تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الأحزاب - ١٥

درس صوتي · ٩٢:٣١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

النبي صلى الله عليه وسلم. إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦] ولما تقرر في النفوس عُلو شأن الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الجملة وَجَّه الله الخطاب إلى المؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وتصدير الجملة بالنداء يدل على الأهمية والعناية بها؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادى، ولا داعي لتنبيه المخاطَب إلا لأمر هام. ثم النداء بهذا الوصف يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافيه إغراء للامتثال -لامتثال الخطاب الموجه- ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعِها سمْعَك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه .

وفي وصف الإيمان مع كونه إغراءً دليل على أن امتثال هذا الأمر من مقتضيات الإيمان، وأن معصيته نقص في الإيمان. قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ [الأحزاب: ٥٦] نبغي ندمج الحديث بالتفسير؛ لأني ما جبت القواعد. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِصَلُّوا عَلَيْهِيعني ادعوا له بالصلاة فليس المراد بالصلاة إذا قلت: صلِّ على فلان، ليس معناها الدعاء المطلق بل الدعاء بالصلاة؛ ولهذا لما أمر الله نبيه أن يُصلِّي على من أعطاه الصدقة صار يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ» .

فالصلاة في اللغة: الدعاء صحيح، لكن إذا أمرتك أن تصلي على شخص فالمعنى أن تدعو له بماذا؟ بصلاة الله عليه، فمعنى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أمر مطلق غير مقيد، فإذن تكون الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام مطلقة غير مقيدة نصلي عليه بأي صيغة صلَّينا ونصلي عليه في كل وقت وفي كل مكان، لكن هناك أمكنة تتأكد فيها الصلاة، وأمكنة لا تنبغي فيها الصلاة، وأمكنة تُستحب فيها الصلاة مطلقًا يعني ما هو بتأكد. فمما تتأكد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه إذا ذُكِر اسمه فإن الصلاة واجبة عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ» . وهذا دعاء له بأن يُرغم الله أنفَه في التراب، وإرغام الأنف في التراب دليل على الذل والإهانة، وهذا يدل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذُكِر اسمه. ثانيًا: الصلاة عليه في التشهد الأخير ركن لا تصح الصلاة إلا به على مذهب الحنابلة والشافعية، ولا فرق بين الفريضة والنافلة. ومنها: أنه يستحب في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء مُقدَّمة عليه أو مُؤخَّرة عنه. ومنها: عند الأذان: «فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ» . ومواضع متعددة، لكن منها ما هو على سبيل الوجوب، ومنها ما هو على سبيل الاستحباب. أما كراهة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا أنها تُكره الصلاة عليه عند الذبح، إذا قلت: باسم الله والله أكبر ما تقول: اللهم صَلِّ على محمد، قالوا: لأن المقام مقام إخلاص وتوحيد، فلا ينبغي أن يُذكر مع اسم الله غيره، فتقول: باسم الله والله أكبر، ولا تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِقلت لكم: إنه مُطلق بأي صفة كانت، فما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام حين سأله الصحابة: كيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» . هذا على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب؛ ولهذا أجمع العلماء على أن الصلاة على آل الرسول صلى الله عليه وسلم لا تجب، مع أن الصيغة التي علمها النبي صلى الله عليه وسلم أمته فيها الصلاة على آله مع أنها ليست بواجبة مما يدل على أنها على سبيل الاستحباب. وربما يستدل لذلك أيضًا بأن الصيغ التي أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام في كيفية الصلاة عليه مختلفة، ما هي كلها على صيغة واحدة، وهذا يدل على أن أي صيغة أتيت بها فهي مجزئة. وقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦] أي: قولوا: السلام عليك؛ يعني ادعوا له بالسلام فقولوا: السلام عليك أيها النبي. والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام مع كونه غائبًا أمر مشروع؛ ولهذا نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي، مع أنه غائب، والصحابة يقولون: السلام عليك أيها النبي مع أنه غائب، ولا يسمعهم حتى لو كانوا معه في الصلاة فهو لا يسمعهم، لكن لأن هناك ملائكة سياحين يبلغون النبي صلى الله عليه وسلم السلام من أمته؛ ولأنه لما كان الإنسان قوي الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام صار كأنه حاضر عنده يخاطبه. وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّواوَسَلِّمُواالآية فيها تقديم الصلاة على السلام مع أنه في التشهُّد يُقدَّم السلام على الصلاة، فهل بين الآية وما ثبت به الحديث في التشهد؟ هل بينهما تناقض؟ الجواب: لا؛ لأن العطف بالواو لا يستلزم وجوب التقديم، وإن كان قد يقتضيه لكنه لا يستلزمه؛ لأن الواو كما قال أهل اللغة تدل على مُطلق الاشتراك بدون ترتيب، ولهذا إذا قلت: ما شاء الله وشِئت. مع أنك قدمت مشيئة الله صار هذا نوعًا من الشِّرْك؛ لأن الواو تقتضي التسوية، وليست تستلزم الترتيب.

