تفسير سورة الأحزاب - ١٤
درس صوتي · ٩٢:٣١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
لماذا قال: (ذا)، وقال: (كُم)؟ فـ(ذا) للمفرد و(كُم) للجمع، كيف يتفق الجمع والمفرد؟ طالب: (...). الشيخ: ما تعرف، أنتم فاهمون السؤال؟ كيف يتلاءم الجمع مع المفرد؟ طالب: (...). الشيخ: يعني: لاختلاف المرجع؛ فاسم الإشارة يعود على المشار إليه، والكاف في الخطاب يعود على المخاطب، فقد يكون المشار إليه مفردًا والمخاطب جمعًا كما هنا. ذَلِكُمْأي: المذكور، والخطاب للصحابة رضي الله عنهم. ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] أَطْهَرُيعني: أبلغ في طهر القلوب، لِقُلُوبِكُمْأيها السائلون وَقُلُوبِهِنَّأي: المسؤولات (من الخواطر المُرِيبَة). شوف الخطاب الحين لمن؟ للصحابة، وهم أطهر هذه الأمة قلوبًا في جانب مَنْ؟ في جانب نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وهن أعظم النساء عفةً وبُعدًا عن المكروه، فإذا كان هذا الخطاب في مثل هؤلاء القوم لهؤلاء النساء فما بالك بمن سواهم إذا كان احتمال تدنس القلب بمخاطبة المرأة من دون حجاب؟! إذا كان احتمال هذا واردًا في مثل هؤلاء القوم فما بالك فيمن دونهم بمراحل؛ لا في الزمن ولا في الرتبة؟! يكون هذا أشد وأشد؛ ولذلك يُنْكَر إنكارًا عظيمًا على مَنْ قال: إن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين. نقول له: من أين الخصوصية؟ فإذا كان الله علَّل بأنه أطهر لقلوبهم أي: قلوب المخاطبين والمخاطبات وهنَّ بلا شك أطهر النساء وأعفُّهن، وكذلك الذين يخاطبونهنَّ خير الناس كما جاء في الحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ، فما بالك بمن دونهم، أليس كذلك؟ احتمال تنجس القلب بمخاطبة المرأة بدون حجاب فيمن بعد الصحابة أقرب ولَّا أبعد؟ أقرب وأقرب بكثير، وإذا كان هذا باعتبار الصحابة مع زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم فغيرهم مع نساء دونهنَّ بكثير من باب أولى. وقوله: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّالمؤلف رحمه الله يقول: (من الخواطر المُرِيبَة) الخواطر التي ترد على القلب، والخواطر التي ترد على القلب إذا لم يطمئن الإنسان إليها ويسترسل معها فإنه لا يعاقب عليها؛ لأنها من حديث النفس، بل هي مما يصول على النفس والتحرز منها أشد؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» فإذا كان هذا في حديث النفس فما بالك في ما يهجم على النفس بدون قصد؟! يكون العفو عنه من باب أولى، فالخواطر التي تَرِد على القلب إذا لم يسترسل معها الإنسان ويطمئن إليها فإنها لا تضره، سواء كانت هذه خواطر فيما يتعلق بجلال الله عز وجل أو فيما يتعلق برسوله أو فيما يتعلق بشهوة النفس وإراداتها، فإنها لا تضر الإنسان بشرط ألا يسترسل، بل إن هذه الخواطر ما تَرِد إلا على قلب سليم يهاجم الشيطان بها القلب حتى يفسده؛ ولهذا لما شكا الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الخواطر قال: «أَوَجَدْتُمْ ذَلِكَ» قالوا: نعم قال: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» يعني: خالصه؛ لأن الشيطان ما يهجم على قلب فاسد، وإنما يهجم على القلوب الصالحة ليُفْسِدها، ودواء ذلك أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن تنتهي، وأن تثني على الله عز وجل بما هو أهله؛ فتقول: الله أحد صمد،لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد؛ استجارة بالله وانتهاء، ووصف لله تعالى بالكمال وبعد ذلك تزول عنك شيئًا فشيئًا. قال: وَمَا كَانَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣] الخطاب للصحابة رضي الله عنهم وكذلك من بعدهم من باب أولى، مَا كَانَ لَكُمْومثل هذه العبارة تدل على الممتنع غاية الامتناع؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِبشيء)، ما عيَّن، ما بيَّنَها، يعني: ما يصلح ولا يستقيم ولا يمكن لكم أن تؤذوا رسول الله، ومثل هذا التعبير يدل على امتناع الشيء مثل قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ [المؤمنون: ٩١] المعنى أن ذلك ممتنع لا يصلح، ولا يستقيم فكل مؤمن لا يمكن في حقه ولا يستقيم ولا يصلح في حقه أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالقول ولا بالفعل. إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: ٥٧] وأذية الرسول صلى الله عليه وسلم من أعمال المشركين هم الذين يؤذون الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول وبالفعل. مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، وهنا قال: أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، وفي أول الآية يقول: النَّبِيِّإشارة إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام شرف لعِظَم من أرسله وهو الله، فلما كان رسول الله كان لا يمكن أن يُؤْذَى؛ لأنه رسول من عند الله تبارك وتعالى؛ أذية الرسول عليه الصلاة والسلام في حياته ما يتصل بشخصه، وأذية الرسول بعد مماته ما يتصل بسنته، فإنه لا ينبغي ولا يصلح لأي مؤمن أن يكون في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام على وجه يتأذى به الرسول مثل ردِّها وتحريفها وما أشبه ذلك. قال: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِإذن هل نجلس مستأنسين للحديث بعد الطعام، يعني في حق الرسول؟ لا؛ لأن الله قال: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّإذن ما كان لنا أن نجلس ما دام فيه أذية للرسول صلى الله عليه وسلم. وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًايعني: وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا، تَنْكِحُواالمراد بالنكاح هنا: العقد، يعني: ما يمكن تعقدوا على أزواجه من بعده، وكل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد خلافًا لمن قال: كل نكاح في القرآن فهو بمعنى الوطء إلا قوله: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٢٢]، والصواب أن كل نكاح في القرآن فإنه بمعنى العقد، وأما مَن قال: إنه بمعنى الجماع إلا في الآية هذه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب: ٤٩] فليس بصحيح. وقوله: أَزْوَاجَهُمتى تكون المرأة زوجة للإنسان؟ بالعقد عليها، وقوله: مِنْ بَعْدِهِأي: من بعد مفارقته لها، ومفارقة النبي صلى الله عليه وسلم لها تكون في الحياة وتكون في الموت، والمفارقة في الحياة تكون قبل الدخول وبعد الدخول، فها هنا ثلاث حالات: الحال الأولى: مَن فارقها بعد موته أو مَن فارقها بموته فهذه لا تَحِلُّ لأحد من بعده بالإجماع ولم يخالف في ذلك أحد. والحال الثانية: مَنْ فارقها في حياته بدون دخول، فهذه تَحِلُّ ولا نزاع فيها كما ذكره ابن كثير في التفسير. والثالثة: مَنْ فارقها في حياته بعد دخوله بها، فهذه موضع خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل، وعلى هذا الرأي الذي يقول: إنها لا تحل، يقول: إنه يصدق عليها أنها زوجته وأنها من بعده، ولولا أن مَن عَقَد عليها ثم فارقها قبل الدخول لولا الإجماع لقلنا: أيضًا لا تحل لمن بعده؛ فصارت الأحوال ثلاثًا، ما هي؟ مَنْ فارقها بعد موته فهذه لا تحل بالإجماع. من فارقها في حياته قبل الدخول بها فهذه جائزة تَحِلُّ لغيره، قال ابن كثير: لا نزاع في ذلك. من فارقها في حياته بعد الدخول بها، ففيها خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنها تحل، ومنهم من قال: إنها لا تحل. انتهى الموضوع، ما يحتاج نصحح ولا ما نصحح. طالب: يعني ما نقول: إنه الأرجح (...)؟ الشيخ: أصلًا ما نعلم أن أحدًا تزوج زوجة الرسول بعد الدخول بها، ما هي ظاهرة الآية: مِنْ بَعْدِهِقد تكون ظاهرة في أمر من بعد حياته. طالب: شيخ، ولكن المرأة المستعيذة التي دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: نعم، ما جامعها ما دخل بها. طالب: هل نأخذ أن الدخول يكفي يعني الخلوة؟ الشيخ: لا، يقول: دخل بها يعني: جامعها. يقول: وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣] إِنَّ ذَلِكُمْالمشار إليه إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ونكاح زوجاته من بعده. وقوله: كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا(كان) هنا مسلوبة الدلالة على الزمن، والمراد إثبات عِظَم ذلك عند الله. إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًاوفي كون هذا الأمر عظيمًا عند الله عز وجل دليل على حماية الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ولا سيما فيما يتعلق بالنكاح؛ ولهذا قال الله في قصة الإفك: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور: ١٥]، فهنا قال: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًاعَظِيمًايعني في قَدْره ورِفْعَتِه ولَّا عظيمًا في إثمه وجُرْمه؟ في إثمه وجرمه، وعلى هذا فالعِظَم معناه عِظَم الشيء؛ يعني كبره، وهو شامل لما يكون مدحًا ولما يكون ذمًا، فهنا كان عند الله عظيمًا في إثمه قال: (فيجازيكم عليه) على حسب الذنب الذي قمتم به؛ لأن الجزاء من جنس العمل (...). زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من بعده أنه عظيم عند الله حذَّر من مخالفة ذلك بقوله: إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ [الأحزاب: ٥٤]، والجملة هنا شرطية وشَيْئًانكرة في سياق الشرط فتكون دالة على العموم إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا. وقوله: إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُقال المؤلف: (في نكاحهن بعده)، والصواب في الآية عدم التقييد وأنها عامة في كل شيء في نكاح زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعده وفي غير ذلك. وقوله: أَوْ تُخْفُوهُيعني: فلا تُظْهِروه لأحد، تخفوه في أنفسكم أو تخفوه فيما بينكم وبين أقاربكم؛ لأن الإخفاء والإظهار أمر نسبيٌّ أشده ما أخفاه الإنسان في نفسه، ثم ما أظهره لذويه وأصحابه وأخفاه عن غيره، ثم ما أظهره لأهل بلده، ثم ما أظهره لعموم الناس، وأيًّا كان فإن كل ما أبداه الإنسان أو أخفاه فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًاالجملة هنا جواب الشرط واقترنت بالفاء لأنها جملة اسمية، فَإِنَّ اللَّهَفهي جملة اسمية وإن قرنت بـ(إن) الدالة على التوكيد، وجه ارتباطها بما قبلها، أي: بفعل الشرط أنه إذا كان الله تعالى عالمًا به فسوف يجازيكم عليه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وبعد إكمال هذه الآية لتعلقها بما قبلها، نرجع إلى بيان الفوائد من الآية السابقة لأنه ما أخذناها، الظاهر من يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٣] أو لا؟ قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه لا يحل لأحد من المؤمنين أن يدخل بيوت النبي عليه الصلاة والسلام إلا بالشروط المذكورة؛ لقوله: لَا تَدْخُلُوا، والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل على أنه لغير التحريم، ويؤيد التحريم هنا أن هذا يتعلق بحق الآدمي، وما كان متعلقًا بحق الآدمي فإنه لا يُتَسامح فيه. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، إضافة الشيء إلى الشيء تكون لأدنى ملابسة سواء كان ذلك على صفة الملكية أو الاختصاصية أو الصحبة أو القرب أو غير ذلك؛ ولهذا من قواعدهم المعروفة أن الإضافة تكون لأدنى ملابسة، لكن لا بد أن يكون بين المضاف والمضاف إليه شيء من الارتباط تؤخذ هذه من قوله: بُيُوتَ النَّبِيِّ؛ لأن إضافتها إلى النبي عليه الصلاة والسلام باعتبارها مأواه وإلا فإنها ملك لزوجاته على القول الراجح. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإذن بالدخول معتبر سواء كان من صاحب البيت أو ممن أنابه؛ لقوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْولم يقل: (إلا أن يأَذن لكم) أي: النبي، فإذا أُذِنَ للإنسان بالدخول سواء كان من صاحب البيت أو من خادمه أو من ابنه أو ما أشبه ذلك جاز الدخول، وهل يستفاد منه جواز الدخول إذا وجدت الباب مفتوحًا، وقد كان بينك وبين صاحبك وعد ولَّا ما يستفاد؟ إن قلنا بأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي فهو مستفاد من ذلك؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور: ٢٧] فإن الاستئناس وهو الاطمئنان يشمل الإذن أو الاستئذان باللفظ والاستئذان بالفعل والعرف. ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجوز دخول بيوت النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الشروط: الإذن، وألا يكون ذلك بانتظار نضج الطعام؛ لما في المفاجأة من الإيذاء لأنه إذا نضج طعامك ثم جاء إنسان يستأذن صار في هذا نوع من الإيذاء، لأنك إن منعته شق عليك وإن أذنت له شق عليك أيضًا؛ فلهذا لا يجوز الدخول لمنتظر نضج الطعام. ويستفاد من الآية: تحريم التطفل ولَّا لا؟ نعم؛ لأن الطفيليَّ عادته أنه ينتظر متى يُقَدَّم الطعام فإذا قُدِّم الطعام استأذن أو هجم هجومًا بدون استئذان؛ لأنه قبل أن ينضج الطعام ويقدم يمكن يدخل ثم يقال له: اخرج، لكن بعد أن يقدم الطعام لا بد أن يأكل. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مشروعية إجابة الدعوة؛ لقوله: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، وهل يستفاد منها دخول الإنسان المدعو وإن لم يؤذن له إذا وجد الباب على هيئة تدل على الإذن؟ الجواب: نعم، وهو واضح؛ لأنه قال: إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، ولم يقل: إذا دُعِيتم فأجيبوا، والدخول أخص وعلى هذا فإذا كنتُ مدعُوًّا وأحضرت إلى الباب فلي أن أدخل إذا علمنا بالقرينة أن الباب قد وضع موضع الإذن كما لو كان مفتوحًا. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا قضى حاجته من الطعام أن ينصرف؛ لقوله: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواوهذا كما أنه في بيوت النبي عليه الصلاة والسلام فهو أيضًا في بيوت غيره، فإن الأفضل لمن دُعِي إلى طعام الأفضل له إذا طَعِم أن ينتشر؛ لأن بقاءه قد يَشُقُّ على صاحب البيت، ولأن الحاجة التي جاء من أجلها قد انتهت، وإذا تأملت الشريعة وجدت أن الإنسان من حسن أدبه وسلوكه أنه كلما فرغ من حاجته التي يريد ينتهي منها وينصرف إلى حاجات أخرى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في المسافر إذا قضى حاجته قال: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَنْتَظِرْ» . ولو أننا حفظنا أوقاتنا بمثل هذا الأدب لكانت أوقاتنا مباركة، لكن تجدنا يضيع أوقاتنا ولسنا نراعي هذه الحال أنه كلما انتهى الشغل ما ننتظر نمشي إلى شغل آخر كما قال الله تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: ٧، ٨] لا تضيع الوقت. ويستفاد من الآية الكريمة: أن مَن دخل بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة ثم طَعِم، فإنه لا يجلس للحديث؛ لقوله: وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ، وهذا فوق قوله: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا؛ لأن ذلك أمر، أما هذا فنهيٌ، يُنْهَى أن يبقى هؤلاء المدعوُّون مستأنسين للحديث بعد فراغهم من الطعام. ويستفاد من الآية: أن هذا الحكم إنما يكون في حال تَأَذِّي صاحب البيت؛ لقوله: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ، أما إذا كان لا يتأذى به بل يُسَرُّ به، بل قد يكون بطلبه إذا فرغوا من الطعام قال: انتظروا، اجلسوا، نستأنس، نتحدث فإن هذا منهي عنه ولَّا لا؟ جائز، ولا بأس به؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا وُجِدَت العلة وُجِدَ المعلول، وإذا انتفت العلة انتفى المعلول. ويستفاد من الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر يتأذى كما يتأذى غيره؛ لقوله: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّلكنه يختلف عن غيره بقوة صبره وتحمُّلِه صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره من البشر فإنه لا يصبر ولا يتحمل كما يتحمل النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان الرسول يتأذى من بقائهم مستأنسين للحديث ولا ينهاهم حتى نهاهم الله عز وجل. ويستفاد من الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم وذلك بالدفاع عن كل ما يؤذيه؛ لقوله: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ. ويستفاد منه: كمال حياء الرسول عليه الصلاة والسلام وكرمه؛ لقوله: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ، وإنما كان يستحيي لشدة حيائه، فإنه كما وُصِفَ أحيا من العذراء في خدرها ، والحياء من الإيمان كما ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أيضًا دليل على كرمه؛ لأن الكريم يستحيي أن يخجل أضيافه بقوله: اخرجوا، أو يخجلهم بالتبرُّم منهم، والتَّكَرُّه لتصرفهم؛ فلهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعاملهم وكأنه مسرور منهم حتى بَيَّن الله تعالى ذلك للصحابة. ويستفاد من الآية الكريمة: أن القرآن شاملٌ لكل شيء حتى أدب الدخول والجلوس والطعام وما أشبه ذلك قد بيَّنَه القرآن فيكون في ذلك إيضاحٌ لقوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]. ودلالة القرآن على الأشياء نوعان؛ دلالة عينية بمعنى أنها تدل على الشيء بعينه، وهذا واضح. ودلالة شمول لفظي أو معنوي؛ فالشمول اللفظي بمعنى أن يكون اللفظ عامًّا بصيغته يشمل كل ما يحتمله ذلك اللفظ من المعنى، والعموم المعنوي هو ما يُعْرَف عند أهل العلم بالقياس؛ لأنه يكون المقيس والمقيس عليه متفقينِ في العلة فيكون بينهما عموم في المعنى، فدلالة القرآن على هذا الشيء تكون على هذا الوجه إما دلالة لفظية وإما دلالة معنوية بالشمول اللفظي أو المعنوي. وهناك أيضًا الدَّلالات؛ دلالة الالتزام وهي متفرعة أو داخلة فيما ذكرنا من الدلالتين، فإن قلت: يرد عليك أنه لا يوجد في القرآن مقدار أنصبة الزكاة، ولا مقدار الواجب، ولا يوجد عدد الركعات، ولا مقدار ما يسن فيها من الذكر، فما هو الجواب؟ الجواب أن السنة قد بيَّنت ذلك، وقد أمرنا الله تعالى في كتابه أن نأخذ بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، فقوله: مَا آتَاكُمُيشمل ما أتانا من المال وما آتانا من العلم، والعلم يسمى إيتاءً؟ نعم، يسمى إيتاءً وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ [الروم: ٥٦] فكما أن إعطاء المال فإعطاء العلم أيضًا يسمى إيتاءً فقوله: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ [الحشر: ٧] يشمل ما آتانا من المال وما آتانا من العلم، وكذلك قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، وقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: ٣٦]، وكل هذا يدلُّ على أن ما جاءت به السنة فهو مما جاء به القرآن. ويستفاد من الآية الكريمة: وصف الله تعالى بالحياء؛ لقوله؟
طالب: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ. الشيخ: من قوله: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وجه الدلالة مع أن هذا نفي؟ الطالب: غير الحق الله يستحيي منه؟ الشيخ: وجه الدلالة أنه لو كان الله تعالى لا يوصف بالحياء ما صح أن يُنْفَى عنه الحياء في حال من الأحوال دون الحال الأخرى، وعلى هذا فيكون الآية دليل على أن الله تعالى موصوف بالحياء، ولكن حياء الله تعالى ليس كحياء الإنسان؛ لأن الله يقول في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. ويستفاد من الآية الكريمة: أن من الأمور ما هو حق، ومنها ما هو باطل؛ فالحق في الأخبار هو الصدق، وفي الأحكام العدل، والباطل فيهما عكس ذلك؛ فالباطل في الأخبار هو الكذب، وفي الأحكام هو الجور. ومن فوائد الآية الكريمة قوله: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًاإلى آخره أنه لا يجوز سؤال زوجات النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا إلا من وراء حجاب، والآية في ذلك صريحة: فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. ومن فوائدها: جواز تكليم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وجهه فَاسْأَلُوهُنَّ، فأباح الله تعالى سؤالهن، والسؤال هنا سؤال استخبار ولَّا سؤال استجداء؟ طالب: (...). الشيخ: لا، متاعًا ما هو كله واحد؛ لأنه قال: إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًافهو سؤال استجداء، ولكن سؤال العلم من باب أولى، وهل يستفاد منه جواز مكالمة النساء غير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم، يُستفاد؛ لأنه إذا جاز في زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام مع ما لهن من الاحترام والتعظيم ففي غيرهن من باب أولى، ولكنه يُشْتَرط في ذلك الأمن من الفتنة، فإن خيفت الفتنة من المكلِّم أو من المرأة كان ذلك حرامًا، وكذلك يشترط ألا يتمتع الإنسان بمكالمة المرأة، وإن لم يكن تمتع شهوة؛ لأنه قد يكون الإنسان مثلًا يتمتع بمخاطبة المرأة ما هو من ناحية الجنسية الغريزية، ولكنه يحب أن يستمر معها في الكلام، فهذا أيضًا لا يجوز، اللهم إلا إذا كانت من محارمه، وأراد أن يتحدث معها ليُؤْنِسها أو يستأنس بها، فهذا لا بأس به. ويستفاد من الآية الكريمة أن الحجاب المذكور هنا ليس هو سَتر الوجه فقط، بل هو شيء فوق ذلك؛ لقوله: مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍولم يقل: متحجبات، وهذا يدل على أن هذا الحجاب منفصل، وليس من ثياب المرأة، بل هو شيء منفصل مثل أن تكون في خِدْرِها فيتحدث الناس إليها. ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت تعليل الأحكام الشرعية من قوله: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ، ومن قوله فيما سبق: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ. ويستفاد منه: أنه يجب على المرء أن يسعى في كل ما فيه تطهير قلبه، وأن يبتعد عن كل ما فيه تدنيس قلبه؛ لأنه علَّل النهي أو علَّل الأمر بالحجاب بكونه أطهر للقلوب، ولا فرق في ذلك بين طهارة القلب من الأخلاق الرذيلة كالزنا واللواط، أو طهارته من الاعتقادات الفاسدة أو الإرادات السيئة، كل هذا يجب على المرء أن يُطَهِّر قلبه منه، وأن يبتعد عن كل ما يدنِّس قلبه من ذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفتنة في مخاطبة النساء قد تكون من الرجل وحده، ومن المرأة وحدها، ومنهما جميعًا؛ لقوله: لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ؛ فقد يكون الرجل هو الذي يتلذَّذ بمخاطبة المرأة، والمرأة ما على بالها هذا الأمر ولا اهتمت به ولا فكرت في هذا الموضوع، لكن هو يتلذذ بهذه المخاطبة، فيكون الدَّنَس في قلب الرجل، وقد يكون الأمر بالعكس تتحدث المرأة إلى الرجل وهي تتلذَّذ بهذه المخاطبة، والرجل ما على باله هذا الأمر، فيكون هنا الدَّنَس في قلبها هي، وقد يكون من الطرفين فيكون الدنس في قلبيهما جميعًا. ويستفاد من الآية الكريمة: التحريم. طالب: (...)؟ الشيخ: يمكن، كيف؟ وذكرناها. الطالب: (...). الشيخ: هذه ثلاثة. الطالب: (...). الشيخ: من قلب الرجل وحده، أو المرأة وحدها، أو هما جميعًا. الطالب: أو هما جميعًا. الشيخ: إي نعم. الطالب: يعني: ما ممكن مثلًا ما يتلذَّذ الرجل ولا المرأة؟ الشيخ: لا، يمكن، كيف؟ يعني الرابعة هذه ما أردناها، أردنا أن الدنس يكون من هذا. يستفاد من الآية الكريمة: تحريم نكاح زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعده؛ لقوله: وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ. ويستفاد منها: أن التحريم فيهن مؤبد؛ لقوله: أَبَدًا؛ وعلى هذا فالمحرمات إلى الأبد كم من صنف؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع، وبالصهر، وبالملاعنة، وبالاحترام، خمسة أنواع، كذا؟ محرمات بالنسب، وبالرضاع وبالصهر وباللعان والاحترام خمسة. المحرمات بالنسب سبع ذُكِرْن في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ [النساء: ٢٣]. وبالرضاع في قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» . وبالصهر في قوله تعالى: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢]، وفي قوله: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ. طالب: حلائل أبنائكم الذين ليسوا من أصلابكم خرجت بهذه الآية؟ الشيخ: خرج أيش؟ الطالب: أبناؤكم غير الذين من أصلابكم؛ يعني من الرضاعة؟ الشيخ: إي خرج به، خرج بالآية. المحرمات باللعان: هو أن الرجل إذا قذف امرأته بالزنا ولم تُقِرَّ به ولم يثبت ببينة، فإنه يلاعنها، فإذا تم اللعان حرُمت عليه على التأبيد. وأما المحرمات إلى الأبد بالاحترام فهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. ويستفاد من الآية الكريمة: عِظَم إِثْم من تزَوَّج واحدة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام من بعده لقوله: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا. ويستفاد منها: أن الذنوب تتفاوت في العظم؛ لقوله: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا، وهو كذلك؛ فإن في الذنوب كبائر وصغائر، والكبائر فيها ما هو أكبر وما هو دون ذلك، والصغائر كذلك تختلف، وكذلك الطاعات تختلف؛ منها ما هو من أصول الإسلام، ومنها ما هو دون ذلك. هل يستفاد من الآية الكريمة أنه لا ينبغي للضيف أن يسأل عن طعام المضيف إذا قدَّمه له ولَّا لا؟ هل يُفْهَم منه أنه لا ينبغي للضيف أن يَسْأَل مضيفه عن طعامه إذا قدَّمه له، فيقول مثلًا لو قدَّم له دجاجًا: هذا الدجاج مستورد ولَّا غير مستورد؟ طالب: (...). الشيخ: لقوله: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا، ولم يأمر الله تعالى بالسؤال عن الطعام وهو كذلك، فإنه ليس من المشروع ولا من الأدب أيضًا أن تسأل صاحبك الذي قدَّم لك الطعام تقول: والله منين هذا؟ وحلال ولَّا حرام؟ لأن هذا خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام قدَّمت له امرأة من اليهود شاة فأكل منها ولم يسأل ، ودعاه يهودي إلى طعام فأكل منه ولم يسأل ، ثم إنك إذا سألت أخجلت صاحبك، رجل أكرمك بالضيافة تقول له: منين هذه؟! منين أنت شارٍ هذه؟! من المشروع ولَّا من المستورد؟! وإذا فتحنا هذا الباب أيضًا نقول: تعال، أصل الطعام هذا منين جاءك؟ يمكن أنه غاصبه؟! سارقه؟! وإذا انتفى هذا يمكن لهذا الرجل له كسب حرام ما ندري عنه نقول له: منين جاءك؟ والله أنا شريته من السوق، طيب هات الشهود أنك شاريه، مشكلة إذا فتحنا هذا الباب انفتحت علينا أبواب كثيرة؛ ولهذا كان من حكمة الشرع أن الإنسان لا يُشْرَع له السؤال أبدًا مهما كان، حتى لو كان اللي مقدمه لك يهوديًّا أو نصرانيًّا لا تسأله عن طعامه؛ لأن هذا من التعنُّت والتعمُّق، وفيه إشقاق على صاحبك وإشقاق على نفسك؛ لأنك إذا عودت نفسك ما تأكل إلا بعد البحث معناه كل شيء تأكله تكون شاكًّا فيه، والحمد لله على السلامة ما دام أن الرسول (...). يقول: السلام عليكم وأدخل. طالب: (...) إحنا قلنا: إذا عرفنا (...). الشيخ: نعم دخلنا، وإذا وصلنا سلَّمنا عليه أو نسلم عندما ندخل مع الباب. طالب: الآية فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواخاصَّة بالرسول ولَّا عامَّة؟ الشيخ: ذكرنا قبل أن تحضر بأنها عامة في المعنى؛ يعني: إنه حتى غير الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم نعلم أنه يفرح بالبقاء فإنا نخرج وأن كل إنسان دعاك إلى طعام فانتشر إلا إذا قال: استرح نتحدث، فهذا الخيار له. طالب: لا يُسْأَل عن لحم البعير؟ الشيخ: أبدًا، ولا يُسْأَل عن لحم البعير، أولًا إن لحم البعير في الغالب إنه معروف إلا إذا كان حاشية صغيرًا، والإنسان هذا ما تمرَّن بأكل اللحم يمكن يشتبه عليه. طالب: إذا كان (...). الشيخ: لا يصح، إذا كان محتمٍ لا يأكل أصلًا، ويش اللي يحرجه؟ طالب: (...). الشيخ: هذه ربما نسأل لأجل دفع الضرر ما هو علشان التعمق، يعني: إذا كان قد قيل له: لا تأكل لحم الإبل وشك هذا هل هو لحم إبل أم لا؟ فهذا قد نقول: إن السؤال لا من أجل الحلِّ أو من أجل أنه هل يجب عليه الوضوء أم ما يجب، فهذه لدفع الضرر لا بأس به (...). تحريم أذية الرسول صلى الله عليه وسلم وامتناعه أشد الامتناع من المؤمنين؛ لقوله: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، الإشارة إلى امتناع ذلك أي: امتناع الأذية لكونه رسول الله؛ لقوله: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، ولكونه رسولًا من عند الله امتنع غاية الامتناع من المؤمنين أن يؤذوه. ومن فوائد الآية: تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب، ما أدري كتبتم هذه ولَّا لا؟ تَشَوُّف الشرع إلى ما يكون سببًا لطهارة القلوب؛ لقوله: ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أوجب الله في ذلك العصر ما يكون سببًا لكمال طهارة القلوب ففي عصرنا من باب أولى، فكل ما يكون سببًا لطهارة القلوب وبُعْدِها عن دناءة الأخلاق فإنه يكون واجبًا، ما أدري كُتِبَت هذه ولا لا؟ ما كُتِبَت؟ وأظن أننا كتبنا أن الشرع أحكامه معللة، كَتَبْناها؟ وكتبنا بيان فوائد ذكر العلة أو ذكر ربط العلة بالحكم، ما كتبناها؟ يتفرع على الفائدة، شوف بعد كم رقمها عندكم؟ طالب: (...). الشيخ: ثلاثة وثلاثين، الأحكام مربوطة بعللها وأحكامها؟ طالب: (...). الشيخ: لا، أنتم كتبتم أن الأحكام مربوطة بعللها وحكمها، في أي فائدة؟ كم رقمها؟ طالب: (...).
الشيخ: سبعة عشر. طالب: (...) تعليل الأحكام الشرعية (...). الشيخ: كم رقمها؟
الطالب: سبعة عشر. طالب آخر: (...). الشيخ: عندك واحد عشرين إي، وتعليقًا على ما سبق من قَرْنِ الأحكام بحكمها نقول: إن من فوائد ذلك طمأنينة الإنسان إلى الحكم، وبيان سمو الشريعة وأن أحكامها ليست لغوًا ولا باطلًا، والثالث إلحاق ما وافق الحكم في علته بحكمه، يعني أن يلحق بهذا الحكم ما وافقه في تلك العلة، هذه ثلاثة فوائد أو لا؟ وهي؟ طالب: سمو الشريعة، طمأنينة الإنسان، إلحاق الحكم ما وافقه في العلة. ذكرنا من فوائد الآية: إثبات للحياء لله؟ طالب: (...). الشيخ: ذكرناه، ذكرنا أنه ينبغي مغادرة المكان بمجرد انتهاء الطعام؟ طالب: (...). الشيخ: ذكرناه، ذكرنا تفاوت الذنوب في عظمها عند الله؟ طالب: نعم. الشيخ: إذن نأخذ الآية الأخيرة إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا [الأحزاب: ٥٤].
طالب: (...). الشيخ: لا نقول: مشروعية؛ لأن العلماء مختلفون في هذا في غير وليمة العرس مختلفون فيها. طالب: (...). الشيخ: ما هو على كل حال، حتى حق المسلم على المسلم منها إجابة الدعوة أبين وأوضح. لكن إحنا ذكرنا أن الفرق بين (ولكن إذا دُعِيتم فأجيبوا) وبين قوله: إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا. قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. يستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. ويستفاد منها: تحذير المكلَّف من مخالفة الله عز وجل بقليل أو كثير؛ لأن الفائدة من ذكر علمه هو التحذير من المخالفة. ومن فوائدها: الرد على القدرية على الغلاة، على غلاة القدرية المنكرين لعلم الله سبحانه وتعالى بأفعال العبد؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًاإذ إنه يشمل ما سيفعله الإنسان وما قد فعله. ويستفاد من الآية الكريمة: أن ما يفعله العبد من خير أو شرٍّ فإنه محاسَب عليه؛ إما له وإما عليه؛ لعموم كلمة شَيْءٍ، وفي آية أخرى إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ [النساء: ١٤٩]، لكن هذه الآية أعم.
تفسير الآية (٥٥)
٠٠:٥٥:٣٠
ثم إن الله يقول عز وجل: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ [الأحزاب: ٥٥] الضمير في قوله: عَلَيْهِنَّيعود على زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام اللاتي قال الله في حقهن: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣]، فكأن هذه الآية استثناء لما سبق، أو استثناء مما سبق وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ؛ حيث إن الآية سَأَلْتُمُوهُنَّتشمل المحارم وغيرهم فاستثنى المحارم فقال: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ(الجناح) بمعنى الإثم؛ أي: لا جناح عليهن أن يبرزن لآبائهن وأن يسألهن آباؤهن بدون حجاب، وهذا كقوله تعالى في سورة النور: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور: ٣١] إلى آخره. قال: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّو(آباء) يشمل الآباء من جهة الأم والآباء من جهة الأب، فالجد من جهة الأم في باب النكاح كالجد من جهة الأب، ولقد كان الناس يسألون كثيرًا عن أب الأم هل هو محرم لزوجة ابن ابنته أم لَا؟ والجواب (...) الناس يسألون كثيرًا عن أب الأم هل يكون محرمًا لزوج ابن ابنته؟ الجواب يكون محرمًا؛ لأن باب النكاح لا يُفَرَّق فيه بين الأبوة من جهة الأم والأبوة من جهة الأب فليس كالإرث، أبو الأم لا يرث بخلاف أب الأب، لكنَّ أبا الأم في باب النكاح كأب الأب، فقوله إذن: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّيشمل الأجداد من جهة الأب ومن جهة الأم. وَلَا أَبْنَائِهِنَّيعني: أبناؤهن للصلب وأبناؤهن للبطن؛ أي: أبناء الأبناء وأبناء البنات وإن نزلوا، وفي هذا الحال يكنَّ جدات لهؤلاء الأبناء، قال: وَلَا إِخْوَانِهِنَّيعني: ولا جناح عليهن في إخوانهن سواء كانوا أشقاء أَمْ لِأَبٍ أَمْ لِأُمٍّ. وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّيعني: وإن نزلوا وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّيعني: وإن نزلوا سواء كانوا أشقاء أَمْ لَأَبٍ أَمْ لِأُمٍّ، ولم يذكر ولا أبناء أعمامهن ليش؟ لأنهم ليسوا محارم أبناء الأعمام وأبناء العمات وأبناء الأخوال وأبناء الخالات ليسوا محارم، لكن لم يذكر العم والخال مع أن العم والخال مَحْرَم ولم يذكرا في هذه الآية ولا في آية النور أيضًا: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور: ٣١]، ولم يُذْكَر العمُّ ولا الخال، وهنا كذلك ما ذكر العم ولا الخال، مع أن العم والخال محارم، أبدى بعض العلماء مناسبة في هذا وقالوا: إنه لم يُذْكَر لا لأنه يحرم إبداء الزينة لهما، ولكن لبيان التحرُّز منهما لئلا يصف المرأة لأبنائهن؛ لأن العم والخال أبناؤهما يجوز أن يتزوجوا بهن فلما كان يُخْشَى أن العم والخال يصف المرأة لابنه لم يذكر؛ للتحرز لا للمخالفة في الحكم، وهذا التعليل له بعض الوجه، والله أعلم بما أراد. طالب: الأخ كذلك؟ الشيخ: لا، الأخ ما يمكن؛ لأن ابن الأخ ما يحل لعمته، ابن الأخ ما يتزوج عمته. ما فيها إلا الخال والعم فقط، وعلى كل حال إن كان هذا هو الحكمة من عدم الذكر فله وجه، وإن لم يكن الحكمة فالله أعلم، ما وصلنا إلى الحكمة في ذلك.
