تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ١٥

درس صوتي · ٩٤:١١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

ولهذا قال الله متحديًا إياهم: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا؟ قُلْالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًاأَتَّخَذْتُمْبمعنى أخذتم، يعني: صار معكم عهد، والعهد الميثاق والالتزام، يعني: هل عندكم التزام من الله سبحانه وتعالى بذلك؟ إن كان عندكم فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، ومعنى يُخلف أي: يجعل بدل الوفاء خلفًا وهو عدم الوفاء، وهنا فرق بين خَلَفَه يَخْلُفه، وأَخْلَفَه يُخْلِفه، الفرق: أخلفه جعل له خلفًا، يخلفه يجعل له خلفًا وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: ٣٩]، وأما خلف يخلف، فمعناه: أن الشيء صار خليفة لما سبقه تقول: خلف البردَ الحرُّ، أي: جاء بعده، فصار خليفة له، إذن «اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيرًا مِنْهَا» . طالب: جعل له خلفًا. الشيخ: واخلف ولا: وأخلف لي خيرًا منها؟ طالب: واخلف. الشيخ: «وَأَخْلِفْ لِي خَيرًا مِنْهَا»، أي: اجعل لي خيرًا، مثل وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ(...) خلفًا، هنا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ، أي: لن يجعل لعهده خلفًا، وهو عدم الوفاء به، بل سيوفي به سبحانه وتعالى، فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ.

طالب: الماضي؟ الشيخ: أخلف. قال: أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَأَمْهنا قيل: إنها متصلة، وقيل: إنها منقطعة، وقد مر علينا الفرق بين المتصلة والمنقطعة، أليس كذلك؟ وأما الفرق بينهما من؟ طالب: الاستفهام. الشيخ: لا، أم المتصلة وأم المنفصلة؟ طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة لا تكون بمعنى (بل).

الشيخ: بمعنى أيش؟ طالب: بمعنى الاستفهام. الشيخ: لا. الطالب: بمعنى (هل). الشيخ: لا، (أم) المنقطعة بمعنى (أو) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦] يعني: أو لم تنذرهم، هذا فرق، والفرق الثاني؟ طالب: المنقطعة لا يذكر معها المقابل.

الشيخ: لا يذكر معها معادل ما هو المقابل، وأما المتصلة تكون بين متعادلين. هذا فرق، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْمتعادلين، أنذرتهم أم لم تنذرهم، هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟ قيل: إنها منقطعة، وعلى هذا فيكون معناها: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، وقيل: إنها متصلة بمعنى: هل أنتم اتخذتم عند الله عهدًا فادعيتموه؟ أو أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ وعلى كلا التقديرين، فلا هذا ولا هذا؟ تأملوا. طالب: يقولون.. الشيخ: يقولون على الله ما لا يعلمون، على كلا التقديرين: فهم يقولون على الله ما لا يعلمون، يعني: سواء كانت بمعنى: بل تقولون على الله ما لا تعلمون، يعني: ولم تتخذوا عند الله عهدًا، أو أن المعنى أتخذتم عند الله أو تقولون، فالجواب: لما انتفى الأول وهو اتخاذ العهد، ثبت الثاني وهو قول: ما لا يعلمون، فيكون على هذا التقدير الحكم إلى الإنسان، ويكون على التقدير الأول -التي تكون (أم) بمعنى بل- الحكم من أين؟ من الله، الحكم من الله، يعني: على التقدير الأول أنها متصلة، يصير المعنى: هل أنتم أتخذتم على الله عهدًا، أو قلتم على الله ما لا تعلمون، حينئذٍ نبحث نشوف هل عندهم من الله عهد؟ الجواب: لا، فإذا انتفى الأول ثبت الثاني، يعني: نعرف إنه نثبت الثاني بالتتبع، تتبعنا ما وجدنا عهدًا، تعين أن يكون قالوا على الله ما لا يعلمون. على الثاني -أن تكون (أم) بمعنى بل- ما حاجة نتتبع، يصير الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم عليهم بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون؛ لأنه قال: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًاوهذا الاستفهام للإنكار، يعني: لم تتخذوا عهدًا بل تقولون على الله ما لا تعلمون، أفهمتم الآن؟ فالآية على كلا التقديرين تدل على أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، لكن على تقدير أن تكون (أم) متصلة، يكون الحكم بقولهم على الله ما لا يعلمون راجع إلى الإنسان الذي يتتبع ويجد أنه ليس عندهم عهد، وعلى القول بأنها بمعنى (بل) يكون الحكم من الله، يكون الله سبحانه وتعالى أبطل اتخاذهم عند الله عهدًا، ثم حكم سبحانه وتعالى بأنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، إذن: إذا ما كان عندهم عند الله عهد وقد قالوا على الله ما لا يعلمون، فتكون دعواهم هذه حقًّا؟

الطلبة: باطلًا. الشيخ: باطلًا، إي نعم، تكون دعواهم هذه باطلًا؛ لأنه ما دام ما عندهم عهد ولا قالوا ما يعلمون، فتكون دعواهم باطلة. قال الله تعالى مبينًا من الذي تمسه النار ومن الذي لا تمسه، فقال: بَلَى، قال المفسرون (بلى) هنا بمعنى (بل)، فهي للإضراب الانتقالي، بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وفيها قراءة: خَطِيآتُهُبالجمع. قوله: مَنْ كَسَبَهل (من) موصولة أو شرطية؟ طالب: شرطية.

الشيخ: إذا قلنا: إنها شرطية، فإنه يؤيده قوله: فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ، فإنه جواب مقترن بالفاء، وهذا يؤيد أنها شرطية، وإذا قلنا: إنها موصولة، فيؤيده قوله في الآية الثانية: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِوالذين آمنوا حيث جاء بـ(الذين) اسم موصول، فيكون مَنْ كَسَبَيعني: الذي كسب، والجواب عن الفاء في قوله: فَأُولَئِكَأنه لما شابه اسم الموصول اسم الشرط في الدلالة على العموم جاز اقتران خبره بالفاء.

