تجاوز إلى المحتوى

كتاب البيع (الشرح الثاني) - ١٧

درس صوتي · ٩٠:٠٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

التفريغ النصي للشريط رقم (١٧)

٠٠:٠٠:٠٠

.. وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك. حكم الربا أنه مُحَرَّم بالقرآن والسُّنَّة وإجماع المسلمين، ومرتبته أنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومُوكِلَه وشاهِدَيْه وكاتبه ، ولأن الله تعالى قال: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥]، وقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]. فهو من أعظم الكبائرِ، والإجماعُ على تحريمه، ولهذا مَن أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد؛ لأن هذا من المحرَّمات الظاهرة الْمُجْمَع عليها. ولكن إذا قلنا هذا، هل معناه أن العلماء أجمعوا على كُلِّ صورة؟ لا، يقع خلاف في بعض الصور، مثل ما قلنا: الزكاة واجبة بالإجماع، ومع ذلك ليس الإجماع على كُلِّ صورة، اختلفوا في الإبل والبقر العوامل، اختلفوا في الحُلِيّ، وما أشبه ذلك. لكن في الجملة العلماء مُجْمِعُون على أن الربا حرام، بل من كبائر الذنوب، فما هي الأشياء الربوية؟ الأشياء الربوية حددها النبي صلى الله عليه وسلم بالعدّ، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . فعَدَّهَا ستة، أعيدها: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، هذه ستة أشياء، وهذه الأشياء الستة مُجْمَعٌ عليها على حسب ما جاء في الحديث، أي: مُجْمَع على أنها هي الأموال الربوية، وأن الربا يجري فيها على حسب ما جاء في الحديث. واختلف العلماء فيما سواها، هل يُلْحَق بها بالقياس أو لا يُلْحَق؟ فأما أهل الظاهر فقالوا: لا يُلْحَق بها شيء، والربا خاصٌّ بهذه الأشياء الستة؛ لأن أهل الظاهر يمنعون القياس. وقال أهل المعاني: بل يقاس عليها ما يماثلها. وقال بعض أهل المعاني -أعني القياسيين-: إنه لا يجري الربا إلا في هذه الستة فقط، وعلَّل ما ذهب إليه بأن العلماء اختلفوا في العلة، فلما اختلفوا في العلة صار الواجب التوقف، وألَّا نزيد على ما جاءت به السُّنَّة. ولكن الراجح أن الشريعة عمومًا لا يمكن أن تفرق بين متماثِلَيْن؛ لأن الشريعة مُحْكَمَة من لدن حكيم خبير، والقياس فيها ثابت. ولكن ما هو مناط الحكم؟ أي: ما هي العلة الدقيقة التي يمكن أن نُلْحِقَ بها ما سوى هذه الأصناف الستة؟ هذا أيضًا محل نزاع. فقال بعض العلماء: العلة الكيل في الأصناف الأربعة، والوزن في الذهب والفضة. وبناءً على هذا نقول: يجري الربا في كُلِّ مَكِيل قياسًا على الأصناف الأربعة، وفي كُلِّ موزون قياسًا على الصنفَيْن الآخرَيْنِ الذهب والفضة، ولا يجري الربا في غير الْمَكِيل والموزون. وعلى هذا القول لو أَبدَل برتقالةً ببرتقالَتَيْنِ، يجوز أو لا؟ طلبة: لا يجوز. الشيخ: لا يجوز؟ طالب: يجوز. الشيخ: يجوز يا جماعة، هذا ليس مَكِيلًا ولا موزونًا. طالب: (...) معدود. الشيخ: لا، هذا عُرفٌ طارئ، ويعتبر من المعدود. وقال بعض العلماء: العلة الطعم في الأصناف الأربعة، والثمنيَّة في الذهب والفضة. وبناءً على هذا نقول: إذا أَبدَل برتقالة ببرتقالتين فإنه لا يجوز؛ لأنها كُلّها مطعومة، وأيضًا إذا أبدل طنًّا من الحديد بطنَّين من الحديد يجوز، وعلى القول الأول لا يجوز. فالمهم أن العلماء اختلفوا في العلة، وأقرب شيء أن يقال: إن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، سواءٌ كانَا نقْدَيْنِ أو غير نقْدَيْنِ. والدليل على أن الربا يجري في الذهب والفضة وإن كانَا غير نَقْدَيْن حديثُ القلادة الذي رواه فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلها فوجد فيها أكثر، فنهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تُبَاع حتى تُفْصَل . ومعلومٌ أن القلادة خرجت عن كونها نقدًا، وعلى هذا فيجري الربا في الذهب والفضة مطلقًا، سواءٌ كانتا نقدًا أم تِبرًا أم حُليًّا، على أيِّ حالٍ كانت، ولا يجري الربا في الحديد والرصاص والصُّفر والماس وغيرها من أنواع المعادن. أما العلة في الأربعة فالعلة في الأربعة كونها مَكِيلة مطعومة، يعني أن العلة مُرَكَّبة من شيئين: الكيل والطَّعم، ويظهر أثر الخلاف في الأمثلة: إذا باع صاعًا من الأشنان. طالب: ما هو الأشنان؟ الشيخ: دقيق يا أخي. إذا باع صاعًا من الأشنان بصاعين منه، إن قلنا: العلة الكيل، لا يجوز، إن قلنا: العلة الطعم، جاز، إن قلنا: العلة الكيل مع الطعم، جاز أيضًا. وإذا باع فاكهة بجنسها متفاضِلة، إذا قلنا: العلة الطعم، لا يجوز، إن قلنا: العلة الكيل، يجوز، إذا قلنا: العلة الكيل مع الطعم، يجوز، فالأمثلة تُبْنَى على الخلاف في هذا. ولكن أقرب شيء فيما أرى أن العلة في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، وأن الربا يجري فيهما على كُلِّ حال، والعلة في الأربعة أنها مطعومة مكيلة؛ لأن هذا هو الواقع. فإن قال قائل: سَلَّمنا أنها مطعومة في الْبُرّ والشعير والتمر، لكن الملح؟ أجاب عنه شيخ الإسلام بأن الملح يُصْلَحُ به الطعام فهو تابعٌ له، ولهذا يقال: النحو في الكلام كالملح في الطعام، فالملح من توابع الطعام، وبناءً على هذا التعليل يجري الربا في التوابل ولّا لا؟ التي يُصْلَحُ بها الطعام؛ لأنها تابعةٌ له.


يقول المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: (ويَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ فِي كُلِّ مَكِيْلٍ وَمَوْزُونٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ)، بناءً على أن العلة أيش؟ الكيل والوزن، الكيل في الأربعة، والوزن في الذهب والفضة، فيحرم في كُلِّ مكيل وموزون بِيعَ بجنسه. وقوله: (ربا الفضل) أي: ربا الزيادة. (في كُلِّ مكيلٍ بيع بجنسه)، بُرٌّ ببُر يحرُم فيهما ربا الفضل، شعيرٌ بشعير يحرُم، تمر بتمر يحرُم، ملح بملح يحرُم، ذهب بذهب يحرُم، فضة بفضة يحرُم، حديد بحديد؟ طالب: لا يحرم. الشيخ: يحرُم على كلام المؤلف؛ لأنه موزون، (في كل مكيل بيع بجنسه). بُرٌّ بشعير لا يحرُم ربا الفضل؛ لأن المؤلف قيَّده، قال: (بجنسه)، والشعير ليس جنسًا من البُرّ. وكُلُّ شيءٍ حرُم فيه ربا الفضل فإنه يحرُم فيه ربا النسيئة، كل ما حرُم فيه ربا الفضل حرُم فيه ربا النسيئة، ولهذا لم يقل المؤلف: ربا الفضل والنسيئة؛ لأن هذا معلوم أنه متى حرُم ربا الفضل حرُم ربا النسيئة. (ويجب فيه) أي: في بيع مَكِيل أو موزون بجنسه، يجب فيه (الحلول والقبض)، يعني أن يكون البيع حالًّا، وأن يقبض، فلو باع ذهبًا بذهبٍ مؤجَّلًا حرُم أو لا؟ يحرُم؛ لأنه يجب فيه الحلول، وإنما وجب فيه الحلول لئلا يدخله ربا النسيئة. وقوله: (والقبض)، إذا قال قائل: أليس القبض مُغْنِيًا عن الحلول؟ يعني لو قال: يُشْتَرَط فيه القبض، كما جاء في الحديث؛ لقوله: «يَدًا بِيَدٍ» ؟ طالب: (...). الشيخ: هو الواقع يُغْنِي، لكن قد تأتي صورة يكون فيها القبض، ولا يكون فيها الحلول، مثل: أن يبيع عليه ذهبًا بذهب مؤجَّل إلى شهر، ويقول: خذ هذا عندك وديعةً، وإذا جاء الشهر فاقبضه، يمكن أو لا يمكن؟ يمكن، فهذا فيه قبضٌ وليس فيه الحلول، ولهذا بيَّن المؤلف -رحمه الله- أنه يُشْتَرَط الحلول والقبض. فإذا قال إنسان: أليس الحديث ليس فيه إلا القبض؟ وكلام الرسول -عليه الصلاة والسلام- لا شك أنه أبلغ من كلام المؤلف. قلنا: ليس في كلام المؤلف إلا زيادة الإيضاح فقط، فهو للحديث بمنزلة الشرح، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما يُحْمَل على المعهود، والمعهود أنه إذا تقابض الرجلان في البيع فالبيع حالٌّ؛ لأنه ويش معنى أن يقول: اشتريت منك كيلو من الذهب بكيلو من الذهب، وخذ هذا الكيلو عندك وديعة لمدة شهر، ثم بعد ذلك اقبضه لنفسك؟ صورة نادرة أو لا توجد أيضًا، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما يتكلم في الأمور الدائمة المعروفة والغالبة. فهمنا الآن أنه إذا بِيعَ مَكِيلٌ بجنسه وجب فيه شيئان: التساوي والتقابض؛ لأن المؤلف يقول: (يَحْرُمُ رِبَا الفَضْلِ)، قال: (ويجب فيه الحلول والقبض)، وإذا قال: يجب الحلول والقبض، معناه: يحرم تأخير القبض. فالقاعدة -علشان ما تذهب أفكاركم بعيدًا- القاعدة: أنه إذا بِيعَ مَكِيلٌ بجنسه وجب شيئان، هما: التساوي والقبض قبل التفرق. طالب: العلة هي الكيل والطعم. الشيخ: نعم، الكيل والطعم في الأربعة، فما ساواها في هذه العلة جرى فيه الربا. الطالب: والقول بعلة الادِّخَار؟ الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن التمر قد لا يُدَّخَر. طالب: شيخ، بارك الله فيك وأحسن الله إليك، كنا قرأت قبل مدة أحاديث كثيرة في هذه الستة فيها الزيادة على هذه الستة، مثل الأقط ومثل الشعير. الشيخ: الشعير موجود. الطالب: مثل الأقط؟ الشيخ: هو مطعوم في الواقع، فإن صح الحديث به فقد ثبت بالنص، وإن لم يصح فقد ثبت بالقياس. طالب: لو باع عليه شيئًا ربويًّا ثم قال (...). الشيخ: كيف؟ الطالب: لو باع عليك شيئًا، جنيهات مثلًا، ثم قال (...) هل يصح فيه هذا؟ الشيخ: لكن بيمشي معه؟ الطالب: (...). الشيخ: إي، هذا ما يصح، نقول: إذا رجع من بيته وجاء بالعِوَض فاعقد عقدًا جديدًا، وفي هذه الحال يمكن أن يتغير السعر. الطالب: ينفسخ العقد؟ الشيخ: يبطل العقد. طالب: فإن قال: الاقتيات في البيع. الشيخ: إذا قلنا: الكيل والطعم، أعم، إي نعم، ما هو شرط الاقتيات. (...)


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الربا والصرف

يَحرُم ربا الفَضْلِ في مَكِيلٍ وموزونٍ بِيعَ بجنسِه، ويجب فيه الحُلولُ والقبضُ، ولا يُباع مكيلٌ بجنسه إلا كيلًا، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزنًا. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (ولا يُبَاع مَكِيلٌ بجنسه إلا كيلًا ولا موزون بجنسه إلا وزنًا). لما بيَّن المؤلف رحمه الله الضابط فيما يحرُم فيه الربا بيَّن بأيِّ طريقٍ نصل إلى المساواة؛ لأن بيع الشيء بجنسه من الأموال الربوية يُشْتَرَط فيه الحلول والقبض، فبأي شيء يكون القبض؟ وبأي شيء نعرف المساواة؟ إذا بِيعَ الربوي بجنسه وجب فيه الحلول والقبض والتساوي، فما هو الطريق إلى العلم بالتساوي؟ بيَّنه بقوله: (ولا يُبَاع مكيل بجنسه إلا كيلًا، ولا موزونٌ بجنسه إلا وزنًا)، وعلى هذا فالتساوي في الْمَكِيل عن طريق أيش؟ الكيل، وفي الموزون عن طريق الوزن، والفرق بينهما أن المكيل تقدير الشيء بالحجم، والوزن تقديره بالثِّقَل والخِفَّة، هذا هو الفرق، فالمكيل يُقَدَّر بحجم الشيء، والوزن بماذا؟ بالخِفَّة والثِّقَل؛ هذا هو الفرق بينهما. فالبُرُّ مكيل، إذا بيع بِبُرٍّ فلا بد من أن يكون طريقه للتساوي هو الكيل، فلو وُزِن، يعني بِيعَ بجنسه وزنًا فإنه لا يصح، ولا يُعْتَبَر ذلك تساويًا، حتى فيما لا يختلف بالوزن والكيل، كالأدهان والألبان، فإن الأدهان والألبان من قسم المكيل؛ لأن كُلَّ مائع مكيل، كُلُّ مائعٍ يجري فيه الربا فهو مكيل، فعلى هذا تكون الألبان من المكيلات، ولا يختلف بها الوزن والكيل، ومع ذلك لو بِيعَت وزنًا فإنها -على كلام المؤلف- لا يصح، يعني لو بيع لبنٌ بلبن من جنسه وزنًا فإنه لا يصح، مع أنه لو كِيلَ لكان متساويًا. واختار شيخ الإسلام -رحمه الله- أنه إذا كان الكيل والوزن يتساويان فلا بأس أن يُبَاع المكيل بجنسه كيلًا أو وزنًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، والمثلية هنا متحققة، أما ما يختلف بالكيل والوزن فلا بد أن يكون المكيل يباع كيلًا، والموزون يباع وزنًا. (ولا موزون بجنسه إلا وزنًا)، مثل اللحم، لو باع الإنسان لحمًا من خروف بلحم من خروف آخر فهذا موزون، فلو أراد أن يقطع اللحم قطعًا صغيرة ويضعه في إناء ويبيعه بجنسه كيلًا فإنه لا يصح؛ لأن معيار اللحم هو الوزن. وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يباع المكيل وزنًا، فيُعْتَبَر بالوزن، ولا العكس، يعني فلا يباع الموزون كيلًا، بخلاف المكيل فإنه يجوز أن يباع وزنًا، لكن الاحتياط ألَّا يباع المكيل إلا كيلًا، ولا يباع الموزون بمثله إلَّا وزنًا، إلا ما يتساوى فيه الكيل والوزن، فلا شك في أن بيعه كيلًا أو وزنًا جائز. وقول المؤلف: (ولا يباع مكيلٌ). كلمة (مكيل) نكرة في سياق النفي تشمل القليل والكثير، والمساوي في الجودة والمخالِف، فلو باع الإنسان تمرة بتمرة فالتساوي بماذا؛ بالكيل ولَّا بالوزن؟ بالكيل، تمرة بتمرة، لا بد من أن يتساويَا كيلًا. لكن كيف تُكَال التمرة؟ يؤتى بإناءٍ صغير كملعقة مثلًا، توضع التمرة في هذه الملعقة وتوضع التمرة الأخرى فيها. وقال بعض أهل العلم: ما لا يوزن لقِلَّتِه وحقارته فإنه لا يُعْتَبَر فيه التماثل، كتمرة بتمرتين مثلًا فلا بأس، فمن أخذ بعموم الحديث: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، قال: هذا يشمل التمر القليل والكثير، ومَن أخذ بما تعارف به الناس وقال: إنه لا يمكن أن تُكَال التمرة، قال: هذا محمول على ما يعرفه الناس مما يمكن فيه الكيل، لكن ظاهر كلام المؤلف: (ولا يُبَاع مكيلٌ) أنه يشمل القليل والكثير، (ولا موزون بجنسه إلا وزنًا). قال: (ولا بعضه ببعض جزافًا)، يعني: ولا يُبَاع بعض المكيل بالمكيل جزافًا، ولا بعض الموزون بالموزون جزافًا؛ لأنه لا بد فيه من العلم بأيش؟ بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، يعني حتى لو فُرِض أننا أتينا بخارص حاذق، وقال: هذه الكومة من البُرِّ تساوي هذه الكومة من البُرِّ، فإنه لا يجوز تبايعهما؛ لأنه لا بد من أيش؟ العلم بالتساوي عن طريق الكيل، إلا أنه يُسْتَثْنَى مسألة واحدة تأتينا إن شاء الله، وهي العرايا، فإن العرايا يجوز أن تباع خَرْصًا. والعرايا أن يكون هناك رجل فقير لا يجد مالًا ويحتاج إلى الرطب، وليس عنده إلا تمر، فيأتي إلى صاحب البستان ويقول: أنا أريد أن أشتري منك رطبًا بهذا التمر، فهذا يجوز على أن يُخرَص الرطب بمثل التمر بعد جفافه وتَحوُّلِه إلى التمر، وهذه مسألة مُسْتَثْنَاة مما يُشْتَرَط فيه العلم بالكيل. (ولا بعضه ببعض جزافًا). لو باع بعضه ببعض جزافًا، وقَبْل التقابض كال كل منهما ما آل إليه، فوجده مساويًا للآخر، فهل يصح العقد؟ الجواب: نعم، يصح العقد؛ لأن المحظور قد زال، وليس هناك جهل، الْمَبِيع معلوم من الطرفين، وإنما العلة هو معياره، وقد علمنا الآن أنهما سواء في المعيار الشرعي. (ولا بعضه ببعض جزافًا، فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة). (إن اختلف الجنس) أي: بين المبيعين، بأن يباع بُرٌّ بشعير، فإنها تجوز الثلاثة، وهي: أن يباع كيلًا، أو يباع وزنًا، أو يباع جزافًا. ووجه الجواز أنه إذا بِيعَ الربوي بغير جنسه جاز فيه التفاضل. مثال ذلك: اشترى شعيرًا بِبُرٍّ، ووزنَاهُمَا فكانَا سواء، يعني: اشترى كيلو بُرّ بكيلو شعير، فهذا جائز أو غير جائز؟ طالب: جائز. الشيخ: جائز، لماذا؟ طالب: اختلف الجنس. الشيخ: لا، اختلاف الجنس هذا تعليل الحكم، لكن لماذا جاز؟ لأنه من غير جنسه، وإذا اختلف الجنس فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . باع شعيرًا بتمر وزنًا، كيلو من هذا بكيلو من هذا، جائز أو غير جائز؟ طالب: جائز. الشيخ: جائز، لماذا؟ لاختلاف الجنس، وإذا اختلف الجنس لم يُشْتَرَط التساوي. باع تمرًا بِبُرٍّ من غير تقدير لا بالوزن ولا بالكيل، يجوز أيضًا، وذلك لأنه لا يُشْتَرَط فيه التساوي. وخلاصة الكلام الآن أنه إذا بِيعَ الربوي بجنسه اشتُرِط فيه شرطان: الأول: التقابض من الطرفين. والثاني: التساوي بالمعيار الشرعي، الْمَكِيل بالكيل، والموزون بالوزن. وإذا بِيعَ الربوي بربوي من غير جنسه اشتُرِط شرطٌ واحد، وهو التقابض قبل التفرق، أما التساوي فليس بشرط، ولهذا يجوز بيعهما مكايَلَة وموازنة وجُزافًا. وإذا بِيعَ ربوي بغير ربوي جاز، يعني جاز التفرق قبل القبض وجاز التفاضل، مثل أن يبيع شعيرًا بشاة، أو يبيع شعيرًا بثياب، أو ما أشبه ذلك، فهذا يجوز فيه التفرق قبل القبض والتفاضل، هذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.


