تجاوز إلى المحتوى

كتاب الصلاة - ٣

درس صوتي · ٩٣:٠٠

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

التفريغ النصي للشريط رقم (٣)

٠٠:٠٠:٠٠

أنت إذا حملتَ الحديث على هذا فقد حرَّفته من وجهين؛ أولًا: حملتَ دلالته على غير المراد؛ لأن الحديث معلَّق بالترك ما هو بالجحد، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: ثانيًا: أبطلت دلالته فيمن جحد وهو يصلي؛ لأن الحديث إنما حكم على من ترك، وعلى رأيك إذا جحد ولم يترك فهو كافر ولَّا مسلم؟ على رأيه؛ إذا جحد وهو يصلي؟ طالب: كافر. الشيخ: لا إله إلا الله! فهو مسلم يا جماعة، إي نعم، فهو مسلم بناء على أنه حمل الحديث؛ «مَنْ تَرَكَهَا» على أن المراد: من تركها جاحدًا، نقول: على زعمك الآن أن من جحدها ولم يترك فليس بكافر بمقتضى الحديث عندك، فأنت الآن أبطلت دلالة الحديث من هذين الوجهين. والحقيقة أن المشكلة كل المشكلة التي تقع لبعض العلماء الأفاضل من مثل هذه التحريفات الباردة هي أنه يعتقد قبل أن يستدلَّ، فيكون معتقدًا للقول بعدم الكفر، ثم يحاول أن يحرِّف النصوص على وجوه مستكرهة بناء على ما اعتقده، وهذه بلية، أسأل الله أن يعافيني وإياكم منها، بلية لكل طالب علم، إذا اعتقد تجده يحاول أن يحرِّف النصوص إلى اعتقاده ويلوي أعناقها، كما يقولون، ونحن نقول: يا أخي، من اللي يحكم بالكفر والإسلام؟ الله، كما أنه هو الذي يحكم بالحل والتحريم والإيجاب والاستحباب، إذنْ إذا كفَّر الله ورسوله أحدًا لا تبالِ، كفِّرْه وأنت في حل بلا شك، لكن أن تحرِّف النصوص وتحاول تحريفها، هذا هو البلاء.


