كتاب الحج (الشرح الأول) - ١٣
درس صوتي · ٨٩:٢١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ومن ترك شيئًا من الطواف، أو لم ينوه، أو نسكه، أو طاف على الشاذروان، أو جدار الحجر، أو عريان، أو نجسًا؛ لم يصح، ثم يصلي ركعتين خلف المقام.
فصل ثم يستلم الْحَجَر، ويخرج إلى الصفا من بابه، فيرقاه حتى يرى البيت، ويكبر ثلاثًا ويقول ما ورد، ثم ينزل ماشيًا إلى العلم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر، ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيه، ورجوعه سعيه، فإذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة والستارة والموالاة. ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج، والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. سبق لنا أنه يشترط للطواف أن ينويه، وأن يُعيِّن النسك قبله، وأنه يُشترط أن يستر عورته، وأن يكون مُتطهِّرًا من النجاسة، وأن يستوعب جميع الكعبة، ومنها الحجر، وأن يجعل البيت عن يساره. ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- ما إذا طاف مُحدِثًا اكتفاءً بما سبق في نواقض الوضوء، حيث قال: (ويحرم على المحدث مس المصحف، والصلاة، والطواف). وعلى هذا فيشترط في الطواف أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر. ودليل ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» . وقول الله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦]. وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم: أنه لا بد أن يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، واستدلوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» . وبقوله حين أراد أن ينفر، فقيل له: إن صفية قد حاضتْ، قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فَانْفِرُوا» . وذهب شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى أنه لا يُشترط الوضوء للطواف. وأجاب عن هذه الأدلة بأن قوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» لا يصح مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن معناه لا يصح، إذ إنه قال فيه: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ»، والاستثناء عند الأصوليين معيار العموم؛ يعني أنه إذا جاء شيءٌ واستُثني منه شيءٌ دلَّ ذلك على أن بقية الصور غير المستثنى داخلة في المستثنى منه، فيكون عامًّا إلا في الصورة المستثناة. وهذا لا يصح أن يقال: إن الطواف بالبيت صلاة في كل شيء إلا في الكلام؛ وذلك لأنه يُخالف الصلاة في أشياء كثيرة سوى الكلام، فمن ذلك أنه لا يُشترط فيه القيام، والصلاة يُشترط فيها القيام؛ يعني لو طاف يزحف فإن طوافه صحيح. ومن ذلك أنه لا يُشترط له تكبير، والصلاة يُشترط لها تكبيرة الإحرام، ومن ذلك أنه لا يشترط له استقبال القِبلة، بل لا بد أن يكون البيت عن يساره. وإن كان هذا قد يقول قائل: إن كونه عن يساره كاستقبال القبلة في أنه لا بد أن يكون البيت عن جهة من بدنه. ومنها: أنه لا تشترط فيه القراءة لا الفاتحة ولا غيرها، بل لا يسن فيه أن يقرأ الفاتحة بعينها وسورةً معها. ومنها: أنه ليس فيه ركوع ولا سجود، ولا يجب فيه تسبيحٌ بالله العظيم، أو بالله الأعلى. ومنها: أنه يجوز فيه الأكل والشرب، والصلاة لا يجوز فيها الأكل والشرب. ومنها: أنه لا يبطله التبسُّم (الضحك)، والصلاة يبطلها الضحك. ومنها: أنها لا تشترط فيه الموالاة على رأي كثير من العلماء، والصلاة يشترط فيها. ولو أنك تأملت لوجدت أنه يخالف الصلاة في أكثر الأحكام، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن يكون منضبطًا، لا ينتقض بصورة من الصور. وأما الاستدلال بقوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] فنقول: إنه لا يلزم من تطهير المسجد من الخبث أن يكون الإنسان الذي يطوف بالبيت طاهرًا من الحدث؛ لأنه لو لزم من ذلك لقلنا: يجب على الإنسان أن يتطهر لدخول المسجد الحرام، وإن لم يُرد الطواف، ولو كان كذلك أيضًا لكان مناقضًا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» . وأما حديث عائشة وحديث صفية، فليس العلة عدم الطهارة، إنما العلة عدم جواز المكث في المسجد من الحائض، وهذا لا يستلزم وجوب الطهارة في الطواف؛ ولهذا كان القول الراجح أن المرأة الحائض إذا اضطرت إلى طواف الإفاضة في حال حيضها كان ذلك جائزًا، لكنها تتوقى ما يخشى منه تنجيس المسجد بأن تستثفر؛ أي: تجعل الحفاضة -كما يسمونها- على فرجها؛ لئلا يسيل الدم فيلوث المسجد. وعليه، فالقول الراجح الذي تطمئن إليه النفس أنه لا يشترط في الطواف الطهارة من الحدث الأصغر، لكنها -بلا شك- أفضل وأكمل، وأتبع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينبغي أن يخل بها الإنسان لمخالفة جمهور العلماء في ذلك، لكن أحيانًا يضطر الإنسان إلى القول بما ذهب إليه شيخ الإسلام. مثل: لو أحدث في أثناء طوافه في زحام شديد، فإن القول بأنه يلزمه أن يذهب ويتوضأ، ثم يأتي في هذا الزحام الشديد -ولا سيما إذا كان لم يبقَ عليه إلا بعض شوط- فيه مشقة شديدة، وما كان فيه مشقة شديدة، ولم يظهر فيه النص ظهورًا بيِّنًا، فإنه لا ينبغي أن نلزم الناس به، بل نتبع ما هو الأسهل والأيسر؛ لأن إلزام الناس بما فيه مشقة بغير دليل واضح منافٍ لقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]. فهذا هو القول الذي نذهب إليه؛ أن الطهارة من الحدث الأصغر ليست بواجبة، لكنها سُنَّة وأفصل بلا شك، ولا ينبغي للإنسان أن يفرط بها مع هذا الخلاف من أهل العلم، لكن أحيانًا يكون لا بد من القول بهذا؛ أي: بأن الطهارة ليست بشرط. قال المؤلف: (ثُمَّ يصلي ركعتين خلْف المقام).