قوله: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةًشوف كَسَبَولم يقل: عمل، مع أنه في بعض المواضع يقال: عمل، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ [الأعراف: ١٥٣] معروف، والكسب معناه حصول الشيء نتيجة لعمل. كَسَبَ سَيِّئَةًوقوله: سَيِّئَةًالسيئة ما يسوء، وأصلها سيوئة؛ لأنه من ساء يسوء واو، فأصلها سَيْوِئَة على وزن فَيْعِلَة، حصل فيها إعلال، وأيش الإعلال اللي حصل؟ قلب الواو ياء، وأيش سببه؟ اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون، فلزم قلب الواو ياء، ثم أدغمت الياء بالياء فصارت (سيئة). وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُالإحاطة في اللغة: الشمول، وَأَحَاطَتْأي: صارت كالحائط عليه وكالسور، أي: اكتنفته من كل جانب، وقوله: خَطِيئَتُهُالأنسب إذا رأينا أحاطت كانت صيغة الجمع أنسب يعني: كثيرة، والإحاطة من كل جانب تقتضي الكثرة ولَّا لا؟ تقتضي الكثرة؛ فلهذا القراءة الثانية قد تكون أنسب، ولكن مع ذلك لا تتنافى مع القراءة التي في المصحف وهي خَطِيئَتُهُ؛ لأن خطيئة مفرد مضاف والمفرد المضاف يفيد العموم؛ ولهذا لو قال الرجل: عبدي حر وكان له أربعة أعبد، كلهم يعتقون، مع أنه قال: عبدي فقط، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] شوف تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِهنا مفرد نعمة، والمضاف يفيد العموم ولَّا يفيد الوحدة؟ لو كان يفيد الوحدة لكنا نحصيها. طالب: شيخ، ألا يقال: هذا دليل على العظم؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: يعني: قراءة وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ؟ الشيخ: إي، لكن الإحاطة إذا قلنا: إنها من جنس الحائط والسور المحيط بالشيء، يحتاج إلى كمية هي بمعنى القراءة الثانية. وقوله: خَطِيئَتُهُوسَيِّئَةًوأيش معنى: سَيِّئَةًوَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُهل هما بمعنى واحد؟ وأن هذه السيئة امتدت حتى أحاطت به؟ أو أن المراد بالسيئة شيء، والخطيئة شيء آخر؟ هذا هو المعروف عند المفسرين يقولون: السيئة هنا سيئة الكفر، وخطيئته ما سوى الكفر؛ لأنها -والعياذ بالله- تحيط بالإنسان، وهذه إذا قلنا بها، فإن خطيئة قد تناسب سيئة بالنسبة لأيش؟ لكونها واحدة، يعني: هذه السيئة أحاطت به حتى -والعياذ بالله- حالت بينه وبين التوفيق. فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَهذه نبغي (...) فَأُولَئِكَوأيش إعرابها؟ طالب: الفاء رابطة للجواب. الشيخ: للجواب على جعل (من) شرطية، أو رابطة للخبر بالمبتدأ على أنها موصولة. الطالب: أولاء: اسم إشارة، والكاف. الشيخ: وأيش محله من الإعراب؟ الطالب: في محل رفع مبتدأ. الشيخ: وأيش هو مبني عليه؟ الطالب: أولاء: اسم إشارة مبني على الضم المقدر، أولاء مكسورة ولكن مبني على. الشيخ: مبني على أيش؟ مبني على الكسر؟ الطالب: لا. الشيخ: عجيب، ابن مالك وأيش يقول؟ ومنه ذو فتح الطالب: وذو كسر. الشيخ: بس (...) وكسر. الطالب: إذن مبتدأ مرفوع، مش مرفوع. الشيخ: هذا ما يصير. الطالب: مبتدأ مرفوع. الشيخ: لا، ما تقول: مرفوع، كل مبني ما يمكن تقول: مرفوع ولا منصوب ولا مجرور، تقول: مبني على الكسر في محل رفع، مبني على كسر في محل رفع مبتدأ. الشيخ: والكاف؟ الطالب: الكاف ضمير متصل. الشيخ: لا. الطالب: منفصل. الشيخ: لا، وأيش تقول؟ الكاف. طالب: الكاف ضمير متصل في محل. الشيخ: الكاف أيش؟ الطالب: للخطاب.

الشيخ: وأيش، اسم ولا فعل؟ الطالب: خبر المبتدأ. الشيخ: الكاف خبر المبتدأ؟ أولاء مبتدأ، فيكون الكاف؟ الطالب: خبره.

الشيخ: خبره، ليس بصحيح. أيش تقول؟ (أولئك) الكاف وأيش إعرابها؟ طالب: مفعول. الشيخ: مفعول؟ وأيش اللي نصبه؟ وأيش تقول الكاف؟ ما قرأنا النحو دا الحين هذه النقطة غافلين عنها؟ طالب: ضمير الخطاب متصل مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. الشيخ: نعم.

الطالب: ولكن خطأ، حرف دال على الخطاب لا محل له من الإعراب. الشيخ: نعم صح، كاف حرف خطاب لا محل الإعراب، قلنا لكم: الكاف ابن مالك يقول:

......................

....... وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ

فِي الْبُعْدِ أَوْ بِثَمَّ فُهْ أَوْ هَنَّا

.....................

حرف ما هو (...) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي الْبُعْدِ. طالب: أيش البعد؟ الشيخ: أي: إذا صار المشار إليه بعيدًا يؤتى بالكاف. أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ(أصحاب) خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة ظاهرة في آخره، (أصحاب) مضاف و(النار) مضاف إليه مجرور بالإضافة، وعلامة جره كسرة ظاهرة في آخره، (هم) ضمير منفصل.

طالب: فصل. الشيخ: ما هو ضمير فصل؟ مالك يعني أصلي، (هم) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفعٍ مبتدأ، (في) حرف جر و(ها) اسم مجرور مبني على السكون في محل جر، (خالدون) خبر المبتدأ، أي المبتدآت؟ (هم)، (خالدون) مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع تكسير. طالب: جمع مذكر سالم. الشيخ: جمع مذكر سالم أو تكسير؟ طالب: مذكر سالم. الشيخ: سالم إي نعم؛ لأن علامة المذكر السالم إذا ما تغير المفرد هو سالم، (خالد) مفرد، حط واو ونون: (خالدون)، لكن رجال وأيش مفردها؟ الطلبة: رجل.

الشيخ: تغير؟ الطلبة: تغير. الشيخ: أي تغير؟ تغير الحروف وتغير الشكل أيضًا.

طالب: إذا عكس يا شيخ خَالِدُونَمبتدأ، وهُمْخبر؟

الشيخ: لا ما يجوز، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يقول الله عز وجل: فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِأَصْحَابُجمع صاحب، أي: أهل النار، وسموا أصحابًا لها لملازمتهم إياها، والعياذ بالله. وقوله: خَالِدُونَأي: ماكثون، الخلود بمعنى المكث والدوام، ومنه قوله تعالى: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق: ٣٤]. ثم قال تعالى في مقابلة الكفار، وهي طريقة القرآن غالبًا: إذا أتى بالشيء أتى بما يقابله فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِآمَنُواأي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، هذا الإيمان، ما يمكن الإيمان بمجرد التصديق لا بد من قبول للشيء واعتراف به، ثم إذعان وتسليم للشريعة التي جاء بها من آمن به، كذا؟ طالب: نعم. الشيخ: وأيش معنى آمَنُوا؟ الطالب: آمَنُوايعني صدقوا.

الشيخ: بأيش؟ الطالب: بالشريعة آمَنُواصدقوا. الشيخ: (...). طالب: (...).

الشيخ: شوف آمَنُوا، كلما جاءت آمَنُوافي القرآن، أي: بما يجب، آمنوا، أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: يقبلون ويعترفون به ويذعنون له.