طالب: (...). الشيخ: من؟ الطالب: العم والخال. الشيخ: إي نعم، إذا قام مقام الأبوين فهذا يقتضي ذكرهما، ولا شك أن قوة المحرمية في العم والخال أضعف من قوتها في من عداهم، وإن كان ابن الأخ وابن الأخت بالنسبة لعمته وخالته الصلة بينهما متقاربة مع العم والخال، لكن ابن الأخ والأخت فروعهما محارم ولَّا لا؟ فروعهما محارم، فالعلة التي قيلت في العم والخال منتفية فيهما. الآن يقول: لا جناح عليهم في هؤلاء، وفيما عدا هؤلاء عليهن جناح فيه؟ نعم، يعني: ما عدا هؤلاء من الأقارب فإن عليهن جناح في عدم التحجب منهم. طالب: وَلَا أَبْنَائِهِنَّمع أن أزواج الرسول ليس لهن أبناء. الشيخ: ما لهم أبناء، كيف، لهن أبناء من غير الرسول صلى الله عليه وسلم؟ طالب: الأخ من الرضاعة؟ الشيخ: هنا سؤال الأخ يقول: الأخ من الرضاع وابن الأخ من الرضاع وما أشبه ذلك ما ذُكِرَ في هذه الآية. نقول: صحيح ما ذكر، لكنه ذُكِرَ في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» وَلَا نِسَائِهِنَّقال المؤلف: (أي المؤمنات) يعني: ولا جناح عليهن في نسائهن أي المؤمنات؛ لأن النساء أُضِيفَت إلى ضمير المؤمنات فيكون المضاف من جنس المضاف إليه؛ أي ولا النساء المؤمنات، فللمرأة أن تكشف وجهها للمرأة المؤمنة، ومفهومه أن الكافرة لا يحل لها أن تكشف وجهها لها، وأن المرأة الكافرة بالنسبة للمرأة المؤمنة كالرجل مع المرأة، وهذا أحد القولين في هذه المسألة على أن الإضافة هنا من باب إضافة الموصوف إلى صفته بمعنى أنها إضافة صفة؛ أي: ولا النساء اللاتي شاركهن في الإيمان، وعلَّلوا ذلك أيضًا بأن المرأة الكافرة لا يؤمن مِنْ أَنْ تُفشي ما تراه من المرأة المؤمنة؛ لأنها ليس عندها إيمان يردعها؛ وبناء على هذا القول فإنه يجب على أولئك الجماعة الذين عندهم من الخدم الكافرات يجب على نسائهم أن يحتجبوا عن هؤلاء الخادمات؛ لأنهن كافرات. ونحن نقول هذا مع بالغ الأسف أن يكون لدى المؤمنين خدم من غير المسلمين؛ لأن معنى ذلك أن الرجل أو المرأة يتصبح ويتمسى وفي كل وقت ينظر بملئ عينيه إلى من هو عدو لله ورسوله وعدو له أيضًا كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: ١] عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْما هو عدو لله فقط، عدو لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا الذي هو في بيته، ومع ذلك نسأل الله السلامة والعافية، تجد هؤلاء يحتضنون مثل هؤلاء الكفار، ومع ذلك يحتضنونهم غير مبالين بهم، وغير مبالين بكونهم مخالفين لهم في الدين والعقيدة والعمل، بل إن بعضهم يحتضنهم فرحًا بهم؛ لأن الشيطان زَيَّن له أنهم أنصح في العمل وأتقن وأجلد وأصبر، وهذا من البلية والمحنة التي امتحن بها الناس في هذا الزمن ولا سيما في هذه الجزيرة العربية مع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» و«أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ، وهؤلاء بدل أن يخرجوهم يحتضنونهم، ثم إنه لو لم يكن من مضرة هؤلاء الخدم الكافرات إلا أن هؤلاء الذين يقولون: إنهم مسلمون -وهم كما قالوا- تذهب عنهم الغيرة من نفوسهم وكراهة الكفار حتى يكون هؤلاء كغيرهم كأنهم مسلمون؛ لأنهم يألفونهم ويرونهم ويشاهدونهم، وكما قيل: (إذا كثُر الإِمْساس قَلَّ الإحساس)، وهذه المسألة خطيرة جدًّا نسأل الله تعالى أن يسلط ولاة الأمور على منعها من هذه البلاد؛ لأنه أولًا: قد يكون لا داعيَ إلى وجود الخادم في البيت. ثانيًا: إذا دعت الحاجة فلتكن مسلمة، لتكن من إندونيسيا من باكستان، من هذه الدول المسلمة الفقيرة التي ينتفع المسلمون بما يدفع لهذا الخادم من الأجرة، أما أن يجعل الكفار يؤخذ من أجورهم ما تُعَمَّر به الكنائس وما يَقْوَى به دعوة التنصير فإن هذا -لا شك- عند التأمل فيه يجد هؤلاء القوم الذين استخدموا هؤلاء الكافرات والكافرين يجدون أنهم مخطؤون خطأ عظيمًا فادحًا إن كان لهم قلوب، فأما إن كان قلوبهم قد عَمِيَت فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] يمكن أن قلوبهم قد مرضت وصدأت من المعاصي وعدم المبالاة وعدم الغيرة فلا يَحُسُّون بهذا الأمر الخطير، ولكن بلغني أن رجلًا كان من أهل الخير واغتر ببعض هؤلاء الخدم كان يجلس مع أولاده ويعلمهم مبادئ الإسلام فقال لواحد من الصغار: من ربك؟ قال: ربي عيسى ابن مريم، من أين جاء هذا الطفل وهو يعايش المسلمين أن ربه عيسى بن مريم إلا من هذه الخادمة؟ هذه الخادمة قد تكون مغرورة ومخدوعة في بني قومها ولا تعرف إلا هذا، لكن هذا الطفل الذي عاش وهو من المسلمين كيف ما يعرف إلا هذا، فهذا من الخطر العظيم بالنسبة لهؤلاء الخدم من الكفار والكافرات، نسأل الله السلامة.
