تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ١٤

درس صوتي · ٩٤:٠١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

لقوله: مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}ومهما يكتم المرء يعلمه الله سبحانه وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: ٢٣٥]. وفيه -الفائدة السادسة-: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل في بيان الأمر الواقع، فإن من نعمة الله أن يبين لهم الأمر الواقع حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: ألا يستفاد به -أيضًا- أن بيان الأمور الخفية التي يحصل فيها الاختلاف والنزاع من نعمة الله؟ إي نعم، يعني: مثلًا إذا اختلفنا في أمور وكاد الأمر يتفاقم حتى يصل إلى الفتنة، ثم أظهر الله ما يبينه، فإن هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأنه يزيل بذلك هذا الخلاف وهذا النزاع. طالب: ما يستفاد شيء من ذكر السبب بعد حكاية الأمر؟ الشيخ: بعد حكاية القصة؟ الطالب: إي، تأخيره. الشيخ: فائدة تأخير ذكر السبب قبل القصة هو المبادرة بذكر النعمة قبل بيان سببها. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} {قُلْنَا}على لسان موسى، كذا ولَّا لا؟ فيستفاد منه: أن قول الرسول قول لمرسله، طبعًا إذا كان بأمره، قول الرسول الذي يكون بأمر الله يكون قولًا لله. الفائدة الثانية: أن البعض الذي ضرب به هذا القتيل من البقرة غير معلوم، ويش الدليل؟ الطلبة: بِبَعْضِهَا}. الشيخ: لقوله: بِبَعْضِهَا}، أبهمه الله، ومحاولة بعض المفسرين أن يعينوه محاولة ليس لها داعٍ؛ لأن المقصود الآية. الفائدة الثالثة: أنه ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالمعنى، معنى القصة وغرضها دون من وقعت عليه؛ ولهذا نرى أنه من التكلف ما يفعله بعض الناس إذا جاء في الحديث: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كذا وكذا، تجد بعض الناس يتعب ويتكلف في تعيين هذا الرجل، وهذا ليس بلازم، المهم ما هو؟ معنى القصة وموضوعها، أما أن تعرف ما هذا الرجل، ما هذا الأعرابي، ما هذه الناقة مثلًا، ما هذا الحمار؟ ما هو لازم إذ إن المقصود في الأمور معانيها وما توصل إليه، فلا يضر الإبهام في هذا الأمر من قوله: بِبَعْضِهَا}، والله تعالى قد عينه لهم ما فيه شك، أو أن الله أبهمه عنا نحن فقط فقال: بِبَعْضِهَا}ولم يُبيِّنه لنا؛ لأن هذا ما هو أمر مهم. ونستفيد منه فائدة: إذا كانوا قد أمروا أن يضربوه ببعضها فقط ولا عين لهم، نستفيد منه فائدة: أن المبهم في أمور متعددة أيسر على المكلف من المعين، يعني: إذا قيل لك: افعل بعض هذه الأشياء، أسهل مما إذا قيل لك: افعل هذا الشيء، ولَّا لا؟ فيكون في هذا توسعة على العباد إذا خيروا في أمور متعددة (...). وصفهم بالقسوة بقسوة القلب؛ لقوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}. وفيها أيضًا: دليل على لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النعم، ومع ذلك فإنهم لم يلينوا للحق، بل قست قلوبهم على ظهور هذه النعم عندهم. وفيها أيضًا -الفائدة الثالثة-: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ}تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن الحجارة أمر محسوس، والقلب قسوته أمر معقول، إذ إنه ليس المعنى أن القلب اللي هو المضغة يقسو، القلب هو هو، لكن المراد أنه يقسو بإعراضه عن الحق واستكباره عليه، فهو أمر معنوي شُبه بالأمر الحسي، وهذا من بلاغة القرآن: تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين. وفيه: أن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل، ولم يقل: كالحديد؛ لأن الحديد يلين بالنار. وفيه أيضًا: دليل على أن الحجارة تفترق عن قلوبهم؛ لأن فيها خيرًا، وهي: مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وهؤلاء -والعياذ بالله- على العكس. وفيها أيضًا: دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَأو {عَمَّا يَعْمَلُونَ} وهذه الصفة من صفات الله سبحانه وتعالى السلبية أو الثبوتية؟ طالب: السلبية. الشيخ: هي سلبية ولّا ثبوتية؟ هل أن الله نفاها عن نفسه وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ}أو أثبتها؟ الطلبة: نفاها. الشيخ: هل قال: إن الله غافل؟ أو وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ}؟ الطلبة: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ}. الشيخ: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ}، فهي صفة سلبية، وقد مر علينا أن الصفات السلبية التي ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه تتضمن أمرين هما: نفي هذه الصفة، وإثبات كمال ضدها، فهنا نقول في قوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}نفي غفلة الله سبحانه وتعالى عن عملهم وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ. وفيها: إثبات كمال ضد ذلك، وهو العلم والمراقبة أن الله سبحانه وتعالى رقيب على أعمالهم عالم بها وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. وفي هذه الآية من الفوائد: أن الجمادات تعرف الله عز وجل؛ لقوله: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}، وهذا دليل على أنها تعرف الله، وهذا أمر معلوم من آيات أخرى في قوله تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: ١]، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: ٤٤]. وفيها أيضًا من الفوائد: عظمة الله عز وجل؛ لقوله: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}؛ لأن الخشية هي الخوف المقرون بالعلم؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨]، فمن علم عظمة الله سبحانه وتعالى فلا بد أن يخشاه وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}. وفي الآية أيضًا: دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل هذه الحجارة الصماء تتفجر منها الأنهار، ولَّا لا؟ وكان موسى صلى الله عليه وسلم يضرب بعصاه الحجر، فينبجس ويتفجر عيونًا بقدرة الله تبارك وتعالى.

تفسير الآيات (٧٥-٧٨)

