تفسير سورة الأحزاب - ٣
درس صوتي · ٩٢:٢١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
يقول المؤلف: (لكن)، تقدير إِلَّابـ(لكن)؛ لأن الاستثناء هنا منقطع، وإذا كان الاستثناء منقطعًا فإنه تُقَدَّر إِلَّابـ(لكن)، والانقطاع كما يكون في الذوات يكون في المعاني أيضًا، فقول النحويين: جاء القوم إلا حمارًا، هذا استثناء منقطع باعتبار أيش؟ باعتبار الذوات، وقوم يعني: ذواتهم إلا حمارًا، ومثل هذه الآية إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوااستثناء منقطع بالمعاني، فالاستثناء المنقطع يكون في المعاني، ويكون أيضًا في الذوات، وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا [العصر: ١-٣] هذا متصل؛ لأن الذين آمنوا من الإنسان، لكن إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْهذا ما يدخل في قوله: وَأُولُو الْأَرْحَامِ؛ لأن أولياءنا هؤلاء ليسوا من ذوي الأرحام، بل بيننا وبينهم موالاة، ولهذا قال: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا، بوصية فجائز). إِلَى أَوْلِيَائِكُمْجمع وَلِيّ، والمراد بالولي هنا مَن كان بينك وبينه موالاة ومناصرة، كالذي حصل بين المهاجرين والأنصار في أول الهجرة، فإذا كان بينك وبينه معروف، تفعل فيه معروفًا فإن هذا جائز. قال المؤلف: (بوصية)، لماذا خص المعروف بالوصية؟ لأن الكلام الآن في التوارث، والتوارث ما يكون إلا بعد الموت، كذلك الوصية ما تكون إلا بعد الموت. قال الله تعالى: (كَانَ ذَلِكَ، أي: نسخ الإرث بالإيمان والهجرة بإرث ذوي الأرحام، فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [الأحزاب: ٦] وأريد بـالكتاب في الموضعين اللوح المحفوظ).
كَانَ ذَلِكَ، المشار إليه كون أولي الأرحام بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ. كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِأي: في اللوح المحفوظ، على كلام المؤلف، وهو ظاهر في المسألة الأخيرة؛ لأن (كان) تدل على المستقبل ولَّا الماضي؟ الماضي، وهذا يدل على أن الذي في الكتاب المحفوظ أن الإرث يكون لذوي الأرحام، لكنه كان بالموالاة في زمن غير طويل، أول ما قَدِمَ المهاجرون إلى المدينة صاروا يتعاقدون أُخُوَّة بينهم يثبت بها الإرث، لكن هذا ليس هو الذي كتبه الله تعالى مستقرًّا على عباده، وإنما حصل ذلك لماذا؟ لعارض، وهو ثبوت الأُخُوَّة التامة بين المهاجرين والأنصار، وإلَّا فإن الفرض المستقِرّ هو ما في الكتاب المحفوظ من أن الإرث إنما يكون بالرَّحِم.
وقوله: كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، مَسْطُورًاهذه (...) خبر، وكيف يقول: مَسْطُورًاوقبلها جار ومجرور، ما قال: في الكتاب مسطورٌ؟! طالب: (...). الشيخ: مفعول لفعل محذوف، أيش التقدير؟ الطالب: كائن. الشيخ: كائن ما هي فعل. الطالب: (...). الشيخ: ما هو فعل. الطالب: (...). الشيخ: وين؟ الطالب: (...). الشيخ: أيهم. الطالب: مَسْطُورًاخبر كان، وفِي الْكِتَابِمتعلِّق، كان ذلك مسطورًا في الكتاب. الشيخ: وين اسم كان؟ الطالب: ذَلِكَ. الشيخ: صح، هذه ما تخفى، كنت أنا ألقيتها عليكم يعنى من باب ظني أي واحد بيفهمها. (ذا) اسم إشارة، وهو الاسم، مَسْطُورًاخبر، كَانَ ذَلِكَوفِي الْكِتَابِجار ومجرور متعلق بـ(مسطور) على أنه اسم مفعول، واسم المفعول يعمل عمل فعله بالشروط السابقة، وهي تامة هنا. قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [الأحزاب: ٧]، قال المؤلف: (واذكر إذ)، وعلى هذا فتكون إِذْمفعولًا لفعل محذوف تقديره: اذكر، وهذا كثير في القرآن، تأتي (إذ) مفعولًا لفعل محذوف يقدر بـ(اذكر)، اذكر لمن؟ للناس، اذكر للناس إذ أخذنا، أو اذكر لنفسك مُذَكِّرًا إياها، إِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ. وقوله: مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْقال المؤلف: (مِيثَاقَهُمْحين أُخْرِجُوا من صلب آدم كالذَّرّ؛ جمع ذَرَّة وهي أصغر النمل)؛ لأن الله تعالى استخرج ذريته أمثال الذَّرّ، وأخذ عليهم العهد والميثاق أن يؤمنوا به، جاءت في ذلك أحاديث بعضها صحيح وبعضها حسن، لكن كونه استخرجهم وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، هذا صحيح، إنما أَخْذُ الميثاق والإشهاد عليهم هذا هو الذي اختلف العلماء في صحته. وعلى كل حال فهذا موضع بحثه في سورة الأعراف، عند قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ [الأعراف: ١٧٢]، وقد بسط البحث فيه شارح الطحاوية، فمن أراد أن يرجع إليه فليرجع، أما في هذه الآية فلا يتعيَّن أن يكون الميثاق ما أخذه الله تعالى على بني آدم حين استخرجهم من صلبه، بل إن الميثاق عهد بين الإنسان وبين ربه في كل نعمة أنعم الله بها عليه أن يؤدي هذه النعمة على ما أمره به ربه، كل نعمة؛ لأن هذا من شكرها، فإذا أنعم الله عليك النعمة بالعلم صار الواجب عليك عهد بينك وبين الله أن تُبَيِّنَه. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، وإذا أنعم الله على الإنسان بنبوة، والنبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم مُتَعَذِّرة، لكن إذا أنعم الله على عبد بنبوة وجب عليه أن يُبَلِّغ، ميثاق غليظ، وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا، وفي أهل العلم: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ، ولم يقل: ميثاقًا غليظًا؛ لأن الميثاق على الأنبياء أعظم وأغلظ. قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ، مِنْكَعطفًا على النَّبِيِّينَبإعادة الجارّ ومِنْكَ، وإنما أعيد الجارّ إما لأن الضمير متصل ولا بد فيه من أن يظهر العامل؛ لأن الضمير المتصل لا بد له أن يكون عامله ظاهرًا، أو لا؟ ولا يأتي منفصلًا عن عامله إلا شذوذًا بعد (إلا)، ويقال من حيث المعنى: أُعِيدَ حرف الجرّ للتأكيد بالنسبة إلى هؤلاء الخمسة، قال: ومِنْكَ، وتخصيصهم بالذكر بعد العموم يدل على فضلهم، ولا شك في هذا. وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ، وبين محمد صلى الله عليه وسلم ونوح أنبياء آخرون من أُولِي العزم، ولكنه سبحانه وتعالى بدأ بآخر واحد منهم، وأول واحد، فبدأ بالطرفين ثم جاء بالوسط، وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ، ونوح هو أول رسول أرسله الله تعالى إلى أهل الأرض، أو أول نبي؟ أول رسول؛ لأن الصحيح أن آدم نبي، لكنه ليس برسول، فأول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ [البقرة: ٢١٣]، وقال تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، وفي حديث الشفاعة الطويل: «إِنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إِلَى نُوحٍ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ» .
وليس نوح أفضل من إبراهيم ولا من موسى، ولكن كما قلت: قَدَّمَه ليتلاقى الطرفان الآخر والأول، وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إبراهيم ولم يذكر أباه، وموسى ولم يذكر أباه، وعيسى وذكر أمه؛ لبيان الآية والمعجزة بعيسى عليه الصلاة والسلام أنه خُلِقَ من أم بلا أب، وخُلِقَت حواء من أب بلا أم، وخُلِقَ آدم من غير أم ولا أب، وخُلِقَ الناس من أب وأم. كل هذا يُسْتَدَلّ به على أن الطبيعة لا شأن لها في التكوين والخلق، وإلا لكانت على وتيرة واحدة. قال: (وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب: ٧]: شديدًا بالوفاء بما حُمِّلُوه، وهو اليمين بالله تعالى)، الميثاق: العهد، لكن المؤلف يقول: (وهو اليمين بالله)، كأنه يشير إلى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١]، ولكن هذا فيه نظر. والصواب أن العهد الذي أُخِذَ على الرسل هو أن يُبَلِّغُوا الرسالة، ويقوموا أيضًا بالإيمان بما يجب الإيمان به من باب أولى؛ لأنهم إذا أُرْسِلُوا إلى غيرهم فلأنفسهم أولى، فيكون قوله: لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍفردًا من أفراد هذا العهد والميثاق. طالب: (...). الشيخ: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أشرف الرسل. الطالب: إبراهيم أشرف. الشيخ: إي نعم، قلت: إنه أشرف، وجاء في الثانية الطرفان، مراعاة الطرفين، والأشرفية بالنسبة لمحمد عليه الصلاة والسلام. الطالب: نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىبالترتيب (...)؟ الشيخ: لا، ما هو ترتيب، في الفضل ما هو بعلى هذا الترتيب. الطالب: (...). الشيخ: بالزمن يعني؟ هو بالزمن والفضل بالنسبة لإبراهيم وموسى وعيسى، الثلاثة ها دولا رُتِّبُوا بالزمن والفضل، وأما نوح ومحمد عليه الصلاة والسلام فبُدِئَ بالطرف الأخير؛ لأنه أشرف، ثم بالطرف الأول. طالب: (...). الشيخ: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [الأحزاب: ٥]، ويش إعرابها؟ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِومثلها فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤] مَن يعرف؟ طالب: (...). الشيخ: أعربها على الوجهين، أو نقول: إن تَفْعَلُوامجزومة لفظًا بـ(لم)، ومحلًّا بـ(إن)، يعني: فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا، معناها: فإن جهلتم آباءهم، فهي بمنزلة الفعل الماضي. الطالب: (...) المفاضلة من جهة الرسالة أو النبوة ينبغي للإنسان (...)؟ الشيخ: إي نعم، هو عاد يمكن قصدهم أنه يُخْشَى أن المفضَّل عليه يقع في نفس الإنسان تَنَقُّص له، ولهذا الرسول نهى أن نفضِّل بين الأنبياء، قال: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» ، فإذا كان هناك –مثلًا- محظور فهو يعرض، أما إذا كان يريد أن يبين مدى قوتهم في تبليغ الدعوة، وصبرهم عليها، وكثرة أتباعهم وما اصطفاهم الله به فقد صرَّح الله عز وجل بذلك، فقال: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣]، وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء: ٥٥]. (...). وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا. قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ، ثم قال: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًاشديدًا بالوفاء بما حُمِّلُوه وهو اليمين بالله سبحانه وتعالى).
قوله: (وهو اليمين) هذا تفسير للميثاق الغليظ، وهل هذا الميثاق هو الأول أو غيره؟ اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم: إنه هو الميثاق الأول، وإنما أعيد من أجل الوصف، وهو قوله: غَلِيظًا، وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا. وقال آخرون: إنه غير الأول؛ لأن القاعدة أن الاسم إذا تكرر فإن كان بلفظ المعرفة فالغالب أن الثاني هو الأول، وإن كان بلفظ النكرة فالغالب أن الثاني غير الأول، هذا الغالب، وليس دائمًا، فإنك ترى قوله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] جاء مُعَرَّفًا بـ(أل)، والإحسان الثاني قطعًا غير الإحسان الأول، لكن نعم، الأكثر أنه إذا أُعِيدَ الاسم مُنَكَّرًا صار غير الأول، وإن أُعِيدَ مُعَرَّفًا صار الأول، فهنا أُعِيدَ الميثاق مُنَكَّرًا، قال: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فيكون الميثاق الثاني غير الميثاق الأول. ما وجه المغايرة؟ يقول: إن الميثاق الأول هو الميثاق الذي أُخِذَ على جميع بني آدم، والميثاق الثاني هو الميثاق الخاص بالرسل بما حُمِّلُوه من القيام بعبادة الله عز وجل، وتبليغ شريعته، والدعوة إليه. وأما إذا قلنا: إن الميثاق الثاني هو الأول، فتكون فائدة إعادته هو وصفه بالغِلَظ، يعني أنه ميثاق شديد، أشد من الميثاق الذي أُخِذَ على غيرهم. طالب: (...) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ؟ الشيخ: نعم، يعني هو الميثاق العام، ولكنه ذَكَرَهُ من باب التنويه به بالنسبة لهؤلاء الأنبياء.
ولهذا عقَّبَه بقوله: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، يقول: ثم أخذ الميثاق ليسأل الصادقين عن صدقهم. قوله: لِيَسْأَلَ، اللام للتعليل من حيث المعنى، وهي من حيث الإعراب حرف جر، والفعل بعدها منصوب بـ(أن) مضمرة جوازًا بعد لام الجر. وقوله: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَالسائل هو الله، والضمير هنا ضمير غيبة، وَإِذْ أَخَذْنَاضمير متكلم، فيكون فيه التفات من التكلُّم إلى الغيبة، والالتفات أسلوب من أساليب اللغة البلاغية، ويختلف قد يكون من غيبة إلى حضور، ومن حضور إلى غيبة، فقوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة: ١٢]، هذا التفات من أين؟ من الغيبة إلى الحضور، وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ(...)، وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ، وهنا قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ، ثم قال: لِيَسْأَلَ، ولم يقل: لنسأل، فهو التفات، ما فائدة الالتفات؟
فائدة الالتفات العامة في كل موضع هو التنبيه، تنبيه مَن؟ تنبيه القارئ والمخاطب، وجه ذلك أن الكلام إذا كان على أسلوب واحد فإن الإنسان يسير معه من غير أن يكون هناك شيءٌ يوجِب انتباهه، فإذا تغير الأسلوب حصل حينئذ توقف، كيف انتقل من هذا إلى هذا؟ فيكون في هذا تنبيه للقارئ وللمخاطب، واضح؟ هذه فائدة عامة في كل التفات. ثم هناك فوائد خاصة تكون بحسب السياق والقرينة، انظر إلى قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: ١- ٣] ما قال: وما يدريه، موافقةً لـعَبَسَ، ولا قال: عبست، موافقةً لـيُدْرِيكَ، لماذا؟ عَلَّلُوا ذلك بأن الله عز وجل كَرِهَ أن يخاطِب نَبِيَّهُ بوصف يقتضي الذم، وهو العبوس والتولي، فقال: عَبَسَ، كأن التحدث عن غير الرسول عليه الصلاة والسلام، وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى، ثم قال: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىخاطبه بذلك؛ ليتبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس عنده علم من الغيب، وهذا ليس فيه قدح في الرسول عليه الصلاة والسلام ألَّا يكون عالِمًا للغيب؛ لأن هذا هو شأن جميع البشر.