المهم إن كثيرًا من أهل العلم يقولون: إن معنى قوله: وَلَا نِسَائِهِنَّيعني أيش؟ المؤمنات، أي: ولا النساء المشاركات لهن في الإيمان؛ لأن المضاف من جنس المضاف إليه، وقال بعض العلماء: المراد بنسائهن ما كان من جنسهن؛ أي: النساء اللاتي يُشارِكْنَهُنَّ في النسوة أو في الأنوثة، فهو من باب إضافة الجنس إلى جنسه، وهذا القول هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، المشهور من مذهبه، وهو أقرب إلى الصواب؟ لأن تعلق المرأة بالمرأة لا يختلف باختلاف الدين وليس كتعلق الرجل بالمرأة، فالصواب أن المراد بـ(نسائهن) أي: النساء اللاتي من جنسهن في الأنوثة. طالب: قول المؤلف (...)؟ الشيخ: علقنا عليها في الشرح. الطالب: (...). الشيخ: لا، علقنا عليها، كيف؟ طالب: (...). الشيخ: علقنا عليها. طالب: لماذا (...) في المستثنى منه (...). الشيخ: لأن قوله: فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍيتعلق بشيئين: سائل ومسؤول؛ ففي الأول علَّق الخطاب بالسائل، وفي الثاني علقه بالمسؤول من باب التفنن؛ ولأجل أن يشمل هذا ما إذا كانت المسألة في سؤال المتاع وفي غيره. يقول: وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّيعني: ولا جناح عليهن فيما ملكت أيمانهن من الإماء والعبيد، قوله: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّمَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّأي: ملكته ملكًا تامًّا، لا ملكًا مشتركًا، فلو كان عبد بين امرأتين فإنه لا يحلُّ لواحدة منهما أن تكشف وجهها له وذلك لأنه ليس ملكًا لإحداهما، بل هو ملك لهما جميعًا، والآية: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ. وقوله: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّأضاف الملك إلى اليمين؛ لأن الأخذ والإعطاء يكون باليمين غالبًا. وقوله: (من الإماء والعبيد) أما قوله: (من العبيد) فظاهر، وأما قوله: (من الإماء) فبناء على أن قوله: نِسَائِهِنَّأي: المؤمنات، فإذا كان للمرأة أمة كافرة فلا يلزمها أن تحتجب عنها؛ لأنها مما ملكت يمينها، وكل هؤلاء المستَثْنَوْنَ كلُّهم محارم إلا ما ملكت أيمانهن فليسوا بمحارم؛ لماذا؟ لأن التحريم فيهم إلى أمد، والمحرمية إنما تثبت فيما إذا كان التحريم مؤبَّدًا؛ ولهذا أخت الزوجة حرام وليست بِمَحْرَم، المملوك حرام على مملوكته ولا يلزمها أن تحتجب عنه لكنه ليس بمحرم لها، بدليل أنه إذا خرج عن ملكها لزمها أن تحتجب. وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّيعني: (من الإِماءِ والْعبِيدِ أن يَرَوْهُنَّ ويكلموهن من غير حجاب). ثم قال الله تعالى: وَاتَّقِينَ اللَّهَ (فيما أُمِرْتُنَّ به)، وَاتَّقِينَ اللَّهَ(الواو) حرف عطف، واتَّقِينَفعل أمر، لكن حَدُّ الفعل الياءُ، والنونُ فاعلٌ، وهنا في الجملة التفات من الغيبة إلى الحضور أو إلى الخِطاب أخص، نقول: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّهذا ضمير غائب، وَاتَّقِينَ اللَّهَضمير مخاطب، وقد ذكرنا أن من فوائد الالتفات أيش؟ تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فقد لا يكون من الإنسان انتباه، فإذا اختلف النسق حصل التنبه، ثم إن في الالتفات هنا فائدة أخرى وهي مواجهتهن بالأمر بتقوى الله عز وجل، وهذا الخطاب موجه لأطهر النساء على الإطلاق وهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. اتَّقِينَ اللَّهَأن تَرَيْنَ أحدًا سوى هؤلاء أو أن يراكُنَّ أحد سوى هؤلاء، فإذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وهن أطهر النساء وأكرمهن عفة فما بالك بمن دونهن فإنه يُوَجَّه إليهن من الأمر بالتقوى أكثر مما يوجه إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًالا يخفى عليه شيء)، وهنا قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا؛ لأن الحجابَ وعَدَمَه مما يُرَى، فناسب أن يختم الآية بذكر شهادة الله عز وجل على كل شيء تحذيرًا من أيش؟ مخالفته بعدم الاحتجاب ممن يجب الاحتجاب عنه. (...) الفائدة الأولى: أنه لا يجب الاحتجاب عمَّن ذُكِر في هذه الآية؛ لقوله: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّإلى آخره. الفائدة الثانية: أن نساء النبي عليه الصلاة والسلام مُكَلَّفات؛ يعني: يلحقهن التكليف كغيرهن من النساء؛ لقوله: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ. الثالثة من فوائد الآية: أن المحرمات في النكاح محارم؛ لأن هؤلاء المذكورات أو هؤلاء المذكورين محرمون في النكاح فهم محارم، وهذه قاعدة كُلُّ مَنْ يُحَرَّم في النكاح تحريمًا مؤبَّدًا فهن محارم، أما مَنْ يُحَرَّم تحريمًا إلى أمد فليسوا بمحارم، وعلى هذا فقوله: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّليسوا بمحارم؛ لأن التحريم إلى أمد. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب على المرأة أن تحتجب عن المرأة؛ لقوله: وَلَا نِسَائِهِنَّ، وهل يشترط أن تكون مؤمنة؟ فيه قولان لأهل العلم، والراجح أنه لا يُشْتَرط، وأنه ليس العلة الكفر، وإنما العلة الجنس، فما دامت من جنسها فإنها لا تتعلق بها كما يتعلق الرجال بالنساء. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل؛ لقوله: وَاتَّقِينَ اللَّهَ، والعناية بها حيث انتقل فيها من أسلوب إلى آخر للتنبه لها. ومن فوائدها: أن الأمر المُوَجَّه للإنسان بالتقوى لا يعني أنه غير متَّقٍ أو لا؟ قد يراد به الأمر بالاستمرار على التقوى، ويدل لذلك أيضًا قوله في أول السورة: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ١] مع أن بعض الناس لو تقول له: يا أخي، اتق الله، لاشتاط غضبًا وقال: أنا ما أنا متقٍّ، فيقال له: إن الله أمر نبيه وهو أتقى منك بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ، وهذه اتَّقِينَ اللَّهَأَمْرٌ لمن؟ لنساء النبي صلى الله عليه وسلم. ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير الإنسان من المخالفة؛ من مخالفة تقوى الله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًافإن خالفتن ولم تتقين الله، فالله تعالى شهيد عليكن. ومن فوائدها: إثبات اسم الشهيد لله إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا، والشهيد معناه هو الحاضر الذي لا يغيب، المُطَّلِع الذي لا يخفى عليه شيء، فهو سبحانه وتعالى حاضر لا يغيب، لكن ليس حاضرًا معناه أنه في الأرض بل هو في السماء، على عرشه، وهو مطلع لا يخفى عليه شيء. ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وذلك بتوجيه هذه الإرشادات إلى نسائه. طالب: (...) مؤبدًا (...). الشيخ: من محارمه. طالب: (...) غير نساء النبي صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: إي نعم، غير نساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه تحريمهنَّ ليس لنسب ولا لرضاع ولا لمصاهرة. طالب: المقتول في المعركة (...) يطلق عليه شهيد (...) أيش الوجه؟ الشيخ: الشهيد شهيد المعركة؛ لأنَّ عرضَه نفسَه للقتل دليل على شهادته الفعلية بصحة ما هو عليه، إي نعم، أو أن الشهيد الذي تشهده ملائكة الله عز وجل المقربون أو ما أشبه ذلك، والمعنى الأول أوضح. طالب: الآية هذه في نساء النبي، والحجاب الخاص (...). الشيخ: لا، الحجاب الخاص ما يعم، إنما الحجاب العام اللي هو تغطية الوجه سيأتي في آية أخرى. الطالب: (...). الشيخ: لا، الحجاب العامُّ الذي هو تغطية الوجه لا يُسْتَدَلُّ به من هذه الآية؟ طالب: نأخذ منها وجوب الحجاب، لكن حجاب آخر. الشيخ: إي نعم، بالنسبة لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم. طالب: (...)؟ الشيخ: ما نستدل بها، يستدل بوجوب ستر الوجه بالآية التي ستأتي إن شاء الله قريبًا. طالب: (...)؟ الشيخ: إي لأنه كل من وجب الاحتجاب عنه احتجابًا خاصًّا بالنسبة لزوجات الرسول فهو يجب الاحتجاب عنه بالمعنى العام كما سيأتي. طالب: بالقياس؟ الشيخ: إي بالقياس؛ لأن المحارم أصلًا ما يجب الاحتجاب عنهم لا الحجاب الخاص ولا العام. طالب: (...)؟ الشيخ: محارم، نعم، إلا زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم. طالب: (...).
الشيخ: وإلَّا أيضًا المحرمة باللعان؛ لأن السبب غير مباح. طالب: (...). الشيخ: يخرج عن القاعدة، إي نعم.
تفسير الآيات (٥٦-٥٨)
٠١:٢٥:٠٣
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٦]، إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُهذا خبر مؤكد بـ(إن)، وعطف الملائكة على الله عز وجل بالواو؛ لأنهم مشاركون لله سبحانه وتعالى بهذا الفعل؛ ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ. وقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُالملائكة تَقَدَّم أنهم جمع مَلَك وأن أصل مَلَك مَأْلَك من الأَلُوكة وهي الرسالة، ولكنه حصل فيها إعلال بالتقديم والتأخير فصار بدل مَأْلك صارت ملأك ثم حذفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال فصارت ملك، أما الجمع فإنها رُدَّت الهمزة وقيل فيها: ملائكة. طالب: (...). الشيخ: هذا تعليل صرفي ما يدخل في درس الفقه، يعني قالوا: من أين اشتق الملك؟ من الأَلوكة، الألوكة في اللغة بمعنى الرسالة، والملائكة رسل، فأصلها إذن مألك، يعني: من الألوكة، ثم أُعِلَّ بالتقديم والتأخير فصارت ملأك، ثم حُذِفَت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، ونُقِلَت حركتها إلى اللام فصارت ملك، أما الجمع فملائكة، فالملائكة هم الذين جعلهم الله تعالى رسلًا وهم عالم غيبيٌّ مخلوقون من نور ممتثلون لأمر الله عز وجل قائمون بعبادته آناء الليل والنهار كما ذكر الله عنهم يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، وهم مع ذلك لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم: ٦]؛ لقوة امتثالهم لأمر الله. وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَلقوتهم على التنفيذ، فيكون لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْهذا باعتبار الإرادات، ما عندهم إرادة تخالف أمر الله. وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَباعتبار التنفيذ والعمل، وهم -أي: الملائكة- أصناف في أشكالهم وفي أعمالهم وفي صفاتهم، ما نعلم من هذا إلا ما أعلمنا الله تعالى به ورسوله، والباقي مجهول لنا فنؤمن بما عَلِمْنا من أسمائهم وأشكالهم وأوصافهم وأعمالهم، وما لم نَعْلَمْه نؤمن به على سبيل أيش؟ على سبيل الإجمال؛ نقول: آمنا بالله وملائكته. إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُالخبر يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّالنَّبِيِّمن؟ محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال: (محمد صلى الله عليه وسلم)، وما معنى يُصَلُّونَ؟ اشتهر عند كثير من أهل العلم أن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، وعلى هذا فيفسر يُصَلُّونَباعتباره إلى الله بمعنى الرحمة، وإلى الملائكة الاستغفار، لكن هذا التفسير خطأ؛ فإن الرحمة أعم من الصلاة؛ لأن الرحمة يدعى بها لكل أحد، والصلاة خاصة بالأنبياء فهي شعارهم، ولا تقال لأحد سواهم إلا على سبيل لا يكون شعارًا، وأما الرحمة فهي عامة حتى إن بعض أهل العلم يقول: لا يجوز أن تدعو للرسول بالرحمة؛ ما تقول: محمد رحمه الله، قال رسول الله رحمه الله. لكن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يدعو لنفسه بالرحمة يقول: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي» ، وفي قصة الأعرابي قال: «اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا» ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها عند السلف يُدْعَى للرسول صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بالصلاة، ولغيره بالرحمة والرضا، وما أشبه ذلك. والصواب أن صلاة الله على رسوله معناها ثناؤه عليه في الملأ الأعلى وليست رحمته إياه بدليل قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: ١٥٧]، قال: صَلَوَاتٌوَرَحْمَةٌفدلَّ هذا على أن الرحمة غير الصلاة، وهو كذلك، أما صلاة الملائكة على الرسول عليه الصلاة والسلام فيحتمل أن تكون بمعنى الدعاء أنهم يدعون له بالصلاة، ويحتمل أن المعنى أنهم يُثْنُون عليه مع الله، وهذا أقرب؛ حتى لا يَتَوَّزَع المعنى في كلمة: يُصَلُّونَ، ويكون المعنى أن الله يُثْنِي عليه والملائكة كذلك يثنون عليه، وهذا من تعلية شأن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قدَّم هذه الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية الطلبية في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ [الأحزاب: ٥٦]؛ لأن النفس إذا عَلِمَت شرف هذا النبي وأن الله سبحانه وتعالى نفسه وملائكته المقربين وغير المقربين من الملائكة الآخرين، فإنهم يصلون عليه، وأنا قلت: الملائكة المقربين لأن الملائكة كلهم مقربون بالمعنى العام، لكن هناك ملائكة مقربون عند الله كحملة العرش ونحوهم، وكل هؤلاء يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم. وفي إضافة الملائكة إلى الله إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ..