كتاب الطهارة - ١٥
درس صوتي · ٦١:٤٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
التفريغ النصي للشريط رقم (١٥)
٠٠:٠٠:٠٠
(ترويه) (يحثي على رأسه) يعني: يحثي الماء، (على رأسه ثلاثًا ترويه) قوله: (ثلاثًا) ظاهره أنه على جميع الرأس يحثو الماء على جميع الرأس، منين نأخذ أن هذا هو الظاهر؟ طلبة: من إطلاقه. الشيخ: لأنه قال: (رأسه ثلاثًا). وقوله: (ترويه) أي: تصل إلى أصوله بحيث لا يكون الماء قليلًا، بل لا بد أن يصل إلى أصول الشعر، وظاهر حديث عائشة رضي الله عنها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام غسل رأسه حتى إذا ظن أنه أروى بشرته أفاض عليه ثلاث مرات ، فظاهره أنه أولًا يصب عليه الماء ويخلله، ثم بعد ذلك يفيض عليه ثلاث مرات، إلا أن بعض أهل العلم قال: إن قولها: ثلاث مرات، لا يعم جميع الرأس، لكن مرة للجانب الأيمن، ومرة للجانب الأيسر، ومرة لوسط الرأس، كما يدل على ذلك صنيعه صلى الله عليه وسلم حينما أتي بالحلاب، فأخذ منه ماء فغسل به جانب الرأس الأيمن، ثم الأيسر، ثم الرأس وسطه . وقال المؤلف: (ويعم بدنه) بعدما يغسل رأسه، (ويعم بدنه غسلًا ثلاثًا). أما قوله: (يعم بدنه) فدليله حديث عائشة وميمونة: ثم أفاض الماء على سائر جسده . وأما قوله: (ثلاثًا) فإنهم فعلوا ذلك قياسًا على الوضوء، وأنه يشرع فيه التثليث، وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم؛ هل يثلث في غسل البدن أو لا؟ فالمشهور من المذهب -كما ترون- واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم: أنه لا تثليث في غسل البدن؛ لأن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يصح فإنه لا يشرع. قال المؤلف: (ويدلكه) كيف يدلكه؟ يعني: يمر يده عليها كذا دلكًا، وإنما شرع الدلك لأجل تيقن وصول الماء إلى جميع البدن؛ لأنك لو صببته بدون دلك ربما يتفرق في البدن من أجل ما فيه من الدهونة ولا يشمل البدن، فَسُنَّ الدلك. (ويتيامن) ويش معنى يتيامن؟ يعني: يبدأ بالجانب الأيمن، أما في الوضوء فظاهر، وكذلك في الغسل؛ في غسل البدن، وكذلك في غسل الرأس يبدأ باليمين؛ لقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله ، فيغسل الأيمن قبل الأيسر. قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر) يعني: عندما ينتهي من الغسل يغسل القدمين في مكان آخر غير المكان الأول. وهل هذا سنة مطلقة أو سنة عند الحاجة؟ ظاهر كلام المؤلف أنه سنة مطلقة، ولو كان المحل نظيفًا كما يوجد الآن في حماماتنا. ولكن الذي يظهر لي أنه يغسل رجليه في مكان آخر عند الحاجة إلى ذلك، كما لو كانت الأرض طينًا، فهو إذا لم يغسل رجليه في مكان آخر تلوثت بالطين، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغسل رجليه في حديث عائشة بعد الغسل، ورواية: أنه غسل رجليه ضعيفة، والصواب: أنه غسل رجليه في حديث ميمونة، فالظاهر أن غسل الرجلين في مكان آخر إنما يشرع متى؟ طلبة: عند الحاجة. الشيخ: عند الحاجة إليه فقط (...) قال: (ويغسل قدميه مكانًا آخر). طالب: (مكانًا) هذا؟ الشيخ: (مكانًا) ظرف مكان. طالب: (...) الظرف (...) هنا. الشيخ: في مكان. طالب: من الفعل؟ الشيخ: لا. الطالب: من لفظ الفعل؟ الشيخ: لا، ما هو بشرط. يقول: (والمجزئ: أن ينوي) إلى آخره، (المجزئ) يعني: الذي تبرأ به الذمة، والإجزاء معناه: سقوط الطلب بالفعل، هذا الإجزاء، فإذا قيل: أجزأت صلاته؛ أي: سقط طلبه بها؛ لفعله إياها، وكذلك نقول في بقية العبادات: إن الإجزاء هو سقوط الطلب بالفعل؛ يعني: إذا فعلت الشيء وسقط به الطلب، قيل: أجزأ، فإن لم يسقط به الطلب، قيل: لم يجزئ. فلو أن أحدًا صلى وهو محدث ناسيًا ثم ذكر بعد الصلاة، هل أجزأته صلاته؟ لا، لماذا؟ لأنه الآن مطالب بها، ففعله لم يسقط به الطلب، فلا تكون مجزئة، واضح؟ ولو أن رجلًا وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة ففرق بينها بدون عذر، هل تجزئه ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: لماذا؟ طالب: لأن الطلب (...). الشيخ: لأن الطلب لم يسقط بصومه هذا؛ إذ إن الطلب أن يصوم متتابعًا، فالإجزاء إذن تعريفه: سقوط الطلب بالفعل؛ أي: بفعل الشيء، فإذا فعل الإنسان الشيء وسقط به الطلب قيل: إنه مجزئ، وإذا سقط الطلب برأت الذمة، وصار الإنسان غير مطالبًا به عند الله عز وجل. قال: (المجزئ: أن ينوي ويسمي) والنية شرط، وقد سبق تعريفها، وبيان الجهر بها أو النطق بها، (ويسمي) وسبق دليله، وأنه واجب على المذهب. (ويعم بدنه بالغسل مرةً) (يعم بدنه) كل البدن، (بالغسل مرةً) ولم يذكر المؤلف المضمضة والاستنشاق؛ وذلك لأن في وجوبهما في الغسل خلافًا؛ فمن أهل العلم من قال: إن المضمضة والاستنشاق في الغسل كهما في الوضوء، وإنه لا يصح الغسل إلا بهما، ومنهم من قال: إن الغسل يصح بدونهما. والصواب: أنه لا يصح الغسل إلا