كتاب الحج (الشرح الأول) - ٢١
درس صوتي · ٨٨:١٨
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
هذا هو الأهم، قال الله تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: ٣٧]. فإن قال قائل: لو كان في المسلمين مسغبة، وكانت الصدقة بالدراهم أنفع، تسد ضرورة المسلمين، ففي هذه الحال نقول: دفع ضرورة المسلمين أوْلى؛ لأن فيها إنقاذًا للأرواح، وأما الأضحية فهي إحياء للسنة، لكن قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل. ثم قال المؤلف: (وسن أن يأكل ويُهدي ويتصدق أثلاثًا) يعني كيفية توزيع الأضحية، أفاد المؤلف بقوله. الطالب: قلنا في قوله: إن كان أنفع لها ويتصدق بها. الشيخ: نعم. الطالب: قلنا: القول الراجح. الشيخ: (يتصدق به) أي بالصوف. الطالب: إي نعم، قلنا القول الراجح: هو مخير إما يتصدق بها أو يأخذها. الشيخ: نعم. الطالب: لو باعها. الشيخ: لو باع هذا؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: ما فيه بأس. الطالب: يجوز ذلك؟ الشيخ: يجوز نعم. طالب: أحسن الله إليك، إذا ضُحي عن الميت استقلالًا، ألا يقال إنها بدعة، فإنه لم يرد عن الشرع النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلها، نتقيد بالحديث أو لا يجوز؟ الشيخ: بعض العلماء قال: إنها بدعة، وبعضهم قاسها على الصدقة، فالصدقة قد جاءت بها السنة. الطالب: وهو نوى أضحية يا شيخ. الشيخ: إي نعم، هو نوى أضحية، فيكون الأضحية من جملة المقصود بها نفع الفقراء. طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ذكرتم في اليوم بأنه لا بأس بأن يبيع الإنسان صوفها، الفقهاء منعوا بيع الجلد، أي فرق بين الصوف والجلد؟ الشيخ: تعرف أن الفقهاء يقولون: حتى الصوف ما يجوز بيعه. يقول: إذا جز صوفها؛ لأنه أنفع، فهل يجوز أن يبيعه؟ المذهب لا يجوز، يتصدق به، ولا يجوز بيعه، لكن القول الراجح أنه يجوز أن يتصدق به. طالب: والجلد؟ الشيخ: الجلد جزء من اللحم، تدخله الحياة، وليس في حكم المنفصل بخلاف الصوف فهو يشبه اللبن، لو كان فيها لبن وحلبه فله أن يبيعه، وله أن يتصدق به، وله أن يشربه. طالب: بارك الله فيكم، قول المؤلف: (ويتعينان بقوله: هذا هدي أو أضحية)، يخرج منه الهدي الواجب؟ هدي التمتع الواجب؟
الشيخ: لا، يدخل في هذا. الطالب: لا بد من تعيينه. الشيخ: كيف لا بد؟ لا، ما هو لا بد، قلنا: كل أضحية أو هدي إذا ذبحها بالنية تعيَّنت. الطالب: بمجرد الشراء يا شيخ قلنا قبل.. الشيخ: لا، بمجرد الشراء ما يكون، لا بد أن يعين. الطالب: قبل التعيين يا شيخ (...) (وإن تعيبت بعد تعينها ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) مثلنا بالهدي. الشيخ: إي نعم، صحيح. الطالب: مثلنا بالهدي. الشيخ: هذا صحيح، هذه واجبة في ذمته؛ يعني معناها أنه في ذمته يجب أن يذبح شاة. الطالب: بمجرد الشراء؟ الشيخ: لا، ما هي بالشراء، ما هي بالشاة المعينة، أن يذبح شاة غير معينة. طالب: (...)؟ الشيخ: قد يدفع، وقد لا يدفع. الطالب: يدفع (...). الشيخ: إذا دفع، لا بأس طيب. الطالب: هذا يعتبر بيع؟ الشيخ: لا، ما باعك، هو دفع للذي أعطاه خيرًا منها. الطالب: (...)؟ الشيخ: إي، لكن ما دخل عليه الآن، ما هو بيع، هذا شراء، اشتراط زائد. طالب: قلنا: يا شيخ القول الراجح أنه يجوز لصاحب الأضحية أن يبيع صوفها، فهل يعطيه الجزار؟ الشيخ: الجزار؟ الطالب: الجازر. الشيخ: منين؟ الطالب: من الصوف؟ الشيخ: إي، إذا قلنا: بجواز بيعه ملكه، يعطي الجازر، ويشتري بها خبز زي ما هو (...). طالب: قلنا: يا شيخ، يجوز الانتفاع بالصوف، إذا جاز الانتفاع بالجلد، فبالصوف أوْلى، لكن هذا يا شيخ بعد الموت ما هو قبل الموت. الشيخ: أيوه. طالب: والانتفاع بالصوف.. الشيخ: الصوف أصله ما يُجَز، لا يمكن جزه إلا إذا كان أنفع لها.
الطالب: فإذا كان أنفع لها؟ الشيخ: إذا كان أنفع لها وجزه، وأراد أن يبيعه أو يتصدق به أو ينتفع به فله ذلك. طالب: الدليل على جواز الانتفاع به؟ الشيخ: أنه جزء منفصل كاللبن كما أنه إذا حلبها بعد التعيين، فإن اللبن له، يتصرف فيه كما شاء.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن تعيبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين، والأضحية سنة، وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وسُن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز، وإلا ضمنها، ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره وبشرته شيئًا. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قل لنا بماذا يتعين الهدي؟ طالب: يتعين الهدي أولًا: بالقول، بأن يقول: هذا هدي، ثانيًا: يتعين بالفعل المختص به كالإشعار والتقليد. الشيخ: إذن يتعين بالقول، وبالفعل الدال عليه، الدال على التعيين، والأضحية، الأخ؟ طالب: الأضحية.. الشيخ: بماذا تتعين؟ قل بارك الله فيك بماذا تتعين؟ طالب: من الأنعام. الشيخ: لا، لست أسأل ما الذي يُضحَّى به، أسأل بماذا تتعين الأضحية؟ إنسان عنده شاة متى تكون أضحية لازمة؟ طالب: تتعين بقوله: هذه أضحية. الشيخ: بقوله: هذه أضحية؛ يعني بالقول، تتعين بالقول، وهل تتعين بالفعل؟ طالب: لا تتعين. الشيخ: ليش؟ الطالب: لا إشعار ولا تقليد. الشيخ: لأنه لا يسن لها إشعار ولا تقليد، لكن لو فُرض أن هناك علامة خاصة في الأضحية يضعها الناس، ويرون أن ما حصل له هذه العلامة فهو أضحية تعيَّنت؛ يعني معناه كل فعل يدل على التعيين فإن التعيين به.
هل يجوز بيع الأضحية؟ طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: إن باعها للانتفاع بثمنها فلا يجوز، أما إن باعها ليشتري خيرًا منها، فهذا جائز.
الشيخ: إي؟ طالب: لا يجوز بكل حال يا شيخ. الشيخ: لا يجوز بكل حال، على القول الصحيح. هل يجوز إبدالها؟ طالب: يجوز إبدالها بخير منها. الشيخ: يجوز إبدالها بخير منها. ما هو الدليل على منع البيع؟ طالب: الدليل من الأثر والنظر، فأما النظر بأنه زاد (...)، وأما الأثر.. الشيخ: هذا الدليل على إبدالها بخير منها. ما الدليل على تحريم بيعها؟ الطالب: الدليل على تحريم بيعها بأنها تعينت لله عز وجل.