وقوله: عَمِلُوا الصَّالِحَاتِأي: عملوا الأعمال الصالحات، والعمل يصدق بالقول والفعل، وليس العمل مقابل القول، بل الذي يقابل القول الفعل، وإلا فالقول والفعل كلاهما عمل؛ لأن القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، إذن عَمِلُوا الصَّالِحَاتِلو قال قائل: هو ما قال: قالوا الصالحات؟ نقول: داخل في العمل؛ لأن العمل يشمل القول والفعل، أما إذا قيل: فعل، فهو مقابل للقول. قوله: عَمِلُوا الصَّالِحَاتِأي: قالوها بألسنتهم، وفعلوها بجوارحهم، والصَّالِحَاتِأي: الأعمال الصالحات، فما هو الصالح؟ العمل الصالح قال أهل العلم: ما جمع بين شرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، الإخلاص لمن؟ لله، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، الدليل على هذا أنه هو العمل الصالح قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . هذا وأيش اللي فقد فيه؟ الإخلاص، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فقد فيه؟ المتابعة، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» .

فالمهم إذن العمل الصالح ما جمع بين؟ ما جمع بين الإخلاص والمتابعة. الذين جمعوا بين هذين الأمرين -الإيمان والعمل الصالح- أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَهنا الَّذِينَ آمَنُوانريد نعربها الآن الَّذِينَ آمَنُوامبتدأ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِمعطوف على آمَنُوا، و(أولاء) وأيش إعرابها؟ طالب: خبر. الشيخ: لا، خطأ، مبتدأ ثان، ونحن مر معنا أن الخبر

وَمُفْرَدًا يَـــــــأْتِي وَيَــــأْتِي جُمْلَهْ

حَاوِيَةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهُ

أليس كذلك؟ إذن نقول (أولاء) مبتدأ ثان، وأَصْحَابُ الْجَنَّةِخبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، صحيح الكلام؟ إذن الخبر هنا جملة اسمية ولَّا فعلية؟ اسمية. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِأصحاب الجنة: أهلها الملازمون لها؛ لأن الصحبة تقتضي الملازمة، والجنة ما هي؟ الدار التي أعدها الله للمتقين هذه الجنة، وفيها -كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم-: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ، من قوله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، وقوله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَسبق الكلام عليه. إذن حكم الله سبحانه وتعالى حكمًا عدلًا، اليهود قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، والله تبارك وتعالى قال: لا، من كسب سيئة، ففي النار أبدًا، ومن آمن وعمل صالحًا، ففي الجنة أبدًا، لا فرق بين الإسرائيلي والعربي والعجمي وغيرهم، ولَّا لا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى صورنا وأجسامنا وأنسابنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فكل من كان قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، فهو أولى الناس بالله تبارك وتعالى، من أي لون، ومن أي جنس، ومن أي قبيلة. ثم قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ: اذكر إذ أخذناه. طالب: الناس اللي يقولون: النار يفنى، يعني أخذوا من هذا الدليل؟ الشيخ: لا، اللي يقولون: النار يفنى، نقول لهم: لستم على صواب، النار ما تفنى. طالب: في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسر قوله تعالى: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ: ٢٣] أي: سنين معدودة، صحيح ذلك؟ الشيخ: أنا ما أدري صحيح ولَّا لا، لكنه ما يدل على الحصر لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا: سنين، سنين عظيمة طويلة -نسأل الله السلامة- وبعضهم يقولون: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًامقيدة بقوله: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا [النبأ: ٢٤]، وأنه بعد هذه الأحقاب اللي ما يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا [النبأ: ٢٤، ٢٥] يؤتى لهم بأصناف أخرى من العذاب، إنما على كل حال كل هذه من الآيات المشتبهة، ولدينا آيات محكمة، والواجب على المؤمن أن يرد المتشابه إلى المحكم. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَأي: عهد بني إسرائيل، الميثاق يعني: العهد، وسمي العهد ميثاقًا؛ لأنه يوثق به المعاهد، كالحبل الذي توثق به الأيدي والأرجل يعني يلزم. وقوله: بَنِي إِسْرَائِيلَمن هو إسرائيل؟ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، إذن فبنو إسرائيل بنو عمٍّ للعرب؛ لأن العرب بنو إسماعيل، وهؤلاء من بني إسرائيل، وجدهم واحد وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَما هذا الميثاق؟ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْالميثاق اشتمل على ثماني مواد: المادة الأولى: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَوفوا ولا ما وفوا؟ عبدوا غير الله، عبدوا المسيح بن مريم، ولَّا لا؟ والعزير قالوا: ابن الله، فلم يفوا. وقوله: لَا تَعْبُدُونَما معنى العبادة؟ الذل والخضوع، مأخوذة من: طريق معبد، يعني: مذلل، هذه واحدة. المادة الثانية: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًايعني: أحسنوا بالوالدين، أحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو اعملوا بالوالدين إحسانًا، قوله: بِالْوَالِدَيْنِالمراد بهما: الأب والأم، الأقربون ولا حتى الأبعد؟ الأقرب، لكن الأبعد لهم حق، لكن ليسوا كحق الأب والأم الأدنى؛ ولهذا اختلف إرثهم، واختلف ما يجب لهم في بقية الحقوق. قال: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاإِحْسَانًابأي شيء؟ في القول والفعل والمال والجاه وجميع طرق الإحسان؛ لأن الله أطلق، كل ما يسمى إحسانًا فهو داخل في قوله: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وإنما وجب ذلك؛ لأن نعمة الوالدين على ولدهما هي التي تلي نعمة الله عليهما؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى عن لقمان: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان: ١٤]. فهما سبب وجودك، وسبب إمدادك وإعدادك، وإن كان الوجود من الله والإمداد من الله، لكن بأي طريق أتيت؟ عن طريق الوالدين، لولا الوالدان ما كنت شيئًا. طالب: العم والخال يعدون والدين ولا؟ الشيخ: هم ما والدين، لكن صلتهما من بر الوالدين. الطالب: يعني مثلًا يقطع بالعم والخال؟ الشيخ: ما أتم بر والديه. الطالب: شيخ، تقدم الجار والمجرور وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاتفيد الحصر؟ الشيخ: هي ما تعلقت بإحسان، لو تعلقت بإحسان كان تفيد الحصر ويكون تقديمها لأجل العناية، لكن هي ما تعلقت؛ ولهذا قدرنا لكم تقديرًا قلنا: إن التقدير: اعملوا، أو أحسنوا بهما، فهو مصدر لفعل محذوف. وَذِي الْقُرْبَى(ذي) بمعنى صاحب (...) ذو، ذو القربى؟ طالب: معطوفة على: وَبِالْوَالِدَيْنِ. الشيخ: يعني: ذو القربى معطوفة على قوله: وَبِالْوَالِدَيْنِ؟ يعني: وإحسانًا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب والْقُرْبَىالقرابة، ويشمل القرابة من قبل الأم، والقرابة من قبل الأب؛ لأن القربى جاءت بعد الوالدين، أي: قربى الأم وقربى الأب. كلمة الْقُرْبَىأظنها وصف أو لا؟ بمعنى القرابة، فكل من كان أقرب كان بهذا الحق أولى، فمثلًا يجب عليك من صلة العم أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد العم، يجب عليك من صلة الخال أكثر مما يجب عليك من صلة أولاد الخال؛ لأن دولا أخص بالقرابة ممن بعدهم. طالب: شيخ، ما يخالف اللغة العربية؟ الشيخ: وهو؟ الطالب: القرابة أقارب الرجل؟ الشيخ: لا حتى اللغة العربية، من قال لك: القرابة قرابة الرجل ينتمي لأبيه، هذه لغة عرفية وحتى ولا عرفية، حتى إن بعض الناس يسمي خواله أهل، أبغي أروح (...) إلى الآن، أليس كذلك؟ أنت لما كنت تصبح عند خوالك ما تقول: بأصبح عند أهلي اليوم؟ طالب: (...). الشيخ: لا، أنا أقولها وأنا صغير: أبغي أصبح عند أهلي آل فلان.