إذا قال قائل: لماذا أكد التسليم بالمصدر؟ قال: سَلِّمُوا تَسْلِيمًاولم يؤكد الصلاة؟ فالجواب: أن الصلاة تَقدَّم ما يؤكدها، وهو إخبار الله تعالى بأنه يُصلِّي عليه وملائكته، وهذا يُعطي الإنسان قوة في الصلاة عليه متى عَلِم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يُصلِّي الله وملائكته عليه؛ فلهذا جاء التوكيد في التسليم دون الصلاة؛ لأن الصلاة أُكِّدت تأكيدًا معنويًّا بذِكْر أن الله وملائكته يصلون على النبي، وأما التسليم فأُكِّد تأكيدًا لفظيًّا؛ لأن قوله: تَسْلِيمًامصدر مؤكد لقوله: سَلِّمُوا. قال المؤلف: ({إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} محمد صلى الله عليه وسلم)، ولم يفسر يُصَلُّونَرحمه الله، وهذا نقص في التفسير. ثم قال: ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وسَلِّم) ولم يفسر التسليم. فما معنى التسليم؟ قال بعض العلماء: إنك إذا قلت: السلام عليك، فالسلام من أسماء الله؛ يعني الله عليك. وما معنى الله عليك؟ أي: الله حفيظ عليك، يراقبك، ويحفظك. وقال بعض العلماء: السلام عليك أي: التسليم عليك؛ فهي جملة خبرية بمعنى الدعاء، والسلام اسم مصدر (سَلَّمَ) مثل الكلام اسم مصدر (كَلَّمَ)، فمعنى السلام عليك يعني تسليم الله عليك؛ أي: تسليمك من الآفات. وهذا المعنى أصح، هذا المعنى هو الصحيح؛ أنك إذا قلت لإنسان: السلام عليك؛ أنك تسأل الله تعالى أن يُسلِّمه من الآفات؛ الآفات الحسية والمعنوية أو أحدهما؟ السلامة الحسية والمعنوية؛ فالسلامة الحسية: سلامة البدن والعِرْض والمال، والسلامة المعنوية: سلامة الدين من الآفات؛ لأن الإنسان محوط بآفتين؛ آفة في الدين، وآفة في الدنيا، والسلامة منهما جميعًا من أكبر نِعَم الله على العبد. طالب: (...)؟ الشيخ: المعنى لازم يستحضر، لا بد أن يستحضر وإلا كان لغوًا من القول. طالب: (...)؟ الشيخ: أكثر الناس عندما يُسلِّم يستحضر أنها تحية فقط، وهذا ما ينبغي، بل الذي ينبغي أن تستحضر بأنها دعاء له بالسلامة من الآفات؛ لأنك إذا كنت لا تستحضر إلا أنها تحية صار لا فرْق بينها وبين قولك: أهلًا وسهلًا، بل ربما تكون التحية بـ(أهلًا وسهلًا، مرحبًا يا أبا فلان، حياك الله وبيَّاك)، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية تكون أبلغ من هذا؛ ولهذا ينبغي لنا ما دام ما نويت المعنى الذي قصده الشارع صار لفظًا مجردًا، فينبغي لنا إذا سلَّمنا على أحد أن نستحضر أننا ندعو له بالسلامة من الآفات؛ ولهذا لو أتيت بكل ترحيب ما قابل هذه الجملة الدعائية أن تدعو الله له بالسلامة. فالحاصل أن ما ذكره الأخ صحيح أن أكثر الناس يقولون: السلام عليكم من باب التحية فقط. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، يحركه؛ لأنه دعاء. طالب: والرد كذلك؟ الشيخ: والرد كذلك، يعني ينبغي لنا أن نستحضر المعاني في كل ما نقول حتى الآن التحيات لله -والله يتوب علينا وعليكم- هل نحن نستحضر معنى التحيات، ومعنى الصلوات، ومعنى الطيبات، وإلا تمشي ألفاظ تُقرأ؟ أحيانًا وأحيانًا، هذا أيضًا ما ينبغي، يعني ينبغي أن تستحضر لكل لفظ معناه وإلا صارت ألفاظًا جوفاء، ثيابًا ما فيها أجسام، أو أجسامًا ما فيها أرواح، ويش الفائدة أنك تقرأ التحيات لله والصلوات والطيبات وأنت سارح ما عندك إلا ألفاظ تمر على القلب فقط؟! هذه ينبغي أن كل ما قرأت هذه تستحضر وأنت تصلي، أيش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات؟ ويش معنى الطيبات ولَّا لا؟ وإن شاء الله تعالى نختبركم فيها في يوم من الأيام ويش معنى التحيات؟ ويش معنى الصلوات إلا إذا كانوا مستعدين الآن عشان نكمل بقية الحصة؟ طلبة: تشرحها. الشيخ: أشرحها؟! إذا شرحتها ما صار اختبارًا. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف، الآن نشوف التحيات، من اللي يعرف معنى التحيات؟

طالب: البقاء (...)؟ الشيخ: يعني كل لفظ دال على البقاء والتعظيم والتكريم؛ لأن التحية معروفة تعظيم للمُحيَّا وتكريم له. طيب (لله): معروفة أنها مستحقة لله، وأنها خاصة به. الصلوات أيش معنى الصلوات؟ الصلوات لله؟ طالب: (...). الشيخ: الفريضة والنافلة وهي العبادة المخصوصة، وإلا حتى الدعاء يدخل، فالصلوات بمعنى العبادة المخصوصة، وبمعنى الدعاء أيضًا كله لله عز وجل ما يُدعى إلا لله، ولا يُتعبَّد بصلاته إلا لله. الطيبات لله؟ طالب: الطيبات من الأقوال والأفعال الخاصة بالله سبحانه وتعالى. الشيخ: نعم، وكذلك الأوصاف، فالطيبات منا، والطيبات منه، فكل صفاته طيبة، وكل أفعاله طيبة، وكل أقواله طيبة، ومنا أيضًا ما يكون لله، ولا يقبل الله إلا ما كان طيبًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» . من يستحضر هذين المعنيين وهو يصلي؟ أن الطيبات باعتبارها صفة لله وباعتبارها وصفًا لفعل المخلوق؟

طالب: الغالب الثاني. الشيخ: الغالب الثاني أن معناها أن الطيبات الواقعة منا تكون لله لا يقبل الله سواها. لا، الحقيقة أن كلا المعنيين حق، «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ»، هذا باعتبار ما يتعلق بالله، «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» باعتبار ما يفعله العبد. طيب ويش معنى السلام عليك أيها النبي؟ قلناها. (ورحمة الله وبركاته)، (الرحمة): الدعاء له بالرحمة وهي حصول المطلوب، وبالسلام زوال المكروه. (وبركاته) يعني الخير الثابت الكثير، فأنت بعدما دعوت له بالرحمة سألت الله تعالى أن يجعل ذلك بركة عليه مستمرًّا. وأما (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فقد فسرها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . من يستحضر إذا سلمنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فالمعنى سلمنا على الأنبياء أو لا؟ والملائكة والأولياء والصالحين من هذه الأمة ومن غيرها حتى نسلم بهذا الكلام نسلم على الحواريين الذين اختارهم عيسى، والسبعين الذين اختارهم موسى، والقليل الذين آمنوا بنوح، وأصحاب الكهف، من يستحضر؟ وآدم وغيره هل نستحضر هذا؟ الظاهر الغالب أنه ما يستحضر. طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الصحابة (...) تحصل هذه لو مذكورة إذا قال: إذا سلمت فقد سلمت على كل عبد صالح. الشيخ: لا؛ لأنهم كانوا يقولون: السلام على جبريل، وعلى ميكائيل، وعلى فلان، وعلى فلان. (...) كلام التخصيص أنتم خصصتم ما له حاجة، إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ دخل في هذا ما خصصتم. طالب: يعني معناه كأنهم ما استحضروه؟ الشيخ: لا، ما كأنهم لم يستحضروه؛ ولهذا يخصصون. وقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) واضح. (أشهد) يعني أقر، لكن إقرارًا كالمشاهد بالعين، ما هو إقرار هكذا، إقرار يعني هزيل؛ يعني أشهد أصل الشهود أو الشهادة لما رُؤِى أو سُمِع بالآذن، لكن هنا عبر عن ما في القلب بالشهادة كأن الإنسان يشاهِد ما أقر به. وأما (أن لا إله إلا الله) فالعامة يخطئون فيها، يقولون: أشهد (أنَّ) لا إله إلا الله، وهذا خطأ من حيث اللغة؛ لأن (أنَّ) المشددة ما يحذف اسمها، ولكنها أن المخفَّفة.

(لا إله إلا الله) يعني لا إلهَ حقٌّ؛ أي لا معبودَ حقٌّ إلا الله عز وجل، والمعبودات التي تُعْبد من دونه باطلة. (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) فيها أيضًا الإقرار المتيقن كأنما يشاهد بأن محمدًا عبد الله ورسوله، فهو عبد ليس له حق من الربوبية، ورسول ليس فيه شيء من الخيانة؛ فهو رسول حقًّا.

هذا هو معنى التشهد وليس بعد المعنى الذي هو كل المعنى، بل هذه معانٍ ظاهرة عابرة، ومع ذلك أكثر الناس ما يستحضرون. طالب: (...)؟ الشيخ: لا؛ لأن هذه خبر وثناء. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧]. قال المؤلف: ({إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهم الكفار يصفون الله بما هو مُنَزَّه عنه من الولد والشريك ويكذبون رسوله) هذا من الإيذاء. إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَجملة خبرية مؤكدة بـ(إن)، وخبر (إن) قوله: لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَبماذا يؤذون الله؟ يؤذون الله بوصفه بالعيوب التي لا تليق به، مثل قول بعضهم: إن الله فقير، ومثل سب الدهر: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ» ، ومثل أن يقولوا: إن الله اتخذ صاحبة أو ولدًا، أو إن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض تعب واستراح يوم السبت وما أشبه ذلك. فإيذاء الله تعالى يكون بماذا؟ بأن يُوصَف بما لا يليق به. ومنه إنكار أسمائه وصفاته، فإن هذا لا شك يعني سلْب الكمال عنه يتضمن النقص؛ لأن الكمال والنقص متضادان، ما من شيء إلا موصوف بالكمال أو بالنقص، فإذا سُلِبَت عنه صفات الكمال لزم من ذلك اتصافه بالنقص وهو نوع من الإيذاء. وأما إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام فيكون بالقول وبالفعل؛ فبالقول: أن يُوصَف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر، أو شاعر، أو كاهن، أو مجنون. والغريب أن الساحر والمجنون وُصِفَ به جميع الأنبياء، كل الأنبياء السابقين المرسلين إلى قومهم وُصِفوا بهذا، قال الله تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢] فهذه الأوصاف لا شك أنها تؤذي الرسول عليه الصلاة والسلام، وتؤذي كل ولي لله ورسوله؛ أن يوصف النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأوصاف الكاذبة. وكذلك إيذاء الرسول بالفعل: كما صنع قريش به صلى الله عليه وسلم حين أتوا بسلى الناقة وهو ساجد في المسجد الحرام أمام بيت الله عز وجل، فوضعوا سلى الناقة على ظهره وهو ساجد أي أذية أبلغ من هذا؟! رجل لم يتعرض لهم، وإنما يعبد الله تعالى في آمن مكان على وجه الأرض أمام بيت الله سبحانه وتعالى، وأقرب ما يكون من ربه، ثم يأتي هؤلاء الظَّلَمَة المعتدون فيضعون عليه هذه القاذورات، أعتقد أن هذا من أبلغ ما يكون من الأذية حتى جاءت ابنته الطفلة الصغيرة فأزالته عنه ، هذا من الأذية. كذلك من الأذية ما ذكروا أنهم كانوا يلقون الأنتان والقاذورات على عتبة بابه صلى الله عليه وسلم في مكة حتى كان يخرج ويقول: «أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟ أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟!» . يعني لو كنت جارًا لكم ولست منكم ما تفعلون بي هذا الفعل. فهؤلاء الذين يؤذون الله ورسوله لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [الأحزاب: ٥٧] والعياذ بالله، يعني أبعدهم الله تعالى عن رحمته في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن اللعن بمعنى الطرد والإبعاد عن رحمة الله. وفي قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَولم يقل: آذوا الله؛ يعني لأنهم مستمرون في الأذية، فما داموا مستمرين في الأذية فإن لهم اللعنة في الدنيا والآخرة، أما إذا مَنَّ الله عليهم بالهداية، ورجعوا إلى الله تعالى، وتابوا من شركهم فإن اللعنة سترتفع عنهم؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته. لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ(أبعدهم) وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًاأَعَدَّبمعنى هيأ، والعذاب بمعنى العقوبة. ومُهِينًاقال المؤلف: (ذا إهانة) وهو النار، إي نعم، عذاب النار -والعياذ بالله- إهانة بدنية حسية، وإهانة نفسية؛ ولهذا يقال لأصحاب النار: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان: ٤٧] خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ، يعني ادفعوه بشدة وعنف إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِيعني قعرها وأصلها. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِالرأس اللي ما كان ينحني لأحد ولا لله صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ [الدخان: ٤٨] الْحَمِيمِالماء الشديد الحرارة، ثم يقال له بعد الإهانة بالفعل، يقال له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩]، هذا تهكم به غاية التهكم؛ يعني أنك كنت في نفسك عزيزًا كريمًا، لكنك الآن ذليل مهين خلاف العز والكرم، فهذا العذاب المهين الذي أُعِدَّ للكافرين -نسأل الله أن يسلمنا وإياكم منه- فصارت عقوبة هؤلاء المؤذِين لله ورسوله أمرين عظيمين: أحدهما: اللعن؛ وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله. والثاني: العذاب المهين الذي يُوقِعه في الهوان والذل. المؤمنون والمؤمنات؟ قال: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا [الأحزاب: ٥٨] (يرمونهم بغير ما عملوا) فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٨] (تحملوا كذبًا) وَإِثْمًا مُبِينًا(بيِّنًا). تأمل الفرق بين أذية الله ورسوله وأذية المؤمنين تجد بينهما فرقًا كبيرًا في العقوبة. الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوابِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواهذا لم يُذْكر في الآية الأولى السبب؛ لأنه لا يمكن أن يكون من فعل الله، أو من فعل رسوله ما يستحقون به الأذية ولَّا لا؟ لكن المؤمنون يمكن أن يقع منهم ما يستحقون به الأذية؛ ولهذا قال: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا؛ لأن المؤمن قد يكتسب شيئًا يستحق الأذية عليه ولًّا لا؟ وأيضًا قال: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًاولم يقل لعنهم الله، ولا أعد لهم عذابًا مهينًا بل قال: احْتَمَلُوا بُهْتَانًايعني كذبًا وتحملوه، والبهتان هو أن تذكر أخاك بما ليس فيه؛ ولهذا لما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الغِيبة قال: «هِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قال: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . أذية المؤمنين بماذا تكون؟ بالقول وبالفعل، وهي كثيرة لا حصر لها، أذية المؤمن كثيرة لا حصر لها؛ منها: أذية الجار حتى إن العلماء يقولون: لا يجوز للإنسان أن يدق وتدًا في الجدار المشترك بينه وبين جاره على وجه يؤذي جاره، ولا يجوز أن يسقي نخله إذا كان الماء يتسرب إلى جاره، ولا يجوز أن يجعل رحًى تطحن حول جاره؛ لأن ذلك يؤذيه. فالأذية كثيرة، ومن هذا النوع أن يهينه عندما يأتي لطلب حقه، فإن بعض الموظفين -والعياذ بالله- إذا جاءهم الناس لإجراء معاملاتهم تجدهم يمتهنونهم، ويؤذونهم، هذا أيضًا من أذية المؤمنين بغير ما اكتسبوا. وأفرادها بل وأنواعها لا يمكن حصرها، والشيء العام هو أن يحصل للمؤمن أذية من فعل أو قول؛ فالذين يؤذون المؤمنين بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا، نسأل الله العافية (...) ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦]

في هذه الآية فوائد: منها: إثبات الملائكة لقوله: وَمَلَائِكَتَهُ. ومنها: شرف الملائكة في إضافتهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَمَلَائِكَتَهُفإضافتهم إلى الله إضافة تشريف. ومن فوائدها: بيان علو شأن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكون الله وملائكته يصلون عليه، فهذا بلا شك من عُلُوِّ شأنه ورِفعة ذكره. ومن فوائدها: الأمر بالصلاة والسلام على رسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. ومن فوائدها: أن الصلاة والسلام عليه من مقتضيات الإيمان، وأنه زيادة في الإيمان؛ لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. ومنها: أن الصلاة والسلام عليه واجبان؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن ذلك من قضاء حق النبي صلى الله عليه وسلم الذي له على أمته، فإن حقه على أمته أعظم من حق الوالدين على أولادهما، ولكن الوجوب يحصل بفعل ذلك مرة واحدة، فإذا دل دليل على التكرار وجب أن نأخذ بمقتضى الدليل. وقد قال كثير من أهل العلم بوجوب الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وذلك في التشهد؛ فإن الإنسان يقول: السلام عليك أيها النبي، ويقول: اللهم صلِّ على محمد. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشروع أن يصلي الإنسان عليه باللفظ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. ولا يكفي السلام أو الصلاة بالقلْب، وعلى هذا فينبغي عندما نكتب أحاديث أن نكتب: صلى الله عليه وسلم. وأما ما يفعله بعض الناس من كتابته (ص) أو كتابته (صلعم) فإن أهل العلم كرهوا ذلك، وقالوا: إن الأفضل أن يكتب صلى الله عليه وسلم. وكان الإمام أحمد رحمه الله ربما كتب الحديث ولم يذكر صلى الله عليه وسلم. وأجاب بعض العلماء عن ذلك: بأنه كان يتركها حرصًا على اغتنام الوقت، وأنه كان يصلي عليه بلسانه دون قلمه. وقد مر علينا في الشرْح أو في التفسير: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى قسمين: مُطلَقة ومقيَّدة، وأنها في المواضع المقيدة قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، وأنها في بعض الأماكن قد تكون مكروهة. فيها أيضًا مباحث، ما هي في نفس الآية، لكن لها صلة بها: هل تجوز الصلاة على غير الأنبياء؟ في هذا للعلماء أقوال ثلاثة: الجواز، والمنع، والجواز إذا لم يكن شعارًا، وهذا هو الصحيح؛ أنه يجوز أن تصلي على شخص بشرط ألا تجعل ذلك شعارًا له كلما ذكرته صليت عليه، أو سلمت عليه. وقد نص أهل العلم على أن ما يوجد في بعض الكتب عند ذكر علي رضي الله عنه يقولون: علي عليه السلام، أو علي كرم الله وجهه؛ أن ذلك من عمل بعض النساخ، وأن الأفضل أن يقال له كما يقال لغيره من الصحابة علي رضي الله عنه، مع أن علي رضي الله عنه أكمل من علي عليه السلام، وأكمل من علي كرم الله وجهه؛ لأن الرضا مرتبة عظيمة. وأما إذا صُلِّي على غير الأنبياء بالتبع فهذا جائز بالاتفاق، وقد علم النبي عليه الصلاة والسلام أمته أن يقولوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» .

وسبق لنا أيضًا: الدعاء بالرحمة للرسول هل يُدْعى له بالرحمة؟ وأن من أهل العلم من كره ذلك والصحيح أنه ليس بمكروه. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا. طالب: ما ذكرت صلاتنا على الرسول صلى الله عليه وسلم إيش معناها؟ الشيخ: صلاتنا على الرسول ذكرناها قلنا: إن معناها طلب الثناء، الطلب من الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى. طالب: كتابة (ص) (...)؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يقولون إما أن تكتبها كاملة وإما أن تدعها. طالب: تقرأها كاملة؟ الشيخ: دعنا من القراءة لكن الكتابة، إذا جاء إنسان مثلًا بيقرأ وهو ما يعرف اصطلاحات الكُتَّاب هؤلاء سوف يقول: قال رسول الله (ص)، قال رسول الله (صلعم)! طالب: قولهم لعلي رضي الله عنه: كرم الله وجهه كيف (...)؟ الشيخ: يقولون: إنه لم يسجد لصنم، وأنه كرم الله وجهه بهذا، ولكن هو أصلهم الذين يكتبون هذا أن يجعلوا ميزة لعلي بن أبي طالب فقط، هذا أهم شيء عندهم سواء كان ذلك أحسن أو ليس بأحسن، يريدون أن يجعلوا له ميزة. طالب: (...) في كتاب قرأته (...)؟ الشيخ: عجيب، أيش يقول عندك مكتوبة؟ الطالب: (...)؟ الشيخ: يعني يكتبون إذا ذكروا الصحابة كتبوا (ر) أو (ض). الطالب: (...)؟ الشيخ: وعلي، إذا كتبوا عليًّا، ويش يقولون؟ الطالب: (...). الشيخ: لكن أنت ما تظن أن الـ(ر) والـ(ض) مثل (ص) في صلى الله عليه وسلم، ما تظن أن هذه رمز؟ الطالب: لا أظن أنه رمز. الشيخ: إي، هذا هو الظاهر أنها رمز. الطالب: ما كتبه في كتاب للشيعة (...)؟ الشيخ: يمكن، الله أعلم. طالب: (...)؟ الشيخ: ما يطَّلع عليه إلا هو؟ وإذا مات؟

الطالب: (...)؟ الشيخ: كأنه إذا مات جُعِل في كفنه، فلا بأس. طيب إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُإلى آخره [الأحزاب: ٥٧]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أذية الله ورسوله من كبائر الذنوب، وجه ذلك أن الله توعد عليها باللعن والعذاب، وكل شيء توعد الله عليه باللعن أو العذاب فإنه من كبائر الذنوب. وقد اختلف العلماء في الكبائر هل تُعد أو تُحد؟ فمنهم من عدَّها عدًّا، ومنهم من حدَّها حدًّا. وقال: إن الكبيرة كل ما رُتِّب عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة، وهذا حدٌّ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كل شيء أو كل ذنب رُتِّب عليه عقوبة خاصة دنيوية أو أخروية فإنه من كبائر الذنوب، سواء كان ذلك لعنة، أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، أو عذاب، أو ما أشبه ذلك، كل شيء جُعل عليه عقوبة خاصة فإنه من كبائر الذنوب. ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تبارك وتعالى بأنه يتأذى؛ لقوله: يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ويستفاد منه: بيان كمال الله عز وجل؛ لأنه إذا كان يتأذى من الأشياء المنكَرة التي لا تليق به دل ذلك على كماله؛ ولهذا عند الناس من العيب أن الإنسان لا يتأذى بما يُوصف به من عيب، من العيب ألا يتأذى بما يُوصَف به من عيب؛ ولهذا يُسمون مثل هذا الرجل، يسمونه الحمار لبَلادَته، وعدم أهميته يعني لا يفرق بين من يمدحه ومن يقدح فيه، كله سواء عنده لكن الإنسان اللي يتأذى بالعيب، هذا هو الذي له شعور وله عاطفة، ثم إذا صبر واحتسب، واستعمل الحكمة في ذلك كان خيرًا.