والحاصل أن الالتفات الفائدة العامة منه هو التنبيه، ثم يكون في كل موضع فائدة خاصة في ذلك الموضع، هنا فائدته -والله أعلم- أنه لما قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ، وكان ميثاق الأنبياء دائرًا بين أمر يقومون به، وأمر يواجَهُون به من البشر، وكلا الأمرين يكون صدقًا، ويكون غير صدق، لكن غير الصدق في جانب الأنبياء مستحيل، لكن غير الصدق في جانب المدعُوِّين ممكن، ولَّا لا؟ قال: لِيَسْأَلَكراهيةَ أن ينسب السؤال لنفسه عز وجل، مع أنه يدخل في ضمنه مَن؟ الأنبياء؛ لأن التحدث بضمير الحضور بـ(نسأل) أقوى في النفس من أن يكون التحدث بضمير الغيبة. يقول الله عز وجل: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَقال المؤلف: (الله)، تفسير للضمير المستتر، لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ، قال المؤلف: (في تبليغ الرسالة)، وهذا بناء على ما يراه في تفسير الآية أن السؤال للأنبياء فقط. والصواب أن السؤال لهم ولمن دُعُوا، قال الله تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦]، فكل منهما يُسْأَل. فالصواب أنه لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْفي تبليغ الرسالة بالنسبة للأنبياء، وفي قبول ذلك بالنسبة للمدعوين. قال: (تبكيتًا للكافرين بهم)، تبكيتًا هذا تعليل لسؤال الأنبياء، يعني يقول المؤلف: إن الله عز وجل يسأل الأنبياء لا لأنه يمكن ألَّا يقوموا بالواجب، ولكن تبكيتًا للكافرين بهم، يعني: تقريعًا ولَوْمًا للكافرين بهم، فإنه إذا سأل الرسل: هل بلغتم الرسالة، أمام المدعوين، سيقولون: نعم، فيكون في هذا تبكيت لهؤلاء الكافرين. وسؤال الغير لتبكيت غيره جاء به القرآن، كما في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير: ٨،٩]، الْمَوْءُودَةُهي الطفلة، أو بعبارة أعم: هي الأنثى التي تُوأَد، وكان من طريق بعض الكفار أنهم يَئِدُون البنات، يدفنونهن وهن حَيَّات، لماذا؟ خوفًا من العار؛ أن يُعَيَّر، يقال: هذا رجل ما عنده إلا بنت، أو هذا الرجل جاءه بنت، ولهذا وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ [النحل: ٥٨، ٥٩]: يستتر، يخاف أن يُعَيَّر، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل: ٥٩] -أعوذ بالله- ثم يقول في نفسه: أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل: ٥٩]، ما يعدو هذا، ما يمكن يمسكه على عز وكرامة أبدًا.
إذن على رأي المؤلف يكون المراد بسؤال النبيين عن تبليغ الرسالة أيش؟ تبكيت هؤلاء الكافرين بهم وتقريعهم. قال: (وَأَعَدَّتعالى لِلْكَافِرِينَبهم عَذَابًا أَلِيمًامؤلمًا). قوله: لِيَسْأَلَ، وَأَعَدَّقد يقول قائل: بين المعطوف والمعطوف عليه تنافر؛ لأنه لو كان بينهما ائتلاف لكان العبارة: ليسأل الصادقين عن صدقهم ويُعِدّ للكافرين، لكنه قال: وَأَعَدَّ، فكيف نقول فيها؟ يقول المؤلف: هو عطف على أَخَذْنَا، وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا، والظاهر إن قصده أَخَذْنَاالأخيرة، يعني: وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا، وأعد للكافرين، وعلى رأي المؤلف يكون فيها أيضًا التفات، منين؟ من الحضور إلى الغيبة، ويمكن أن نقول: إنه معطوف على قوله: لِيَسْأَلَ، لكنه جاء بلفظ الماضي تحقيقًا لوقوعه، وأنه أمر ثابت. وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا، وقوله: (أليم)، قال: (مؤلم) يعني: موجع، وفَعِيل بمعنى مُفْعِل تأتي في اللغة العربية، وإن كان الأكثر أن فَعِيلًا بمعنى فاعل، ففَعِيل بمعنى فاعل كثيرة جدًّا، مثل: سميع بصير وعزيز، أمثلتها كثيرة، لكن فَعِيل بمعنى مُفْعِل قليل، ومنه هذه الآية: أليم بمعنى مُؤْلِم، وقول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ
يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
قوله: الداعي السَّمِيع، يعني الْمُسْمِع، وإلى هنا نقف علشان نأخذ الفوائد مما سبق. إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًايستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز الوصية لمن بينك وبينهم موالاة؛ لقوله: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا، وظاهر الآية الإطلاق، لكنه مُقَيَّد بالنصوص الدالة على أن الوصية لا تزيد على الثلث، ومنه حديث سعد بن أبي وقاص حين عَادَهُ النبي عليه الصلاة والسلام من وجع كان به، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام استغلّ الفرصة، أعني سعدًا، وقال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، ومراده: لا يرثني مِن صُلْبِي، وإلا فإن له بني عم وعصبة، أفأتصدق بثُلُثَيْ مالي؟ قال: «لَا»، قال: فالشطر؟ يعني النصف، قال: «لَا»، قال: فالثلث؟ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإحسان من المعروف؛ لقوله: مَعْرُوفًايعني: إحسانًا بالوصية، وعلى هذا فالمعروف إذا قلت: مُرْ بالمعروف، يشمل الأمر بالإحسان ولَّا لا ؟ يشمل، ولا شك أن الإحسان معروف عند الله وعند الخلق. ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن في الاحتراز في موضع الإيهام، من أين يُؤْخَذ؟ طالب: (...). الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه لما قال: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍقد يتوهم الإنسان أن مَن بينه وبينهم موالاة لا يمكن أن ينتفعوا بشيء من ماله، فاحترز بقوله: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا، ولهذا أمثلة مَرَّت علينا كثيرًا، مثل: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]. ثم قال: كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، يستفاد من هذه الآية: أن اللوح المحفوظ قد كُتِبَت فيه الأشياء المستقرة؛ لقوله: كَانَ ذَلِكَ، وهو أولوية ذوي الأرحام بعضهم ببعض. وقد اختلف أهل العلم في الكُتُب التي بأيدي الملائكة هل تُغَيَّر وتُبَدَّل بالزيادة والنقص والتغيير؟ والصواب: إن ذلك ممكن بالصحف التي بأيدي الملائكة، ودليل هذا قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]، أصل الكتاب عند الله ما فيه تغيير ولا تبديل، لكن الصحف التي بأيدي الملائكة يمكن أن يقع فيها التغيير والتبديل. مثال ذلك: رجل فعل سيئة تُكْتَب، فإذا استغفر مُحِيَت، أو إنسان فعل حسنة كصدقة –مثلًا- ثم مَنَّ بها، إذا مَنَّ بها تُمْحَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى [البقرة: ٢٦٤]، وهذا ما قَرَّرَه شيخ الإسلام وغيره من المحققين، من أن ما في أُمّ الكتاب ثابت لا يتغير؛ لأنه قد كُتِبَ فيه استقرار الأشياء في الأزل إلى الأبد، وأما ما بأيدي الملائكة فهو الذي يمكن أن يقع في الْمَحْوُ والإثبات. ومن فوائد الآية الكريمة: تمام عناية الله عز وجل بشرعه وتقديره، من أين تؤخذ؟ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا؛ لأن ليس الأمر أمرًا ارتجاليًّا، بل كله مكتوب مُحْكَم عند الله عز وجل، لا الأمور الشرعية ولا الأمور القَدَرِيَّة، وهذا من تمام حكمته سبحانه وتعالى أن كل شيء فإنه مُحْصًى عنده مُرَتَّب مُنَظَّم، لا تغيير فيه ولا تبديل. طالب: (...)؟ الشيخ: الملائكة اللي مع الإنسان الذين يكتبون أعماله. الطالب: (...). الشيخ: لا، هذه مكتوب فيه القرآن يقرؤونه، لا مرادنا ما يتعلق بأعمال الإنسان. ثم قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍإلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة: عِظَم المسؤولية على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وجه ذلك: أن الله خَصَّصَهم بأَخْذ الميثاق. ويستفاد منها فرعًا على هذه الفائدة: عِظَم المسؤولية على أهل العلم، كيف ذلك؟ لأنهم ورثة الأنبياء. ويستفاد منها: أن مَن أنعم الله عليه بنعمة فإن لله عليها شكرًا خاصًّا غير النعمة العامة؛ لقوله: مِيثَاقَهُمْ، فإن الإضافة هنا تدل على التخصيص، تخصيص الميثاق الخاص بهم، كل مَن أنعم الله عليه نعمة فإن لله عليه فيها عهدًا أن يقوم بهذه النعمة. وبهذا التقرير نَسْلَم مما ذكره المؤلف من أن الميثاق هنا يراد به الميثاق الذي أُخِذَ عليهم من ظهر أبيهم آدم، إذا أنعم الله عليك بنعمة فإن هذا عهد أعطاك فأَعْطِه، قال الله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠]. ما هذا العهد الذي ذَكَرَ الله؟ ذكره في سورة المائدة: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ، شوف صورة العقد: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [المائدة: ١٢]، هذا عهد وميثاق. إذن عهد النبيين عليهم الصلاة والسلام مسؤولية عظيمة، وهي تبليغ الرسالة والعمل والدعوة. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء الأنبياء الكرام الخمسة. وجه الدلالة: تخصيصهم بالذِّكْر، فإن تخصيص أفراد العامّ بالذِّكْر يدل على شرف ذلك الْمُخَصَّص. ومن فوائدها: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء الخمسة، وجهه: تقديمه عليهم ذِكْرًا مع أنه مُتَأَخِّر عنهم زمنًا، وكان مقتضى الحال لو كانوا متساوين في الفضيلة أن يُذْكَرُوا بحسب الترتيب الزمني. ومن فوائد الآية الكريمة: أن ترتيب هؤلاء في الفضيلة: محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، انتبهوا، هل تؤخذ هذه الفائدة من الآية ولَّا لا؟ القائل بأنها تؤخذ يبين لي وجهة نظره؟ طالب: ما خص هؤلاء الأربعة رتبهم ترتيب الزمن. الشيخ: ما هو ترتيب الفضل؟ الطالب: هو مجرد حكاية عن ترتيب الفضل. الشيخ: إي نعم، لكن تقديم الذِّكْر لا شك يدل على العناية والأفضلية، وما أشبه ذلك، لا بد له من سبب.
الظاهر لي أنه لا يستفاد من الآية؛ لأننا لا نعلم أن إبراهيم أفضل من نوح إلا بدليل خارجي، ولَّا لا؟ صحيح أن محمدًا عليه الصلاة والسلام نعلم أنه أفضلهم؛ لأنه لو كان المقصود الترتيب الذِّكْرِي لكان هو آخرهم، لكن جاءت الآية بعد ذِكْر محمد صلى الله عليه وسلم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، هذا زمني، ما يدل على الترتيب في الفضل. طالب: (...). الشيخ: لا، الأدلة الخارجية واضحة. وقد اختلف العلماء أيهما أفضل: عيسى أو نوح، بعد اتفاقهم على أن محمدًا أفضل ثم إبراهيم ثم موسى، لكن اختلفوا أيهما أفضل عيسى أو نوح؟ فقال بعضهم: إن نوحًا أفضل؛ لأنه أول رسول أرسله الله، ولأنه كابَدَ من قومه ما لم يكابده غيره؛ لأنه بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا لا يزيده دعاؤه إياهم إلا فرارًا -والعياذ بالله- وسخرية. وقال بعضهم: بل إن عيسى أفضل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أُوذِيَ أيضًا، حتى إنه هُدِّدَ بالقتل، حتى إنه قيل: إنه قُتِلَ، فإن اليهود يرون أنهم شَفَوْا أنفسهم حين قتلوا مَن ألقى الله شبه عيسى عليه، وقالوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [النساء: ١٥٧]، وعندي في هذا التوقف؛ لأن لكل واحد منهما مَزِيَّة يكون فيها أفضل من الثاني. ومن فوائد الآية الكريمة: تغليظ المسؤولية على الأنبياء؛ لقوله: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا. ومن فوائد الآية: عظمة الرب عز وجل، كيف ذلك؟ التحدث عن نفسه بضمير العظمة، وَإِذْ أَخَذْنَا، وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًاوالله عز وجل يتحدث عن نفسه تارة بضمير العظمة، وتارة بضمير الإفراد، وهو كثير في القرآن، لا حاجة إلى ذِكْر الأمثلة لأنه واضح. ثم قال: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، يدل على أن مسؤولية أولي العزم أعظم من مسؤولية غيرهم، وهو كذلك، ومن أجل أن مسؤوليتهم أعظم وأنهم قاموا بها سُمُّوا أولي العزم، ومن فوائد الآية التي بعدها لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ: إثبات البعث، منين؟ طالب: (...). الشيخ: كيف؟ لأن هذا السؤال ما كان في الدنيا، وليس هناك إلا دنيا وأُخْرَى، فيكون من لازم ذلك ثبوت الآخرة. ومن فوائد الآية: أن السؤال ليس سؤالًا خاصًّا بالمعانِدِين والكافرين، حتى الصادق يُسْأَل عن صدقه؛ لقوله: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ. فيتفرع على هذه الفائدة: وجوب الحذر، ووجوب الاستعداد لهذا السؤال، إذا كان الصادق يُسْأَل ما بالك بالكاذب، الكاذب جزاؤه: وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا؛ لأن الكافرين ما يُسْأَلُون سؤالًا يحاسَبُون عليه كمحاسبة أهل الخير. السؤال هنا: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْهل هو خاصّ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو عامّ؟ قلنا: إنه عامّ؛ لأن النبيين الذين ذُكِرُوا رُسُل، وكل رسول لا بد من مُرْسَل إليه، والرسول لا شك أنه صادق، فبقي التقسيم إلى صادق وغير صادق محله الْمُرْسَل إليه. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء، وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا. ومن فوائدها: أن النار موجودة الآن؛ لقوله: وَأَعَدَّبلفظ الماضي، والإعداد بمعنى التهيئة، والنصوص في وجود النار الآن ووجود الجنة النصوص في هذا من القرآن والسنة كثيرة، فهما الآن موجودتان، وهما لا تفنيان على معتقد أهل السنة، وإن كان ذُكِرَ خلاف عن السلف في أبدية النار، هل هي مُؤَبَّدَة أم لا، والصحيح أنها مُؤَبَّدَة بلا شك. طالب: (...). الشيخ: العصاة لا يخرجون منها، ولَّا هي باقية، هي نار واحدة، نعم، والدليل على ذلك قوله تعالى يخاطب الذين آمنوا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣٠، ١٣١]، فحَذَّر الله المؤمنين من النار التي أعدت للكافرين. والصواب بلا شك أن النار مُؤَبَّدَة، وفي ذلك ثلاث آيات من كتاب الله آية في النساء، وآية في الأحزاب، وآية في الجن؛ فأما آية النساء فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وأما في الأحزاب ففي قوله: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وأما في سورة الجن ففي قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]. وإذا كان هؤلاء خالدين أبدًا فإنه يلزم من تأبيد الخالد تأبيد المكان الذي هو فيه، حتى في الجنة أيضًا، يعني معناها أن هذا كائن بمشيئة الله. طالب: (...). الشيخ: مَن يقول؟ أَحْقَابًايعني: دهورًا كثيرًا ما يحصيها إلا الله، ثم إن بعضهم قال: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ: ٢٣] بالنسبة لما بعدها، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا [النبأ: ٢٤]، ففي هذه الأحقاب لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا، وفي أحقاب أخرى يتغير الحال، ما فيها رد لنص صريح. وفي الآية دليل على.. طالب: (...). الشيخ: لا، دعنا وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ. الطالب: (...). الشيخ: ما تدل على التأبيد، أقول: عندنا ثلاث آيات تكفي. أقول: في الآية دليل على أن أهل النار يذوقون العذاب ويتألمون منه؛ لقوله: أَلِيمًا، فيكون في هذه الفائدة رد على قول مَن يقول: إن أهل النار يكونون جَهَنَّمِيِّين، فلا يحسون بعذاب -والعياذ بالله- ومعنى ذلك أنهم إذا كانوا لا يحسون بعذاب انتفى العذاب، ما فيه عذاب، وقد ذكر الله أن جلودهم تنضج، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: ٥٦]، وأخبر أنها تُحْرق، وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال: ٥٠]، فبَيَّنَ الله عز وجل أن جلودهم تنضج ليذوقوا العذاب، ولولا أنهم يتألمون بذلك كان لو بُدِّلُوا بجلود أخرى ما ذاقوا العذاب. فإن قيل: كيف يصبرون الْمُدَد العظيمة وهم في الحريق وجلودهم تُبَدَّل -والعياذ بالله-؟ قلنا: إن الله على كل شيء قدير، وأحوال الآخرة ما يمكن أن تقاس بأحوال الدنيا، هذه الدنيا يحترق الجسم، لكن الروح تخرج منه وتدعه ولا تحترق، لكن في الآخرة يبقى الجسم وإن كان يحترق، وإن كان ينضج، والله سبحانه وتعالى لا نهاية لقدرته، ولا يمكن الإحاطة بها. وفي الآية الكريمة: التحذير من الكفر؛ لقوله: وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا. وفيها أيضًا: التحذير من خصال الكفر؛ لأنه وردت في النصوص أعمال وأقوال وصفها الشارع بأنها كفر، فيجب الحذر منها.
ومن المؤسف أن كثيرًا من طلبة العلم يبحثون مسألة هذا كفر وهذا غير كفر، يبحثونها على أنها مسألة نظرية، فتجدهم يفرضون الخلاف مع المعتزلة والخوارج، لكن لا يَشعرون ولا يُشعِرون غيرهم أن مسألة كون هذا من الكفر معناها أنه يُعَذَّب على هذه الخصلة عذاب الكافرين، وإن كان لا يُخَلَّد، لكن يُعَذَّب بحسب ذنبه عذاب الكافرين؛ لأنه فَعَل فِعْل الكافرين، فنحن دائمًا عندما نبحث هذه المسائل نبحثها من الناحية النظرية فقط، هل يكفر ولَّا ما يكفر؟ لكن ما تجدنا -نسأل الله أن يتوب عليهم- ما تجدنا نشعر بأن هذا العمل عمل كفر، فيستحق فاعله جزاء الكفر في هذه المسألة، وهذه مسألة عظيمة جدًّا ينبغي لنا أن تكون على بالنا. وفيها أيضًا بناءً على هذه القاعدة على أن الذين يُعَذَّبون في النار بقدر معاصيهم يجدون حَرَّهَا وألَمَها وعذابها، خلافًا لمن قال: إنهم لا يجدون ألمًا. والصواب أنهم يجدون ألَمًا، نعم الذين لا يجدون ألمًا هم الذين يَرِدُونها بناءً على أن الورود في قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم: ٧١] هو الدخول دون المرور على الصراط، والمسألة فيها قولان للمفسرين من السلف والخلف، والله أعلم. طالب: (...)؟ الشيخ: ليس أيش؟
الطالب: (...). الشيخ: لا ، كيف ما موافق، موافق. الطالب: (...). الشيخ: ليس أكبر؛ لأن هؤلاء الكفار أُنْذِرُوا وبُلِّغُوا، فأمضوا حياتهم الدنيا بمعصية الله عز وجل، فتكون حياتهم الأخرى كلها تذهب عليهم هدرًا، كما ذهبت حياتهم الدنيا هدرًا تذهب حياتهم الأخرى. وهم أيضًا قد أُنْذِرُوا، ما هي مسألة مبهمة، ما قيل –مثلًا-: سنعذبك على قدر ذنبك، وإذا كان لك ستون سنة نعذبك ستين سنة، وإذا كان لك عشرون سنة نعذبك عشرين سنة، ما قيل هكذا، بل قيل: إنك ستدخل نارًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، فأقدم هو على هذا العمل الذي يعرف أنه سبب مُؤَكَّد ومُوصِل حتمًا لهذا العذاب، فلم يكن في ذلك ظلم، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] والله أعلم. (...). يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ [الأحزاب: ٩] هنا صَدَّرَ الله عز وجل هذا الأمر بالنداء الْمُتَّصِف المنادى به بالإيمان، فأولًا تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجِب الانتباه، فلذلك إذا وَجَدْت مثل هذا التعبير فاعلم أن الأمر هام. ثم إن توجيه الخطاب والنداء إلى مَن اتصفوا بالإيمان يدل على أن هذا من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يوجَّه الخطاب لموصوف بصفة إلا أن ذلك من مقتضيات صفته، فإذا قلت: يا رجل افعل كذا وكذا، فمعنى هذا أن المأمور به من صفات من؟ الرجال، إذا قلت: يا مؤمن افعل كذا وكذا، فمعنى هذا أن المأمور به من صفات المؤمنين. إذن توجيه النداء إلى مَن اتصفوا بالإيمان يدل على ما يوجَّه إليهم من مقتضيات الإيمان، ثم إن في وصفهم بالإيمان إغراءً لقبول ما وُجِّهَ إليهم؛ لأني إذا قلت: يا مؤمن، معناه أني أُغْرِيك على أن تقبل؛ إذ إن الإيمان يقتضي أن تقبل، ففيه إغراء على قبول ما أمر الله به. قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فَأَرْعِهَا سمعك، يعني: استمع لها، فإما خير تُؤْمَر به، وإما شر تُنْهَى عنه . وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ [الحشر: ١٨، ١٩]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالخطاب هنا عام، الخطاب يعني المخاطب عامّ مُوَجَّه لأناس موصوفين بالإيمان، هل يختص بالمؤمنين في زمن النزول، أو هو عائد إلى كل المؤمنين؟ هو شامل لكل المؤمنين؛ إذ إن الله تعالى إذا أنعم على سلف الأمة بنعمة فهو نعمة على الأمة كلها، ولهذا يُذَكِّر الله تعالى بني إسرائيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بِنِعَمٍ أنعم بها على بني إسرائيل في عهد موسى؛ لأن الطائفة واحدة، ولا شك أن نعمة الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه أنه نعمة عليهم، وأن نصر الله له ودفاعه عنه نصر لنا ودفاع عنا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، نِعْمَةَ اللهِعامّ؛ لأنه مُفْرَد مضاف فيَعُمّ، والشاهد على أن المفرد المضاف يَعُمّ قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، فليس المراد نعمة واحدة، بل نِعَمٌ كثيرة لا تحصى. وقوله: نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْأي: إحسانه وفضله. ثم قال: إِذْ جَاءَتْكُمْ، هذا التقييد لا يعني تخصيص النعمة العامة في قوله: نِعْمَةَ اللَّهِ، لكنه كالتمثيل لشيء من هذه النعمة. إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ، إِذْأي: حين جاءتكم جنود، وهذه النعمة خَصَّهَا بالذِّكْر؛ لأنها نعمة عظيمة، كما سيتبين من تصوير الله عز وجل لها. قال: إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ، كلمة جُنُودٌنكرة، لكنها يُرَاد بها التعظيم والتكثير، يعني: إذ جاءتكم جنود كثيرة، وهؤلاء الجنود هم الأحزاب من المشركين واليهود الذين تَحَزَّبُوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الغزوة في السنة الخامسة من الهجرة في شوال، على الصحيح المشهور؛ لأنه من المعلوم أن أُحُدًا كانت في السنة الثالثة من الهجرة في شوال، وكانت السنة التي تليها ميعادًا لقريش، لكنهم ما حضروا.
