؟ الشيخ: المباهلة مثل ما قال الله: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران: ٦١]، يجتمعون هؤلاء الفريقين ويدعون الله سبحانه وتعالى بأن الكاذب عليه لعنة الله، أو الكاذب يموت، أو الكاذب يكون عليه كذا وكذا، وهي في الحقيقة المباهلة عرضة للبلاء؛ ولذلك ما ينبغي للإنسان أن يباهل، إلا إذا كان ذلك في مصلحة الإسلام، إذا كان ذلك في مصلحة الإسلام نعم لا بأس؛ ولهذا ابن عباس رضي الله عنه أنكر مسألة العول وقال: من شاء باهلته . هذا إن صح ما نقل عنه. طالب: (...)؟ الشيخ: إحنا قلنا: سياق الآية واللي بعده تدل على أن المراد أنهم يتمنون الموت بدون مباهلة، ظاهر اللفظ بلا شك، لكن معنى الذي ذكره ابن كثير وهو أنهم قد يحتجون علينا ويقولون: أنتم أيضًا تقولون: إن الدار الآخرة لنا فتمنوا.
طالب: في قوله: إِنْ كَانَتْفَتَمَنَّوُاهذا فيه فعل الشرط وجواب الشرط وابن كثير قدر شيئًا بين الفعل والجواب يعني: فنبتهل ثم يتمنى؟ الشيخ: إيه، فتمنوا الموت عن طريق المباهلة. الطالب: يعني التمني بعد المباهلة. الشيخ: التمني هو من صيغة المباهلة، من صيغة المباهلة التمني، تقول مثلًا: اللهم من كان منا كاذبًا فأمته -مثلًا- أو فيموت، هذا من المباهلة، فقوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَيعني: فباهلونا بتمني الموت. طالب: (...)؟ الشيخ: وعلى كل حال عندنا الآن ظاهر اللفظ والمعنى، فهل نأخذ بظاهر اللفظ ونقول: إن الإيراد الذي ذكره ابن كثير مدفوع بأن الله أخبرنا بأنهم لن يتمنوه ولن يقولوا: لنا تمنوه، ما قال: فسيقولوا لكم تمنوه، فهم لن يقولوا ذلك، لن يلهموا إياه؛ لأنهم يعلمون اليهود -لاحظوا- اليهود لو يعلمون أنهم لو قالوا للمسلمين تمنوا الموت في هذا المقام يتمنون ولَّا لا؟ طالب: يتمنون. الشيخ: يتمنون ولا يهمهم؛ فلذلك لن يقولوا للمسلمين: تمنوا الموت، ولن يتمنوه أيضًا هم، فيكون البقاء على ظاهر اللفظ يكون أولى، والعلم عند الله. الطالب: (...) التمني والمباهلة يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْ تَمَنَّى الْيَهُودُ لَمَاتُوا (...) وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ لَرَجَعُوا» ..
الشيخ: ولم يجدوا أهلهم، ما أدري هذا حديث ولَّا، ما أدري، إن صحيح يدل على ظاهر اللفظ أن المراد فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَيعني: حقيقة بدون مباهلة، إي نعم. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، غيب، إن الشهادة غيب؛ لأن تمني الشهادة أن يموت الإنسان على صفة معينة، ما هو بأن يستعجل الموت. الطالب: إذا علمنا أن ظاهر اللفظ (...)؟
الشيخ: إي، لكن مثلًا نعلم (...) تمني الشهادة ما يستلزم تمني الموت، وإنما معنى تمني الشهادة أن تموت على صفة معينة، إي نعم.
الطالب: (...)؟ الشيخ: في سبيل الله، هذا من جنس تمام الشهادة. الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، على كل حال إذن نرجح ظاهر القرآن، ونقول: إيرادهم علينا لن يكون؛ لأنهم يعلمون أنهم لو أوردوا ذلك علينا لتمنيناه؛ لأن المقصود إقامة الحجة، لكن هم لن يفعلوا؛ لأنهم يعلمون حقيقة الأمر أن الآخرة لمن؟ طالب: للمؤمنين. الشيخ: للمسلمين، يعلمون أن الآخرة للمسلمين؛ لأنهم يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم، وأنه رسول رب العالمين، وأنه جاء بالحق، فهم يعلمون ذلك، ويعلمون أنهم هم أيضًا على باطل، لكنهم حسدًا كما قال الله تعالى في آية أخرى: بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [البقرة: ٩٠]. قال الله تعالى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَهذا شرط في شرط، إِنْ كَانَتْفتمنوا إِنْ كُنْتُمْ، هذا شرط في شرط، أيهما السابق؟ الأول ولَّا الثاني؟ الطلبة: الثاني. الشيخ: الثاني هو الأول؟ صَادِقِينَ؛ لأن الصادق يكون الصدق أولًا في دعواهم، ثم إثبات أن الآخرة لهم، ثم تمني الموت، وهكذا كلما دخل شرط في شرط، فإن الثاني هو الأول، مثل قول الشاعر:
إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا
مِـــــــــــــنَّا مَعَــــــــــاقِلَ عِــــــــــــــزٍّ زَانَهَا كَرَمُ
