تجاوز إلى المحتوى

كتاب الصلاة - ١

درس صوتي · ٥٨:٠٩

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

التفريغ النصي للشريط رقم (١)

٠٠:٠٠:٠٠

قال المؤلف: (كتاب الصلاة) الصلاة في اللغة: الدعاء، ودليل ذلك أو شاهده قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: ١٠٣]، يعني: ادع لهم، وقال الله تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا [التوبة: ٨٤]، قد يقال: إن المراد بها الصلاة الشرعية، أو الصلاة اللغوية أي: الدعاء. أما في الشرع: فهي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. التعبد، وإن شئت فقل: هي عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. أما قول بعض العلماء: إن الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، فهذه فيها قصور، بل يشترط أن نقول: عبادة ذات أقوال، أو نقول: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة، حتى يتبين أنها من العبادات.

والصلاة مشروعة في جميع الملل، قال الله تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: ٤٣]، وذلك لأهميتها، ولأنها صلة بين الإنسان وبين ربه عز وجل. وقد فرضها الله تعالى على هذه الأمة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليلة عرج به بدون واسطة، يعني: ليس هناك واسطة بين الله وبين الرسول صلى الله عليه وسلم في فرضها. وتأمل كيف أخر الله تعالى فريضتها إلى تلك الليلة إشادة بها، وبيانًا لأهميتها؛ لأنها: أولًا: فرضت من الله عز وجل إلى رسوله بدون واسطة. ثانيًا: فرضت في ليلة هي أفضل الليالي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثالثًا: فرضت في أعلى مكان يصل إليه البشر. رابعًا: فرضت خمسين صلاة، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها سبحانه وتعالى، لكن خففت فجعلت خمسًا بالفعل وخمسين في الميزان، خمسين في الميزان غير الخمسين الحسنة بعشر أمثالها، لأنه لو كان المراد الحسنة بعشر أمثالها؛ لم يكن لها مزية على غيرها من العبادات؛ إذ كل عبادة الحسنة بعشر أمثالها، لكن الظاهر أنه يكتب للإنسان أجر خمسين صلاة، خمسين في عشرة: خمس مئة، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل بالنسبة لهذه الصلاة العظيمة، ولا نجد عبادة شرعت يوميًّا في جميع العمر أو فرضت على الأصح يوميًّا في جميع العمر إلا الصلاة. الزكاة حولية، والصيام؟ طلبة: حولي. الشيخ: حولي، ما فيه، حولي. تجب كل يوم وليلة. يقول المؤلف رحمه الله في حكمها: (تجب)، والمراد بالوجوب هنا: أعلى أنواع الوجوب، وهو الفريضة، وهي في الدين بالمرتبة الثانية بعد الشهادة بالتوحيد والرسالة، فالإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذه واحدة، وإنما صارت هاتان الجملتان واحدة لأن كل عبادة لا بد فيها من إخلاص يتضمنه؟ طالب: شهادة. الشيخ: شهادة أن لا إله إلا الله، ومتابعة يتضمنه شهادة أن محمدًا رسول الله، فلهذا جعلهما الشارع شيئا واحدًا. المرتبة الثانية: هي الصلاة، إقام الصلاة، فهي من أعلى أنواع الفرض. فقول المؤلف: (تجب) قد يقول قائل: إن فيها شيئًا من القصور؛ لأنك لو قلت عن كبيرة من الكبائر: تحرم، لهونت من أمرها، إذا قلت في مثل الصلاة: تجب، قد يقول قائل: إن في هذا شيئًا من التهوين بأمرها؟ ولكننا نقول: إن المؤلف أراد أن يبين جنس حكم هذه الصلوات، وأنها ليست من النوافل أو التطوعات، بل هي من جنس الواجب. الدليل على وجوبها: كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين على ذلك إجماعًا قطعيًّا معلومًا بالضرورة من الدين. أما الكتاب فقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣] الشاهد؟ طلبة: مَوْقُوتًا. الشيخ: لا، كِتَابًا؛ لأن كتابًا بمعنى مكتوب، والمكتوب بمعنى المفروض، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣]. من السنة قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد بعث معاذًا إلى اليمن: «أعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» . أما الإجماع: فهو معلوم بالضرورة من الدين، ولهذا لم ينكر أحد من أهل القبلة -ممن ينتسبون إلى الإسلام- لم ينكر فرضها؛ حتى أهل البدع يقرون بفرضها. يقول المؤلف: (تجب على كل مسلم)، (كل مسلم) المسلم هو: الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت. هذا هو المسلم الكامل الإسلام، ولكن المراد بالمسلم هنا: من يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ» إلى آخِره، فتجب على هذا الذي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. الكافر لا تجب عليه، والمراد بنفي الوجوب عن الكافر، المراد: أنه لا يُلزم بها حال كفره، ولا يَلزمه قضاؤها بعد إسلامه، أما محاسبته عليها في الآخرة فثابتة كما سيأتي إن شاء الله. الدليل على أنه لا تلزمه حال كفره، الدليل على ذلك قوله تبارك تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: ٥٤]. فهذا دليل على أن الصلاة لا تقبل منه، وإذا لم تقبل منه فلماذا؟ لأنها لا تصح، وإذا لم تصح لم تجب؛ لأنها لو وجبت وأتى بما يلزم فيها لصحت. إذن الكافر لا تلزمه الصلاة، ولا يلزمه قضاؤها إذا أسلم؛ لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، أَوْ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ» ، فلا يلزمه قضاؤها إذا أسلم، وهناك دليل ثالث من النظر وهو: أننا لو ألزمناه بقضائها بعد إسلامه لكان في ذلك مشقة وتنفير عن الإسلام. ولنفرض أن هذا الرجل أسلم وله أربعون سنة، سنقول له: اقضِ صلاة خمس وعشرين سنة، كذا خمس وعشرين سنة ولَّا؟ إي نعم، خمس وعشرين سنة، صلاة خمس وعشرين سنة، وإذا ألزمناه بمثل هذا فسوف يستثقل الأمر، وربما يبقى على كفره والعياذ بالله. ذكرنا أنه يحاسب عليها في الآخرة، في الدنيا عرفنا حكمه، لا يلزم بها حال الكفر، ودليل ذلك ما أشرنا إليه من الآية، وربما أيضًا نستدل عليه، ويضاف إلى ذلك بحديث معاذ بن جبل؛ لأنه لم يذكر افتراض الصلاة عليهم إلا بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لا يلزمه القضاء للآية التي أشرنا إليها: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ، وربما نضيف إليه أيضًا دليلًا من السنة؛ بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم الذين أسلموا بقضاء صلواتهم الماضية، وقال أيضا: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ» . النظر والقياس: أن في ذلك مشقة عليه ربما تنفره عن الإسلام، فكان عدم إلزامه بالقضاء تأليفًا له على الإسلام، فهذه ثلاثة أدلة من القرآن، والسنة، والثالث النظر الصحيح. قلنا: إنه في الآخرة يحاسب عليها، يحاسب على ترك الصلاة في الآخرة، واستدل العلماء لذلك بقوله تعالى: يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٠ - ٤٢] يعني: ما الذي أدخلكم في النار؟ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]. قالوا: هذا دليل على أنهم يعاقبون على ترك الصلاة، وعلى عدم إطعام المسكين، وعلى الخوض مع الخائضين، وعلى التكذيب بيوم الدين. فإن قال قائل: مجرد تكذيبهم بيوم الدين يوجب أن يدخلوا النار؛ لأن هذا كفر؟ فالجواب أن يقال: لولا أن لتركهم الصلاة، وإطعام المسكين، وخوضهم مع الخائضين، لولا أن لذلك تأثيرًا في تعذيبهم، لكان ذكره من باب أيش؟ العبث واللغو، وهذا وجه الدلالة من الآية على أنهم يعاقبون. أما من حيث النظر فيقال: إذا كان المسلم يعاقب على ترك هذا الواجب، وهو بلا شك عند الله سبحانه وتعالى أكرم من الكافر، فكيف لا يعذب الكافر؟ فإن قلت: لا يعذب الكافر؛ لأنه غير ملتزم بذلك؛ إذ هو كافر؟ تقول له: صل، يقول لك: إنه مسيحي أو بوذي أو ما أشبه ذلك، فهو لم يلتزم. نقول: وإن لم يلتزم؛ لكنه ملزم شرعًا، هو عبد لله، يجب عليه أن يقوم بما فرض الله على عباده، فكونه لا يلتزم عناد منه، عناد واستكبار، والاستكبار عن الحق لا يسقطه، فإذن دل على أنهم يحاسَبون على تركهم الواجبات -أعني الكفار- الأثر والنظر، والمراد بالنظر؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم، يعني القياس الصحيح، أو المعنى الذي يوجب ذلك الحكم، بل أقول: إن الكافر يحاسب على كل نعمة أنعمها الله عليه، حتى النعم يحاسب عليها يوم القيامة، يعني: ليس على ترك الواجبات فقط، بل على استهلاك النعم والاستمتاع بالنعم يحاسب عليها. ودليل ذلك من الأثر أيضًا قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْاإلى آخره [المائدة: ٩٣]، لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواوالذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات؟ طلبة: عليهم جناح. الشيخ: عليهم جناح بالمفهوم، وهذا ليس مفهوم لقب، بل مفهوم وصف ومعنى، وهو الإيمان والعمل. مفهوم اللقب: هو الذي يرتب الحكم فيه على أمر لا يظهر فيه أنه قصد المعنى، وقد اختلف العلماء في كونه حجة، أما هذا فهو مفهوم وصف الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. وقال الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف: ٣٢]، فهي حلال للمؤمنين في الدنيا، ويوم القيامة لا يحاسبون عليها، أما هؤلاء فهي حرام عليهم ويحاسبون عليها. فإن قلت: إذا قلت: إنها حرام عليهم، فلماذا لا تمنعهم من الأكل والشرب؟ لأنه حرام، كيف نوكلهم من الحرام؟ فالجواب على ذلك: أن الله سبحانه وتعالى يرزق العباد الحلال والحرام، أليس كذلك؟ لأن الله عز وجل تكفل بالرزق، وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]. فإن أكتسب الإنسان هذا الرزق من طريق حلال برئ من عهدته، وإلا فلا نقول: لا تأكل، نقول: كل، ولكن يترتب عليك من الإثم ما يترتب على فاعل المحرم، إذن صار الكافر في الدنيا أشد مسؤولية من المؤمن؛ لأن الكافر يحاسب على الأكل والشرب واللباس، وكل نعمة. أما النظر الذي يدل على أن الكافر يعذب في الآخرة على ما استمتع به من نعم الله فلأن العقل يقتضي أن من أحسن إليك فإنك تقابله بالامتثال والطاعة إذا أمرك، ويرى العقل أن من أقبح القبائح أن تنابذ من أحسن إليك بالاستكبار عن طاعته وتكذيب خبره، ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ» ، ابن آدم شوف من هو ابن آدم؟ الكافر هو الذي كذب الله وشتمه «وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ»، ليس من حقه أن يكذب الله وأن يشتم الله، فإذا لم يكن ذلك حقًّا له دل على أن عمله من أقبح القبائح أن يستمتع بنعم الله عز وجل، ثم مع ذلك ينكر هذا الفضل بالاستكبار عن الطاعة، وتكذيب الخبر. يقول المؤلف: (مكلف)، التكليف في اللغة: إلزام ما فيه مشقة، ولكن في الشرع ليس كذلك؛ لأن الشرع ما فيه مشقة إطلاقًا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]. ولكنه في الشرع: إلزام مقتضى خطاب الشرع، هذا التكليف أن تلزمه بمقتضى خطاب الشرع، سواء حصل عليه بمشقة أم لم يحصل، بل إنه إذا كانت فيه مشقة فالشرع لا يلزمه بذلك. والتكليف يتضمن وصفين هما: البلوغ والعقل، إذن معنى مكلف: بالغ عاقل، فغير البالغ لا تلزمه الصلاة بالدليل الأثري والنظري، وكذلك غير العاقل. أما الأثري فقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ» . وأما النظر فلأنهما -أي الصغير والمجنون- ليسا أهلًا للتكليف؛ إذ إن قصدهما مهما كان فهو قاصر، ولهذا يختلف غير المكلف عن المكلف في بعض الأمور؛ أبيح للصبي من اللعب واللهو ما لم يبح لغيره، كذلك الصبي وسّع له في الواجبات ما لم يوسع لغيره، حتى إن الشيء الذي يكون جريمة كبرى في البالغ لا يكون جريمة في الصغير؛ لو زنى أو سرق تقطع يده ولَّا لا؟ ما تقطع يده؛ لأنه غير مكلف، فنظره قاصر، وقصده كذلك قاصر، بهذا سقطت عنه الواجبات، والمجنون من باب أولى، المجنون البالغ ما رأيكم فيه؟ طلبة: غير مكلف. الشيخ: غير مكلف، إي نعم، غير مكلف. قال المؤلف: (إلا حائضًا ونفساء). فإن قلت: إذا لم يجب على الصبي صلاة؛ أفليس النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب على الإنسان أن يأمر ابنه أو ابنته بالصلاة لسبع، ويضربه عليها لعشر ؟ وهل يضرب الإنسان على شيء لا يجب عليه؟ الجواب على ذلك أن نقول: أما بالنسبة لإلزام الوالد بأمر أولاده وضربهم؛ فلأن هذا من تمام الرعاية والقيام بالمسؤولية التي حُمِّلها، والأب أهل للمسؤولية ولَّا لا؟ أهل للمسؤولية، فيلزمه أن يأمرهم بالصلاة لسبع ويضربهم عليها لعشر؛ لأن ذلك من تمام التأديب، والقيام بالمسؤولية، لا؛ لأن الصبي تجب عليه الصلاة، لو كان الصبي له ست سنوات؛ ذكي جيد يأمره ولَّا لا؟ طلبة: يأمره. طلبة آخرون: لا. الشيخ: لا، ظاهر الحديث أنه لا؛ لأن الشارع حدها بالسبع؛ لأن السبع في الغالب يكون بها التمييز. فإن قلنا بأن التمييز ليس مخصوصًا أو ليس مقدَّرًا بسنّ، وإنما هو بالمعنى، وأن التمييز هو: أن يفهم الخطاب، ويرد الجواب، كما يدل عليه الاشتقاق، فهل نجعل الحكم منوطًا به أو لا؟ هذا محل نظر، قد يقال: إننا نجعل الحكم منوطًا بالتمييز، وقد يقال: نجعله بالسبع، والشارع أحكم منا، فربما يكون قبل السبع لا يتحمل أن يؤمر، وإن كان ذكيًّا. إذا كان له تسع سنوات وترك الصلاة نضربه؟ ما نضربه أبدًا، الرسول عليه الصلاة والسلام أحكم منا، يقول: «اضْرِبُوهُمْ لِعَشْرٍ» ، وعلى هذا ربما أضرب ابني على الصلاة في يوم الإثنين ولا أضربه في يوم الأحد، صح؟ طلبة: (...). الشيخ: نقول: تم العشر، آخر يوم الإثنين تم العشر، قد يحتج علي يقول: أمس ما ضربتني، لو علمت (...) ما تركت الصلاة، نقول: نبدأ من اليوم وتزول الحجة، حتى غير الوالد كل من كان مسؤولًا عن هذا الصبي فإنه يخاطب بما يخاطب به الوالد، لا مع الوجوب للوالد، اللهم إلا أن يضيع الأمانة، فيكون غير أهل، ولهذا لو أن الوالد لم يزوج ابنته انتقلت الولاية إلى الولي الذي بعده. يقول: (إلا حائضًا ونفساء) يعني: لا تجب عليهما الصلاة. طلبة: (...). الشيخ: عندي أنا (إلا)، هي (لا حائضًا) إن كانت عندكم هكذا. طالب: (إلا) يا شيخ. الشيخ: أما (إلا حائضًا ونفساء) فلا إشكال فيها؛ لأنه استثناء من كلام تام موجب، فيجب النصب، أما على: (لا حائضًا ونفساء) إن كانت النسخة صحيحة فإنها على تقدير فعل، أي: لا تلزم حائضًا ونفساء، فالمعنى إذن واحد، وعلى كلٍّ فالحائض والنفساء لا تلزمهما الصلاة بالدليل الأثري والإجماعي، وكلها دليل نظري. دليل أثري أو دليل سمعي قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحائض: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» . والنفساء كالحائض في ذلك بالإجماع، والعلماء أيضًا مجمعون على أن الحائض والنفساء لا تلزمهما الصلاة، ولا يلزمهما أيضًا قضاء الصلاة، ما هو إعادة، قضاء الصلاة. ثم قال: (ويقضي من زال عقله بنوم) بالنص والإجماع، وهنا (...) تساهل؛ لأن النائم ليس زائل العقل لكنه مغطى عقله، وفاقد لإحساسه الظاهري. على كل حال المعنى أن النائم يقضي الصلاة بالنص والإجماع. أما النص فهو قولي وفعلي، فالقولي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، إذا ذكرها في النسيان وإذا استيقظ في النوم. وأما الفعلي فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى صلاة الفجر حين نام عنها في السفر ، إذن يقضي من زال عقله بنوم، ولأننا لو قلنا –أيضًا دليل نظري- لو قلنا بعدم قضائها مع كثرة النوم لسقط منها كثير، ولكان ذلك مدعاة للتساهل بها في النوم عنها؛ لأنه إذا علم أنه ما هو بقاضيها ذهب ينام قبل صلاة الفجر بقليل ولا يقوم إلا بعد صلاة العشاء، أيش يسقط عنه؟ طلبة: خمس صلوات. الشيخ: خمس صلوات، لكنه يقضي بالإجماع، كذلك من زال عقله بإغماء. الإغماء هذا هو التطبيق على العقل، يطبق عليه فلا يكون عنده إحساس إطلاقًا، لو أيقظته مثلًا لم يستيقظ، فهو عبارة عن جثة فقط، فإذا أغمي عليه وقتًا أو وقتين وجب عليه قضاؤهما، لورود ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم؛ كعمار بن ياسر ، وقياسًا على النوم، أعرفتم؟ وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وذهب مالك والشافعي، بل والأئمة الثلاثة، إلى عدم وجوب القضاء على المغمى عليه، لكنّ أبا حنيفة رحمه الله يقول: إذا كان خمس صلوات فأقل فإنه يقضي؛ لأنها سهلة ويسيرة، أما إذا زادت على الخمس فلا يقضي. وكلام أبي حنيفة مبني على شيء من العقل والرأي؛ أقول: أبو حنيفة رحمه الله في قوله شيء من الرأي، فأخذ بعلة من علل بالقضاء، وأخذ بسقوط الأمر بالمشقة، فقال: إذا أغمي عليه لأقل من خمس صلوات ولَّا خمس صلوات فأقل يقضي، وما زاد لا يقضي، ولكن لا شك أن مثل هذا التقدير الدقيق يحتاج إلى دليل؛ لأن كل أحد يقدر مثل هذا التقدير، يقال له: هات الدليل، وإلا فإن تقديرك تحكم؛ فالإنسان الذي لا يشق عليه خمس صلوات لا يشق عليه ست صلوات، ليس إلا زاد فرضًا واحدًا، فيقال: ما هو الدليل على أنك تجعل هذا هو الحد، إذا لم تأتِ بدليل يدل على ذلك كان قولك مجرد تحكم ولا يُقبل. إذن المقارنة الآن بين قول من يقول: يقضي مطلقًا أو لا يقضي مطلقًا، فإذا نظرنا إلى التعليل وجدنا أن الراجح قول من يقول: لا يقضي مطلقًا؛ لأن قياسه على النائم ليس بصحيح، النائم يستطيع أن يوقظ، أو يستيقظ إذا أوقظ، أليس كذلك؟ نعم. أيضًا النوم كثير ومعتاد، فلو قلنا: إنه لا يقضي؛ سقط عنه كثير من الصلوات والفروض، لكن الإغماء متى يحصل؟ قد يمضي على الإنسان كل دهره ولا يغمى عليه مرة واحدة، وقد يسقط مثلًا من شاهق ويغمى عليه، وقد يصاب بمرض فيكثر عليه الإغماء، أليس كذلك؟ لكن على كل تقدير فإنه لا يمكن أن نقيس هذه الغيبوبة التي تعتبر تامة على النوم، النائم لو تأتي بالسكين تبغي تقطعه وتحزه؟ طلبة: يشعر. الشيخ: صح، لكن المغمى عليه لو تقطعه إربًا إربًا ما شعر، فهناك فرق واضح، وأما قضاء عمار -إن صح عنه- فإنه يُحمل على الاستحباب، أو التورع، أو ما أشبه ذلك. من زال عقله ببنج؟ هل يقضي أو لا؟ نقول: يقضي؛ لأن هذا وقع باختياره، فهو الذي أراد، بخلاف الإغماء، فلما وقع باختياره نقول له: أنت الذي اخترت، وأيضًا الغالب في البنج -فيما أعلم، قد يفوتني منه الشيء الكثير- أنه لا تطول مدته، ولَّا لا؟ الغالب أنها لا تطول. طلبة: (...). الشيخ: إي نعم، لكن لا تمد لعشرة أيام، خمسة عشر يومًا. طلبة: لا. الشيخ: على كل حال، المهم ما تطول مثل الإغماء، الإغماء أحيانًا يغمى على الإنسان يجلس عشرة أيام، خمسة عشر يومًا، أكثر من هذا، ممكن يجلس إلى سنة، فبينهما فرق. يقول المؤلف: (أو سكر) يقضي من زال عقله بسكر، ليش؟ طالب: (...). الشيخ: هذا نقول: نعم يقضي، إذا كان سكره محرمًا فلا شك في القضاء؛ لأنه حصل باختياره، هذا واحد، ولأنه غير مأذون له بذلك، هذا اثنان، ولأننا لو أسقطنا عنه قضاء الصلاة، وهو من أهل شرب الخمر، الغالب أن أهل شرب الخمر دينهم ضعيف، فيصير هذا الرجل كلما أراد ألا يصلي شرب المسكر، فحصل على جنايتين: على شرب المسكر، وعلى ترك الصلاة، كذا ولَّا لا؟ فإن قلت: أليس الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣]. فالجواب من وجهين: الوجه الأول: أن هذا على حله. الوجه الثاني: أن الله يقول: لا تقربوها حتى تعلموا ما تقولون، يعني: فإذا علمتم ما تقولون فافعلوها، افعلوها أداءً إن كان في وقتها، أو قضاءً إن كان بعد الوقت، فليس فيها دليل على أنه يسقط، ولهذا كان الأئمة الأربعة متفقين على أن من زال عقله بسكر فإنه يقضي. لو قال قائل: ما تقولون في رجل سكر بدون أن يعلم أن ما شربه مسكر؟ يقضي ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: إي يقضي، الظاهر أنه يقضي. طالب: هو ما اختار. الشيخ: هو ما اختار، هو معذور بالجهل الآن، لكنه نعم يسقط الإثم، وأما قضاء الصلاة فالظاهر أنه يلزمه؛ لأن هذا أيضًا مفعول باختيار الفاعل الذي سقاه الخمر، لكن يسقط عنه الإثم؛ لأنه لم يعلم به، أما أن نقول: إنه يسقط عنه القضاء قياسًا على المغمى عليه ففيه نظر؛ لأن المغمى عليه غالبًا بفعل الله عز وجل، ليس لأحد فيه اختيار. طالب: شيخ، الإغماء غير (...) سبعة عشر يومًا (...) ولكن (...) انتبه. الشيخ: انتبَه؟ الطالب: (...). الشيخ: هو الظاهر أن الإغماء أقسام، أن أحد مغمى عليه (...) يعني (...) في الظفر ما يحس، يعني أحد مثلما قلت يكون عنده يعني في المخ، اختلال في المخ كما قلت، يعني يكون ما عنده الإرادة الكاملة لكن عنده شيء من الإحساس، يحس أنهم يدخلون مثلًا في أنفه شيئًا، أو بفمه شيئًا، على كل حال الذي قلت: لا يقضي؛ لأنه مهما كان ما ينتبه. طالب: ذكرت الدليل من السنة والإجماع والراجح، هل هذا يلزم، يعني يمكن الإنسان يقول مثلًا: الدليل الكتاب والسنة والإجماع. الشيخ: لا، ما يلزم في هذه المسألة، يكفي دليل واحد. الطالب: إن لم نجد (...). الشيخ: لا، ما هو صحيح إن لم نجد، ما هو شرط، ولهذا دائمًا يقولون: دليله الكتاب والسنة والإجماع، وأنت كلما تضافرت الأدلة كان أقوى للمدلول، ولاسيما أن أنا أحب في الواقع إذا.. طالب: يؤثر عليه (...). الشيخ: إي، وأنا أقول: وأنا أحب كلما تيسر لي وذكرت أن أذكر الدليل النظري؛ لأن الناس اليوم محتاجون إليه؛ لضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعف التسليم، ولهذا قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، فكلما قوي إيمان الشخص قوي تسليمه للأحكام الشرعية، علم حكمتها أم لم يعلم، وكلما ضعف؛ ضعف التسليم، ولهذا بعض الناس الآن تجيب له الدليل من الكتاب والسنة يبغي يناظرك، فإذا جبت له الدليل العقلي يمكن من أضعف الأدلة عجز ووقف، أما هناك تجيب له الدليل من الكتاب، ما هو صحيح. طالب: (...). الشيخ: لا، غلط هذا، ولهذا الله عز وجل ما هو أخبرنا أنه يبعثنا، أسألك: هل أقتصر على مجرد أنهم يبعثون؟ قال: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧] وهذا خبر مؤكد، هل أقتصر على هذا؟ أبدًا، جاء بأدلة حسية يشاهدونها بأعينهم، يحيي الأرض بعد موتها إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى [الروم: ٥٠]، يبدؤكم أولًا ثم يعيدكم ثانيًا، وما أشبه ذلك. ثم الآن يا جماعة، الآن أنا أرى أن طالب العلم محتاج إلى الأدلة العقلية، ليس معنى ذلك أني أقول: لا تقتنع إلا بها، الواجب أن تقتنع بالأدلة الشرعية مهما كان الأمر، لكن أنت طالب علم سوف تناظر وتحاج، فإذا لم يكن لديك دليل عقلي ربما تهزم، الذين لا يقتنعون الآن إلا بالعقلية، إذا جيء بأصح دليل ودلالة من الكتاب والسنة ذهبوا يحرفونه، قالوا: المراد كذا وكذا، أنت غبي، ما تعرف تأخذ بالظاهر مثل الدجاجة، تقول: لا، إذا أتيت بالدليل العقلي يؤيد الدليل السمعي يتوقف. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بماذا أفحم فحول علماء الكلام والفلسفة؟ إلا بالحجج العقلية. طالب: (...). الشيخ: بعض العلماء قال هكذا، ولكن ظاهر اللفظ خلاف ذلك؛ لأن الذي قلت هذا لازم من النهي عن قربان الصلاة؛ لأنك إذا نهيت عن قربان الصلاة في حالة السكر معناه: لا تسكر عند أيش؟ عند وقت الصلاة؛ خوفًا من إضاعتها. طالب: (...). الشيخ: لا، ما أحد قال هذا من العلماء، من قال؟ لا يقول: ليس بعد الكفر ذنب، تدري ويش معناها عندهم؟ يقول: الذي استجاز لنفسه أن يكفر يستجيز لنفسه أن يقول هذا، فأنت مثلًا شفت الكافر ولقيته يشرب الدخان: تعال حرام عليك تشرب الدخان، صح؟ أرأيت حالق لحيته؟ ما تقول: تعال هذا تبع حلق اللحية حرام. طالب: (...). الشيخ: هو بيسأل هذا ترى إن صح الحديث لأن أكثر ما يذكره المؤرخون، لكن إن صح (...) يبين للناس أن هذا ما هي بالشريعة التي أمرتك، يعني حتى شرائع النصارى ما أمرت بهذا، لكن أمره ربه اللي هو مالكه وفعل هذا. طالب: (...). الشيخ: في حال الكفر؟ الطالب: (...). الشيخ: غير المخاطبين، ما يخاطبون الآن، نأمركم بالفروع قبل الأصول، وحديث ابن العاص صريح في هذا. الطالب: (...). الشيخ: لا، مخاطبون فيها بمعنى أنهم يعاقبون عليها في الآخرة فقط. الطالب: (...). الشيخ: لا، فيها خلاف، الذي يقول: ما هم مخاطبون يقول: ما يعذبون إلا على أصل الكفر فقط، اللي هو الإنكار والتكذيب، أما أن يعذبوا على ترك الصلاة والصدقة وما أشبه ذلك لا. الطالب: (...). الشيخ: ما لها جواب، ولهذا قلنا: الصحيح أنهم يخاطبون بها في الآخرة. الطالب: (...). الشيخ: ما أحد يقول: يلزمهم. الطالب: (...). الشيخ: مخاطبون بمعنى أنهم يعاقبون عليها في الآخرة، هذا معنى الخطاب عندهم، ليس معنى أنهم يقضونها، هذا بالاتفاق أنها ما تقضى ولا يلزمون بها في حال الكفر. طالب: (...). الشيخ: والإجماع القطعي، وأن الواجب خمس صلوات في كل يوم وليلة، فمن جحد فرض واحدة منها فقد كفر؛ لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، وأن القول الراجح أنه لا يجب سواها -سوى هذه الصلوات الخمس- لأن الأدلة المتكاثرة دلت على أن الواجب خمس صلوات، بل قد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل عليّ غيرها؟ قال: «لَا إِلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ» . ويستثنى من ذلك ما له سبب، فإن ما له سبب قد يقال بوجوبه عند وجود سببه، إذا وجد مقتضى الوجوب، ولا ينافي هذا ما قلنا: إنه لا يجب سوى الصلوات الخمس؛ وذلك لأن ذوات الأسباب مربوطة بأسبابها. مثال ذلك: تحية المسجد؛ فإن كثيرًا من أهل العلم قال: إنها واجبة، وصلاة الخسوف، فإن كثيرًا من أهل العلم قال بأنها واجبة، أما الوتر فقد قيل بوجوبه، ولكن الصحيح عدم الوجوب؛ لأن الوتر ليس له سبب، بل هو يدور بدوران اليوم والليلة، ولا صلاة تجب بدوران اليوم والليلة إلا الصلوات الخمس. وسبق أن لوجوبها شروطًا: البلوغ، والعقل، والإسلام، وعدم المانع. عدم المانع: نقول: إنه شرط من باب الإيضاح، وإلا فإن عدم المانع ليس بشرط، بل بينهما فرق، المانع هو الحيض والنفاس، فإن المرأة تكون بالغة عاقلة مسلمة ولا تجب عليها الصلاة لوجود المانع، وهو الحيض والنفاس بالإجماع أيضًا. قال المؤلف رحمه الله: (ويقضي من زال عقله بنوم) إذن نستذكر ما مضى: الذي زال عقله بنوم يقضي بالنص والإجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، وأجمع المسلمون على ذلك. وقول المؤلف: (يقضي) استفدنا منه فيما سبق أن صلاة النائم بعد خروج الوقت تعتبر قضاء. وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أنها أداء، يقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقّت للنائم الصلاة عند استيقاظه، والناسي عند ذكره، وأن كل من كان معذورًا بالنوم أو النسيان فإن صلاته إذا زال عذره صلاة في وقتها أداء. وسبق أيضًا لنا أن من زال عقله بإغماء فإن القول الصحيح عدم وجوب الصلاة عليه، وهو مذهب الأئمة الثلاثة؛ لأنه ليس بعاقل، ومن زال عقله بسكر فالصحيح أنه يقضي، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لا يقضي، ولكن الصحيح القضاء؛ لأن زوال عقله باختياره وأيضًا بفعل محرم. كذلك قال: (أو نحوه) مثل: البنج والدواء، وهذا أيضًا محل خلاف، فمن أهل العلم من يقول: إذا زال عقله بشيء مباح فإنه لا قضاء عليه؛ لأنه معذور، ولكن