كتاب الحج (الشرح الأول) - ١٨
درس صوتي · ٩١:٢٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟ الأول التخفيف، فإيجاب ما لم يجب بلا دليل أشد من إسقاط ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قول على الله بلا علم، وفيه إشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب، والمراد ليس إسقاط عن عمد، لكن إسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجبًا، لكن هل فيه التكليف على العباد؟ طالب: ما فيه. الشيخ: ما فيه، فأقول مرة ثانية: إيجاب ما لم يجب أشد من إسقاط ما وجب؛ يعني: إذا لم يكن هناك نص يدل على الوجوب بحيث يواجه الإنسان به ربه فإن إسقاط ما وجب -أي: ما يمكن أن يكون واجبًا- أهون. وكذلك نقول في التحريم والتحليل: تحريم ما كان مباحًا أشد من إباحة ما عسى أن يكون حرامًا. نقول: ما هو الدليل على وجوب الدم لمن ترك واجبًا؟ نقول: الدليل على هذا قول صحابيٍ جليل وهو ابن عباس رضي الله عنهما؛ حيث قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا ، ومبنى هذا الاستدلال على أن مثل هذا القول لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع؛ لأن الصحابي إذا قال قولًا أو فعل فعلًا لا يقال بالرأي ولا يفعل بالرأي حُمِلَ على أنه مرفوع حكمًا. ولا يَرِدُ على هذا القول الشبهة التي أثيرت حول ما يخبر به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن بني إسرائيل، وأنه ممن عرف في التساهل بالنقل عنهم، مع أن الأمر ليس بصحيح، بل هو يشدد في النقل عنهم، كما مر علينا في البخاري في عدة مواضع. لماذا لا يَرِد؟ لأن هذا حكم وليس خبرًا، فعليه نقول: هذا الحكم صدر من عبد الله بن عباس وأيش؟ طلبة: له حكم الرفع. الشيخ: وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يُقَال بالرأي. ثانيًا: على فرض أن مثله يقال بالرأي، وأن ابن عباس رضي الله عنهما اجتهد، فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف، فكان أولى بالقبول من قول غيره، وهذا الاحتمال على تقدير أنه لم يثبت له حكم الرفع وأنه قاله بالاجتهاد. كيف يكون بالاجتهاد؟ لأنه رضي الله عنه قال: إن ترك ما يجب كفعل ما يحرم؛ كلاهما انتهاك لنسك، وفعل ما يحرم ثبت بالنص القرآني أن فيه نسكًا، قال الله تعالى وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦]. وابن عباس رضي الله عنهما اختار أكمل الثلاثة فقال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا، فيكون هذا الرأي مبني على أيش؟ على اجتهاد؛ وهو قياس انتهاك النسك بترك الواجب على انتهاكه بفعل أيش؟ طالب: محرم. الشيخ: بفعل محظور، فوجب الدم. ونحن نقول: إن ثبت هذا من جهة النظر؛ يعني: إن سلم الدليل من جهة النظر وأن في ترك الواجب دمًا فذاك، وإن لم يسلم وقيل: الأصل براءة الذمة وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس فإننا نقول في إيجاب الدم بترك الواجب مصلحة؛ وهي حفظ الناس عن التلاعب. أنت لو قلت: ليس في ترك الواجب دم أكثر الناس لا يهتمون به بأنه واجب وأن في تركه الاستغفار والتوبة ما يهمه، يقول: إذا شئت أن أملأ لك أجواء مكة كلها وإلى المدينة استغفارًا وتوبة فأنا ما عندي مانع، لكن لا تجعلني أخسر ولا خمسين ريالًا، تقول له: تُبْ إلى الله، قال: ما يخالف، كم مرة؟! ما عندي مانع، لكن لا تلزمني بشاة؛ يعني: كثير من الناس -ما نقول: إن أكثرهم، إن شاء الله- كثير من الناس لا يهمه، يهمه المال أكثر مما يهمه انتهاك النسك. لو قيل: إن هذا واجب ومن تركه فهو آثم وعليه التوبة والاستغفار، فهل يحترم الناس هذا النسك كما لو قلنا: إن فيه الدم تذبحه ولو كنت في بلدك، وكل من يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء؟ الجواب: لا يكون نظر الناس إلى الواجب سواءً؛ لهذا نرى إلزام الناس بذلك، وإن كان ثبوته من حيث النظر والاستدلال فيه مناقشة وفيه اعتراض، فنقول: إن هذا من باب التربية؛ تربية المسلمين على التزامهم بالواجب، وما دمنا مستندين إلى قول صحابي جليل دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل فإننا نرجو أن نكون أبرأنا ذمتنا بذلك، والله يعلم المفسد من المصلح. لهذا نحن نفتي بأنه يجب على من ترك واجبًا أن يذبح فدية يوزعها على الفقراء في مكة؛ لهذا النظر الذي ذكرناه. لكن إذا لم يجد هديًا إذا لم يجد دمًا فما الواجب؟ المذهب الواجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يتمكن من صيامها في الحج صامها ببلده، ولكن هذا القول لا دليل عليه؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس، ليس هناك دليل على أن من عدم الدم في ترك الواجب يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس؛ لأن قياس ذلك على دم المتعة قياس مع الفارق؛ لأن دم المتعة دم أيش؟ طالب: شكران. الشيخ: شكران، وأما دم الواجب فدم جبران؛ لذلك نرى أن القياس غير صحيح، وحينئذٍ نقول لمن ترك واجبًا: اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء بنفسك أو بمن تثق به من الوكلاء، فإن كنت غير قادر فتوبتك تجزئ عن الصيام، تُبْ إلى الله يكفي، هذا هو الذي نراه في هذه المسألة. طالب: أحسن الله اليك، الفرق بين (...)؟ الشيخ: نعم. الطالب: (...) يمكن فيه احتمال الاجتهاد؟ الشيخ: كيف الاجتهاد؟ الطالب: ممكن يجتهد الصحابي. الشيخ: كيف يجتهد؟ على أي شيء نقيسه؟ الطالب: بالعموم. الشيخ: أي عموم؟ الطالب: عموم.. الشيخ: هل هناك عموم أن الإنسان كلما كبَّر يرفع يديه؟ الطالب: في كل (...). الشيخ: ما فيه عموم؛ ولهذا رفع ابن عمر يديه في كل تكبيرة في صلاة الجنازة ثابت عنه موقوفًا ، بل ومرفوعًا، كما رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشيته على الفتح قال: إنه صحيح؛ لأن السبب في تضعيفه مرفوعًا الاختلاف في أحد الرواة؛ لأن اسمه مشترك بين ضعيف وثقة؛ فمنهم من حمله على الضعيف فقال: الحديث مرفوعًا ضعيف، ومنهم من حمله على الثقة وقال: الحديث مرفوعًا صحيح، وهذا هو الظاهر؛ لأن ابن عمر ما كان ليرفع يديه في كل تكبيرة إلا مستند إلى مرفوع. طالب: بالنسبة للطواف يا شيخ، المحمول الذي يطاف به أحيانًا أنه يعني لا يؤشر عند الحجر وأحيانًا يكون نائمًا، هل نقول: لا يصح طوافه أم ماذا؟ الشيخ: ما تقولون في هذا؟ يقول: بعض الناس الذين يُحملون في الطواف والذين يركبون العربية في السعي يجد الراحة والهز، فينام (...) فينام هل يجزئه الطواف؟ نقول على القول بأن النية شرط: إذا نوى في ابتداء الطواف، ثم نام، فطوافه صحيح، وإن نام قبل أن يبتدئ -وهذا في الظاهر لا يكون- فإن طوافه ليس بصحيح. طالب: شيخ، بالنسبة لمن ذبح في عرفة أَلَا يشكل عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عذر الصحابي الذي ذبح قبل الوقت يوم العيد وهذا مجتهد وسليم القلب حينما ذبح؟ الشيخ: هذا يقول: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يعذر الصحابي الذي ذبح الأضحية في غير الوقت، أفلا نقول: إن من ذبحها في المكان الذي لا يذبح فيه ولو كان معذورًا بجهل تلزمه الإعادة، وهذا لا شك أنه إيراد قوي؛ لأن المخالفة في المكان كالمخالفة في الزمان، لكن الذي يمنع من إلحاق هذه بهذه أنه ليس هناك نص على أن الذبح لا بد أن يكون في الحرم إذا كان المقصود نفع الفقراء، لو كان هناك نص ما في المسألة إشكال. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا يدل على أن فجاج مكة كلها منحر، وفجاج مكة طريق ومنحر، لكن لا يدل إلا بالمفهوم على أن غيرها ليس بمنحر. على كل حال نحن نقول: هذه المسألة ما دامت وقعت وفيها خلاف فإننا لا نلزمه، لكن نقول: لا تعودوا ولا تعيدوا، ثم يجب على طلبة العلم أيضًا أن ينبهوا الناس على هذه المسألة. كان الناس في الأول مِنَى ما فيها زحمة، ولا أحد يفكر أن يذبح في عرفة أو يذبح في الشرايع مثلًا، لكن الآن من أجل الزحمة صار الناس قد يضطرون إلى ذلك؛ فلهذا أنا أرى أن الواجب على طلبة العلم أن ينبهوا على هذا؛ لأنها مهمة. طالب: شيخ، لو قال قائل: ندرك القاعدة على قول ابن عباس ونقول: من ترك واجبًا فعليه دم في غير الحج؟ الشيخ: في غير الحج؟ الطالب: إيوه، يعني لو ترك واجبًا. الشيخ: يعني حتى مثلًا لو ترك التشهد الأول في الصلاة قلنا: عليك دم، مشكل، لا، هذا لم يقل به أحد. طالب: شيخ، دم التمتع هل هو دم شكران أم دم جبران (...) فيه أم غيره؟ الشيخ: دم التمتع دم شكران، وإذا قلنا: دم جبران فإنه لا يأكل منه؛ لأن دم الجبران يجبر ما فات، وإذا أكل منه لم يجبر، إي نعم. طالب: قلنا القول الراجح في العمرة: إن طواف الوداع فيها واجب، وقلنا أيضًا (...) إن طواف الوداع في الحج ليس بواجب؟ الشيخ: لا. الطالب: في الحج. الشيخ: كلا، لكن قلنا: ليس من واجبات الحج، إي، فرق بين قلنا: ليس بواجب، وليس من واجبات الحج، فالإنسان لو حج وبقى في مكة ما عليه طواف وداع، لكن لو قلنا: إنه واجب للحج لقلنا: يجب، على أننا اعترضنا هذا الرأي ويش قلنا؟ قلنا: قد يكون واجبًا في الحج بشرط أن يغادر مكة، وحينئذٍ يصح أن يُعَد من واجبات الحج. طالب: بارك الله فيكم، على ما رجحنا لو أتانا آتٍ وهو ترك واجب، ولكن لو عرف أنه أذنب لكان أكبر عليه أن يفدي بشاة، هل نقول بالتوبة فقط؟ وهل يجزئ بالهدي؟ الشيخ: نقول بالتوبة والفدية. الطالب: شيخ، المسألة ليس فيها دليل صريح والتعليل منتهٍ؟ الشيخ: لا، نأخذ القاعدة؛ لأن أيضًا هذا يوجب التشويه على العامة؛ فلان أوجبتم عليه وفلان ما أوجبتم، ويش الفرق؟ وربما يكون الذين قلنا: لا يجب عليك ربما يكون غنيًّا فيحصل مشكلة. الطالب: القول في مزدلفة أنه يكفي فرض الوقت في الصلاة. الشيخ: أيش؟ الطالب: أنه يكفي نية فرض الوقت المسافر. الشيخ: إي نعم. الطالب: لكن -يا شيخ- إذا قصر الصلاة وأتى المسجد تصح الصلاة في كل حال؟ الشيخ: في كل أيش؟ الطالب: في كل حال نوى الصلاة. الشيخ: إي نعم. الطالب: ولكن يا شيخ.. الشيخ: لا، نوى الفريضة. الطالب: نوى الفريضة، ولكن يا شيخ (...) وهو مسافر جمعوا بين الظهر والعصر ودخل معهم ولم ينوِ التعيين. الشيخ: نعم، على نيته هو. الطالب: هو لم ينوِ التعيين. الشيخ: على نيته، لو سألناه بعدما سلم ويش نيتك؟ ويش قال؟ ما نوى شيئًا؟ الطالب: نوى الصلاة، نوى الفريضة. الشيخ: إي، لكن هو جامع، هو ربما ينسى، قد يكون نسي أنه جامع؛ يعني: تقصد؟ الطالب: أو (...). الشيخ: إذا قصد أنه جامع، ففي نيته التي في قلبه أنه سيبدأ بالأولى. الطالب: وأين المقبول نية فيها؟ الشيخ: أما إذا قال: واللهِ لا ما أدري، واللهِ ويش نويت ونسيت أني ما جمعت، نقول له: أعد هذا؛ لأنه ما نوى. طالب: شيخ. الشيخ: سألت يا شيخ ما أكملت؟ الطالب: لا ما أكملت. الشيخ: ليش ما سألت. طالب: يا شيخ، ما هو القول الراجح في (...) ليس بواجب في الميقات (...)؟ الشيخ: وهو. الطالب: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت. الشيخ: نجيب عنها باللفظ الثاني؛ كان الناس ينصرفون من كل وجه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» . الطالب: النية المعينة التفريق، لو قال قائل: إن التفريق بين الصلاة والحج بأن الحج تتجزأ بعض أفراده والصلاة لا تتجزأ بعض أفرادها؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: يعني الحج ممكن يطوف الإنسان كطواف مستقل، لكن الصلاة لا يمكن أن.. الشيخ: لا، لا بد أن ينوي الطواف لهذا النسك؛ يعني: لو فرضنا أنه نواه عن طواف مطلق ما أجزأه. طالب: لا بد من التعيين. الشيخ: لا بد على الأقل ينوي الطواف بدون أن يقول: هذا طواف نافلة مثلًا، لو نوى أنه طواف نافلة ما صح.
