تفسير سورة الأحزاب - ٤
درس صوتي · ٩١:٤٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
إلا بشريعة الله، بشريعة الله فتحوها، فصار ذلك نصرًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النصر -كما نقول كثيرًا- ليس انتصار الإنسان بشخصه، بل انتصاره بما جاء به ودعا إليه، ولو كان على أيدي أتباعه، ولو كان ذلك من بعد موته، ما دام أن ما جاء به ينتصر، والله أعلم. وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ [الأحزاب: ١٠، ١١]، فإن وقفت قلت: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، والثالثة: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ، يعني: وصلًا ووقفًا، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الأحزاب: أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: ٦٦]، فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [الأحزاب: ٦٧]، فيها هذه القراءات الثلاث، إي نعم. ما هي الظنون التي ظَنُّوها بالله عز وجل؟ نأخذ الفوائد إذن؟
يستفاد من الآية الكريمة قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: بيان مِنَّة الله عز وجل على هذه الأمة أولها وآخرها بهذا الدفاع من الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين. وجهه: أن الله أمرنا بأن نذكر هذه النعمة. ويستفاد من الآية الكريمة: أن نعمة الله عز وجل إما إيجادُ محبوب، أو دفع مكروه، والذي في الآية من باب دفع المكروه. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الكفار للمؤمنين؛ لأنهم تحزَّبُوا ضدهم، قد تكون هذه القبائل ليس بينها رابطة في حد ذاتها، ولكن من أجل أنها اتفقت في عداوتها للإسلام اجتمعت. ويستفاد من الآية الكريمة: أن اليهود لا عهد لهم، وأنهم أهل غدر وخيانة. وجهه: نَقْض بني قريظة للعهد الذي بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل القبائل الثلاثة من اليهود كلها عاهدت الرسول عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة، ومع ذلك فإنهم نقضوا العهد، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، كلهم نقضوا العهد؛ لأن اليهود من أشد الناس غدرًا وكذبًا. ويستفاد من الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، من قوله: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا [الأحزاب: ٩]. ويستفاد منها: ما أشار إليه بعض أهل العلم من أن الريح إذا جاءت مُفْرَدَة فإنها تكون في العذاب، وإذا جاءت مجموعة فإنها تكون في الرحمة، إلا أنها قد تأتي مُفْرَدَة في الرحمة إذا وُصِفَت بما يدل على ذلك، مثل قوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [يونس: ٢٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جنود لله عز وجل؛ لقوله: وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: ٩]، فإن قلت: هنا ما أُضِيفَت إلى الله عز وجل، فكيف تقول: إنهم جنود الله؟ لأنه يقول: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا، أضاف إرسالهم إليه، وقد قال تعالى في آية أخرى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١]. فإن قلت: هل الرب عز وجل محتاج إلى جنود؟
فالجواب: طبعًا لا، ولا يمكن يكون محتاجًا، لكن لماذا سُمُّوا جنودًا مع أنه لا حاجة به إليهم؟ لأنهم يقومون بأمره، ويدافعون عن أوليائه، فهم بمنزلة الجنود، وإلا فالله عز وجل لا يحتاج إليهم ولا إلى غيرهم؛ لأنه غني عن كل أحد. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس لا يرون الملائكة؛ لقوله: لَمْ تَرَوْهَا، وهو كذلك، لكن قد يرونهم؛ مثلما رأى الناس جبريل حين جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، والساعة وأماراتها. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: عموم علم الله سبحانه وتعالى بكل ما نعمل، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب: ٩]، وهل يشمل ذلك عمل القلب؟ يشمله، بدليل قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦] ، وهو عمل قلب، أما عمل الجوارح فظاهر. ويستفاد من الآية الكريمة: الترغيب والترهيب، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، فإن هذا فيه بالنسبة للعمل الصالح ترغيب، وأن هذا العمل لن يُهْدَر؛ لأنه معلوم عند الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يُجَازِي عليه، وترهيب لمن؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما نقول: الكفار، من عمل سيئة تهديد له، عندما تحدثك نفسك يومًا من الأيام بأن تعمل سيئة لأنه لا يطلع عليها أحد من الخلق فاذكر أن الله يطلع عليك، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرًا، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ» ، ليس معك في مكانك، ولكنه معك وهو على عرشه سبحانه وتعالى مُحِيط بك. وقال تعالى: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب: ١٠]، خمسة أشياء ذَكَّرَهُم الله بهم؛ ليتبين وجه النعمة. فيستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن ذُكِّر أن يُذْكَر له وجه ما ذُكِّر به، أو لا؟ الإجمال ليس كالتفصيل. إذن نأخذ من هذا فائدة؛ أنه ينبغي للمُذَكِّر أن يُفَصِّل فيما ذَكَّرَ به؛ ليكون ذلك أبلغ في تَذَكُّر المخاطب. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحالة التي وقعت للمسلمين حالٌ عظيمة رهيبة، وأنهم لا يستطيعون أن يدفعوا بأنفسهم، وبهذا يتبين وجه نعمة الله سبحانه وتعالى عليهم؛ لأن الأعداء محيطون بهم، ولأن أبصارهم زاغت، وقلوبهم بلغت الحناجر، والأوهام والأفكار التي عندهم قد تكون قد دَوَّخَتْهم من هنا ومن هناك؛ لقوله: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. ويستفاد من الآية الكريمة: أن المخاوف تُرْبِك الإنسان حتى في تصوراته؛ لقوله: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، فإن الإنسان المستقر ما تكون عنده ظنون متباينة متعارضة؛ لأنه مستقر، لكن عندما يحصل الفزع وعندما يحصل الخوف تأتي الظنون من كل جانب، من كل وجه. ويستفاد من الآية الكريمة: أن خوف الإنسان الخوف الطبيعي من المخلوق لا يُعَدّ شركًا، من أين تؤخَذ؟ من قوله: زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، فإن هذا من شدة الخوف، وهو خوف من مخلوق، لكن الباعث عليه الأمر الطبيعي، وإذا كان أمرًا طبيعيًّا فإنه لا يؤاخَذ به الإنسان، ولهذا وُصِفَت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل وُصِفَ به أولو العزم من الرسل، قال الله تعالى عن موسى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص: ٢١]، ولما كَلَّفَه الله بالرسالة قال: أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الشعراء: ١٤]، فهذا خوف طبيعي ما يلام عليه الإنسان. وفي الآية الكريمة أيضًا دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم على ما هم عليه من المرتبة العالية قد تعترضهم الظنون بسبب الضيق؛ لقوله: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، وهو يخاطب المؤمنين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الأحزاب: ٩]، فهم لشدة الضيق قد تعتريهم مثل هذه الوساوس، لكنها في الحقيقة سحابة صيف، عندما يرجع الإنسان إلى وعد الله عز وجل يزول عنه هذا كله ويتبدل. ولهذا سيأتينا في سياق الآيات قوله تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب: ٢٢]، سبحان الله! يرون هذه الأحزاب العظيمة ثم يُطَمْئِنُون أنفسَهم بأن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله؛ لأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وهم لَمَّا رأوا هذه الأحزاب العظيمة وما يترتب على وجودهم من الشدة والضيق عرفوا أن النصر قريب، فإن الله عز وجل قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤]، شوف نصر الله قريب في مثل هذه الحالة، مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا.
إذا طَبَّقْت هذه على حال المؤمنين في وقت الأحزاب وجدت أنها تنطبق، آخر الآية: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، إذن صدق عليهم أن هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله في قرب النصر. والحاصل أن مثل هذه الأمور التي تأتي عارضة ما تؤثر على مرتبة الإنسان وعلى حاله؛ لأنها تزول. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان إذا غلبته الحال حتى وردت عليه مثل هذه الظنون فإنه لا يَحُطّ من مرتبته، لكن كما قلت قبل قليل: إذا استقرت به الحال وهدأت هذه الظنون عرف الحق. ويستفاد من الآية الكريمة من قوله: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب: ١١] يستفاد منها: تصوير الحالة التي كان عليها المؤمنون في تلك اللحظة، وهو الابتلاء العظيم، هذا ابتلاء بالنسبة لما حصل من الأحداث، وبالنسبة لنفوسهم هل هي مستقرة؟
الجواب: لا، َزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، فاجتمع عليهم الابتلاء الظاهري الذي يشاهَد بالعيان، والابتلاء الباطني الذي هو زلزلة النفوس وعدم استقرارها، ولهذا قال: زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا. وفي هذه الآية الكريمة أيضًا: بيان القاعدة العامة، وهو أن الله تعالى يذكر النِّعَم مضافةً إليه، ويذكر النقم غالبًا في البناء للمجهول؛ لأن هنا قال: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ، وَزُلْزِلُوا، ممن وقع ذلك؟ من الله سبحانه وتعالى، لكنه في مقام الخير يُضِيفُ الله سبحانه وتعالى الشيء إلى نفسه تمدحًا، وفي مقام خلاف ذلك تأتي الأفعال مبنية للمجهول. وانظر إلى قول الجن: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، ففي الشر قالوا: أُرِيدَ، وفي الرَّشَد أضافوه إلى الله عز وجل؛ لأن الشر لا يضاف إلى الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ، فلا يجوز للإنسان أن يضيف الشر إلى الله أبدًا، فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل؛ لأن مفعولات الله عز وجل لها جهتان: جهة باعتبارها فعلًا لله، وجهة باعتبار ذاتها، أما باعتبار ذاتها –أي: ذات المفعولات- ففيها خير وشر بذاتها، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق١: ٢]، وأما باعتبارها فعلًا لله فليس فيها شر، واضح يا إخوان؟ باعتبارها فعلًا لله ما فيها شر، وباعتبار ذاتها فيها خير وشر، باعتبار الفعل ليس فيها شر؛ لأن الله ما قَدَّرَها إلا لحكمة، ثم لو تأملت الأشياء التي هي شر لوجدت أنها تتضمن خيرًا ولو كانت شرًّا، الفساد في البَرّ والبحر من الْجَدْب والفقر وغير ذلك شرّ، لكن مآله الخير، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. ثم قال: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: ١٢].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان أن المنافقين ينتهزون الفرص. وجهه: أنهم في هذه الفرصة وحالهم الحال الضيقة الحالكة بدؤوا نشاطهم، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: وين الوعد؟ ففيه دليل على أن المنافق على اسمه منافق، إن لم يجد فرصة سكت وصَانَع ودَاهَن، وإن وجد فرصة نطق وتكلم، وهذا دأبهم، إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: ١٤].
ويستفاد من الآية الكريمة: الحذر من المنافقين؛ لأنهم لا يَأْلُون المؤمنين خبالًا، كلما وجدوا مطعنًا أو مكانًا للطعن هجموا، نسأل الله أن يُعِيذَنا منهم. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن القلوب تنقسم إلى صحيحة ومريضة؛ لقوله: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وكذلك الأبدان تنقسم إلى مريضة وصحيحة، وانظر حال الناس اليوم هل هم أشد على مداواة القلوب من مداواة الأبدان، أو على مداواة الأبدان من مداواة القلوب؟ الأخير إلا مَن شاء الله، أكثر الناس اليوم حريصون على مداواة الأبدان التي مآلها أن تكون جيفة يأكلها الدود دون القلوب التي عليها مدار سعادة الدنيا والآخرة، تجد الإنسان يمرض قلبه، وربما يصل إلى درجة الاحتراق، ولكنه لا يبالي به، فإذا أصيب بشوكة في بدنه هرع إلى الأطباء، ولو حصل في ذلك مشقة وتعب. ولكن العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظرٍ إلى قلبه ومرضه وصحته، وسلامته وعطبه، هذا هو المؤمن حقًّا، ولا شك أن القلب إذا صحَّ صَحَّ البدن، ولست أقول: صَحّ البدن أن المؤمن لا يمرض، لكن المؤمن لو مرض يرى أن في هذا المرض منفعة له ومصلحة، ولَّا لا؟ وبهذا يكون مرض بدنه صحة لقلبه؛ لما يحصل عنده من الصبر والرضا بالله عز وجل، وانتظار الفرج، وفعل الأسباب التي جعلها الله تعالى أسبابًا يعتمد على الله تعالى بما جعله سببًا. الحاصل أن مرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الله تعالى ورسوله قد وَعَدَ المؤمنين بالنصر؛ لقوله: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب: ١٢]، والوعد مذكور في القرآن والسنة للمؤمنين، قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]، شوف الوعد العظيم، حَقًّا عَلَيْنَامُؤَكَّد، نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، والملتزم بهذا يا إخواني هو الرب عز وجل الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من المؤمنين ما يلاحظون هذه الأشياء، مع أن الله تكفَّل بهذا. وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» ، ونصره عليه الصلاة والسلام ليس نصرًا لذاته، ولكنه نصر لما جاء به، فيكون النصر له ولأمته من بعده أيضًا. ويستفاد من الآية الكريمة: بيان أن المنافق نظره قاصر، وكذلك مَن في قلبه مرض نظره قاصر. وجهه: أنهم ما نظروا إلا إلى الساعة الحاضرة، ما فكروا في العاقبة، ومثل هذه الأمور التي تَرِد هذه أمور عوارض، لكن العاقبة للمتقين، فالأمور العوارض لا يَبْنِي عليها أحد إلا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدنيا أيضًا لا تنظر للأمور العارضة، فإن كما قيل: دوام الحال من المحال، ولكن ما دمت واثقًا بوعد الله عز وجل فَثِقْ أن هذا الوعد سوف يتحقق، لكن تعتريه عوارض بحكمة من حكم الله عز وجل يبتلي بها، ثم تكون العاقبة للمتقين، أظن انتهت الفوائد. (...). عظيمة ما منهم أحد رجع عن دينه، لكن توجد كلمات –مثلًا- من ضعيف الإيمان لكنها لا تستقر. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، مع شدة دعاية المنافقين؛ لأن المنافقين لا شك أن عندهم دعاية عظيمة، ما هم ساكتين، لا يسكتون، لكن ما شاء الله، ثَبَّتَهم الله. (...)
تفسير الآيات (١٣-١٦)
٠٠:٢٤:٣٤
{قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} [الأحزاب: ١٣]، وَإِذْ قَالَتْهذه معطوفة على ما سبق، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَيعني: واذكر هذه القولة المنكَرَة، إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْالطائفة: الجماعة من الناس، ومِنْهُمْالضمير يعود على المنافقين كما قال المؤلف: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْأي: من المنافقين). يَا أَهْلَ يَثْرِبَيثرب يقول: هي أرض المدينة، وقيل: هي المدينة نفسها، فأهل العلم بالتاريخ اختلفوا هل يثرب اسم للمكان والمنطقة التي فيها المدينة، أو أن يثرب هي نفس المدينة؟ وظاهر الحديث أن يثرب هي المدينة. وقوله: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ: هي أرض المدينة، ولم تُصْرَف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)، يعني: ممنوعة من الصرف لهاتين العِلَّتَيْن العلمية ووزن الفعل، ويدل على أنها ممنوعة من الصرف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنه مضاف إليها، وحق المضاف إليه أن يكون مجرورًا، وهنا الكلمة مفتوحة؛ لأنها تُجَرّ بالفتحة كسائر الأسماء التي لا تنصرف. وقول المؤلف: (للعَلَمِيَّة ووزن الفعل)؛ لأن يثرب التي هي اسم على وزن يثرب الذي هو فعل، ولها علة أخرى غير وزن الفعل، وهي التأنيث، العَلَمِيَّة والتأنيث؛ لأنها اسم لبقعة، وكأن المؤلف رحمه الله قال: (للعلمية ووزن الفعل) ليشير إلى أن هذه الكلمة (يثرب) مأخوذة من التثريب، وهو اللوم والتوبيخ، وما أشبه ذلك من الكلمات التي فيها عَتْب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ» ، وهذا دليل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كَرِهَ أن تسمى يثرب، وهو أحد القولين في المسألة. وأما الحديث الذي رُوِيَ: «مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ» ، فهو ضعيف، لكن يكفي عنه هذا الحديث الذي في الصحيحين، «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» .
الحاصل أن قوله: يَا أَهْلَ يَثْرِبَكأن المؤلف رحمه الله اختار أن يقول أنه لم يؤخَذ من فعل لهذا السبب. (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْبضم الميم وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكانة)، (مُقام) بضم الميم وفتحها، أيش معنى كلام المؤلف؟ هي قراءتان لَا مُقَامَو{لَا مَقَامَ} قال: (لا إقامة ولا مكانة)؛ (لا إقامة) تفسير للضم مُقَامَ؛ لأنه من الرباعي، والرباعي يقال في مصدره الميمي: (مُقام)، و{مَقام}: لا مكانة، على أنها اسم مكان، واسم المكان بفتح الميم، المعنى: لا موضع للإقامة، على كونها اسم مكان، أو لا إقامة لكم، لماذا يقولون: لا مُقَام لكم؟ لأنهم يريدون الفرار، ولا يريدون البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال؛ إذ إنهم منافقون، والمنافق ليس صبورًا على القتال، بل لا يريد القتال، ولو ظهر الأمر في يده لقاتل مَن؟ المسلمين. وفي قوله: يَا أَهْلَ يَثْرِبَإشارة واضحة إلى القومية والعصبية؛ لأنه دعاهم باسم الوطن، ما قال: يا إخوتنا، ولا قال: يا أيها المسلمون، إنما قال: يا أهل يثرب؛ لأنه ليس عنده دين يقاتل من أجله، وإنما هو قوميّ يريد الحمية فقط. لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، إلى أين؟ يقول المؤلف: (إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى سلع -جبل خارج المدينة- للقتال). وقوله: لَا مُقَامَ لَكُمْحسب ما يُعْرَف في اللغة العربية إنه نفي عامّ؛ لأن (لا) النافية للجنس تفيد العموم، يعني: ما فيها أي مقام على أي حال من الأحوال فارجعوا، ومثل هذا التعبير إذا قيل لقوم ليس في قلوبهم إيمان لا يُبْقِي منهم أحدًا، لا بد أن يرجعوا.
ثم قال الله عز وجل بناء على هذا الأمر وأنه لا مقام لهم، قال: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، هؤلاء أهون من الأولين؛ لأن الأولين دَعَوْا إلى الفرار بدون استئذان، قالوا: لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، أما هؤلاء فإنهم يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن استئذانهم للرسول عليه الصلاة والسلام ليس كاستئذان المؤمنين الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، لكنهم يستأذنون خداعًا وتمويهًا، ولهذا يقول: يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، أي: من المنافقين، النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجوع يَقُولُونَ. يَسْتَأْذِنُبمعنى: يطلب الإذن؛ لأن استفعل تأتي كثيرًا بمعنى: طلب الشيء، ومنه: اسْتَغْفَرَ؛ طلب المغفرة، واستعتب؛ طلب العتب والعظة. وقوله: يَقُولُونَالجملة إما أنها حال من فَرِيقٌ، يعني: حال كونهم يقولون، وإما أن تكون عطف بيان أو بدلًا من قوله: يَسْتَأْذِنُ، وكلاهما له وجه؛ أما على قولنا: إنها حال، فلأن النكرة هنا وُصِفَت، والنكرة إذا وُصِفَت تخصصت، فجاز وقوع الحال منها، أليس هذا؟ وأما على قولنا بأنها بدل أو عطف بيان فعلى حد قول ابن مالك رحمه الله، ماذا قال؟
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ
يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ
إذن يجوز فيها وجهان؛ أن تكون بدلًا من قوله: يَسْتَأْذِنُ، وأن تكون عطف بيان مثل البدل، وأن تكون حالًا من فاعل يَسْتَأْذِنُ. يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌقال: (غير حصينة يُخْشَى عليها)، يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام في مبرر الاستئذان: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌونخشى عليها من العدو، والعورة هنا يعني غيرة حصينة؛ لأن الحصن يحميها ويسترها، كما يستر الثوب عورة الرجل، فهذا معنى قولهم: إنها عورة، يعني: مكشوفة لا يمكن أن نأمن من هجوم العدو عليها. وفي قراءة لكنها غير سبعية (عَوِرَةٌ) بكسر الواو، أي: معيبة. قال الله تعالى مبطلًا دعواهم: (وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ: ما يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا)، هنا ينبغي الوقوف على قوله: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ؛ لأنك لو وصلت لأَوْهَم أن قوله: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍمن قول المنافقين، فيكون في ذلك تناقض وفساد للمعنى، فتقف يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، ثم تستأنف القراءة وتقول: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ. وقوله: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍأحب أن نسمع إعرابها من واحد منكم يا نحاة البصرة. طالب: (...). الشيخ: مبنية على الكسر؟ الطالب: (...). الشيخ: على السكون. الطالب: الفتح. الشيخ: الفتح؟ صح. طالب: (...). الشيخ: زائد إعرابًا.