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ماذا نقول في تأخير الصلاة عن وقتها؟ طالب: (...). الشيخ: المسألة هي أن الإنسان إذا ترك الصلاة بغير عذر حتى خرج وقتها، فهل يصح منه القضاء؟ فقلنا: فيها قولان للعلماء، وذكرنا دليل كل قول، بقي علينا أن نجيب عن قول من يقيسها على من تركها معذورًا. طالب: (...). الشيخ: نعم، يقول: من تركها معذورًا فقد رفع الله عنه الإثم والحرج، وقد ثبت بالشرع أنه مأمور بقضائها؛ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، وأما من تركها عمدًا فليس له عذر، وعليه الإثم، وتقع صلاته على وجه محرم، فلا يمكن أن يقاس الفعل المحرَّم على الفعل المباح المأذون فيه. متى يجوز تأخيرها عن وقتها عمدًا؟ طالب: إذا نوى الجمع (...). الشيخ: إذا نوى الجمع. من يجوز له الجمع؟ طالب: (...). الشيخ: وكذلك على قول بعض العلماء في شدة الخوف بحيث لا يستطيع أن يصلي الصلاة مطلقًا، طيب هذه اثنين. طالب: (...). الشيخ: المشتغل بشرطها الذي يحصله، شرط الذي يحصله وهو قريب، وهذا على المذهب، هذه ثلاثة أشياء. الدليل على جواز تأخيرها (...) وجهها الثاني؟ طالب: (...). الشيخ: في أيش؟ الطالب: (...). الشيخ: لا نزاع، ما هو بصحيح. طالب: (...). الشيخ: لا، غلط، ابن رجب في شرح البخاري يقول: هذا لا أصل له في السنة، وهو صحيح، ما له أصل، كل من قلنا بكفره سواء في ترك الصلاة ولَّا غيرها ما يشترط (...)، بقينا في مسألة الاستتابة ستأتي إن شاء الله. الشرط الثاني يقول المؤلف: (حتى يضيق وقت الثانية) هذا أيضًا ذكرنا فيه خلافًا؛ فمن العلماء من يقول: حتى يضيق وقت الثانية، هذا في الصلاة التي تجمع بما بعدها، أما ما لا يجمع لما بعده فحتى يضيق وقته؛ يعني: وقت الأولى اللي تركها، وهذا له وجه، لكن أوجه منه عندي أن يقال: لا يكفر إلا بترك الصلاة، والحديث: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» ، فيه أحاديث -لكن في صحتها نظر- أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا فقد برأت منه الذمة ، أو نحو هذه الألفاظ، لكنها ما يطمئن لها الإنسان كثيرًا، أما الذي في مسلم وفي مسند الإمام أحمد والسنن يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا» ؛ أي: الصلاة. طالب: (...). الشيخ: إذا عرفنا التارك، هذا الرجل على طول نكفِّره. طالب: (...). الشيخ: هذا كافر، إي نعم، يعتبر كافرًا، يقول المؤلف.. طالب: (...). الشيخ: بس ما فيه جمع، لو قال: من ترك الصلوات ممكن، «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ»، فإما أن نقول: (أل) هذه لبيان الحقيقة وتصدق بواحدة، وإما أن نقول: لبيان الجنس نقول: من ترك الصلاة؛ جنسَها، والرسول ما قال: من ترك صلاةً، إلا هذه الروايات اللي فيها نظر. طالب: (...). الشيخ: أيها؟ الطالب: (...). الشيخ: قول واحد والمؤلف يقول: إنه شرط، كيف قول واحد؟ طالب: غير صحيح. الشيخ: إي، نقول: تقدم أننا شرحنا ذلك وقلنا: الصحيح أنه لا يشترط، وأن الرجل لو مات تاركًا للصلاة ولم يدع فهو كافر. بقي أن يقال: هناك نصوص استدل بها من يرى أن تارك الصلاة لا يكفر، وحملوا الأحاديث أو النصوص الواردة في الترك على ترك الجحود، وذكرنا أن حملها على ترك الجحود خطأ من وجهين: الأول: تعليق الحكم بوصف لم يعتبره الشارع وهو الجحد. ثانيًا: إلغاء وصف اعتبره الشارع وهو الترك. ففيه جنايتان على النص؛ حمله على ما لم يعتبره الشارع، وإلغاء ما اعتبره الشارع، وهاتان جنايتان على النص، ولا يجوز أن نجني على النصوص ونحرِّفها هذا التحريف. ثانيًا: أن نقول: إن هذا باطل؛ لأنه ينتقض عليه بمن جحد وهو يصلي، إن قالوا: إنه كافر، فقد أعلنوا بمخالفة الحديث؛ لأن الحديث يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا»، وهذا ما تركها وهو جاحد، وإن جحدها وتركها قلنا: لا مانع أن يكون هناك سببان للكفر؛ كما لو ذبح الإنسان لصنم، وسجد لصنم آخر، وكذَّب خبرًا من جهة ثالثة، يجتمع عليه كم سبب؟ الطلبة: ثلاثة أسباب. الشيخ: ثلاثة أسباب. ولا مانع من أن يتعدد الكفر، أما أن نلغي وصفًا اعتبره الشرع ونأتي بوصف لم يعتبره، ثم هو وصف متناقض، فهذا لا يجوز التصرف في النصوص على هذا الوجه. بقي أن يقال: هناك نصوص تدل على عدم الكفر تعارض هذه الأحاديث الدالة على الكفر؟ نقول: أولًا: يجب أن نعرف ويش معنى المعارضة قبل أن نقول بالمعارضة، أما أن نقول بالمعارضة قبل أن ندري ما المعارضة فهذا ليس بصحيح؛ ولهذا نقول: (حقِّقْ قبل أن تنمق) حقق المعارضة، وين المعارضة؟ هل جاء حديث أو آية تقول: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو تقول: من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو تقول: من ترك الصلاة فهو في الجنة؟ لو جاءت نصوص على هذا الوجه قلنا: هذه معارضة، ولَّا لا؟ هذه معارضة؛ لأن هذا يقول: من تركها فقد كفر، المعارض: من تركها لم يكفر، هذا المعارض، إذا جاء نص بهذا الوجه: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو من ترك الصلاة دخل الجنة، فهذا صحيح معارضة، ويجب علينا أن نحاول الجمع إذا أمكن، أو نطلب الترجيح إذا لو ممكن، أو نذهب إلى النسخ، لكن ما فيه معارضة، النصوص التي عارضوا بها تنقسم إلى أربعة أقسام: قسم ما فيه دليل أصلًا على المسألة، ولا فيه شم رائحة المعارضة؛ مثل قولهم: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، قالوا: لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن جملته: من ترك الصلاة فيغفر الله إذا شاء. نقول: سبحان الله! ما معنى مَا دُونَ ذَلِكَ؟ هل معنى مَا دُونَ ذَلِكَ: ما سوى ذلك؟ إن قالوا: نعم، قلنا: طيب، ما تقولون: فيمن كذَّب خبر الله ورسوله أيغفر له؟ إن قالوا: نعم، خالفوا الكتاب والسنة والإجماع، وإن قالوا: لا، قلنا: هو سوى ذلك، فهو يدخل في المغفرة، إذن لا يصح أن يكون مَا دُونَ ذَلِكَبمعنى: ما سوى ذلك، مَا دُونَ ذَلِكَيعني: ما هو أقل من الشرك، فما دون الشرك يغفره الله؛ يعني: دعه في المشيئة، وما ساوى الشرك ولو كان غير الشرك فإنه ليس داخلًا تحت المشيئة، بل هو غير مغفور، كتكذيب الخبر وكترك الصلاة. قالو: هناك دليل حديث معاذ بن جبل: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» ، هل تقولون: إن فاعل الكبيرة لا يعذب جزمًا؟ إن قالوا: نعم، فقد خالفوا الآية؛ لأن الله قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، إن قالوا: لا يعذب، خالفوا الآية، وإن قالوا: يعذب، خالفوا الحديث: «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». ونحن نقول: الحديث ليس على ظاهره، وأنتم لا تقولون بظاهره أيضًا؛ لأن «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» في عمله المعين، إذا انتفى الشرك في هذا الأمر المعين انتفى التعذيب عليه؛ لأنه خالف، أما ألَّا يعذب من لا يشرك ولو فعل ما فعل من الكبائر، فهذا غير صحيح. ثم نقول أيضًا: لو كفر بغير الشرك هل يعذب ولَّا ما يعذب؟ يعذب، إذنْ فالحديث ليس على ظاهره، فإذا لم يكن على ظاهره وعلمنا أنه مخصوص بدلالة الكتاب والسنة، بل وبالإجماع، فإنه لا يمكن أن نحتجَّ به على العموم، ونقول: إنه لا يخرج منه شيء. ثم إننا نعلم علم اليقين أن من كان مخلصًا لله إخلاصًا يقينًا فإنه لن يفعل ما يخرجه من الإسلام؛ لأن المخلص الذي يبتغي وجه الله هل يطلب ما يوصله إلى وجه الله ولَّا لا؟ المخلص في طلب الشيء يسعى بكل وسيلة إلى حصوله، نجد المخلصين في طلب الدنيا ويش يعملون؟ يسعون بكل وسيلة إلى حصولها؛ بالتأجير، بالبيع، بالاستهام، بالارتهان، بكل شيء، وهكذا من صدق في طلب الله فلا بد أن يفعل كل ما يمكن أن يوصله إلى الله. أما أن يقول: أنا واللهِ أبتغي وجه الله، ولا أريد إلا وجه الله، لكن أشهدكم أني لن أصلي، (...) وين اللي يبتغي وجه الله! ويترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، مع أنه يقول: أنا أشهدكم أني لن أصلي، وأشهدكم أني أعلم أن الله فرضها، سبحان الله، تشهد أن الله فرضها، وتشهدنا على أنك ما تصلي، وتقول: إنك تبتغي وجه الله! هذا يكذبه الواقع؛ ولذلك: حديث معاذ وحديث عتبان بن مالك: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ» ، كلها تدل على أن مثل هؤلاء لا يمكن أن يدعوا الصلاة. ثم نقول بهدوء: حديث جابر في صحيح مسلم : «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام ترك الصلاة شركًا وكفرًا، وهو شرك بالمعنى الأعم، صحيح أنه ما هو بيسجد لصنم، لكن شرك باعتبار أن هذا التارك اتخذ إلهه هواه على وجه يخرج به من الإسلام. ثم نأتي أيضًا فيه أحاديث عامة في إخراج من قال: لا إله إلا الله من النار، ولم يعملوا خيرًا قط . نقول: صحيح ولم يعملوا خيرًا قط، لا شك أنه يدخل فيه من لم يصلِّ؛ لأن من صلى فقد عمل خيرًا قط، ومن لم يصلِّ لم يعمل خيرًا قط، لكن نقول: هذا عام؛ لأن (لم يعملوا خيرًا) (خيرًا) نكرة في سياق النفي، فهي عامة؛ يعني: لم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يصوموا، هذا عام، لكن يخرج منه بالتخصيص أيش؟ الصلاة؛ لأنه قد دلَّ الكتاب والسنة على أن من لم يعملها لا يخرج من النار؛ لأنه كافر، وليس هذا أول عموم يخصص، هذا من جملة العمومات الكثيرة التي تخصص. الجنس الرابع مما استدلوا به: حديث قوم تركوا الصلاة لعذر؛ لعدم علمهم بها، وهو حديث حذيفة الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أن الإسلام يندرس كما يندرس وشي الثوب، ويذوب وينسى الصلاة، والزكاة، والصيام وغيره، حتى لا يبقى إلا شيوخ وعجائز يقولون: أدركنا آباءنا وأمهاتنا على قول: لا إله إلا الله فقال له الراوي عنه: صلة تنجيهم من النار؟ فسكت، ثم أعادها فسكت، ثم أعادها فقال: تنجيهم من النار ، وهذا قول حذيفة، ونحن نوافق حذيفة في هذا نقول: تنجيهم من النار؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا عن شرائع الإسلام، فهم كرجل أسلم في بلاد كفر قال: لا إله إلا الله، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن ما علم عن شرائع الإسلام شيئًا ثم مات، تنجيه هذه الكلمة ولَّا لا؟ تنجيه. أو رجل قال: لا إله إلا الله، ثم مات من فوره تنجيه ولَّا لا؟ تنجيه، ونحن نقول بذلك. وإني أقول من هذا المكان: إن التكفير والتأمين؛ يعني: الحكم لإنسان بأنه مؤمن أو على إنسان بأنه كافر، يرجع إلى من؟ إلى الله ورسوله، ما هو إلينا، كما أن هذا حلال وهذا حرام يرجع إلى الله ورسوله، إذا حرم الله علينا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حلال، أو إذا أحلوا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حرام، لأيش إذا كفر شيئًا نحاول نقول إنه: غير كافر؟ من أعلم بعباد الله؟ الله عز وجل، فهو الذي يحكم عليهم بالإيمان أو بالكفر، وإحنا علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وكفَّرنا من تكفِّر يا ربنا، وأدخلنا في الإيمان من لم تخرجه منه، هذه وظيفتنا. أما أن نقول: والله خلِّ الناس يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكن شنو؟ عطلوا المساجد، لا تصلون لا في المساجد ولا في البيوت، لا أنتم ولا ذراريكم، تراكم أمة مسلمة، (...) الإنسان لو تصور هذا القول تصورًا كاملًا لعلم أنه فساد في الواقع؛ لأنك لو تقول الآن للناس على ما فيهم من ضعف الإيمان: ترك الصلاة ليس بكفر، تركوها، وقال: والله ما دام أنا مسلمون ونحن ما نصلي، الحمد لله، هذا اللي نبغي، نقعد إلى الساعة اثنين بالليل، ونكيف ننام إلى الساعة عشرة، ونقوم نقول: يا الله، عسى ما يخصم علينا من راتبنا إن تأخرنا عن الحضور، لكن عقب اليوم نقوم الساعة الثامنة نروح على طول، نصلي الفجر؟ لا، ما نصلي الفجر، أنا أشهد أنه فرض، وأشهدكم أني لن أصلي، الظهر ما فيه صلاة، العصر ما فيه صلاة، مغرب ما فيه صلاة، عشاء ما فيه صلاة، لأيش أصلي؟ طيب واللي ما يصلي يغتسل من الجنابة ولَّا لا؟ ما يغتسل من الجنابة، ليش يغتسل؟ ويتوضأ إذا أحدث، يستنجي إذا بال، ويش نصير؟ بهائم، ما فيه إلا أكل وجماع وبس. الحقيقة -يا إخواني- المسألة خصوصًا في وقتنا هذا أنا معتقد -والحمد لله- ومؤمن بأن تارك الصلاة كافر، لكن أرى أيضًا أنه يترتب على القول والتوسيع للناس بأنها ليست بكفر مفاسد عظيمة، خصوصًا في وقتنا هذا، وضعف الإيمان وقلة الداعي، وهي الناس أصلًا يمشون الآن، وإحنا نقول لهم: يا جماعة، تراكم تكفرون، وقلنا له: تكفر، وترى زوجتك تنفسخ منك، صار الأمر عليه كبيرًا، ولو نقول له: تكفر، فإن صليت وإلا قتلناك، صار الأمر أعظم، قال: وين درب المسجد؟ بمشي بصلي. فالحاصل أن القول الراجح بلا شك أنه يكفر، والحمد لله أن الله عز وجل نصب أدلة قائمة على الكفر بدون معارض مقاوم، الدليل قائم، وهو سالم عن المعارض المقاوم، ما بقي علينا إلا أن نقول بما قال الله ورسوله. نقول: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب ثلاثًا فيهما) لا يقتل من؟ التارك والجاحد؛ لأنه قال: (ومن جحد وجوبها كفر، وكذا تاركها) الجاحد والتارك لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا فيهما؛ أي: في الجحود والترك. (يُسْتَتَاب) فعل مضارع مبني للمجهول، فمن اللي يستتيبه؟ من له الأمر؛ الإمام أو نائبه، يستتيبه ثلاثًا، يقول: تب إلى الله وصلِّ، قال: ما أنا مصلٍّ، جئنا أول يوم قال: ما أنا مصلٍّ، في اليوم الثاني جئناه: صلِّ، قال: خلوني أفكر، في اليوم الثالث جئناه، قال: إلى الآن ما انتهى تفكيري، أجلوني إلى قبل الغروب بخمس دقائق، أجلناه قبل الغروب بخمس دقائق، صلى، ثلاثة أيام وصلى قبل مغيب الشمس، يقتل ولَّا لا؟ يقتل. لكن لاحظ أنه لو مات في هذه المدة فهو كافر، لو مات؛ الله أماته هو يحكم بكفره، لكن ما يقتل، ما قال: ولا يحكم بكفره، قال: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب)، لو مات فهو كافر، نقول: لا نقتله حتى نستتيبه ثلاثة أيام. وهذه المسألة مرت علينا أظن في باب المرتد، وذكرنا أن فيها خلافًا بين أهل العلم، وأن فيها عن الإمام أحمد روايتين، ليست خاصة في تارك الصلاة أو جاحد وجوبها، بل في كل مرتد، هل يستتاب المرتد أو لا يستتاب؟ ذكرنا أن المذهب يقولون: إن المرتدين قسمان: قسم لا تقبل توبتهم، فهؤلاء لا يستتابون، لماذا؟ لأنه لا فائدة، حتى لو تابوا ما قبلنا، مثل من؟ مثل من سبَّ الله أو رسوله، أو تكررت ردته، هذا ما يقبل، يُقتَل حتى لو تاب، لو قال: أشهد أن الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الحي القيوم، ووصف الله بصفاته وقال: أنا تائب من وصف الله تعالى بالنقص والعيب، نقول: نقتله، ما نقبل توبته، ترى هذا المذهب، والصحيح أنه يُقبَل كما تقدم. قسم آخر تقبل توبته، فعلى المذهب لا بد من أيش؟ لا بد من استتابتهم، والرواية الثانية: لا يستتاب، يقتل؛ لأن النصوص الواردة مطلقة، عامة؛ كَفَر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، ولم يقل: فاستتيبوه، فإن تاب وإلا فاقتلوه، قال: «فَاقْتُلُوهُ»، إذن كل من فعل ما يقتضي الردة يقتل على طول بمقتضى الحديث. القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يستتاب ثلاثة أيام، وهو المذهب، واستدلوا بأثر عن عمر رضي الله عنه أنه ذُكِر له رجلٌ ارتد فقُتِل، فقال لهم: لماذا لم تتركوه؟ لعله يرجع، لعله يفيق، لعله كذا، لعله كذا، اللهم إنِّي أبرأ إليك مما صنعوا . ولكن فيه قول ثالث وسط قالوا: إن هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم، وهذا لا ينافي ما قاله عمر، ولا يخالف ظاهر الأدلة، إذا رأى الحاكم أن من المصلحة أن يستتيب هذا الرجل؛ إما لكونه شاكًّا في حال الرجل هل هو معتوه ولَّا عاقل؟ ولَّا ما أشبه ذلك، أو أن المسألة ما ظهرت ولا بانت، فهنا يترجح أيش؟ الاستتابة، لا شك أنها تترجح الاستتابة، أما إذا كان هذا الرجل معلنًا وأمره ظاهر وواضح فهذا لا يستتاب؛ لأن في المبادرة إلى قتله ردعًا لغيره، مع كونه تمسكًا بظاهر الأدلة، وهذا القول هو القول الصحيح، وهو لا ينافي القولين، بل هو بعض قول من يرى الاستتابة، وبعض قول من لا يرى الاستتابة. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -وغيره الظاهر، لكن ما اطلعت على قول غيره- يسلك هذا المسلك أحيانًا؛ بمعنى أنه يتوسط بين القولين، ثم يقول: هذا بعض قول من يقول بكذا وكذا، كقوله في الوتر: إنه واجب على من له وِرْدٌ، وقوله في غسل الجمعة: إنه واجب على من له رائحة، وما أشبه ذلك.


باب الأذان والإقامة

هذا الباب مُعَنْوَن لمسألتين، لكنهما مسألتان متلازمتان؛ إحداهما: الأذان، والثانية: الإقامة. فما هو الأذان؟ وما هو الإقامة؟ الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]، وقوله: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٣]، هذا في اللغة: الإعلام. وفي الشرع: إعلام خاص، وهذا هو الغالب في التعريفات الشرعية أن تكون أخص من المعاني اللغوية، هذا الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس. فالإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع أعم من التصديق، أليس كذلك؟ الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: تصديق وأعمال؛ أعمال اللسان، وأعمال الجوارح، لكن الغالب أن المعاني الشرعية أخص من المعاني اللغوية؛ ولهذا تجد التعريفات الشرعية يكون فيها قيود وشروط زائدة على التعريفات اللغوية. فالأذان في اللغة: الإعلام، وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإعلام للصلاة بذكر مخصوص. وهذا أولى من قولنا: الإعلام بدخول الوقت؛ لأن الأذان يتبع الصلاة؛ ولهذا إذا شرع الإبراد في صلاة الظهر شرع تأخير الأذان، كما ثبت هذا في صحيح البخاري ، وعلى هذا فنقول: التعبد لله تعالى بالإعلام للصلاة بذكر مخصوص، هذا هو تعريف الأذان. فقولنا: (التعبد لله) أفادنا أنه عبادة، وهو كذلك، فالأذان عبادة واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، ولأن الله تعالى أشار إليه في القرآن في قوله: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا [المائدة: ٥٨] وهذا عام، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩]، فهو إذن عبادة. أما الإقامة فهي مصدر (أَقَامَ)، أقام الشيء؛ إذا جعله مستقيمًا. وأما في الشرع فهو: التعبد لله تعالى بالقيام للصلاة، ما هو بالصلاة، بالقيام للصلاة بذكر مخصوص. فالفرق بينها وبين الأذان: أن الأذان يكون إعلامًا للصلاة بالتهيؤ لها والاستعداد لها، والإقامة: إعلام بالصلاة للدخول فيها والإحرام بها، هذا هو الفرق بينهما. ويأتي أيضًا الفرق بينهما -إن شاء الله- فيما بعد في صفة الأذان يختلف عن صفة الإقامة. قولنا: إن الأذان والإقامة عبادة، إذن فيهما ثواب؛ لأن كل عبادة تشتمل على شرطيها وهما: الإخلاص والمتابعة، يكون فيها الثواب، وعندنا في الصلاة أذان وإقامة، وإمامة. واختلف العلماء أيهما أفضل؟ والصحيح أن الأفضل الأذان؛ الأذان أفضل من الإمامة ؛ لورود الأحاديث الدالة على فضله .ولكن إذا قال قائل: الإمامة ربطت بأوصاف شرعية؛ مثل: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» ، ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بالأفضل دليل على أفضليتها؟ فنجيب على ذلك بأن نقول: نحن لا نقول: إنه لا أفضلية في الإمامة، بل الإمامة ولاية شرعية ذات فضل، ولكننا نقول: إن الأذان أفضل من الإمامة؛ لما فيه من إعلان ذكر الله عز وجل، وتنبيه الناس على سبيل العموم، والإمام إنما يكون إمامًا لمن؟ لمن خلفه فقط، لكن المؤذن إمام لكل من سمعه، كل من سمعه يقتدي به، ويقوم يصلي مثلًا، ولأن الأذان أشق من الإمامة؛ لأن المؤذن دائمًا يكون مشغولًا بتحري الوقت والاستعداد له، لا سيما في الزمن السابق؛ حيث لا ساعات هناك. فإن قال قائل: إذا كان الأذان أفضل -كما زعمتم- فلماذا لم يؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، فقد كانوا أئمة ولم يكونوا مؤذنين؟ فالجواب: أنهم اشتغلوا بالأهم عن المهم؛ لأن الإمام يتعلق به جميع الناس، ويحتاج إلى التفرغ لهم، فلو فرَّغ نفسه لملاحظة الوقت لانشغل بذلك عن مهمات المسلمين، فكان ترك النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين الأذان لا لزهد فيه أو قلة فيه، لكن من أجل انشغالهم بما هو أهم. أما حكم الأذان والإقامة فقال المؤلف: (هما فرض كفاية)، وفي نسخة: (فرضا) بالألف، فعلى النسخة التي بيدي أفرد الخبر مع تثنية المبتدأ؛ لأن الخبر مصدر، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، قال ابن مالك في الألفية:

وَنَعَتُـــــــوا بِمَــــصْــــــدَرٍ كَــــــــثِيرَا

فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا

تقول: هما رجلان عدل، ولا تقل: عدلان، والخبر كالصفة، فيفرد الخبر وإن كان المبتدأ مثنى أو مجموعًا، إذا كان الخبر أيش؟ مصدرًا، وأما على التثنية ففيه لغة، لكنها مرجوحة. (هما فرضا كفاية) قوله: (فرض)، الفرض في اللغة: القطع، وفي الشرع: ما أُمِرَ به على سبيل الإلزام، هذا الفرض. وهل هو أوكد من الواجب أو هما بمعنى واحد؟ الصحيح أنهما بمعنى واحد، لكن ينبغي مراعاة ألفاظ الشرع؛ فما جاء بلفظ الفرض فليعبَّر عنه بالفرض، وما لم يأت بلفظ الفرض فليعبر عنه بما عبَّر به الشارع؛ لأن هذا أولى وأحرى بالمتابعة، حتى في اللفظ، فنقول: هما فرض كفاية. الفرض في اللغة: الحزُّ والقطع، وفي الشرع: ما أمر به على وجه الإلزام. والدليل على فرضيتهما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما في عدة أحاديث، وملازمته لهما في الحضر والسفر، ولأنه لا يتم العلم بالوقت إلا بهما غالبًا، خصوصًا في الزمن السابق، فكان القياس أن يكونا واجبين. يقول: (فرض كفاية) وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين. ودليل كونهما فرضا كفاية قول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» ، وهذا يدل على أنه يكتفى بأذان واحد، ولا يجب الأذان على كل واحد، فهو فرض كفاية. قال أهل العلم في ضابط ذلك: ما طلب إيجاده من كل شخص بعينه فهو فرض عين، وهذا يُنظَر فيه إلى العامل، وما طلب إيجاده بقطع النظر عن فاعله، فهو فرض كفاية، وهذا يُنظَر فيه إلى العمل، فما لوحظ فيه وجود العمل فهو كفائي، وما لوحظ فيه وجوده من كل شخص بعينه فهو أمر عين، سواء كان فرضًا أو سنة. أيهما أفضل؟ الصحيح بلا شك أن الأفضل فرض العين؛ لأن إيجاب الله له على كل واحد بعينه دليل على أهميته، وأنه لا يتم التعبد إلا به، بخلاف فرض الكفاية. إذا قال قائل ما هو الدليل على فرضيتهما؟ قلنا: الدليل على ذلك النصوص الكثيرة الدالة على الأمر بهما. ثانيًا: مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما حضرًا وسفرًا. ثالثًا: تعين المصلحة بهما؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، أرأيت لو أتيت إلى بلد ليس فيها أذان ولا إقامة لم تجد فرقًا بينه وبين بلاد الكفر، فصارا فرضا كفاية. قال المؤلف: (على الرجال) (الرجال) جمع (رجل)، وتطلق على البالغين، فخرج بذلك الصغار، وخرج بذلك الإناث، وخرج بذلك الخناث؛ لأنهم ليسوا رجالًا، فلا تجب على الصغار. فلو فرضنا أن صغارًا خرجوا في نزهة، وجاء وقت الصلاة، فإنه لا يلزمهم الأذان والإقامة؛ لأنهم ليسوا رجالًا، بل هم صغار، ثم هم أيضًا ليسوا من أهل التكليف لعدم الوجوب عليهم. النساء هل يجب عليهن الأذان والإقامة؟ كلام المؤلف يدل على أنه لا يجب عليهن أذان ولا إقامة؛ لأنه قال: (على الرجال)، سواء كان هؤلاء النساء منفردات عن الرجال أو كان حولهن الرجال. ولكن ما حكم الأذان والإقامة في حقهن إذ لم نقل بالوجوب؟ في هذا روايات عن الإمام أحمد رحمه الله؛ رواية: أنهما يكرهان، ورواية: أنهما يباحان، ورواية: أنهما يستحبان، ورواية: أن الإقامة مستحبة دون الأذان، فالروايات عن الإمام أحمد أربع؛ الكراهة، والإباحة، والاستحباب، والتفصيل؛ يستحب في الإقامة، ولا يستحب في الأذان. وكل هذا مشروط بما إذا لم يرفعن الصوت على وجه يسمعن، فإن رفعن الصوت على وجه يسمعن فهذا؛ إما أن نقول بعدم الجواز، أو نقول بالكراهة. المذهب أن الأذان والإقامة لهن مكروهة، فيكره للنساء الأذان والإقامة، ولو منفردات عن الرجال، ولو لم يسمعهن رجال؛ لأنهن لسن من أهل الإعلان، فإذا لم يكنَّ من أهل الإعلان لم يشرع لهن ذلك؛ لأنه ليس من حقهن، ولو قال قائل بالقول الأخير -وهو سنية الإقامة دون الأذان؛ لأجل اجتماعهن على الصلاة- لكان له وجه. (المقيمين) ضد المسافرين، فالمسافرون لا أذان عليهم ولا إقامة، لكن يُسَن لهم الأذان والإقامة، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو المذهب، ولكن لا دليل له، بل الدليل على خلافه، وهو أن الأذان والإقامة واجبان على المقيمين والمسافرين، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث وصحبه: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» ، وهم وافدون على الرسول عليه الصلاة والسلام، مسافرون إلى من؟ إلى أهليهم، وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذن لهم أحدهم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع الأذان والإقامة حضرًا ولا سفرًا، فكان يؤذن في أسفاره، ويأمر بلالًا أن يؤذن في حجه وعمرته وجهاده، فالصواب إذن وجوبه؛ أي: وجوب الأذان والإقامة على المسافرين كالمقيمين. قال: (للصلوات الخمس) ومنها الجمعة؛ لأن الجمعة بدلًا عن الظهر، الصلوات الخمس هي: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. دليل وجوبه للصلوات الخمس قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ» وهذا عام في كل الصلوات الخمس، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مؤذنه يواظب على الأذان للصلوات الخمس فكان واجبًا (...). صلاة العيد لا أذان، في الاستسقاء لا أذان، في ركعتي الضحى لا أذان، المهم للصلوات الخمس فقط. المنذورة؛ لو نذر الإنسان أن يصلي لله ركعتين هل يؤذن؟ لا يؤذن؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس المكتوبة. (المؤداة) خرج بذلك المقضية، وهي التي تصلى بعد الوقت، فلا يجب الأذان لها، لكن يُسَن الأذان لها، ولا يجب، انتبه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وتعليله أن الأذان لا يعرف في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلا في الصلوات الخمس المؤداة، ولكن الصواب أن الأذان والإقامة يجبان في الصلوات الخمس؛ المؤداة والمقضية، ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لمَّا نام عن صلاة الفجر في سفره لم يستيقظ إلا بعد طُلوع الشَّمس، وأمر بلالًا أن يُؤذِّنَ وأن يُقيمَ ، وهذا يدل على الوجوب في الصلوات المقضيات كالمؤداة.

ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»، فإنه يشمل حضورها بعد الوقت وحضورها في الوقت وحضورها بعد الوقت، يتصور فيما إذا نام عنها أو نسيها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» . ولكن إذا كان الإنسان في بلد قد أذن فيه للصلاة؛ كما لو نام جماعة في غرفة في البلد ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، هل يجب عليهم الأذان؟ الجواب: لا، اكتفاءً بالأذان العام في البلد؛ لأن الأذان العام في البلد حصلت به الكفاية، وسقطت به الفريضة، لكن لو ناموا في البر، ثم استيقظوا، وجب عليهم -على القول الصحيح- أن يؤذنوا.

وقول المؤلف: (للصلوات الخمس) هذا ما لم تجمع الصلاة إلى ما تجمع إليه، فإنه يكفي في ذلك أذان واحد، فلو جمع بين الظهر والعصر كفاهما أذان واحد، ولو جمع بين المغرب والعشاء كفاهما أذان واحد، لكن لا بد من الإقامتين؛ من الإقامة لكل صلاة، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من حديث جابر حين جمع صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة . الحاصل أننا فهمنا من هذه العبارات التي يراها المؤلف: أولًا: حكم الأذان والإقامة، وأنهما فرض كفاية. ثانيًا: أنه لا بد من شروط: الأول: أن يكونوا رجالًا. ثانيًا: أن يكونوا مقيمين. ثالثًا: في الصلوات الخمس. رابعًا: المؤداة دون المقضية. أيضًا كلمة (الرجال) يقتضي ألَّا يجب الأذان والإقامة على الواحد، وهو كذلك، فإن الأذان والإقامة لا يجب على الواحد، لكنه سنة في حقه؛ لأنه ورد فيمن يرعى غنمه ويُؤذِّن للصَّلاة، ورد فيه أنَّ الله تعالى يَغفر له ويُثيبه على ذلك ، وهذا يدل على استحباب الأذان للمنفرد وليس بواجب، فتكون الشروط الآن خمسة: الرجال، المقيمين، للصلوات الخمس، المؤداة، ألَّا يكون واحدًا. الواحد لا تجب عليه، وقد نقول: هذا مفهوم من كلمة (الرجال)، إذا أردنا بها حقيقة الجمع ولم نرد الجنس، وحينئذٍ تكون الشروط أربعة. طالب: (...)؟ الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أن الذي يقيم هو المؤذن. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ الطالب: (...). الشيخ: صلوا السنة. الطالب: (...). الشيخ: إي نعم، حتى الإقامة نقول: تجب عليهم؛ لأنهم ما سمعوا الإقامة، الإقامة في الصلاة فقط فتلزمهم الإقامة.

طالب: (...). الشيخ: إي نعم. طالب: (...). الشيخ: هو الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا ما كان المراد به الإعلام، مثل الأذان الإقامة إعلام خاص في الصلاة. طالب: بالنسبة للأذان يا شيخ (...)؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: (...). الشيخ: إي نعم. الطالب: (...). الشيخ: إي، لكن الصلاة غير الجماعة، الإمامة فرض كفاية، ما هي فرض عين. طالب: (...). الشيخ: نعم. الطالب: (...). الشيخ: ما بينهم فرق. الطالب: (...). الشيخ: إن كان المسافر يقصر الأذان، إحنا ننظر فيه إن كان ما يقصر الأذان، (...). طالب: (...). الشيخ: إي نعم. طالب: (...). الشيخ: لا، أفضل؛ لأن هذا من سننها أو من واجباتها؛ يعني: مما يسن لها أو مما يجب لها. طالب: (...). الشيخ: ما هي أذان لا ما (...). طالب: (...). الشيخ: الأذان لأجل حضور الناس. طالب: (...)؟ الشيخ: يأثم. طالب: (...). الشيخ: لا، لكن الصلاة صحيحة؛ ولهذا الحقيقة أنه يحتاج أن نبين لكم معنى قول المؤلف: (للصلوات) فرض كفاية للصلوات، ولم يقل: في الصلوات، فهما فرض للصلاة، وليسا فرضًا فيها، وفرق بين الواجب للشيء والواجب في الشيء؛ الواجب في الشيء من حقيقة الشيء وماهيته، كالتشهد الأول مثلًا، وكالجماعة بما تجب فيه الجماعة، على قول من يرى أنها شرط، وأما على قول من يرى أنها ليست بشرط فيقول: إنها واجب للصلاة، لا فيها. على كل حال، المؤلف يقول: واجب للصلاة، فهي خارجة من الصلاة، فهي واجبة لها، ليست واجبة فيها. طالب: (...)؟ الشيخ: سيأتينا إن شاء الله. طالب: (...)؟ الشيخ: هو ما هو فرض كفاية. طالب: (...). الشيخ: بس، إذا أذن في وسط البلد وسمعه جميع أهل البلد يكفي. طالب: (...). الشيخ: يقول: نمت. الطالب: (...). الشيخ: خلاصة السؤال: لو قام المؤذن متأخرًا في بلد يسمع فيها الأذان من كل ناحية، هل يؤذن أو لا يؤذن؟ نقول: إن كان الزمن قريبًا بحيث لا يشوش فليؤذن، من أجل ربما أن اللي في الحي أنهم ينتظرون أذان مؤذنهم، أما إذا كان متأخرًا كثيرًا فإن أذانه يشوش فلا يؤذن. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، حتى في اللغة العربية أن الرجل من بلغ، أما ذاك يقال: يا غلام، يافع، طفل، صبي. طالب: (...)؟ الشيخ: إن كان هذا المسجد له مؤذن راتب وأذن فيه كفى، وإن كان ليس له مؤذن راتب فليس له جماعة راتبة، فكل من حضر يؤذن. طالب: (...)؟ الشيخ: أقول: لو قلت بسنيتها لكان له وجه؛ يعني: يستحب لهن ولا يجب. طالب: (...)؟ الشيخ: كيف لغيره؟ الطالب: (...). الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: (...). الشيخ: هو (...) ويش يقولون؟ الطالب: (...). الشيخ: يقول: الله أكبر؟ الطالب: حي على خير العمل. الشيخ: إي، حيَّ على خير العمل، الصحيح أنها ما هي مشروعة، وإن كان بعض العلماء قال: إنها مشروعة، لكن الصحيح أنها ليست بمشروعة، أما أشهد أن عليًّا ولي الله، فهذا بدعة، ما ذكر، حتى في كتب الشيعة ما هو مكتوب، ما نقبل بمثله. طالب: (...). الشيخ: على كل حال المذاهب في هذا مختلفة، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- في بيان صفة الأذان حتى العلماء من أهل السنة مختلفون فيه. طالب: (...). الشيخ: أيش؟ الطالب: (...)؟ الشيخ: أنه واجب على الرجال، هو سيأتينا إن شاء الله. و(من عدل) في الشروط. طالب: (...). الشيخ: الجهاد يجب الأذان فيه، إذا أذن يكون هذا أهيب للمسلمين، لا يقول: الجهاد. (للصلوات) ماذا يفيده هذا التعبير؟ طالب: (...). الشيخ: لا، يجب عليهم الأذان والإقامة، وإن صلوا بلا أذان ولا إقامة فصلاتهم صحيحة؛ لأن هذا واجب أيش؟ للصلاة، وليس واجبًا فيها، بخلاف ما لو ترك التشهد الأول عمدًا بطلت الصلاة؛ لأنه واجب، لكن واجب لها ولَّا فيها؟ طالب: واجب فيها. الشيخ: واجب فيها، صح، طيب، إذن نقول: لو صلى من يجب عليه الأذان والإقامة بلا أذان ولا إقامة فالصلاة صحيحة؛ لأن هذا واجب لها، وليس واجبًا فيها، ولو ترك التشهد الأول عمدًا فالصلاة باطلة؛ لأن التشهد الأول واجب فيها، ومن ذلك صلاة الجماعة -على المشهور- أنها واجب للصلاة، لا في الصلاة؛ ولهذا لو صلى بدون جماعة فصلاته صحيحة مع الإثم. طالب: (...)؟ الشيخ: في البلد معلوم، يشوش على الناس، (...) إي نعم، لو أن الناس اتفقوا على الإبراد في صلاة الظهر متى يؤذنون؟ طالب: (...). الشيخ: لا، إذا أرادوا الإبراد يؤذنون عند إرادة الصلاة، (...) إلا الصلاة؛ ولهذا لما كان الرسول في سفر، وجاء وقت الظهر؛ زالت الشمس، أراد بلال أن يؤذن قال: «أَبْرِدْ»، حديث ثابت في البخاري، ثم بقي، ثم أراد أن يؤذن فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذن قال: «أَبْرِدْ»، يقول: فلما ساوى الظل؛ يعني: ساوى الشيء ظله، قال: «أَذِّنْ» فأذن ، وأيضًا ما زال الناس لما كانوا في الأول يبردون هنا كانوا يؤخرون الأذان. المهم أن تعريف الأذان الصحيح هو: تعبد لله بذكر مخصوص عند إرادة الصلاة بعد دخول الوقت.


قال المؤلف رحمه الله: (يقاتل أهل بلد تركوهما) ومن الذي يقاتلهم؟ الذي يقاتلهم الإمام، إلى متى؟ إلى أن يؤذنوا، وفي هذا القتال ليس قتال استباحة لدمائهم، بل قتال من باب التعزير لإقامة هذا الفرض؛ ولهذا لا يتبع مُدْبِرُهم؛ يعني: اللي يهرب منهم ما نلحقه ونقتله، ولا يُجْهَز على جريحهم؛ لو وجدنا واحدًا منجرحًا مع القتال ما نكمل عليه ونقتله، ولا يُغْنَم لهم مال، ولا تُسبَى لهم ذرية؛ لأنهم مسلمون، وإنما قوتلوا من باب التعزير لتركهم هذه الشعيرة الظاهرة من شعائر الإسلام. ودليل ذلك أن الأذان والإقامة هما علامة بلاد الإسلام، فقد كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام إذا غزا قومًا أمسك حتى يأتيَ الوقتُ؛ فإن سمعَ أذانًا كَفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا قاتلهم . وهذا يدل على أن الأذان والإقامة من العلامات الظاهرة لدين الإسلام. وقول المؤلف: (تركوهما) يحتمل أن المراد: تركوهما جميعًا، أو أن المراد: تركوا واحدًا منهما؛ أما إذا تركوهما جميعًا فالأمر واضح أنهم يقاتلون، ولكن إذا تركوا واحدًا منهما؛ فإن كان الأذان فقتالهم ظاهر أيضًا؛ لأن الأذان من العلامات الظاهرة، وإن كان الإقامة فيحتمل أن يقاتلوا أيضًا؛ لأنها علامة ظاهرة، لكنها ليست كالأذان؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» ، فدل هذا على أن الإقامة علامة ظاهرة تسمع، ويحتمل ألَّا يقاتلوا. فإن قال قائل: كيف يقاتلون وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» ؟ قلنا: هناك فرق بين القتل والقتال، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله؛ ولهذا نقاتل إحدى الطائفتين المقتتلتين حتى تفيء إلى أمر الله مع أنها مؤمنة ما تُقْتَل. أما القتل فلا يلزم منه أيضًا المقاتلة للعموم، قد يكون واحدًا من هؤلاء استحق القتل فنقتله ولا نقاتل الناس، فتبين بهذا أنه لا تلازم بين القِتال والقَتل، وأن جواز القتال أوسع من جواز القتل؛ لأن القتل لا يجوز إلا في أشياء معينة مخصوصة بخلاف القتال. قال: (وتَحْرُم أُجرتهما) يعني: يحرم أن يعقد على الأذان والإقامة عقد إجارة؛ أي: أن أستأجر شخصًا يؤذن أو يقيم، لماذا؟ لأن الأذان والإقامة قُربة من القُرُب ومن العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها؛ لقول الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: ١٥، ١٦]، ولأنه إذا أراد بأذانه الدنيا بطل عمله، فلم يكن أذانه صحيحًا؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، فتحرم الأجرة عليه. فإذا قلنا لشخص: ألا تؤذن في هذا المسجد، قال: بلى، فيقول: كم، نعقد أجرة، ونكتب بيننا مكتب، فتلزمني وألزمك، فتعاقدا على ذلك؛ على أنه يؤذن كل وقت بدرهم، في اليوم والليلة خمسة دراهم، وبالشهر مئة وخمسين درهمًا، واتفقنا على هذا، فجاءه رجل آخر عند المسجد وقال له: يا فلان، أنت تؤذن في هذا المسجد بمئة وخمسين أنا بعطيك مئتين، وترك مسجده وراح للمسجد الآخر، يكون هذا الآن أراد بعمله الدنيا، ما همُّه أن يتعبد لله بهذا الأذان، فالأجرة فيهما حرام. أما الجُعَالة فلا بأس بها، الجُعَالة ما فيها عقد، بل جُعْلًا لهذا المسجد، قال: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، بدون عقد وإلزام فهذه جائزة؛ لأنها جُعالة وليس فيها إلزام، فهي كالمكافأة لمن أذَّن، ولا بأس بالمكافأة لمن أذن. كذلك يقول المؤلف: (لا رَزق من بيت المال) (رَزق) ليست كـ(رِزق)، الرِّزق: ما يرزق؛ يعني: العطاء، والرَّزق: فعل الرازق؛ يعني: دفع الرزق، فمعنى: لا رَزق؛ أي: لا دفع رِزق، ففرق بين الرَّزق الذي هو مصدر (رَزَقَ، يَرْزُقُ، رَزْقًا)، وبين الرِّزق بالكسر الذي هو المرزوق، والكلام هنا على المرزوق ولَّا على الرَّزق الذي هو الفعل؟ على الرَّزق؛ ولهذا نقول: لا رَزق من بيت المال؛ يعني: لا يحكم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال، وهو ما يعرف في الوقت الحاضر بأيش؟ بالراتب، يسمى الراتب وهو: الرصد من بيت المال؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين؛ فلهذا جاز أن يعطى رزقًا من بيت المال، لكن بشرط. (لعدم متطوع) فإن وجد متطوع أَهلٌ فإنه لا يجوز أن نعطيه من بيت المال، لماذا؟ حمايةً لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إلى صرفه، شوف كيف العلماء يحمون بيت المال إلى هذا الحد، لو أننا وجدنا مؤذنًا يؤذن بالراتب، ولكن جاءنا رجل متطوع وقال: أنا بأذن بدون شيء مجانًا وهو أهل للأذان؛ يعني: ممن يصح أذانه، فإنه لا يجوز أن نعطي الأول شيئًا من بيت المال، ونقول للأول: تبغي تؤذن مجانًا، وإلا ففي أمان الله، وجدنا من يؤذن مجانًا، لماذا؟ حمايةً لبيت المال من أن يصرف في غير حاجة. فما بالكم الآن في أولئك القوم الذين يصرفون للناس من بيت المال رصدًا على أعمال لم يعملوها، وهو ما يسمى أحيانًا بخارج الدوام، وأحيانًا بالانتداب، وهم لم ينتدبوا، ولم يشتغلوا خارج الدوام، يكون هذا حرامًا ولَّا حلالًا؟ حرامًا على من رتب هذا الرصد، وحرامًا على من أخذ هذا الرصد؛ ولهذا لو تعاون الناس على البر والتقوى لكان الذي يعطون هذه الرواتب وهم لم يعملوا لكانوا يرفضونها، فإذا رفضوها وقع المسؤول الذي فوقهم في الحرج، ووقع في الفخ، وحينئذٍ تعلم به الدولة، وتجري عليه ما يلزم إجراؤه على أمثاله، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس اليوم غلب عليهم الشح، فيسكتون أو يتغافلون، ويقول: هذا رزق جابه الله، وما علم أن الله يمتحن العبد بتسهيل أسباب الحرام عليه ليبلوه، كما أنه يعسر عليه أحيانًا سبل الطاعة امتحانًا له؛ ليعلم هل هو حريص على الطاعة وصادق في طلبها، فيفعل ولو مع التعسف، وهل هو صادق في كراهة الحرام والبعد عنه، فلا يفعله ولو مع التيسر، أليس كذلك؟ أنا أخبرتكم بهذا ليس شكاية لهؤلاء القوم؛ لأن شكاية هؤلاء القوم على الله عز وجل، وسيجدون حسابهم يوم يخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلًا، لكن أخبرتكم بذلك من أجل أن تناصح عباد الله الذين يفعلون مثل هذه الأمور؛ لأنه ما منكم من أحد إلا ويسمع مثل هذه القضايا أو له قريب يمارس هذا الأمر، أو ما أشبه ذلك. فواجبكم لأنكم -والحمد لله- تحملون راية العلم الشرعي أن تبلغوا الناس هذه الأمور، ولا يكفي البلاغ، بل تدعونهم إلى أن يدعوا هذه الأمور؛ لأن هناك فرق بين البلاغ والدعوة، وواجب طالب العلم بلاغٌ ودعوةٌ، تدعونهم أن يدعوا هذا العلم، وأن تقولوا: رزق جاء عن طريق محرم لا خير فيه، ولا بركة فيه، وإن أمهل للإنسان في الدنيا في تناول هذا الشيء المحرم فإنما ذلك استدراج من الله عز وجل، فالله تعالى يستدرج العبد بالنعم، ثم إذا أخذه لم يفلته، هذا ما أحب أن يكون منكم لإخوانكم؛ لأن من أعطاه الله علمًا فعليه زكاته، كما أن المال عليه زكاة فالعلم عليه زكاة، لكن زكاة العلم تزيد العلم، وزكاة المال تنقصه كمية، ولكن تزيده بركة، وفتح أرزاق أخرى، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]. شوف المؤلف يقول: لا يجوز أن نعطي راتبًا للمؤذن والمقيم إذا وجد من يتطوع بهما، لكن بشرط أن يكون هذا المتطوع ممن تحصل به الكفاية، أما لو جاءنا إنسان يريد أن يتطوع لكن ما يحسن الأذان والإقامة، فنحن أيش؟ معلوم، لا نعطيه؛ لأنه لا يقوم بالواجب. قال المؤلف رحمه الله: (ويكون المؤذن صيتًا أمينًا عالمًا بالوقت) كلمة (يكون) تحتمل الوجوب، وتحتمل الاستحباب؛ يعني: يحتمل أن المعنى يستحب أن يكون، يحتمل أن المعنى يجب أن يكون، ويمكن أن ننظر ما تقتضيه الأدلة من هذه الصفات، فنقول: هو واجب إن دلت الأدلة على وجوبه أو مستحب. (يكون المؤذن صيتًا) هذا سنة وليس بواجب، الواجب أن يسمع من يؤذن لهم فقط، وما زاد على ذلك فهو سنة. وكلمة (صيتًا) يحتمل أن يكون المعنى: قوي الصوت، ويحتمل أن يكون المعنى: حسن الصوت، ويحتمل أن يكون المعنى: حسن الأداء، وانظروا إلى هذا هل يحتمل أو لا يحتمل؟ صيت: قوي الصوت، واضح، حسن الصوت أيضًا واضح، وإن كان دون الأول، لكن (حسن الأداء) غير واضح، من هذه العبارة، ما هو واضح، إذنْ لو أردنا أن نختار مؤذنًا نختار الصيت الذي يكون حسن الصوت، قوي الصوت، وإن كان مع ذلك حسن الأداء فهو خير بلا شك. فهنا ثلاثة أوصاف تعود على التلفظ بالأذان؛ أحدها: قوة الصوت، والثاني: حسنه، والثالث: حسن الأداء. كل هذا أمر مطلوب. ونستنبط من قول المؤلف: (يُسَن أن يكون صيتًا) نستنبط أن هذه المكبرات للصوت تعتبر من نعمة الله؛ لأنها تزيد صوت المؤذن قوة وحُسنًا بلا شك، ولا محذور فيها شرعًا، فإذا لم يكن فيها محذور شرعي وكانت وسيلة لأمر مطلوب شرعي، فللوسائل أحكام المقاصد؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام العباس بن عبد المطلب أن ينادي يوم حنين؛ لقوة صوته رضي الله عنه: يا أصحابُ السَّمُرَة، يا أصحاب سورة البقرة ؛ لأنه كان قوي الصوت، فدل هذا على أن الذي يطلب فيه قوة الصوت ينبغي أن يختار فيه ما يكون أبلغ في تأدية الصوت. (أمينًا) ما تقولوا في (أمينًا)؟ هل نجعلها كالوصف السابق؛ على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب، الغريب أن الظاهر من المذهب أنه سنة؛ أن يكون أمينًا، والصحيح أنه واجب، الأمانة هي أحد الركنين المقصودين في كل شيء. والركن الثاني: القوة؛ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص: ٢٦]، وقال الجني العفريت الذي أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان ويش قال؟ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]. وعدم السداد في العمل يأتي من اختلال أحد الوصفين؛ إما ألَّا يكون الإنسان قويًّا في هذا العمل فيعجز عنه، أو يكون قويًّا لكنه غير أمين، فلا يؤمن عليه. لكن ما تقولون إذا وُجِد ضعيف أمين وقوي غير أمين، ما هو في الأذان، في غير الأذان، في أي عمل، هل نقدم القوي غير الأمين ولَّا نقدم الأمين غير القوي؟ على حسب ما يقتضيه العمل؛ بعض الأعمال تكون فيه مراعاة الأمانة أولى، وبعض الأعمال مراعاة القوة أولى؛ لأن القوي قد يفيد ما لا يفيده الضعيف في مسائل كثيرة، ولا سيما في موضوع الإمارات وما أشبهها؛ يعني: القوة في الإمارة قد تكون أولى من مراعاة الأمانة، الأمانة في القضاء قد تكون أولى من مراعاة القوة؛ لأن القاضي غير منفذ. على كل حال، يشترط؛ يعني: ينبغي أو يجب أن يكون المؤذن أمينًا على أيش؟ أمينًا على الوقت، أمينًا على عورات الناس؛ لأن الناس فيما سبق يؤذنون في المنارات، واللي يطلع في المنارة يكشف بيوت الناس، ولَّا لا؟ فيحتاج أن يكون أمينًا؛ لا يطلع على عورات الناس، يقوم يؤذن في المنارة ويرى النساء، ويرى ما يحدث في البيوت، هذا ما هو أمين، لا بد أن يكون أمينًا؛ أمينا على الأذان ومراعاة الأوقات، وأمينًا على عورات الناس، لا يطلع عليها إذا صعد المنارة. (عالمًا بالوقت) هذا شرط ولَّا غير شرط؟ هذا غير شرط؛ لأنه يعلم، كان ابن أمِّ مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يُقال: أصبحتَ أصبحتَ ، فينبغي أن يكون عالمًا بالوقت؛ يعني: بنفسه، هذا هو الأكمل والأفضل؛ لأنه قد يتعذر عليه من يخبره عند أوان الأذان، فينبغي أن يكون هو عالمًا بالوقت. العلم بالوقت يكون بالعلامات التي جعلها الشارع علامة، وهي الظهر؟ طالب: (...). الشيخ: الشمس ولَّا زوال الشمس؟ الطالب: (...). الشيخ: في العصر؟ طالب: (...). الشيخ: أن يصير ظل كل شيء مثليه، كذا؟ صلاة العصر، توافقونه؟ طالب: (...). الشيخ: مثله بعد فيء الزوال. في المغرب؟ طالب: (...). الشيخ: إذا غابت الشمس، في العشاء؟ طالب: إذا غاب (...). الشيخ: الشفق الأحمر، في الفجر؟ طالب: (...). الشيخ: أي الفجرين؟ الطالب: (...). الشيخ: الفجر الأول، (...) يقولون: الفجر الثاني، أيهما أصح؟ طالب: الثاني. الشيخ: الفجر الثاني اللي هو الصادق، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه. هذا علامة الوقت بالعلامات الشرعية التي رتبها الشارع، لكن هذه العلامات في وقتنا الحاضر أصبحت علامات خفية، ما كل أحد يعرفها، وصار الناس يعتمدون على الساعات في معرفة الوقت؛ يعني: في معرفة حلول الوقت، وعلى التقويمات في معرفة الأوقات، ولكن التقاويم تختلف في الوقت؛ يكون بين كل واحد والآخر أحيانًا إلى ست دقائق، والست دقائق ما هي هينة لا سيما في أذان الفجر وأذان المغرب؛ لأنهما يتعلق بهما الصيام، مع أن كل الأوقات يجب فيها التحري. فإذا اختلف تقويمان عندنا وكل من التقويمين صادر عن أهل وعالم بالوقت، فهل نقدم الثاني اللي متأخر أو المتقدم؟ نقدم المتأخر في كل الأوقات؛ لأن الأصل عدم دخول الوقت، وكل من المخبرين ثقة، هذا التقويم صادر من أهله، وهذا تقويم آخر صادر من أهله، وكل منهم نعرف أنه ثقة وعالم، فإذن نقول: نأخذ بالمتأخر؛ لأن الأصل عدم الدخول. وقد نص الفقهاء على مثل هذا، فقالوا رحمهم الله: لو قال لرجلين ارقبا لي الفجر؛ يعني: تحروا الفجر وترقبوه، فقال أحدهما: طلع الفجر، وقال الثاني: لم يطلع الفجر، من نأخذ بقوله؟ بقول الثاني، يأكل ويشرب ودُكْهَا يصيح عليه: لا تأكل بالنهار، لا تأكل بالنهار، وهذا قال: ترى ما طلع الفجر، نقول: كل، حتى يتفقا الاثنان؛ إذا قال الثاني: طلع الفجر، أمسك، هذا من أهل العلم، دليل واضح، على أنه إذا اختلف عالمان بالوقت؛ فقال أحدهما: دخل، وقال الثاني: لم يدخل أن نأخذ بمن؟ بقول من يقول: إنه لم يدخل، وهذا له أصل، وهو أن الأصل عدم دخول الوقت، فنأخذ بالثاني. وفي وقتنا الآن التقاويم التي نحن نشاهد نجد فيها فرقًا إلى خمس وست دقائق، وهذا مشكل، لكني أنا شخصيًّا آخذ بالمتأخر، لا في أوقات الصلوات ولا غيرها، حتى مثلًا لو كان في الفجر، رأيت التقويم يقول: طلع الفجر، وتقويم آخر يقول: باقي ست دقائق، فأنا آخذ بالثاني، وآكل وأشرب أكلًا وشربا هنيئًا مريئًا -إن شاء الله- حتى يتفقا الطرفان، أما إذا كان أحدهما أعلم من الثاني أو كان أحدهما أوثق من حيث الأمانة فلا شك أن الإنسان يرجح من هو أوثق وأعلم، أما مع التساوي أو ربما يرجح الإنسان من حيث ما يسمونه بالتكنولوجيا يرجح الثاني، فسيأخذ بالثاني. طالب: فيه واحد مثلًا ماسك مسجد بسكن معين بيصلي بالناس أو يؤذن وما يتوقف للأوقاف دخول، وبعد كام أيام شاف إذا ما فيه فائدة وترك (...)؟ الشيخ: فاهمين سؤاله؟ يقول: هذا واحد ماسك مسجد أذانًا أو إمامًا، وبقي شهر أو شهران، شاف أن الأوقاف ما هي (...) وترك المسجد، ويش تفسيره؟ طالب: ينظر إلى نيته. الشيخ: إي نعم، ينظر إلى نيته؛ إن كان الرجل يقول: أنا انحبست بهذا لله عز وجل وأستعين بما يعطونني على الأذان وعلى أعمالي الأخرى، فأما إذا لم يحصل لي فأنا أريد أن أشتغل؛ لأن الأذان والإمامة تحبس الإنسان.