ثم قال: (وَالجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أنْوَاعًا؛ كَبُرٍّ وَنَحْوِهِ). (الجنس) ضابطه: هو الشيء الذي يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، هذا هو الجنس. والنوع: ما يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها. هذا الفرق، فمثلًا البُرّ جنس أو نوع؟ جنس؛ لأنه يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، البُرّ الآن كما تعلمون فيه ما يسمى بالحنطة، وما يسمى بالْمَعِيَّة، وأنا أكلمكم عن لغة أهل القصيم، أما لغتكم ما أعرف عنها، وما يسمى بالجُرَيْبَاء، وما يسمى بالقِيمِي؛ هذه أربعة أنواع، إذن فالبر جنس شمل أنواعًا. النوع شيءٌ يشمل أشياء مختلفة بأشخاصها، كالحنطة مثلًا، الحنطة تشمل أشياء مختلفة بماذا؟ بأشخاصها، تشمل الحنطة اللي عندي واللي عندك، وما أشبه ذلك. الإنسان جنس أو نوع؟ جنس، يشمل أشياء مختلفة بأنواعها، ويش أنواع الإنسان؟ ذكر وأنثى. الحيوان جنس، لكنه أعم من الإنسان؛ لأنه يشمل الإنسان وغير الإنسان، يشمل الإنسان والإبل والبقر والغنم وغير ذلك، فهو أعم. الجسم جنس، أعم مما سبق؟ أعم مما سبق، يشمل الجماد والحيوان، وكما عرفتم أن الحيوان يشمل أنواعًا. فتبيَّن بهذا أن الشيء قد يكون جنسًا باعتبار ما تحته، ونوعًا باعتبار ما فوقه، يعني قد يكون الجنس نوعًا باعتبار ما فوقه، وجنسًا باعتبار ما تحته. والمراد هنا الجنس الأعم أو الجنس الأخص؟ الجنس الأخص، لا الجنس الأعم، ولهذا لو بِعْنَا بقرة ببعير فقد اتفقا في الجنس الأعم؛ وهو الحيوانية، لكن يجوز التفاضل، ويجوز التفرق قبل القبض، لكن المراد هنا الجنس الأخص، يعني: أخص الأجناس. وإذا أردنا أن نبتعد عن أهل الكلام واصطلاحاتهم نقول: البُرّ، والتمر، والشعير، والملح، والذهب، والفضة، ما نحتاج جنسًا أعم وجنسًا أخص، قد يُشْكَل على الإنسان هذا الشيء. وعلى هذا فإذا قلنا: لا يُبَاع الربوي بجنسه، فمعناه: لا يُبَاع البُرُّ بأيش؟ بالبُرّ، أما الشعير فإنه جنس مستقل، إذا أردت أن تبيع بُرًّا بِبُرّ، فالواجب شيئان: الأول: التقابض قبل التفرق. والثاني: التساوي بالمعيار الشرعي. وإذا أردت أن تبيع بُرًّا بشعير فالواجب شيء واحد، وهو التقابض قبل التفرق.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (وفروع الأجناس كالأدِقَّة والأخباز والأدهان واللحم أجناس باختلاف أصوله). فروع الأجناس أجناس، لكن هل هي أجناس مستقلة، أو هي أجناس تابعة لأصولها؟ أفادنا المؤلف -رحمه الله- في كلامه هذا أنها أجناس تابعة لأصولها، وعلى هذا فإذا بِيعَ بُرٌّ حَبًّا بِبُرٍّ دقيقًا فإنه لا يجوز، لماذا؟ لتعذُّر التساوي؛ لأن الحب إذا طُحِن انتشر، ولا يمكن تقديره بالكيل، ولا يمكن أيضًا تقديره بأيش؟ بالوزن؛ لأن البُرَّ لا يباع بالبُرِّ إلا كيلًا. بُرٌّ حَبًّا بشعير دقيقًا يجوز بدون كيل ولا وزن؟ طلبة: نعم. الشيخ: لأن بيع البُرِّ بالشعير لا بأس فيه بالتفاضل، والدقيق جنس باعتبار الأصل. كذلك أيضًا الأخباز؛ الأخباز إذا أردت أن أبيع خبزًا من البُرِّ بجَرِيش، أتعرفون الْجَرِيش؟ الجريش عبارة عن حب مطحون، لكنه ليس طحنًا دقيقًا، يُطبخ، فأردت أن أبيع خبزًا بجريش كُلّها بُرّ، أيجوز هذا أو لا؟ طلبة: لا يجوز. طلبة آخرون: يجوز. الشيخ: يا جماعة الخير، يحتاج توقف هذا؟! لا يجوز يا جماعة؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن الجريش قد تَرَطَّب بالماء ولا يمكن كَيْله، حتى لو أمكن كيله فالخبز لا يمكن كيله. فإذا قال قائل: يمكن نملأ إناءً من الْجَريش، ونفتت الخبز ونضع عليه ماء ونبدل هذا بهذا. قلنا: لا يمكن التساوي، والجنس واحد أو مختلف؟ طالب: واحد. الشيخ: خبز شعير بجَريش من البُرّ، يجوز؟ طلبة: نعم. الشيخ: لماذا؟ لعدم اشتراط التساوي، هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله؛ أن فروع الأجناس تُعْتَبَر أيش؟ أجناسًا بحسب أصولها. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: ما صُنِع من هذه الأجناس فإن خرج عن القوت بسبب هذا الصنع خرج عن كونه رِبَوِيًّا، بناءً على أن العلة في جريان الربا هي أيش؟ هي القوت، كونه قوتًا، وإلَّا يخرج فهو جنسٌ مستقل لا يتبعه أصلًا. وعلى هذا فيجوز أن أبيع خبزًا من البُرّ بأيش؟ بجَريش من البُرّ؛ لأن كل واحد منهما اختلف اختلافًا بَيِّنًا، لا بالنسبة لأكله ولا بالنسبة للقصد منه، فيكون جنسًا مستقلًّا، ولكن الاحتياط ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لعموم قوله: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، وهذا يعم البُرّ على أي حال كان، «وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ»، كذلك، يعم الشعير على أي حال. فإذا قال: أنا ما عندي إلا خبز، وأنا أريد جريشًا، ماذا نقول له؟ نقول: بِع الخبز واشترِ جَرِيشًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في التمر الجيد والتمر الرديء . وقول المؤلف رحمه الله: (كالأَدِقَّة والأخباز)، الأدقة جمع دقيق، والأخباز جمع خبز. (والأدهان)، الأدهان هذا بناءً على أن الربا يجري في الدهن، أما إذا قلنا: إنه لا يجري في الدهن، فلا بأس ببيع بعضه ببعض متفاضِلًا أو متساويًا. (واللحم)، اللحم أيضًا أجناس، لحم الإبل جنس، ولحم الضأن جنس آخر، لحم البقر جنس آخر، لحم المعز جنس آخر، لحم الأرانب جنس، لحم الظباء جنس، واللحم موزون. إذن هل يجوز أن أبيع كيلو من لحم الغنم بكيلوين من لحم الغنم أيضًا؟ طلبة: لا، ما يصح. الشيخ: لماذا؟ الطلبة: لعدم التساوي. الشيخ: لعدم التساوي، والجنس واحد، والأصح أن نقدِّم فنقول: لأن الجنس واحد لا يجوز فيه التفاضل. كيلو من لحم البقر بكيلوين من لحم الخروف. طلبة: يجوز. الشيخ: ليش؟ الطلبة: لاختلاف الجنس. الشيخ: لاختلاف الجنس، وهذا أيضًا بناءً على أن اللحم يجري فيه الربا، وهو وجيه إذا كنا في بلاد قُوتُهم اللحم، أما إذا كنا في بلاد لا يُعْتَبر اللحم قوتًا فإنه لا يجري فيه الربا؛ لأنه ليس بقوت. والمذهب أنه يجري فيه الربا؛ لأنه مما يوزَن ويُؤْكَل، بل العلة على المذهب؛ لأنه مما يوزَن، وكُلُّ موزون فإنه مكيل. بعتُ عليك خروفًا بخروفين؟ طالب: يجوز. طالب آخر: لا يجوز. الشيخ: خروف بخروفين؟ طالب: يجوز. طالب آخر: هذا ليس بموزون. الشيخ: هذا ليس موزونًا ولا مكيلًا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقرض على إبل الصدقة، فيأخذ البعير بالبعيرَيْنِ، والبعيرَيْنِ بالثلاثة ، وعلى هذا فلا ربا في الحيوان ما دام حيًّا، أما إذا ذُبِح فإنه يكون لحمًا فيجري فيه الربا، فإذا بِيعَ بجنسه فإنه لا بد من التساوي، وإلا فلا يصح.