طالب: العامة يقول: الخال والد؟ الشيخ: لا، هذا الخال (...). طالب: يقول: الخال أقرب من العم لسبب، يعني: الواحد لما بيجي يوصي على أولاده، يعني -مثلًا- واحد توفي وأولاده صغيرين بيوصي عليهم خالهم. الشيخ: (...). الطالب: أقرب من عمهم؛ لأن عمهم يأكلهم. الشيخ: لا، يعني أرحم؟

الطالب: أرحم. الشيخ: يأتي من قبل الأم وهي أرحم من الأب. الطالب: أرحم فعلاً، هذه حقيقة واقعة. الشيخ: على كل حال: قرابة الأم قرابة بلا شك حتى في العرف، إي نعم. وَالْيَتَامَىاليتامى جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، من ذكر أو أنثى، وليس من ماتت أمه مع وجود أبيه يتيمًا؛ لأن أباه موجود، يأتي له بالعيش والتربية والتعليم، لكن الأب إذا مات فهو الكاسب على أولاده، فيكون أولاده الصغار الذين ما بلغوا، أيتامًا، يكونون أيتامًا، وأوصى باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يربيهم أو يعولهم؛ إذ إن أباهم قد توفي، فهم محل للرأفة والرحمة والرعاية.

وَالْمَسَاكِينِالْمَسَاكِينِجمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر، إذا أطلق المساكين دخل فيه الفقراء، وإذا أطلق الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا جمعوا صار الفقراء لهم معنى، والمساكين لهم معنى. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ. قوله هنا: الْمَسَاكِينِيدخل فيها الفقراء ولَّا ما يدخل؟ وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ؟ المساكين هم الفقراء هنا، وسموا مساكين؛ لأن الفقر أسكنهم؛ لأن الإنسان إذا اغتنى فإنه يطغى ويزداد ويرتفع ويعلو، وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس، وهنا يدخل الفقراء مع المساكين؛ لأن الفقراء والمساكين من الأسماء التي إذا قرنت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، في كلمات إذا جمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، وأيش لون هذا؟ كلمات إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، الفقراء إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، والمساكين إذا كانت وحدها صارت بمعنى الفقراء والمساكين، وإذا قيل: فقراء ومساكين مثل آية الزكاة إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠] صار الفقراء لها معنى، والمساكين لها معنى، لما اجتمعت الآن افترقت، فالفقير من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف، والمسكين من يجد النصف دون الكفاية، نصف الكفاية دون الكمال، فهمتم الفرق بينهما؟ ومثلًا البر والتقوى، إذا قيل: البر، وحده دخل فيه التقوى، وإذا قيل: التقوى، وحدها دخل فيها البر، وإذا قيل: البر والتقوى، صار البر: فعل الطاعة، والتقوى: اجتناب المعصية، ومثل الإيمان والإسلام. المهم في كلمات في اللغة العربية ولا سيما الحقائق الشرعية إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت. وقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا، وفي قراءة: {حَسَنًا}، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حَسَنًا}، هذا أيضًا مما أخذه الله على بني إسرائيل من العهد: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا، والقول الحسن يشمل الحسن في هيئته، وفي معناه، ففي هيئته أن يكون باللطف واللين وعدم الغلظة والشدة، هذا في هيئته، وفي معناه بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قول حسن فهو خير، وكل قول خير فهو حسن، إذن، حسن في هيئته وفي معناه، فهيئته أن يكون بلطف ولين، ومعناه أن يكون خيرًا، مثل الأمر بالمعروف حسن، ولَّا لا؟ حسن، النهي عن المنكر؟ حسن، تعليم العلم النافع؟ حسن، مخاطبة الناس بالسلام وكيف أصبحت وكيف أمسيت وما أشبه ذلك، هذا حسن. ضد القول الحسن قولان: قول السوء، وقول ليس بسوء ولا حسن، أما قول السوء فإنه منهي عنه، وأما القول الذي ليس بسوء ولا حسن، فليس مأمورًا به؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ، فهمتم الآن؟ إذن قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًاأو {حَسَنًا} ضدها أيش؟ أمران: قول السوء وهو منهي عنه، أو ما لا يوصف بحسن ولا سوء وهو غير مأمور به. وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَأَقِيمُوا الصَّلَاةَمعناها قولوا: الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، إي نعم، هذه تسمى إقامة للصلاة، لكن أَقِيمُوا الصَّلَاةَمعناها: ائتوا بها قائمة، يعني: قويمة ليس فيها نقص، وذلك بأن تكون بأركانها وشروطها وواجباتها ومكملاتها أيضًا، فإن فعل المكملات من إقامتها، من صلى بلا طمأنينة لم يقمها، ومن صلى بعد الوقت بدون عذر لم يقمها، ومن صلى قبل الوقت لم يقمها، ومن صلى بلا طهارة لم يقمها، المهم إذن لا بد أن يأتي بها بهذه الشروط وأركانها وواجباتها، ويتمم ذلك من مكملاتها، وقوله: أَقِيمُوا الصَّلَاةَالصلاة هذه شاملة لإقامة الفريضة والنافلة؛ ولهذا أنت قبل أن تدخل في النافلة ليست النافلة واجبة عليك، لكن إذا دخلت فيها وجب عليك أن تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها. ما تقول: أنا بأصلي على ما أبغي (...)، حضرت بين يديه وقلت: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥]. كذلك هنا ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْلو قال: ثم تولوا، صار هذا ليس إلا في بني إسرائيل السابقين، لكن إذا قال: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ، وهو نازل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأيش يشمل؟ حتى الموجودين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْيعني: توليتم يا بني إسرائيل من الآن إلى ما سبق، تكون الفائدة هنا هو انتقال الكلام من أسلافهم إلى خلفهم، وفيها أيضًا ثانية: هل أسلافهم كلهم تولوا؟ طالب: إلا قليلًا. الشيخ: إلا قليلًا منهم، حتى الذين في عهد الرسول ما تولوا كلهم أيضًا، فيهم قليل آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فإنه آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم، وكثير أيضًا عدة أناس إذا سمعتم فلان القرظي، فإنه من بني قريظة من اليهود أسلموا. ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْتَوَلَّيْتُمْأعرضتم عن الوفاء بهذا الميثاق، إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْيعني: إلا نفرًا قليلًا منكم، وقَلِيلًاهنا منصوب على أيش؟ على الاستثناء؛ لأنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا وجب عليك أن تنصب (زيد)، إذا قال القائل: وأيش نصبته؟ نقول: شوف الاستثناء، يجيء واحد يقرأ: قام القوم إلا زيدٌ، قلنا: هذا خطأ، ما يصح في اللغة العربية؛ لأنه في الاستثناء يجب أن يكون منصوبًا إذا كان الكلام تامًّا موجبًا. إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَتوليتم وأنتم معرضون الجملة هنا حالية، يعني: توليتم في إعراض، وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض، قد يتولى ولكن قلبه متعلق بما وراءه، ولكن إذا تولى مع الإعراض، فإنه لا يرجى لتوليه أن يكون يقبل بعد ذلك، وهذا أشد، المتولي المعرض أشد من المتولي غير المعرض، أما فهمتم؟ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَوهذه الجملة وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَمحلها نصب على الحال من التاء في قوله: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ. طالب: أليس معنى التولي الإعراض؟ الشيخ: لا، التولي معناه ترك الشيء وراء الظهر، لكن إذا قرن معه لا بد أن يفسر؛ لأن الإعراض معناه بالقلب، والتولي بالبدن، يعني معنى التولي لا يمكن أن يؤمل معه الرجوع. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْيعني: واذكروا: إذ أخذنا ميثاقكم، يذكرهم الله تعالى بالعهود التي أخذها عليهم، ما هذا الميثاق؟ والميثاق تقدم اللي معناه: العهد، لكن ما هو الميثاق الذي حصل والوثيقة؟ أولًا لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْالسفك والسفح بمعنى واحد، وسفك الدم: إراقته، والمراد بسفك الدم القتل، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا» ، وأيش معنى: «يَسْفِكَ بِهَا دَمًا»؟ يقتل نفسًا محترمة، وقوله: لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْأي: لا تريقوها بالقتل، وقوله: دِمَاءَكُمْكيف دماءكم، هو الواحد بيريق دم نفسه؟ دماءكم أي: دماء بعضكم، لكن الأمة الواحدة كالجسد الواحد؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» ، فالأمة الواحدة كأنها جسد واحد مفهوم؟ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْنفس الشيء أَنْفُسَكُمْالإنسان ما هو مخرج نفسه من داره، ولكنه يخرج بعضهم، يعني: يخرج قومه. وقوله: تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْأي: هذا الجلاء، فلا عدوان بقتل ولا عدوان بإجلاء عن الوطن.