بهما؛ لأن قوله تعالى: فَاطَّهَّرُوا [المائدة: ٦] يشمل البدن كله، وداخل الأنف وداخل الفم من البدن الذي يجب تطهيره؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بهما؛ لدخولهما تحت قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، فإذا كانا داخلين في غسل الوجه -والوجه مما يجب غسله في الطهارة الكبرى- كان واجبًا على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض ويستنشق، وإن كان ظاهر كلام المؤلف خلاف ذلك. قال: (ويعم بدنه بالغسل) (بدنه) يشمل حتى ما تحت الشعر الكثيف، الشعر الكثيف يجب أن يغسل ما تحته، بخلاف الوضوء فإنه لا يجب غسل ما تحت الكثيف، والشعر الكثيف هو: الذي لا ترى من ورائه البشرة. قال أهل العلم: والشعر بالنسبة لتطهيره وما تحته ينقسم ثلاثة أقسام: الأول: أن يجب تطهير ظاهره وباطنه بكل حال، وذلك في الغسل من الجنابة. والثاني: أن يجب تطهير ظاهره وباطنه إن كان خفيفًا، وتطهير ظاهره فقط إن كان كثيفًا، وذلك في الوضوء. والثالث: لا يجب تطهير باطنه سواء كان خفيفًا أو كثيفًا، وهذا في التيمم. هنا يقول المؤلف: (يعم بدنه بالغسل مرة) (بدنه) يشمل ما تحت الشعر اللي في رأسه أو في لحيته أو في أي مكان من بدنه. (مرة) إلى آخره، ما هو الدليل على أن هذا الغسل مجزئ؟ الدليل قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواولم يذكر الله شيئًا سوى ذلك؛ اطَّهَّرُوا، ومن عمم بدنه بالغسل مرة واحدة صدق عليه أنه قد اطَّهر، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: نعم، فإن قلت: هذه الآية مجملة، والنبي صلى الله عليه وسلم فصَّل هذا الإجمال بفعله، فيكون الغسل واجبًا على الكيفية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها؛ لأن الله لما قال: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣] وهو أمر مجمل، ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، صار واجبًا علينا أن نقيم الصلاة كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. هنا لما قال: اطَّهَّرُواولم يبين كيفية ذلك في القرآن وبينه الرسول عليه الصلاة والسلام، علمنا أنه يجب علينا، أو كان مقتضى الحال أن يجب علينا أن نفعل كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، فهمتم هذا ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: فما هو الجواب؟ قلنا: الجواب من وجهين أو من ثلاثة: أما الأول: فإنه لو كان الله عز وجل يريد منا أن نغتسل على وجه التفصيل لبينه، كما بين كيف نتوضأ على وجه التفصيل، فلما بين الوضوء على وجه التفصيل وهذا أجمله علم أنه ليس بواجب؛ أن نبدأ مثلًا بأعلى البدن أو بيمينه أو بشماله، هذا واحد. ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي كان قد أصابته جنابة ولا يصلي قال له: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»، والقصة معروفة وثابتة في صحيح البخاري في حديث عمران بن حصين الطويل: وكان ليس عند الناس ماء، وذهب علي بن أبي طالب ورجل معه يطلبان الماء، وحضر الماء، واستقى الناس منه وتطهروا، وبقي بقية فقال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي كان جنبًا وكان لا يصلي، فقال له: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ»، قال له: «خُذْ هَذَا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ»، ولم يبين له النبي صلى الله عليه وسلم كيف يفرغه على نفسه؟ ولو كان الغسل واجبًا كما اغتسل الرسول عليه الصلاة والسلام لبينه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في مقام البلاغ، والرسول عليه الصلاة والسلام واجب عليه أن يبلغ البلاغ المبين. وهذا الرجل يبدو؛ يعني: لو قال قائل: لعل هذا الرجل يعرف كيفية الغسل؟ فنقول: الأصل عدم معرفته، ثم إن ظاهر حاله أنه رجل جاهل؛ بدليل أنه ما علم أن التيمم يجزئ عن الغسل عند عدم الماء. هناك وجه ثالث، ولننظر هل يصح أو ما يصح؟ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغتسل على كيفية واحدة، بل اغتسل مرة، على حسب ما جاء في حديث عائشة، ومرة على حسب ما جاء في حديث ميمونة، ولو كانت الصفة واجبة؛ لبقي على حالة واحدة؛ ولهذا استدللنا على أن التثليث في الوضوء ليس بواجب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا . طالب: (...)؟ الشيخ: في الوضوء ليس بواجب. ولكن قد يقول قائل: إن الواجب إحدى الصفتين، ولكن حديث عمران بن حصين في قصة الرجل واضح جدًّا، وقريب منه في الوضوح: قرن الله الغسل من الجنابة بأحكام الوضوء المفصلة دون أن يفصل في الغسل، أما الوجه الثالث ففيه شيء من الضعف. إذن الغسل الكامل: أن ينوي ويش بعد؟ يسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة. فما رأيكم لو أن رجلًا نوى وعليه جنابة نوى الغسل، فانغمس في بركة أو في غدير؛ مجتمع السيول ثم خرج، يجزئه ولَّا لا؟ طلبة: يجزئه. الشيخ: يجزئه. طالب: مع المضمضة؟ الشيخ: إي، يجزئه إذا تمضمض واستنشق. لو أراد الوضوء ثم انغمس في هذا الماء؟ طالب: إن كان جنابة.. الشيخ: لا، ما هو جنابة، وضوء. طالب: نقول: الوضوء، إذا كان الجنابة جائزة الوضوء من باب أولى. الشيخ: إي، بس هذه الأولويات ما هي في كل مكان، طيب مين اللي يعرف؟ طالب: هنا لا يجزئه؛ لأنه فقد الترتيب. الشيخ: لا يجزئ؛ لأنه فقد الترتيب؟ طالب: لا، يجزئ، الترتيب سنة. الشيخ: إي، هذا عاد مسألة خلافية؛ المذهب أن الترتيب فرض لا بد منه، وسبق لنا تقرير ذلك، وعلى هذا فلا يجزئ لفوات الترتيب، طيب لو خرج مرتبًا؟ طالب: أجزأه. الشيخ: أجزأه، خرج مرتبًا، كيف يخرج مرتبًا؟ طالب: يخرج من البركة ويتوضأ. الشيخ: لا، يخرج ويتوضأ، ما يصلح هذا. طالب: وهو داخل البركة يمر الماء على يده وعلى رجله. الشيخ: هو منغمس الآن. طالب: إي نعم (...). الشيخ: هو الآن منغمس، كيف يخرج من (...)؟ طالب: يمر يده على أعضاء جسمه. الشيخ: يعني: يدلك أعضاءه في وسط الماء، ويعتبر هذا ترتيبًا؟ طالب: يخرج يديه، ثم يخرج رأسه من (...). الشيخ: إي نعم، هو ما له طريق إلا هذا، يخرج كفيه على أنه غسلهم، وبعدين وجهه، ورأسه ما يطلعه مع وجهه. طلبة: ما يمكن. الشيخ: ما يمكن، ثم يطلع يده اليمنى إلى المرفق، ثم يده اليسرى إلى المرفق، ثم يطلع رأسه يمسحه كذا، ثم عاد يخرج مرة برجليه. طالب: إذا كانت ساقية؟ الشيخ: إذا كان بساقية عاد ينظر هل إن الجريات تعتبر كل جرية كماء منفرد، أو أن الماء الجاري كالراكد؟ وهذا مر علينا، وين هو فيه؟ طلبة: في قواعد ابن رجب. طالب: في باب المياه. الشيخ: في قواعد ابن رجب؛ القواعد الفقهية، هذا فيه خلاف. على كل حال في مسألة الوضوء إذا انغمس ونوى ما يصلح إلا إذا خرج مرتبًا، وخروجه مرتبًا لا شك أن فيه مشقة، ويكفي من ذلك -كما قال الأخ- أنه يخرج ثم يتوضأ، إي نعم. طالب: (...)؟ الشيخ: هم يقولون: إنه لا يتم غسل العضو حتى ينفصل عنه الماء. طالب: (...) صحيح. الشيخ: أيهم؟ طالب: أنه ما يجزئه (...). الشيخ: الوضوء؟ طالب: نعم. الشيخ: يجزئه (...)، إذا رتب يجزئه. طالب: نحن قلنا (...). الشيخ: إذا قيل: إن الترتيب سنة أجزأه. طلبة: (...). الشيخ: لا، (...). طالب: (...). الشيخ: لا، ما شرح عندي الوقت. ثم قال: (ويتوضأ) أنا بسأل عن (يتوضأ) هل هي بالنصب ولَّا بالرفع؟ طالب: بالنصب. الشيخ: خطأ. طالب: بالرفع. الشيخ: إي نعم، بالرفع، الجملة استئنافية، ليست معطوفة على قوله: (أن ينوي)؛ لأنه لو كانت معطوفة على (أن ينوي) لكان المعنى: والمجزئ أن ينوي وأن يتوضأ بالمد، وليس كذلك، فالواو هنا للاستئناف، يتوضأ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة. (يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع) يعني: يسن للإنسان أن يكون وضوؤه بمد، واغتساله بصاع. المد: ربع الصاع، والصاع النبوي أقل من الصاع العرفي عندنا، أقل بالخمس وخمس الخمس؛ يعني مثلًا الصاع النبوي زنته ثمانون ريالًا فرنسيًّا، وصاعنا زنته مئة ريال وأربعة ريالات. فتأتي بإناء يسع أربعة أخماس الصاع العرفي، وتملؤه ماء ثم تغتسل به، هذا السنة؛ لئلا تسرف في الماء، فإن أسبغت بأقل جاز، كما قال المؤلف. (ويتوضأ بمد) كم المد؟ المد: ربع الصاع، قليل جدًّا، يتوضأ به، هذا هو السنة. ولكن إذا قال قائل: بالنسبة لنا اليوم نحن نتوضأ من الصنابير؛ يعني: من المواسير، القياس أو مقياس الماء لا ينضبط، صح ولَّا لا؟ المقياس ما ينضبط، هنا نقول: لا تزد على المشروع في غسل الأعضاء؛ يعني: لا تزد على الثلاث في الوضوء، ولا تزد على المرة في الغسل، وبهذا نكون معتدلين، لا وسواس، ولا تفريط وإهمال. طالب: (...)؟ الشيخ: أصلًا ما يمكن حصره، (...). (فإن أسبغ بأقل أجزأ) إن أسبغ بأقل من المد في الوضوء ومن الصاع في الغسل فإنه يجزئ؛ لأن المقصود الغسل، والتقدير: هذا على سبيل الأفضلية. ولكن يشترط ألَّا يكون مسحًا، فإن كان مسحًا فإنه لا يجزئ. والفرق بين المسح والغسل: أن الغسل يتقاطر منه الماء والمسح لا يتقاطر، المسح مثل أن تبل يدك وتمسح العضو، معلوم أن الماء لا يتقاطر، والغسل أن يجري الماء على الغسل ويتقاطر ولو شيئا قليلًا، المهم أن يكون الماء جاريًا على العضو، فلو أن أحدًا أخذ ماء قليلًا وجعل يغط يده ويمسح جسمه هكذا مسحًا، فإن ذلك لا يجزئ؛ لأن الله تعالى قال: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْوَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ، ففرق سبحانه وتعالى بين الغسل والمسح. وكذلك قوله: فَاطَّهَّرُوابينه الرسول عليه الصلاة والسلام بفعله بأنه غسل، فلا بد إذن من أن يكون غسلًا، لكن لو أسبغ بأقل فهو جائز. قال: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) ويش يعني؟ عن الحدثين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وهذا الرجل نوى بغسله رفع الحدثين، فحصل له ما نوى. هل هناك نية أخرى؟ نعم، هناك نية أخرى: أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط، أن ينوي استباحة ما لا يباح إلا بالوضوء، أن ينوي استباحة ما يباح بالغسل فقط، فالوجوه كم؟ طلبة: أربعة. الشيخ: أربعة؛ أن ينوي الحدثين جميعًا، فهنا يرتفع الحدثان؛ لأنه نواهما. أن ينوي رفع الحدث الأكبر فقط ويسكت عن الأصغر، فظاهر كلام المؤلف حيث قال: (أو نوى بغسله الحدثين) ظاهر كلامه أنه يجزئ ولَّا لا؟ لا يجزئ، فعليه يرتفع الأكبر، ولا يرتفع الأصغر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وهذا لم ينوِ إلا الأكبر. وعلى هذا، فلو جئت مثلًا واغتسلت من الجنابة، ومن أجل السرعة ذهب عن ذهنك نية الوضوء، ولكنك نويت الجنابة فقط، فعلى ما مشى عليه المؤلف لا يجزئك عن الوضوء، لا بد أن تتوضأ. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر فقط وسكت عن الأصغر فإنه يرتفع الحدثان، واستدل لذلك بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوامع أنه قال سبحانه وتعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْوَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا. وعلى هذا، فإذا تطهر الإنسان بنية الحدث الأكبر فإنه يجزئه؛ لأن الله لم يذكر سوى ذلك، وما ذهب إليه الشيخ رحمه الله هو الصحيح؛ لأن الله لم يوجب علينا إلا أن نتطهر فقط وقد فعلنا. الوجه الثالث: أن ينوي ما لا يباح إلا بالوضوء، أو ما لا يباح إلا بارتفاع الحدثين جميعًا، هذا صواب العبارة، كالصلاة؛ فإذا اغتسل للصلاة ما نوى رفع الحدث، لكنه نوى أنه مغتسل للصلاة فإنه يرتفع عنه الحدثان، لماذا؟ لأنه من لازم نية الصلاة أن يرتفع الحدثان؛ إذ إن الصلاة لا تصح إلا بارتفاع الحدثين، فيكون ارتفاع الحدثين هنا من باب أيش؟ من باب اللازم؛ لأنه من لازم إرادة الصلاة أن يرتفع الحدثان. الوجه الرابع: أن ينوي ما يباح بالغسل فقط دون الوضوء، مثل أي شئ؟ كالمكث في المسجد أو قراءة القرآن. اغتسل الإنسان لقراءة القرآن فقط، ما نوى رفع الحدث ولا رفع الحدثين، ولا ما لا يباح إلا بالوضوء والغسل، نوى ما يباح بالغسل فقط، مثل قراءة القرآن، إذا اغتسل الإنسان وإن كان عليه الحدث الأصغر جاز له أن يقرأ القرآن، وهي غير مس المصحف، فهذا رجل قيل له: لماذا اغتسلت؟ قال: اغتسلت؛ لأقرأ القرآن، هل يصلي؟ لا يصلي؛ لأن استباحة قراءة القرآن من الجنب لا تستلزم استباحة الصلاة، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: وعليه فلا يرتفع إلا الحدث الأكبر فقط، فإذا أراد الصلاة فلا بد أن يتوضأ. فهذه أربعة وجوه للنية، ولكن لو رجعنا إلى واقع الناس الآن لوجدنا أن أكثر الناس يغتسلون من الجنابة من أجل؟ طلبة: رفع الجنابة. طلبة آخرون: الصلاة. الشيخ: رفع الحدث الأكبر، أو من أجل الصلاة، هو مثلًا قام بعدما أذن وعليه جنابة وذهب يغتسل، لو سألناه: لماذا اغتسلت؟ قال: لأجل أن أصلي، وعلى هذا فيرتفع الحدث الأكبر والأصغر قولًا واحدًا، ويندر أن نرى رجلًا اغتسل من الجنابة من أجل قراءة القرآن فقط، هذا نادر. يقول المؤلف: (أو نوى بغسله الحدثين) كيف الحدثين؟ المراد رفع الحدثين. (ويسن لجنبٍ غسلُ فرجه والوضوءُ) قوله: (غسل فرجه والوضوء) يعني: الاثنين جميعًا، يسن له غسل فرجه ووضوؤه لهذه الأمور الثلاثة: للأكل، والنوم، ومعاودة الوطء. (لأكل) يسن أن يتوضأ الجنب للأكل، وإن اغتسل فالغسل أفضل بلا شك؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يبادر باغتساله من الجنابة بقدر ما يستطيع فإنه أفضل؛ لأنه أطهر وأنقى. لكن إذا قال: أنا سأؤخر الاغتسال، نقول: إذن توضأ الأكل، وظاهر كلام المؤلف العموم، فيشمل الأكل الوجبات الرئيسية، مثل: الغداء والعشاء والفطور. ويشمل الأكل الصغير؛ كرجل قُدِّم له تفاحٌ أو برتقالٌ وأراد يأكل، نقول له: إن اغتسل فهو أفضل، وإلا فتوضأ. وليس على سبيل الإلزام بالاتفاق؛ بإجماع العلماء: أن الوضوء للأكل من الجنابة ليس بواجب، ولكنه على سبيل الاستحباب، دليله: حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ . ولا عبرة بحمل من حمل الحديث على أن المراد به الوضوء اللغوي الذي هو النظافة؛ لأن لدينا قاعدة في أصول الفقه: أن الحقائق تحمل على عرف الناطق بها، فإن كان الناطق الشرع حملت على أيش؟ طلبة: الحقيقة الشرعية. الشيخ: الحقيقة الشرعية، إذا كان الناطق من أهل اللغة حملت على الحقيقة اللغوية، من أهل العرف حملت على الحقيقة العرفية. فلو أننا خاطبنا رجلٌ من النحويين وقال: الفاعل، ما هو الفاعل في عرف النحويين؟ طالب: اللي قام بالفعل. الشيخ: لا، في عرف النحويين هو: الاسم المرفوع المذكور قبله عامله، سواء كان فعلًا أو مشتقًّا، الاسم المرفوع المذكور قبله عامله، لكن الفاعل في اللغة: هو من قام به الفعل، فمثلًا: زيد قائم، في اللغة؟ طالب: فاعل. الشيخ: فاعل يا إخواني، زيد قائم، نقول: (زيد) فاعل في اللغة العربية، لكن عند النحويين ليس بفاعل، مبتدأ وخبر، السبب: لأن الحقائق تحمل على عرف من؟ الناطق بها، في لغتنا الآن كلمة (شاة) تعني؟ طالب: الضأن. الشيخ: لا، ما هي الضأن، الأنثى من الضأن، لكن في الشرع: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» ، اللي مر علينا يشمل الذكر والأنثى من الضأن والماعز. فقول عائشة رضي الله عنها: توضأ، لا يمكن أن نحمله على الحقيقة اللغوية، بل على الحقيقة الشرعية، وكذلك أيضًا في حديث عمار بن ياسر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ ، فهذا أيضًا (...)، لكن الأول في مسلم، وهذا في السننُ. وعلى كل حال، النوم يُسَنُّ للجنب ألَّا ينام إلا بعد وضوء، الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم. ثانيًا: استفتاه عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» ، وفي لفظ: أنه قال له: «اغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ، ثُمَّ نَمْ» ، وهذا أمر، فهذا دليل على أنه يسن أن يتوضأ الإنسان من الجنابة عند النوم، وإذا رجعنا إلى صيغة الحديث: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ»، أو: «اغْسِلْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ، ثُمَّ نَمْ»، إذا رجعنا إلى هذه الصيغ، ويش تقتضي يا جماعة؟ طلبة: الوجوب. الشيخ: تقتضي الوجوب؛ لأنه قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ»، وتعليق المباح على شرط يدل على أنه لا يباح إلا به، وعليه فيكون الوضوء من الجنابة عند النوم واجبًا، وإلى هذا ذهب الظاهرية وجماعة كثيرة من أهل العلم. ولكن المشهور عند الفقهاء والأئمة المتبوعين أن ذلك على سبيل الاستحباب، واستدلوا بحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماءً ، ولكنه قد نوزع في هذا الحديث؛ في سنده، وفي دلالته؛ أما سنده فقد ادعي فيه الانقطاع، وأما متنه فقد حمل قولها: لم يمس ماء؛ أي: ماء للغسل، ولكن التعليل بالانقطاع قد رد بالاتصال، وأن أبا إسحاق سمع من الأسود الذي رواه عن عائشة، ومعلوم أنه إذا تعارض الوصل والقطع فالمعتبر الوصل، كما هو معروف في اصطلاح المحدثين. وأما قولهم: ولم يمس ماء؛ أي: ماء للغسل، فهذا بعيد أن يقيد بالغسل لأيش؟ لأن ماء نكرة في سياق أيش؟ طالب: النفي. الشيخ: في سياق النفي، فتعم أي ماء، وعلى هذا فالتعليل والتأويل كلاهما لا وجه له. يبقى النظر؛ فعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا ما المراد به أو ما الحكمة منه؟ أكثر أهل العلم يقولون: إن الحكمة منه؛ يعني: ترك الرسول عليه الصلاة والسلام الوضوء الحكمة بيان الجواز، وأن الأمر بالوضوء عند النوم لمن عليه جنابة ليس على سبيل الوجوب، وهذه القاعدة قاعدة صحيحة ومعتبرة، خلافًا لمن قال بأن هذا من فعله، فلا يعارض قوله، ولا يجعل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام دالًّا على الجواز، بل يقول: هذا من خصائصه، ونحن أمرنا بألَّا ننام إلا بعد الوضوء، أما هو فإنه ينام بغير وضوء، والله تعالى يختص بحكمه من يشاء، وهذه الطريقة يلجأ إليها الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار. وأنا أتعجب من سلوك هذه الطريقة؛ لأنه من المعلوم أننا لا نحمل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام أو قوله على الخصوصية إلا حيث تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع فإنه لا يجوز أن يحمل النص على الخصوصية؛ لأن الأصل التأسي به، قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]، فإذا كان الأصل التأسي به فلا وجه لحمل النص على الخصوصية مع إمكان الجمع. ويدل على أن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام أو قوله لا يحمل على الخصوصية، بل هو على العموم قوله تبارك وتعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: ٥٠]، وجه الدلالة من الآية: أن الله سبحانه وتعالى بين أنها خالصة، ولولا هذا لكان مقتضى النص أن الإنسان يجوز أن يتزوج بالهبة، هذا دليل. دليل آخر: لما قال الله سبحانه وتعالى في قصة زينب بنت جحش قال: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٣٧]، وكانت زينب تحت زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أحل الله له زينب قال: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا، الحكم خاص والعلة عامة، إذن معناه: أن الحكم الذي يثبت للرسول عليه الصلاة والسلام ويخص به يكون له وللأمة؛ وإلا لم يكن لقوله: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْفائدة. إذن فالذي يظهر لي: أن الجنب لا ينام إلا بوضوء، على سبيل الاستحباب، لكنه أوكد من الأكل والشرب؛ ولهذا ذهب الفقهاء رحمهم الله إلى أنه يكره للجنب أن ينام بدون وضوء، وأما الأكل والشرب فلا يكرهان بدون وضوء، ففرقوا بين النوم وبين الأكل والشرب. الثالث: قال: (ومعاودة وطء) يسن أن يتوضأ الإنسان إذا أراد أن يعود مرة أخرى إلى الجماع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم أنه إذا جامع الإنسان أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءًا . وهذا الأمر الأصل فيه الوجوب، وأنه إذا أراد الإنسان أن يعود مرة أخرى فإنه يجب أن يتوضأ، ولكن هذا الأمر أخرجه عن الوجوب ما رواه الحاكم في الحديث قال: «إِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» ، هذا يدل على أن الوضوء هنا ليس عبادة حتى نلزم الناس به، ولكنه من باب التنشيط، فيكون الأمر هنا للإرشاد، وليس للوجوب. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يطوف على نسائه كلهن بغسل واحد ، وإن كان طوافه عليهن بغسل واحد لا يمنع أن يكون يتوضأ بين الفعلين، فيكون قوله: (بمعاودة الوطء) على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب. سمع شخص قارئًا يقرأ الحديث الذي في مسلم قال: وزاد الحاكم: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعُودِ». طالب: كثير. الشيخ: كثير، والله يقول واحد: سمعته إمام يقرأ يقول: أنشط للعود، والعود تعرفونه عندهم (...).
(باب التيمم)
التيمم في اللغة: القصد، يقال: تَيَمَّمتُ كذا بمعنى قصدته، والعامة يقولون: اليمة، ويمة كذا؛ أي: جهته وقصده، فالتيمم إذن لغةً: القصد. أما شرعًا فهو: قصد الصعيد الطيب ليمسح به وجهه ويديه، وهو مأخوذ من قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦]. ولو قلنا: إن التيمم في الشرع: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين به لكان هذا أولى؛ لأننا قلنا فيما سبق: إن كل عبادة تعرف ينبغي أن يقرن فيها ذكر التعبد. والطهارة بالتراب من خصائص هذه الأمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» ، وذكر الحديث، رواه جابر. وكانت الأمم السابقة إذا لم يجدوا ماءً بقوا حتى يجدوا الماء فيتطهروا به، ثم يقضوا ما فاتهم من الصلوات، ولا شك أن في هذا مشقة عليهم، وفيه أيضًا حرمان للإنسان من الصلة بالله عز وجل كل هذه المدة، لو بقي عشرة أيام ما صلى حتى يجد الماء، وتعرفون أن انقطاع صلة الإنسان بينه وبين ربه أنها تحدث للقلب غفلة وقسوة. التيمم نزل بسبب ضياع عقد لعائشة رضي الله عنها؛ ضاع لها عقد كانت تتحلى به للنبي صلى الله عليه وسلم، وأخذته عارية، فلما ضاع بقي الناس يطلبون هذا العقد، وأصبحوا ليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم، ولما نزلت آية التيمم وشرع التيمم للناس بعثوا البعير التي هي راكبته –يعني: أثاروه وكان باركًا- فلما بعثوه وجدوا العقد تحته، وهذا من حكمة الله: أن الله سبحانه وتعالى لم يلهمهم أن يبعثوا البعير، بل بقوا يطلبون هذا العقد كل الليل من أجل أن يشرع الله سبحانه وتعالى هذه الطهارة لعباده، قال أسيد بن الحضير رضي الله عنه: ما هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر ، فإن ضياع هذا العقد صار سببًا سهل الله به على الأمة إلى يوم القيامة. والتيمم يقول المؤلف فيه: (بدل طهارة الماء)، فليس أصلًا، ولكنه بدل؛ لأن الله تعالى يقول: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، إذن فهو بدل عن أصل، وهو الماء. ومع ذلك فإن للبدل حكم المبدل، هذه القاعدة الشرعية، إلا أن البدل إذا وجد الأصل بطل، وكان من المشهور بين العامة يقولون: إذا وجد الماء بطل التيمم، وهذا صحيح، فإذن يكون بدلًا، والبدل له حكم المبدل. وهل هو رافع للحدث أو مبيح لما تجب له الطهارة؟ فيه قولان لأهل العلم؛ منهم من يرى أنه رافع للحدث ومطهِّر، ومنهم من يرى أنه مبيح لما يجب الوضوء له وليس برافع للحدث ولا مطهر، والصواب: أنه مطهر ورافع للحدث؛ لقوله تعالى حين ذكر التيمم: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة: ٦]؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، والطهور بالفتح: ما يتطهر به. وأيضًا هذان دليلان من الكتاب ومن السنة، ومن النظر أيضًا؛ لأننا نقول: إنه بدل، والقاعدة الشرعية: أن للبدل حكم المبدل. لكن فائدة قولنا: بدل أنه لا يمكن العمل به مع وجود الأصل، وإلا فهو قائم مقامه، وعلى هذا فكما أن طهارة الماء ترفع الحدث فكذلك طهارة التيمم، ولكن هذه الطهارة إذا وجد الماء بطلت، ووجب عليه أن يغتسل إن كان التيمم عن غسل، وأن يتوضأ إن كان التيمم عن وضوء، ودليل ذلك الحديث الذي أشرتم إليه قبل قليل حديث عمران بن الحصين في قصة الرجل الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الماء وقال: «أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»؛ لأن هذا الرجل كان معتزلًا لم يصل مع القوم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم لماذا لم تصل مع الناس؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» ، فهذا الرجل كان يتيمم للجنابة، ولما جاء الماء قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «خُذْ هَذَا أَفْرِغْهُ عَلَى نَفْسِكَ»، ولو كان التيمم رافعًا للحدث رفعًا مستمرًا ما بطل بوجود الماء. ولحديث أبي هريرة: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» . هل يترتب على هذا الخلاف أثر؟ الجواب: نعم، يترتب عليه آثار، منها: إذا نوى التيمم عن عبادة لم يستبح ما فوقها، فإذا تيمم لصلاة نافلة لم يصلِّ الفريضة؛ لأن الفريضة أعلى من النافلة، ولو تيمم لمس المصحف لم يستبح النافلة؛ لأن الوضوء للنافلة أعلى؛ إذ إنه مجمع على اشتراطه بخلاف الوضوء لمس المصحف، وعلى هذا فقس، هذا مما يترتب عليه. وإذا قلنا: إنه رافع، فتيمم للنافلة جاز أن يصلى الفريضة؟ طلبة: نعم. الشيخ: جاز أن يصلي الفريضة، كما لو توضأ للنافلة جاز أن يصلي الفريضة. ثانيًا: إذا قلنا: إنه مبيح، فإنه إذا خرج الوقت بطل الوضوء؛ لأن المبيح يقتصر فيه على قدر الضرورة، فإذا توضأ لصلاة الظهر مثلًا وبقي لم يحدث فدخل وقت العصر، وجب عليه أن يعيد التيمم وإن كان لم يحدث. وعلى القول بأنه رافع لا يجب عليه إعادة التيمم. ثالثًا: إذا قلنا: إنه مبيح اشترط أن ينوي ما تيمم له، فلو نوى بتيممه رفع الحدث لم يرتفع، وإذا قلنا: إنه رافع وتيمم لرفع الحدث جاز، ولا حاجة أن ينوي ما تيمم له. يقول المؤلف: (وهو بدل طهارة الماء) ظاهر كلام المؤلف: أنه بدل عن طهارة الماء في كل ما يطهره الماء، سواء في الحدث، أو في نجاسة البدن، أو في نجاسة الثوب، أو في نجاسة البقعة، ولكن ليس هذا مرادًا، بل هو بدل عن طهارة الماء -على المذهب- في الحدث وفي نجاسة البدن فقط؛ أي: أنه يتيمم إذا عدم الماء للحدث الأصغر والأكبر، ويتيمم كذلك إذا كان عليه نجاسة على بدنه ولم يقدر على تغييرها فإنه يتيمم لها، فإن كانت النجاسة على الثوب أو على البقعة لم يتيمم لها، حتى على المذهب. والصحيح: أنه لا تيمم إلا في الطهارة عن الحدث فقط؛ لأن هذا هو الذي ورد به النص، وأما النجاسة على البدن؛ فإن أمكنه أن يغسلها غسلها، وإن لم يمكن صلى بحسب حاله لماذا؟ لأن طهارة التيمم لا تؤثر في إزالة النجاسة، والمطلوب من إزالة النجاسة تخلية البدن عنها، وإذا تيمم هل يتخلى؟ لا، بخلاف طهارة الحدث فإنها عبادة يتعبد بها الإنسان لله عز وجل، فإذا تعذر الماء تعبد لله تعالى بتعفير أفضل أعضائه، بماذا؟ بالتراب، فهذا ذل وخضوع وعبادة، فحصل به المقصود. الخلاصة أننا نقول: هو بدل طهارة الماء -على القول الراجح- في رفع الحدث فقط، لا في النجاسة على البدن أو الثوب أو البقعة، والمذهب: أنه بدل طهارة الماء عن الحدث وعن طهارة البدن، دون البقعة والثوب. ثم قال المؤلف: (إذا دخل وقت فريضة) ماذا تقولون في (إذا دخل)؟ نقول: هي أداة شرط، وفعل الشرط (دخل) وما عطف عليه، وجواب الشرط قوله في السطر الثالث: (شرع التيمم)، شوف (إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة) إلى أن قال: (شرع التيمم)، طيب نبدأ بالجمل. قال: (إذا دخل وقت فريضة) ودخول وقت الفريضة معروف، فدخول وقت الفجر إذا طلع الفجر، وقت الظهر إذا زالت الشمس، وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، وقت المغرب إذا غربت الشمس، ووقت العشاء إذا غاب الشفق، هذا شرط؛ يعني: يشترط للتيمم دخول الوقت، وهذا مبني على القول بأنه مبيح لا رافع. فأما إذا قلنا بأنه رافع لم يشترط، كما لو توضأ قبل دخول الوقت أجزأ، فإذا تيمم قبل دخول الوقت أجزأ، لكن المذهب يرون أنه مبيح، فيقتصر فيه على الضرورة، وذلك بأن يكون في وقت الصلاة. (أو أبيحت نافلة) يعني: صار فعلها مباحًا، وذلك بألَّا يكون في وقت نهي، فإن كان في وقت نهي فلا تيمم لصلاة نافلة لا تجوز في هذا الوقت. وقولنا: لا تجوز في هذا الوقت، احترازًا مما لو كانت النافلة تجوز في هذا الوقت -على القول الراجح- كمثل ذوات الأسباب، وهذا أيضًا مبني على أنه مبيح لا رافع. وعليه، فالصواب: أنه متى تيمم في أي وقت أجزأ. (وعَدِمَ الماء) هذا الشرط الثاني، الشرط الثاني: أن يعدم الماء بألَّا يجده، لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافرًا، ولا فيما قرب، ما هو موجود عنده، بعيد. يقول المؤلف: (أو زاد على ثمنه كثيرًا) معناه: أو وجد الماء لكن بثمن زائد كثيرًا، مثل: وجد ماء في جالون، كم يسع الجالون؟ طالب: أربع لترات. الشيخ: أربع لترات، وجد هذا الماء اللي في الجالون أربع لترات، وجده في مائتي ريال، وهو يساوي عادة؟ طالب: أربعة ريالات. الشيخ: أربعة ريالات، فوجده بمئة ريال، مئة ريال زائدة على أربعة كثيرًا ولَّا لا؟ زائدة كثيرًا، فحينئذ يعدل إلى التيمم؛ يعني مثلًا لنفرض أنه الآن في السفر وعند محطة بنزين، قال: فيه ماء صحة؛ ماء الصحة جرة تباع بريال. طلبة: بريالين. الشيخ: بريالين، المهم قال: فيه ماء صحة، لكن نبيعها بعشرة ريالات، كثير ولَّا لا؟ لأنه زاد على الثمن أربعة أخماس، هذا كثير، يجوز أن يتيمم حتى لو كان مع هذا الرجل من الدراهم آلاف الريالات؛ لأيش؟ لأنه زاد على ثمنه كثيرًا. ولكن إذا نظرنا إلى الواقع وجدنا أن هذا القول ضعيف، وأن الصواب: أنه إذا زاد على ثمنه كثيرًا وهو واجد للثمن قادر عليه فإنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأن قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [المائدة: ٦] يبين أنك إذا وجدت الماء ولو كان ثمنه كثيرًا، ما دمت قادرًا على الثمن يبين أنه لا يجوز التيمم؛ لأن الله اشترط في التيمم ألَّا يوجد الماء، وهنا الماء موجود، وليس عليه ضرر في شرائه، وأما كون ثمنه يزيد أو ينقص فهذا يرجع إلى العرض والطلب، أو ربما بعض الناس يتضرر بالآخرين إذا رأى أنهم في حاجة. إذا (زاد على ثمنه كثيرًا) ما هي العلة؟ يقولون: لأن هذه الزيادة الكثيرة تجعله في حكم المعدوم، ولكن يقال: هذا ليس بصحيح، بل هو موجود، وما دام موجودًا فالواجب استعماله. (أو ثمن يعجزه) هذا صحيح، وجد الماء بثمن لكن..
ويحثي على رأسه ثلاثا يرويه ،
٠٠:٠٠:٠٥
والغسل الكامل أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثا وما لوثه، ويتوضأ، ويحثي على رأسه ثلاثا يرويه، ويعم بدنه غسلا ثلاثا، ويدلكه، ويتيامن، ويغسل قدميه مكانا آخر.
ويعم بدنه غسلا ثلاثا ،
٠٠:٠١:٤٢
والغسل الكامل أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثا وما لوثه، ويتوضأ، ويحثي على رأسه ثلاثا يرويه، ويعم بدنه غسلا ثلاثا، ويدلكه، ويتيامن، ويغسل قدميه مكانا آخر.
ويدلكه ،
٠٠:٠٢:٤٢
والغسل الكامل أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثا وما لوثه، ويتوضأ، ويحثي على رأسه ثلاثا يرويه، ويعم بدنه غسلا ثلاثا، ويدلكه، ويتيامن، ويغسل قدميه مكانا آخر.
ويتيامن ،
٠٠:٠٣:١٩
والغسل الكامل أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثا وما لوثه، ويتوضأ، ويحثي على رأسه ثلاثا يرويه، ويعم بدنه غسلا ثلاثا، ويدلكه، ويتيامن، ويغسل قدميه مكانا آخر.
ويغسل قدميه مكانا آخر .
٠٠:٠٣:٥٢
والغسل الكامل أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثا وما لوثه، ويتوضأ، ويحثي على رأسه ثلاثا يرويه، ويعم بدنه غسلا ثلاثا، ويدلكه، ويتيامن، ويغسل قدميه مكانا آخر.
والمجزئ أن ينوي ، ويسمي ،
٠٠:٠٥:٣٠
والمجزئ أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة. ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع، فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ. ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء.
ويعم بدنه بالغسل مرة .
٠٠:٠٧:٤١
والمجزئ أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة. ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع، فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ. ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء.
ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع ،
٠٠:٢٠:١٥
والمجزئ أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة. ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع، فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ. ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء.
فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ .
٠٠:٢٣:٠٠
والمجزئ أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة. ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع، فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ. ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء.
ويسن لجنب غسل فرجه ، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء .
٠٠:٣٠:٤٢
والمجزئ أن ينوي، ويسمي، ويعم بدنه بالغسل مرة. ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع، فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ. ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء.
كتاب الطهارة : باب التيمم
٠٠:٤٣:٥٧
وهو بدل طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة ،
٠٠:٤٧:٣٣
وهو بدل طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة، وعدم الماء أو زاد على ثمنه كثيرا أو ثمن يعجزه،
وعدم الماء أو زاد على ثمنه كثيرا أو ثمن يعجزه ،
٠٠:٥٨:١٣
وهو بدل طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت نافلة، وعدم الماء أو زاد على ثمنه كثيرا أو ثمن يعجزه،