٠٠:١٠:٠٧

ثم قال الله سبحانه وتعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: ٧٥]. أَفَتَطْمَعُونَ}الهمزة للاستفهام، والمراد به الاستبعاد والتيئيس، أي: تيئيس المسلمين من أن يؤمن هؤلاء اليهود لهم، وقوله: تَطْمَعُونَ}الطمع معناه: الرجاء المقرون بالرغبة الأكيدة، يعني: أنكم أنتم تطمعون ترجون مع رغبة؛ لأن الذي يرجو الشيء مع الرغبة فيه يقال: طمع فيه، يعني أنكم تطمعون هذا الشيء. وقوله: أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}الإيمان هنا بمعنى التصديق، يعني: أن يصدقوا لكم، ويتبعوا لكم، وهذا أمر بعيد؛ لقوله: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}، و(الواو) هنا للحال، و(قد) للتحقيق، فالجملة في محل نصبٍ حالًا من الواو في يُؤْمِنُوا لَكُمْ}يعني: والحال أن فريقًا منهم يسمعون كلام الله. وقوله: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}الفريق بمعنى الطائفة، وقوله: مِنْهُمْ}أي: من اليهود الذين كانوا في المدينة. وقوله: يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ}هل هذا السماع سمع لكلام الله سبحانه وتعالى حقيقة أو سمع للتوراة تتلى كما في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦]؟ يحتمل هذا وهذا؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن المراد بالفريق هنا: الذين اختارهم موسى وهم سبعون رجلًا لميقات الله سبحانه وتعالى، وأن الله لما كلمه وسمعوه يكلم الله قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: ٥٥] وحرفوا كلام الله، وقيل: بل المراد بسماع كلام الله: سماعهم للتوراة تتلى، ومع ذلك يحرفونها من بعد ما عقلوها، فعليه يكون قوله: يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ}يعني: من غيره،كما في قوله: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦]. وقوله: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}التحريف: التغيير، ومنه قولهم: حَرَفْتُ الدابةَ، يعني: غيرت اتجاهها، التحريف معناه التغيير، وهو نوعان: تغيير لفظي، وتغيير معنوي، أما التغيير اللفظي فمعناه: أن يغير نفس اللفظ، مثل قول اليهود لما قيل لهم: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: ٥٨]، قالوا: حنطة في شعيرة، شوف حطة، غيروه قالوا: حنطة، هذا نسميه تغييرًا؟ طالب: لفظي. الشيخ: لفظيًّا، تغييرًا لفظيًّا، ومثل ما غير بعض المبتدعة في كلام الله من هذه الأمة وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: ١٦٤]، فقرأها: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، علشان يكون الكلام من أين؟ من موسى؛ لأنهم قالوا: الله مو بيتكلم والعياذ بالله وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا، هذا نسميه تحريفًا لفظيًّا، وهو يتبعه التحريف المعنوي، وأحيانًا لا يتغير به المعنى، التحريف اللفظي قد لا يتغير به المعنى، لكنه جناية واعتداء، مثل لو قال: الحمد للهِ، قال: الحمد للهَ، المعنى ما يتغير، لكن لفظه تغير، والغالب أن هذا التحريف الذي هو تحريف لفظي بغير تغيير المعنى، الغالب أنه ما يقع إلا من إنسان جاهل، أو إنسان يريد ذبذبة الناس، وإن كان المعنى لا يختلف، هؤلاء حرفوا الكلم، ومثال تحريف الكلم مثل ما قلنا: وَقُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: ٥٨] فقالوا: حنطة. التحريف المعنوي أن يُبقي اللفظَ كما هو، ولكنه يغير معناه ويقول: المراد به كذا، مما لا يريده الله سبحانه وتعالى به، مثل: الذين قالوا في اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: ٥٤] قالوا: استولى على العرش، وقالوا في اليدين: هما القوة والنعمة وما أشبه ذلك، هؤلاء حرفوا معنًى ولم يحرفوا اللفظ، اللفظ باقٍ على ما هو عليه، لكن المعنى غيروه؛ لأن استوى على العرش ويش معناها؟ أي: علا عليه واستقر، ما هو بمعنى استولى عليه، بل معناه علا عليه واستقر، وكذلك اليد المراد بها يد حقيقية، لكن ما هي مثل أيدينا؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]. يحرفون كلام الله، كلام الله، يعني: التوراة بالنسبة لليهود؛ لأنها كلام الله سبحانه وتعالى كتبها الله تعالى لموسى بيده، يحرفون كلام الله. مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} {عَقَلُوهُ}فهموه، وهذه الكلمة مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُالغرض منها إثبات أن تحريفهم كان عن علم؛ لأن من الناس من يحرف الكلم لكن عن جهل، لو جاء واحد يقرأ القرآن ويكسره ما يقيم حروفه نقول: هذا محرف ولَّا لا؟ طالب: محرف. الشيخ: محرف، لكن ليس عن علم، والذي تترتب عليه العقوبة إذا كان بعد العلم؛ ولهذا قال: مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}عقلوه وفهموه، ولكنهم -والعياذ بالله- حرفوه وغيروه. وَهُمْ يَعْلَمُونَ}يعني: يعلمون أن التحريف محرم وغير جائز، ولكنهم تعدوا الحدود وحرفوا كلام الله، إذا كان هذا بالنسبة لكتابهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، فهل أحد يطمع في أن يؤمنوا للرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا؛ ولذلك ما آمنوا، ما آمن من اليهود إلا نفر قليل، ولَّا غالبهم بقوا على كفرهم وحصل ما حصل -ولله الحمد- من غزوهم وإخراجهم من ديارهم، كما قال الله عز وجل: أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [الأحزاب: ٢٧]، فهؤلاء يبعد أن يؤمنوا لكم؛ لأنهم يحرفون كلام الله مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وبالمناسبة يقولون: إن.. ذكرت صحيفة الكويت في المجتمع في العام الماضي في أربع وعشرين ربيع الثاني تقول: إن النصارى اختصروا الإنجيل، اختصروا منه نحو أربعين بالمئة؛ لأنهم قالوا: هذه الكلمات ما لها داعي، هذا ويش يعتبر؟ تحريف من وراء تحريف؛ لأن أصله محرف، وكذلك التوراة محرفة، ثم جاؤوا هؤلاء واستطالوا الكلام قالوا: إذن نختصره، نأخذ ستين بالمئة فيها بركة، يمكن بعد سنين بعد يأخذون بعدهم أربعين بالمئة يبقى عشرين بالمئة، اللهم عافنا. المهم أن دأب اليهود والنصارى هو التحريف، ولكن مع الأسف أن من هذه الأمة من ارتكب ما ارتكبت اليهود والنصارى، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ، فحرفوا كتاب الله وحرفوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. طالب: (...)؟ الشيخ: إي معلوم، نعم هذا ما هو تحريف للنص، هذا استكبار عن العمل به، إي نعم، التحريف أنه يبقي اللفظ لكن يقول: معناه كذا وكذا، وهذا هو التحريف، وقد وقع التحريف في الكتاب والسنة مثل ما مثلنا، مثلنا بأمثلة من هذا. وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} {إِذَا لَقُوا}الضمير يعود على من؟ على بني إسرائيل والموجود في المدينة اليهود، إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا}أي: قابلوهم واجتمعوا بهم، وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا}أي: بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قَالُوا}هذا جواب (إذا): إذا لقوا قالوا، والقول يكون باللسان ولَّا بالعقيدة؟ الطلبة: باللسان. الشيخ: باللسان وبالعقيدة، لكن هم هنا يقولون باللسان. قَالُوا آمَنَّا}أي: آمنا كإيمانكم، آمَنَّا}يعني: بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، هذا إذا لقوا المؤمنين، وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ}يعني: انفرد بعضهم، ولم يقل: ببعض، بل قال: إِلَى بَعْضٍ؛ لأن (إلى) تدل على الإيواء، يعني إذا أوى بعضهم إلى بعض وخلا به وانفرد به قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ}أي: قال بعضهم لبعض: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}الاستفهام هنا للإنكار، والهاء في قوله: أَتُحَدِّثُونَهُمْ}يعود إلى المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: يقول اليهود بعضهم لبعض إذا اجتمعوا: كيف تحدثون المؤمنين -يعني: الذين آمنوا بالله ورسوله- كيف تحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ يعني: لأيش تحدثونهم بالشيء الذي فتح الله عليكم بعلمه وعلمتموه؛ لأن اليهود يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ما يشكون فيه، ولكنهم تركوا الإيمان به استكبارًا، فهم يقولون: كيف تحدثون هؤلاء بالشيء الذي فتح الله عليكم به فأعلمكم إياه؟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}هذا للتوبيخ، يعني: وين عقولكم؟ أنتم إذا حدثتموهم بهذا وقلتم: إن هذا الذي بعث حق وأنه نبي، يحاجونكم به عند الله، كيف يحاجون به عند الله؟ متى؟ يوم القيامة، وفي هذا دليل على أن الله تعالى يفتح خصومة للمؤمنين والكافرين يوم القيامة، كما تدل على ذلك آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الممتحنة: ٣]، ومثل: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: ١١٣]، وكذلك أيضًا في سورة (حم) أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحكم الله بينه وبين خصومه، فالمهم أن المؤمنين يفتح الله بينهم وبين خصومهم يوم القيامة حكومة، فهنا يقول: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}، فيقول المسلمون لليهود يوم القيامة: أنتم أعلمتمونا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول حق، ومع ذلك كفرتم به وحملتم السلاح عليه، فهذه حجة بينة.. طالب: لقولهم: آمنا (...). الشيخ: إي نعم، آمنا كإيمانكم، أي: بأن الرسول حق وأن الدين حق. لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} {عِنْدَ رَبِّكُمْ}يعني: الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، واللام في قوله: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ}اللام للتعليل ولَّا للعاقبة؟ طالب: للعاقبة. الشيخ: اللام للعاقبة؛ لأن اللام المقترنة في الفعل المضارع الناصبةَ له تكون للتعليل وتكون للعاقبة، قال الله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: ٨]، ويش رأيكم في اللام هذه؟ الطلبة: للعاقبة. الشيخ: للعاقبة، هم ما التقطوه لهذا الغرض، لو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا ما التقطوه بل قتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا، هنا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}هذه للعاقبة ولَّا ما حدثوا المؤمنين بالرسول عليه الصلاة والسلام بما فتح الله عليهم من شأنه لأجل أن يحاجهم المؤمنون، ولكن هذه في الحقيقة فيها إقامة حجة عليهم بلا شك، حجة واضحة أنهم أقروا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى مرسله، ثم كذبوه وقاموا ضده، حجة بينة واضحة. وقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ}الهمزة قلت: إنها للاستفهام والمراد به التوبيخ، وهنا الفاء، ويش هي عاطفة عليه؟ أقول: إن هذا يكثر في القرآن أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}، أَفَلَمْ يَسِيرُوا}، أَوَلَمْ يَسِيرُوا}، أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} [يونس: ٥١]، وأشبه ذلك، يعني أنه يأتي حرف العطف بعد همزة الاستفهام، وهمزة الاستفهام من المعلوم أن لها الصدارة في جملتها، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: ولا صدارة مع وجود الواو، ما فيه صدارة مع وجود الواو؛ لأن الواو عاطفة، فقال بعض النحويين: إن بين الهمزة والواو جملة محذوفة عطفت عليها الجملة الأخرى، وهذه الجملة تقدر بما يناسب المقام، وقال آخرون: بل إن الهمزة مقدمة، وإن حرف العطف هو الذي تأخر، يعني: زحلق حرف العطف عن مكانه وجعلت الهمزة مكانه، فعلى هذا يكون التقدير؟ طالب: فألا تعقلون. الشيخ: فألا تعقلون، يكون التقدير هكذا، أما على الأول فيكون التقدير: أجهلتم فلا تعقلون؟ أو أسفهتم فلا تعقلون؟ المهم يقدر شيء مناسب حسب السياق، الأول الحقيقة أنه أدق، الذي يقول: إن الهمزة داخلة على شيء محذوف، أدق، والثاني أسهل؛ لأن الثاني ما يحتاج عناء وتكلف ما الذي تقدره، ما حاجة، ما يحتاج؛ فلهذا طالب العلم المبتدي يناسبه؟ الطلبة: الثاني. الشيخ: القول الثاني؛ لأنه يقول مثلًا: الفاء هنا حرف عطف، والهمزة سابقة عليه، وهو معطوف على ما سبق، ولا حاجة أن يكلف نفسه عناء التقدير والمناسبة. قال الله تعالى: أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: ٧٧] يعني: كيف يؤنب بعضهم بعضًا بهذا الأمر وهم لو جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه وأنكروا نبوته ولم يؤمنوا، فإن الله تعالى لا يخفى عليه الأمر، يعني: سواء أقروا أو ما أقروا عند الصحابة أن الرسول حق، فإن الله تعالى عالم بهم. أَوَلَا يَعْلَمُونَ}والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، وقوله: أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ}هل هذا توبيخ حيث نزلوا أنفسهم منزلة الجاهل؟ نعم هو هكذا، ولا يظهر لي أن معناه التقرير وأنه مثل قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك، وإن كان محتملًا أن يكون المعنى أَوَلَا يَعْلَمُونَ}أي: قد علموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، لكن كونه للتوبيخ أبلغ؛ لأن التوبيخ يفيد أنهم علموا وأنهم وبخوا على ذلك، على العمل الذي سلكوه؛ لأن هذا العمل اللي سلكوه إنما هو عمل من يظن أن الله لا يعلم. وقوله: مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}ما المراد بالإسرار هنا يا جماعة؟ في نفوسهم ولَّا حديث بعضهم مع بعض سرًّا؟ الطلبة: يشمل الاثنين. الشيخ: يشمل الاثنين؟ وَمَا يُعْلِنُونَ}؟ الطلبة: حديث بعضهم مع بعض. الشيخ: ما يظهرونه للناس، فقوله: مَا يُسِرُّونَ}يشمل ما يسره الإنسان منه في نفسه، وما يسره لقومه وأصحابه الخاصين به، وَمَا يُعْلِنُونَ}ما يعلنه الإنسان لعامة الناس، فالله تعالى يعلم هذا وهذا، لا يخفى عليه شيء. قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ}مِنْهُمْ}منين؟ من اليهود، أُمِّيُّونَ}جمع (أميّ)، والأميّ هو الذي لا يفهم القراءة، إما لا يفهم لفظها أو لا يفهم معناها، لو إن حتى اللي ما يفهم المعنى يسمى: أميًّا؛ لأن قراءة اللفظ بدون فهم المعنى ما يفيد، الأمي يشمل من لا يعرف القراءة، ومن يعرفها ولا يعرف المعنى؛ ولهذا قال: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}، لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ}أي: لا يدرونه ولا يصل إلى قلوبهم علمه، إِلَّا أَمَانِيَّ}(إلا) هنا الاستثناء منقطع، يعني: لكن أماني، ويجوز أن يكون متصلًا، أي: لا يعلمونه إلا علم أماني، و(الأماني) جمع (أمنية)، والأمنية تحتمل معنيين: أحدهما: ما يتمناه الإنسان في نفسه، والثانية: القراءة، والمعنى الثاني أنسب بالآية، يعني: ما يفهمون القرآن ولكنهم يقرؤونه بدون فهم، ويدل على هذا قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج: ٥٢] أي: في قراءته، ومنه قول الشاعر في عثمان رضي الله عنه:

تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ

وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ

تمنى بمعنى: قرأ كتاب الله، فقوله: إِلَّا أَمَانِيَّ}جمع أمنية وهي القراءة، وما أكثرهم اليوم في المسلمين! أكثر المسلمين اليوم ما يعرفون القرآن إلا أماني، ولا يحرصون على أن يفهموا معنى القرآن؛ لأن هذا خلاف الواقع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله يقول: الآن إنسان لو بيقرأ الطب أو يقرأ الحساب أو يقرأ النحو، هل هو يجي على كتب هذه الأشياء ويمر بها لفظًا ويمشي؟ ولا يتأمل معناها ويطلب من يفسرها له ويشرحها له حتى يعقله؟ أيهما الحقيقة؟ الثاني. إذن، إذا كنت تطلب الاهتداء بالقرآن الكريم، فكيف تهتدي به وأنت لا تعرف معناه؟ ما يمكن، ومع هذا القرآن الكريم إذا تدبرته تيسر لك، قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: ١٧]. وأكثر الناس ما يهتم بهذه الناحية، بتأمل وتدبر القرآن الكريم ومعرفة معناه، قليل من يكون هذا طريقه بالنسبة للقرآن؛ ولذلك الآن نزعت بركة القرآن من كثير من الناس؛ لأنهم لا يتبركون به إلا لفظًا، حتى إنك تسمع بعض الإخوان في متاجرهم عنده مسجل للقرآن الكريم، مسجل، هذا المسجل يقرأ القرآن بصوت مرتفع، وعنده في الدكان من يشتم ويسب ويضحك ويسخر ويكذب بالبيع وكل شيء، ويش يصير الحقيقة موقف الإنسان وكتاب الله تعالى فوق رأسه يسمع؟ استهزاء بالقرآن، لكن هم يقولون: هي تبركهم، ما هذه بركته، بركة القرآن في العمل به وبما يترتب عليه من ثواب، أما إنك تهين القرآن والله..، يعني: لو أنه وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: ٦٠]، لو أن الملك أمامك الآن يتكلم بمكبر صوت ويشوفونك العيون ويتكلم، وأنت تتكلم وتسخر وتضحك ويش (...)؟ الطلبة: (...). الشيخ: ما تدري (...) فكيف الآن بكلام الله عز وجل؟ فالمهم إن أنا أقول الآن: مع الأسف الشديد إن كثيرًا من المسلمين بالنسبة لكتاب الله على هذه الحال لا يعلمونه إلا أماني. قال: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}ما يعرفون؛ لأن الإنسان اللي ما يعرف اللفظ ما عنده علم ليس عنده إلا الظن، وقوله: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}هذه عاملة ولَّا غير عاملة؟ طالب: غير عاملة. طالب آخر: لأنه انتقض النفي. الشيخ: لانتقاض النفي، هذه غير عاملة؛ لأن النفي انتقض، يعني: ما هم إلا يظنون (...). من قوله: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ}إلى آخره. فيستفاد من هذه الآية الكريمة: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، يستفاد منه فوائد متعددة: أولًا: أن من كان لا يؤمن بما هو أظهر فيبعد أن يؤمن بما هو أخفى؛ لأن الذي يسمع كلام الله ثم يحرفه أبعد إيمانًا بقول هؤلاء، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعني خلاصة الفائدة: أن من لا يؤمن بما هو أظهر يبعد أن يؤمن بما هو أخفى، أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ}. الفائدة الثانية: أن الله سبحانه وتعالى يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بما يذهب عنه الأسى والحزن؛ لأن الرسول سيحزن إذا لم يؤمن هؤلاء، ولكن الله يبلغه أن هؤلاء قوم عتاة، فليس منك تقصير، ولكن سوء حالهم هو الذي منع استجابتهم. الفائدة الثالثة: إثبات أن الله يتكلم؛ لقوله: يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ}، وكلام الله تبارك وتعالى صفة حقيقية تتضمن اللفظ والمعنى، فهو سبحانه وتعالى يتكلم بحروف وأصوات مسموعة؛ ولهذا قال: يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ}. الفائدة الرابعة: أن كلام الله سبحانه وتعالى من صفاته الفعلية باعتبار أيش؟ طالب: (...). الشيخ: الآحاد، باعتبار آحاده، وأما باعتبار أصل الصفة فهو صفة ذاتية، والفرق بين الصفات الذاتية والفعلية: أن الصفات الذاتية لازمة لذات الله، لازمة لذاته أزلًا وأبدًا، ويش معنى أزلًا؟ أي: فيما مضى، وأبدًا: فيما يستقبل، هذه الصفات الذاتية، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته، فتحدث إذا شاء، بناء على هذا نقول: الغضب من أي النوعين؟ الطلبة: فعلية. الشيخ: فعلية، والرضا فعلية، والمحبة فعلية، وأشياء كثيرة من الأفعال: الاستواء على العرش؟ فعلية، علوه على الخلق؟ الطلبة: ذاتي. الشيخ: ذاتية. الفائدة الخامسة: الرد على الأشعرية وغيرهم ممن يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الحروف عبارة عن كلامنا وليست كلام الله، يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس ما هو الكلام اللي يسمع، ويستدلون لقولهم بقوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: ٨]، فجعل الله ما في النفس قولًا، وبقول الشاعر:

إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا

جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلَا

ويستدلون أيضًا: بأنه لو قيل: بأن الله يتكلم بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، والله سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، إذن فكلامه معنًى قائم بنفسه، ويخلق سبحانه وتعالى أصواتًا تسمع تعبر عما في نفسه، وكلامهم هذا باطل، أما استدلالهم بالآية: يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [المجادلة: ٨]، فنقول: إن هذا القول قول مقيد فِي أَنْفُسِهِمْ}، وهو حجة عليكم لا لكم؛ لأنه يدل على أن القول المطلق يكون في النفس ولَّا بخلاف ذلك؟ طالب: بخلاف ذلك. الشيخ: بخلاف ذلك، ولولا أنه يدل على هذا ما احتاج إلى القيد في أنفسهم، فالحمد لله ما من إنسان يستدل بدليل صحيح إلا كان استدلاله عليه. وأما قولهم: (إن الكلام لفي الفؤاد) إلى آخره، فنقول: أولًا: إن هذا القول ينسب للأخطل، والأخطل جاء بعد تغير اللسان، وهو أيضًا رجل نصراني ما يؤخذ بقوله، ثم من قال: إنه قاله؟ فيحتاج إلى إثبات أنه قاله، وإذا وصل إليه، فوراءه الآفات بعد وصوله إليه. وأما قولهم -الوجه الثالث-: إنه لو كان كلامه بحروف وأصوات لكان محلًّا للحوادث، وما كان محلًّا للحوادث فهو حادث، فيقال: هذه القضية من قالها لكم: إن ما كان محلًّا للحوادث فهو حادث؟ ثم إننا نقول: إن كان يلزم من التزامنا بأنه محل للحوادث (...) الخالق وتقييدنا لا تستلزم نقصًا في الخالق مما لو قيل: الأكل صفة كمال في المخلوق، واللي ما يأكل أنقص من الذي يأكل؛ ولهذا لا يأكل الإنسان إذا مرض واعتلت صحته، والنوم صفة كمال للمخلوق، فهل تثبتونها لله؟ قلنا: لا، ما نثبتها لله؛ لأنها صفة نقص، وهي في نفس الوقت في المخلوق صفة نقص؛ ولذلك إذا كمل المخلوق في الجنة ما يحتاج إلى نوم ولَّا لا؟ ما يحتاج إلى نوم لكمال حياته، أما الأكل فهو أيضًا لا يحتاج إلى الأكل لبقائه؛ لأنه مخلد، لكنه يحتاج إلى الأكل للتلذذ والتفكه به، إي نعم. الحاصل أن قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] يدل على أن كلام الله تعالى مسموع، وأنه بصوت. بقينا: هل الحروف التي نطق الله بها هي الحروف التي يستعملها الناس في لغاتهم؟ ما تقولون؟ الطلبة: هي. الشيخ: نعم، هي التي يتكلم بها الناس في لغاتهم، لكن كيفية أدائها والصوت بها، هذا هو الذي لا يشبهه شيء، ما يمكن أن نقول: إن تصويت الله سبحانه وتعالى بهذه الكلمات كتصويت الإنسان، هذا ما يجوز؛ لأن الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١]، أما الحروف فهي الحروف. ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء اليهود قد حرفوا كلام الله ولَّا لا؟ لقوله: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}. الفائدة -أظنها السابعة-: بيان قبح تحريف هؤلاء اليهود؛ لأنهم حرفوا بعد ما عقلوا، بعد ما عقلوه، والتحريف بعد العقل -بعد عقل المعنى- أعظم ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لأن الإنسان الجاهل قد يعذر بجهله، لكن الإنسان العالم الذي عقل الشيء يكون عمله أقبح -والعياذ بالله- لأنه -نسأل الله السلامة- تجرأ على المعصية مع علمه بها، فهو أعظم. وفيه أيضًا: دليل على قبح تحريف كلام الله، وأن ذلك من صفات اليهود، أو لا؟ وهل هذه الأمة ارتكبته؟ نعم، ارتكبته، لكن التحريف اللفظي محفوظ، ما يمكن يغير القرآن لفظًا، لو غُيِّر أطلع عليه، وكذلك معنًى، ما يمكن أن يغير معنى ويستقر على المعنى المحرف، بل لا بد أن يقيض الله من علماء المسلمين من يبطل هذا المعنى ويرده، لكن المهم أنه وجد من حرف هذا الكتاب، من حرف كلام الله، وجد أناس متعصبون يحرفون الآيات حسب مذاهبهم، حتى إنك تجد بعض العلماء -عفا الله عنا وعنهم- يحرفون الآيات على وجه مستكره، كيف ينطقون بهذا الشيء! وإذا شئت الأمثلة على هذا فراجع كتب الفروع في الفقه، وراجع أيضًا كتب الأصول في العقيدة تجد التحريف العظيم، ومن أعظم الطوائف تحريفًا الروافض، عندهم في تفسير القرآن -والعياذ بالله- تحريفات عظيمة، كبيرة، فظيعة -نسأل الله العافية- فهم وغيرهم ممن ابتلوا بهذه البلية يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه. وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ}يستفاد منها أيضًا: أن هؤلاء اليهود حرفوا بعد العقل وهم يعلمون أن فعلهم منكر، فاجتمع فيهم منكران: المنكر الأول: التحريف بعد عقل المعنى، والمنكر الثاني: العلم بأن هذه الطريقة محرمة ومع ذلك حرفوها، تعرفون شيئًا مما حرفوه لفظًا؟ طالب: قُولُوا حِطَّةٌ} [البقرة: ٥٨]. الشيخ: قيل لهم: قُولُوا حِطَّةٌ}فقالوا: حنطة، وقيل: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا}فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهذا تحريف أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: تحريف لفظًا ومعنًى، كذلك أيضًا: وتطبيقًا، حرفوا تطبيقًا، في التوراة أنزل الحكم بالرجم على الزاني إذا كان محصنًا، وهم حرفوه، جعلوا بدل هذا الحكم أنه تسود وجوههم، ويركب الزاني والزانية على حمار مقلوبين وجه أحدهما للآخر ويطاف بهم في الأسواق، وهم حرفوا مع أن نص الرجم موجود في التوراة، إي نعم. ثم قال تعالى: أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}في هذه الآية يستفاد منها: توبيخ هؤلاء اليهود على التحريف، يعني: أهم في جهل أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}؟ وفيها أيضًا: توبيخ من يستحقه، وهذا أيضًا مشروع أن من يستحق التوبيخ فليوبخ، وليس في ذلك عدوانًا عليه. وفيها من الفوائد: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. وفيها أيضًا: الوعيد على مخالفة أمر الله، من أين يتضمن الوعيد على المخالفة؟ طالب: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ}. الشيخ: إي؛ لأن كون الله يعلم ما يسر وما يعلن الإنسان لا شك أنه وعيد، يعني: احذر أن يعاقبك الله، فقال الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: ٢٣٥]. على كل حال هذه أربع فوائد من الآية هذه، ونعود إلى ما نسينا. قال: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}إلى آخر الآية. يستفاد منها: أن في اليهود منافقين؛ لقوله: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}كما قال في أول السورة عن المنافقين: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: ١٤]. وفيها أيضًا: دليل على أن من سجايا اليهود وطباعهم الغدر، من أين تؤخذ؟ طالب: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا}. الشيخ: وجه؟ الطالب: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ}. الشيخ: يعني: أن هذا نوع من الغدر، أو لا؟ نوع من الغدر بالمؤمنين، وهي طبيعتهم الغدر والخديعة. الفائدة الثالثة: أن بعضهم يلوم بعضًا حينما يرجعون إليهم، وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}. الفائدة الرابعة: أن العلم من الفتح؛ لقوله: بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}ولَّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: ولا شك أن العلم فتح، يفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما ينير به قلبه، فهو فتح. الفائدة الخامسة: أن المؤمن والكافر يتحاجان عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؛ لقوله: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ. الفائدة السادسة: سفه هؤلاء اليهود الذين يتخذون من صنيعهم سلاحًا عليهم، من أين تؤخذ؟ طالب: أَفَلَا تَعْقِلُونَ}. الشيخ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، كيف تحدثهم بشيء هو سلاح عليك؟ سلاح على نفسك، على الأقل إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، على الأقل إذا كنت لا تريد الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، فلا تخبرهم أن الرسول حق؛ لأنهم يقولون: آمنا، يعني: أن الرسول حق، ولكنهم -والعياذ بالله- مستكبرون منافقون. وفيه: دليل على الثناء على العقل والحكمة؛ لأن قولهم: أَفَلَا تَعْقِلُونَ}توبيخ لهم على هذا الفعل، وأنه يجب أن الإنسان يكون عاقلًا ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ما هو بس يمشي خبط عشواء، لا، الإنسان ينبغي أن يكون في أموره كلها ما يتكلم إلا يشوف ويش النتيجة من الكلام، ما يفعل إلا ويشوف نتيجة الفعل، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . أما كون الإنسان يتكلم خبط عشواء ولا تهمه النتائج فهذا خلاف العقل، واضح يا جماعة؟ طالب: نعم. الشيخ: إذا كان فيه فوائد ثاني عندكم لا بأس، المسألة موضع بحث. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، أن كفرهم بالرسول عليه الصلاة والسلام عن علم؛ لقوله: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}؛ ولهذا صاروا مغضوبًا عليهم حيث خالفوا الحق مع علمهم به. طالب: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ}هذا يقوله بعضهم لبعض، كيف نأخذ فائدة من كلامهم؟ الشيخ: معلوم؛ لأن الله ما ذكره إلا مقرًّا له، وذكرنا أيضًا في التفسير شاهدًا عليه من قوله تعالى: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} [الممتحنة: ٣]. قال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}. يستفاد من هذه الآية: أن الأمية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: بقوله: أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ، ومعنى أَمَانِيَّ: قراءة. الفائدة الثانية: ذم من لا يفهم معاني كتاب الله؛ لأن الأمية وصف عيب ولَّا وصف ثناء؟ الطلبة: وصف عيب. الشيخ: وصف عيب في الأصل، إلا في الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنها وصف كمال؛ لأن فيها زيادة إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضًا: دليل على أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}، وصحيح اللي ما يفهم المعنى، العامي الآن يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن ما يفهم معناه، فإذا تكلم في الحكم الشرعي من أحكام الله التي دل عليه الكتاب، فإنما كلامه؟ الطلبة: ظن. الشيخ: عن ظن؛ لأنه في الحقيقة ما يعلم، ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى. وفيه: دليل -أيضًا- على ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود، وهذا موجود كثيرًا عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: إنهم علماء، تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن والسنة وهو لا يعلم، هل نأخذ من هذا أن المقلد ليس بعالم؟ طالب: إي نعم. الشيخ: ويش السبب؟ طالب: لأنه لا يفهم. الشيخ: إي؛ لأنه ما يفهم، ما يفهم المعنى في الحقيقة، المقلد ما يفهم فليس بعالم، وقد قال ابن عبد البر: إن العلماء أجمعوا على أن المقلد لا يعد في عداد العلماء، هو صحيح ما هو بعالم المقلد، غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب، والكتاب أضبط منه؛ لأن الكتاب ما ينسى، لكن هو قد ينسى، وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقًا، التقليد في موضعه هو الواجب، ومتى يكون موضعه؟ إذا عجز عن الاستدلال، إذا كان لا يعلم وجب عليه التقليد؛ لقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} [النحل: ٤٣، ٤٤]، اللي ما يعلم وظيفته السؤال ولَّا ماذا يصنع؟ طالب: شيخ، الحكم بالظن موجود فيه بعض الأحاديث ظنية؟ الشيخ: لا، هذا علمية، علم. الطالب: حاصل الآحاد ظني؟ الشيخ: لا، أولًا: الآحاد ليست ظنية كلها، والثاني: أنه علم؛ لأنك مأمور بأن تحكم بذاك، وله معنى العلم أنك تعرف أنك أصبت الصواب؛ لأن كون ظني، بمعنى أني أظن أني أصبت الصواب، لكني مأمور بأن أحكم في هذه الحال، ما ترجح عندي فأنا مأمور به، إذن فهذا علم. طالب: الدليل ظني. الشيخ: لا، الدليل ظني، لكن ويش معنى ظني؟ يعني: ما أتيقن أني أصبت لأني مجتهد، واضح؟ لكن كوني أحكم به إذا ترجح عندي ويش يصير؟ طالب: علم. الشيخ: هذا علم، لكن كوني أني أتيقن أني مصيب، هذا ما يمكن أتيقن أني مصيب إلا في أمور قطعية الدلالة مثل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: ٣]، ومثل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ١٨٣]، ومثل: لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: ١٩]، ومثل: لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: ١٢] وما أشبه ذلك. طالب: الاستدلال بالآية للأمور الشرعية ولَّا للأمور العامة؟ الشيخ: أي آية؟ طالب: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: ٤٣]. الشيخ: عامة. طالب: يعني: أي شيء لا يعرفه الإنسان يسأل عنه؟ الشيخ: يسأل عنه نعم، (...) بس عاد لا يصير مثل البدوي يشرب المي ويقول: يا ولد هو حلو، هذا ما يصلح. طالب: شيخ، في الأمور العامة الدنيوية الله عز وجل بين في تنزيل الكتاب؟ الشيخ: نعم، في آيتين: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: ٧]، وقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٣، ٤٤]. الطالب: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ}هذا، ويش محله من الإعراب؟ الشيخ: متعلق بـ لَا تَعْلَمُونَ}: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، ويحتمل أن قوله: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ}متعلق بـ أَهْلَ الذِّكْرِ}: أهل الذكر بالبينات والزبر، إنما هو إذا لم تشمله الآية لفظًا فهي تشمله معنى، يعني بالقياس، تشمله معنى بالقياس، كل شيء ما تدري عنه فاسأل عنه. طالب: ما يستدل بالآية على الأشياء الدنيوية؟ الشيخ: بلى، يستدل لأننا قلنا: إذا كانت ما تشمله الآية المطلقة؛ لأن في آيتين: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وفي آية ثانية: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ}فهمت؟ فالأولى مطلقة، والثاني مقيد، إذا قلنا: إن الآية ما تشمل الأمور الدنيوية باللفظ، فهي تشملها بالقياس، وهذه طريقة الآن، الآن اللي ما يمشي -مثلًا- ما يعرف الطريق خارج بيسافر -مثلًا- مكة وما يعرف الطريق؟ طالب: لا، إحنا مؤمنين بذلك بس نقول: نحمل الآية على هذا؟ الشيخ: إي، نحمل الآية إما بالشمول اللفظي، أو بالشمول المعنوي وهو القياس. طالب: ما فيه مرتبة -مثلًا- بين التقليد والاجتهاد؟ طالب آخر: يعني: إن كان الاجتهاد المطلق فيه مرتبة، وهو الاجتهاد في مذهب معين. طالب آخر: لا يجتهد في مذهب معين، مجتهد وآخر مقلد؟ الشيخ: إي، ممكن يصير المجتهد مقلد، يعني: مجتهد في بعض الأشياء، ومقلد في بعض الأشياء. طالب: لكن تفسير الناس التقليد هو ليس اتباع، بعضهم يقول: فيه فرق، يعني فيه شيء يسمى التقليد، وشيء يسمى الاتباع؟ الشيخ: لا، إذا كان من غير دليل فهو تقليد، يعني قبول قول الغير بدون دليل هو تقليد، وإذا كان بدليل فليس بتقليد؛ ولهذا لا يصح أن نسمي اتباعنا للرسول عليه الصلاة والسلام تقليدًا، ما يصح أن نسميه تقليدًا، بل نسميه اتباعًا، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: ٣١]، لماذا؟ لأن قوله صلى الله عليه وسلم وسنته دليل. الطالب: إذن متبع الدليل يكون مقلد أو يكون؟ الشيخ: لا، ليس متبعًا وليس مقلدًا. الطالب: إذن صار فيه فرق، فيه مرتبة؟ الشيخ: لا، ما فيه مرتبة، فيه فرق بالمعنى، المقلد هو الذي يتْبع من لا يجب قبول قوله، والمتبع هو الذي يتبع من يجب قبول قوله. طالب: وما هو مجتهد؟ الشيخ: المجتهد يحكم بالدليل، والدليل من أين يصدر؟ من الرسول صلى الله عليه وسلم، من الكتاب والسنة، فالذي يحكم بذلك يسمى مجتهدًا، ويسمى متبعًا، وأما الذي لا يستطيع أن يعرف ذلك بنفسه من كتاب الله وسنة رسوله فإنه يسمى مقلدًا. طالب: (...) الشيخ: هذا المنكر نقول: لا تفعله لو أنت عارفه، المنكر ما يفعل، لكن الكلام: إنك لو بغيت تعرفه، مين تسأل؟ طالب: اللي يعرفونه. الشيخ: تسأل اللي يعرفونه، إي نعم. طالب: شيخ، نأخذ من الآية أن (...)؟ الشيخ: يمكن يؤخذ منها هذا: أن الإنسان اللي يقتصر على مجرد القراءة يكون مشابهًا لهؤلاء اليهود من هذا الوجه، وهذا ذكرناه فيما سبق في التفسير أنه يجب علينا أن نقرأ كتاب الله ونتدبر معناه ونطبقه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك. طالب: شيخ، الأماني من العلم قال: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}؟ الأماني هل هي من العلم؟ الشيخ: إي، القراءة من العلم يعني: علمت لفظه، وبعضهم يقول: إن الاستثناء هنا منقطع، وأن المعنى: إلا بمعنى ذاك، لكن الصواب أنه متصل ولا مانع؛ لأن معرفة اللفظ نوع من العلم. الطالب: ويش يكون إعراب أَمَانِيَّ}؟ الشيخ: أَمَانِيَّ}مسلط عليها لَا يَعْلَمُونَ}، فـالْكِتَابَ}مفعول أول، وأَمَانِيَّ}مفعول ثاني. طالب: صار مفرغًا. الشيخ: نعم، مفرغ، المفعول ثان.