ولا شك أن الإجلاء عن الوطن -والعياذ بالله- هو مثل القتل، وربما يكون أشد؛ لأن الإنسان يعيش ذليلًا، ذليلًا إذا أخرج من بلده، يعيش ذليلًا من وجهين: من وجه: أنه غلب على بلده، وهذا ذل، من وجه آخر: أنه صار في البلد الثاني غريبًا، صار غريبًا، ليس عائشًا بينهم؛ لذلك صار إخراج الأنفس من الديار مقارنًا بالقتل وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ. ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه، وأقررتم به، وشهدتم عليه، ولم يكن الإقرار غائبًا عنكم أو منسيًا لديكم، بل هو باق لا زال، وبعد هذا الميثاق والإقرار به والشهادة عليه بعد هذا ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِأيش معنى هؤلاء؟ يعني: يا هؤلاء، وليست خبر المبتدأ، قد يجيء طالب علم مبتدئ بالنحو يقول: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ(أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) خبره، فنقول: لا (أنتم) مبتدأ، و(هؤلاء) منادى حذف منه حرف النداء، يعني: ثم أنتم يا هؤلاء، والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جرى بينهم حرب، تَقْتُلُونَهي خبر المبتدأ، تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْخبره هنا جملة ولَّا مفرد؟ ابن مالك وأيش يقول في الألفية؟ طالب: وخبرًا يأتي ويأتي جملة.

الشيخ:

وَمُفْرَدًا يَأْتِي وَيَأْتِي جُمْلَهْ

.....................

أتى جملة تَقْتُلُونَخبر مبتدأ وهو جملة، تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْيعني: يقتل بعضكم بعضًا، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْتخرجونهم عن الديار، وهذا وقع بين طوائف اليهود قرب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حصل منهم أنهم قتل بعضهم بعضًا، وأخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثم قال: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِعندي فيها قراءة {تَظَّاهَرُونَ} بتشديد الظاء المبدلة من التاء، وأصل {تَظَّاهَرُونَ} تتظاهرون، وتظَاهرون أي: تعالون؛ لأن الظهور معناه العلو، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣] يعني: ليعليه، وسمي العلو ظهورًا من الظهر؛ لأن ظهر الحيوان أعلاه، فقوله: تَظَاهَرُونَأي: تتعالون عليهم.

بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِالإثم والعدوان، وأيش الفرق بينهما؟ الإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير، كل عدوان معصية، وليست كل معصية عدوانًا، إلا على النفس، فالرجل الذي –مثلًا- يشرب الدخان هذا عاصٍ، ومعتدٍ. طالب: على نفسه. الشيخ: على نفسه، دعنا من على نفسه، لكن على غيره لا. الرجل الذي يقتل معصومًا؟ هذا آثم ومعتد، الذي يخرجه من بلده؟ آثم ومعتد؛ ولهذا قال: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِالإثم: المعصية، والعدوان: الاعتداء على الغير بغير حق والجور عليه، فهم -والعياذ بالله- هؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار والشهادة، مع ذلك ما قاموا به، أخرجوا أنفسهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان. إنما هل وجد من هذه الأمة من فعل مثلهم؟ نعم، وجد، وجد تصديقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ، لقد وجد من المسلمين من أخرجوا أنفسهم من ديارهم، ومن قتلوا أنفسهم، يقتل بعضهم بعضًا ويخرج بعضهم بعضًا من دياره. الطالب: شيخ، معنى مِنْ دِيَارِهِمْ(من) هذه للتبعيض ولا؟ الشيخ: لا، هذه للابتداء. وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْوفي قراءة: {تَفْدُوهُمْ}، شوف التناقض: إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىيأتوكم ولا يؤتوكم؟ يَأْتُوكُمْيعني: يجيئون إليكم، أُسَارَىويقال: أسرى، لكن ما هي بقراءة، أسارى جمع أسير، والأسير هو الذي استولى عليه عدوه، ولا يلزم أن يأسره بالحبل، ما هو لازم، لكن الغالب أنه يؤسر به، يقول الله لليهود: أنتم الآن تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، وتتعالون عليهم بالإثم والعدوان، ثم تتناقضون: إذا أتوكم أسارى فديتموهم، يعني: فككتموهم من الأسر بفداء؛ لأنه واجب عليهم هذا، واجب عليهم أن يفدي بعضهم بعضًا، ويزيل بعضهم عن بعض الأذى، فهل هذا إيمان ولَّا لا؟ إيمان ببعض وكفر ببعض؛ ولهذا قال: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْيعني: تفدوهم -المأسورين- وهو محرم عليكم إخراجهم، إخراجهم من أين؟ من ديارهم، فأنتم -والعياذ بالله- ما قمتم بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والفاء في قوله: أَفَتُؤْمِنُونَحرف عطف، والمعطوف عليه؟ وين المعطوف عليه؟ من يعرف المعطوف عليه؟ طالب: محذوف. الشيخ: وأيش التقدير؟ الطالب: يقدر بحسب السياق فهنا (...). الشيخ: أتناقضون مثلًا؟

