تجاوز إلى المحتوى

كتاب الزكاة - ٨

درس صوتي · ٩٣:٤٩

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

يحيى بن معين وغيرهم كلهم يحتجون به. طالب: (...) من قال. الشيخ: حتى إن بعض المحدثين قال: إذا صح السند إلى عمرو فإن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كمالك عن نافع عن ابن عمر، يعني: إنه سلسلة الذهب، لكن هذه مبالغة. طالب: فيه سؤال يا شيخ، عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب؟ الشيخ: هذه محتملة الضمائر، لكن كلها سواء هذا أو هذا شبه متصل السند. طالب: شيخ، هل القائلين بالوجوب ما يردون على الحديث الصحيح الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ بِحُلِيِّكُنَّ» ؟ الشيخ: ما فيه دليل. الطالب: لو كان فيه زكاة ما أخذ. الشيخ: لا؛ لأن الحلي هذا المفروض أنه مُزَكًّى، وأن الباقي بأيديهن قد أُدِّيَ زكاتُه، هذا هو المتوقع من الصحابة. ثم إنه لو قلت مثلًا: تصدق ولو مما أعددته لنفقتك من الدراهم، والدراهم تبلغ النصاب، هل معنى ذلك أن الدراهم ما فيها زكاة؟ لأني قلت: ولو من الدراهم، أجب. الطالب: فيها زكاة. الشيخ: فيها زكاة، الحليُّ فيها زكاة، و هذا لا يدل على سقوط الزكاة. المعنى: حتى من حاجاتكن الخاصة تَصَدَّقْنَ. طالب: هو من كمال البلاغة؛ لو كان في الحليِّ زكاة ما ذكرها. الشيخ: ليش ما ذكرها؟ الطالب: لأن الأصل فيها الزكاة. الشيخ: هذه واجبة وهذا تطوع، والزكاة الواجبة منتهًى منها، الآن لو كان عندك -مثلت لك- دراهم تعدها للنفقة ما تبغي يروح منها قرش، فقلت: تصدق ولو من نفقتك، هل معنى ذلك سقوط الزكاة فيها؟ الطالب: لا. الشيخ: هذا بالمثل، هذا ما دل على السقوط.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: ما تقول في امرأة عندها حُلِيٌّ، كلما احتاجت أنفقت منه، هل عليها فيه الزكاة أو لا؟ حُلِيٌّ وضعته في الصندوق، وكلما احتاجت باعت؟ طالب: عليها زكاة. الشيخ: ليش؟ الطالب: تلبسه هي ولّا لا؟ الشيخ: ما تلبسه أو تلبسه، ولكن (...) محتاج، وكلما احتاجت باعت. الطالب: ليست عليها (...). طالب آخر: فيه خلاف. الشيخ: المذهب؟ الطالب: ليس فيه زكاة (...). الشيخ: إذا أُعِدَّ للبس، فإن أُعِدَّ للنفقة؟ الطالب: للنفقة؟ الشيخ: نعم. الطالب: ما فيه زكاة. الشيخ: ما فيه زكاة، المذهب فيه الزكاة، إذا أُعِدَ للكِراء؟ طالب: إذا أعد ليكون مستأجَرًا؟ الشيخ: تأجير. الطالب: فيه الزكاة -يا شيخ- على القول في المذهب. الشيخ: حتى على المذهب؛ امرأة عندها حليٌّ كالثعبان، هل فيه الزكاة؟ طالب: إذا كان معدًّا للاستعمال؟ الشيخ: لا، تستعمله كل يوم. الطالب: المذهب لا، ما فيه زكاة. الشيخ: ما فيه زكاة. طالب: نعم، فيه -يا شيخ- زكاة. الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه مُحَرَّم. الشيخ: لأنه محرم، المحرم فيه الزكاة.


رسالة في زكاة الحلي بداية من هنا بدأ الشيخ -رحمه الله- يشرح من رسالته في زكاة الحلي وليس من متن الزاد، فليتنبه.

٠٠:٠٥:٢٢

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه رسالة في زكاة الحلي لشيخنا -حفظه الله- قرر قراءتها في درس الفقه بمناسبة مرورنا في باب الزكاة في كتاب زاد المستقنع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. الشيخ: قول المؤلف: (ونتوب إليه) هذا هو ما درج عليه العلماء والذين رأيناهم يبدؤون كتبهم في هذه الخطبة، لكني ما رأيتها في الحديث، في الحديث لم أر (ونتوب إليه)؛ نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله، إن زادها الإنسان فلا بأس، وإن حذفها فهو أحسن ليطابق الحديث، أما ما يزيده بعض الناس اليوم: نستهديه، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وما أشبه ذلك، فهذا يظهر لي -والله أعلم- أنهم لا يريدون بهذا أن ينقلوا الخطبة بالنص. الطالب: ونعوذ بالله من شرور أنفسها ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن الله إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا أما بعد: فهذه رسالة في بيان حكم زكاة الحليِّ المباح، ذكرت فيها ما بلغه علمي من الخلاف والراجحَ من الأقوال وأدلةَ الترجيح. فأقول -وبالله التوفيق والثقة وعليه التكلان وهو المستعان-: لقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في وجوب الزكاة في الحلي المباح على خمسة أقوال: أحدها: لا زكاة فيه، وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد إلا إذا أُعِدَّ للنفقة، وإن أُعِدَّ للأُجرة ففيه الزكاة عند أصحاب أحمد، ولا زكاة فيه عند أصحاب مالك والشافعي، وقد ذكرنا أدلة هذا القول إيرادًا على القائلين بالوجوب وأجبنا عنها.

الثاني: فيه الزكاة سَنَةً واحدة وهو مرويٌّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه. الثالث: زكاتة عاريته، وهو مرويٌّ عن أسماء وأنس بن مالك أيضًا. الرابع: أنه يجب فيه إما الزكاة وإما العارية، ورجحه ابن القيم رحمه الله بالطرق الحُكْمِيَّة. القول الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصابًا كل عام، و هو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وأحد القولين في مذهب الشافعي، وهذا هو القول الراجح

، لدلالة الكتاب والسنة والآثار عليه، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٤، ٣٥] والمراد بكنز الذهب والفضة عدم إخراج ما يجب فيهما من زكاة وغيرها من الحقوق، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كل ما أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض . قال ابن كثير رحمه الله: وقد رُوِيَ هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا. الشيخ: (...) أن الكنز ما لا تُؤَدَّى زكاتُه، وما أديت زكاته فليس بكنز، ولا عبرة بكونه مدفونًا أو ظاهرًا. الطالب: والآية عامة في جميع الذهب والفضة لم تُخَصِّصْ شيئًا دون شيء، فمن ادَّعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل، وأما السنة فمن أدلتها: أولًا: ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ» الحديث . والمتحلِّي بالذهب والفضة صاحب ذهبٍ وفِضَّةٍ، ولا دليل على إخراجه من العموم، وحَقُّ الذهب والفضة من أعظمه، وأوجبُه الزكاة. قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: الزكاة حق المال . ثانيًا: ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له، قال: حدثنا أبو كامل وحميد بن مسعدة المعنى، أن خالد بن الحارث حدثهم، قال: حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنةٌ لها وفي يد صابنتها مَسَكَتَان غليظتان من ذهب فقال لها: «أُتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا» قالت: لا، قال: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله ورسوله . قال في بلوغ المرام: وإسناده قويٌّ، وقد رواه الترمذي من طريق ابن لَهِيعَة. الشيخ: والشيخ عبد العزيز بن باز قال: إنه صحيح كان له رسالة، قال: إنه صحيح. الطالب: قد رواه الترمذي من طريق ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح ثم قال: إنهما يُضَعَّفَان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب شيء. لكن قد رُدَّ قولُ الترمذي هذا برواية أبي داود لهذا الحديث من طريق حُسَيْن المعلم، وهو ثقة احتج به صاحبا الصحيحين: البخاري ومسلم، وقد وافقهم الحجاج بن أرطاة، وقد وثقه بعضهم، وروى نحوه أحمد عن أسماء بنت يزيد بإسناد حسن. طالب: (...) ابن باز. الشيخ: يقول: إن الحديث صحيح، الحافظ قال: إن إسناده قوي، والشيخ قال: إنه صحيح. الطالب: ثالثًا: ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازيُّ، قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها فقالت: دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يَدَيَّ فَتَخَاتٍ من وَرِقٍ فقال: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» فقلت: صنعتهن أتزين لَكَ يا رسول الله فقال: «أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ؟» قلت: لا، أو ما شاء الله. قال: «هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ» . قيل لسفيان: كيف تُزَكِّيه؟ قال: تَضُمُّه إلى غيره. وهذا الحديث أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي، والدارقطني وقال في التلخيص: إسناده على شرط الصحيح، وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين، يعني البخاري ومسلمًا، وقال ابن دقيق: إنه على شرط مسلم. الشيخ: هذا الحديث كما رأيتم تصحيح العلماء له، لكنه فيه إشكال، لأن الفتخات ما تأتي نِصابًا، الفضة نصابها خمس مئة وخمسين جرامًا، والفَتَخَة ما تأتي هكذا. أجاب عن هذا الإشكال سفيان الثوري رحمه الله قال: تَضُمُّه إلى غيره، وهذا أحد الأجوبة عن هذا الحديث. وقال بعض العلماء: بل هذا يَدُلُّ على أنه لا يشترط النصاب في الحلي، وأن الحلي قَلَّ أو كَثُرَ فيه الزكاة، ولكن الجواب الذي قاله سفيان أولى لأن إيجاب الزكاة على ما دون النصاب في القلب منه شيء، والأصل براءة الذمة. الطالب: رابعًا: ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا عَتَّاب -يعني ابن بشير-، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة قالت: كنت ألبَس أَوْضَاحًا من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُه فَزُكِّيَ؛ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» . وأخرجه أيضًا البيهقي والدارقطني والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه وصححه أيضًا الذهبي، وقال البيهقي: تفرد به ابن عَجْلان، قال في التنقيح: وهذا لا يضر؛ فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقول عبد الحق فيه: لا يُحْتَجُّ بحديثه، قول لم يقله غيره، قال ابن دقيق: وقول العُقَيْلِي في ثابت بن عجلان: لا يُتابَع على حديثه، تحامل منه. فإن قيل: لعل هذا حين كان التحلي ممنوعًا، كما قاله مسقطو الزكاة في الحلي. فالجواب: أن هذا لا يستقيم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان التحلِّي ممنوعًا لأمر بخلعه وتوعد على لبسه. الشيخ: واضح، هذا أحد الأجوبة التي أجاب بها مَن قال: إنه لا زكاة. قال: هذه الأحاديث محمولة على ما قبل التحريم؛ يعني: حين كان التحلِّي حرامًا، وهذا يحتاج إلى أمرين كما تعملون؛ يحتاج إلى إثبات أنه وقع التحريم أولًا، ثم إلى إثبات النسخ، فإذا ثبت هذا، فيمكن أن يجاب به، ثم إن هذا الحديث لا يدل على التحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اللبس، وإنما أوجب الزكاة وَتَوَعَّدَ على مَنْ لم يزكِ، فلا يستقيم هذا الجواب. الطالب: ثم إن النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال، ثم لو.. الشيخ: (ذلك) المشار إليه: النسخ، لا يثبت بالاحتمال، يقال: يُحْتَمل إنه منسوخ، طيب، ما يكفي هذا، لا بد أن نعلم تأخر الناسخ؛ لأن للنسخ شرطين لا بد منهما: الأول: تَعَذُّر الجمع، فإن أمكن الجمع بأي وجه من وجوه الجمع، كالتخصيص مثلًا أو التقييد أو ما أشبه ذلك فإنه لا يُصار إلى النسخ؛ لأن النسخ أمره عظيم؛ إذ إنه إثبات رد أحد النصين، ما هو هين، النسخ معناه أنك لغيت أحد النصين، أهدرته ورددته، وهذا يحتاج إلى ثبوت هذا الأمر، فلا بد من شرط آخر وهو معرفة أن هذا بعد هذا؛ يعني أن ما ادُّعي أنه ناسخ يكون بعد ما كان منسوخًا، فإن لم نعلم فإنه لا نسخ، لكن ماذا يكون موقفنا إذا لم يثبت النسخ وتعذر الجمع؟ نرجع إلى طريق آخر قبل التوقف؛ الترجيح، ننظر أيهما أرجح، وطرق الترجيح معروفة عند الأصوليين وعند المحدثين، فإن لم يتبين الترجيح، فحينئذ يجب التوقف، فنقول: الله أعلم. ولكن هذا عمليًّا قد يكون مشكلًا؛ لأن العاميَّ ما يرضيه أن تقول أنا متوقف، يقول: أفتنا. فماذا نعمل في هذه الحال؟ الظاهر -والله أعلم- أننا نلجأ إلى الاجتهاد ونأخذ بالاحتياط، أو بما يطابق الشريعة، فالذي يطابق الشريعة هو الأسهل، والاحتياط هو الأثقل. فهنا لا بد، على أن الوصول إلى درجة التوقف لا تمكن باعتبار النسخ لكنها تمكن باعتبار المستدل، أما باعتبار الدليل لا يمكن، لكن باعتبار المستدل بحيث تعارض عنده النصوص هذا ممكن، ويكون ذاك إما بسبب قصوره أو تقصيره أو سوء قصده أو رداءة فهمه. الطالب: التحلي به، بل أقرَّه مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان التحلي ممنوعًا لأمر بخلعه وتَوَعَّد على لبسه، ثم إن النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال، ثم لو فرضنا أنه كان حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط، وإباحته إباحة مطلقة أي بدون زكاة. الشيخ: هنا أجبنا عن ذلك، على قول من قال: إن الوعيد حينما كان التحلي ممنوعًا، أجبنا بأن هذا لا يستقيم؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان حرامًا لتوعد على لبسه ومنعه، وحينئذ لا يستقيم هذا الجواب. وأيضًا النسخ إذا قيل: إنه كان ممنوعًا ثم نسخ إلى الإباحة فإنه يحتاج إلى دليل بحيث نعلم المتأخر، ويتعذر الجمع؛ لأن للنسخ شرطين لا بد منهما: الأول: تعذر الجمع، والثاني: العلم بالمتأخر. ثم لو فرضنا أنه كان حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة حديث المرأة مع ابنتها تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، وحينئذ نقول: لنفرض أن هذا كان حين التحريم فإن الأدلة الدالة على الجواز تُقَيِّدُه بإخراج الزكاة ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط وإباحته، إي إباحة التحلي إباحة مطلقة، وبهذا سقط هذا التقدير، أي أن ذلك كان حين التحريم. الطالب: فإن قيل: ما الجواب عما احتج به مَنْ لا يرى الزكاة في الحلي، وهو ما رواه ابن الجوزي بسنده في التحقيق عن عافية بن أيوبٍ عن الليث بن سعد. الشيخ: ابن أيوبَ. الطالب: عن عافية بن أيوبَ عن الليث بن سعد. الشيخ: ما المانع من الصرف؟ الطالب: العلمية والعجمة. الشيخ: العلمية والعجمة. الطالب: عن عافية بن أيوبَ، عن الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار؟ قيل: الجواب على هذا من ثلاثة أوجه: الأول: أن البيهقي قال فيه: إنه باطل لا أصل له، وإنما يُرْوَى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به كان مغررًا بدينه، انتهى. الثاني: أننا إذا فرضنا توثيق عافية كما نقله ابن أبي حاتم عن أبي زرعة فإنه لا يعارض أحاديث الوجوب، ولا يقابل بها لصحتها ونهاية ضعفه. الثالث: أننا إذا فرضنا أنه مساوٍ لها، ويمكن معارضتها به فإن الأخذ بها أحوط، وما كان أحوط فهو أولى بالاتباع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وقوله: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» . وأما الآثار فمنها. الشيخ: إذن الجواب من ثلاثة أوجه: أولًا: أنه قد طُعن في الحديث وفي راويه. والثاني: أنه لو فُرِضَ رفع الطعن في الراوي فإنه لا يعارض الأحاديث -أحاديث الوجوب-، والمعارضة لا بد أن يكون المعارِض مقاومًا للأحاديث التي عارضها حتى يمكن أن يعارض به. والثالث: أنه لو فرض التعارض والتساوي والتفاضل فالأخذ بالوجوب أحوط وأبرأ للذمة، ولهذا ذهب بعض العلماء كالشيخ الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان إلى أن القول بالوجوب أحوط، فيكون من باب الاحتياط. الطالب: وأما الآثار فمنها: أولًا: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى: أن مُرْ مَنْ قِبَلَكَ من نساء المسلمين أن يَصَّدَّقن من حُلِيِّهن . قال ابن حجر في التلخيص: إنه أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق شعيب بن يسار وهو مرسل قاله البخاري، قال: وقد أنكر ذلك الحسن فيما رواه ابن أبي شيبة عنه قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال في الحلي زكاة، انتهى. لكن ذكره مرويًا عن عمر صاحب المغني، والمحلَّى، والخطابي. ثانيًا: عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أن امرأة سألته عن حُلِيٍّ لها؟ فقال: إذا بلغ مئتي درهم ففيه الزكاة رواه الطبراني، والبيهقي، ورواه الدارقطني من حديثه مرفوعًا وقال: هذا وهم، والصواب موقوف. الشيخ: فيه فرق بين المرفوع والموقوف؛ أن المرفوع: ما كان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والموقوف ما كان عن الصحابة، والمقطوع عن التابعي فمن بعده، والمنقطع ما سقط من سنده واحد أو أكثر في موضعين. الطالب: ثالثًا: عن ابن عباس رضي الله عنهما حكاه عنه المنذري والبيهقي، قال الشافعي: لا أدري يثبت عنه أم لا. رابعًا: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يأمر بالزكاة في حُلِيِّ بناته ونسائه ، ذكره عنه في المحلى من طريق جرير بن حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه. خامسًا: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أُعْطِيَ زكاته رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة، لكن روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حَجْرِها لهنَّ الحلي، فلا تُخْرج من حُلِيِّهِن الزكاة . قال ابن حجر في التلخيص: ويمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها ولا ترى إخراج الزكاة مطلقًا عن مال الأيتام، انتهى، لكن يُرَدُّ على جمعه هذا ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة قال بعضهم: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموال اليتامى واجبًا فتخرج تارة، ولا تخرج أخرى كذا قال. وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر وهو: أن عدم إخراجها فعل والفعل لا عموم له، فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، فلا يعارض القول، والله أعلم. الشيخ: هذا الأثر ينبغي أن يتخذ منه قواعد في باب المناظرة؛ أن عائشة رضي الله عنها قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أُعْطِيَ زكاته فدلَّ هذا على أنه لا بد من إعطاء الزكاة، ولكن روى مالك في الموطأ بإسناد أصح من ذلك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة ، ولو كانت ترى الوجوب لأخرجت؛ لأن الولي يجب عليه إخراج الزكاة عن المولى عليه. ولهذا قال العلماء: والمجنون والصبي يُخْرِج عنهما وليهما. قال ابن حجر في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير وهو كتاب حسن جيد، يساوي أو يقارب كتاب الزيلعي نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية وكلاهما جيد في موضوعه. قال ابن حجر في التلخيص: ويمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها -أي في الحلي- ولا ترى إخراج الزكاة مطلقًا من مال الأيتام بناء على أنه يشترط لوجوب الزكاة: البلوغ والعقل كما هو مذهب أبي حنيفة، والأيتام لم يبلغوا؛ فعلى هذا تكون لا تخرج زكاة الأيتام اللاتي في حجرها، لأنها لا ترى وجوب الزكاة على الصغير، وهذا الجواب لا شك أنه سديد، إلا أنه يرد عليه ما رواه مالك في الموطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة . وهذا يدل على أنها ترى وجوب الزكاة في مال الأيتام، وأنه لا يُشْتَرط لوجوبها البلوغ والعقل، وأجاب بعضهم فقال: يمكن أن يُجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموال اليتامى واجبًا فتُخْرِج تارة، ولا تخرج أخرى، كذا قال. وهذا الجواب فيه نظر؛ لأنها لو كانت لا ترى إخراج الزكاة واجبًا في مال الأيتام ما جاز لها أن تخرج منها؛ لأنها إذا كانت تطوعًا فالتطوع لا يجوز إخراجه من مال الأيتام لأنه تبرع وليس للولي حق التبرع في مال مَنْ وَلِيَ عليه، ولهذا مر فيما سبق أنا قلنا: هناك فرق بين جواز التبرع وجواز التصرف، أيهما أضيق؟ طلبة: التبرع. الشيخ: جواز التبرع؛ لأن كل من جاز تبرعه جاز تصرفه ولا عكس، فالوليُّ يجوز أن يتصرف في مال المولى عليه ولا يجوز أن يتبرع منه. على كلٍّ هذا الجواب فيه نظر؛ لأنها لو كانت لا تراه واجبًا وإنما تراه تطوعًا لم تخرج من أموال اليتيم. وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر؛ وهو أن عدم إخراجها فعل، والفعل لا عموم له، وهذا ما يعبر عنه أحيانًا بقولهم: إنها قضية عَيْن، فإذا كان فعلًا فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، ربما يكون عليها دين مثلًا، والدين عند بعض العلماء يمنع وجوب الزكاة، وربما أنها تخرج ذلك خفية ولم يطلع عليه أحد، المهم أن الفعل ليس له عموم، فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، فلا تخرج الزكاة. طالب: (...) عن مالك هذا عام في كل المال، وأما عدم إخراجها في الحلي فهو خاص (...) جميع المال إلا الحلي. الشيخ: لكن نقول: لا ترى إخراج الزكاة من أموال اليتامى واجبًا، الجواب الثاني. الطالب: (...) يقال: إن الأثر الثاني أَثَرٌ عن مالك عامٌّ في كل الأموال، أما الأول. الشيخ: فكانت تخرج الزكاة من أموالنا. الطالب: إي نعم، عام في كل الأموال إلا الحلي فلا تخرج على الأثر الأول. الشيخ: لكن هي رُوِيَ عنها أمران: الأمر الأول قالت: في الحلي زكاة، وهذا قول، وعدم إخراج زكاة الحلي لا يعارض القول لأنه فعل، والفعل قد يكون له -كما قلنا في الأخير- قد يكون له أسباب تمنع من الوجوب. طالب: (...) القياس؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: (...). الشيخ: في. الطالب: (...). الشيخ: لماذا أيش؟ الطالب: (...). الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، الأجوبة عن القياس. طالب: شيخ (...) الجواب الثاني الأحسن للجمع. الشيخ: الأحسن أن يجاب بوجه آخر وهو: أن عدم إخراجها الزكاة في حلية اليتامى فعل، فلا يعارض القول؛ لأن هي تقول بوجوب الزكاة. الطالب: فإن قيل: ما الجواب عما استدل به مسقطو الزكاة فيما نقله الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة: أنس بن مالك، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء. فالجواب: أن بعض هؤلاء روي عنهم الوجوب، وإذا فرضنا أن لجميعهم قولًا واحدًا، أو أن المتأخر عنهم هو القول بعدم الوجوب، فقد خالفهم مَنْ خالفهم من الصحابة، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد جاء فيهما ما يدل على الوجوب كما سبق. فإن قيل: قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» وهذا دليل على عدم وجوب الزكاة في الحلي؛ إذ لو كانت واجبة في الحلي لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم مضربًا لصدقة التطوع. فالجواب على هذا أن الأمر بالصدقة من الحلي ليس فيه إثبات وجوب الزكاة ولا نفيه عنه، وإنما فيه الأمر بالصدقة حتى من حاجيات الإنسان، ونظير هذا أن يقال: تصدق ولو من دراهم نفقتك ونفقة عيالك، فإن هذا لا يدل على انتفاء وجوب الزكاة في هذه الدراهم. الشيخ: نحن ذكرنا فيما سبق في أول الرسالة أننا سنجيب عن أدلة القائلين بعدم الوجوب اعتراضًا ثم نرد عليهم، فهنا استدل القائلون بعدم الوجوب بأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» فجعل الصدقة المأمور بها وهي التطوع في الحلي جعلها مضربًا. والجواب كما سمعتم أن يُقال: إن الأمر بالصدقة من الحلي لا يدل على إثبات وجوب الزكاة في الحلي ولا نفيه كما لو قلت: تَصَدَّقْ ولو من ثيابك التي تلبسها، تصدق ولو من دراهم نفقتك، هذا من باب المبالغة أنك تصدق حتى من الحاجيات، فلو قلت: تصدق ولو من دراهم نفقتك. فهل يعني ذلك أن الدراهم لا تجب فيه الزكاة؟ طالب: لا. الشيخ: لا؛ لأن وجوب الزكاة فيها من وجه آخر، كذلك هذا الحلي وجوب الزكاة فيه من وجه آخر غير هذا الدليل، فهذا الدليل لا يدل على النفي ولا على الإثبات، إنما يدل على الأمر بالصدقة والحث عليها حتى فيما يحتاجه الإنسان. طالب: شيخ (...) إجماع الصحابة (...). الشيخ: هذه لا بد؛ لأنه تعرف العلماء إذا اختلفوا، كل واحد يجيب ما عنده من الأدلة، فلا بد أن نجيب على الأدلة هذه. الطالب: (...) الرسول صلى الله عليه وسلم (...). الشيخ: إذا اختلف الصحابة كلٌّ له اجتهاده، والسنة تحكم بين الجميع، لكن نحن قلنا مرارًا وتكرارًا: إن الإنسان إذا رجح قولًا على قول فلا بد من أمرين: الأول: إثبات دليل الترجيح. والثاني: الإجابة عن قول الآخر. ما تبقى أدلة قول الآخر معلقة لا بد من الإجابة عليها. طالب: شيخ، ما معنى المضرب؟ الشيخ: مضربًا للمثل؛ لأنه قال: «وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» يعني: حتى الأشياء التي تدخل تحت الحاجة تَصَدَّقْنَ منها. الطالب: (...) مثل؟ الشيخ: إي نعم، مثل القلة أو المبالغة. الطالب: (...) يشير إلي أن الحلي مما لا زكاة فيه؟ الشيخ: ليش؟ الطالب: (...) لا زكاة فيها. الشيخ: لا، فيها زكاة، إي نعم، ولو من دراهم نفقتك، إنسان عنده مثلًا دراهم معدة للنفقة، عنده مثلًا ألف ريال يأخذ منها النفقات؛ من دراهم النفقة، يعني: من الدراهم التي أعدها للنفقة. الطالب: فإن قيل: إن في لفظ الحديث: «وَفِي الرِّقَةِ فِي مِئَتِي دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ» وفي حديث عَلِيٍّ: «وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا» والرِّقَة هي الفضة المضروبة سِكَّة، وكذلك الدينار وهو السِّكَّة، وهذا دليل على اختصاص وجوب الزكاة بما كان كذلك، والحلي ليس منه. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ لا يخصون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه، قال في الحاشية: والتبر ما كان من الذهب والفضة غير مصوغ وإن لم يكن مضروبًا وهذا تناقض منهم وتحكم؛ حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم، وأخرجوا منه نظير ما أدخلوه من حيث دلالة اللفظ عليه. الشيخ: اقرأ، فالجواب. الطالب: فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ. الشيخ: ويش اللفظ؟ طالب: (...). الشيخ: وما هو اللفظ؟ الطالب: (...). الشيخ: مثل: في الرِّقَة، في قولهم: في الرقة، وفي قولهم: دينار، يقول: الرقة والدينار هي السكة المضروبة. الطالب: لا يَخُصُّون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه، وإن لم يكن مضروبًا، وهذا تناقض منهم. الشيخ: التبر، معروف عندكم؟ قطعة من الذهب أو من الفضة ليست مصوغة ولا مضروبة نقدًا، وإنما هي أكوام من الذهب والفضة. طالب: (...). الشيخ: إي، غير مسوغة. الطالب: وهذا تناقض منهم وتحكم؛ حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم. الشيخ: أن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ لا يخصون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه وإن لم يكن مضروبًا. الطالب: وهذا تناقض منهم وتحكم؛ حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم. الشيخ: ما هو الذي لا يشمله اللفظ على زعمهم؟ طالب: (...). الشيخ: لا، التبر؛ التبر ونحوه يقولون: التبر تجب فيه الزكاة مع أنهم يستدلون على نفي الزكاة في الحُلِيِّ بقوله؛ أيش؟ في الرِّقَة والدينار. نقول: أنتم أوجبتم الزكاة في التبر مع أنه ليس رِقَة ولا دينارًا على كلامكم. الطالب: وأخرجوا منه ما هو نظير ما أدخلوه من حيث دلالة اللفظ عليه أو عدمها. الثاني: أننا إذا سلمنا اختصاص الرِّقَة والدينار بالمضروب من الفضة والذهب فإن الحديث يدل على ذكر بعض أفراد وأنواع العام بحكم لا يخالف حكم العام، وهذا لا يدل على التخصيص كما إذا قلت: أكرِم العلماء، ثم قلت: أكرِم زيدًا، وكان من جملة العلماء، فإنه لا يدل على اختصاصه بالإكرام، فالنصوص جاء بعضها عامًا في وجوب زكاة الذهب والفضة، وبعضها جاء بلفظ الرقة والدينار، وهو بعض أفراد العام، فلا يدل ذلك على التخصيص. فإن قيل: ما الفرق بين الحلي المباح وبين الثياب المباحة إذا قلنا بوجوب الزكاة. الشيخ: فيه جواب ثالث ذكره ابن حزم اطلعنا عليه أخيرًا، وهو قوله: إن الرِّقَة اسم للفضة مطلقًا سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة وعلى هذا فقوله «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» يدل على العموم، وفي قوله: «فِي مِئَتَيْ دِرْهَمٍ رُبْعُ الْعُشْرِ» دليل على مقدار النصاب، لكن هذا مخالف لأكثر مَنْ تكلم في هذا الباب حيث قالوا: إن الرقة هي السكة المضروبة، وهذا أقرب،؛ يعني القول بأن الرقة هي السكة المضروبة أقرب لقوله تعالى: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف: ١٩] معلوم إنها دراهم. الطالب: فإن قيل: ما الفرق بين الحلي المباح وبين الثياب المباحة إذا قلنا: بوجوب الزكاة في الأول دون الثاني؟ فالجواب: أن الشارع فرق بينهما؛ حيث أوجبها في الذهب والفضة من غير استثناء، بل وردت نصوص خاصة في وجوبها في الحلي المباح المستعمل كما سبق، وأما الثياب فهي بمنزلة الفرس وعَبْدِ الخدمة اللذين قال فيهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» فإذا كانت الثياب للبس، فلا زكاة فيها وإن كانت للتجارة ففيها زكاة التجارة. الشيخ: واضح هذا، يعني: بعض القائلين بعدم الوجوب قالوا: هذه كالثياب، هذه من حاجيات الإنسان يلبسها، يحتاج إليها، حينئذ نقول: لا بد أن نجيب عن هذا القول، بماذا؟ بالتفريق، فنقول: الحلي أوجب الشرع الزكاة فيه، والثياب لم يوجب فيها الزكاة، هذا هو الفرق، نعم لو كان الأصل في الذهب والفضة عدم الوجوب لقلنا: إنه لا زكاة في الحلي، كما نقول: إن الأصل في الثياب عدم الوجوب، فهذا قياس مع الفارق. الطالب: فإن قيل: هل يصحُّ قياس الحلي المباح المُعَدّ للاستعمال على الثياب المباحة المعدة للاستعمال، كما قاله مَنْ لا يوجبون الزكاة في الحلي؟ فالجواب. الشيخ: قبل أن نتجاوز الأول وهو أن الشارع إذا فرق بين شيئين، فإنه لا نسأل عن الحكمة بينهما؛ لأنه لولا أن بينهما فرقًا، لم يفرق بينهما، وهذا كالأمور القدرية إذا جاءت على خلاف سنة الله عز وجل ما يُسْأَل عنها، ما يقال: لِمَ، ولهذا لما قال زكريا: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران: ٤٠]؛ يعني: ومثلي لا يولد له، ماذا قال الله له: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُسلم للسنن الكونية وكذلك للسنن الشرعية. ولما قيل لعائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة . فإذا فرَّق الشرع بين شيئين فليس من حقنا أن نجادل ونقول: لماذا يكون هكذا هنا وهكذا هنا؟ لأن الله يفعل ما يشاء في الخلق والتقدير، ويَحْكُم بما يشاء في الشرع والتدبير. الطالب: فالجواب لا يصح القياس لوجوه؛ الأول: أنه قياس في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فهو قياس فاسد؛ وذلك لأنه يقتضي إبطال العمل بالنص، ولأن النص إذا فَرَّق بين شيئين في الحكم، فهو دليل على أن بينهما من الفوارق ما يمنع إلحاق أحدهما بالآخر، ويوجب افتراقهما، سواء علمنا تلك الفوارق أم جهلناها، ومن ظن افتراق ما جمع الشارع بينهما أو اجتماع ما فرق الشارع بينهما فظنه خطأ بلا شك، فإن الشرع نَزَل من لدن حكيم خبير. الشيخ: يُسَمِّي الأصوليون هذا القياس فاسد الاعتبار؛ يعني غير معتبر، كل قياس في مقابلة النص فإنه قياس فاسد؛ لأن هذا القياس يقتضي إبطال النص. قالوا: وأول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس، فكل من قاس قياسًا فاسدًا فهو مِنْ وَرَثَتِه؛ لأن الله لما أمره بالسجود قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف: ١٢] والقياس يقتضي أن لا يسجد الخير لمن دونه، القياس يقتضي أن الأصغر يسجد للأكبر، فكأن إبليس يقول: أنا أحق أن يُسْجَدَ لي من أن أسجد له، فهذا القياس لم ينفعه. الطالب: الثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا، فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة، فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا. الشيخ: عندكم (...) بعد (سبحان الله) (والثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد كالذهب والفضة على زعمهم، إن قصدت الحلي سقطت وإن قصدت شيئًا آخر لم تسقط، فكان مقتضى القياس عدم وجوب الزكاة فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا وهو وجوب الزكاة، سواء قَصَد به التحلي أو لا) ولَّا عندكم أيش؟ طالب: وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة. الشيخ: (الثاني أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا) أيش بعدها؟ طالب: فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة سواء أعدَّه للبس أو لغيره. الشيخ: بعد (...) (وهو عدم وجوب الزكاة) اكتبوا: (فكان مقتضى القياس). طالب: بعد أيش؟ الشيخ: بعد قوله: (عدم وجوب الزكاة). طالب: في السطر الثاني (بحسب القصد). الشيخ: عندكم أنتم القول: (بحسب القصد)، أقرأ عليكم: (الثاني: أن الثياب لم تجب الزكاة فيها أصلًا، فلم تكن الزكاة فيها واجبة أو ساقطة بحسب القصد، وإنما الحكم فيها واحد، وهو عدم وجوب الزكاة، فكان مقتضى القياس وهو عدم وجوب الزكاة فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا وهو وجوب الزكاة سواء أعده للبس أو لغيره). الطالب: فكان مقتضى القياس أن يكون حكم الحلي واحدًا وهو وجوب الزكاة سواء أعدّه للبس أو لغيره، كما أن الثياب حكمها واحد لا زكاة فيها، سواء أعدها للبس أو لغيره ولا يرد على ذلك. الشيخ: يعني: بمعنى أن نرد كل واحدٍ منهما إلى أصله، فنقول: الثياب الأصل فيها عدم الزكاة، فكان الحكم فيها واحدًا سواء أعدت للبس أو لغيره، الحلي الأصل فيه الزكاة فكانت واجبة فيه سواء أعده للبس أو لغيره. الطالب: ولا يرد على ذلك وجوب الزكاة فيها إذا كانت عروضًا؛ لأن الزكاة حينئذ في قيمتها. الثالث: أن يقال: ما هو القياس الذي يُراد الجمع به بين الحلي المعد للاستعمال والثياب المعدة له أهو قياس التسوية أم قياس العكس؟ الشيخ: عندكم كذا؛ (ما هو القياس الذي يراد أن يجمع به) وعندكم (يراد الجمع)؟ طلبة: (يراد الجمع). الشيخ: أظن أن المعنى واحد. الطالب: فإن قيل: هو قياس التسوية قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب تجب فيها الزكاة قبل إعدادها للبس والاستعمال، ثم سقطت الزكاة بعد إعدادها ليتساوى الفرع والأصل في الحكم، وإن قيل: هو قياس العكس قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب لا تجب فيها الزكاة إذا لم تُعَد للبس، وتجب فيها إذا أعدت للبس، فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي عند المفرقين بين الحلي المعد للبس وغيره. الشيخ: نعم، فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي. الطالب: فإن هذا هو عكس الحكم في الحلي عند المفرقين بين الحلي المعد للبس وغيره. الشيخ: (الثالث: أن يقال: ما هو القياس الذي يُرَاد أن يُجْمَع به بين الحُلِيِّ المُعَد للاستعمال والثياب المعدة له أهو قياس التسوية أم قياس العكس؟ لأن القياس ينقسم إلى قسمين: قياس تسوية: يُسَوِّي بين الفرع والأصل في الحكم. وقياس عكس: يُعْطِي الفرع نقيض حكم الأصل. وقد ثبت قياس العكس بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» ، فهذا يُسَمَّى قياس العكس. فنقول: ماذا تريدون؟ إن قلتم: قياس تسوية قيل: هذا إنما يصح لو كانت الثياب تجب فيها الزكاة قبل إعدادها للبس والاستعمال، ثم سقطت بعد إعدادها ليتساوى الفرع والأصل في الحكم، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك). استعن بالله. طالب: هذه المسألة -يا شيخ- التي قلتم: يراجع الكتاب مغرَّرًا بدينه أو بذنبه، هذا الذي ذكرناه في المسألة هذا، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به كان مُغَرَّرًا بدينه؛ يقول في الأصل في إكمال ما ذكرت: داخلًا فيما نعيب به المخالفين في الاحتجاج برواية الكذابين والله يعصمنا من أمثاله، وقال في الحاشية: (في ص)؛ يعني: في نسخة ص: (بذنبه)، وفي نسخة أخرى: معذر بذنبه. الشيخ: شو عندك؟ وعافية بن أيوب. الطالب: يقول: وعافية بن أيوب مجهول فمن احتج به كان مُغَرَّرًا بدينه، انتهى، وذكر في الأصل في معرفة السنن والآثار: داخلًا فيما نعيب به المخالفين. الشيخ: أحسنت إذن بدينه، هذا هو (...). الطالب: فقط؟ الشيخ: فقط، كان مغررًا بدينه. الطالب: نواصل القراءة يا شيخ؟ الشيخ: إي، نواصل. الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال حفظه الله تعالى: الرابع: الشيخ: الرابع مِنْ أي شيء؟ طالب: من (...). الشيخ: من بيان أن القياس لا يصح. الطالب: الرابع: أن الثياب والحلي افترقت عند مسقطي الزكاة في الحُلِي في كثير من المسائل، فمن الفروق بينهما: أولًا: إذا أُعِدَّ الحلي للنفقة وأعد الثياب للنفقة؛ بمعنى أنه إذا احتاج للنفقة باع منهما واشترى نفقة، قالوا في هذه الحال: تجب الزكاة في الحلي ولا تجب في الثياب، ومن الغريب أن يقال: امرأة غنية يأتيها المال من كل مكان، وكلما ذكر لها حليٌّ معتاد اللبس اشترته برفيع الأثمان للتحلي به غير فرار من الزكاة، ولما افتقرت هذه المرأة نفسها أبقت حليها للنفقة وضرورة العيش، فقلنا لها في الحال الأولى: لا زكاة عليك في هذا الحلي، وقلنا لها في الحال الأخيرة: عليك الزكاة فيه، هذا هو مقتضى قول مسقطي الزكاة في الحلي المباح. الشيخ: إذنْ، هذا مما يُفارِق فيه الحليُّ الثيابَ حتى عند الذين يرون أنه ليس فيه زكاة، يقولون: إذا أُعِدَّ الحلي للنفقة ففيه الزكاة، و إذا أعد الثياب للنفقة فلا زكاة فيه، فأين القياس؟ فهمتم الصورة التي تعد للنفقة، كيف هي؟ طالب: تبقى عندها؟ الشيخ: يقول: امرأة عندها حلي، كلما احتاجت باعت وأنفقت على نفسها، وأخرى عندها ثياب كثيرة، كلما احتاجت باعت، الأولى: عليها الزكاة، والثانية لا زكاة عليها، أين القياس؟ مقتضى القياس أنه إما أن يجب على الجميع أو لا يجب على الجميع. قالوا: الفرق بينهما أن الحلي الأصل فيه الزكاة لأنه ذهب وفضة، بخلاف الثياب فإنها عروض فالأصل فيها عدم الزكاة. قلنا: إذا اعترفتم أن الأصل في الذهب والفضة هو الزكاة فمن الذي أسقطها، أين الدليل على إسقاطها؟ الطالب: ثانيًا أن الحنابلة قالوا: إنه إذا أُعِدَّ الحُلِيُّ للكراء وجبت فيه الزكاة، وإذا أعدت الثياب للكراء لم تجب. الشيخ: ومقتضى القياس أن تجب في الجميع، أو لا تجب في الجميع، أما أن نقول: إذا أعد الحلي للكراء وجبت الزكاة، وإذا أعددت الثياب للكراء لم تجب، فكيف يصلح القياس؟ وهنا قلنا: إن الحنابلة، إشارة إلى أن غير الحنابلة كالشافعية قالوا: إذا أعد للكراء فليس فيه زكاة كالإبل العوامل والبقر العوامل الإبل اللي يتحمّل عليها والبقر اللي يتحمّل عليها، أو تؤجر ما فيها زكاة، وإن كان الأصل هو وجوب الزكاة لكن إذا صارت للتأجير فلا زكاة، فالشافعية طردوا الباب قالوا: ما دام هذا الحلي لا زكاة فيه، فإنه إذا أعد للكراء فلا زكاة فيه. أما الحنابلة فقالوا: إذا أعد للكراء ففيه الزكاة. ونحن الآن نخاطب الجميع نقول: كيف تقيسونها أولًا على الثياب، ثم تقولون: إذا أعد الثياب للكراء فلا زكاة، وإذا أعد الحلي للكراء ففيه الزكاة؟ الطالب: ثالثًا: أنه إذا كان الحلي محرمًا وجبت الزكاة فيه، وإذا كانت الثياب محرمة لم تجب الزكاة فيها. الشيخ: وهذا تناقض يعني: لو أن امرأة عليها حُلِيٌّ محرم كسِوار على هيئة ثعبان فعليها الزكاة، ولو كان رجل عليه ثياب من حرير لم تجب الزكاة، فيقال: مقتضى القياس الطرد، إما أن توجبوا الزكاة في الجميع أو لا توجبوا الزكاة في الجميع. يقولون: الفرق بينهما أن الزكاة سقطت في الذهب والفضة في الاستعمال المباح المأذون فيه، أما المحرَّم فلا تسقط لأنه غير مأذون فيه فيكون إعداده للبس ليس معتبرًا شرعًا، فيقول: الآن أقررتم بأن الأصل في الحلي الزكاة، فأين الدليل على إسقاطها؟ الطالب: رابعًا: لو كان عنده حلي للقِنْيَة ثم نواه للتجارة صار للتجارة، ولو كان عنده ثياب للقِنْيَة ثم نواها للتجارة لم تَصِر للتجارة، وعللوا ذلك: بأن الأصل في الحلي الزكاة فقويت النية بذلك بخلاف الثياب، وهذا اعتراف منهم بأن الأصل في الحلي وجوب الزكاة، فنقول لهم: وما الذي هدم هذا الأصل بدون دليل؟ الشيخ: صح، إذا كان عنده حلي للقِنْيَة؛ يعني: للاستعمال ثم نواه للتجارة صار عروض تجارة، وإذا كان عنده ثياب في القِنْيَة، ثم نواها للتجارة لم تكن للتجارة، عرفتم هذا؟ لأن عروض التجارة على المذهب يشترط فيها أن يملكها بفعله بنية التجارة. فإذا كان عنده ثياب اشتراها للاستعمال ثم طرأ له أن يتجر بها فنواها للتجارة فلا زكاة فيها، بخلاف ما إذا كان عنده حلي ذهب ثم نواه للتجارة ففيه الزكاة، والفرق عندهم أن الأصل في الحلي الزكاة فقويت نية العروض بهذا الأصل، فنقول: هذا اعتراف منكم بأن الأصل في الحلي الزكاة فأين الدليل على إسقاطها؟ الطالب: خامسًا: قالوا: لو نوى الفرار من الزكاة باتخاذ الحلي لم تسقط الزكاة، وظاهر كلام أكثر أصحاب الإمام أحمد أنه لو أكثر من شراء العقار فرارًا من الزكاة سقطت الزكاة، وقياس ذلك لو أكثر من شراء الثياب فرارًا من الزكاة سقطت الزكاة؛ إذ لا فرق بين الثياب والعقار، فإذا كان الحلي المباح.. الشيخ: فهمتم المسألة هذه؟ إنسان عنده أموال كثيرة، فقال: أشتري بها ذهبًا حليًّا للاستعمال من أجل إسقاط الزكاة لأن الحلي للاستعمال ما فيه زكاة. قالوا: إنها لا تسقط الزكاة؛ لأنه اتخذ الحلي فرارًا من الزكاة فلا تسقط عنه، ولو اشترى ثيابًا كثيرة باهظة الثمن، لأجل أن يسقط الزكاة، سقطت الزكاة، كما قال الفقهاء رحمهم الله: لو كان الإنسان عنده ملايين واشترى عقارات كثيرة فرارًا من الزكاة فإنها تسقط، وإن كان هذا إن شاء الله يأتي الكلام عليه وفيه نظر، لكن هذا كلامهم نحن نتكلم معهم فيما يقرون به. فنقول: سبحان الله، ما الفرق؟! قالوا: لأن الأصل في الحلي الزكاة، فلا ينفعه الفرار منها؛ لأنه فَرَّ من الذهب والفضة واشترى به الحلي، وهو مما تجب فيه الزكاة، فنقول: إذنْ هذا فرار من وجوب الزكاة فأرونا الدليل على إسقاطها. الطالب: فإذا كان الحلي المباح مفارقًا للثياب المعدة للبس في هذه الأحكام، فكيف نوجب أو نجوز إلحاقه بها في حكمٍ دلَّ النص على افتراقهما فيه؟ إذا تبين ذلك فإن الزكاة لا تجب في الحلي حتى يبلغ.. الشيخ: كيف نوجب إلحاقه بها في حكمٍ دلَّ النص على افتراقهما فيه؟ هؤلاء أوجبوا أن نلحق أيش؟ الحلي في الثياب، أو نجوز يعني معناه أننا لا نجوز أن نلحق الحلي بالثياب فنوجب الزكاة فيه بدون دليل، فنحن لا نرى جواز ولا وجوب إلحاقه بالثياب؛ لأنه لا يصح القياس. الطالب: إذا تبين ذلك فإن الزكاة لا تجب في الحلي حتى يبلغ نصابًا لحديث أم سلمة السابق: «مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»، فنصاب الذهب عشرون دينارًا ونصاب الفضة مائتا درهم. فإذا كان حلي الذهب ينقص وزن ذهبه عن عشرين دينارًا، وليس عند صاحبه من الذهب ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه. وإذا كان حلي الفضة ينقص وزن فضته عن مئتي درهم، وليس عند صاحبه من الفضة ما يكمل به النصاب فلا زكاة فيه. والمعتبر وزن ما في الحلي من الذهب أو الفضة، وأما ما يكون فيه من اللؤلؤ ونحوه، فإنه لا يحتسب به في تكميل النصاب، ولا يُزَكَّى ما فيه من اللؤلؤ ونحوه؛ لأنه ليس من الذهب والفضة، والحلي من غير الذهب والفضة لا زكاة فيه إلا أن يكون للتجارة. لكن هل المعتبر في نصاب الذهب الدينار الإسلامي الذي زنته مثقال، وفي نصاب الفضة الدرهم الإسلامي الذي زنته سبعة أعشار مثقال. الشيخ: الآن الدرهم الإسلامي أقل من الدينار في الوزن ولّا لا؟ طالب: لا، سبعة أعشار. الشيخ: الدينار مثقال، والدرهم سبعة أعشار، يعني: كل عشرة دراهم إسلامية سبعة مثاقيل، وعشرة دنانير كم؟ عشرة مثاقيل، يعني معنى ذلك أنه في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الدرهم قليل جدًّا أقل من الدينار، أما نحن الآن في عرفنا فالدرهم أكبر بكثير من الدينار. الدينار هو النقد من الذهب، والدرهم هو النقد من الفضة، الدينار يُسَمَّى عندنا جنيهًا، والدرهم يُسَمَّى ريالًا، إي نعم. طالب: (...) الحج. الشيخ: إي معلوم (...)، عندنا الآن وكذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الدراهم صغيرة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، الدرهم أقل وزنا من الدينار. طالب: (...)؟ الشيخ: هذا عندنا أكثر بكثير. طالب: الجنيه السعودي ولا (...)؟ الشيخ: كلها واحد، الجنيه السعودي و(...) زنته واحد. الطالب: لكن هل المعتبر في نصاب الذهب الدينار الإسلامي الذي زنته مثقال، وفي نصاب الفضة الدرهم الإسلامي الذي زنته سبعة أعشار مثقال أو المعتبر الدينار والدرهم عرفًا في كل زمان ومكان بحسبه سواء قل ما فيه من الذهب والفضة أم كثر. الجمهور على الأول، وحُكِيَ إجماعًا، وحقق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الثاني، أي: أن المعتبر الدينار والدرهم المصطلح عليه في كل زمان ومكان بحسبه، فما سُمِّيَ دينارًا أو درهمًا ثبتت له الأحكام المعلقة على اسم الدينار والدرهم، سواء قلَّ ما فيه من الذهب والفضة أم كثر وهذا هو الراجح عندي لموافقته ظاهر النصوص، وعلى هذا فيكون نصاب الذهب عشرين جنيهًا ونصاب الفضة مئتي ريال، وإن احتاط المرء، وعمل بقول الجمهور فقد فعل ما يثاب عليه إن شاء الله. الشيخ: أيهما أحوط؟ طلبة: قول الجمهور. الشيخ: أيهما أحوط؟ إن قلتم: الأحوط قول الجمهور، قلنا: خطأ، وإن قلتم: المعتبر كل وقت بحسبه، قلنا: خطأ. طالب: تفسير يا شيخ. الشيخ: لا، الأحوط صحيح، الأحوط أن نأخذ بالأقل؛ يعني بمعنى: ما كان يبلغ النصاب أولًا، فمثلًا إذا قَدَّرنا أن مئتي درهم لا تبلغ مئة وأربعين مثقالًا؛ لأن النصاب بالوزن رأي الجمهور مئة وأربعين مثقالًا، فإذا قَدَّرْنا أن مئتي درهم لا تبلغ مئة وأربعين مثقالًا، فما هو الأحوط؟ طالب: (...). الشيخ: لا، هذا هو القول الثاني؛ العدد، لأن مئتي درهم بلغت العدد، الوزن دون، وإذا قدرنا أن مئتي درهم تزيد على مئة وأربعين مثقالًا؛ يعني تكون مئتي مثقال، الأحوط رأي الجمهور. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، مثل الدرهم. الطالب: (...). الشيخ: لا، من الذهب باعتبار الدينار، ومن الفضة باعتبار الدرهم، هذه موزعة. الآن النصاب -باعتبار الوزن- ستة وخمسون ريالًا، وباعتبار –العدد- مئتان يعني معناه أنه قريب الربع؛ يعني: النصاب بالوزن قريب الربع بالعدد، ستة وخمسين نسبتها إلى المئتين تزيد عن الربع قليلًا. على كل حال الاحتياط أن نعمل ما فيه الأحوط لمستحقي الزكاة، إن بلغ النصاب باعتبار العدد قبل الوزن أخذنا بقول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه أحوط، وإن بلغ النصاب بالوزن قبل بلوغه بالعدد أخذنا بقول الجمهور، لأنه أحوط. طالب: ستة وخمسون ريالًا تعادل مئة وأربعين مثقالًا؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: الوزن؟ الشيخ: الوزن. الطالب: ولو كَبُرَ حجم الريال؟ الشيخ: لا، الريال معروف، لو كبر صارت أقل، الآن الريال الفرنسي، تعرفون الريال الفرنسي؟ طلبة: نعم. الشيخ: الريال الفرنسي، النصاب فيه ثلاث وعشرون وثلثان؛ لأن فيه من الفضة كثير، إي نعم. طالب: (..) وحكي إجمالًا (...) إجماع يا شيخ، (...) سقط القول؟ الشيخ: لا، بس هل كل من حكى الإجماع يكون حقيقة الإجماع؟ يعني (...) ابن القيم رحمه الله في الصواعق المرسلة ذكر أكثر من عشرين مسألة حكى فيها الإجماع، وليس فيه إجماع، وحكى الإجماع أيضًا عن أئمة كالشافعي ونحوه، وليس فيه إجماع. وأنا قد نقلت لكم سابقًا أن بعضهم قال: أجمعوا على رد شهادة العبد، وقال الثاني: أجمعوا على قبول شهادة العبد. الطالب: فإذا بلغ الحلي نصابًا خالصًا عشرين دينارًا إن كان ذهبًا، ومئتي درهم إن كان فضة ففيه ربع العشر؛ لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا كَانَتْ لَكَ مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ -يَعْنِي: فِي الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَتْ َلكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ» رواه أبو داود. الشيخ: إذنْ، زكاة الذهب والفضة، كم؟ ربع العشر؛ لأن نصف دينار من عشرين؟ طلبة: ربع العشر. الشيخ: ربع العشر، العشر اثنان والنصف ربعه، وقد صرَّح بحديث أبي بكر الذي رواه البخاري وغيره: «وَفِي الرِّقَةِ؛ في مِئَتَيْ دِرْهَمٍ ربع العشر». الطالب: وبعد: فإن على العبد أن يتقيَ الله ما استطاع، ويعمل جهده في تحري معرفة الحق من الكتاب والسنة، فإذا ظهر له الحق منهما وجب عليه العمل به، وألَّا يُقَدِّمَ عليهما قولَ أحد من الناس كائنًا مَنْ كان، ولا قياسًا من الأَقْيِسَة، أيّ قياس كان. وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، فإنهما الصراط المستقيم والميزان العدل القويم؛ قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] والرد إلى الله هو الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الردُّ إلى سنته، وهديه حيًّا وميتًا. وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]. فأقسم الله تعالى بربوبيته لرسوله صلى الله عليه وسلم التي هي أخص ربوبية قسمًا مؤكدًا على أن لا إيمان إلَّا بأن نُحَكِّمَ النبي صلى الله عليه وسلم في كل نزاع بيننا.