الشيخ: أخرجها لله فلا يجوز له الرجوع فيها. الطالب: كمن هاجر لله من مكان من بلاد كفر، فلا يجوز له أن يرجع إلى هذا البلد.. الشيخ: ولا فيه دليل؟ الطالب: نعم، يوجد دليل. الشيخ: ما هو؟ الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لا، عندما.. الشيخ: حين حمل على فرس.. الطالب: حين حمل على فرس في سبيل الله فقال له: «لَا تَشْتَرِهْ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ (...)» . الشيخ: والبيع نوع؟ الطالب: من العود. الشيخ: نوع من الرجوع في الصدقة، إبدالها بخير منها، ما هو الدليل على جوازه؟ طالب: عندما قال أحد الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم: لئن فتح الله على يديك بيت المقدس. الشيخ: لا، فتح الله عليك؟ الطالب: أيوه، بيت المقدس. الشيخ: الرسول ما فتح له بيت المقدس.
الطالب: بلاد الشام. الشيخ: ولا بلاد الشام. طالب: لأصلين في بيت المقدس. الشيخ: قال: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح الله عليك مكة، فماذا قال له؟ الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا». الشيخ: «صَلِّ هَاهُنَا». كمل. الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا». الشيخ: فأعاد فقال؟ الطالب: «صَلِّ هَاهُنَا». الشيخ: فأعاد ثلاثًا فقال: «شَأْنكَ» . هل يجوز أن يعطي الجازر شطره منها؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، كيف؟! ما هو الدليل أو التعليل؟ طالب: التعليل بأنها معاوضة؛ ولأنها لله خالصة. الشيخ: وإعطاؤه أجرته منها نوع من البيع؛ لأنه كأنه باعها في الواقع، باعها بالمنفعة التي انتفعها من هذا الجزار. هل يجوز أن يُهدي له؟ طالب: نعم، يجوز. الشيخ: يجوز.
طالب: يجوز الهدية إن كان غنيًّا يهدي، وإن كان فقيرًا فلا يجوز، استحق عليه الإثم. الشيخ: بشرط ألا ينقص ذلك من الأجرة شيئًا، كذا؛ لأنه اشترط ألا ينقص من الأجرة من أجل هديته أو صدقته.
يترتب على قولنا: إنها تتعين بالتعيين ما سمعتم أنه لا يجوز بيعها، ولا إبدالها إلا بخير منها، ولا يجز صوفها إلا إذا كان أنفع لها، ومما يترتب عليه لو تعيبت؟
طالب: التعيب فيها فيه تفصيل، إذا كان التعيب بإهمال منه فإنه يضمنها. الشيخ: إذا كان بفعله أو تفريطه. الطالب: بفعله أو تفريطه يضمنها؟ الشيخ: نعم. الطالب: إن كان تركها في يوم بارد بدون مأوى يقيها من البرد، والثاني: تعيبت بغير فعله. الشيخ: ولا تفريطه. الطالب: ولا تفريطه، فإنه لا يضمنها، وتجزئه حتى لو اختل شرط من شروط الأضحية. الشيخ: لماذا يكون بالأول يضمنها، وفي الثاني لا يضمنها؟
طالب: لأن الأول يضمنها؛ لأنها بتفريطه وبفعله واختياره، والثاني لا يضمنها؛ لأنها بغير إرادته. الشيخ: وهي عنده أمانة، هي عنده بمنزلة الأمانة. لو كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، هل تجزئ إذا تعيبت؟ طالب: لا تجزئ. الشيخ: لا تجزئ، لماذا؟ الطالب: لأنها واجبة من الأصل. الشيخ: لأنها واجبة في ذمته سليمة، فيجب أن يذبحها سليمة، إذا ذبح بدلها، فهل له أن يسترجعها هي؟ طالب: فيه خلاف.
الشيخ: وما هو الصحيح؟ الطالب: الصحيح أن له أن يستفيد منها. الشيخ: أن له أن يسترجعها، صحيح، وكذلك لو ضاعت فإنه يذبح بدلها إذا كانت واجبة في ذمته قبل التعيين، فإن رجعت فهي ملكه على القول الراجح.
يقول المؤلف: إن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها، فلماذا؟ طالب: لأن في ذبح الأضحية تقرب إلى الله عز وجل بإظهار شعيرته. الشيخ: بالذبح. وإذا تصدق بثمنها هل يجزئ عن الأضحية؟ الطالب: لا. الشيخ: لا يجزئ، أحسنت؛ لأن لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: ٣٧].
قال: (وسُنَّ أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثًا) (سُنَّ) أي شرع، لا على وجه الوجوب، بل على وجه الاستحباب، أن يقسمها -أي الأضحية- أثلاثًا، فيأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، والفرق بين الهدية والصدقة، أن ما قُصد به التودد والألفة فهو هدية، لما جاء في الحديث: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» ، وما قُصد به القربة إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني. وقوله: (أثلاثًا) أي ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة؛ لأجل أن يكون انتفاع الناس على اختلاف طبقاتهم في هذه الأضحية، يعني يكون الانتفاع بهذه الأضحية شاملًا لجميع الطبقات، وقدَّم الأكل؛ لأن الله قدمه، فقال: كُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: ٢٨]. وقول المؤلف: (يُسن أن يأكل)، ظاهره أنه لو تصدق بها كلها فلا شيء عليه، ولا إثم عليه، وهذا بناء على أن الأكل من الأضحية سُنَّة كما هو قول جمهور العلماء، وقال بعض أهل العلم: بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛ لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة، فجعلت في قدر فطُبخت، فأكل من لحمها، وشَرب من مرقها . قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مئة بعير مئة قطعة، تطبخ في قدر، ويأكل منها تدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله عز وجل، فيدخل في قوله: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . وعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته، واستحب بعض العلماء أن يأكل من كبدها، وعلل ذلك بأن الكبد أسرع نضوجًا؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كبير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها، صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيه، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر. وقول المؤلف: إنه يُهدي ويتصدق ويأكل أثلاثًا، هو ما اختاره أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله، وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافًا؛ لقوله تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج: ٢٨]، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج: ٣٦]، ولم يذكر الله تعالى الهدية، والهدية من باب جلب المودة، وتحصل بهذا أو بغيرها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن والسنة، لكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعًا أعظم مما لو أعطيته ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذه المصلحة فهي مطلوبة، لكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السنة، وقد عرفتم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتصدق، بل تصدق بكل لحم الإبل في الهدي إلا القطع التي اختارها صلى الله عليه وسلم أن تجمع في قدر وتطبخ. وقوله: (يسن أن يأكل ويهدي ويتصدق) ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم في كل أضحية، حتى الواجبة بالنذر، فإنه يأكل منها ويُهدي ويتصدق، وهو صحيح بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبرانًا، ويأكل منه إذا كان شكرانًا، فدم الهدي التمتع والقِران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفَّارة، والأول شكر؛ فلذلك أكل النبي عليه الصلاة والسلام من هديه وهو واجِب بالقِران، إذن الأضحية يأكل منها سواء كانت واجبة بالنذر، أو غير واجبة، وأما الهدي ففيه التفصيل. ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه أيش؟ طلبة: لا يأكل.. الشيخ: لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة، وما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران فإنه يأكل منه كما جاءت بذلك السنة، أما التطوع فلا شك، ولا إشكال فيه؛ أنه يأكل منه، ويتصدق ويهدي.
ظاهر كلام المؤلف أيضًا أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق. وقال بعض العلماء: إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به، ولكن الصحيح أنه متى قلنا بجواز الأضحية في حق اليتيم فإنه يُعمل فيها ما جاءت به الشريعة فيُؤكل منها ويُهدى ويُتصدق، ولكن هل يُشرع أن نُضحي من مال اليتيم؟ في هذا تفصيل: إن جرت العادة بأنه يُضحَّى من أموال اليتامى، وأنه لو لم يُضَحَّ من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أيش؟ أن يُضحَّى من ماله كما أننا نشتري له للعيد ثوبًا جديدًا مع أن عنده ثوبًا يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يواسي غيره من الناس؛ فهي إذن -أعني الأضحية- من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فليضحِّ ولو من ماله، وهذا يقع في الصورة التالية؛ مثلًا إذا قلنا: هذا البيت أيتام، ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم، أو من أعمامهم، أو من أي إنسان، المهم عندهم مال، فهل نضحي من أموالهم لهم وندفع إليهم الأضحية ليضحوا بها، ويفرحوا بها مع الناس أو نقول: هذه أموال يتامى لا يجوز أن نتبرع منها بشيء؟ أيهما؟ طلبة: الأول. الشيخ: الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى، لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس لانكسرت قلوبهم؛ فإنه يُضحَّى عنهم من مالهم. ثم قال المؤلف: (وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز) (إن أكلها): الضمير يعود على الأضحية؛ يعني أكلها كلها، ولم يتصدق بمقدار أوقية. فإنه يضمن الأوقية، والأوقية معيار معروف من الكيلو أو نحو ذلك، المهم أنه معيار؛ يعني صنجة يُوزن بها، وهي أقل ما يكون من التقدير في الموزونات، وعبَّر بعض العلماء بقوله: وإن تصدق بها إلا أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ فإنه لا حرج عليه، لكن لو أكلها جميعًا فإنه يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم، مثال ذلك: رجل ضحى بشاة، وجعلها في الثلاجة كلها، وأكلها، ماذا نقول له؟ نقول: يجب عليك الآن أن تتصدق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، اشترِ اللحم من السوق، وتصدَّق به من أجل حق مَنْ؟ طلبة: الفقراء. الشيخ: الفقراء (فإن أكلها إلا عضدها أجزأه ذلك)؛ لأن العضد يقع عليه اسم اللحم. يقول رحمه الله: (ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئًا) قال المؤلف: (يحرم على من يضحي).
طالب: وإلا ضمنها. الشيخ: إي نعم، ذكرناها (وإلا ضمنها) ومثَّلنا بها، قلنا: (وإلا ضمنها) أي ضمن الأوقية على تقدير المؤلف أو أقل ما يقع عليه اسم اللحم، على ما ذكرنا. قال: (ويحرُم على من يضحي أو يضحى عنه) إلى آخره. الحرام: هو الذي يُثاب تاركه لله، من تركه لله أُثيب، وإن فعله أيش؟ طالب: عُوقب.
الشيخ: استحق العقاب على فعله. وقوله: (يحرم على من يضحي)، إذا قال: ما هو الدليل؟ نقول: الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ بَشَرِهِ، وَلَا مِنْ ظُفُرِهِ شَيْئًا» . فقال: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ». والأصل في النهي التحريم، هذا الدليل. لكن ما هي الحكمة؟ الحكمة أن الله سبحانه وتعالى برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لهذا النسك -أعني نسك الحج- محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أُثيب عليها، الذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شُرع لهم أن يضحوا في مقابل أيش؟ طالب: الهدي. الشيخ: في مقابل. طلبة: الهدي. الشيخ: الهدي، وشُرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة؛ لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئًا؛ يعني لا يترفه. فهؤلاء أيضًا مثله، وهذه من عدل الله عز وجل وحكمته، كما أن المؤذن يُثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، شرع له أن يتابع. إذن الدليل الحديث: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ»، والتعليل أن يعطى أهل الأمصار شيئًا مما يعطاه أهل المشاعر. وقول المؤلف: (يحرم) هذا أحد القولين في المسألة، والقول الثاني أنه يكره، وليس بحرام، ولكن الذي يظهر أن التحريم أقرب؛ لأنه الأصل في النهي؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد النهي بقوله: «فَلَا يَأْخُذَنَّ» والنون هذه للتوكيد؟ وقول المؤلف: (على من يُضحِّي)، يفهم منه أن من يُضحَّى عنه، فلا حرج عليه أن يأخذ من ذلك، وهذا هو ظاهر الحديث أن التحريم خاص بمن؟ طالب: بمن يضحي؟ الشيخ: بمن يضحي، وعلى هذا فيكون التحريم مختصًّا برب البيت، وأما أهل البيت فلا يحرم عليهم ذلك، وهذا القول هو الراجح، ودليله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علق الحكم بمن؟ طلبة: بمن يضحي؟ الشيخ: بمن يضحي؟ فمفهومه أن من يضحى عنه لا يثبت له هذا الحكم، ودليل آخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يضحي عن أهل بيته، ولم ينقل أنه كان يقول لهم: لا تأخذوا من شعوركم وأظافركم وأبشاركم شيئًا، ولو كان حرام عليهم ذلك لنهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه. فإن قال قائل: ما وجه قول من يقول: إنه يحرم على من يُضحي أن يضحى عنه؟ قلنا: وجهه أنهم قاسوا الْمُضحَّى عنه على المضَحِّي لاشتراكهم في الأجر، قالوا: كما أن المضحي يؤجر فالْمُضَحَّى عنه يؤجر أيضًا، فلما اشتركا في الأجر اشتركا في الحكم، فيقال: هذا القياس لا يصح؛ لأنه في مقابلة؟ طلبة: النص. الشيخ: النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه فاسد الاعتبار؛ يعني غير معتبر ولا يُرجع إليه، ثم إن التساوي ممنوع؛ فإنهما وإن أُجِرا على هذه الأضحية فإن أجر من بذل المال، وتعب في ذبحها لا يساويه أجر من ضُحِّي عنه فقط، بل من بذل المال أكثر أجرًا ممن لم يبذله. وقول المؤلف: أن يأخذ في العشر، ما المراد بالعشر؟ عشر ذي الحجة، إلى متى؟ إلى أن يضحي، فإن ضحى يوم العيد انفك ذلك عنه يوم العيد، وإن تأخر إلى اليوم الثاني أو الثالث لم ينفك عنه ذلك إلا في اليوم الثاني أو الثالث، المهم حتى يضحي. وقول المؤلف: «مِنْ شَعْرِهِ أَوْ بَشْرَتِهِ». الشعر معروف، وهو شامل للشعر المستحب إزالته والمباح إزالته، فلا يأخذ منه شيئًا. مثال المستحب إزالته أيش؟ طلبة: الشارب. الشيخ: الشارب، الإبط، العانة، لا يأخذ منها شيئًا في هذه الأيام، والمباح إزالته؟ طالب: الرأس. الشيخ: كالرأس، فلا يحلق رأسه، ولا يقص منه شيئًا حتى يضحي.
وقوله: (أو بشرته) يعني جلده، لا يأخذ منه شيئًا، وهل يمكن للإنسان أن يأخذ من جلده شيئًا؟ طالب: نعم. الشيخ: كيف يأخذ؟ طالب: (...).
الشيخ: نعم. طالب: (...). الشيخ: نقول: يمكن يأخذ إذا كان لم يختن، وأراد الختان في هذه الأيام، ماذا نقول له؟ طالب: لا (...).
الشيخ: نقول: لا تختتن؛ لأنك ستأخذ من بشرتك شيئًا.
ثانيًا: بعض الناس يكون عنده غفلة، فتجده يأخذ من جلده، يقطع من جلده من عقب الرجل، هذا كثيرًا ما يكون، والإنسان الذي يعتاد هذا الشيء لا بد أن يصاب بتشقق العقب، فإن تركه سكن، وإن حارشه فتن عليه؛ يعني إن حركت هذا الجلد -جلد العقب- فثق بأنه سيتشقق، وإن تركته حتى ولو كان فيه جلد ميت، اتركه حتى لا يتشقق ويزيد.
سكت المؤلف عن شيء جاء به الحديث؛ وهو الظفر، ولا أعلم أن أحدًا من العلماء أهمل حكمه، ولعل المؤلف -رحمه الله- تركه اختصارًا؛ يعني ذكر شيئين مما جاء به الحديث وأسقط الثالث، ولكن الحكم واحد، فلا يأخذن من ظفره شيء، لو أنه انكسر الظفر وتأذى به، فهل يجوز أن يزيله؟ طلبة: نعم. الشيخ: كل الظفر، أو ما يحصل به الأذية؟ طلبة: ما يحصل به الأذية. الشيخ: ما يحصل به الأذية، ولا شيء عليه، وكذلك لو سقط في عينه شعرة، بعض الناس ينبت في داخل الجفن شعر، وتتأذى به العين، فيؤخذ بالمنقاش، فهل هذا حرام أو جائز؟ طالب: جائز. الشيخ: لأنه لدفع أذاه، وعلم من كلام المؤلف أنه إذا أخذ شيئًا من ذلك، فلا فدية عليه، وهو كذلك، ولا يصح أن يُقاس على المحرم؛ لأن الاختلاف ظاهر، فالمحرم لا يحرُم عليه إلا أخذ الرأس، وما سواه فإنهم بالقياس، وهذا الحديث عام الرأس وغير الرأس. ثانيًا: المحرِم، لا يحرم عليه أخذ شيء من بشرته، وهذا يأخذ. ثالثًا: المحرِم عليه محظورات أخرى غير هذا؛ فالإحرام أشد وأوكد؛ فلذلك وجبت الفدية فيه، أما هذا فإنه لا فدية فيه، وهل لو أخذ الإنسان وتجاوز، هل تقبل أضحيته؟ طالب: نعم، تقبل.
الشيخ: نعم، تقبل، لكنه يكون عاصيًا، وأما ما اشتهر عند العوام أنه إذا أخذ الإنسان من شعره أو ظفره أو بشرته في أيام العشر فإنه لا أضحية له، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا علاقة بين صحة التضحية، والأخذ من هذه الثلاثة. وإذا قُدِّر أن الرجل لم ينوِ الأضحية إلا في أثناء العشر، وقد أخذ من شعره وبشرته وظفره، فهل يصح؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم، يصح، ويبتدئ تحريم الأخذ من حين نوى الأضحية.
باب العقيقة
٠٠:٣٧:٣٧
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل تسن العقيقة) إلى آخره. العقيقة (فَعِيلة) بمعنى (مَفْعُولة)، فهي عقيقة بمعنى معقوقة، والعَقُّ في اللغة: القطع، ومنه عق الوالدين أي: قطع صلتهما، والمراد بالعقيقة هنا الذبيحة التي تُذبح عن المولود سواء كان ذكرًا أم أنثى، وسميت عقيقة؛ لأنها تقطع عروقها عند الذبح، وهذه التسمية لا تشمل كل شيء؟ لأنه لو قال قائل: والذبيحة العادية تقطع عروقها، فهل يصح أن تسمى عقيقة؟
نقول: لا، لكن مناسبة التسمية، لا تنسحب على جميع ما وجد فيه هذا المعنى، ولهذا نسمي مزدلفة أيش؟ طالب: جمعًا. الشيخ: جمعًا، ولا نسمي عرفة جمعًا، ولا نسمي منى جمعًا، فما سمي لمعنى من المعاني فإنه لا يقاس عليه ما شاركه في هذا المعنى، فيسمى بهذه التسمية، ولهذا لا نقول: مثلًا الأضحية عقيقة، ولا الهدي عقيقة، ولا ذبيحة الأكل عقيقة مع أن سبب تسمية العقيقة بذلك موجود في هذه. وعندنا في لغتنا هنا في القصيم -وأظن في كل المملكة فيما أعلم- يسمون العقيقة تميمة، يقولون: لأنها تتمم أخلاق المولود، وأخذوا هذا من قوله في الحديث: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» ، فإن المعنى أنه محبوس ما هو عن شفاعة والديه كما ذكره الإمام أحمد رحمه الله، ولكن محبوس عن الانطلاق والانشراح، وكذلك عن الحماية من الشيطان. إذن العقيقة ما تعريفها شرعًا؟ الذبيحة عن؟ طلبة: المولود. الشيخ: عن المولود ذكر أو أنثى. وقوله: (تُسن) تُسن لمن؟ للأب للأم، لمن؟ هي سنة في حق الأب، فإن لم يكن الأب موجودًا، فهل تسن في بقية العصبة أو في حق الأم؟ الظاهر أنها إذا لم يكن الأب موجودًا كما لو مات وهو حمل؛ يعني مات وابنه حمل، فإن الأم تقوم مقام الأب في هذه المسألة. وقول المؤلف: (تسن العقيقة) هل يشترط في ذلك القدرة أو حتى للفقير؟ نقول: إذا كانت الواجبات الشرعية -وهي واجبات- يشترط فيها القدرة فالمستحبات من باب أولى، فالفقير لا نلزمه ونقول: اذهب واقترض، لكن إذا كان الإنسان لا يجد الآن إلا أنه في أمل الوجود كموظف ولد له ولد في نصف الشهر، وراتبه على قدر حاجته فهو الآن ليس عنده دراهم، لكن في آخر الشهر يجد الدراهم، هل نقول: اشترِ العقيقة أو اقترض ثمنها واشترِ به؟ يعني اشترها دينًا، أو اقترض ثمنها، واشترِ به حتى يأتيك الراتب، أو نقول: انتظر حتى يأتي الراتب؟ طالب: الثاني. الشيخ: الثاني أحسن؛ لأنه يحصل به إبراء الذمة، ولا يدري الإنسان ربما فيما بين ولادة الشخص وبين حلول الراتب ربما يحصل أشياء تستلزم الأموال، يجي مرض، يجي لأهله مرض ينكسر عليه السيارة، وما أشبه ذلك، فالأولى أن يقال: لا تقترض حتى وإن رجوت الوفاء عن قرب انتظر في العقيقة ما هو لازم في اليوم السابع أو الرابع عشر أو الحادي والعشرين ما هو لازم. ثم قال: (عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة) الغلام الذكر شاتان، وعن الجارية شاة، هكذا جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين الذكر والأنثى، وهذا أحد المواضع التي يفضل فيها الذكر على الأنثى بالضعف. وقوله: (عن الغلام شاتان) ينبغي أن تكون الشاتان متقاربتين سِنًّا وحجمًا وشبهًا وسِمنًا، كلما كانتا متقاربتين فهو أفضل، فإن لم يجد الإنسان إلا شاة واحدة أجزأته، وحصل بها المقصود، لكن إذا كان الله قدرنا فالثنتان أفضل. (وعن الجارية شاة) الأنثى، وهذا أحد المواضع التي يكون الرجل فيها ضعف المرأة، فيه موضع آخر؟ طلبة: الفرائض.
الشيخ: الفرائض. طالب: الدية. الشيخ: الدية. طالب: الشهادة. الشيخ: الشهادة، الصلاة. طلبة: (...). الشيخ: ذكرنا (...) الصلاة؛ لأن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، هذا المشهور عند أكثر العلماء، فإذا كانت امرأة تحيض أكثر الحيض كم لها من الصلاة؟
طلبة: (...). الشيخ: في كل شهر نصف شهر، يزيد الإنسان عليها بنصف شهر. كذلك أيضًا في العطية، إذا أعطى الإنسان أولاده فإنه يُعطي الذكر مثل حظ الأنثيين. طالب: العتق. الشيخ: العتق أيضًا ورد به الحديث، أن عتق الذكر عن عتق جاريتين ، ثم قال: (تُذبح يوم سابعه) يعني يسن أن تذبح في اليوم السابع، فإذا وُلد يوم السبت فتذبح. طالب: يوم الأحد. الشيخ: لا، يوم الأحد كيف؟ هذا التاسع؟! طلبة: الجمعة. الشيخ: تُذبح يوم الجمعة؛ يعني قبل يوم الولادة بيوم، هذه القاعدة، إذا ولد في الخميس فهي يوم.
طلبة: يوم الأربعاء. الشيخ: الأربعاء، وهلم جرًّا. والحكمة من أنها تكون في اليوم السابع؛ لأن اليوم السابع تختم به أيام السنة كلها، أليس كذلك؟ إذا وُلد يوم الخميس مر عليه الخميس والجمعة والسبت والأحد والإثنين والثلاثاء أيش؟ والأربعاء، فبمرور هذه الأيام أيام السنة يتفاءل هذا الطفل ويطول عمره. فلهذا كانت في اليوم السابع، وبناءً على هذا التعليل إن صح والعلة الشرعية لو مات الطفل قبل اليوم السابع فإنها تسقط العقيقة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ» ، ولكن هذا التعليل قد يكون الإنسان في شك منه، ويقول: إن الرسول اختار اليوم السابع؛ لأن فيه أشياء كثيرة معلقة بالسبعة، ولنا بهذه الحكمة أولى، ولهذا تُسنُّ العقيقة ولو مات قبل اليوم السابع. ولكن هل يُشترط أن يخرج حيًّا، أو يشترط أن تُنفخ فيه الروح فقط؟ من العلماء من قال بالأول، وقال: إذا نفخت فيه الروح، ثم خرج من بطن أمه ميتًا فإنه لا عقيقة له. ومنهم من قال: بل يعق عنه وإن خرج ميتًا إذا خرج بعد نفخ الروح؛ لأنه بعد نفخ الروح سوف يبعث؛ فهو إنسان، ترجى شفاعته يوم القيامة بخلاف من كان قبل نفخ الروح، فإنه لا يُعق عنه؛ لأنه ليس بإنسان، ولهذا لا يُبعث يوم القيامة، الجنين إذا سقط قبل نفخ الروح فيه فإنه لا يبعث؛ لأنه ليس فيه روح حتى تعاد إليه يوم القيامة. إذن عندنا الآن ثلاث مراتب، بل أربع: خرج قبل نفخ الروح فيه؟ طلبة: لا عقيقة له. الشيخ: فلا عقيقة له، خرج ميتًا بعد نفخ الروح؟ طلبة: فيه قولان. الشيخ: فيه قولان للعلماء. خرج حيًّا ومات قبل اليوم السابع، فيه أيضًا قولان، لكن القول بالعق أقوى من القول بالعق في المسألة التي قبلها. بقي إلى اليوم السابع ومات في اليوم الثامن. طلبة: يُعق عنه. الشيخ: يُعقُّ عنه قولًا واحدًا. ذكر المؤلف الشارح أنه يسمى في هذا اليوم، يوم السابع، ومحل ذلك ما لم يكن الاسم قد هُيِّئ قبل الولادة، فإن كان قد هيئ قبل الولادة فإنه يُسمى في يوم الولادة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل ذات يوم على أهله فقال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» ، فسماه من حين ولادته؛ لأنه قد هيأ الاسم.
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ» والأمر قلنا: إذا كان من باب الآداب فهو للاستحباب إلا بقرينة، ما هي القرينة التي جعلت الأمر للتحريم؟ الشيخ: النهي، ذكرنا أن التأكيد: «لَا يَأْخُذَنَّ» يدل على ذلك، ثم إن هذا من باب التعبد؛ لأن تركك إياها امتثالًا لأمر الله تعبد بخلاف الآداب التي تكون بين الناس من أجل احترام الناس بعضهم لبعض وما أشبه ذلك، فالأقرب التحريم، وإن كان الكراهة محتملة.
طالب: هل يسن أن يذبح الإنسان عقيقة عن نفسه إذا ما عق عنه والداه؟ الشيخ: إي، تأتي إن شاء الله تعالى.
طالب: شعر المسلم الأصل فيه جواز إزالته أو لا؟ الشيخ: الشعور ثلاثة أقسام: ما يحرم إزالته، وما يُشرع إزالته، وما سُكت عنه، فالذي يشرع إزالته الشارب، ويش بعد؟ طالب: والإبط. الشيخ: والإبط. طالب: والعانة. الشيخ: والعانة. والذي تحرم إزالته اللحية. طالب: والحاجبين. الشيخ: لا، ما تحرم، اللي يحرم النمص الذي هو النتف، وما سُكت عنه فهو ما سوى ذلك، فقال بعض العلماء: إنه لا تجوز إزالته؛ لأنه من تغيير خلق الله، والأصل في تغيير خلق الله، أيش؟ طلبة: التحريم. الشيخ: التحريم؛ لأنه من أوامر الشيطان وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء: ١١٩]. وقال بعض العلماء: إن هذا مما سُكت عنه، وإنه لا يدخل في الآية، والدليل على أنه لا يدخل في الآية أن الشارع قسَّم أخذ الشعر إلى أقسام، أمر بأخذ الشارب والعانة والإبط، مع أنه من تغيير خلق الله، وأباح حلق الرأس، النص: احْلقه كله أو اتركه كله . ونهى عن حلق اللحية، فدل ذلك على أن أخذ الشعر لا يُعد من تغيير خلق الله، وعلى هذا فيقال: الأولى ألا يُزال، وأن يبقى على ما هو عليه إلا أن يكون في ذلك تشويه؛ لأنه يوجد مثلًا بعض النساء يكثر معها الشعر في الذراعين أو في الساقين، ولا ترغب ذلك، هذه نقول: لا بأس تأخذ، ما فيها شيء.
طالب: إذا وكل شخصًا ليذبح الهدي أو الأضحية، فهل هذا الموكل يلزمه ألَّا يأخذ من شعره؟ الشيخ: الوكيل عنه؟ الطالب: إي الوكيل. الشيخ: لا، ما يلزمه، إذا وكَّل شخصًا يذبح له الأضحية، أو يشتريها ويذبحها أيضًا فلا يتعلق به الحكم؛ لأنه وكيل محض.
طالب: بارك الله فيكم، بالنسبة للترديد خلف المؤذن. الشيخ: متابعة المؤذن. الطالب: متابعة المؤذن، هل الأفضل أن يسمع الإنسان جميع الأذان أم يكفي أن يسمع البعض؟ الشيخ: الظاهر أنه إذا سمع البعض، قال ما سبق، ثم تابع.
الطالب: يا شيخ، والحديث يقول: «إِذَا سَمِعْتُمْ» . الشيخ: نعم، هذا سمع المؤذن، سمع آخر الأذان. طالب: هل يجزئ يا شيخ غير الشاة في العقيقة؟
الشيخ: يعني يقول: هل يجوز أن أعق ببعير؟ نقول: نعم، يجوز، لكن الشاة أفضل، لكنها البعير لا تجزئ إلا عن واحد، ما تجزئ عن سبع عقائق. (...)
يسأل، يقول: رجل قتل الآخر، وكانت زوجة المقتول من أقرباء القاتل، فطلب أولياء المقتول القصاص، وطلبت هي الدية، فهل يُنفَّذ به القصاص أم الدية؟ إحنا ما ذكرنا هذه؟ طلبة: نعم، ذكرناها. الشيخ: ذكرناها وقلنا لكم: إن الله يقول: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء [البقرة: ١٧٨] وشيء نكرة في سياق الشرط، وقلنا لكم: لو أنه لا يستحق من الميراث إلا واحدًا من ألف، وعفا سقط القصاص. طالب: هي متهمة يا شيخ؛ لأنها من أولياء القاتل. الشيخ: ولو اتهمت ما علينا، حتى لو صرحت قالت: عفوت ليسقط عنه القصاص ما فيه بأس.
أيش تسأل يقول: التكبير في الصلاة، هل يكون فعل التكبير أولًا أو النطق بالتكبير، وأيش الفرق بين فعل التكبير والنطق بالتكبير؟ طالب: هل يكون قبل النطق أم بعده؟ الشيخ: التكبير قبل النطق!! التكبير هو النطق. طلبة: رفع اليدين يا شيخ. الشيخ: إي، رفع اليدين، رفع اليدين هذا له ثلاث صفات: تكبر ثم ترفع، أو ترفع ثم تكبر، أو يكون الرفع مع التكبير، كلها جاءت بها السنة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا ومحمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبق لنا بيان حكم العقيقة، وأنها سُنَّة مؤكدة، حتى إن الإمام أحمد رحمه الله قال: يقترض إذا لم يكن عنده مال، وأرجو أن يخلف الله عليه؛ لأنه أحيا سُنَّة، ولكن الصحيح -كما سبق- أنه إذا كان يرجو الوفاء عن قرب فلا بأس كموظف ليس عنده في الوقت الحاضر دراهم يقترض حتى يأتي الراتب، هذا لا بأس، وأما رجل لا يرجو الوفاء عن قُرب، وليس له مورد فلا ينبغي أن يقترض، وسبق لنا أنها عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة، وسبق أن وقت ذبحها هو اليوم السابع، فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي واحد وعشرين، ثم لا تعتبر الأسابيع بعد ذلك، وسبق لنا أنها تطبخ أفضل منها نية بخلاف الأضحية، وذلك أنها طعام، فإذا أعطي صاحبه وهو جاهز مطبوخ كان أحسن، وسبق لنا أنه لا يُكسر لها عظم، وقد ورد فيه حديث، لكنه من مراسيل أبي داود ضعيف إلا أنه وردت آثار عن الصحابة أنه لا يُكسر لها عظم، وسبق لنا أنها كالأضحية في الأكل، والشرب، وغير ذلك؛ ولهذا قال المؤلف: وحكمها كالأضحية. إذا كانت كالأضحية فإنها لا تُجزئ إلا من بهيمة الأنعام، فلو عق بفرس لم يجزئ، ولا تجزئ حتى تبلغ السن المعتبر شرعًا، هذا الشرط الثاني، وهو في الضأن ستة أشهر، وفي الماعز سنة، وفي البقر سنتان، وفي الإبل خمس سنين، ولا تجزئ إلا سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء، مثل: العور البين، والمرض البين، والعرج البين والهزال، ولكن في الأضحية سبق أن الإبل أفضل إذا أخرجها كاملة، أما في العقيقة فإن الأفضل شاة أو شاتان؛ شاة للأنثى، وشاتان للذكر أفضل من البعير أو البعيرين؛ لأن ذلك هو الذي وردت به السنة، وفي هذا الحكم تخالف الأضحية، وسبق أيضًا أنها تخالفها في أنها تُوزع بعد الطبخ، وتنزع جدولًا، كذلك أيضًا تخالف الأضحية في قولهم (إلا أنه لا يجزئ فيها شِرْك في دم)، (إلا أنها) -أي العقيقة- (لا يجزئ فيها شرك في دم)، يعني فلا تجزئ البعير عن اثنين، ولا البقرة عن اثنين، وإذا لم تجزئ عن اثنين لا تجزئ عن ثلاثة، ولا عن أربعة من باب أولى. قال العلماء: ووجه ذلك، أولًا: أنه لم يرد التشريك فيها، والعبادات مبنية على التوقيف. ثانيًا: أنها فداء، والفداء لا يتبعض؛ لأنها فداء عن النفس، فإذا كانت فداء عن النفس، فلا بد أن تكون نفسًا، والتعليل الأول لا شك أنه هو الأصوب؛ لأنه لو ورد التشريك فيها بطل التعليل الثاني، فيكون مبنى الحكم على أيش؟ طالب: على النص.
الشيخ: على عدم ورود ذلك. قال: (ولا تُسنُّ الفرَعة ولا العتيرة)، هاتان ذبيحتان معروفتان في الجاهلية، وقد اختلفت الأحاديث في إثباتهما أو نفيهما، ومن ثم قال المؤلف: (لا تسن الفرعة) الفرعة هي ذبح أول ولد للناقة، إذا ولدت الناقة أول ولد، فإنهم يذبحونه لآلهتهم تقربًا إليها، ومعلوم أن الإنسان لو ذبح على هذا الوجه لكان شِرْكًا أكبر، ما فيه إشكال، لكن لو ذبحها شكرًا لله على نعمته لكون هذه الناقة ولدت، فيذبح أول نتاج لها شكرًا لله عز وجل من أجل أن يبارك الله له في النتاج المستقبل، فهنا لا شك أن النية تُخالف ما كان أهل الجاهلية يفعلونه تمامًا، ولكنها توافق ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في الفعل، وإن اختلفت النية، فهل يقال: إنها من أجل ذلك ينهى عنها كما نهي عن الذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله، لكن هذا هو التعليل الصحيح؛ أنها مكروهة لولا أنه ورد في السنة ما يدل على الجواز. وعلى هذا فنقول: إن ذبح الإنسان الفرَعة بقصد كقصد أهل الجاهلية فهو شرك محرم لا إشكال فيه، وإن ذبحها من أجل أن يكون ذلك شكرًا لله على هذا النتاج الذي هذا أوله، ولتحصل البركة في المستقبل، فهذا لا بأس به، ولكن هل هو سُنَّة؟ يقول المؤلف: (لا تُسنُّ الفرعة). كذلك: (ولا العتيرة) (العَتِيرة) (فعِيلة) بمعنى (مفْعُولة) من العَتْر، وهي ذبيحة تُذبح في أول شهر رجب، وكانوا في الجاهلية يعظمون رجبًا؛ لأن رجبًا أحد الأشهر الأربعة الحرم التي هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا يُعظِّمون هذا الشهر، وكانوا يخصونه بالعمرة أيضًا؛ فلذلك لهم عبادات في هذا الشهر؛ منها العتيرة، يذبحونها في أول رجب. والمؤلف يقول: (لا تُسنُّ)، واستدل بالحديث المتفق عليه وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ» وفي رواية للنسائي: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ فِي الْإِسْلَامِ» . وتخصيص ذلك بالإسلام يوحي بأنها من خصال. طلبة: الجاهلية. الشيخ: الجاهلية، ولهذا كره بعض العلماء، كره العتيرة بخلاف الفرعة؛ لأنه وردت بها السنة، أما العتيرة فكرهها وهي جديرة بأن تكون مكروهة. لا، يعني الذبيحة في أول رجب لا سيما وأنه إذا ذُبح في أول رجب وقيل للناس: إن هذا لا بأس به، فإن النفوس ميَّالة إلى مثل هذه الأفعال، فربما يكون شهر رجب كشهر الأضحية، كشهر ذي الحجة، ويتكاثر الناس على ذلك، ويبقى مظهرًا ومشعرًا من مشاعر المناسك، وهذا لا شك أنه محظور، فالذي يترجح عندي أن الفرعة لا بأس بها لورود السنة بها، وأما العتيرة فإنها أقل أحوالها الكراهة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نفى ذلك وقال: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ». وبهذا انتهى باب الأضاحي، وباب الهدي، وبه يتبين لنا أن الدماء المشروعة ثلاثة أقسام: هدي، وأضحية، وعقيقة. هذه هي الدماء المشروعة، وأما وليمة العرس كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» ؛ فإنها لا تختص ببهيمة الأنعام، تكون وليمة بهذا، وتكون وليمة بغير ذلك. الذبائح المسنونة هي الهدي والأضاحي والعقيقة، وأما الوليمة التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، فهذا ليس خاصًّا ببهيمة الأنعام تكون وليمة بهذا، وتكون بالطعام، وتكون بالتمر، وبالحيس الذي يُخلط التمر وأقط وسمن، فهي لا تختص بهذا، لكن إذا أولم بشاة فلا بأس. ما يفعله بعض الناس إذا نزل بيتًا جديدًا ذبح ودعا الجيران والأقارب، هذا لا بأس به ما لم يكن مصحوبًا بعقيدة فاسدة كما يُفعل في بعض الأماكن إذا نزل أول ما ينزل البيت يأتي بشاة، ويذبحها على العتبة -عتبة الباب- حتى يسيل الدم على العتبة، ويقول: إن هذا يمنع الجن دخول البيت، هذه عقيدة فاسدة، ليس لها أصل، لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور، فهذا لا بأس به. أيضًا ما يفعله بعض الناس الآن إذا كان في رمضان، ذبحوا ذبائح، وقالوا: هذا عشان الأب، عشان الجد، عشان الأم، عشان الخالة، عشاء الوالدين جميعًا، هذا أيضًا ليس بمشروع إلا إذا ذبح الإنسان هذا من أجل اللحم، لا من أجل أن يتقرب إلى الله بالذبح، فإن كان هذا الثاني فإنه لا بأس به، قد يقول: أنا لا أريد أن أذهب إلى المجزرة، أريد أن أذبح الشاة عندي، وآكل لحمها فقط، لا تقربًا إلى الله بالذبح، ولا افتخارًا فيقال: ذبح عن أبيه شاة أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به. الهدي منه واجب، ومنه تطوُّع، الواجب هدي المتعة والقران، والتطوع أن يتقرب الإنسان إلى الله عز وجل بذبح شاة أو بقرة أو بعير في مكة ليتصدق بها على الفقراء بدون سبب، وأما الدم الواجب لفعل محظور أو ترْك واجب، فهذا يسمى فدية، ولا يأكل منه صاحبه شيئًا.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال المؤلف رحمه الله تعالى:
مدخل
٠١:٠٩:٥٨
(كتاب الجهاد)
(الجهاد) مصدر (جَاهَد) الرباعي، وهو بذل الجهد في قتال العدو، هذا الجهاد، وينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارزين المعاندين، أما الأول -وهو جهاد النفس- فهو إرغامها، ومخالفتها في معصية الله؛ أي: إرغامها على طاعة الله ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة؛ فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حرمات الله، وحتى يدع ما أوجب الله عليه، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه حينما رجع من غزوة تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» يعني جهاد النفس، لكن هذا الحديث غير صحيح. أما النوع الثاني فهو جهاد المنافقين، وجهاد المنافقين يكون بالعلم لا بالسلاح؛ لأن المنافقين لا يُقاتَلون؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استؤذن أن يقتل المنافقون الذين عُلم نفاقهم، فقال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَضْحَابَهُ» وهم لهم جهاد، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التوبة: ٧٣]، ولكن جهادهم بالعلم، ولهذا يجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر الشبهات والشهوات والبدع، ولا يستطيع أحد أن يردعها. الثالث: جهاد المبارزين المعاندين المحاربين وهم الكفار الذين أعلنوا، وصرحوا بالكفر، وهذا يكون بماذا؟ يكون بالسلاح، وقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]. قد يقال: إنه يشمل النوعين؛ جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» يؤيد أن المراد بذلك؟ طالب: السلاح. الشيخ: السلاح في المقاتلة، الجهاد يقول المؤلف: (فرض كفاية)، وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وصار في حقهم سنة، وهذا حكمه، أما مرتبته في الإسلام فقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ذُرْوَة سَنَامِ الْإِسْلَامِ» ، ذروة سنامه، والسَّنام: هو الشحم النابت فوق ظهر الجمل، وذروته أعلاها، وإنما جعله النبي عليه الصلاة والسلام ذروة سنام الإسلام؛ لأنه يعلو به الإسلام، ويرتفع به الإسلام، كما أن سنام البعير كان فوق مرتفعًا فهو له مرتبة، وله حكم، حكمه؟
طلبة: فرض كفاية. الشيخ: ومرتبته؟ طلبة: ذروة سنام.. الشيخ: أنه ذروة سنام الإسلام. وقوله: (هو فرض كفاية) لا بد فيه من شرط؛ وهو الكفاية؛ أي بأن يكون عند الإنسان أو عند المسلمين قدرة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم بالقتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يُوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين القتال وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكونوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلا بد من هذا الشرط أن يكون عند المسلمين قوة يستطيعون بها الجهاد وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة؛ لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وقوله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] إذن لا بد من القدرة.
قال: (ويجب) يعني يجب الجهاد (إذا حضره) يعني يكون فرض عين إذا حضر الإنسان القتال؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٥، ١٦]. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن التولي يوم الزحف من الموبقات، حيث قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وذكر منها التولي يوم الزحف إلا أن الله تعالى استثنى حالين: الأولى: أن يكون متحرفًا لقتال؛ بمعنى أن يذهب لأجل أن يأتي بقوة أكثر. والثاني: أن يكون منحازًا إلى فئة؛ بحيث يُذكر له أن فئة من المسلمين من الجانب الآخر تكاد تنهزم، فيذهب من أجل أن يتحيز إليها تقويةً لها، وهذا الأخير يشترط فيه ألا يخاف على الفئة التي هو فيها، فإن خاف على الفئة التي هو فيها فإنه لا يجوز أن يذهب إلى الفئة الأخرى. إذن يكون في هذه الحال إذا حضر أيش؟ طالب: واجبًا. الشيخ: واجبًا فرض عين، لا يجوز عنه الانصراف.
الثاني: إذا حصر بلده العدو يجب عليه القتال دفعًا عن البلد، وهذا يشبه من حضر الصف في القتال؛ لأن العدو إذا حصر البلد فلا بد من الدفاع؛ إذ إن العدو سيمنع الخروج من هذا البلد، وسيمنع الدخول إلى هذا البلد، وسيمنع ما يأتي لهم من الأرزاق، وغير ذلك مما هو معروف، ففي هذا الحال يجب أن يُقاتل أهل البلد دفاعًا عن بلدهم.
الثالث: قال: (أو استنفره الإمام) استنفر؛ أي: قال: انفروا، والإمام هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يُشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت منذ أزمان متطاولة، والنبي عليه الصلاة والسلام، قال: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرْ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» . فإذا تأمر إنسان على جهة ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، وأنتم تعلمون أنه مِنْ عَهْد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وبنو مرْوان في الشام، والمختار بن عبيد وغيرهم في العراق، تفرَّقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يَدِينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة، وبهذا نعرف ضلال مَنْ؟ ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد، نسأل الله العافية، وهؤلاء لا أدري هل يريدون أن تكون الأمور فوضى، ليس للناس قائد يقودهم؟! هل يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟! هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية والعياذ بالله؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحية من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها فهو إمام؛ إمام فيها، وقد نص على ذلك العلماء، مثل صاحب سبل السلام وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه، وهذا هو الواقع الآن في البلاد التي في ناحية واحدة تجدهم يجعلون انتخابات، ويحصل صراع على السلطة، ويحصل رشاوى، وبيع ذمم، وإلى غير ذلك، فإذا كان البلد الواحد لا يستطيعون أن يولوا عليهم واحدًا إلا بمثل هذه الانتخابات المزيفة، فكيف بالمسلمين عمومًا؟! هذا لا يمكن.
إذن نقول: (إذا استنفره الإمام) وإمام كل ناحية من كان واليًا عليها الذي له السلطة العليا في هذه الناحية، إذا استنفره الإمام وجب عليه الخروج؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ [التوبة: ٣٨، ٣٩] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» . هذا من ناحية أدلة سمعية. دليل عقلي: لأن الناس لو تمردوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام؛ إذ إن العدو سوف يقدم، ويتقدم إذا لم يجد من يقاومهم ويدافع. بقي مسألة رابعة أو صورة رابعة: إذا احتيج إليه صار فرض عين عليه، كيف يحتاج إليه؟ يعني مثلًا هذا الرجل عندنا دبابات أو طائرات لا يعرف قيادتها إلا هذا الرجل، حينئذٍ يجب عليه أن يقاتل؛ لأن الناس محتاجون إليه، وهذا ربما نقول: إن هذه الصورة الرابعة أو المسألة الرابعة تُؤخذ من قولنا: إنه فرض كفاية؛ لأنه إذا لم يقم به أحد واحتيج إلى هذا الرجل، فهذا هو فرض الكفاية، يكون فرض عين عليه، والحاصل أن الجهاد يجب في أربع مسائل، يجب وجوب عين في أربع مسائل:
المسألة الأولى: إذا حضر القتال. والثاني: إذا حصر بلده العدو. والثالث: إذا استنفره الإمام. والرابع: إذا احتيج إليه. وما عدا ذلك فهو فرض كفاية. ثم هل الجهاد يكون بالنفس أو بالمال أو بهما؟ طالب: بهما. الشيخ: يكون بهما؛ تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب على البدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليًّا وبدنيًّا، وكما تقرؤون القرآن، يذكر الله عز وجل الجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، وربما يقدم الجهاد بالمال في الآيات كلها، أو أكثرها يقدم الجهاد بالمال؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال. يقول: (وتمام الرباط أربعون يومًا) أفاد المؤلف أن هناك رباطًا، فما هو الرباط؟ الرباط مصدر رابط والرباط هو لزوم الثغر، الثغر: هو المكان الذي يُخشى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين، وأقرب ما يقال فيه بالنسبة إلى واقعنا أنه الحدود، هذه الثغور، الثغور هي الحدود التي بين الأراضي الإسلامية والأراضي الكفرية. يُسن للإنسان أن يرابط؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون [آل عمران: ٢٠٠]، وأول ما يدخل في الآية الرباط على الثغور، يرابط الإنسان ليحمي بلاد المسلمين من دخول الأعداء، ويجب على المسلمين أن يحفظوا حدودهم من الكفار؛ إما بعهد وأمان، وإما بسلاح ورجال حسب ما تقتضيه الحال. الرباط أقله ساعة؛ يعني لو ذهب الإنسان بالتناوب مع زملائه ساعة واحدة، حصل له أجره وتمامه أربعون يومًا، هكذا جاء في الحديث الذي يقول: رواه أبو الشيخ في كتاب الثواب، لكن لو زاد على الأربعين، هل له أجر؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، له أجر لا شك، ثم هل يذهب بأهله إلى هذه الثغور ليسكنوا معه أو الأوْلى ألا يذهب بهم خوفًا عليهم؟ طالب: الثاني. طالب آخر: فيه تفصيل. الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان الثغر مخوفًا، فلا ينبغي أن يذهب بأهله، وإذا كان غير مخوف؛ فالأولى أن يذهب بهم ليزداد طمأنينة؛ لأن الإنسان إذا كان بعيدًا عن أهله فإنه سوف يكون مشوش البال بالنسبة لحال أهله. وتمام الرباط أربعون يومًا، إذن ما هو الرباط؟
طلبة: لزوم الثغور. الشيخ: لزوم الثغور؛ أي الحدود بين المسلمين والكفار. (وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعًا إلا بإذنهما) (إذا كان أبواه) أي أبوا الشخص؛ يعني أمه وأباه، وأطلق عليهما الأبوان من باب؟ طلبة: التغليب. الشيخ: التغليب كما يقال: القمرانِ للشمس والقمر، ويقال: العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهم، فإذا كان الإنسان له أبوان مسلمان، وأراد الجهاد تطوعًا فإنه لا بد من إذنهما، فإن أذِنا له وإلَّا حرم عليه الجهاد.