باب الفوات والإحصار
٠٠:١٩:١٥
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى:
باب الفوات والإحصار من فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة ويقضي، ويُهدي إن لم يكن اشترط، ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حَلَّ، فإن فقده صام عشرة أيام، ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عرفة تحلل بعمرة، وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد سبق الكلام على الأركان والواجبات والسنن وبيان حكم كل منها، وأن من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه، وسبق بيان الأدلة على ذلك. وقد توهم بعض الناس في مسألة الواجبات فظن أن الإنسان مخير بين أن يأتي بالواجب أو يأتي بالدم، حتى سمعنا أن بعض الناس إذا وقف بعرفة وبات بمزدلفة إلى نصف الليل نزل، ثم طاف وسعى وحل التحلل كله، ثم بقي في بيته وقال: أذبح فدية عن المبيت بمنى وعن رمي الجمرات، فيظن أن المسألة على التخيير وليس كذلك، ولكن من ترك الواجب لعذر أو نحو ذلك فإنه يجب عليه أن يفدي، أما أن الإنسان مخير بين هذا وهذا فإن هذا لا شك إخلال بهذه النسك العظيم. يعني لو قال إنسان: أنا أقف بعرفة إلى غروب الشمس وبمزدلفة إلى منتصف الليل، ثم أنزل إلى مكة وأطوف وأسعى، ثم أرجع إلى أهلي، متى يرجع إلى أهله؟ في ليلة العيد، ويوكل من يرمي عنه، ومن يذبح عنه، عن طواف الوداع، وعن المبيت، هذا تلاعب بأحكام الله. فقول الفقهاء رحمهم الله: (من ترك واجبًا فعليه دم) يعني أن ذلك جبرٌ لما ترك، وليس المراد به التخيير، وإلا لقالوا: يخير بين هذا وبين الدم. أما السنة فمن تركها فلا شيء عليه؛ لأن السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فلو ترك الإنسان الوقوف بعد الجمرة الأولى أو بعد الجمرة الوسطى فلا شيء عليه، وكذلك لو ترك الاضطباع في الطواف أو الرمل فلا شيء عليه، فالقاعدة أن من ترك سنة فلا شيء عليه. ثم قال المؤلف: (باب الفوات والإحصار) هذا الباب يتضمن مسألتين؛ المسألة الأولى الفوات، والمسألة الثانية الإحصار. أما الفوات فهو مصدر (فَاتَ يَفُوتُ فَوْتًا وفَوَاتًا)، ومعناه: أن يُسبق فلا يدرك، يقال: فاتني الشيء؛ أي: سبقني فلم أدركه، هذا هو الفوات سبقٌ لا يدرك. أما الإحصار فهو من: حصره؛ إذا منعه، فالإحصار بمعنى المنع؛ يعني: أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك، والفوات: أن يفوت الإنسان شيء من النسك. وسيأتي في هذا الباب أن من الأركان ما له وقت محدد، ومنها ما ليس له وقت محدد، فالوقوف -الذي هو الحج كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» - له وقت محدد، حده متى؟ طلبة: طلوع الفجر. الشيخ: طلوع الفجر يوم النحر، فيقول المؤلف في حكم ذلك: (من فاته الوقوف فاته الحج)، وإذا فاته الحج فماذا يصنع؟ يُنظر؛ إن كان الإنسان قد اشترط عند إحرامه أن محله حيث حبس فإنه يحل ولا شيء عليه؛ يعني: يخلع ثياب الإحرام ويلبس الثياب ويرجع إلى أهله؛ لأنه قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا حابس. وقد سبق هل الأولى أن يشترط أو الأولى ألَّا يشترط؛ إما مطلقًا، أو بتفصيل، وذكرنا أن الصواب ألَّا يشترط إلا إذا كان يخاف من عدم إتمام النسك. قال: (فاته الحج وتحلل بعمرة) يعني: إذا فاته الوقوف وطلع الفجر قبل أن يصل إلى عرفة تحلل بعمرة؛ ذهب وطاف وسعى وحلق أو قصر، وإن شاء أن يبقى على إحرامه إلى الحج القادم فله ذلك، ولكن أيهما الذي يختار؟ طلبة: الأول. الشيخ: سيختار الأول بلا شك، لكن الفقهاء يقولون: إن اختار أن يبقى على إحرامه إلى أن يأتي الحج الثاني فلا بأس، ولكن يقال: الأولى أن يتحلل؛ لأن ذلك أيسر وأسهل، وكيف يمكن للإنسان أن يدع محظورات الإحرام لمدة سنة كاملة؟! هذا بعيد، ومشقة شديدة. قال: (ويقضي ويُهدى إن لم يكن اشترط) (ويقضي) يعني: يقضي هذا الحج الفائت، وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي؛ سواء كان الحج واجبًا، أم تطوعًا؛ لأنه إن كان واجبًا فوجوب القضاء ظاهر؛ سواءٌ كان واجبًا بأصل الشرع بأن يكون هذا فريضة الإسلام، أو واجبًا بالنذر فإن قضاءه أمر واضح أنه يجب عليه القضاء، ولكن إذا كان تطوعًا فهل يجب القضاء؟ نقول: نعم، يجب القضاء؛ وذلك لأن الإنسان إذا شرع في النسك صار واجبًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة؛ أن نفلهما يجب المضي فيه بخلاف غيرهما، فهو لما شرع وأحرم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجبًا في حقه كأنما نذره نذرًا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]. وعلى هذا فيجب القضاء؛ سواء كان ذلك تطوعًا، أو واجبًا بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . وقول المؤلف: (إن لم يكن اشترط) فإن كان اشترط فلا قضاء عليه ولا هدي عليه، إلا إذا كان الحج واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فإنه يلزمه القضاء ولو كان اشترط. وعلى هذا فيكون قوله: (إن لم يكن اشترط) فيما إذا كان الحج نفلًا، أما إذا كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فيلزمه القضاء، وعلى كل حال لأنه قد وجب عليه قبل أن يشرع فيه. تعرَّض المؤلف رحمه الله إلى مسألة إذا أخطأ الناس في يوم الوقوف؛ بأن وقفوا، ثم ثبت ثبوتًا شرعيًّا أن وقوفهم كان في غير يوم عرفة فهل حجهم صحيح أو حجهم باطل؟ أنتم فاهمين؟ وعلى كل حال في الوقت الحاضر هذا شيء قد يكون متعذرًا، لكن فيما سبق ربما يكون وقف الناس، ثم ثبت ببينة أن وقوفهم كان في اليوم العاشر، وأن الهلال هلَّ قبل أن يراه الناس في مكة، فهل يلزمهم القضاء؟ الجواب: لا يلزمهم القضاء؛ لأن الهلال اسم لما اشتهر عند الناس، ولأنهم فعلوا ما أُمروا به؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ، فهؤلاء غم عليهم هلال ذو الحجة، فيلزمهم أن يتموا ذا القعدة ثلاثين يومًا، ومن فعل ما أمر به على وجه أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين. وإن وقف يسير منه فأخطؤوا فإن حجهم غير صحيح، بل نقول: إنهم إذا وقف اليسير منهم فهم مخطئون بكل حال؛ لأن الواجب عليهم الرجوع إلى ما كان عليه الجماعة، فلو تعنت أناس وقالوا: ما يمكن أن يكون الهلال هلَّ البارحة، منازل الهلال ضعيفة ولا نقبل أن يكون اليوم التاسع عند هؤلاء هو اليوم التاسع، بل هو اليوم الثامن، وسنقف في اليوم العاشر، العاشر عند الناس التاسع على زعمهم. فإننا نقول لهؤلاء: إن حجهم غير صحيح، يقول: إن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فاته الحج. قال: (ومن أحرم فصده عدو) انتقل المؤلف الآن إلى الإحصار، فصار الفوات حكمه سهلًا، نقول: إذا فات الوقوف فات الحج، وأنت الآن بالخيار بين أن تبقى على إحرامك إلى العام القادم وبين أن أيش؟ طلبة: تتحلل بعمرة. الشيخ: تتحلل بعمرة، هذه واحدة، ثانيًا: هل عليه القضاء؟ نقول: إن كان نفلًا وقد اشترط عند ابتداء الإحرام أن محله حيث حبس فلا شيء عليه؛ لا هدي، ولا قضاء، وإن كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر أو تطوعًا ولم يشترط فعليه القضاء من العام القادم. (ويهدي) والهدي يكون وقته في القضاء؛ لأنه الآن فاته الحج، فيكون الهدي في القضاء. ثم تكلم المؤلف عن الإحصار فقال: (ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حل) من صده عدو عن البيت؛ يعني: عن الوصول إلى البيت سواءٌ في عمرة أو في حج فإنه يهدي؛ يعني: يذبح الهدي، ثم يحل؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦] أي: فعليكم ما استيسر من الهدي، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلوا ، (أهدى ثم حل). وقوله: (من صده عدو) (مَنْ) اسم شرط أو اسم موصول؟ طالب: اسم موصول. الشيخ: يجوز أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وعلى كل تقدير فهي للعموم، فيعم ما إذا كان الصد عامًّا أو كان خاصًّا؛ العام أن يُصد كل الحجيج، لا قدَّر الله ذلك، والخاص أن يُصد واحدٌ من الناس أو جماعة من الناس، فماذا يصنعون؟ لنفرض أن أناسًا تسللوا وجاؤوا بلا جواز فمنعوا هؤلاء، نقول: أُحصروا، لكن لا ينطبق على قول المؤلف هنا؛ لأن المؤلف يقول: (من حصره عدوٌّ) فيرى أن الحصر خاص بالعدو، وأن الحصر بغير العدو ليس له حكم الحصر بالعدو، وسنتكلم على هذا إن شاء الله. يقول: (أهدى ثم حل، فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل) إن فقد أيش؟ طلبة: الهدي. الشيخ: الهدي، (صام عشرة أيام ثم حل)، ما هو الدليل؟ الدليل القياس على هدي التمتع، وهذا القياس فيه نظرٌ من وجهين: الوجه الأول: أن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم ألف وأربع مئة نفر أن فيهم الفقراء، ولم يرد أن الرسول قال لهم: من لم يجد الهدي فليصم عشرة أيام، والأصل براءة الذمة. وأما الوجه الثاني: فلأن الهدي الواجب في التمتع هدي شكران للجمع بين النسكين، أما هذا فهو عكس التمتع؛ لأن هذا حرم من نسكٍ واحد، فكيف يقاس هذا على هذا؟ فلذلك لا يصح القياس ونقول: من لم يجد هديًا إذا أُحصر فإنه يحل ولا شيء عليه. وظاهر كلام المؤلف رحمه الله هنا أنه لا يجب الحلق ولا التقصير؛ لأنه لم يذكره، بل قال: (أهدى ثم حل)، ولكن الصحيح أنه يجب الحلق أو التقصير؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذلك، بل إنه غضب لما توانى الصحابة في عدم الحلق ، والصحيح أن الحلق واجب على من؟ على من أحصر، بدلالة القرآن أو بدلالة السنة؟ طلبة: السنة. الشيخ: بدلالة السنة، القرآن ليس فيه إلا قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُفيه إشارة إلى أنه لا بد من حلق؛ لقوله: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، لكن السنة صرَّحت بذلك؛ بأنه لا بد من الحلق أو التقصير. إذن الإحصار: منع الإنسان من إتمام النسك، ولكنه على المشهور من المذهب خاص بمنع العدو، وأما غير العدو فإنه لا إحصار فيه؛ كضياع النفقة والمرض ونحو ذلك. ولكن من حبس بغير حق فهل هو كمن حصر بعدو؟ يقولون: إنه كَمَنْ حُصِرَ بالعدو؛ وذلك لأن هذا الذي حبسه بغير حق اعتدى عليه، فيكون كالذي منعه العدو. قال: (وإن صُد عن عرفة تحلل بعمرة) إن صُدَّ عن عرفة من أحرم بالحج تحلل بعمرة، والكلام في الأول من صُد عن أيش؟ طلبة: عن البيت. الشيخ: عن البيت؛ لأن من صد عن البيت لا يمكن أن يتحلل بعمرة؛ لأن العمرة لا بد فيها من طواف، لكن من صُدَّ عن عرفة فقط؛ بأن يكون في عرفة عدوٌّ يمنع الناس من الوصول إليها فهنا يتحلل، يقول: (تحلل بعمرة) يتحلل بعمرة، ولا شيء عليه؟ نقول: إن كان قبل فوات وقت الوقوف فلا شيء عليه، وإن كان بعده -بعد فوات الوقوف- فإنه يقضي؛ لأنه فاته الحج، والأول الذي حصر عن عرفة، ثم لما رأى أنه لا يمكن أن يقف جعلها عمرة لا شيء عليه. وعللوا ذلك بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر ما لم يقف بعرفة أو يسق الهدي، كما مر علينا في التمتع، هكذا قالوا رحمهم الله بأنه إذا صد عن عرفة تحلل بعمرة قبل فوت الوقوف، فإن لم يتحلل إلا بعده صار كمن فاته الوقوف يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم. (وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) إن حصره مرض، أحرم وهو صحيح يستطيع أن يكمل النسك، فمرض ولم يستطع إكمال النسك، نقول: تبقى محرمًا إلى أن تبرأ من المرض، ثم تكمل، لكن إن فاتك الوقوف فتحلل بعمرة. وكذلك إذا حصره ذهاب نفقة؛ رجل سرقت نفقته ولم يتمكن من إتمام النسك فإنه يبقى على إحرامه حتى يجد نفقة، ويتمم النسك إذا كان يمكن إتمامه، وإن كان حجًّا وفاته الوقوف فقد فاته الحج. وكذلك لو ضل الطريق -ضل الطريق؛ يعني: ضاع- فلم يهتد إلى عرفة فإنه يكون كما قال المؤلف: يبقى، أو لا يكون محصرًا إذا فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة. والصحيح في هذه المسألة أنه إذا حُصِرَ بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْيعني عن أيش؟ عن إتمامهما ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو. وأما قوله: فَإِذَا أَمِنْتُمْفهذا ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وهذه القاعدة أظن مرت علينا: إذا ذُكِرَ حكم عام، ثم عُطِفَ عليه حكمٌ يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص؛ ألم تروا إلى قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة: ٢٢٨] هل هذا الحكم يشمل كل المطلقات أو بعضًا منهن؟ طلبة: بعضًا. الشيخ: من هي؟ طلبة: الرجعية. الشيخ: الرجعية، مع أن المطلقة طلاقًا رجعيًّا أو غير رجعي تتربص ثلاثة قروء، فذِكْرُ حكمٍ لبعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص. لكن هذه القاعدة تنتقض على المذهب بمثال آخر؛ وهو قول جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة ، الحديث أوله عام ولَّا لا؟ طلبة: عام. الشيخ: في كل ما لم يقسم؛ كل مشترك لم يقسم ففيه الشفعة، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، هذا حكم لا يتعلق بكل شيء وإنما يتعلق بالعقار، الفقهاء رحمهم الله خصوا الشفعة بالعقار ولم ينظروا إلى عموم أول الحديث، وهذا ينتقض عليهم في مسألة المطلقات. في الحصر خصوا الحصر بالعدو؛ لقوله: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦]، فهذا إشارة إلى أن الحصر في قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْيراد به الحصر؛ حصر العدو، ولكن الصحيح أنه يشمل الحصر عن إتمام النسك بعدوٍ أو بغير عدو فإنه كما سمعتم. إذا حُصِرَ عن واجب -ما هو عن ركن- كأن يُمْنَع من الوقوف في مزدلفة فهل يتحلل؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه يمكن جبره بالدم، فلا حاجة إلى التحلل، نقول: تبقى على إحرامك وتجبر الواجب بدمٍ. ثم قال: (بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) فإن اشترط بأن قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، يحل بدون شيء. طالب: في مسألة العدو لو قالوا: إن المراد لأن العدو لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى البيت بينما غير ذلك، فإذا انكشف الضلال عن مكة أو وجد نفقة يمكن الوصول إلى البيت؟ الشيخ: إي، لكن إذا فاته الحج؟ الطالب: يتحلل بعمرة، على أساس أن هذا سيتحلل بعمرة. الشيخ: هو إذا حُصِرَ عن شيء لا يفوت ما يهم. الطالب: لا يفوت، لا بعد.. الشيخ: مثل الطواف والسعي لو حُصِرَ عنهما أمكنه أن يقضيهما بعد فوات الحصر. الطالب: أنا أقصد فاته الوقوف بعرفة، فالآن العدو حصره فلا يمكن أن يصل.. الشيخ: حصره أيش؟ الطالب: عن الدخول إلى مكة، فلا يمكن أن يأتي إلى البيت ليطوف للعمرة، بينما لو كان ضالًّا أو ضاعت النفقة، ثم وجدها بعد الوقوف.. الشيخ: لا، هو على كل حال اللي ما له وقت مسألة الضلال أو المرض الخفيف، هذا يمكن تداركه، لكن إذا كان المرض ثقيلًا. الطالب: بعمرة يعني؟ الشيخ: بعمرة أو لطواف وسعي الحج، نعم (...). طالب: (...)؟ الشيخ: إي، بس هذا غير صحيح. الطالب: (...)؟ الشيخ: أقول: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام حُصِرَ في الحديبية وذبح في الحديبية . الطالب: لكن يقول هو ما (...) استطاع. الشيخ: من؟ الطالب: ما استطاع بمثل ذلك. الشيخ: إي، يعني ما أنه يرى أنه إذا استطاع فإنه يجب أن يوصله هذا له وجه؛ لقوله: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦]، وهذا فيمن ساق الهدي فحصر فلا بد أن يصل الهدي إلى محله؛ لأنه ساقه للحرم. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، هو الآن -الحمد لله- يعني الحصر هذا قليل. طالب: الحصر (...)؟
الشيخ: إن حصر إذا أمكن في الحرم ما فيه شك أنه أفضل. طالب: الذي فاته حج التطوع لماذا لا يقاس على الحصر ولا يقضي؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: ما يقضي. الشيخ: لا، هذا قد يكون بتفريطٍ منه. الطالب: (...)؟ الشيخ: حتى بدون تفريط! كيف يكون بدون تفريط؟ الطالب: (...). الشيخ: إذن هذا ينبني على أنه هل هناك حصر بغير العدو؟ طالب: السؤال يا شيخ. الشيخ: يقول: الإمام فاته الوقوف بعرفة وهو في تطوع لماذا لا نجعله حصرًا؟ طالب: (...). الشيخ: يتحلل بعمرة أو (...). الطالب: (...) الحاج إذا حصر يبرأ قبل يوم النحر. الشيخ: قبل يوم النحر ولَّا قبل عرفة؟ الطالب: لا، قبل يوم عرفة وقبل يوم النحر. الشيخ: يعني بعدما انصرف من عرفة حُصِر؟ الطالب: لا، قبل ما حُصِرَ ما وصل مكة (...) حال. الشيخ: إي. الطالب: أرجح (...). الشيخ: في مكان حصره. الطالب: لو قبل يوم عرفة وقبل.. الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا الهدي عن الإحصار، حتى لو لم يكن معه هدي فإنه لا بد من هدي. الطالب: ولو قبله، بس أنا اللي يشكل عليَّ الوقت؛ يعني: يوم النحر ويوم عرفة. الشيخ: لا، هذا دم الإحصار حيث وجد سببه؛ من زمان، أو مكان. طالب: إذا بدأ في طوافه من المروة. الشيخ: في طوافه من المروة أو في سعيه؟ الطالب: في السعي. الشيخ: إي نعم. الطالب: من المروة. الشيخ: يلغى الشوط الأول. الطالب: (...) جاهل ما يدري إلا بعدما وصل. الشيخ: معناه ما طاف إلا ستة أشواط فقط. الطالب: لا بد أن يتم؟ الشيخ: إي، يلزمه أن يرجع فيتم السعي من أوله. طالب: شيخ، (...) من أحرم لحج أن يحرم لعمرة ما لم يقف بعرفة؟ الشيخ: لا، أن يجعله عمرة ما لم يقف بعرفة. الطالب: طيب إذا كان (...) وهو محرم (...) يذهب إلى مكة ويطوف ويسعى. الشيخ: لا، هذا ما يجوز إلا إذا أراد أن يحج؛ يعني: إن فسخ الحج إلى العمرة جائز بشرط أن يحج. الطالب: أن يحج، كيف هذا؟ الشيخ: إي، أن يكون متمتعًا؛ يعني: لا يجوز لإنسان أن يفسخ نية الحج إلى عمرة وقد أحرم به إلا إذا كان يريد التمتع.