وين الشرط والشرط؟ إن تستغيثوا بنا إن تذعروا، قطعًا الذعر قبل الاستغاثة ولَّا لا؟ فيصير المعنى: أنكم إذا ذعرتم فاستغثتم بنا وجدتم معاقل عز زانها كرم. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، الشرط الثاني على الصحيح ما يحتاج إلى جواب في مثل هذا التركيب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩١].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: عتو اليهود وعنادهم؛ لأنهم يقولون: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا. الفائدة الثانية: أن من خالف الحق من أجل متبوع من المقلدين، فإن فيه شبهًا من اليهود الذين قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ، فإذا قيل للشخص مثلًا: هذا هو حكم الله، وقال: أنا مذهبي كذا، قلنا له: إن فيه مشابهة من؟ من اليهود، سواء كان مذهبه حنفيًّا أو حنبليًّا أو شافعيًّا أو مالكيًّا أو ظاهريًّا، كل من بين له الحق وقال: أنا لا أتبعه به شبه منهم. الفائدة الثالثة: ذم من لا يؤمن بالحق. والفائدة الرابعة: وجوب قبول الحق من كل من جاء به. والفائدة الخامسة: إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله، وجه ذلك؟ أن الله أقام على هؤلاء اليهود الحجة من فعلهم؛ لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاؤوا بالكتاب إليهم، فهل قولهم حق نؤمن بما أنزل علينا ولَّا لا؟ ليس بحق؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين حقيقة ما قتلوا هؤلاء؛ ولهذا قال: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
ومن الفوائد أيضًا: أن الرسول يطلق عليه النبي؛ لأن قوله: تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِيعني: رسله؛ إذ إنهم قتلوا من بلغهم الرسالة. وفيه أيضًا: دليل على أن الإيمان يقتضي قبول الحق من كل من جاء به؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فإن الواجب عليكم أن لا تقتلوهم بل تقبلوا منهم.
ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة: ٩٢]. في هذه الآية أيضًا: إقامة البرهان على عناد اليهود، وجه ذلك؟ طالب: (...) اتخذوا العجل. الشيخ: جاءهم موسى بالبينات. الطالب: بعدما جاءهم موسى بالبينات. الشيخ: اتخذوا العجل إلهًا. الفائدة الثانية: سفاهة هؤلاء اليهود، لماذا؟ طالب: (...) لأنهم رأوا الحق ثم زاغوا عنه. الشيخ: هذا دليل على عتوهم، لكن على سفاهتهم وأنهم ما عندهم رشد؟
طالب: اتخاذهم العجل إلهًا. الشيخ: صح، اتخاذهم العجل إلهًا، إن هذا ما في شك إنه سفه، عجل تتخذه إلهًا. الفائدة الثالثة: أن هؤلاء اليهود عبدوا العجل عن ظلم ما هو عن جهل بل هم ظالمون. طالب: (...). الشيخ: وأيش محلها من الإعراب الجملة؟
طالب: حال. الشيخ: حال، من فاعل اتَّخَذْتُمُ. الفائدة الرابعة: أن هؤلاء اليهود اغتنموا فرصة غياب موسى، مما يدل على هيبتهم له لقوله؟ اغتنموا فرصة غيابه لأنهم يهابونه؟ طالب: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَيعني: عند غيابه.. الشيخ: من أين أخذتها من الآية؟ الطالب: أخذتها من آية غيرها. الشيخ: آية غير هذه. طالب: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ(...). الشيخ: مِنْ بَعْدِهِ، لقوله: مِنْ بَعْدِهِيعني: من بعد موسى. ثم قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩٢]. يستفاد من هذه الآية: أن الله أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان، تؤخذ من أين؟ طالب: (...). الشيخ: الفائدة الثانية: أن بني إسرائيل ما آمنوا إلا عن كره ورغمًا على آنافهم؟ طالب: من قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ. الشيخ: من قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ. الفائدة الثالثة: بيان قدرة الله عز وجل؟ طالب: (...). الشيخ: فوقهم. الفائدة الرابعة: دليل على أن أمر الكون كله بيد الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى قادر على خرق العادات؟ طالب: من قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ. الشيخ: من قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ؛ لأن هذا خارق للعادة مما يدل على أن الأمر كله أمر الكون بيد الله عز وجل. ومن فوائد الآية: وجوب تلقي شريعة الله بالقوة دون الكسل والفتور، من أين نأخذها؟ طالب: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ. الشيخ: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ، فإن الواجب أن يتلقى الإنسان شريعة الله بالقوة والعزيمة لا بالفتور والكسل. طالب: شيخ، الله أعطاهم القوة ولّا هم اللي أخذوا بقوة؟ الشيخ: لا، خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍيعني معناه: تقبلوا شريعة الله بالقوة والنشاط. ومن فوائد هذه الآية: بيان عتو بني إسرائيل، ما تجد آية إلا فيها هذه الفائدة، من أين نأخذ؟ عتو بني إسرائيل؟
طالب: بِقُوَّةٍ.
الشيخ: بِقُوَّةٍ؟ لا يا أخي. طالب: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. الشيخ: قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وهذا أبلغ ما يكون في العتو والعياذ بالله لو ما سمعوا كان يقال: عذروا بجهلهم، لكن قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. ومن فوائد الآية: أن السمع نوعان: سمع استجابة، وسمع إدراك، من أين نأخذ أن السمع نوعان: سمع استجابة، وسمع إدراك؟ طالب: قوله: وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. الشيخ: أيهما: سمع الإدراك ولَّا الإجابة؟ الطالب: من قولهم: سَمِعْنَاسمع الإدراك. الشيخ: نعم، وين سمع الإجابة؟