ثم في السنة الثالثة، وهي الخامسة، صارت غزوة الأحزاب، وسببها أن الأشراف من بني النضير الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة لا شك أن قلوبهم امتلأت حقدًا على النبي صلى الله عليه وسلم وعداوة، فلما رأوا انتصار قريش في أُحُدٍ أرادوا أن يستغلُّوا هذا الأمر، فذهبوا إلى قريش وحَرَّضُوهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، ووعدوهم أن ينصروهم بكل ما يستطيعون، وأن يتصلوا ببني قريظة الذين بَقُوا في المدينة، يتصلون ببني قريظة من أجل أن يساعدوهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم. فاجتمعت أحزاب عظيمة، قُدِّرَت بعشرة آلاف مقاتل، معهم العدة والسلاح والعتاد، وحضروا إلى المدينة، ولما عَلِم بهم النبي عليه الصلاة والسلام اهتم لذلك اهتمامًا عظيمًا، ولكن اهتمام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعني الجبن والخور والضعف، ولكنه يعني الاستعداد، وأَخْذ الحذر، أخذًا بتوجيهات الله عز وجل، فإن الله تعالى دائمًا يُحَذِّر من الأعداء، ويأمر بأن نُعِدّ لهم ما استطعنا من قوة. فخرج بأصحابه في ثلاثة آلاف مقاتل فقط، وقيل: بأقل من ذلك، حتى قال بعضهم: إلى سبع مئة مقاتل، ونزلوا عند سَلْع، وجعلوه خلف ظهورهم، وحفروا الخندق بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه من الْحَرَّة الشرقية إلى الْحَرَّة الغربية، حفروه مع ما بهم من الجهد والتعب، والمشقة، والجوع، والبرد، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يحفر معهم، حتى إن التراب وارى جلدة بطنه عليه الصلاة والسلام، فكان يُرَدِّد معهم:
«اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ»
ويردد أيضًا قوله:
«اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَـــــــأَنْزِلَنْ سَــــــكِينَةً عَلَيْــــــــــــــــــــــنَا
وَثَبِّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتْ (...)»
لأن هذا الإنشاد في هذا الموطن يثير الهمم وينشط، وكان يمد صوته بقوله: «أَبَيْنَا»، المهم حصل فيه أشياء كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، لكنها تدل على مِحَن عظيمة أصابت المسلمين، وهم مع ذلك صابرون. ولما نزل الأحزاب نزلوا من الشرق والغرب، مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب: ١٠]، ثم إن الله عز وجل بحكمته امتحن المسلمين بزيادة البلاء، وهو أن بني النضير اتصلوا ببني قريظة، وطلبوا منهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فتلكأت بنو قريظة، وقالوا: كيف ننقض العهد بيننا وبين محمد وهؤلاء الجنود التي أتيتم بها ليس هذا محل إقامتهم ولا سكناهم، إن رأوا نصرًا شاركونا بالغنائم، وإن رأوا هزيمة ذهبوا إلى بلادهم وبقينا نحن تحت سلطة محمد. وهذا كلام معقول، لكنه معقول من الناحية الدنيوية فقط، وأَبَوْا أن يشاركوهم، لكن ما زالوا بهم حتى أَغْرَوْهُم ونقضوا العهد، فازداد ذلك في مشقة المسلمين، ولكن الله عز وجل قال في كتابه: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٣٨]، وإذا دافع الله تعالى عن شخص فلا تسأل عن حاله، فإنه في حصن حصين بمدافعة الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول يُذَكِّر الله المؤمنين بهذه النعمة: إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ، والتنكير هنا للتعظيم والكثرة، يعني: جنود كثيرة.
لكن بماذا قُوبِلُوا؟ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَاالريح سَلَّطَ الله عز وجل هذه الريح، الريح الشرقية شديدة، يعني جعل الله تعالى ريحًا شديدة عظيمة وباردة، حتى هدمت خيامهم وأكفأت قدورهم، وصارت الحجارة ترميهم كأنهم يُرْجَمُون بها رجمًا، يعني بدأت الريح تحمل الحجارة وتضرب بها قدورهم، وتضرب بها خيلهم وإبلهم وأبدانهم أيضًا، وقلقوا قلقًا عظيمًا، والجنود الآخرون الملائكة تزلزل بهم وتلقي في قلوبهم الرعب، ولم تقاتل لأنه ما حصل قتال، لكنها زلزلتهم بيد الله عز وجل. وقصة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في تلك الليلة العصيبة لما هبَّت الرياح طلب النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابه أن ينتدب أحد منهم، وتَضَمَّنَ أن يرجع سالمًا، وأن يكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، يعني ضمن أَمْرَيْن: السلامة، وأن يكون رفيق الرسول عليه الصلاة والسلام في الجنة، لكن الصحابة معهم تعب عظيم وجوع شديد، وبرد شديد، ما قام أحد. ثم ذهب عليه الصلاة والسلام يصلي حتى مضى هوِيّ من الليل، ثم رجع وقال هذا الكلام مرة أخرى، فلم يقم أحد، ثم رجع يصلي، ثم رجع فقال هذا الكلام، فلم يقم أحد، فنص على حذيفة رضي الله عنه، قال: «قُمْ يَا حُذَيْفَةُ»، يقول: فلما ذَكَرَنِي لم يكن لي بُدّ من طاعة الله ورسوله، قام رضي الله عنه، وأوصاه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يذهب إلى القوم لينظر خبرهم، وأَلَّا يُحْدِثَ شيئًا أبدًا. يقول: لما انصرفت من عند الرسول صلى الله عليه وسلم صرت كأنما أنا في حَمَّام لا أحس بهذه الريح، ولا بالبرد، حتى وصلت إلى القوم، فجعلت أشاهد أبا سفيان؛ لأنه رئيس قريش، أشاهده وهو يصطلي على النار من شدة البرد، ويأذن بالرحيل، يأمرهم بأن يرحلوا، يقول: ليس لنا مقام هنا، ووضع سهمًا في قوسه يريد أن يرميه؛ لأنه قريب منه، لكنه -رضي الله عنه- تَذَكَّر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُحْدِثْ شَيْئًا»، فامتنع. يقول فقال أبو سفيان: لينظر كل واحد منكم جليسه، خاف من جواسيس وعيون، فأمسكتُ برجل إلى جنبي وقلت: من أنت، ابتدأ به قبل أن يُسْأَل هو، فقال: أنا فلان بن فلان. المهم أخذ الخبر، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنما هو في حَمَّام، لا هواء ولا برد، لكن لما وصل إلى الرسول واستقر أحسّ بالبرد، فلما أحس بالبرد وضع النبي عليه الصلاة والسلام عليه لباسًا كان معه ليدفأ به، ونام والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويتهجد، يقول: فلما أصبح الصبح أيقظني وقال: «يَا نَوْمَانُ، قُمْ يَا نَوْمَانُ» .