تابع شرح ( ومن جحد وجوبها كفر وكذا تاركها تهاونا ، ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها ، )

٠٠:٠٠:٠٥

ومن جحد وجوبها كفر وكذا تاركها تهاونا، ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا فيهما.

ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا فيهما .

٠٠:٢٢:٢٨

ومن جحد وجوبها كفر وكذا تاركها تهاونا، ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا فيهما.

كتاب الصلاة : باب الأذان والإقامة

٠٠:٢٨:٢٨

هما فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات الخمس المؤداة ،

٠٠:٣٥:٤٥

هما فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات الخمس المؤداة، يقاتل أهل بلد تركوهما. وتحرم أجرتهما، لا رزق من بيت المال لعدم متطوع.

يقاتل أهل بلد تركوهما .

٠١:٠٤:١٠

هما فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات الخمس المؤداة، يقاتل أهل بلد تركوهما. وتحرم أجرتهما، لا رزق من بيت المال لعدم متطوع.

وتحرم أجرتهما ،

٠١:٠٧:٥٦

هما فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات الخمس المؤداة، يقاتل أهل بلد تركوهما. وتحرم أجرتهما، لا رزق من بيت المال لعدم متطوع.

لا رزق من بيت المال لعدم متطوع .

٠١:١٠:٣٨

هما فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات الخمس المؤداة، يقاتل أهل بلد تركوهما. وتحرم أجرتهما، لا رزق من بيت المال لعدم متطوع.

ويكون المؤذن صيتا أمينا عالما بالوقت ،

٠١:١٧:٤١

ويكون المؤذن صيتا أمينا عالما بالوقت، فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه، ثم قدم أفضلهما في دينه وعقله، ثم من يختاره الجيران،