الطالب: أتناقضون. الشيخ: أتناقضون؟ فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، وفيه وجه آخر للنحويين: إنه ما حاجة أن نقدر معطوفًا عليه، أن نقول: إن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، وفيه تقديم وتأخير والأصل: فأتؤمنون، وهذه الأمثلة مرت علينا كثيرًا، وقلنا لكم: إن هذا أحسن؛ لأنه أسهل؛ لأن التقدير في الحقيقة أحيانًا يعوز الإنسان، أحيانًا ما يدري وأيش الكلمة المناسبة، لكن إذا قلت: الفاء حرف عطف، وهذا الذي ذكرنا في كل همزة يأتي بعدها حرف عطف، فهذا سبيلها أن تجعل الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف، أو والواو، أو ثم، حسب ما يأتي في الكلام، والمعطوف عليه إما مقدر بحسب السياق، وإما ما سبق، ويكون في الكلام تقديم وتأخير بين حرف العطف وهمزة الاستفهام، إي نعم. يعني: معناه فأتؤمنون على هذا الوجه، أو أتناقضتم أو أتتناقضون فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، اللي يناسبكم تنفذونه واللي ما يناسب تتركونه ما تنفذونه، هذا الذي يعبد الله على هذه الطريق، حقيقةً لم يعبد الله وإنما عبد هواه، إذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: أهلًا وسهلًا وعلى العين والرأس، نحكم الكتاب والسنة ونذعن لله ورسوله، وإذا صار الحق عليه أو ما يحبه: والله هذا يحتاج إلى تأويل، أو لعلنا ما فهمنا المعنى، أو لعله ينزل على بعض الحالات، أو يعصي الله مباشرة، يعني: صراحة بدون تأويل وبدون أي شيء، فيه الآن من الأمة من يفعل هكذا؟ فيه، كثيرٌ جدًّا، حتى بعض الناس في نفسه يقول: والله هذا مذهب أبي حنيفة السهل في ها المسألة بيأخذه، يجيء في موضع آخر مذهب أبي حنيفة أشد من مذهب الحنابلة يأخذ بمذهب الحنابلة، يجيء في موضع ثالث مذهب الشافعي أسهل منهم كلهم يأخذ بالمذهب الشافعي، يجيء لمذهب إمام مالك يقول: مالك إمام دار الهجرة، بنأخذ المذهب؛ لأنه أسهل المذاهب، واحد يحب بطنه ويحب الأكل، ومالك معروف أنه يتوسع في المأكولات يقول: جميع الحيوانات حلال إلا أشياء بسيطة، يقول: مذهب مالك هو المذهب الصحيح، ويبدأ يأكل ما هب ودب، ولكنه في مسائل أخرى ما يوافق على هذا، وأيش رأيكم فيه؟ هل هذا مؤمن حقًّا؟ لا؛ لأن اللي بيتبع شريعة الله ما هو يروح يتتبع الرخص، ويأخذ بأقوال أهل العلم إن وافقت هواه، وإلا تركها، يعرف أن هذا العالم أقرب إلى الصواب من هذا العالم يأخذ بقوله، سواء وافق هواه أو خالف هواه، واضح؟ هذا هو الواجب على المسلم، أما (...) كل مسألة يتبع فيها رأي عالم إذا وافقت هواه، حتى ربما عمل بمذهبين في حالين، يكون اللي يناسبه في هذه السنة مذهب فلان يأخذه، واللي يناسبه في السنة الأخرى مذهب فلان، فيأخذ به.

طالب: في الحج. الشيخ: في الحج وغير الحج، إنسان -مثلًا- أكل لحم إبل ومس امرأة لشهوة، فقال: أنا بأخذ المذهب الشافعي في أنه لا ينتقض وضوئي بأكل لحم الإبل، وبأخذ بمذهب من يرى إن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء، أو مذهب الحنابلة أن مس المرأة مطلقًا؛ لأن الشافعي يرى أن مس المرأة مطلقًا ينقض الوضوء، لو تلمس يده توضأ، فهذا الرجل صافح امرأة وهز يدها، وكيف أنتِ؟ كيف حالكِ؟ وقال: أنا بأخذ مذهب الحنابلة في عدم نقض الوضوء، وبأخذ بمذهب الشافعي في عدم نقض الوضوء بلحم الإبل وبأصلي، نقول له: صلاتك الآن غير صحيحة، على المذهبين غير صحيحة، أو لا؟ لأن الحنابلة يقولون: صلاتك ما صحت؛ لأنك أكلت لحم الإبل، والشافعي يقول: ما صحت؛ لأنك مسست امرأة، ولكنه هو ما يهمه، ما عليكم أنا حر فيما أخطأت، فنقول له: ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا تلاعب بدين الله؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن من تتبع الرخص تزندق، المعروف فسق، لكن بعضهم يقولون: تزندق؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما أراد الله سبحانه وتعالى بهذه العبادة، هؤلاء يقول الله عنهم: يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، اللي يوافقهم يؤمنون به، واللي ما يوافقهم يكفرون به ويردونه، وهذا ليس دأب العابد لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا-أعوذ بالله- فما جزاؤه إلا خزي، وين الحجازية ما عملت، كلنا نعرف قرأنا في ألفية ابن مالك أن الحجازية تعمل، والقرآن بلغة الحجاز، النفي انتقض: (فما جزاء) (إلا)؛ لهذا بطل عملها، وابن مالك رحمه الله يقول في الألفية اقرؤوا البيت: طالب:

إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ

مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ

الشيخ:

إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُوْنَ إِنْ

مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَــــــرْتِيبٍ زُكِنْ

هنا ما بقي النفي؛ ولذلك ألغي عمله فما جزاؤه، والجزاء والمجازاة والمعاقبة معناهما واحد أو متقارب، والجزاء هو إثابة العامل على عمله، يعني: ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وأيش معنى الخزي؟ الخزي: الذل -والعياذ بالله- الذل. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} {عَمَّا يَعْمَلُونَ}، وفي قراءة أظن القراءة المشهورة تَعْمَلُونَاللي في المصحف، وفيها قراءة: {عَمَّا يَعْمَلُونَ} والله أعلم.

قوله: بِغَافِلٍ عَمَّا يعملونهذه صفة سلبية وإلا ثبوتية؟ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَسلبية ولا ثبوتية؟ ما قلنا: إن صفات الله نوعان سلبية وثبوتية؟ الثبوتية هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية هي التي نفاها، فهنا وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍنفي ولا إثبات؟ طالب: نفي.