(ثم) أي بعد الفراغ من الطواف يُصلي ركعتين خلف المقام؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وينبغي إذا تقدَّم أن يقرأ قول الله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] كما قرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن أجل أن يشعر بفائدة عظيمة بيناها لكم فيما سبق، وهي أن فعله للعبادة امتثالٌ لأمر الله عز وجل حتى تتحقق بذلك الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والذل لأوامره. وقوله: (خلف المقام) أي: مقام إبراهيم، وهو معروف، وسمي مقامًا؛ لأنه قام عليه عليه الصلاة والسلام حين ارتفع بناء الكعبة فبنى عليه. وقد قيل: إن موضع قدميه كان بيِّنًا في هذا الحَجَر، لكن لطول السنين ولكثرة من يتمسح به الناس زال موضع القدمين. واختلف المؤرخون: أين مكان هذا المقام في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل هو لاصقٌ بالكعبة، أو هو في مكانه الآن؟ فمنهم من قال: إنه لاصقٌ بالكعبة، وأن الذي قدمه إلى هذا المكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجل التوسعة على الطائفين، ومنهم من قال: بل هذا مكانه. وليس هناك عندي شيء يفصل بين القولين، فإن قوله -أي: قول جابر في حديثه الطويل المعروف: ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى- يحتمل أنه تقدم من منتهى الطواف -وهو الحجر- إلى مكان المقام -وهو خلف باب الكعبة- ويحتمل أنه تقدم إليه في مكانه الحاضر. فإذا قلنا: إن مكانه الحاضر هو مكانه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فهل لنا فيما لو احتجنا إلى تأخيره ليتسع المطاف أن نُؤخره؟ الجواب: لا؛ لأنه توقيفي. وإذا قلنا: إنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أخَّره عمر؛ فللاجتهاد في ذلك مجال، قد نقول بجواز تأخيره إذا دعت الضرورة إلى ذلك. وقوله: (يصلي ركعتين خلف المقام) ظاهر كلامه أنه لا يشترط فيهما الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما، وإن كان مكانهما بعيدًا من المقام، وهو كذلك، ولكن كلما قرب من المقام فهو أفضل، إلا أنه إذا دار الأمر بين أن يصلي قريبًا من المقام مع كثرة حركته لرد المارين بين يديه، أو مع التشويش فيمن يأتي ويذهب، وبين أن يصلي بعيدًا عن المقام، لكن بطمأنينة، فأيهما أفضل؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أفضل؛ لأن ما يتعلق بذات العبادة أوْلى بالمراعاة مما يتعلق بمكانها كما سبق، وعلى هذا، فلو تأخر الإنسان إلى ما حول المسعى وصلاهما فقد أتى بالسنة. ثم قال المؤلف: (فصل). ولم يذكر الماتن -رحمه الله- ماذا يقرأ في هاتين الركعتين؛ لأنه مختصرٌ، لكن جاءت السنة بأنه يقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (قل هو الله أحد) ؛ لأنهما سورتا الإخلاص، فـ(قل يا أيها الكافرون) فيها إخلاص القصد، و(قل هو الله أحد) فيها إخلاص العقيدة، فالتوحيد في (قل هو الله أحد) توحيدٌ علمي عقدي، وفي (قل يا أيها الكافرون) عملي إرادي. قال: (فصل: ثم يستلم الحجر، ويخرج إلى الصفا من بابه). (ثم) أي: بعد الصلاة يعود، ويستلم الحجر، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . والظاهر أن استلام الحجر لمن أراد أن يسعى، وأما من طاف طوافًا مجردًا، ولم يُرِدْ أن يسعى فإنه لا يُسنُّ له استلامه، وهذا الاستلام للحجر كالتوديع لمن قام من مجلس، فإنه إذا أتى إلى المجلس سلَّم، وإذا غادر المجلس سلَّم. هذا الظاهر والله أعلم. ولم يذكر المؤلف سوى الاستلام، وعليه فلا يُسنُّ تقبيلُه في هذه المرة، ولا الإشارة إليه، بل إن تيسر أن يستلمه فعل، وإلا انصرف من مكانه إلى المسعى. يقول: (ويخرج إلى الصفا من بابه) (من بابه)؛ لأنه أيسر، وكان المسجد الحرام -فيما سبق- له أبواب دون المسعى؛ يعني أن حدوده دون المسعى، وله أبواب يخرج الناس منها. فقوله: (يخرج إلى الصفا من بابه) نعلله بأن ذلك أسهل. (فيرقاه) أي الصفا (حتى يرى البيت). ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- ماذا يسن إذا قرب من الصفا؛ لأنه مختصر، ولكن يسن إذا دنا من الصفا أن يقرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ«أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» . وتلاوة هذه الآية كتلاوة: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥]، أي: أن الإنسان يشعر بأنه يفعل ذلك، أيش؟ طلبة: طاعة لله. الشيخ: طاعةً لله وامتثالًا لأمره سبحانه وتعالى. (فيرقاه) أي: يرقى الصفا. (حتى يرى البيت) أي: الكعبة، فيستقبلها -يستقبل الكعبة- ويرفع يديه. (ويكبر ثلاثًا، ويقول ما ورد) يعني يقول: الله أكبر وهو رافعٌ يديه ثلاث مرات . (ويقول ما ورد) ومنه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعدَهُ، ونصر عبدَهُ، وهزم الأحزاب وحده. ثم يدعو، ثم يعيد الذِّكْر مرةً ثانيةً، ثم يدعو، ثم يعيد الذكر مرةً ثالثةً، وينزل متجهًا إلى المروة . قال: (ثم ينزل ماشيًا إلى العَلَم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر). قوله: (ينزل ماشيًا إلى العلم الأول) (العَلَم) يعني ما جُعل علامة، وهو الشيء الشاخص البَيِّن، ومنه سُمِّي الجبل عَلَمًا، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [الشورى: ٣٢]. وكان فيه عمود أخضر في هذا المكان، ولا يزال الآن العمود الأخضر، والآن زاد وضوحًا بالأنوار التي تحيط بهذا المكان. وقوله: (إلى العلم الأول)؛ لأن هناك علمين: علمًا جنوبيًّا، وعلمًا شماليًّا، فالذي يلي الصفا جنوبي، والذي يلي المروة شمالي، فيسعى. (ثم يسعى شديدًا إلى الآخر) (شديدًا) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: سعيًا شديدًا، والسعي هنا بمعنى الركض، فيسعى سعيًا شديدًا بقدْر ما يستطيع، لكن بشرط ألا يتأذى أو يؤذي، فإن خافَ من الأذية عليه أو على غيره فليمشِ، ويسعى بقدر ما يتيسر له، وإنما قال: (شديدًا) لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يسعى حتى تدور به إزاره من شدة السعي . فإن قال قائل: ما الحكمة؟ فالجواب: أنه في هذا المكان وادٍ؛ أي: مسيل مطر، والوادي في الغالب يكون نازلًا. وأصل السعي أن يتذكر الإنسان حال أم إسماعيل، فإنها رضي الله عنها خلَّفها إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي وابنها في هذا المكان، وجعل عندهما سقاءً من ماء، وجرابًا من تمر، فجعلت الأم تأكل من التمر، وتشرب من الماء، وتسقي اللبن لولدها، فنفد الماء، ونفد التمر، فجاعت وعطشت، ويبس ثديها؛ فجاع الصبي، وجعل يتلوَّى من الجوع، فأدركتها الشفقة، فرأت أقرب جبل إليها الصفا، فذهبت إلى الصفا، وجعلت تتحسس لعلها تسمع أحدًا، ولكنها لم تسمع، فنزلت إلى الاتجاه الثاني، إلى جبل المروة، ولما هبطت في بطن الوادي نزلت عن مشاهدة ابنها، فجعلت تسعى سعيًا شديدًا حتى تصعد لتتمكن من مشاهدة ابنها، وبقيت تتسمع –تتحسس- على المروة، ولم تسمع شيئًا، حتى أتمت هذا سبع مرات، ثم أحست بصوت لكن لا تدري من، فإذا هو جبريل نزل بأمر الله عز وجل، فضرب بجناحه أو برجله الأرض مكان زمزم الآن، فنبع الماء في الحال؛ ففرحت بذلك فرحًا شديدًا، وجعلت تحوش الماء -تُحجِّره- خافت أن يتسرب وينفد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكَانَ عَيْنًا مَعِينًا»، ولكن مِن رحمة الله عز وجل أنها حجرته، لو كان عينًا معينًا لصار فيه ضيق على الناس؛ لأن هذا المكان صار مسجدًا، فلو كان عينًا معينًا يجري لكان في ذلك مشقة، ولكن من رحمة الله أنها حجَّرته حتى صار كالبئر. المهم أنها شرِبت من هذا الماء، وصار هذا الماء شرابًا طعامًا، ودرَّت على الولد، وهيَّأ الله لها قومًا من جرهم مروا بمكة، فتعجبوا أن تكون الطيور تأوي إلى هذا المكان، وقالوا: لا يمكن أن تأوي الطيور إلى هذا المكان إلا وفيه ماء، وكانوا لا يعهدون ماءً في هذا المكان، فجاؤوا نحو هذه الجهة فوجدوا إسماعيل وأمه، فنزلوا عندهم، والقصة مطولة في صحيح البخاري . المهم أن هذا هو السبب في أن الناس يسعون سعيًا شديدًا إذا وصلوا هذا المكان، الآن ليس فيه وادٍ، لكن فيه علامة على مبتدأ الوادي، وهو هذا العلم الأخضر. يقول: (ثم يمشي، ويرقى المروة، ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيَة، ورجوعه سعيَة)، يعني فليس السعي هنا دورةً كاملةً، بل نصف دورة، من الصفا إلى المروة سعية، ومن المروة إلى الصفا سعية أخرى.