المهم أن الأذية مما ليس بمحمود تعتبر كمالًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أذية الرسول صلى الله عليه وسلم كأذية الله؛ لأن الله جَمَعَ بينهما بالواو إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فكما أن طاعة الرسول كطاعة الله ومعصية الرسول كمعصية الله فأذية الرسول كأذية الله؛ يعني من حيث التحريم، وأنها من الكبائر، وإلا فإن أذية الله أعظم من حيث الجهة التي نُسب إليها الذم والعيب. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اللعنة، أي لعنة الله وهي طرده وإبعاده، وهي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة لله مُعلَّقة بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن هذا السبب يتجدد فتكون الصفة بعد وجوده، وهذا هو ما يكون صفة (...). وَأَعَدَّ لَهُمْوالعذاب المهين كلنا يعرف أنه في النار؛ لأن هي اللي عذابها مهين. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل، فكما تعالى هؤلاء وتعاظموا وأهانوا الرسول عليه الصلاة والسلام بأذيته عاقبهم الله بما يهينهم ويذلهم من العذاب. ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٨]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: تحريم أذية المؤمنين بغير حق؛ لقوله: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. ويستفاد منها: تحريم كل أذية أيًّا كان نوعها سواء كانت قولية أم فعلية؛ لعموم اللفظ في قوله: والَّذِينَ يُؤْذُونَواسم الموصول من صيغ العموم. ويستفاد منها: أن أذية المؤمن بما هو من كسبه ليس فيها وعيد، وليست إثمًا ولا بهتانًا؛ لقوله: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا. ويستفاد منها: أنه لا يجوز أن يُؤذَى بأكثر مما يستحق، فلو أنه سبَّك فلا تسبه أكثر؛ لأنك إذا سببته أكثر فقد آذيته بغير ما اكتسب، وإذا سببته بمثل ما سبك فقد آذيته بقدر ما اكتسب، وقد قال الله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:٤٠]. ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوافأضاف الفعل عليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان مُجْبَر على عمله، وأنه لا حول له ولا قوة، يفعل الشيء بغير اختياره، ويدعه بغير اختياره. ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الكذب؛ لقوله: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًاولا سيما إذا كان الكذب يؤدي إلى أذية الغير. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز أذية غير المؤمنين؛ لقوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوالكن إن كان الإنسان غير المؤمن ذميًّا أو مُعاهَدًا أو مستأمِنًا فإنه لا تجوز أذيته بما يخالف عهده. إذن غير المؤمن فيه تفصيل: المؤمن أذيته حرام بكل حال، وغير المؤمن فيه تفصيل، ما هو التفصيل؟ إذا آذيناه أكثر مما يقتضيه العهد فهو حرام ولا يجوز، وإن آذيناه في حد ما يقتضيه العهد فإنه لا حرمة له إلا فيما يقتضيه عهده. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذنب قد يجمع بين وصفين ذميمين؛ لقوله: احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًافهم بكذبهم احتملوا البهتان، وبعدوانهم احتملوا الإثم المبين (...).

تفسير الآيات (٥٩ - ٦١)

{قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: ٥٩] الخطاب بـيَا أَيُّهَا النَّبِيُّتقدم التنبيه عليه وهو أن الله عز وجل نادى محمدًا صلى الله عليه وسلم بوصفه نبيًّا، والنبي يُنفِّذ ما أُوحِي إليه ولا يتأخر عنه. وسبق أن النبي مأخوذ من النبأ، أو من النبوة، أو منهما جميعًا فإنه مُنبِئ، مُنبَأٌ، وذو رِفْعة، فهو مشتق من النبأ سواء كان واقعًا منه أو واقعًا عليه، ومن النبوة؛ وهي الرِّفعة، فالشيء النابي أي الشيء المرتفع. قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩]. قُلْهذه فعل أمر، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أُمِر أن يقول جميع القرآن، وأن يبلغه، لكن إذا كان الحكم مُصدَّرًا بـ(قل) فهو دليل على العناية به؛ لأنه أُمِر أن يبلغه بخصوصه، فيكون في هذا دليل على أنه -أي هذا الشيء الذي أُمر أن يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم- أمر هام. قُلْ لِأَزْوَاجِكَجمع زَوْج، وزوج يطلق على الرجل وعلى المرأة؛ لأنه مأخوذ من الازدواج وهو الاختلاط. واللغة الفصحى فيه ألا تفريق بين الذكر والأنثى، ولكن الفرَضِيين -رحمهم الله- التزموا أن يجعلوا الأنثى بالهاء والرجل أو الذَّكَر بدون هاء تفريقًا بين المسائل؛ لأنهم إذا قالوا: مات ميت عن زوج وابن، وأرادوا بالزوج الأنثى اشتبه هل يراد به الزوج الذكر والأنثى فالتزموا أن يفرقوا بين الذكر والأنثى بالتاء على أنه قد قيل إنها لغة لكنها قليلة. قُلْ لِأَزْوَاجِكَوبدأ بالأزواج؛ لأن الحماية لهن والغيرة فيهن أشد وأبلغ. وَبَنَاتِكَكم كُنَّ؟ كن أربعًا، لكن إذا كانت هذه الآية نزلة في السنة السادسة من الهجرة فإن بعضهن قد مات، وعلى هذا فيكون المراد الموجود منهن. وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَعام في كل امرأة من المؤمنين، وإنما قال: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَدون أن يقول: والنساء، من أجل الإغراء والحثِّ كقوله: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وإلا فإن الكافرات يجب عليهن من الحجاب ما يجب على المؤمنات لئلا يفتتن الناس بهن. وقوله: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَيشمل زوجات المؤمنين، ومَنْ للمؤمنين عليهنَّ ولاية من البنات والأخوات والعمات والخالات والأمهات وغير ذلك. وفي قوله: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَدليل على أن الرجال قوَّامون على النساء، وإلا لاكتفى بقوله: والنساء المؤمنات. يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّجملة يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّيحتمل أن تكون مرفوعة، وأن تكون مجزومة، وعلى كل حال هي مبنية الآن، مبنية لماذا؟ مبنية لاتصالها بنون النسوة، والفعل المضارع يكون مبنيًّا في موضعين إذا اتصل بنون النسوة أو نون التوكيد، وهنا اتصلت به نون النسوة، فهو مبني على السكون، لكن هل هو في محل رفع أو في محل جزم؟ إن كانت يُدْنِينَمقول القول فهي في محل رفع، يعني: قل لهم أدْنِين، قل لهؤلاء أدنين، وإن كانت جوابًا للأمر فهي في محل جزم؛ لأن جواب الأمر يكون مجزومًا. وقيل: إنها مجزومة على تقدير اللام؛ أي: قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ليدنين عليهن من جلابيبهن؛ أي: على تقدير لام الأمر كقول الشاعر:

مُحَمَّدُ تَفْدِي نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ

..........................

تفدي: جزمها على تقدير اللام، أي: لتفدي نفسك.