فالحاصل أن هذه الريح كانت شديدة جدًّا أَرَّقَتْهم حتى انصرفوا، مع ما ألقت الملائكة في قلوبهم من الرعب، ولهذا قال: رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا، لماذا لم نَرَهَا؟ لأن الله تعالى حجب الملائكة عن أعين الناس؛ لأن الملائكة تحضر مجالس الذِّكْر، والملائكة يتعاقبون في بني آدم بالليل والنهار، والملائكة عن اليمين وعن الشمال قعيد، ومع ذلك لا نراهم؛ لأن الله تعالى حجبهم. سيأتينا إن شاء الله تعالى في الفوائد أن في هذا دلالة بَيِّنَة على ضعف بني آدم، أجرام محسوسة موجودة بين أيديهم، بل عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومع ذلك لا يرونهم.
تفسير الآيات (٩-١٢)
٠١:١٤:١٢
قال الله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَامن الملائكة، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَبالتاء، من حفر الخندق، وبالياء من تحزيب المشركين)، يعني: فيها قراءتان: {بِمَا يَعْمَلُونَ} وبِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. قوله: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًاما هذه الريح؟ قلت لكم: إنها الريح الشرقية، ولهذا جاءت في الحديث: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» ، الدَّبُور الريح الغربية. يقول: (بِمَا تَعْمَلُونَبالتاء من حفر الخندق)، ولكن هذا التخصيص للآية لا ينبغي، لماذا لا ينبغي؟ لأننا إذا خَصَّصْنَا العموم في الآية قَصَرْنَا معنى اللفظ، أو قصرنا اللفظ على بعض معناه، والصواب أنه بِمَا تَعْمَلُونَمن حفر الخندق وغيره من كل ما عملتم في هذه الغزوة.
(بَصِير) أي: عليم، أو {بِمَا يَعْمَلُونَ} يعني: الجنود، إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ، فالله تعالى بما يعملون بصير، من التحزُّب على النبي صلى الله عليه وسلم، والقدوم إلى بلد الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل القضاء عليه على زعمهم. قال الله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ [الأحزاب: ١٠] من أعلى الوادي وأسفله، من المشرق والمغرِب)، جاؤوا من المشرق ومن المغرِب، جاءت قريش من الناحية الشمالية الشرقية، وجاءت غطفان ويهود بني قريظة من الناحية الجنوبية الغربية، فجاؤوا من فوق المسلمين ومن أسفل منهم. وكما قلت لكم قبل قليل: إن الخندق من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، كل الشمال الآن محفوظ بالخندق، هم جاؤوا من فوقهم ومن أسفل منهم؛ ليكونوا كفَكَّيِ الأسد، حتى يُطْبِقُوا على المدينة، هذا تخطيطهم، ولكن الله تعالى بما يعملون محيط. يقول عز وجل: وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ، زاغ الشيء بمعنى: مال، ومنه زاغت الشمس، إذا مالت بالزوال، ومنه قوله تعالى: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم: ١٧] أي: ما مال. الْأَبْصَارُ، (أل) هنا للعهد، أيّ عهد هو؟ الذهني، يعني: زاغت الأبصار منكم، يقول المؤلف في تفسيرها: (مالت عن كل شيء إلى عَدُوِّها من كل جانب)، يعني: أن الأبصار ما صار لها نظر إلا هذا العدو، كل شيء غفلت عن النظر إليه، إلا هذا العدو. وقد فَسَّرَها بعض المفسرين: زَاغَتِبمعنى: مالت عن استقرارها، أي: شخصت من قوة الرعب، صار الإنسان لا ينظر إلا إلى هذا الذي أمامه، يراقبه ويخشى منه، وهذا شيء مشاهَد بطبيعة البشر أن الإنسان إذا خاف من شيء يتجه بصره إلى أي شيء؟ إلى هذا الشيء، إلى ناحيته، وتجد البصر -كما يقول العامة- لا يُغْضِي أبدًا منفتح، يخشى من المباغتة، فالأبصار زاغت، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، الْقُلُوبُيعني: منكم، قلوبكم بلغت (الْحَنَاجِرَجمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم). وقوله: (من شدة الخوف) تعليل لقوله: زَاغَتِوبَلَغَتِ، الْحَنَاجِرَجمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم، يعني من هنا، وهل هذا حقيقة بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ؟ قال بعضهم: إنها حقيقة، وأن الخائف اذا اشتدّ خوفه انتفخت رئته، فإذا انتفخت ضَيَّقَت على القلب فخرج، ارتفع، ولهذا يقال في الجبان أو في الخائف: انتفخ سَحره، يعني: رئته، والأصل حَمْل الشيء على حقيقته، ويجوز أن يكون هذا تصويرًا عن شدة الرعب، يعنى: حتى إنها من شدة الرعب زالت القلوب عن أماكنها، فلا تتنفس طبيعيًّا، ولا تنبض طبيعيًّا؛ لأنها زالت عن أماكنها. ثم قال: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاالمختلفة بالنصر واليأس)، هذا اختلاف نصر ويأس، تَظُنُّونَأي: أنتم بالله الظُّنُونَابالألف للإطلاق، والظنون هذه جمع ظَنّ، والمصدر لا يُجْمَع إلا إذا كان أنواعًا، أما إذا كان نوعًا واحدًا لا يمكن جمعه وإن كثر، لكن إذا كان أنواعًا صح جمعه، فهنا جُمِعَ الظن وهو مصدر؛ لتنوعه، يعني الظنون تدور في أفهامهم، أو في أفكارهم مختلفة طولًا وعرضًا: هل سيزول هؤلاء الأحزاب، هل سيقضون علينا، هل سننتصر؟ يعني تعرفون مقام الخوف ماذا يحدث للإنسان من الظنون والتفكيرات القريبة والبعيدة؛ منهم مَن ظن اليأس، أو أَيِس، قال: ما بعد هذا شيء، ومنهم مَن ظن النصر، كيف وأن النصر مع أن المقام حالك جدًّا؟ لأنه يؤمن بأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسرًا، ويقولون: نحن على حق، فإذا كنا على حق وصبرنا فإن النصر أيش؟ مضمون، فلذلك يظن النصر. ومنهم أصحاب المادة والظواهر الحسية، يظنون أيش؟ الهلاك، ويَيْأَسُون من النصر؛ لأنهم ليس لديهم رصيد من الإيمان يعتمدون عليه، ولا شك أن في الذين خرجوا لهذا أن فيهم منافقين، كما سيظهر في القصة. المهم أن الله قال: تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاوأَطْلَقَ ذلك، وأتى به بالجمع؛ لأجل أن يذهب الإنسان في تصور هذا الظن كلَّ مذهب، ظنون كثيرة مختلفة متضاربة. طالب: (...). الشيخ: إلّا، بلى، كيف؟ ولهذا جاءت الظنون بالجمع. قال: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ، هُنَالِكَهذه اسم إشارة إلى المكان ولَّا إلى الزمان؟ إلى المكان، أو الزمان، أو إليهما جميعًا، هُنَالِكَتصلح للزمان وللمكان، لكن الأصل أنها للمكان، وتأتي للزمان. قال الله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: ٨٥]، أي: في ذلك الزمن خسر الكافرون، فـهُنَالِكَ(هنا) صالحة للزمان والمكان، واللام للبُعد، والكاف للخطاب، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ، اختُبِرُوا، والذي ابتلاهم مَن؟ الله عز وجل، اختبرهم، بِمَا حصل لهم من هذا الضيق العظيم الذي لا يمكن أن نعبر عنه بالنطق، ولا يمكن أن يُحس به إلا مَن وقع فيه، نحن هنا نعجز عن تصور تلك الحالة، ونعجز عن تصويرها، لكن اللي وقع فيها يدري عنها.