وقول المؤلف: (يرْقَى عليه، ويرْقَى على المروة) ليس بشرط، وإنما الشرط أن تستوعب ما بينَ الجبلين، ما بين الصفا والمروة، فما هو الذي بينهما الآن؟ هل هو مبتدأ الارتفاع أو ماذا؟ نقول: الذي بينهما هو هذا الذي جُعِل مَمَرًّا للعربات، هذا هو المكان الذي يجب السعي فيه، وأما ما بعد مكان الممر فإنه من المستحب، وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اقتصر في سعيه من حد -ممر العربات- لأجزأه؛ لأن الذين وضعوا هذه العربات وضعوها على أن منتهاها من الجنوب والشمال هو منتهى المسعى. يقول: (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول)، لماذا؟ لأنه يشترط أن يبدأ بالصفا، فإذا بدأ بالمروة فإنه يسقط الشوط الأول ويلغيه، كما لو بدأ بالسجود في الصلاة فإنه يسقط ولا يعتبر، فلا بد أن يبدأ بالصفا. (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة) بقي أن نقول: المؤلف لم يذكر فيه اشتراط النية، فهل النية فيه شرط؟ فالجواب أن يقال: النية في السعي كالنية في الطواف، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يُشترط له نية، يُشترط نية في الطواف، لكن لا يشترط أن يكون لعمرة أو لحج؛ لأن النسك الذي هو فيه يُعيِّن أنه للعمرة أو للحج، كذلك نقول في السعي. والمؤلف -رحمه الله- أتى بالسعي بعد الطواف، فهل يشترط أن يتقدمه طواف؟ الجواب: نعم يُشترط، فلو بدأ بالسعي قبل الطواف وجب عليه إعادته بعد الطواف؛ لأنه وقع في غير محله. فإن قال قائل: ما تقولون فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل، فقال له رجلٌ: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: «لَا حَرَجَ» ؟ فالجواب: أن هذا في الحج، وليس في العمرة. فإن قيل: ما ثبت في الحج ثبت في العمرة؛ لأن الطواف والسعي في الحج وفي العمرة كلاهما ركنٌ، فما ثبت في الحج ثبت في العمرة؟ فالجواب: أن يقال: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الإخلال بالترتيب في العمرة يخل بها تمامًا؛ لأن العمرة ليس فيها إلا طواف وسعي وحلْق أو تقصير، لكن الإخلال بالترتيب في الحج لا يؤثر فيه شيئًا؛ لأن الحج يُفعل فيه خمسة أنساك في يوم واحد، ولهذا لا يصح قياس العمرة على الحج في هذا الباب. ويُذكر عن عطاء بن أبي رباح عالم مكة -رحمه الله- أنه أجاز تقديم السعي على الطواف في العمرة، وقال به بعض العلماء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز مع النسيان أو الجهل، لا مع العلم والذكر. ثم قال المؤلف: (وتسن فيه الطهارة) (تُسن فيه) أي في السعي (الطهارة) من أي شيء؟ طالب: الحدث. الشيخ: من الحدث والنجس أيضًا، ولا تُشترط الطهارة، فلو سعى مُحدِثًا، أو سعى وهو جُنُب، أو سعت المرأة وهي حائض؛ فإن ذلك مجزِئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة. (والستارة) يعني ستْر العورة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يسعى عريانًا عريًا كاملًا، لكن ربما يكون إزاره أو قميصه إذا كان في سعي الحج بعد التحلل الأول خفيفًا ترى من ورائه البشرة، أو يكون فيه شق -خرق- تُرى من ورائه العورة، ففي هذه الحال نقول: إن سعيه صحيح؛ لأن السترة فيه سنة. (والموالاة) (الموالاة) يعني أن تكون الأشواط متواليةً، وليس ذلك بشرط، فلو سعى الشوط الأول في أول النهار، وأتم في آخر النهار فسعيه صحيحٌ، لكنه خلاف السنة، ولو سعى الشوط الأول في الساعة الواحدة، والثاني في الساعة الثانية، والثالث في الساعة الثالثة، والرابع في الساعة الرابعة، والخامس في الساعة الخامسة، والسادس في الساعة السادسة، والسابع في الساعة السابعة، أي: كل ساعة يأتي بشوط؛ لكان سعيه صحيحًا؛ لأن الموالاة سُنَّة وليست بشرط، لكن المذْهَب أن الموالاة فيه شرط كالطواف. ومن ثم صرف الشارح عبارة الماتِن إلى هذا المعنى، فقال: (تُسَنُّ الموالاة بينه وبين الطواف)، وهذا صرفٌ للعبارة عن ظاهرها، وإنما صَرَفها الشارح عن ظهرها من أجل أن تطابق المذهب؛ لأن الماتِن اشترط في خطبة الكتاب أنه على قوْل واحد، وهو الراجح في مذهب أحمد، والراجح في مذهب أحمد أن الموالاة في السعي شرط، كما أن الموالاة في الطواف شرط. وهذا القول أصح؛ أن الموالاة شرط في السعي، كما أنها شرط في الطواف. ويدل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعى سعيًا متواليًا، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، ويدل له أيضًا أن الإنسان لو فرق السعي كما صورنا قبل قليل لم يقل أحد: إنه سعى أيش؟ سبعة أشواط؛ لتفرق السعي. نعم، لو فُرض أن الإنسان اشتد عليه الزحام فخرج ليتنفس، أو احتاج إلى بول أو غائط فخرج ليقضي حاجته، ثم رجع، فهنا نقول: لا حرج؛ لأن الموالاة هنا فاتت للضرورة، وهو حين ذهابه قلبه معلق بالمسعى، ففي هذه الحال لو قيل بذلك لكان له وجه. أما أن يقول: سأطوف شوطًا اليوم، وشوطًا غدًا، وشوطًا بعد غد، أو شوطًا اليوم، وشوطًا بعد عشرة أيام، وشوطًا بعد عشرة أيام؛ يكون السعي كم في سبعين يومًا؟ فهذا قولٌ ضعيفٌ لا شك فيه. يقول المؤلف رحمه الله: (ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره). (إن كان) أي الساعي (متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره)، والتقصير هنا أفضل من الحلق؛ من أجل أن يتوفر الحلق للحج.
وظاهر هذا التعليل أنه لو قدم مكة مبكرًا في شوال مثلًا، فالتقصير في حقه أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج. طلبة: الحلق.. الشيخ: نعم، سوف يتوفر الشعر.. طلبة: الحلق أفضل إذا أتى في شوال. الشيخ: نعم، إذا أتى متقدمًا فإن الحلق أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج. ولكن اشترط المؤلف: (لا هدي معه)، فإن كان معه هدي فإنه لا يحل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» .