تفسير الآيات (٧٩-٨٦)

٠١:١٢:١٨

قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} [البقرة: ٧٩] فَوَيْلٌ}هذه كلمة وعيد يتوعد الله تعالى من اتصفوا بهذه الصفة، وهي مبتدأ، وجاز الابتداء بها وهي نكرة. طالب: (...) الخبر جار ومجرور. الشيخ: ما يكفي هذا، لو قلت: رجل في البيت، ما صح، ما عندك غير هذه؟ طالب: نكرة مخصصة. الشيخ: ويش هو فيه؟ الطالب: لِلَّذِينَ. الشيخ: لا، لِلَّذِينَ}خبر المبتدأ، لِلَّذِينَ}هي خبر مبتدأ ما هي بصفة لها. الطالب: لِلَّذِينَ}هي الخبر؟

الشيخ: إي نعم، وما تقولون: لأنها أفادت، ابن مالك ويش يقول؟ طالب: قال: النكرة. الشيخ: ما لم تفد، فمعنى ذلك أن مناط الجواز الإفادة، يكفي أن نقول: أفادت، فويل لفلان -مثلًا- أفادت، أما هذا المعنى الخاص لها فيقولون: لأنها وعيد، فهي قد أفادت الوعيد، ويقولون في مثل: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: ٥٤]؛ لأنها دعاء، فأما قولنا: اللي سوغ بها الابتداء أنها وعيد، والوعيد يفيد، إي نعم. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}، {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}قوله: الْكِتَابَ}بمعنى المكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مَفْعول) تأتي في اللغة العربية كثيرًا، ولها أمثلة منها (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس)، و(بِناء) بمعنى؟ طالب: مبني. الشيخ: (مَبني)، و(صِراط) بمعنى (مَصْروط). قوله: يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}هذا الجمع مفعول مؤكد للفعل، إذ إن الكتابة لا تكون إلا باليد، يعني: يكتبونه بأيديهم لا يأمرون غيرهم، هم يباشرون هذه الجناية العظيمة. ثُمَّ يَقُولُونَ}بعدما كتبوه بأيديهم وعرفوا أنه من صنع أيديهم يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}-أعوذ بالله- نزل من عند الله، وقولهم: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}أي: كتاب الله؛ لأن الكتاب اللي يأتي من عنده فهو كتاب الله، لماذا؟ التعليل: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا}. قوله: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}مبتدأ وخبر؟ الطلبة: إي نعم. الشيخ: مبتدأ مبني على السكون، هَذَا}(ها) للتنبيه، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ومِنْ عِنْدِ اللَّهِ}جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وقوله: لِيَشْتَرُوا بِهِ}اللام للتعليل، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لِيَشْتَرُوا بِهِ}، واللام الداخلة على الفعل تكون للتعليل مثل: لِيَشْتَرُوا بِهِ}، وتكون للعاقبة مثل قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: ٨]، وتكون زائدة مثل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ} [الصف: ٨] أي: يريدون أن يطفئوا؛ لأن الفعل (يريد) يتعدى بنفسه بدون حرف الجر، وتأتي للأمر، مثل: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: ٧]، وتأتي لتحقيق النفي وتسمى لام الجحود مثل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: ٣٣]، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: ١٣٧]. فصار اللام المتصلة بالمضارع تكون على خمسة أوجه، تحبون هذا ولَّا نتركها؟ لكني أنا أشوف أنكم ترغبون بالنحو؟ يقولون: النحو في الكلام كالملح في الطعام، إذن نقول: اللام الداخلة على الفعل المضارع لها خمسة أوجه، اللام هنا لِيَشْتَرُوا بِهِ}لام التعليل، يكتبونه ويقولون: هذا من عند الله، يزيفون لهذا الغرض. طالب: اللام الأخيرة؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: لِيَشْتَرُوا}. الشيخ: اللام هذه للتعليل لِيَشْتَرُوا بِهِ. الطالب: (...)؟ الشيخ: لام الجحود. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، الصحيح أنها للوعيد. الطالب: (...)؟ الشيخ: ما عليها دليل، إي نعم. يقول: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا}لِيَشْتَرُوا بِهِ}أصل يشتروا أصلها: يشترون، لكن حذفت النون؛ لأن الفعل منصوب بـ(أن)، التقدير: لأن يشتروا، قوله: يَشْتَرُوا}أي: يبيعوا ولَّا يأخذوا؟ الطلبة: يأخذوا. الشيخ: وشرى؟ الطلبة: باع. الشيخ: باع، العامة عندهم الآن شرى أي: اشترى أخذ، وحقيقة شرى يعني: أعطى بمعنى باع، وباع بمعنى أعطى، وابتاع بمعنى أخذ، صار يبتاع يعني: افتعل من شرى، وافتعل من باع هي التي بمعنى الأخذ ولَّا لا؟ وفعل من شرى، ومن باع بمعنى أعطى، إي نعم، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: ٢٠٧] يَشْرِي}بمعنى يبيع. لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}الثمن: العوض، عوض الشيء يسمى ثمنًا، أي: ليأخذوا به ثمنًا، قَلِيلًا}، أي: ضد الكثير، ومعلوم الكثير في الكمية ولا في الكيفية؟ طالب: في الكمية. الشيخ: في الكمية، ما هو هذا الثمن القليل؟ هو الرئاسة والجاه وما أشبه ذلك، يكتبون ويقولون: هذا من عند الله؛ لأجل أن يداروا به عباد الله في تحليل حرام أو إسقاط واجب أو تزلف لرئيس أو ما أشبه ذلك، علشان الناس يقضون عليهم، ولكن كل هذا الأمر اللي حصل ثمن قليل، قال الله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: ٧٧]، مهما حصل في الدنيا من رئاسة وجاه ومال وولد فهو قليل، قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح اللي رواه أحمد من حديث المستورد بن شداد: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، من الدنيا، أي دنيا؟ كلها، من أولها إلى آخرها، برئاساتها وأموالها وبنيها وقصورها وكل ما فيها، موضع سوط السوط، ويش يجي منه؟ متر تقريبًا، موضع سوط خير من الدنيا وما فيها، إذن الدنيا قليل؛ ولهذا قال الله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧]، أنت إذا ارتقيت بعلمك درجة واحدة خيرٌ لك من أن تكون فوق قمم الرؤوس على وجه دنيوي ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لأن كل هذا سيزول، لكن ما عند الله سبحانه وتعالى يبقى ولا يزول، إي نعم، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}. ثم أكد فقال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}الجزاء بقدر العمل، بالأول أطلق، يعني هنا الآية ما فيها تكرار، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ}هذا مطلق، (ويل) ما ندري ويش قدر هذا الويل، قال: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}يقول: هذا الويل على قدر أيش؟ قدر ما كتبوا، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}وويل لهم مما يكسبون على هذه الكتابة، هذا المتاع القليل أو الثمن القليل اللي كسبوه يعذبون به ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: يعذبون به، ثم ما ينتج من إضلال الخلق إلى يوم القيامة يعذبون به، «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، لكن عندنا في الأمة الإسلامية كتبوا بأيديهم وقالوا: هذا خير مما عند الله -أعوذ بالله- كتبوا كتبًا يسمونها الكتاب الأخضر وقال: هذا أحسن من القرآن، وأتوا بصلاة تسمى صلاة الفاتح وقالوا: هذه خير من تلاوة القرآن ست مئة مرة -أعوذ بالله- ليتهم قالوا: هذا من عند الله، يعني: كلامهم هذا يتضمن أن ما كتبوه خيرٌ مما جاء من عند الله -والعياذ بالله- إي نعم، صاروا -والعياذ بالله- أخبث من هؤلاء اليهود صاروا أخبث من اليهود. وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم؛ لأن هذه الآية فيها فوائد عظيمة تتعلق بهذه الأمة وخصوصًا في علمائهم، وقالوا من جملة كذبهم. سؤالك يا أخ؟ طالب: (...) ألا يشمل المالي؟ الشيخ: قلنا: يشمل كل ما في الدنيا من مال وجاه ورئاسة. طالب: القليل (...)؟ الشيخ: المعروف أن القليل أنه يكون في الكمية، والضعيف يكون في الكيفية، هذا المعروف، ولكن ما يمنع أنه يكون قليلًا بهذا وهذا، أنه يستعمل في المعنى هذا وهذا. طالب: الآن يا شيخ لما أنك تنصح كثيرًا من الناس بالبعد عن الترف في الحياة الدنيا بالذات يستدلون عليك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (...): «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ -مثلاً- أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» . الشيخ: يحب أن يرى أثر نعمته عليه، صحيح، لكن أثر النعمة بالشكر ما هو بالبطر؛ لأن آثار النعمة من أهمها الشكر لله عز وجل؛ ولهذا الرسول (...) الله أنعم عليه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وماذا فعل؟ طالب: قام الليل. الشيخ: قام حتى تفطرت قدماه وقال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» ، أما واحد يعطيه الله مال يقول: بأبذخ وأبذخ، وهذا أثر النعمة ما هو صحيح. طالب: يستدلون من الكتاب يا شيخ يقول لك: وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: ٧٧]؟ الشيخ: أحسنت، نصيبك منها أن يقول: لا تنس نصيبك، لا يعطيك الله مالًا ولا تتمتع به على الوجه المباح، واه أنا عندي مال لكن أبغي أحط كتابي شينة، بأحط مركبي شين، وأجي أحط فراشي شين، وبيتي شين، ولا نبغي أتزوج إلا عجوز، لا، ما هو بصحيح، لا تنس نصيبك من الدنيا ما قال الله: خل الدنيا كلها ذكر واقعد، نحن ما نخالف نرد عليهم، أقول لك هذا لترد عليهم به. طالب: هذه الآية، فيه بعض الناس يكتبون آيات يعني: يريدون سنة العلاج والدواء (...)؟ الشيخ: هذه إن شاء الله تجي في الفوائد. وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً}من جُملة ما قالوا وكذبوا يقولون اليهود: نحن لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة وبعد هذه الأيام المعدودة نخرج وتخلفونا فيها، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هذا كلام باطل وأماني كاذبة، كيف هؤلاء ما تمسهم النار إلا أيام معدودة! ولهذا أنكر الله عليهم. وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا} {تَمَسَّنَا}: تصيبنا، (...). أنه الأمر الواقع، وليس معنى ذلك أنه لو أن أحدًا قال شيئًا وادعى أنه من عنده وليس من عنده لا يخرج عن هذا الوعيد. الفائدة الثانية: أن هؤلاء الذين يكتبون الكتاب يكتبونه بأيديهم (...) تحقيقًا لهذا الأمر، يعني: ليسوا -مثلًا- يأمرون أو يلمحون، وإنما يباشرون ذلك بأيديهم عتوًّا وعنادًا من غير مبالاة. الثالث هنا: الوعيد على الذين يكتبون الكتاب بأيديهم فقط؟ أو ثم يقولون: هذا من عند الله؟ ثم يقولون: هذا من عند الله. الفائدة الثالثة: أنهم يفعلون ذلك من أجل الرئاسة والمال والجاه؛ لقوله: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}. الفائدة الرابعة: أن الدنيا كلها مهما بلغت فإنها قليل، كما قال الله تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: ٧٧]، ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: مهما بلغت فهي قليل، وقد مر علينا في الحديث الصحيح: أَنَّ مَوْضِعَ سَوْطِ أَحَدِنَا فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}. الفائدة السادسة: إثبات العلل والمسببات؛ لقوله: مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ}فإن هذا بيان للعلة علة الوعيد فَوَيْلٌ لَهُمْ}، والسبب أنهم كتبوا بأيديهم، وهذه غير الفائدة الأولى؛ لأن الفائدة الأولى أن الجزاء من جنس العمل فجزاهم بقدر ما كتبوا. الفائدة السابعة: أن عقوبة القول على الله بغير علم تشمل الفعل وما ينتج عنه من كسب محرم؛ لقوله: وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}، فهذه دليل على أن ما نتج عن المحرم من الكسب فإنه يأثم فيه الإنسان، يعني: يأثم الإنسان بفعل المحرم وبما كسبه منه، فهمتم؟ مثلًا إنسان عمل عمل محرم -كالغش مثلًا- فهو آثم بالغش، وهذا الكسب الذي أخذه هو أيضًا آثم به، فالفعل المحرم وما نتج عنه كله إثم؛ لقوله: وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}. هل يستفاد من هذه الآية تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟ طالب: (...). الشيخ: يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}. طالب: ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}. الشيخ: ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}وليس من عند الله، وليس من عنده، إذن ما يستدل به على تحريم أخذ الأجرة على كتابة القرآن، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا ما هم عوقبوا على كتابة التوراة مثلًا، لو كتبوا التوراة كما أنزلت ما عوقبوا عليه، لكن عوقبوا على أنهم كتبوا وقالوا: هذا من عند الله وليس من عنده، إي نعم. من جملة كذبهم على الله قولهم: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} {قَالُوا}الضمير يعود على اليهود، لَنْ تَمَسَّنَا}يعني: لن تصيبنا، النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً}النار يعنون نار الآخرة. وقوله: إِلَّا أَيَّامًا} {أَيَّامًا}نكرة للتقليل، ومَعْدُودَةً}مؤكدة للقلة أيضًا، يعني: إلا أيام قليلة معدودة، فما هذه الأيام المعدودة؟ المشهور -وهو الأظهر، والله أعلم- أنها أيام عبادتهم العجل، كم؟ طالب: أربعين. الشيخ: أربعون يومًا، هذه الأيام المعدودة، قالوا: إنها لن تمسنا النار إلا هذه الأيام فقط، ثم بعد ذلك نخرج منها وتخلفوننا فيها، يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته، فهم يقولون: أنتم النار لكم، لكن نحن تصيبنا أيامًا معدودة فقط، فنحن نقول: إقراركم على أنفسكم مقبول، ودعواكم الخروج من النار دعوى لا بينة لها.