الطالب: (...). الشيخ: لو قال قائل: مَن الذي يقول: إنها حجازية؛ لأن النص ليس بظاهر على الخبر، أفلا يجوز أن تكون بِعَوْرَةٍخبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل؟ فبماذا نجيبه؟ الطالب: (...). الشيخ: ما الدليل؟ نريد شاهدًا من القرآن يؤيد قولك. الطالب: (...). الشيخ: مَا هَذَا بَشَرًافنصب، فدلّ ذلك على أن القرآن نزل بمقتضى لغة الحجازيين. قال الله تعالى: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، إِنْقال المؤلف: ما، (ما) هذه أيش معناها؟ الطالب: (...). الشيخ: تفسير لـإِنْ؟ إذن (إن) هنا أيش؟ الطالب: (...). الشيخ: نافية؛ لأنها فُسِّرَت بـ(ما)، و(ما) نافية، ويدل لذلك إتيان إِلَّابعدها، ولَّا لا؟ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، فهذا دليل على أنها نافية، و(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية، ويش مثاله؟ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ [الأنفال: ١٩]، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل؟ الطالب: (...). الشيخ: هذه (أَنْ). الطالب: (...). الشيخ: لا، هذه شرطية. الطالب: (...). الشيخ: (أنْ). الطالب: (...). الشيخ: إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ [طه: ٦٣] هذه مخففة من الثقيلة، هذه ثلاث، وتأتي زائدة؟ الطالب: (...). الشيخ: هذه (أنْ)، ما يخالف، لو ما فيه غير القرآن، ائتوا لنا بشيء من كلام العرب ولّا من غير القرآن. الطالب: (...).
الشيخ:
.... مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ
وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
هذه زائدة، أو لا؟ يعني: ما إن أنتم، أي: ما أنتم، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ الذي يُعَيِّنُه السياق، وهذا باتفاق العلماء، أي: أن وجود الألفاظ المشتركة التي تتعين بالسياق ثابت في اللغة العربية.
لكنهم اختلفوا في مسألة الحقيقة والمجاز؛ فمنهم من أثبت ذلك، ومنهم من نفى، وقالوا: إن المجاز والحقيقة كالاشتراك في المعنى، والاشتراك أنتم تقولون به، وهذا هو القول الراجح كما سبق عدة مرات بأن الصحيح أنه لا مجاز في اللغة العربية.
يقول: إِنْ يُرِيدُونَهذا كلام الله عز وجل، وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، يعني: ما يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، وهذه الجملة كما تشاهدون جملة حصرية، يعني: تفيد الحصر، أي أن هؤلاء ما لهم إرادة أبدًا سوى الفرار من القتال، فالبيوت مُحَصَّنَة، ولا يُخْشَى عليها أكثر مما يُخْشَى على المدينة، وليس لهم أي عذر إلا عذرًا واحدًا، وهو الفرار من القتال؛ لأنهم لا يريدون مواجهة العدو، بل هم العدو، كما قال الله عنهم. قال الله تعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا [الأحزاب: ١٤]، وَلَوْ دُخِلَتْ، لَوْهذه شرطية، وفعل الشرط فيها دُخِلَتْ، وجواب الشرط لَآتَوْهَا. لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَاالفاعل فَسَّرَه المؤلف بالمدينة، يعني: لو دُخِلَت المدينة عليهم من أقطارها، وتفسيره إياها بالمدينة يؤيده قوله في أول الآية: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ، وفَسَّرَه بعضهم بالبيوت، أي: ولو دُخِلَتْ عليهم البيوت من أقطارها. ويؤيد هذا التفسير قولهم: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، لكن يرجِّح الأول؛ أنها المدينة، قوله: مِنْ أَقْطَارِهَا؛ لأن الغالب أن كلمة مِنْ أَقْطَارِهَاما تأتي للبيوت؛ لأن البيوت صغيرة، فجهاتها لا يُطْلَق عليها قطر، وإنما الأقطار إنما تكون للشيء الكبير. ولهذا قال: (مِنْ أَقْطَارِهَا، أي: نواحيها)، يعني لو دَخَلَ العدو المدينة من نواحيها كلها، أو من أي ناحية منها، (ثُمَّ سُئِلُواأي: سألهم الداخلون الْفِتْنَةَ، لَآتَوْهَابالمد والقصر، أي: أَعْطَوْهَا وفعلوها). ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَالفاعل مَن؟ نائب الفاعل المنافقون، لكن مَن السائل الفاعل في المعنى الداخل للمدينة من أقطارها، لو سألهم هذا الداخل الفتنة، الفتنة يقول المؤلف: (الشرك)، والدليل على أن الفتنة بمعنى الشرك قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: ١٩٣]، أي: لا يكون شرك. وقال الإمام أحمد رحمه الله في قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: ٦٣]، قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشِّرْك، هؤلاء لو دُخِلَت عليهم المدينة لم يكن عندهم إخلاص في الإسلام وبقاء عليه، بمجرد ما يسألهم الداخلون الكفرَ يوافقون عليه؛ لأنهم قوم لا يريدون إلا الدنيا فقط، يريدون أن يعيشوا في الدنيا ولو عيشة الحمار، أما أن يعيشوا عيشة المؤمنين فإنهم لا يريدون هذا، ولذلك يقول: لَوْ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ، (...). قصر، و(آتوها) هذا المد، والفرق بينهما أن (أتى) بمعنى: جاء، و(آتى) بمعنى: أعطى، وتفسير القراءتين أو مجموع التفسير يدل على أنهم يُعْطُون ما سُئِلُوا، ويأتون إليه بانقياد، يعني أتى الشيء يعني: جاءهم باختياره، وآتاه بمعنى أعطاه ولو عن كُرْه، ولكن مع ذلك هؤلاء قوم يُعْطُون ما سُئِلُوا أيش؟ عن اختيار، ولهذا في القراءة الثانية {لَأَتَوْهَا} لجاؤوها. فصار هؤلاء القوم الذين يَعْتَذِرُون، أو الذين يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم بحجة أن بيوتهم عورة، صار الأمر خلاف ما قالوا؛ لأن الله أَخْبَرَ عنهم، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما في قلوبهم، وهذا من اطِّلَاع الله تعالى على ما في القلوب، أخبر عن أمر مستقبل لم يقع يصدر ممن؟ من قوم لا نعلم نحن ما في قلوبهم، ولكن الله يعلم، والله عز وجل يعلم ماذا يحدث من عبده لو حصل لهم ما يحصل به هذا القصد. بل إنه سبحانه وتعالى يعلم أبلغ من ذلك، قال عن الذين يقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لعملوا صالحًا، قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨]؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم ما في قلب الإنسان، قال: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، {لَأَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا}، تلبثوا بمعنى: تَرَيَّثُوا، يعني: لا يتريثون في إعطاء الفتنة وقبولها إلا يسيرًا. قوله: إِلَّا يَسِيرًاقيل: إن هذا بمعنى إلا عدمًا؛ لأن اليسير والقليل قد يراد به العدم. وقال بعضهم: إِلَّا يَسِيرًاأي: إلا قليلًا على وجه الحقيقة، وهذا الزمن اليسير هو ما بين السؤال والجواب، يعني: ما بين أن يُسْأَلُوا ثم يُجِيبُوا، هذه المسافة من المدة طويلة ولَّا لا؟ قصيرة جدًّا، هي كالمسافة التي بين قول القائل: بعتك هذا الشيء، فيقول المشتري: قبلت، يعني أنهم -والعياذ بالله- لا يتلبثون ولا يتريثون أبدًا، بل يقبلون فورًا، ليس بين قبولهم وسؤال الفتنة إلا ما بين مُدَّتَيِ السؤال والجواب. وفي الحقيقة أن هذه المدة القصيرة كالعدم، ولهذا فُسِّرَ قوله: إِلَّا يَسِيرًايعني: إلا عدمًا.