أي الاحتمالين أرجح؟ أن تكون مقولًا للقول في محل رفع، أو أن تكون في محل جزم؟ نشوف القرآن قد يُبيِّن ذلك، قال الله تعالى: قُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: ٥٣]، هذا يدل على أنها مجزومة على أنها جواب الأمر، إذ لو كانت مرفوعة لقال: يقولون هي التي أحسن، فلما قال: يَقُولُوادل على أنها جواب الأمر. وهي أيضًا من حيث المعنى أبلغ إذا كانت جوابًا للأمر كأنهم يفعلون ذلك مباشرة؛ يعني كأن فعلهم هذا جوابهم للأمر؛ أي أنه متسبب عنه، فيكون ذلك أبلغ في الامتثال من أن يُؤمروا أمرًا قد يمتثلونه وقد لا يمتثلونه. قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠] ويش يؤيد؟ أن جواب الأمر ولَّا أنها مقول القول؟ أنها جواب الأمر؛ ولهذا قال: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْفجزمها بحذف النون، ولم يقل يغضون من أبصارهم. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:٣١] ويش يؤيد؟ هذا ما فيه دليل؛ لأنه مبني، فليس فيه دليل على هذا ولا على هذا. المهم أن الأولى أن نجعل قوله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّجوابًا للأمر، ويؤيد ذلك السياق في كتاب الله، ويؤيد ذلك أنه أقوى في الامتثال والتنفيذ حيث كان جوابًا لمجرد القول كأنهن يفعلن ويمتثلن. يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّمِنْ جَلابِيبِهِنَّ. قوله: مِنْليست زائدة كما قيل؛ لأن (مِن) ما تزاد إلا في النفي كما قال ابن مالك:

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ

........................

أكملوا؟

........................

نَكِرَةً كَـ(مَــــا لِبَـــــاغٍ مِنْ مَـــفَرْ)

وعلى هذا فـ(مِن) ليست بزائدة؛ يعني ليس المعنى يدنين عليهن جلابيبهن، بل (مِن) للتبعيض؛ أي: يدنين عليهن من جلابيبهن؛ يعني بعض جلابيبهن. وهل التبعيض هنا تبعيض جزء من كل، أو تبعيض فرد من فرد؟ بمعنى: هل إن قوله: مِنْ جَلابِيبِهِنَّأي من الجلابيب التي عندهن؛ لأن الواحدة قد يكون عندها جلبابان أو أكثر، أو أن المعنى بعض الجلباب الذي عليها؟ هذا الأخير هو الأقرب؛ يعني تُدني عليها بعض جلبابها، والجلباب هو الرداء أو الملاءة أو الملحفة، يعني الشيء الواسع الذي يشمل جميع البدن أو أكثره. ويُدْنِينَ عَلَيْهِنَّولم يقل: إليهن، بل قال: عَلَيْهِنَّليكون الإدناء ملاصقًا لهن، فمثلًا هنا إذا قلت هكذا، هذا أدنيت إليَّ لكن إن قلت: هكذا عليَّ، فكأنه ضُمِّن معنى يضممن عليهن. يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّأي يقربنه حتى يضممنه عليهن. وقوله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّعَلَيْهِنَّلم يقل: على وجوههن، ولا على نحورهن، ولا على صدورهن فيكون شاملًا لجميع البدن. يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّأي: على جميع البدن، ولكن من المعروف أن الجلباب ساتر لأكثر البدن والعادة عندهم أن المرأة تكشف وجهها وتخرج مكشوفة الوجه ومكشوفة النحر، فَأَمَر الله عز وجل أن يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّأي على هذا المكشوف الذي يُكشف عادة وهو الوجه والنحر كما قال ذلك ابن عباس وغيره بأن تُغطِّي وجهها ولا تبدي إلا عينًا واحدة تنظر بها للضرورة، وهذا فيما إذا كان الجلباب صفيقًا، بحيث إذا غطت به وجهها لا ترى، أما إذا كان خفيفًا كما هو المعروف عندنا في الوقت الحاضر فلا حاجة إلى إبداء العين؛ لأن إبداء العين إنما هو للضرورة؛ بدليل أن الصحابة كابن عباس وغيره رخصوا في إبداء العين الواحدة؛ لأنها بقدر الضرورة وإلا لكانوا يقولون: تُخرِج العينين جميعًا، وعلى كل حال فالمعنى يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّفيما يكشفنه من أبدانهن وهو الوجه، هذا ما جرت به العادة. وكان هذا الكشف عامًّا للإماء والحرائر فصار بعض من في قلبه مرض من المنافقين الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات صاروا يلاحقونهم، فإذا عُثِر عليهن قالوا: هذه أمة، حسبناها أمة فعيرناها وهي حرة، فشُكِي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأحزاب: ٥٩] هكذا قال بعضهم في سبب النزول لكنه غير مسند، ونحن لا يهمنا أن تكون الآية لها سبب في نزولها أم ليس لها سبب، المهم هو الحكم الذي دلت عليه. قال: ({يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} جمع جلباب، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يُرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينًا واحدة) ليش؟ لضرورة النظر.

وقوله: (جمع جلباب وهي الملاءة) هو كما قال، وهي تشبه العباءة عندنا، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بخروج النساء في العيد للصلاة قالت أم عطية: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» . ولم يقل: لتخرج بدون جلباب، وهذا يدل على أنه لا بد أن تخرج المرأة بما يسترها ولا يبين حجم جسمها. ({ذَلِكَ أَدْنَى} أقرب إلى {أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنهن حرائر {فَلا يُؤْذَيْنَ} بالتعرض لهن). قوله: ({أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنهن حرائر) هذا بناءً على ما قلت، ولكن لنا أن نقول: أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَبأنهن محتشمات وبعيدات عن الرِّيَب، ولا يُردن السوء ولا الفاحشة؛ لأن المرأة إذا كانت محتشِمة محتجبة دل هذا على كمال عفتها، وأنها لا تريد أن تقع في مواضع الرِّيَب بخلاف المرأة العاهر -والعياذ بالله- فإنها تتبرج، وتكشف وجهها، وتخرج يديها، وذراعيها، وحليها، وما أشبه ذلك، فإذا كانت المرأة مُتحجِّبة عُلِم أنها امرأة محتشمة عفيفة؛ ولهذا قال: أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ، وإذا كانت عفيفة محتشمة فإن الفُسَّاق لا يتعرضون لها؛ لأنهم يعلمون أنها ليست من أصحابهن، وإنما هي امرأة حامية نفسها محتفِظة، هذا من جهة، ويحتمل أن ما قاله المؤلف: ({أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ} بأنهن حرائر) والآية صالحة لهذا ولهذا. قال: ({أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} بالتعرض لهن بخلاف الإماء فلا يُغَطِّين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن). وهكذا كانت الإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي عهد الخلفاء لا يحتجبن؛ لأنهن مملوكات، ولا يتعلق بهن إلا رديء النفس. ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إنما هذا في الإماء اللاتي لا يُخشى منهن فتنة، وأما الإماء الجميلات اللاتي يفتن فإنهن يجب عليهن أن يُغطِّين وجوههن؛ وذلك لخوف الفتنة، لا لإلحاقهن بالحرائر. وما قاله -رحمه الله- صحيح، والمعنى يؤيده فإن كل ما يُخشى منه الفتنة فإنه يجب البعد عنه؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:٣١]؛ لأن الخلخال الذي يُسمَع إذا ضربت المرأة برجلها يُخشَى منه الفتنة، وخشية الفتنة بخلخال مخفي عند ضرب المرأة برجلها أقل بكثير من أن تُخرِج المرأة وجهها، ذلك الوجه الجميل المجمَّل بالكحل والتحمير وغير ذلك، وكلٌّ يعلم أن هذا أعظم فتنة من خلخال مستور يُسمَع صوته عند الضرب بالرجل، وتأبى حكمة الله عز وجل أن ينهى عن ضرب المرأة برجلها لئلا يُسْمع خلخالها، ثم يرخص لامرأة من أجمل النساء أن تُخرِج وجهها وكفيها فإن هذا تأباه حكمة الله عز وجل. طالب: عمر لما ضرب الأمة لما غطت رأسها ؟