الذي يترجح عندي -والعلم عند الله- أن من زال عقله بفعله فعليه القضاء، لكن إن كان الفعل محرمًا فهو آثم، وإن كان غير محرم فليس بآثم، وأما من زال عقله بغير اختياره كالمغمى عليه فليس عليه قضاء. قال المؤلف: (ولا تصح من مجنون) يعني: لا تصح الصلاة من مجنون لو صلاها، أما عدم الوجوب فقد عرفناها من قوله: (تجب على كل مسلم مكلف)، فلا تجب على المجنون، ولا تصح منه، وذلك لعدم القصد؛ فإن المجنون لا قصد له، ومن لا قصد له لا نية له، ومن لا نية له لا عمل له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، والمجنون كيف ينوي؟ إذن لو عمل لم يصح، إي نعم، والمجنون لا قصد له، إذن: لو عمل فإنه لا يصح عمله؛ لأن الأعمال بالنيات. وقول المؤلف: (من مجنون) مثله: من زال عقله ببِرسام؛ وجع في الدماغ يجعل الإنسان يهذي ويقول قولًا ليس منتظمًا، هذا مثل المجنون. ومثله أيضًا: المهرم الذي لا يعقل، كل هؤلاء لا تصح منهم الصلاة، ولا تجب عليهم، وذلك لعدم العقل. قال: (ولا تجب على كافر)، سواء كان الكافر أصليًّا أم مرتدًّا. الأصلي: الذي لم يزل كافرًا، والمرتد: الذي كفر بعد إسلامه، فلا تصح الصلاة منه، يعني: لو صلى مثلًا وهو لا يزال على كفره لم تصح الصلاة منه. الدليل قوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤]، مع أن النفقات نفعها متعد، فإذا كانت العبادة ذات النفع المتعدي لا تقبل من الكافر، فالعبادة الخاصة من باب أولى ألا تقبل ولا تنفعهم، هذا الدليل. التعليل: ولأنه ليس من أهل العبادة حتى يسأل؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» . إذا كانت لا تصح منه تجب عليه؟ لا، وهذا سبق في قوله: (تجب على كل مسلم). هل يعاقب عليها؟ نعم، يعاقب عليها وعلى جميع فروع الإسلام، الدليل قوله تعالى: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر: ٣٩ - ٤٦]، هذه أربعة أسباب كلها أوجبت دخولهم النار. فإن قلت: كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِتغني عن كل هذه الأسباب؛ لأنهم إذا كذبوا بيوم الدين فهم من أهل النار؟ فالجواب: أنه لولا أن تركهم الصلاة والصدقة له أثر في دخولهم النار لم يذكروه، إذن فهم يعاقبون على الصلاة. هل يأمرون بقضائها إذا أسلموا؟ لا؛ لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ، ولأن الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر واحدًا منهم بقضاء الصلاة. قال: (فإن صلى فمسلم حكمًا)، إن صلى من؟ الكافر (فمسلم حكمًا) أي أننا نحكم بإسلامه، وإن لم يقل: أسلمت، فهذا كافر قام فصلى، كبر واستفتح وقرأ وركع وسجد وسلم، تقول: هو الآن مسلم، لكن مسلم حقيقة ولَّا حكمًا؟ مسلم حكمًا، حتى وإن لم ينو الإسلام بما فعله فهو مسلم حكمًا، يعني حسب حكمنا عليه في الدنيا، وفائدة هذا: أننا إذا حكمنا بإسلامه طالبناه بلوازم الإسلام، مثل.

كتاب الصلاة

٠٠:٠٠:٠٤

تجب على كل مسلم مكلف إلا حائضا ونفساء ،

٠٠:٠٤:١٣

تجب على كل مسلم مكلف إلا حائضا ونفساء، ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه، ولا تصح من مجنون ولا كافر، فإن صلى فمسلم حكما.

ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه ،

٠٠:٢٧:٤١

تجب على كل مسلم مكلف إلا حائضا ونفساء، ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه، ولا تصح من مجنون ولا كافر، فإن صلى فمسلم حكما.

ولا تصح من مجنون ولا كافر ،

٠٠:٥٢:٣١

تجب على كل مسلم مكلف إلا حائضا ونفساء، ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه، ولا تصح من مجنون ولا كافر، فإن صلى فمسلم حكما.

فإن صلى فمسلم حكما .

٠٠:٥٧:٠٩

تجب على كل مسلم مكلف إلا حائضا ونفساء، ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر أو نحوه، ولا تصح من مجنون ولا كافر، فإن صلى فمسلم حكما.