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [الأحزاب: ١٥]، وَلَقَدْ كَانُواالجملة هذه مُؤَكَّدَة بكم من مؤكد؟ الطالب: (...). الشيخ: الواو ما هي مؤكدة. الطالب: (...). الشيخ: باللام وقد، أيش بعد؟ نحن قلنا: ثلاثة.
الطالب: (...). الشيخ: قسم مُقَدَّر، كلما جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه مُؤَكَّد بالمؤكدات الثلاثة، يعني: والله لقد كانوا عاهدوا الله من قبل، القَسَم تقدَّم لنا أن الله تعالى يُقْسِم عن الشيء لا في جانب الإنكار، ولكن في جانب الأهمية، وقد يقسم عليه في جانب الإنكار مثل: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧]. هنا أَكَّدَ الله تعالى هذا العهد منهم أنهم عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، وهذا العهد بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، والمعاهدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم معاهدة مع الله، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠]، فهم عاهَدُوا الرسول عليه الصلاة والسلام ألَّا يَفِرُّوا ولا يُوَلُّون الأدبار، ولكنهم نقضوا العهد؛ لأن نقض العهد والخيانة والكذب من خصال مَن؟ مِن خصال المنافقين، تلك سجية فيهم، نسأل الله العافية. عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ، ما محل قوله: لَا يُوَلُّونَمن الإعراب؟ قال بعضهم: إنه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب لقوله: (عاهد)، وقال بعضهم: إنها بيان للمعاهدة، يعني: إن المعاهدة اللي وقعت أنهم لا يُوَلُّون الأدبار. كلمة لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَتحتاج إلى مفعولين؛ المفعول الأول الأدبار، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: لا يولون عَدُوَّهم أدبارَهم، تولية الدُّبُر معناه: الانصراف والانحراف، فبدلًا من أن تكون وجوههم نحو العدو تكون أدبارهم نحو العدو، فهم أقسموا بالأول وعاهدوا أنهم لا يولون الأدبار عند ملاقاة الأعداء، ولكنهم نقضوا العهد، قال الله تعالى: وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًاقال المؤلف: (وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًاعن الوفاء به). فعلى هذا تكون المسؤولية ما هي عن العهد نفسه، بل عن الوفاء به، فالعهد مسؤول، يعني مسؤول عن الوفاء به، والسؤال عن الوفاء به سؤال عن وقوعه أيضًا، فيقال –مثلًا-: أليس بيني وبينك عهد؟ ألم تنقض العهد؟ فيكون السؤال عن نفس العهد وعن الوفاء به، هذه المسؤولية متى تكون؟ في الدنيا أو في الآخرة؟ أما المسؤولية التي بين الإنسان وبين ربه فإنها في الآخرة، وأما المسؤولية التي تكون بينه وبين الناس فهي في الدنيا يطالَب بالوفاء بالعهد، وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا. ثم قال تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ [الأحزاب: ١٦]، لَنْتفيد ثلاثة أشياء، يذكرها لنا الأخ. طالب: (...). الشيخ: النفي، والنصب. الطالب: (...). الشيخ: أيش؟ الطالب: (...). الشيخ: لا. الطالب: (...). الشيخ: والاستقبال، يعني أن الفعل المضارع محتمل لأن يكون للحال أو للاستقبال، فإذا دخلت عليه (لن) تَعَيَّنَ أن يكون للاستقبال، وهل (لن) للنفي المؤبَّد؟ يعني تستلزم وتقتضي النفي المؤبد؟ ولَّا تكون للتأبيد ولغير التأبيد؟ الطالب: (...). الشيخ: دائمًا لغير التأبيد؟ الطالب: (...). الشيخ: وتكون للتأبيد؟ الطالب: (...). الشيخ: يعني تكون لهذا ولهذا؟ هات مثالًا على التأبيد؟ طالب: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤]؟ الشيخ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا، والآية اللي معنا للتأبيد، لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وتأتي لغير التأبيد؟ الطالب: (...). الشيخ: الظاهر أنها للتأبيد هنا، أو ربما يضرونهم بأكثر من الأذى، أيش تقولون في هذه الآية، هل هي للتأبيد ولَّا لغير التأبيد؟ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى [آل عمران: ١١١] هل إنهم قد يَضُرُّون المؤمنين بغير الأذى، أو لا يضرونهم إلا أذى؟ طالب: (...). الشيخ: قال الله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة: ٩٥] هذه للتأبيد؟ الطالب: (...). الشيخ: ما هو قد يتمنون الموت؟ في عذاب النار يتمنون الموت. الطالب: (...). الشيخ: لا، في الدنيا ما يتمنون الموت، ولكن حتى في الدنيا مؤكَّدة بقوله: أبدًا، الصحيح أن (لن) لا تقتضي التأبيد، كما قال ابن مالك:
وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا
فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا
ما يمكن أن تأتي للتأبيد أبدًا، يعنى معناه لا تستلزم التأبيد، وإلا قد تفيده، ولهذا قال أهل السنة: إن قول الله تعالى لموسى: لَنْ تَرَانِيلا يستلزم أنه لا يرى الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما المعتزلة ومُنْكِرُو رؤية الله سبحانه وتعالى فإنهم يقولون: (لَنْ) تفيد التأبيد، فتدل على أن الله لا يُرَى أبدًا، إي نعم. قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِيعني: فإن لم تَفِرُّوا من الموت أو القتل نفعكم الفرار؟ هذا القيد لبيان الواقع؛ لأنه لا فرار إلا إذا فَرُّوا، فهو لا ينفعهم أي شيء من الموت أو القتل. قال: وَإِذًايعني: لو فُرِضَ أنكم فررتم من الموت أو القتل، (وَإِذًاإن فررتم لَا تُمَتَّعُونَفِي الدنيا بعد فراركم، إِلَّا قَلِيلًابقية آجالكم).