الشيخ: قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْالضمير يعود على من؟ طالب: على بني إسرائيل. الشيخ: نعم، ما معنى الميثاق؟ الطالب: الميثاق: العهد. الشيخ: ما وجه مشابهته للميثاق؟ الطالب: العهد يعنى كون الله قد أخذ عليهم عهدًا. الشيخ: لا من ناحية اللغوية؟

طالب: لأن العهد يوثق الإنسان ويحجزه عن خارج العهد.

الشيخ: يعني كما يوثق الإنسان بالرباط وشبهه؟

الطالب: نعم. الشيخ: قوله: لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْما المراد بها؟

طالب: لا تقتلوا النفس المعصومة. الشيخ: المراد بسفك الدماء قتل النفس؟ قوله: تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْهو يمكن الواحد يسفك دمه؟ طالب: (...) لا يقتل (...) نفسه، وإنما يقع على بني إسرائيل.

الشيخ: لأيش؟ لماذا؟ الطالب: فإنه من قتل مسلمًا. طالب آخر: أي لا يقتل بعضكم بعضًا. الشيخ: لكن لأيش قال: تقتل نفسك؟ طالب: إشارة إلى أن الفرد من الأمة، أن الأمة كالفرد. الشيخ: أن الأمة كالفرد كالجسد الواحد، فقتل واحد منهم كأنه قتل لنفسه. قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِوأيش إعراب هَؤُلَاءِ؟

طالب: ثم أنتم يا هؤلاء. الشيخ: وأيش إعرابه، وأيش تكون؟ الطالب: منادى. الشيخ: منادى حذفت منه ياء النداء، ما يصح يكون خبر المبتدأ؟ الطالب: لا.

الشيخ: وين خبر المبتدأ؟ الطالب: ما يصلح أن يكون. الشيخ: أين خبره؟ الطالب: خبره؟ الشيخ: إي، (أنتم) أين خبره؟ الطالب: أَنْفُسَكُمْ. الشيخ: ثُمَّ أَنْتُمْأَنْفُسَكُمْ، ما يصلح. طالب: جملة تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ. الشيخ: جملة تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ. قوله: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْوأيش معناه؟ طالب: تعالون.

الشيخ: تعالون، تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْكيف معنى تعالون؟ الطالب: (...) بالاعتداء. الشيخ: وقيل: تعينون أيضًا، تَظَاهَرُونَظاهره: أعانه، تظاهرون عليهم. قوله: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىوأيش معناها؟ طالب: أي: أسرى. الشيخ: ومعنى تُفَادُوهُمْ؟ طالب: يقدمون شيئًا من المال (...). الشيخ: هؤلاء الحلفاء الذين هم الأوس والخزرج كانوا عبدة أوثان قبل الإسلام، وكان يكون بينهم حروب وقتال، فيأتي اليهود ويعينون حلفاءهم على قومهم، مثلًا بنو النضير يعينون الخزرج على من؟ على الأوس، ثم تقوم بنو قريظة مع حلفائها الأوس، فيقتل اليهود بعضهم بعضًا مع أنه محرم عليهم في التوراة، ثم إذا أخذ أحد منهم أسير جاؤوا يفدونه، يعني: يأخذونه بفداء، مثلًا إذا أسر الأوس أحدًا من بني النضير طلبوا قدموا فداء له ليأخذوه، فصاروا بذلك متناقضين؛ لأن شوفوا العهد الذي أخذ عليهم: لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْنقضوا العهد (...) ولَّا لا؟ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْنقضوا العهد في المسألتين ولَّا لا؟ طالب: إي نعم. الشيخ: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْهذه من جملة العهد، يعني: أخذ عليكم العهد أيضًا أنهم إن أسروا وجب عليكم أن تفدوهم، فهمتم؟ ثم قال: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْهذه الجملة عائدة على ما سبق، يعني: تخرجون أنفسكم من دياركم وتظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وهو محرم عليكم إخراجهم، فصاروا الآن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كيف يؤمنون؟ في مسألة الفداء يؤمنون به ويفدون، ومسألة قتل النفس والإخراج لا يؤمنون به، فصاروا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فالذي أخذ عليهم الآن ثلاثة عهود، وهو: أن لا يقتلوا أنفسهم، ولا يخرجوها من ديارهم، ويفدوهم، فوفوا بواحد وتركوا اثنين. وقيل: إن قوله: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِأيضًا من جملة العهد، يعني: أنكم لا تظاهرون عليهم، لا تعينون أحدًا عليهم، يعني: أنتم لا تفعلون بأنفسكم ولا تعينون أحدًا، فعلى هذا يكون العهد مشتملًا على أربع فقرات، ونقضوا كم؟ ثلاثًا منها، وآمنوا بواحدة؛ ولهذا وبخهم الله بقوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.

قوله: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْالمراد بالجزاء أيش؟ العقوبة ما عقوبته إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ، الخزي الذي أصابهم في الدنيا واضح جدًّا، في بني قريظة قتلوا –مقاتلتهم- وسبيت نساؤهم وذريتهم، بني النضير أجلوا أجلاهم النبي عليه الصلاة والسلام من ديارهم، كما قال الله تعالى في سورة الحشر: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر: ٢]. وهذا من الخزي في الدنيا -والعياذ بالله- أما في الآخرة فإنهم لهم العذاب وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، وبذلك اتضح معنى الآية تمامًا وأنها خطاب لمن؟ بني قريظة وبني النضير، حيث أخذ عليهم العهد في هذه الأمور، ولكنهم وفوا بالبعض وتركوا البعض.

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِأُولَئِكَالمشار إليه هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد، اشتروا الدنيا بالآخرة، الاشتراء هنا بمعنى الاختيار، يعني: أخذوا الدنيا وبذلوا الآخرة، فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة، والدنيا مرغوب فيها مشتراة، وما أكثر الذين يشبهون اليهود في وقتنا هذا من المسلمين! ما أكثر الذين يشترون الدنيا بالآخرة على الرغم من كثرة العلم في الوقت الحاضر! لكنه كثر القراء وقل الفقهاء، القراء كثيرون، والعلم كثير، والحجة قائمة، ولكن أكثر الناس يعصون الله سبحانه وتعالى -والعياذ بالله- على بصيرة، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، يقال -مثلًا-: الكذب في البيع والشراء حرام، ولكنهم يكذبون، يقال: الغش حرام، ولكنهم يغشون، يقال: خيانة ولاة الأمور حرام، ولكنهم يخونون، يقال: الولاية على نسائكم يجب أن تتبعوا فيها ما هو أصلح لهم، ولكنهم يتبعون ما هو أصلح لأنفسهم، وعلى هذا فقس، فصار في أمة المسلمين اليوم أناس يشبهون هؤلاء اليهود في كونهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، زهدوا في الآخرة ولا كأنها شيء، ولكنهم عضوا على الدنيا بالنواجذ، نسأل الله السلامة وأن يهدينا وإياهم. وقوله: الدُّنْيَاالْحَيَاةَ الدُّنْيَاوصفت هذه الحياة بالدنيا والدُّنْيَااسم تفضيل.