الشيخ: نعم، ضربها لئلا تتشبه بالحرائر خوفًا من أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، ثم يبقى الفرق والميزة بينهما لا أثر له، إذا كانت الإماء يغطين وجوههن بقيت الحرائر غير معلومات. الطالب: قد يحتج به على قول شيخ الإسلام؟ الشيخ: لا، ما يحتج به؛ لأن عندنا قواعد عامة وهي أن التعرض للفتن ممنوع في الشرع. طالب: شيخ، طيب ترى بعين واحدة يُعتبر سنة إلى الآن يعني؟ الشيخ: لا، ما هو سنة؛ لأن الجلابيب في ذلك الوقت غليظة ما تتمكن المرأة من النظر، أما في وقتنا فهي خفيفة تتمكن المرأة، تمشي بالنظر ولو غطت جميع وجهها. الطالب: إن فعلت هذا الجلباب هي نفسها؛ يعني لبست؟ الشيخ: الآن النساء عندنا يتجلببن ولا يكشفن ولا عينًا واحدة والأمور ماشية. طالب: (...) اللبس (...)؟ الشيخ: بالنيل؟ الطالب: (...)؟ الشيخ: إي، هو الظاهر؛ ولهذا الصحابة جعلوا إبداء العين الواحدة للضرورة؛ ولهذا اقتصروا على قدر الضرورة فقط وهي العين الواحدة، وهذا يدل على أنه إذا كان يمكن للمرأة أن تبصر بدون إخراج العين فإنه لا يجوز إخراج العين. طالب: شيخ، قوله: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَما فيه دليل على وجوب تغطية الوجه؛ لأن المرأة ما تعرف إلا من وجهها؟ الشيخ: لا، هو على كلام المؤلف: يُعْرَفْنَبمعنى يميزن، تميز الحرائر من.. الطالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، إذا أخذنا بظاهر اللفظ، ولا سيما على التفسير الذي ذكرنا أنها تُعرف بأنها محتشمة، وأنها بعيدة عن الرِّيَب نعم. وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: ٥٩]. ({كَانَ اللَّهُ غَفُورًا} لما سلف منهن من ترك الستر {رَحِيمًا} بهن إذ سترهن). {كَانَ اللَّهُ غَفُورًا} سبق لنا تفسير (الغفور) و(الرحيم)، وأن الله تعالى يجمع بينهما دائمًا لأجل أن يتركب من الاسمين زوال المكروه وحصول المطلوب، فزوال المكروه بماذا؟ بالمغفرة، وحصول المطلوب بالرحمة، والله عز وجل يذكر دائمًا المغفرة والرحمة عن أمر قد سلف ولم ينزل به حكم، مثل قوله تعالى: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:٢٢]، ما هذا.. الآية: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:٢٣]؛ لأنه لولا مغفرة الله ورحمته لكان يعاقبنا على المخالفة التي لا تليق، لكن الله عز وجل من مغفرته ورحمته لا يؤاخذنا بما لم يشرعه لنا. ثم قال: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: ٦٠]. لَئِنْيقول المؤلف: (لام القسم) يعني لام موطئة للقسم، وليست هي أداة القسم، بل القسم محذوف والتقدير: والله لئن لم ينتهِ، أو: وَرَبِّك لئن لم ينتهِ؛ فهي مُوطِّئة للقسم. وإنما قال المؤلف: (لام القسم) لئلا يتوهم واهم أنها لام الابتداء. وقوله: (إن) هذه شرطية لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَلَمْ يَنْتَهِمجزومة ولَّا مرفوعة؟ طالب: (...). الشيخ: الدليل؟ حذف حرف العلة الياء، والجازم لها (إن) أو (لم)؟ (لم)؛ لأنها هي المباشرة. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَيعني: (عن نفاقهم) كما قال المؤلف، وإنما قال المؤلف: (عن نفاقهم)؛ لأنه هو الوصف الذي اشتُقَّ منه اسم (المنافقون)، وإلا قد يكون معناها لئن لم ينتهِ المنافقون عن نفاقهم وعن أذيتهم للمؤمنين وغير ذلك. وقوله: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ(بالزنى)، وهذا بناءً على أن قوله: ذلك أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَأن المراد الأذية بالتعرُّض لهن بالفاحشة؛ فالمعنى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌهم الذين يتعرضون للنساء بطلب الفاحشة والزنى، ويحتمل أن يكون المعنى أعم مما قال المؤلف؛ أي: في قلوبهم مرض من الشك وسوء الخلق وغير ذلك، وهو أعم وأحسن. وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِالمؤمنين مفعول (مرجفون)؛ لأنها من أَرْجَفَ يُرْجِف، وهي مأخوذة من الرَّجْفة، والرَّجْفَة هي الزلزلة، والمرْجِف هو الذي يقول: قد أتاكم العدو، وإن لكم عدوًّا كثيرًا، وسراياكم قد قُتلت، وهُزِمت الجنود، وما أشبه ذلك، يُدْخل الخوف والرعب في قلوب الناس، وسُمِّي ذلك إرجافًا؛ لأنه يزلزل ثقة الإنسان بنفسه وبإخوانه؛ ولأنه يزلزل أمنه وطمأنينته، قال بعضهم: ولأنه لا ثبات له؛ لأنه قولٌ كذب، كل هذه المعاني يحتمل أن يكون الإرجاف مشتقًا منها أو دالًّا عليها.

إذن فالمرجِف هو الذي يُخبر بماذا؟ بما يزلزل طمأنينة المؤمنين من هزيمة، أو قتل عدو، أو كثرة جنود، أو ما أشبه ذلك، ويوجد فيه أناس من هذا النوع في المدينة إذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم السرايا صاروا يبثون مثل هذه الأقوال بأن السرية قد هُزِمت، وأُسِرت، وقُتِلت، وما أشبه هذا. لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْاللام في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَواقعة في جواب القسم المقدَّر؛ فالجملة إذن جواب للقَسَم وليست للشرط؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع قَسَم وشرط فالجواب للسابق منهما كما قال ابن مالك:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ

جَـــــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَهْــــــوَ مُلْــــــتَزَمْ

وقوله: لَنُغْرِيَنَّكَقال المؤلف: (لنُسلِّطَنَّك عليهم) وهذا التفسير تفسير باللازم؛ لأن الإغراء معناه الحث بإزعاج على أن ينكِّل بهم، ومنه إغراء الإنسان بالعدو؛ بمعنى أنه يحثه عليه بإزعاج ليُوقع به ويقتله أو يهزمه أو ما أشبه ذلك. ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا({ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ} يساكنونك -فِيهَايعني في المدينة- {إِلَّا قَلِيلًا} ثم يخرجون {مَلْعُونِينَ} مُبعَدِين عن الرحمة) يعني لنغرينك بهم بالتسلط عليهم؛ إما بالتعزير، أو بالتأديب، أو بالقتل، أو بغير ذلك، فإذا ضاقت عليهم المدينة خرجوا؛ ولهذا قال: ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَولم يقل: فلا يجاورونك؛ وذلك لتأخر انتفاء المجاورة عن الإغراء؛ لأن الله يغريه بهم فيحصل لهم من التأديب والتعزير والإهانة ما لا يتمكنون معه من البقاء في المدينة؛ ولهذا جاءت بـثُمَّ.