يعني: على فَرْض أنكم فررتم من الموت أو من القتل، فهل ستبقون في الحياة؟ لا، ما يبقون، إن فَرُّوا لا يُمَتَّعُون إلا قليلًا، وهو بقية آجالهم، هذا على تقدير فرارهم، وحينئذ ما الفائدة من أن يَدَعَ الإنسان القتال المفروض عليه ويُوَلِّي الدُّبُر لأمر قد ينفعه وقد لا ينفعه، قد يموت في حال التولي، وقد يبقى ويُعَمَّر، لكن لو بقي وعُمِّرَ سيبقى أبدًا؟ لا، لا يُمَتَّع إلا قليلًا، مهما طال الأمد به فإنه قليل، ولهذا الدنيا كلها بالنسبة للآخرة ليست بشيء، قال الله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى١٦: ١٧]. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن موضع سَوْط الإنسان في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، فمتاع الدنيا في الحقيقة ليس بشيء بالنسبة لوقت الآخرة، ولهذا قال: وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. ثم هناك شيء آخر لو قُتِلُوا في سبيل الله فإنهم قُتِلُوا ولكنهم أحياء، قال الله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة: ١٥٤]، هذا القول باللسان نُهِينَا عنه، وحتى الظن بالقلب نُهِينَا عنه، وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩]. فلا يجوز القول ولا الحسبان بأن مَن قُتِلَ في سبيل يكون ميتًا، بل هو ميت البدن، لكنه حَيّ الروح حياة برزخية، وليست كحياة الدنيا، ولو كانت كحياة الدنيا ما جاز أن يُدْفَن هؤلاء؛ لأننا لو دَفَنَّاهم وهم أحياء حياة دنيوية لكنا قد قتلناهم وأهلكناهم، وبهذا نعرف ضلال مَن قالوا: إنهم أحياء يَسْأَلُون لك إذا سألتهم أن يدعوا الله لك، ويجيبونك، ويتوصَّلُون بهذا الشيء إلى الإشراك بهم، وبالأنبياء، وبمن يدعونهم أولياء. طالب: (...). الشيخ: لأجل تعميم الأحوال، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ [الجمعة: ٨]، أو يقال أيضًا: هؤلاء الذين جاؤوا للقتال قد يموتون بدون قتل. الطالب: (...). الشيخ: خاص بالشهداء ومَن هو أفضل منهم، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون هذا خاصًّا بالشهداء؛ لأن الشهداء تعرَّضُوا للموت ابتغاء وجه الله، وبعض أهل العلم يقول: إذا ثبت هذا للشهداء في الحياة البرزخية، فلمن هو أفضل منهم أثبت، مثل الصديقين والأنبياء. ولكن عندي أن فيه احتمالًا بأن هذا خاص بالشهداء، وذلك لأن الشهيد ليس كغيره، الشهيد عَرَّض نفسه للموت، وباع نفسه، فيجازَى بأن يكون حيًّا، لكن المشهور أنّ مَن هو أعلى من الشهداء له ذلك الحكم، والأنبياء لهم خصيصة أخرى أيضًا ما هي بغيرهم، وهي أن الأرض لا تأكل أجسادهم. طالب: (...). الشيخ: ما يحصل لهم هذا (...)، هم عَرَّضُوا أنفسهم لكنهم ما قُتِلُوا. الطالب: (...). الشيخ: ما نجزم بهذا الشيء، والمسألة فيها كما قلت، رأي أكثر أهل العلم الذين اطلعت عليهم أنهم يقولون: إن مَن كان أعلى منهم مرتبة فهو أولى منهم بذلك. (...) فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٨٨]، فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ٤٦]، ومثل هذا التعبير ذَكَرَ المفسرون أنه يراد به العدم، يعني: لا يؤمنون أبدًا. وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، انتهينا من التي قبلها؟ في هذه الآية الكريمة: بيان إرجاف المنافقين بالمؤمنين، والإرجاف هو أن يذكر الإنسان ما يكون به الخوف والقلق، هذا الإرجاف، وفيه في باب القتال مُرْجِف ومُخَذِّل، والفرق بينهما أن الْمُرْجِف مَن يُخَوِّف، والْمُخَذِّل مَن يُقَلِّل الرغبة في الخير، هذا الفرق بينهما، فالمرجف يُرْهِبهم، وأما الْمُخَذِّل فهو يثبط عزيمتهم، يقول: مال هي مآل؟ أيش الفائدة وأيش كذا وكذا؟ فبينهما فرق، هؤلاء مُرْجِفُون ولَّا مُخَذِّلُون ؟ مُرْجِفُون، ما فيه مقام هنا؛ لأنه خطر عليكم، ولهذا قالوا: فَارْجِعُوا، فيستفاد منه أن المنافقين من شأنهم الإرجاف بالمؤمنين. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاعتزاز بالوطن من صفات المنافقين؛ لقول لقولهم: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، وقصدهم بذلك إِحْمَاءُ حَمِيَّتهم الوطنية، وأما الحديث الذي يُرْوَى: «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ» فإنه كذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هو صحيح. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تسمية المدينة بيثرب، هكذا استدل به بعضهم. الطالب: (...). الشيخ: ما يستفاد؟ وجه قول هذا القائل: إن الله تعالى حكاه عنهم وأقَرَّه، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يدل على ذلك، بل إنما يدل على العكس، وأما تسميتها بيثرب إنما يكون من المنافقين؛ لأن الله تعالى يحكي الكفر عن الكافرين، يحكي كل ما يقوله هؤلاء الكفار من المنافقين وغيرهم، وهل ما حكاه عنهم من الكفر إقرار له؟ لا. إذن يستفاد من الآية أن تسمية المدينة بيثرب من شأن المنافقين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ» ، وهذا واضح بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يَرْتَضِ هذه التسمية. ويتفرع على هذا الفائدة: بيان ما كان عليه من أولئك المؤرِّخِين، لا نقول: العرب، نقول: الإسلاميين الذين هم إمَّعَة، جاء المستشرقون فكانوا يتحدثون عن الرسول عليه الصلاة والسلام باسم محمد فقط، قالوا: محمد، كما قال الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتحدثون عن المدينة بأنها يثرب، فجاء هؤلاء المساكين يُقَلِّدُون أولئك المستشرقين، فصاروا يُعَبِّرُون عن الرسول بكلمة محمد، ويعبرون عن المدينة بكلمة يثرب، وكأن هذا هو الفخر والرقي. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الْمُرْجِفِين لم يقتصروا على الإرجاف، بل ضَلَّلُوا الناس بقولهم: فَارْجِعُوا.