وظاهر كلام المؤلف أنه يمكن أن يتمتع مع سَوْق الهدي؛ لأنه قال: (متمتعًا لا هدي معه)، ولكن كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦]. يقولون في هذه الصورة: إذا طاف وسعى أدخل الحج؛ يعني أحرم بالحج بدون تقصير، وهل يكون قارنًا في هذه الحال؟ يقولون: إنه ليس بقارِن، ولهذا يلزمونه بطواف وسعي في الحج، كما طاف وسعى في العمرة، ولو كان قارنًا لكفاه السعي الذي كان عند قدومه، وعليه، فيُلغز بهذه المسألة، يقال: لنا مُتمتِّع حرم عليه التحلل بين العمرة والحج، فما الجواب؟ طلبة: ساق الهدي. الشيخ: الجواب: أنه مُتمتِّع ساق الهدي. يقول: (وإلا حل إذا حج) (وإلا) كلمة (وإلا) يدخل فيها ثلاث صور: يدخل ما إذا كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي. (وإلا) أي بأن كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي، يقول: حل إذا حج؛ لتعذُّر الحل منه قبل أن يبلغ الهدي محله. ثم قال المؤلف: (والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) المتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية؛ لأنه شرع في الركن المقصود، ووصل إلى مقصوده، والتلبية إنما تكون قبل الوصول إلى المقصود، فإذا وصل إلى المقصود فلا حاجة إلى التلبية، فإذا شرع في الطواف فإنه يقطع التلبية. وقيل: إن المتمتع يقطع التلبية إذا دخل حدود الحرم؛ لأن الحرم مقصوده وقد وصل إليه. وقيل: إذا رأى البيت، ولكن المذهب في هذا أصح؛ أنه إذا شرع في الطواف يقطع التلبية. وعُلِم من قوله: (والمتمتع) أن الْمُفْرِد والقارِن لا يقطعان التلبية، متى يقطعانها؟ عند رمي جمرة العقبة يوم العيد؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة ؛ لأنه برميه جمرة العقبة شرع فيما يحصل به التحلل، وهو الرمي، والله أعلم. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المقدم فيما إذا قدم لو أراد ألا يطوف طواف القدوم، وأراد أن يسعى سعي الحج وحده، هل له ذلك؟ الشيخ: ليس له ذلك. الطالب: كيف ذلك مع قولنا قبل قليل: بأنه في الحج يجوز له أن يقدم السعي على الطواف؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: والطواف هنا ليس بواجب، إنما هو سُنَّة. الشيخ: إي نعم، طواف الإفاضة، والسعي لا بد أن يكون بعد طواف النسك، وهنا ما قدَّم النسك. الطالب: شرح (...). الشيخ: إي نعم، السعي -سعي الحج- لا بد أن يكون يعني بعد طواف الإفاضة أو معه، وهنا ما جاء وقت طواف الإفاضة، طواف الإفاضة ما يأتي إلا إذا رجع من عرفة؛ لقوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]. الطالب: لكن طواف القدوم سُنَّة يا شيخ. الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أنه سُنَّة، لكن ما فعله، لو فعله لصح أن يأتي بالسعي بعده؛ لأنه طاف طواف نسك، أما الآن ما طاف طواف نُسك. ولهذا لم يُرخِّص الرسول عليه الصلاة والسلام لعائشة أن تسعى؛ لأنها لم تطُف، ولا يمكن أن تسعى قبل طواف النسك. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في رسالة للشيخ المعلمي قدم لها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواز نقل المقام من مكانٍ لمكان، وأثبت أن المقام الموجود أنه في عهد الدولة السعودية نقل من مكانه؛ لأن الآن موجود ما هو مكانه حتى في عهد الدولة السعودية. الشيخ: لا، السعودية ما نقلته. الطالب: الشيخ محمد بن إبراهيم قدمه وقال.. الشيخ: إي، المؤرخون اختلفوا في ذلك؛ منهم من قال: إنه منقول، وإنه كان لاصقًا بالبيت في الأول، ومنهم من قال: هذا مكانه من الأصل. الطالب: لكن ذكر.. الشيخ: وذكرنا أن قوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) ظاهره أنه في مكانه الآن، مع احتمال أن يكون معنى (تقدم) يعني لما انتهى طوافه آخر شوط تقدم إلى المقام؛ لأنه من وراء الباب. الطالب: (...) طُلب منه أن يبحث في هذا، فلما بحث وأثبت ذلك قدم له الشيخ محمد بن إبراهيم، وأجازه (...). الشيخ: على كل حال، ما حصل من هذا شيء. الطالب: ما حصل؟ الشيخ: أبدًا، ما أفهم. طالب: بالنسبة لمن لم يستطع استلام الحجر بعد صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، هل يسن له أن يرجع حتى يحاذي الخط، ثم ينطلق إلى الصفا. الشيخ: يعني من لم يستطع الاستلام يعني؟ الطالب: نعم. الشيخ: استلام الحجر بعد صلاة الركعتين. لا، إذا علم أنه لن يستطيع لا حاجة أن يرجع. الطالب: يستلمه يا شيخ؟ الشيخ: نعم. الطالب: يعني ما يرجع؟ الشيخ: ما يرجع؛ لأنه ليس فيه إشارة حتى نقول: ارجع وأشِر، ينصرف من المكان الذي صلَّى فيه إلى المسعى. الطالب: وإذا استطاع الاستلام يا شيخ يطوف ويستلم أم؟ الشيخ: لا، أبدًا، يتقدم إلى الحجر ويستلم وينصرف. هذا يقول: هو لو خرج الحاج بعد أداء العمرة، وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟ أفيدونا. هل القصيم بلده؟ إن كانت بلده فإنه لا يخرج حتى يُودِّع، وإن لم تكن بلده فالأحوط أن يُودِّع وليس بلازم؛ لأنه لم يُنهِ سفره، وإذا رجع فإنه إن كان بلده فلا يرجع إلا مُحرِمًا من الميقات؛ إما بعمرة، وإما بحج، وإن لم تكن بلده فلا يلزمه أن يحرم؛ وذلك لأنه ما زال في سفره. طالب: السؤال يا شيخ. الشيخ: السؤال: لو خرج الحاج بعد أداء العمرة وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟
سؤال ثان: لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لِعَلِي: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ» مع أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتحلل إلا من ساق الهدي، وكذلك قوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ» ؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك عليًّا في هديه، فإن عليًّا من آل البيت، وهو أفضل آل البيت. طالب: يعني نوى له أن.
الشيخ: إي نعم، أشركه فيه. يقول: نقل بعض طلبة العلم عن الشيخ عبد العزيز بن باز أنه قال للجنة التي نصبت نفسها، قال لها: امضوا على ما أنتم عليه، فإنكم اجتهدتم، ونحن رددنا عليكم باجتهاد، والاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، فما صحة هذا؟ هذا باطل، وكذب على الشيخ، الشيخ أنكر هذا إنكارًا عظيمًا، وصياغة البيان الخارج هو الذي صاغه بالتعاون مع الهيئة. أبدًا، هو ينكر هذا، ولا يمكن أن يقول هذا الكلام، ثم إني أرى أنا بعد أن صدر من هيئة كبار العلماء مثل هذا ألا يتكلم أحد بما يناقضه وإن كان رأيه يخالف رأي العلماء، رأي الهيئة؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم الثقة بالهيئة، وهذا له خطره العظيم؛ لأنها إذا نُزعت الثقة من كبار علماء البلد ومن أمراء البلد؛ صارت الفوضى، فالذي أرى أنه لا أحد يتكلم؛ يعني لا ينبغي أن يتكلم أحد، حتى وإن خالف رأيه فلا يتكلم علنًا بما يخالف هذا البيان، أما فيما بينه وبين أحد من الناس، يعني يخاطب ويبحث معه فلكلٍّ رأي. هذا يقول: إذا لم يستلم الحجر، ما هو الدليل على الإشارة؟ الدليل على الإشارة: أنه ثبت في الصحيح -صحيح مسلم - أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشير إليه بيده ويُكبِّر. وأما حديث عمر يقول: مع أن ظاهر حديث عمر أنه كان لا يشير، حيث قال: «وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَهَلِّلْ، وَكَبِّرْ» . نقول: هذا الحديث أولًا: بعض العلماء ضعَّفه. وثانيًا: يُقال في الجواب عنه: أن الإشارة ليست واجبة، هذا من رحمة الله.