طالب: (...) والإبل خمسة، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن نصفها، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ما هو الإحصار؟ طالب: الإحصار: أن يُحْصَر عن دخول مكة؛ يمنع من دخول مكة. الشيخ: لا. طالب: الإحصار هو: مانع صاحبه أن يتعرض للحج.. الشيخ: لا. طالب: المنع من إتمام النسك. الشيخ: نعم، منع الإنسان من إتمام النسك، هذا الإحصار، سواء بعدو. طالب: أو بغيره. الشيخ: أو بغير عدو، ولا فرق بين أَحْصَرَه وحَصَرَه. إذا حصل إحصارٌ فما العمل؟ طالب: في الحج إذا حصل إحصار إن اشترط تحلل. الشيخ: تحلل مجانًا بلا شيء. الطالب: وليس عليه هدي، أما إذا كان لم يشترط فعليه الهدي. الشيخ: نعم، إذا لم يشترط فعليه الهدي. وهل عليه الحلق؟ الطالب: لا، ليس عليه. الشيخ: ليس عليه الحلق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به وغضبه على تأخر الصحابة لا يدل على الوجوب؟ الطالب: لا، غضب النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة؛ لأنهم لم يحلقوا يدل على الوجوب. الشيخ: طيب، إذن يجب الهدي، ويجب أيضًا الحلق أو التقصير. هل إذا أُحْصِر وتحلل هل يجب عليه القضاء أو لا؟ طالب: (...). الشيخ: أُحْصِر ما هو فات، أُحْصِر وتحلل هل يلزمه قضاء النسك الذي أُحْصِر فيه وتحلل منه؟ طالب: لا، ما يلزمه. الشيخ: لا يلزمه. الطالب: إن كان فاته. الشيخ: ما فاته، بارك الله فيك، افرض أنه أحرم بعمرة الآن في هذا الشهر وأُحْصِر وتحلل هل يلزمه القضاء؟ لا يلزمه، ولا فيه خلاف؟ ولا فيه دليل؟ طالب: (...) في حال الصحابة (...) عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم أحصروا ولم يقضوا . الشيخ: أليس الرسول قضى من العام القادم؟ الطالب: ولكن الصحابة لم يقضوا. الشيخ: كلهم ما قضوا؟ الطالب: بعضهم، ولو كان وجوبًا لقضوا كلهم. الشيخ: إي، طيب هذا القول الذي ذهب إليه، ويش تقول؟ يقول: إنه لا يجب القضاء، والدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر من كانوا معه في الحديبية أن يقضوا. الطالب: هذا قول يا شيخ. الشيخ: هذا قول. الطالب: وهو الراجح. الشيخ: وهو الراجح. الطالب: وهناك قول يقول: إنه يجب القضاء. الشيخ: يجب القضاء. الطالب: نعم؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، فإن حُصِرَ يهدي ويستكمل القادم (...). الشيخ: القول الثاني وجوب القضاء؛ لأنه لما تلبس به صار كالنذر؛ لقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩] فيجب عليه القضاء. طالب: التفصيل، الحج أو العمرة واجب بأصل الشرع أو بإلزام نفس النذر يجب عليه القضاء إن كان. الشيخ: لكن هل يسمى هذا قضاءً، أو يسمى هذا أداءً بالخطاب الأول؟ الطالب: لا، هو يسمى أداء بالخطاب الأول. الشيخ: طيب، وإن لم يكن واجبًا؛ إن كان تطوعًا ففيه الخلاف الذي سمعتم، والصحيح أنه لا يجب القضاء كما قلنا، الصحيح أن القضاء ليس بواجب، وأن عمرة القضاء ليس معناها العمرة المقضية، وإنما معنى القضاء: المقاضاة؛ وهي المصالحة التي حصلت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، هذا دليل. الدليل الثاني ولم نذكره أثناء الشرح، وهذا من الإضافات الذي أشار بعضكم تو إلى أنها تفيد، الدليل الثاني: أن الله لم يفرض الحج والعمرة إلا مرة في العمر، فلو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا عليه العمرة أو الحج مرتين أو ثلاثًا أو أكثر. بماذا يكون الفوات فوات الحج؟ طالب: العمرة لا يتصادف فيها فوات، أما الحج يفوت. الشيخ: أنا سألتُ: متى يفوت الحج؟ الطالب: بطلوع فجر يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة. الشيخ: إذا طلع فجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة. ما هو الدليل على أن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ». الشيخ: كمِّل. طالب: «الْحَجُّ عَرَفَةُ». الشيخ: إي، «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وقف يوم عاشر صار الحج عرفة، «مَنْ وَقَفَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ» ، هذا هو الشاهد. إذا فاته الوقوف ماذا يصنع؟ طالب: (...) اليوم (...) الليلة. الشيخ: طلع الفجر وهو ما وصل عرفة وهو محرم بالحج ماذا يصنع؟ الطالب: (...). الشيخ: ماذا يصنع الآن؟ الطالب: يتم الحج. الشيخ: يتم الحج؛ يعني: يمشي مع الناس؛ يعني: يذهب إلى منى، ويرمي الجمرات، ويبيت في منى؟! طالب: يتحلل بعمرة. الشيخ: نعم، يتحلل بعمرة يعني؟ الطالب: يحجب الحج بعمرة الشيخ: إي، وماذا يصنع؟ الطالب: يعمل عمل العمرة. الشيخ: يعمل عمل العمرة فيطوف. طالب: ويسعى. الشيخ: يطوف ويسعى، ويحلق أو يقصر، طيب وهل يلزمه القضاء؟ طالب: تفصيل؛ إن كان واجبًا فعليه القضاء، وإن كان.. الشيخ: إن كان واجبًا فعليه القضاء بالخطاب الأول أو قضاء ما فات؟ الطالب: بالخطاب الأول. الشيخ: طيب، صحيح، كالإحصار. وإن لم يكن واجبًا؟ الطالب: إن لم يكن واجبًا فليس عليه قضاء، على القول الراجح. الشيخ: فليس عليه القضاء؟ الطالب: نعم. الشيخ: على القول الراجح، ولا فيه تفصيل قبل هذا الكلام؟ طالب: قيل: إنه يبقى على إحرامه. الشيخ: لا، قبل هذا. الطالب: القول الثاني: أنه يبقى على إحرامه للعام القادم. الشيخ: لا، إن اختار، لكن هو ما اختاره. طالب: إن كان الحج واجبًا. الشيخ: انتهينا منه، إن كان واجبًا فعليه القضاء بالخطاب الأول. إن كان تطوعًا؟ الطالب: ليس يجب عليه القضاء. طالب آخر: إن كان واجبًا يجب عليه. الشيخ: قضينا من هذه لا تجيبونها. الطالب: وإن كان نفلًا؛ فإن لم يكن اشترط لزمه أن يقضي.. الشيخ: فإن كان قد اشترط؟ الطالب: لزمه القضاء. الشيخ: فإن كان قد اشترط؟ الطالب: لا يلزمه القضاء. الشيخ: نعم، تحلل، ولا شيء عليه. وإن لم يشترط؟ الطالب: فعليه. الشيخ: فعليه القضاء. طالب: نعم، صحيح، عليه القضاء. الشيخ: إذن لا فائدة من الشرح، اتفقتم على هذا؟ إذا كان لم يشترط فقلنا: إن فيه قولين؛ المذهب: وجوب القضاء، والقول الثاني: لا قضاء عليه، ويقال في تعليله ما قيل في تعليل الإحصار؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يلزم الناس بقضاء العمرة، ولأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه الحج أكثر من مرة. وبناءً على هذا التعليل ينبغي أن يقال: إن فاته بتفريطٍ منه فعليه القضاء، وإن فاته بغير تفريط منه -كما لو أخطأ في دخول الشهر فظن أن اليوم الثامن وهو التاسع ولم يعلم بثبوته- فإنه لا قضاء عليه. وهذا القول الذي الآن فصلنا فيه قولٌ وسط بين قول من يقول: يلزمه القضاء ومن يقول: لا يلزمه القضاء، إذن المذهب وجوب القضاء، والقول الثاني: لا قضاء، وهو الذي قدمه الموفق في المقنع، والقول الثالث الوسط الذي ذكرناه؛ وهو إن كان الفوات بتفريطٍ منه فعليه القضاء، وإن كان بغير تفريط فلا قضاء عليه، وهذا هو القياس التام مع الإحصار، هذا هو القياس التام على الإحصار؛ لأن المحصر مُنع من إتمام النسك بدون اختياره. هل يكون الحصر بغير العدو؟ طالب: نعم، يكون بضياع النفقة. الشيخ: يعني بمعنى أنه إذا حُصِرَ بغير العدو يتحلل. الطالب: نعم. الشيخ: يتحلل، فإذا حُصِرَ بغير العدو هل يتحلل؟ الطالب: لا. الشيخ: إلى متى؟ الطالب: متى يزول الرجوع (...). الشيخ: يعني يقف بعرفة في تاسع محرم. الطالب: لا، إذا كان في فترة الطواف يكون له الرجوع، أما إذا لم يطف فإذا زال عذره أتمه. الشيخ: إذا زال عذره وأمكنه إتمام الحج أتمه، وإلا صار حكمه حكم ما فاته الحج، أما العمرة فليس لها وقت يبقى محرمًا حتى يجد النفقة أو ما أشبه ذلك، ثم يتم. القول الصحيح أنه كالإحصار بالعدو؛ إذا حصر بمرض أو ذهاب نفقة فإنه كالإحصار بالعدو يتحلل ويذبح الهدي.
باب الهدي والأضحية
٠١:٠٦:٥١
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الهدي والأضحية) الهدي: كل ما يهدى إلى الحرم من نَعَمٍ أو غيرها؛ يعني: قد يهدي الإنسان نعمًا إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، وقد يهدي غيرها كالطعام، وقد يهدي اللباس. فالهدي أعم من الأضحية؛ لأن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام كما سيأتي، وأما الهدي فيكون من بهيمة الأنعام ومن غيرها فهو كل ما يهدى إلى الحرم. والأضحية: ما يذبح في أيام النحر تقربًا إلى الله عز وجل، هذه الأضحية، وسميت بذلك؛ لأنها تذبح ضُحًى حيث تذبح بعد صلاة العيد. ثم قال المؤلف: (أفضلها إبل) ولم يبين رحمه الله حكم الأضحية، ولكن الأضحية سنة، أجمع المسلمون على مشروعيتها، وهي في كل ملة؛ لقول الله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٣٤]. فهي مشروعة في جميع الملل، وهي سنة بإجماع المسلمين، لكن هل هي واجب، أو سنة يكره تركها، أو سنة لا يكره تركها؟ في هذه أقوال للعلماء؛ المذهب أنها سنة ويكره للقادر أن يدعها، والقول الثاني: أن الأضحية واجبة، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ حيث قال: إن الظاهر وجوبها، وإن من قدر عليها فلم يفعل فهو آثم؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكرها مقرونة بالصلاة في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢]، وفي قوله: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢]، وأبدى فيها وأعاد في ذكر أحكامها وفوائدها ومنافعها في سورة الحج، وشيء هذا شأنه ينبغي أن يكون واجبًا، وأن يُلزم به كل من قدر عليه، ويكون التارك آثمًا بذلك. وهو في نفس الوقت أيضًا مع كونه واجبًا -على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- هي أيضًا من نعمة الله على الإنسان أن يشرِّع الله له ما يشارك به أهل موسم الحج؛ لأن أهل موسم الحج لهم الحج والهدي، وأهل الأمصار لهم الأضحية. ولهذا نجد من فضل الله ورحمته أنه جعل لأهل الأمصار نصيبًا مما لأهل المناسك، مثل اجتناب الشعور؛ الأخذ من الشعر، والأخذ من الظفر في أيام العشر؛ من أجل أن يشارك أهل الأمصار أهل الإحرام بالتعبد لله تعالى بترك الأخذ من هذه الفضلات، ولأجل أن يشاركوا أهل الحج بالتقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي؛ لأنه لولا هذه المشروعية لكان ذبحها أيش؟ طلبة: بدعة. الشيخ: بدعة، ولنُهِيَ الإنسان عنه، لكن الله شرعها لهذه المصالح العظيمة، فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة، أما العاجز الذي ليس عنده إلا مؤونة أهله أو المدين فإنه لا تلزمه الأضحية، بل إن من عليه الدين ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية. ثم هل الأضحية مشروعة عن الأموات أو عن الأحياء؟ الجواب: الثاني؛ مشروعة عن الأحياء؛ إذ لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة -فيما أعلم- أنهم ضحوا عن الأموات استقلالًا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات له أولاد من بنين وبنات في حياته ومات له زوجات ومات له أقارب يحبهم ولم يضحِّ عن واحدٍ منهم، فلم يضحِّ عن عمه حمزة، ولا عن زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أبنائه، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام في سنته قولًا أو فعلًا، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته. أما إدخال الميت تبعًا فهذا قد يستدل عليه بأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عنه وعن أهل بيته ، و(أهل بيته) يشمل زوجاته اللاتي متن واللاتي في قيد الحياة، وكذلك ضحى عن أمته ، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن استقلالًا لا أعلم لذلك أصلًا في السنة؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عن الميت استقلالًا بدعة يُنْهَى عنها. ولكن القول بالبدعة قولٌ صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها: إنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عن الميت، وإن كان الأضحية في الواقع لا يراد بها مجرد الصدقة بلحمها أو الانتفاع بلحمها؛ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا [الحج: ٣٧]، ولكن أهم شيء فيها التقرب إلى الله بالذبح، هذا أهم شيء، وذكر اسم الله على هذا الذبح. ثم قال المؤلف في بيان ما تكون به الأضحية؛ يعني: بأي شيء يضحي، هل بكل شيء أو بأشياء خاصة؟ نقول: الأضحية لا بد فيها من شروط. الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم؛ لقوله تعالى: عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج: ٢٨]، فلا بد أن تكون من بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، فلو ضحَّى الإنسان بحيوانٍ آخر أغلى منها لم يجزئ، لو ضحَّى بفرسٍ تساوي عشرة آلاف ريال عن شاة تساوي ثلاث مئة ريال لم يجزئه؛ لأنه لا بد أن تكون من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم. ثم أيها أفضل الإبل أو البقر أو الغنم؟ أما الهدي فالأفضل فيه الإبل بلا شك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إبلًا. كم أهدى؟ أهدى مئة بعير، وأشرك عليًّا رضي الله عنه في هديه . وأما الأضاحي فقال المؤلف: إن الأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ومراده إن أخرج كاملًا فالبعير أفضل من الشاة، أما لو أخرج بعيرًا عن سبع شياه، فسبع شياه أفضل من البعير، لكن إذا أخرج كاملًا فالبعير أفضل، وعللوا ذلك بأنها أكثر نفعًا، إلا في العقيقة فالشاة أفضل من البعير؛ لأنها التي وردت بها السنة، فتكون أفضل من الإبل. وعلى هذا فالدماء التي يُتقرب بها إلى الله الهدي والأضحية والعقيقة، أما الهدي فأفضله الإبل بلا شك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أهدى إبلًا كما أهدى غنمًا ، أيضًا وأهدى غنمًا بعث بها من المدينة، لكن في حجة الوداع أهدى إبلًا. الأضحية نقول: الأفضل فيها الإبل إن أخرج؟ طلبة: كاملًا. الشيخ: كاملًا؛ لأنها أكثر نفعًا، أما إذا ضحى بسبع بدنة أو بقرة فالشاة أفضل، أما في العقيقة فالأفضل الشاة، حتى لو ذبح بعيرًا كاملة فالأفضل الشاة؛ لأنها هي التي جاءت بها السنة. (أفضلها إبل، ثم بقر، ثم غنم) والغنم يشمل الضأن والمعز، ثم قال (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن) وهذا الشرط الثاني من شروط الأضحية؛ أن تكون قد بلغت السن المعتبر شرعًا، فإن كانت دونه لم تجزئ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» ، فقوله: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً» أي: مثنية ثنية، «إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ»، هذا شرط أن تبلغ أيش؟ السن المعتبر شرعًا. فإن كان دون ذلك فإنها لا تجزئ؛ ولهذا لما قال أبو بردة بن نيار رضي الله عنه: يا رسول الله، إن عندي عناقًا هي أحب إلي من شاتين أفتجزئ عني؟ قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» ، والعناق هي: الصغيرة من المعز التي لها نحو أربعة أشهر، قال: «نَعَمْ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»، وهذا يدل على أنه لا بد من بلوغ السن المعتبر شرعًا. وهذا يدلنا –يعني: اشتراط أن تكون من بهيمة الأنعام وأن تبلغ السن المعتبر شرعًا- على أنه ليس المقصود من الأضحية مجرد اللحم/ وإلا لأجزأت للصغير والكبير، فما هو السن في الإبل؟ قال المؤلف: (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن وثني سواه) ودليله ما ذكرته آنفًا حديث جابر أخرجه مسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ». فالإبل يعني السن المعتبر لإجزاء الإبل خمس سنين، فما دون الخمس لا يجزئ؛ لأن الإبل لا تثني إلا إذا تم لها خمس سنين. (ولبقر سنتان ولمعز سنة ولضأنٍ نصفها) يعني: نصف سنة؛ ستة أشهر، فهل يجزئ لو سألك سائل: هل يجزئ من الغنم ما له ثمانية أشهر؟ طلبة: فيه تفصيل. الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟ طالب: إن كان من الضأن. الشيخ: إن كان من الضأن فنَعَمْ. الطالب: (...) من المعز. الشيخ: وإن كان من المعز؟ طلبة: فلا. الشيخ: فلا؛ لأنه لا بد أن تكون ثنية. وذكر بعض العلماء أن من علامات إجزاء الضأن أن ينام الشعر على الظهر؛ لأن الخروف الصغير يكون شعره واقفًا، فإذا بدأ ينام فهذا علامة على أنه صار جذعًا. فإذا قال قائل: إذا كان الإنسان هو الذي ولَّد هذه البهائم فسيعلم المدة، لكن إذا كان الذي ولَّدها غيره واشتراها من السوق، فهل يكتفي بقول البائع أو لا بد أن يقول للبائع: ائتِ بشهود؟ طلبة: الأول. الشيخ: فيه تفصيل؛ إن كان البائع ثقة فإن قوله مقبول؛ لأن هذا خبرٌ ديني، كالخبر بدخول وقت الصلاة أو غروب الشمس في الفطر، وما أشبه ذلك. وإن كان غير ثقة وهو من البدو الجفاة الذي يقول: أُقسم بالله أن لها سنة وشهر المعز، وأتى بالشهر؛ للدلالة على الضبط وليكون أقرب للتصديق، لكننا لا نثق به فإنه لا يُصَدَّق، لا سيما إذا وجدت القرينة تدل على كذبه؛ كصغر البهيمة. فصار إخبار البائع عن بلوغ السن المعتبر شرعًا إن كان البائع ثقة قَبِلْنَاه؛ لأنه خبر ديني يقبل فيه خبر الواحد، وإن لم يكن ثقة فإننا لا نقبل، ولكن لو كان الإنسان نفسه يعرف السن بفر أسنانها والاطلاع على أسنانها أو ما أشبه ذلك فإنه كافٍ، كم شرطًا ذكرنا؟ طلبة: اثنان. الشيخ: شرطين؛ الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام، والثاني: بلوغ السن المعتبر شرعًا. والشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء. والشرط الرابع في الأضحية: أن تكون في وقت الذبح. الشروط في الأضحية أربعة. أما الهدي فإنه لا يشترط له وقت معين إلا من ساق الهدي في الحج فإنه لا يذبحه قبل يوم النحر، وأما من ساق الهدي في العمرة فيذبحه حين وصوله. قال المؤلف: (وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة) (تجزئ الشاة عن واحد) يعني: يضحي الإنسان بالشاة عن نفسه، وتجزئ عنه وعن أهل بيته أيضًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته. وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، ما هو الدليل للأول؟ الدليل للأول: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته . والدليل للثاني: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: نحرنا في عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة . وقول المؤلف: (عن سبعة) أي: سبعة رجال، فإذا كان الإنسان يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فإنه يضحي بالسُّبع عنه وعن أهل بيته؛ لأن هذا تشريك في الثواب، والتشريك في الثواب لا حصر له، فها هو النبي عليه الصلاة والسلام ضحَّى عن كل أمته، وها هو الرجل يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ولو كانوا مئة، أما التشريك في المُلك فلا تزيد على سبعة؛ يعني: لو اشترك ثمانية في بعير قلنا: لا يجوز، لا بد أن يخرج واحد منكم، ولكن بماذا يخرج؟ إن رضي أحد منهم أن يخرج فهذا هو المطلوب، وإلا فالأخير هو الخارج، فإن لم يُعلم الأخير فالقرعة، لكن لو ذبحوها فبانوا ثمانية فماذا يصنعون؟ قيل: يذبحون شاة واحدة لتكمل للثامن. ويحتمل أن يقال: يقترعون، فمن خرج بالقرعة خرج وذبح شاة وحده. البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة رجال أو تجزئ عن سبع شياه؟ طالب: الثاني. الشيخ: الثاني، وإذا قلنا بالثاني قلنا: إذا كانت الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته في الثواب فكذلك يجزئ سبع البدنة وسبع البقرة عنه وعن أهل بيته. وقوله: (البدنة والبقرة عن سبعة) يستثنى من ذلك العقيقة، فإن البدنة لا تجزئ فيها إلا عن واحد فقط، ومع ذلك فالشاة أفضل، لماذا؟ قالوا: لأن العقيقة فداء نفس، والفداء لا بد فيه من التقابل والتكافؤ، فتفدى نفس بنفس. ولو قلنا: إن البدنة عن سبعة لفديت النفس بسبع نفس؛ ولهذا قالوا: لا بد من العقيقة بها كاملة، وإلا فلا تجزئ. وإذا كان عند الإنسان سبع بنات وكلهن يحتجن إلى عقيقة فذبح بدنة عن السبع؟ طلبة: لا تجزئ. الشيخ: لا تجزئ؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم، لا تجزئ، ولكن هل تجزئ عن واحدة؟ طلبة: نعم. الشيخ: أو نقول: هذه عبادة غير مشروعة لهذا الوجه، فتكون بعير لحم، ويذبح عقيقة لكل واحدة؟ الثاني هذا أقرب؛ أن نقول: إنها لا تجزئ عن الواحدة منهن؛ لأنها على غير ما وردت به الشريعة، فيذبح عن كل واحدة شاة، وهذه البعير التي ذبحها تكون ملكًا له؛ له أن يبيع لحمها؛ لأنه تبين أنها لم تصح على أنها عقيقة. ذكرنا الشرط الثالث السلامة من العيوب المانعة في الإجزاء، فما هذه العيوب؟ قال: (ولا تجزيء العوراء ولا العجفاء ولا العرجاء ولا الهتماء ولا الجداء ولا المريضة ولا العضباء) كم هذه؟ سبع، ومعلوم أن رفع الإجزاء عن البهيمة يحتاج إلى دليل؛ لأن البهيمة إذا توافرت فيها أوصاف القبول فإننا لا نرفع حكم هذه الأوصاف -وهو القبول- إلا بوجود مانع من الشارع صحيح، فلننظر قوله: (لا تجزيء العوراء ولا العجفاء ولا العرجاء ولا المريضة) أسقطنا الهتماء، هذه الأربع عيوبها نص عليها النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقد سئل ماذا يتقى من الضحايا؟ فقال: أربع، وأشار بأصابعه؛ العوراء ، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيدها بأنها بينة العور العوراء البين عورها، وهل هناك عورة غير بين عورها؟ نعم، لو فرضنا أنها لا تبصر بإحدى عينيها، ولكن إذا نظرت إلى العين ظننتها سليمة.