طالب: لا. الشيخ: لا؟ اسم تفضيل، مذكره أدنى، يقال: رجل أدنى، وامرأة دنيا، من الدنو، سواء كان هذا الدنو دنو المنزلة أو دنو الزمن، فالدنيا في الحقيقة تتصف بدنوين: دنو الزمن؛ لأنها سابقة للآخرة ولَّا لا؟ أين الأول؟ الدنيا، فهي أقرب، ودنو المرتبة والمنزلة، كقوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧]. ومعنى قولنا: اسم تفضيل ما هو المعنى أن فيها فضل يعني، لا، اسم تفضيل من جهة الوزن الصرفي؛ لأن الميزان الصرفي لهم ميزان يسمونه اسم التفضيل. طالب: (...)؟ الشيخ: الدنيا الحقيرة، أنت فهمت معنى غير اللي أنا أريد. وقوله: بِالْآخِرَةِالباء هذه للبدل، وهي تدخل دائمًا على الثمن ولا على المثمن؟ طالب: على المثمن. الشيخ: لا، على الثمن يا أخي، الباء تدخل على الثمن، اشتريت الثوب بدينار، إذن الثمن عندهم الآخرة مبذول، والمثمن الدنيا.

وقوله: بِالْآخِرَةِهي الحياة الآخرة، والحياة الآخرة هي كما قال الله عز وجل هي: الْحَيَوَانُ [العنكبوت: ٦٤] الدنيا حياة، والآخرة حيوان، ومعنى الْحَيَوَانُالحياة الكاملة؛ ولهذا جاءت على هذا الوزن بالألف والنون للدلالة على أنها كاملة، أكمل ما يكون هي حياة الآخرة. قال: فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ-أعوذ بالله- لَا يُخَفَّفُيعني: لا يهون، لا زمنًا، ولا شدة وقوة، وهل أحد يدفع عنهم؟ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَيمنعون من عذاب الله، وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩] -أعوذ بالله- يائسون، ما قالوا: يخرجنا من النار، يُخَفِّفْ عَنَّا، ولا قالوا: يخفف عنا دائمًا يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ-أعوذ بالله- يتمنون أن العذاب يخفف عنهم يومًا واحدًا من أين؟ مما لا نهاية له، أبد والعياذ بالله، يتمنون أنهم يذوقون التخفيف ولو يومًا واحدًا من الأبدي السرمدي -والعياذ بالله- ولكن ذلك لا يحصل لهم فيقال لهم: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا [غافر: ٥٠] بينفعهم ولَّا لا؟ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍما هو نافعهم، والعياذ بالله. إذن هنا يقول: فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُأبدًا ولَّا في بعض الأحيان؟ أبدًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، وما أعظم الأمر لو أن القلوب وعيت ولكن أكثر القلوب في غفلة، نسأل الله أن يوقظ قلوبنا وإياكم.

طالب: وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ، وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ الشيخ: هذا مبتدأ الفوائد. يستفاد من هذه الآية: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُأن اليهود يقرون بالآخرة وأن هناك نارًا؛ لقولهم: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً. الفائدة الثانية: أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون، إما كذبًا وإما جهلًا، والأقرب أنه كذب، وأنها دعاوي باطلة يقولون: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً. الفائدة الثالثة: حسن مجادلة القرآن؛ لأنه حصر هذه الدعوى بواحد من أمرين وكلاهما منتفٍ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًاأَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَوهذا طبعًا على القول بأن (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟ طالب: متصلة. الشيخ: على القول بأنها متصلة، أما على القول بأنها منقطعة، فإنه ليس فيها إلا إلزام واحد وهي أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، وعلى كل حال ففيها حسن مجادلة القرآن. الفائدة الرابعة: أن الله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده، فهمتم؟ وكونه لا يخلف الوعد يتضمن صفتين عظيمتين هما: الصدق، والقدرة؛ لأن مخلف الوعد إما لكذب وإما لعجز، فقول الله جل وعلا: لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَدليل على كمال صدقه وكمال قدرته. وقوله: وَعْدَهُلكن هل يخلف وعيده؟ طالب: قد يغفر. الشيخ: إي، قد يغفره، لكن هذا كمال ومدح، قال الشاعر:

وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ

لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ، أوعدته: في الشر، ووعدته: في الخير؛ ولهذا قال لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي. فالله تبارك وتعالى قد يعفو إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]. هنا وعد ولا وعيد؟ وعد؛ يعني لو كان اليهود ما تمسهم النار إلا أيامًا معدودة ثم (...) منها هذا وعد. الفائدة الخامسة: أن من دأب اليهود القول على الله بلا علم؛ لقوله: أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

والقول على الله -كما سبق في التفسير- يتضمن القول عليه في أحكامه وفي ذاته وصفاته، فهمتم؟ من قال عليه بما لا يعلم، يعني: حلل أو حرم، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال شيئًا من أسمائه وصفاته، فقد قال على الله بلا علم، من قال: المراد باليد القدرة، فقد قال على الله ما لا يعلم، من قال لك: إنها القدرة؟ اليد تحتمل القدرة، وتحتمل اليد الحقيقية، وتحتمل النعمة، فمن قال لك: إن الله أراد بها القدرة أو القوة؟ فيكون من قال ذلك قد قال على الله بلا علم.

تفسير الآيات (٨٧-٨٩)

٠١:٣١:٣٤

{وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} هذا التعبير يمر علينا كثيرًا في مثل (لقد) أن اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق، وعليه فتكون مثل هذه العبارة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام الموطئة له، وقد.

وقوله: وآتيناأعطينا، والإيتاء من الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إيتاء شرعي، وإيتاء كوني قدري، فإن كان وحيًا فهو إيتاء شرعي، وإن كان مما يغذي الجسم فهو إيتاء كوني قدري، على أنه قد يراد بما يغذي الجسم أيضًا الإيتاء الشرعي؛ لقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩]. المهم أن ما كان وحيًا تتغذى بها الأرواح فهو إيتاء شرعي، وما كان مادة يتغذى بها الأجسام فهو إيتاء كوني قدري. قوله تعالى: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء: ٥٤] هذا أيش؟ قدري، وقوله: آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَهذا إيتاء شرعي، يعني: الذي أوتي شرعًا أمر شرعي. قوله: مُوسَىتقدم أنه أكبر أنبياء بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وأرسل إلى فرعون وإلى بني إسرائيل. وقوله: الْكِتَابَبمعنى المكتوب، والكتابة معروفة، وهي مأخوذة من الكَتْب بمعنى الجمع، ومنه كتيبة كتيبة الخيل؛ لأنها مجتمعة، والمراد بالكتاب هنا المكتوب، فهو فعال بمعنى مفعول، وأي كتاب هو؟ التوراة. وَقَفَّيْنَاأي: أتبعنا، قَفَّيْنَابمعنى أتبعنا؛ لأن التابع يأتي في قفا..