يقول: هل بين الطواف والسعي وجوب ترتيب، أم لا؟ فإن لم يكن فكيف نقول: إن فساد الطواف إن طاف أولًا مستلزمٌ لئلا يصح السعي، مع أن هذا لا يوجد إلا في المرتبين؟ السؤال مفهوم؟ طلبة: لا. الشيخ: يعني هل يُشترط أن يكون السعي بعد الطواف -هذا معنى الترتيب- أو لا يشترط؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم، بس السؤال جاء قبل أن نتكلم عليه. نقول: العمرة لا بد مع الترتيب، أما الحج فالصحيح أنه لا يشترط. طالب: النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن لعائشة بالسعي قبل الطواف. الشيخ: نعم. طالب: ما فهمنا هذا.
الشيخ: ما فهمتموها. عائشة -رضي الله عنها- حاضت -هي أحرمت بعمرة- وحاضت قبل أن تصل مكة بسرف، فأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تفعل ما يفعله الحاج غير ألا تطوف بالبيت، ولم يأذن لها بالسعي، فلما طهرت طافت وسعت، وقال لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» . على أنه في الموطأ لمالك قال لها: «عَلَى أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»، واضح؟ يقول: قلنا إن زيادة: «وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» في السعي بين العلمين ليس لها أصل، ويقول صاحب الروض: قال أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد-: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، واعفُ عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم . أقول: هذه يحتاج إلى إثباتها. طالب: (...). الشيخ: بالسند. طالب: لا. الشيخ: وعلى كل حال، إذا ثبت عن ابن مسعود فيكون الاقتداء به سائغًا. يقول: إنه يحدث في زحام الحاج مرور النساء أمام المصلي، فما حكم ذلك في الحرم المكي، وفي الحرم المدني؟ هذا لا شك أنه من الأمور المشكلة، مشكل، لكن إذا كان منع المار يؤدي إلى فساد الصلاة لكثرة الحركة فإنه لا يمنعه، وإن كان لا يؤدي إلى ذلك فليمنع. طالب: مسألة المرأة يا شيخ، المرأة. الشيخ: إي نعم. طالب: ما يقدر يمنعها. الشيخ: كيف؟ طالب: يتعذر (...)، يتعذر المنع عليه. الشيخ: يتعذر. طالب: (...). الشيخ: يمكن يتعذر إن صلى في هذا المكان، لكن ألا يمكن أن يصلي في مكان آخر؟ طالب: سجد مثلًا. طالب آخر: الناس أكثر من المكان يا شيخ (...). الشيخ: العلماء يقولون: إذا خاف بمدافعته بطلان صلاته بكثرة العمل فإنه لا يدافع. طلبة: المرأة يا شيخ، مُر النساء يا شيخ. طالب: النساء مرت. الشيخ: حتى النساء، إي نعم، الرجل ما فيه إشكال كثير. طالب: قد يخرجن مباشرةً فجأة عند إقامة الصلاة وفي أثناء الزحام تجد مجموعة من النساء.. الشيخ: هو -بارك الله فيك- إذا كان خلف الإمام فإن المرأة لا تضر ولو مرت. طالب: ما تقطع الصلاة. الشيخ: ما تقطع الصلاة، لو مرت بين الصفوف. يقول: ذكرنا أن استلام الحجر بعد ركعتي الطواف للوداع، فما الفرق بين الطواف الذي بعده سعي أو لا وقد قلنا: إن الاستلام المذكور يكون إذا كان بعد الطواف سعي؟
نحن ما جزمنا بهذا، قلنا: لعل هذا هو السبب، ليس بجزم، والله أعلم. وعلى كل حال، لاحظوا: أننا إذا ذكرنا حكمة أو عِلَّة في فعل، فهذا بالنسبة لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، أما بالنسبة لفعلنا نحن فالعلة الاتباع. طالب: فالآن الاستلام مسنون بعد (...). الشيخ: لا، إذا كان بعده سعي فقط، لأنه ما ورد إلا بهذا. يقول: هذا رجل من أهل مكة وهو خارج مكة يقول: إن ٧٥ % يريد الحج، هل يدخل محرمًا أم يدخل حلالًا، ثم إذا أراد الحج أحرم من مكانه في مكة؟ الجواب: ما دام عنده ولو ١% إرادة الحج فإنه لا يتجاوز الميقات إلا محرمًا، بخلاف من يقول: لا أدري هل يمكنني بعد فراغ العمل أن آتي بالحج أو لا؟ يقول: لو قطع الساعي سعيه في منتصف السعية الرابعة للحاجة -كالصلاة- فهل يعيد السعية الرابعة من أولها أم من نصفها؟ إذا قطع الشوط سواء في الطواف أو في السعي قطعًا يبيح له المواصلة فيما بعد فإنه يبدأ من المكان الذي قطعه منه، ولا يلزمه إعادة الشوط. طالب: (...). الشيخ: لو النصف أو الربع أو أي شيء، حتى في الطواف مثلًا لو أُقيمت الصلاة وهو عند باب الكعبة؛ فإنه إذا فرغ من الصلاة يبتدئ من باب الكعبة، لا يلزمه أن يبتدئ من الحجر؛ لأنه لا دليل على بطلان ما سبق.
يقول: إذا سعى الحاج وصعد إلى الصفا والمروة، هل يشترط رؤية البيت؟ الجواب: لا، ليس بشرط، لكن جابر يقول: حَتَّى رَأَى البَيْت يُبيِّن مقدار ارتفاعه فقط. وإذا وصل هو وزوجته إلى العلم الأخضر، فهل يسعى شديدًا وزوجته معه؟ ماذا تقولون؟ طلبة: لا يسعى. الشيخ: لا يسعى، لا سيما في أيام المواسم والزحام؛ لأنه لو سعى ضيعها. ونقول في وقت المواسم والزحام: هذا إذا أمكن أن يسعى، أما مع عدم الإمكان فلا يسعى مطلقًا.