يقول: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ، يقول: اختُبِرُوا ليتبين الْمُخْلِص من غيره، وَزُلْزِلُوا: حُرِّكُوا، زِلْزَالًا شَدِيدًامن شدة الفزع).
ابتلاء عظيم وزلزال عظيم ابتُلُوا به، هذا الزلزال أصابهم، ليس زلزال الأرض، لكن زلزال النفوس، النفوس تزلزلت وحصل عليها شيء عظيم؛ لأنه اجتمع في هذه الغزوة اجتماع الأحزاب من العرب، ونقض بني قريظة، والجوع، والتعب، والإعياء، والبرد، كم؟ خمسة أشياء واحد منها يكفي في زلزلة النفس، فكيف إذا اجتمعت؟
الأمور صعبة، كان الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك المكان كان يَعْصِب على بطنه الحجر من الجوع، فكيف تتصور الحال؟ ما يمكن الإنسان يعبر عنها في الواقع، ولهذا قال: زُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًاقويًّا عظيمًا، زلزل نفوسهم؛ لتَجَمُّع هذه الابتلاءات عليهم رضي الله عنهم. ولهذا بزغ النفاق وتَكَلَّم المنافقون، ورأوا أن في هذا فرصة للكلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يَعِدُهُم النصر، حتى في تلك الغزوة يَعِدُهم النصر، وقصة الصخرة التي عجزوا عنها وتكسرت الفؤوس وتَعِبُوا حتى جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، أنت خططت لنا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام خَطَّ لهم الخندق، مكان الخندق خطه بقدمه. فمن حكمة الله عز وجل أنه صار الخط على هذه الصخرة التي عجزوا عنها، لكن لشدة امتثالهم رضي الله عنهم ما قالوا: نعطفه يمينًا أو يسارًا، لكنهم جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبروه، فنزل من عريشه الذي كان قد بُنِيَ له على تَلّ هنالك ليشرف على القوم، نزل وأخذ الْمِعْوَل فضربها ضربة، يقول ابن إسحاق: لَمَّا ضربها الضربة أضاءت إضاءة عظيمة كأنما نحن في نهار، واندكّ منها اندكّ، ثم ضربها وكَبَّر عليه الصلاة والسلام. طالب: بالليل؟ الشيخ: بالليل، فكَبَّر، ثم ضربها الثانية فأضاءت وكَبَّر تكبيرة الفتح تكبيرة عظيمة، ثم ضربها الثالثة وكَبَّرَ، وقالوا: يا رسول الله لماذا صنعت هذا؟ قال: «رَأَيْتُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى قُصُورَ الرُّومِ، وَفِي الثَّانِيَةِ قُصُورَ كِسْرَى، وَفِي الثَّالِثَةِ قُصُورَ صَنْعَاءَ –فِي الْيَمَنِ- وَأَنَّهَا سَتُفْتَحُ» .
ويش يكون هذا؟ بشارة للمؤمنين ولَّا لا؟ بشارة وتقوية، لكن المنافقون -والعياذ بالله- الذين لا يثقون بوعد الله ورسوله قالوا: كيف هذا؟ الإنسان منا ما يستطيع يذهب إلى الغائط يقضي حاجته، كيف نملك قصور كسرى وقيصر وتُبَّع؟ هذا ما هو صحيح.
ولهذا يقول: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: ضعف اعتقاد، مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُبالنصر إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: ١٢]) -أعوذ بالله- كيف ينطق البشر بمثل هذا الكلام؟ لكن -والعياذ بالله- ما دامت قلوبهم منطوية على الكفر أو على الشك؛ لأن الذين في قلوبهم مرض عندهم شك، ضعف اعتقاد، والمنافقون عندهم كفر. قالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، سبحان الله العظيم! الله ورسوله يَعِدُكم غرورًا، ويكذب عليكم ويخدعكم؟! هذا لا يمكن، بل ما وعد الله ورسوله إلا حقًّا، ولكن لا يمكن أن تجني العسل إلا بعد ذَوْق شوك النحل، لا بد من تعب، ولا بد من صبر، مصابرة؛ لأنه لولا هذا ما عُرِفَ الصادق من الكاذب، ولا عُرِفَ المؤمن من الكافر، فلا بد من ابتلاء. ولهذا.. بالمناسبة طلبة العلم قد يواجهون بعض المصاعب في الدعوة إلى الله عز وجل، قد يواجهون ذلك حتى في أنفسهم، ولكن عليهم أن يَصْبِرُوا وأن يتحمَّلُوا في الدعوة إلى الله؛ لأنهم ليسوا يدعون إلى سبيل فلان وفلان من سُبُل الطاغوت، لكن يدعون إلى سبيل الله التي توصلهم وتوصل عباد الله إلى الله عز وجل، فعليهم أن يصبروا، ليس بمجرد أن يقال لهم: أنت مطوّع، أنت متشدد، أنت فيك كذا وكذا، ينحسر ويَدَع، هذا ما هو صحيح، لا بد أن يصبر ويصابر، ويعمل بالحكمة وليس بالعنف، ولكل شيء.. مَرَّ علينا كثيرًا لكل شيء من الحالات منزلته. والحاصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد وعد أصحابه بالنصر، فآمن بذلك المؤمنون، وتكلم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بهذا الكلام، مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. وكذبوا والله، ما وعدهم الله ورسوله إلا الحق والصدق، وقد صار والحمد لله، فإن هذه الأمة -ولله الحمد- بما خَلَّفَه لها رسوله صلى الله عليه وسلم من العلم والهدى، وبما قام به الخلفاء رضي الله عنهم، فَتَحُوا قصور قيصر وكسرى واليمن، وأُنْفِقَت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله، وجِيء بتاج كسرى من المدائن إلى المدينة، جيء به في خلافة عمر رضي الله عنه، فتحقَّق ما وعد الله ورسوله، وإن كان النبي عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي قبل أن يحصل ذلك، لكن هو في الحقيقة هو الذي فتح هذا؛ لأن الصحابة ما فتحوها..