وقوله: ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًايحتمل أن المعنى إلا قليلًا من الزمن أو إلا قليلًا منهم وعلى كلا الاحتمالين: فإن قوله: مَلْعُونِينَحال من الفاعل في يُجَاوِرُونَكَ. وعلى تقدير المؤلف هي حال من فاعل حذف مع عامله، حيث قال: ثم يخرجون ملعونين. ولكن الأقرب ألا نقدر بل المعنى: ثم لا يجاورونك إلا قليلًا في حال كونهم ملعونين حال المجاورة؛ يعني حتى في بقائهم عندك يكونون ملعونين مطرودين مُبعَدين لا يألفهم أحد ولا يحنو عليهم. ثم قال: أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا({أَيْنَمَا ثُقِفُوا} وُجِدوا {أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}) أَيْنَمَاهذه أداة شرط تفيد العموم في المكان، وفعل الشرط قوله: ثُقِفُواوجواب الشرط أُخِذُوا. وقال: أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًايقول: (أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به). الجملة أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُواجملة خبرية ولَّا إنشائية، جملة خبرية؛ لأنها شرطية، والجملة الشرطية خبرية، لكنها خبرية بمعنى الإنشاء؛ أي: بمعنى الأمر والطلب، أي: أينما وجدتموهم فخذوهم واقتلوهم. وفي قوله: تَقْتِيلًاالمصدر المؤكِّد دليل على أنهم يُقتَّلون أفرادًا وجماعات. هذه الآية لا شك أن فيها وعيدًا لهؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف، المنافقون، والذين في قلوبهم مرض، والمرجفون في المدينة، هي وعيد، والبحث فيها: أولًا: هل هذه الأوصاف لموصوف واحد؟ أو أنها لأناس متعددين؟ هل المعنى أنهم منافقون وفي قلوبهم مرض ومُرجِفون؟ فالأوصاف هذه لموصوف واحد وصح العطف؛ لأنه من باب عطف الصفة كما في قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤] وهو واحد ولَّا متعدد؟ واحد؛ فالعطف هنا عطف صفات، هل نقول: إن هذه عطف صفات، وأنها لموصوف واحد؟ أو نقول: إنها عطف أعيان موصوفين ليست لموصوف واحد؟ هذا الأخير هو الأصح وهو أعم أيضًا؛ لأن المنافق قد يكون في قلبه مرض يميل إلى الفاحشة والزنى وقد لا يكون ولًّا لا؟ وقد يكون مرجفًا وقد لا يكون، وقد يجمع بين النفاق والمرض القلبي والإرجاف، وقد يكون الإنسان في قلبه مرض وليس منافقًا، وقد يكون مرجفًا وليس منافقًا ولا في قلبه مرض، فحينئذٍ يتبين أن الأولى أن هذا العطف عطْف لموصوف على موصوف وليست عطفًا على موصوف واحد؛ يعني ليست وصفًا لموصوف واحد حتى نجعل العطف من باب عطف الصفات بعضها على بعض. البحث الثاني: هل هؤلاء انتهوا أم لم ينتهوا؟ الواقع أن الإغراء لم يحصل؛ ولهذا بقي المنافقون، ما قُتِّلوا، ولا أُخِذوا فهم باقون، فهل نقول: إنهم انتهوا حين رأوا هذا الوعيد، أو نقول: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل عفا عنهم فيما بعد، وأن هذا من باب إخلاف الوعيد، وإخلاف الوعيد من الكرم بخلاف إخلاف الوعد، أيهما أرجح؟ هما قولان للعلماء؛ فبعضهم يقول: إنهم لما رأوا هذا الوعيد وكانوا من أخوف الناس وأرعن الناس انتهوا وتركوا هذا الأمر. وبعضهم قال: إنهم لم ينتهوا لكن الله عز وجل لم يُغْرِ نبيهم بهم لحكمة اقتضت ذلك. الذي يظهر لي -والله أعلم- أنهم انتهوا؛ لأن المعروف من حال المنافقين أنهم جبناء، وأنهم يخافون ويحذرون؛ ولهذا يحلفون عند الرسول عليه الصلاة والسلام بأنهم مؤمنون، ولما تخلفوا عن غزوة تبوك جاؤوا يحلفون ويعتذرون، فهم جبناء، وهم يعلمون أن وعد الله حق، وأنهم لو استمروا في أعمالهم العدوانية هذه لأغرى الله بهم نبيه، وحصل الجلاء، ثم القتل. طالب: الذين يقولون بالقول الثاني بماذا يجيبون عن قول الله تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:٢٩]؟ الشيخ: إي يقولون: هذا فيما فيه الظلم؛ ولهذا قال: قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٢٨، ٢٩] وهذا في يوم القيامة، أما في الدنيا فإنه يجوز (...). وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩]. يستفاد من الآية الكريمة: أهمية ما أمر اللهُ به رسولَه في هذه الآية، وجه ذلك أن الله أمره أن يبلغها أمرًا خاصًّا؛ بقوله: قُلْوإلا كل القرآن مأمور بأن يقوله للناس: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] لكن بعض الأحكام يُصدِّرها الله عز وجل بـقُلْفيكون كأنه أُرسِل بهذه الآية إرسالًا خاصًّا فيكون في ذلك دليل على أهمية هذا الأمر الذي أمر الله به رسولَه.

ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان أن يغار على زوجته أكثر من غيرها؛ لأنها فراشه، وفي فسادها فساد لفراشه وتشكيك في نسله، وجه ذلك أن الله بدأ بالأزواج فقال: قُلْ لِأَزْوَاجِكَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مسؤول عمن تحت رعايته سواء كانت تلك مسؤولية عامة أو خاصة. وفي هذه الآية مسؤوليتان على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ خاصة وعامة، الخاصة قوله: لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ، والعامة: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان مقتضٍ للعمل بهذه الآية؛ لقوله: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. ومن فوائدها: أن على المؤمنين مسؤولية في نسائهم؛ لقوله: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَولم يقل: ونساء المؤمنات إشارةً إلى أن المؤمن يجب أن يكون مُلاحِظًا لنسائه. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحجاب، حجاب الوجه؛ لقوله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ. ويتفرع على هذا: أنه يجب أن نعرف مفهوم الحجاب الشرعي؛ لأن أكثر الناس يظنون أن الحجاب الشرعي هو أن تُغطِّي المرأة جميع جسدها إلا وجهها وكفيها، وهذا يعني نحن فهمناه من الأسئلة التي ترد إلينا؛ أنهم إذا قالوا: الحجاب الشرعي يعني حَجْب وسَتْر جميع البدن إلا الوجه والكفين، وهذا خطأ؛ فالحجاب الشرعي أول وأولى ما يدخل فيه حجاب الوجه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من عادة نساء الصحابة لبس الجلابيب؛ لقوله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ؛ ويدل لذلك أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد قلنا: يا رسول الله، إحدانا ليس لها جلباب. فقال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» . ويتفرع على هذه الفائدة: أن الشرع يتشوف إلى أن تكون المرأة بعيدة عن إبراز مفاتنها؛ لأن الجلباب يكون غالبًا واسعًا لا تظهر منه مفاتن الجسم.