لكن هنا إشكال: إذا كان أصل سعينا بين العلمين من أجل سعي أم إسماعيل -وهي امرأة- فلماذا لا نقول: إن النساء أيضًا يسعين؟ واضح ولا ما هو بواضح؟ الإشكال؟ طالب: ليس بإشكال. الشيخ: لا، هو فيه إشكال، لأن إذا كان أصل سعينا نحن تذكر حال امرأة سعت، فلماذا لا نقول: النساء من باب أولى أن يقتدين بها؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم، الجواب من وجهين: الأول: أن أم إسماعيل سعت وحدها، ليس معها رجال. وثانيًا: أن بعض العلماء كابن المنذر حكى الإجماع على أن المرأة لا ترمل في الطواف، ولا تسعى بين العلمين. وحينئذٍ لا يصح القياس؛ أولًا: لأنه قياس مع الفارق، والثاني؟ طالب: مخالفة.. الشيخ: مخالفة الإجماع، إن صح. هذا يقول: ذكرنا أن أصل مشروعية السعي هو ما فعلته أم إسماعيل عليها السلام، فهل نقول: إن ما كان أصل مشروعيته المرأة فإنه يشرع للمرأة أن تسعى سعيًا شديدًا بين العلمين الأخضرين؟ أجبنا على ذا. وهذه ورقة صغيرة جدًّا: لماذا قلنا: لا يدعو بعد التكبيرة الثالثة عندما يصعد الصفا؟ لأن حديث جابر قال: ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ ، ولم يقل: ثم دعا بعد ذلك. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ مثل الصفا. طالب: (...). الشيخ: إي نعم. يقول: رجل أحرم مفردًا بحج، ثم طاف طواف القدوم، ثم أراد أن يسعى سعي الحج، وأخبروه بأن التمتع أفضل؛ فسعى بنية العمرة وقصَّر وتحلَّل، علمًا بأنه في الطواف نوى طواف القدوم، فهل عمرته صحيحة؟ الجواب: نعم، حتى لو طاف وسعى وبعد السعي قيل له: الأفضل التمتع؛ فقصَّر وحلَّ، فهذا هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلا من ساق الهدي . طالب: هو نوى بعد الطواف. الشيخ: إي، ما يضر. من كان عنده وصايا ضحايا والمال كثير، فهل يشتري بعيرًا أو ضأنًا، علمًا أن الموصي لم يُحدد عددًا؟ وما الجواب لو حدد فما يُصنع بالمال المتبقي؟ يشتري أضحية واحدة من الضأن، والباقي يجعله في أعمال الخير إذا كانت الزيادة مستمرة كل عام، أما إذا كانت توجد عامًا وتتخلف عامًا آخر فيرصد الباقي. طالب: فيه إشكال. الشيخ: وهو؟
طالب: إحنا ذكرنا في الموالاة بين السعي. الشيخ: اصبروا يا جماعة، (...) على هذا السؤال. طالب: باقٍ الزكاة يا شيخ، المال الباقي عنده. الشيخ: لا، ما عليه زكاة؛ لأنه ليس له مالك. رجل سعى، مثل أنه بدأ بالصفا ويرجع من المروة يعتبره شوطًا واحدًا وهو جاهل، هل يجوز سعيه؟
إي نعم، يجوز، نأخذ منه السبعة والباقي له، يأجره الله على التعب. مع أن ابن القيم -رحمه الله- ذكر أن بعض العلماء توهَّم في هذا، وظن أن السعي دورة كاملة، فعلى هذا يسعى؟ طلبة: أربعة عشر. الشيخ: أربعة عشر شوطًا.
وقد اشتهر بين الطلبة أن هذا عن ابن حزم، وليس كذلك، والذي عن ابن حزم أن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة فقط في السعي كالطواف. وسبب وهمه -رحمه الله- أنه لم يحج، ابن حزم، والإنسان اللي ما يحج ما يتصور الحج كما يمكن. والعجب أنه لم يحج، ويتكلم عن أحكام الحج بأحسن ما يكون من الكلام، (...). وليس بغريب على فطاحلة العلماء، فها هو شيخ الإسلام -رحمه الله- لم يتزوج، وإذا تكلم فيما يتعلق بالنساء وعِشرتهن وغير ذلك، قلت: هذا من المتزوجين. طالب: المتمتع الذي ساق الهدي، ما الفرق بينه وبين القارِن؟ الشيخ: الفرق بينه وبين القارن؛ أن القارِن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، والمتمتع يجب عليه طوافان وسعيان.
طالب: قلنا: إن الذي يأخذ.. المريض الذي لا يرجى برؤه، مالًا ويحج به فالزيادة له -للوكيل- وإذا كانت الزيادة هذه مطردة كل سنة؟ الشيخ: لا بأس، بيعطيها الولي. طالب: أو يأخذها له؟ الشيخ: من؟ طالب: الوكيل. الشيخ: له، انتبهوا إلى هذه المسألة.. قلت لرجل: حُجَّ بهذا الألف، وقلت لآخر: حج من هذا الألف، فالأول له الألف كله، ولو حج بنصفه، والثاني لا يزيد على ما أنفق؛ لأني قلت له: حج من هذا الألف. طالب: شيخ، السؤال اللي قرأته يقول: إذا اطردت الزيادة. الشيخ: هذا في مغل الوقف. طالب: في الوقف. الشيخ: الوقف، إنسان أوقف وقال: يخرج من مَغَلِّه أضحية، والزيادة مطردة كل سنة، فالزيادة هذه نصرفها في وجوه الخير، ما نعطلها. أما إذا كانت تأتي سنة وسنة ما تأتي فإننا نرصدها خوفًا من القصور في السنوات المقبلة. طالب: الزكاة فيها يا شيخ؟ الشيخ: ما فيها زكاة. طالب: (...). طالب آخر: (...). الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: قلنا: إن السترة في الطواف واجبة وفي السعي غير واجبة؛ لأنهم يقولون: الطواف صلاة، والرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ»، ولا قال: ولا بين الصفا والمروة، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» . طالب: يرى الشيخ ابن تيمية أن هذا الحديث ضعيف. الشيخ: لا، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» صحيح. طالب: لا يصح مرفوعًا. الشيخ: هذا إنما «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ، هذا اللي يضعفه مرفوعًا. عرفت؟ وأنا قلت لكم: لا يمكن الإنسان يخلع ثيابه ويسعى بين الصفا والمروة، لكن قد يكون فيه خرق على العورة ما أحس به، أو يكون عليه إزار خفيف. طالب: شيخ، ذكرت -حفظك الله- في الموالاة قلت: برأي المذهب أن الصحيح في اشتراط الموالاة في السعي، استدلالًا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، يا شيخ، ألا يمكن أن نفعل مثلما فعلنا أيضًا في الطواف؟ وأن ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سعى طاهرًا. الشيخ: نعم، إحنا نقول: أفضل. الطالب: نشترط يا شيخ؟ الشيخ: لا؛ لأننا لم نشترط الطهارة في الطواف فضلًا عن السعي، على القول الراجح. أما الفرق بينهما على الذين يقولون: إن الطهارة شرط في الطواف دون السعي، فالفرق هو أنهم استدلوا بالنسبة للطواف بقوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ». طالب: شيخ، (...) إذا انتهى من الطواف فأُقيمت الصلاة، وصلَّى الفريضة، ما تُجزئ عن الركعتين ركعتي الطواف؟ الشيخ: ما تقولون؟ طلبة: لا. الشيخ: هل تجزئ الفريضة عن ركعتي الطواف أو لا؟ طلبة: لا. الشيخ: اختلف فيها العلماء، فإن قيل: المراد إيجاد صلاة بعد الطواف كتحية المسجد؛ فإنها تجزئ، وإذا قيل: إنها صلاة مستقلة مطلوبة فإنها لا تجزئ، والاحتياط أن يصلي الركعتين. طالب: شيخ، إذا لم يصح الاستدلال بقول ابن عباس على وجوب الطهارة في الطواف، فما فائدة كلامه؟ الشيخ: كلام مَنْ؟ الطالب: ابن عباس. الشيخ: هو يرى هذا الرأي، أنه يرى هذا الرأي كما يراه غيره من العلماء. طالب: هل جهل ابن عباس (...) يعني في كلامه؟ الشيخ: هذا إذن معناه على هذا التقدير يكون حتى لا يصح ولا عن ابن عباس، لكن كوننا مثلًا نقول: إن ابن عباس يخطئ، هذا وارد، أما النبي عليه الصلاة والسلام لا يخطئ بالتشريع. طالب: الدعاء بعد الركعتين. الشيخ: منين؟ الطالب: ركعتي الطواف. الشيخ: نعم. الطالب: هل بعدهما دعاء؟ الشيخ: لا. الطالب: أو في التشهد فقط. الشيخ: أبدًا، حتى يسن تخفيفهما؛ تخفيف الركعتين خلف المقام أفضل، والحكمة من ذلك ظاهرة، لأجل أن يُخلي المكان لمن هو أحق به منه. الطالب: لأننا نلاحظ الناس -يا شيخ- يقفون ويدعون طويلًا، بعضهم وهو جالس، أغلب الناس. الشيخ: هذا كله من الجهل. الآن نجد ناسًا يقفون على ما يُقال: إن هذا بئر زمزم، ويدعون دعاءً طويلًا. وبالمناسبة قال لي بعض الناس -اليوم نحن في كلية الزراعة- قال: بعض الناس إذا فرغ من الصلاة قال لصاحبه: تقبَّل الله، حَرَمًا، فقال الثاني: تقبَّل الله، جمعًا. طالب: ما في الكلمة الأولى: تقبَّل الله. الشيخ: ما فيها تقبل الله؟ الطالب: حرمًا، جمعًا. الشيخ: فسألته: ما معنى حرم وجمع؟ هل جمع يعني مزدلفة؛ لأنها تسمى جمعًا؟ قال: لا، جمعًا يعني نحن وإياك نصلي في الحرم. إذن الصواب أن تقول: جميعًا. طالب: على حسب الوزن يا شيخ. الشيخ: وقال أيضًا إنه: سألونا إذا توضأ يقول: زمزمًا. ويش معنى (زمزمًا)؟ طلبة: شربت من زمزم. الشيخ: يعني نتوضأ من زمزم؟ طالب: شربت يعني. الشيخ: أو نشرب. طالب: يكون صحبة إن شاء الله. الشيخ: صحبةً. طالب: غالبًا تأتي من المصريين عفا الله عنهم! طالب آخر: هذه بدعة يا شيخ؟ الشيخ: ما وردت هذه؛ لأنهم يتخذونها دائمًا، كلما شربوا، أو كلما صلوا. طالب: دعاء يا شيخ هذا، يعني يدعو له أن يتوضأ أو يشرب من زمزم، وأن يصلي في الحرم. الشيخ: بس كونها تتخذ راتبة خلف الصلاة بدون دليل ما هو صحيح. طالب: أحسن الله إليك، عند استلام الحجر يا شيخ بعض العلماء ذكر استلام الحجر بعد الركعتين تحية للمسعى، ما توجيه هذا القول؟ الشيخ: هذا غير صحيح، كيف يحيا السعي في مكان ليس هو السعي؟ نعم، لو فُرض أنه يستلم الصفا قلنا: تحية للسعي (...).
باب صفة الحج والعمرة
٠١:١١:٠٥
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى:
باب صفة الحج والعمرة يُسن للمُحِلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها، ويُجزئ من بقية الحرم، ويبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة. ويُسن أن يجمع بين الظهر والعصر، ويقف راكبًا عند الصخرات وجبل الرحمة، ويكثر من الدعاء بما ورد، ومن وَقَف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهلٌ له صح حجه، وإلا فلا. الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. متى يقطع المتمتع التلبية؟ سبق لنا أنه يقطعها إذا شرع في الطواف، وأن المسألة ذات خلاف بين العلماء، ولكن الراجح هو هذا؛ أنه يقطعها إذا شرع في الطواف؛ لأنه وصل إلى الغاية، وهو البيت، فقطع التلبية. وسبق لنا أيضًا أنه يُسنُّ في السعي: الموالاة، على ما ذهب إليه الماتِن، والصحيح أن الموالاة شرْط؛ لأن السعي عبادة واحدة، لا يُمكن أن تتفرق أجزاؤه إلا لعذر. وسبق لنا أن الموالاة بين الطواف والسعي سُنَّة وليست بواجبة، وأنه لو طاف في أول النهار وسعى في آخره، أو طاف في يوم وسعى في يوم فلا بأس. وسبق لنا أن الأشواط السبعة لا يُشترط فيها إكمال ما بين الصفا إلى الصفا، وإنما هي من الصفا إلى المروة شوْط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر. وسبق لنا بيان أصل مشروعية السعي، وأنه تذكر حال أم إسماعيل، وليس المراد مجرد التذكر كما سلف، إنما المراد أن يشعر الإنسان بأنه في حالة إلى التخلص من الذنوب وإلى الفرج الذي جعله الله عز وجل لتلك المرأة. وسبق لنا أنه إذا بدأ بالصفا سقط الشوط الأول. طلبة: لا، بالمروة. الشيخ: إذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول. وسألنا سائل، يقول: إذا طاف وجعل من الصفا إلى الصفا شوطًا، فما الحكم؟ طلبة: صح. الشيخ: نقول: السعي صحيح، سبعة هي المشروعة، والباقي يؤجر عليها إذا كان مجتهدًا؛ لأنه تعب فيها. ثم قال المؤلف: (باب صفة الحج والعمرة)، وهذا الحقيقة هو المقصود بالمناسك (صفة الحج والعمرة)، يعني الكيفية التي ينبغي أن يُؤدَّى عليها الحج، وكذلك العمرة.
قال المؤلف: (يُسنُّ للمُحلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية) (يُسن للمُحلِّين) فمن المحل؟ المحل هو المتمتع؛ لأنه حل من إحرامه، أو من كان من أهل مكة فإنه مُحِل؛ لأنه باقٍ في مكة حلالًا، فيسن لهم الإحرام بالحج يوم التروية، لا قبله ولا بعده. واستثنى بعض العلماء المتمتع إذا لم يجد الهدي، فإنه يصوم السابع والثامن والتاسع، قالوا: وينبغي أن يُحرم في اليوم السابع ليكون صوم الثلاثة كلها في الحج. ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه لا يتقدم بالإحرام عن اليوم الثامن، وما ذكروه من التعليل فإنه مقابلٌ بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، ولهذا هم يُجوِّزون أن يصوم من حين أن يُحرم بأيش؟ طلبة: بالعمرة. الشيخ: بالعمرة. وعلى هذا، فلا وجهَ لتقديم الإحرام بالحج على اليوم الثامن، مع أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه. وعليه، فهل يُستثنى شيءٌ على هذا القول الراجح؟ هل يُستثنى أحدٌ يُحرم قبل اليوم الثامن؟ لا، لا يُستثنى أحدٌ. قال: (يوم التروية) وهو اليوم الثامن، وسُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا -فيما سبق- يتروون الماء فيه؛ لأن منى في ذلك الوقت ليس فيها ماء، وكذلك مزدلفة وعرفة، فهم يتأهبون بسقي الماء للحج في المشاعِر من هذا اليوم، من اليوم الثامن. ومن اليوم الثامن إلى الثالث عشر كلها لها أسماء، فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني. يقول: (قبل الزوال)، يعني يُسنُّ أن يُحرِم قبل الزوال.