ويتفرع على هذا: أن كل مَن دعا إلى الرجوع عن الحق ففيه شبه بمن؟ بالمنافقين؛ لقوله: فَارْجِعُوا، هؤلاء أَرْجَفُوا أولًا، ثم دَعَوْا إلى الترك، فَارْجِعُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّإلى آخره: بيان مَكْر المنافقين، حيث جاؤوا يستأذنون الرسول صلى الله عليه وسلم تمويهًا، وإلا ليس في نيتهم البقاء، لكن يُمَوِّهُون، يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، ففيه دليل على تمويه المنافق، وإظهار حاله بحال المؤمن المنقاد الذي لا ينصرف إلا بعد الاستئذان، مع أن الاستئذان في مثل هذا الأمر، أو في مثل هذا الحال من شأن مَن؟ الاستئذان بالحق من شأن المؤمنين، أو لا؟ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور: ٦٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من شأن المنافقين الكذب؛ لقوله: يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، وهم كاذبون. ومن فوائدها: بيان إحاطة علم الله تعالى بما في القلوب؛ لقوله: إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا، أما قوله: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ، فهذا قد يُعْلَم؛ لأنه ظاهر أن البيوت حصينة، ولا عليها من العدو، لكن إِنْ يُرِيدُونَ، الإرادة في القلب لا يعلمها إلا الله عز وجل، أو صاحبها، أو مَن أطلعه الله تعالى عليها. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تكذيب الناطق بالباطل، شوف الآن هل يصح التعبير بكلمة وجوب، أو نقول: مشروعية؟ هو إن نظرنا إلى أن الباطل يجب إبطاله قلنا: يجب، لكن الكلام على هل يؤخذ من الآية؟ الآية فيها مشروعية ذلك، إبطال قول الناطق بالباطل؛ لأن الله تعالى أبطله في قوله: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ. ثم قال تعالى: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَاإلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أشد الناس ذعرًا؛ لقوله: وَلَوْ دُخِلَتْ، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا؛ لأن عندهم ذعرًا من هؤلاء الذين دخلوا من أقطارها. ويستفاد من الآية أيضًا: قرب المنافقين من الكفر والشرك؛ لقوله: سُئِلُوالَآتَوْهَامُبَادِرِين، ما يتلبثون ويقولون: ننظر في الأمر، لا. وهل يستفاد من هذه الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن الإنسان إذا كَفَرَ مُكْرَهًا فإنه يترتب على كفره حكم الكافر، ولَّا لا؟ أقول: هل يستفاد من الآية أنه لا حكم للإكراه، وأن مَن كفر مُكْرَهًا فعليه الإثم؟ ما يستفاد، لماذا؟ لأنه هؤلاء سُئِلُوا ما أُكْرِهُوا، بمجرد السؤال وافقوا، فليس فيه معارضة لقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ [النحل: ١٠٦] لا يعارض هذه الآية. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن المنافق حياته حياة مادية، يريد أن يعيش سواء كان كافرًا أو غير كافر. وجهه من الآية: لأن هؤلاء إذا سُئِلُوا الفتنة أَتَوْها، إذن فإيمانهم ليس إيمانًا حقيقيًّا، وإلا المؤمن الحقيقي لو سُئِلَ الشرك ما أشرك. ثم قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [الأحزاب: ١٥]. يستفاد من الآية الكريمة: أن المنافقين أصحاب غدر وخيانة؛ لقوله: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ، وهم الآن يحاولون الإدبار، لكنهم يُمَوِّهُون بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم واستئذانه. إذن يتفرع على هذه الفائدة: أن كل مَن نقض العهد ففيه شبه من المنافقين، واليهود أيضًا، ولهذا جاء الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»، وَمِنْهَا: «إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ» .
يتفرع على ذلك: أنه إذا كان الغدر من صفات المنافقين فالواجب على المؤمن البعد عنه، لو لم يكن من الغدر إلا أنه من صفات المنافقين لكان ذلك كافيًا في وجوب البعد والحذر منه. ومن فوائد الآية الكريمة: استهانة المنافق بحق الله عز وجل؛ لقوله: عَاهَدُوا اللَّهَ، يعني: نَقْضُ العهد مع الإنسان مثلك قد يكون أهون، لكن نقض العهد مع الله عز وجل أشد وأعظم. ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تولية الأدبار عند ملاقاة العدو. وجه ذلك أن الله تعالى ذَكَرَ هذا عن المنافقين تحذيرًا منه، وقد دَلَّت الآية الكريمة في سورة الأنفال على أنه من كبائر الذنوب؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال١٥: ١٦]، وجاء في الأحاديث في عَدِّ ذلك من الموبقات، يعني: المهلكات؛ لأنه من الكبائر. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب؛ لقوله: وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا، فكل ما بينك وبين الله عز وجل من الحقوق فإنك مسؤول عنه يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف٦: ٧]. ثم قال تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. في الآية هذه: دليل على أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ. قوله: مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِمتعلِّق بـفَرَرْتُمْوإلا بـالْفِرَارُ؟ هذه جملة معترضة في الواقع ما من الفوائد، قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِمتعلقة بـفَرَرْتُمْوإلا بـالْفِرَارُ؟ قل لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم، وتكون الجملة الشرطية إِنْ فَرَرْتُمْجملة معترضة، وهذا أوضح في المعنى. يستفاد منها: أنه لا فرار من قدر الله. هل يستفاد من الآية الكريمة إبطال الأسباب؟ يعني الإنسان لو رأى نارًا تلتهم الشجر مُقْبِلَة عنه هل يهرب ولَّا لا؟ يهرب، إذن يهرب وربما ينجو، هي غير هذه، لكن ما هو الْمَخْلَص؟ يعني لو قال قائل: هذه الآية تنفي العمل بالسبب؟ فالجواب على ذلك أن نقول: إذا كان العمل بالسبب مُبْطِلًا لحكم شرعي فإنه لا يجوز، كهذه الآية، أو كهذه الحال، فإبطال الأسباب القدرية بانتهاك الأحكام الشرعية هذا لا يجوز، يعني كون أن الإنسان يترك الحكم الشرعي الواجب خوفًا من آثاره جائز له؟ ليس بجائز. لكن سبب حقيقي مأذون فيه شرعًا يُفْعَل ولَّا لا؟ إذا كان سببًا حقيقيًّا مأذونًا فيه شرعًا فلتفعله، ما نقول للرجل: إذا رأيت النار مقبلة عليك قِف لا تَفِر لا ينفعك الفرار، هذا ما هو صحيح، بل نقول: في هذه الحال فرّ؛ لأن هذا سبب مباح مأذون فيه شرعي، وسبب حقيقي، لكن نبغي نجعل الأسباب مُعَطِّلة للأحكام الشرعية هذا لا يجوز. ويستفاد من الآية الكريمة: بيان نفوذ حكم الله عز وجل الشرعي والقدري؛ أما القدري فلا إرادة لك فيه، وأما الشرعي فلك فيه إرادة، ولهذا نقول بالنسبة للشرعي: وجوب تنفيذ حكم الله الشرعي؛ لأن الله تعالى عاب هؤلاء الفارِّين لكون فرارهم يتضمن إسقاط حكم شرعي، إي نعم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن البقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله: وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: ٧٧]. ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء الذين فَرُّوا للإبقاء على حياتهم، يؤخَذ من أمر الله نبيَّه أن يقول لهم: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وهذا لا شك أنه على سبيل التوبيخ لهم، ولهذا قال: وَإِذًا، يعني: لو فررتم ونجوتم من هذه الحادثة ما تنجون من الموت، لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا، نعم من جبن المنافقين أنهم أهل جبن وذل وخوف ورعب. وهذا أيضًا يترتب عليه مشكلة، وهي أن الخوف من الموت أمر طبيعي، قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [القصص: ٣٣]، وهذه فيها إشكال. طالب: (...). الشيخ: كلمة (...) يقول: ويش الفرق بين إنه يقول: هذا غير هذا، ما يكفي. الطالب: (...). الشيخ: وجه المعارضة أنه خاف من القتل، وهؤلاء خافوا من القتل، القتل -كما أشرنا إليه قبل قليل- الخوف من القتل الذي يستلزم إبطال حكم شرعي هذا ما يجوز، أما هذا خافَ من القتل؛ لأنه تسبب له وهو ممكن أن يُقْتَل، ولَّا لا؟ موسى، إي نعم، ممكن أن يُقْتَل؛ لأنه فعل ما يستلزم القتل عند هؤلاء. (...) فنقول: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً [الأحزاب: ١٧]. قال المؤلف في معنى يَعْصِمُكُمْ: (يجيركم)، ولكن الصواب أن المراد بها: يمنعكم؛ لأن العصمة هي المنع، ومنه المعصوم، يعني: الممنوع من الخطأ، فالصواب أن يَعْصِمُكُمْأي: يمنعكم من الله. وقوله: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي، هذا إعراب مَنْ ذَا الَّذِيمَن يعربها لنا؟ طالب: (...).
الشيخ: هو مستتر وجوبًا، وإن ابتُدِئَ بالياء فمستتر جوازًا، وإن افتُتِح بالتاء فعلى حسب الحال؛ قد يكون وجوبًا مثل: تشكر أنت، وقد يكون جوازًا مثل: تشكر هي، ذَاالآن اختلف الرجلان في إعرابها؛ أحدهما قال: إنها اسم إشارة، والثاني قال: إنها ملغاة، أيهما الصواب؟ الصواب أنها ملغاة؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم موصول فإنها تكون ملغاة، مثل: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ [البقرة: ٢٥٥]، ومثل: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ. وقوله: قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْالاستفهام هنا يراد به النفي، يعني: لا أحد يعصمكم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأنه يقول: أَخْبِرُونِي أيعصمكم أحد من الله إن أراد بكم سوءًا، عرفتم؟ هذه قاعدة في كل ما يكون فيه الاستفهام بمعنى النفي، أن نقول: عُدِلَ عن النفي المحض إلى الاستفهام؛ ليكون مُشْرَبًا معنى التحدي. مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِأي: يمنعكم منه، إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا، أيش الجواب؟ لا أحد، يقول: (إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا: هلاكًا أو هزيمة)؛ (هلاكًا) إذا لم يكن هناك قتال، أو كان قتال فقُتِلْتُم، (أو هزيمة) إذا غُلِبْتُم وبقيتم، وكل ذلك سوء، لكنه سوء بالنسبة للمكلَّف، أما بالنسبة لفعل الله عز وجل فإنه خير؛ لأنه لحكمة. أَوْ أَرَادَقال المؤلف: (أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة)، المؤلف رحمه الله قَدَّر هذه الجملة؛ لأنه رحمه الله ذكي جدًّا، قال: (أو يصيبكم بسوء)، (يصيبكم) معطوفة على (يعصمكم)، يعني: أو مَن ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة خيرًا، والجواب أيضًا كالسابق: لا أحد، وإنما قَدَّرَ المؤلف: أو يصيبكم بسوء، على خلاف ظاهر السياق؛ لأن الرحمة لا تُعَدّ مصيبة حتى تحتاج إلى العصمة، فإنه إذا أراد الله بالإنسان رحمة ما يقال: مَن ذا الذي يعصمه منها، ليش؟ لأن الرحمة مطلوبة، لا يتطلب الإنسان فيها أحدًا يعصمه منها، فلهذا قَدَّرَ قوله: (أو يصيبكم بسوء) يعني: لا يصيبكم أحد بسوء إن أراد الله بكم رحمة. ولكن الصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، إذا جعلنا العصمة بمعنى المنع، فالمعنى: مَن الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءًا، ومن الذي يمنعكم من رحمته إن أراد بكم رحمة، فالفرار لا يمنعكم من السوء الذي أراده الله بكم، والبقاء لا يجلب لكم الرحمة التي أراد الله بكم، فالكل بيد الله عز وجل، لا ينفعكم الفرار ولا البقاء. وقوله: أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةًقال المؤلف: (خيرًا)، وإذا كنا فَسَّرْنَا الأول بالهلاك والهزيمة فالمراد بالخير هنا النصر والبقاء.
قال الله تعالى: (وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِأي: غيره، وَلِيًّاينفعهم، وَلَا نَصِيرًايدفع الضر عنهم). لَا يَجِدُونَ لَهُمْأي: هؤلاء الذين فَرُّوا من القتال لن يجدوا أحدًا ينفعهم أو يجلب لهم الخير، أو يدفع عنهم الضرر، لَا يَجِدُونَوَلِيًّا، والولي هو مَن يتولى أمرك ويعتني بك، فهؤلاء لا يجدون أحدًا سوى الله. وقوله: وَلِيًّايعني: بالولاية العامة؛ لأن ولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة تشمل كل أحد، وولاية خاصة للمؤمنين فقط، قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]. أما بمعنى العامّ فمثل قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢]، فإن هذه الولاية العامة؛ لأن الله تعالى وَلِيّ على كل أحد في المعنى العامّ الذي هو التدبير والملك والسلطان. وقوله: وَلَا نَصِيرًا..