(منها) أي من مكة. والصواب أنه لا يُحرم من مكة، يُحرم من مكانه الذي هو نازلٌ فيه، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من الطواف والسعي خرج بظاهر مكة في الأبطح، ونزل هناك، وأحرم الناس من هذا المكان. وعلى هذا فنقول: يسن أن يحرم من المكان الذي هو فيه، سواء في مكة أو في غيرها. والعجب أن بعض العلماء قال: يُسنُّ أن يحرم من تحت ميزاب الكعبة. أين ميزاب الكعبة؟ يُصب في. طالب: الحجر. الشيخ: في الحجر. وعلى هذا فنقول لمليون وخمس مئة نفر: يُسن لكم إذا كنتم مُحلِّين أن تحرموا من الحجر، تحت الميزاب. وعلى كل حال، القائل بهذا القول مجتهد، ولم يخطر بباله أن الحجيج يبلغ هذا المبلغ، ثم إنه مخالفٌ لظاهر السنة؛ لأن الصحابة أحرموا منين؟ من الأبطح، من مكانهم. قال: (ويُجزئ من بقية الحرم) (يجزئ) يعني الإحرام بالحج. (من بقية الحرم)، وهل هنا مكة وحرم؟ نعم، هنا مكة، وحرم مكة القرية؛ البيوت، والحرم كل ما أدخلته حدود الحرم فهو حرم، لكن في وقتنا الآن صارت مكة خارج الحرم من جهة التنعيم؛ فإنها من جهة التنعيم خرجتْ عن الحرَم؛ لأن البيوت صارت في الحِلّ. وعلى هذا، فهنا جاران في هذا المكان: أحدهما: يحل له أن يقطع الشجر اللي في بيته، والثاني؟ الطلبة: لا يحل. الشيخ: لا يحل، لماذا؟ لأن الثاني داخل حدود الحرم، والأول خارج حدود الحرم. يقول المؤلف: (ويُجزئ من بقية الحرم)، وفُهِم من كلامه أنه لا يجزئ الإحرام بالحج من الحِلِّ، فالحرم ميقات من في مكة في الحج، والحِلُّ ميقات من في مكة في العمرة، فكما أنه لا يجوز أن يُحرم بالعمرة من الحرَم، فكذلك لا يجوز أن يُحرِم بالحج من الحِلِّ. هذا مفهوم كلام المؤلف، وهو أحد القولين في المسألة. وقيل: يُجزئ أن يُحرِم مَنْ في مكة بالحج من الحِلِّ، وعلى هذا، فإذا كان نازلًا في مكة، وأحرم من عرفة فإنه يُجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب، والماتِن مشى في هذا على خلاف المذهب.
طالب: الراجح؟ الشيخ: الراجح: أنه لا ينبغي أن يخرج من الحرم، وأن يحرم من الحرم، ولكن لو أحرم من الحِلِّ فلا بأس؛ لأنه سوف يدخل إلى الحرم. قال: (ويَبيت بمنى): يبيت بمنى ليلة التاسع. وعلى هذا فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كلها في منى، جمعًا بلا قَصْر. طلبة: لا، قصرًا. الشيخ: قصرًا بلا جمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يجمع في منى، وإنما جمع في عرفة، وفي مزدلفة. قال: (ويبيت بمنى فإذا طلعت الشمس) يعني من اليوم التاسع، (سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة) (سار إلى عرفة) رأسًا؟ لا، ينزل أولًا بنمرة، ونمرة قرية قرب عرفة، وليست من عرفة، هذا النزول هل هو نزول نسك أو نزول راحة؟ المعروف عند العلماء أنه نزول نسك، ويحتمل أنه نزول راحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضُربت له القبة في نمرة ، ولما طُلب منه أن تُضرب له قبة في مِنى قال: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» ؛ لأن منى مشعر، ونمرة ليست بمشعر على هذا القول. لكن المعروف أن النزول بها سنة، وليس من أجل الراحة، لكن ينزل بها إن تيسر. وهي معروفة الآن، بعض الحجاج ينزلون فيها، ويحدثوننا أنهم يجدون راحةً بالغة، ولا سيما فيما سبق، لما كان الناس يحجون على الإبل، فإنهم يحتاجون إلى الراحة. ينزل بها، إلى متى ينزل؟ إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس ركب من نمرة إلى عرفة، ورسول الله عليه الصلاة والسلام ركب من نمرة حتى أتى بطن الوادي -بطن عرنة- فنزل في بطن الوادي. والظاهر منه -والله أعلم- أن نزوله في بطن الوادي؛ لأن بطن الوادي في الغالب يكون رمليًّا، فيكون فيه لين وسهولة على الناس للجلوس وللصلاة. نزل -عليه الصلاة والسلام- في بطن الوادي، ثم خطب الناس خُطبةً بليغةً قرر فيها قواعد الإسلام وشيئًا كثيرًا من أحكامه . وأعلن في تلك الخطبة أن ربا الجاهلية موضوع، وأن أول ربا يضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمه. وفي هذا دليل على أن الربا الثابت في ذِمم الناس يجب وضعه، ولا يجوز أخذه، حتى وإن عُقد قبل الإسلام فإنه يجب وضعه، ولا يجوز أخذُه، أما ما قُبض من قبل من الرِّبا، وأتى الإنسان موعظةٌ من الله فإنه له، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه. وتأمل قول الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف العظيم، قال: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ» ؛ لأنه قريبه، والحاكم لا يُحابي أقاربه في حُكم الله، بل يبدأ بهم قبل الناس، حتى يُعلم أنه ليس عنده محاباة في دِين الله. كان عمر رضي الله عنه إذا منع الناس من شيء جمع أهله وأقاربه، وقال لهم: إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وإني أمرت بكذا أو نهيت عن كذا، فلا أجد أحدًا منكم خالف إلا ضاعفت عليه العقوبة رضي الله عنه. والنبي عليه الصلاة والسلام قال في هذا الموقف العظيم والمجمع الكبير: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ مِنْ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، وقال في موضع آخر: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» ، أقسم -وهو الصادق البار بلا قسم- أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد -سيدة نساء أهل الجنة، وأشرف النساء نسبًا ما هي المخزومية فقط- لو أنها سرقت: «لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وهنا قال: «لَقَطَعْتُ» يحتمل: لقطعت يدها مباشرةً، أو أمرت بقطع يدها. وأيهما أبلغ؟ طلبة: الأول. الشيخ: الأول: يقطع يد ابنته إذا سرقت. فالحاصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع للحكام منهجًا لو ساروا عليه لأفلحوا؛ أن يكون أقاربهم وحاشيتهم عندهم كسائر الناس. خطب الناس هذه الخطبة، ثم أمر بلالًا فأذَّن، وأقام وصلى الظهر، ثم أقام وصلى العصر، ولم يُسبِّح بينهما شيئًا . وفي تقديمه الخطبة على الأذان، والجمع بين الظهر والعصر دليل على أنه لم يقصد بذلك صلاة الجمعة، صح؟ طالب: نعم. الشيخ: لأن صلاة الجمعة تكون الخطبة فيها بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان، وإلا فإن اليوم كان هو يوم الجمعة في حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم خطب الناس، وصلى الظهر والعصر، وركب حتى أتى آخِر عرفة من الناحية الشرقية، فوقف هناك. وكان من عادته أنه يكون في أُخريات قومه، لا يكون في المتقدمين؛ لأجل يتفقد من كان محتاجًا، لو كان موقفه في أدنى عرفة مما يلي مكة لكان يدْفع قبل الناس، لكن تأخَّر في آخر عرفة من الناحية الشرقية لهذا الغرض، والله أعلم. وقف هناك وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ، فكأنه عليه الصلاة والسلام يشير إلى الأمة: ألا تكلف نفسها هذا الموقف الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كل إنسان يكون في مكانه؛ لئلا يحصل الزحام والأذى، يؤذي الناس بعضهم بعضًا. يقول المؤلف هنا: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة). (كلها موقف)، وهل عرفة معلومة بالحد؟ نعم، معروفة، لها حدود معروفة تكلم عليها الأولون، والحكومة السعودية وفقها الله جعلت أعلامًا.