قال: (وَكَذَا اللَّبَنُ). اللبن أجناس باختلاف أصوله؛ لبن الإبل جنس، ولبن البقر جنس آخر، فلو بعتُ صاعًا من لبن الإبل بصاعَيْنِ من لبن البقر جائز؟ طلبة: نعم. الشيخ: لأن الجنس مختلف، ولو بعتُ صاعًا من لبنِ بقرةٍ بِكْر وصاعَيْن من لبنِ عجوز؟ طلبة: لا يجوز. الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأن الجنس واحد. الشيخ: لأن الجنس واحد، بارك الله فيكم. (وكذا اللبن) أجناس باختلاف أصوله. (واللحم والشحم والكبد أجناس). المؤلف انتقل من الجنس باعتبار استقلال البهيمة إلى الجنس باعتبار وَحْدة البهيمة، البهيمة فيها لحم مُنَوَّع، فيها يقول: لحم، وشحم، وكبد، قلب، أَلْيَة، طحال، رئة، كُراع، عين، رأس، هذه أجناس، كُلُّ واحد جنس، وعلى هذا فيجوز أن يبيع عليك رطلًا من الكبد برطلين من الرئة، ولو من الضأن، ليش؟ لاختلاف الجنس. رطلًا من الرئة برطلين من اللحم من الشاة نفسها يجوز؛ لاختلاف الجنس. إذن نفس البهيمة هي بأجزائها أجناس، كُلُّ جزء يُعْتَبَر جنسًا مستقلًّا، وعلى هذا فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا. ولكن هل يجب التقابض؟ نعم، لماذا؟ لاتفاقهما في المعيار الشرعي، اللحم كله موزون، فلما اتفقا في المعيار الشرعي كان لا بد من أن يتقابضَا قبل التفرق، أما التساوي فليس بشرط. (...) إذن أجزاء الجسم تُعْتَبَر أيش؟ أجناسًا، فإذا بِيعَ بعضها ببعض متفاضلًا فلا بأس، لكن لا بد من التقابض. قال: (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح من غير جنسه). بيع اللحم بحيوان من جنسه لا يصح، ويصح من غير جنسه. مثال ذلك: عندي كومة من لحم الضأن، فأردت أن أبيعها بشاة فلا يجوز، لماذا؟ لأنه من جنسه. فإذا قال قائل: الذي عندي لحم، والشاة أو الخروف فيها لحم، فيها كبد، فيها رئة، فيها قلب، وأنتم ذكرتم أن هذه الأشياء كُلُّ واحد منها جنس مستقل؟ قلنا: إذا كان الذي عندك لحم، وفي الشاة لحم، فقد بعتَ لحمًا بلحم ومعه من غير الجنس، فيكون هذا من باب ما يسمى عند الفقهاء بِمُدّ عجوة ودرهم، أفهمتم؟ فلا يجوز. طالب: غير مفهوم. الشيخ: غير مفهوم؟ إذا بعت عليك عشرة أصواع من التمر بصاعين من التمر ومعهما ثمانية أصواع من الشعير، أيجوز هذا أو لا؟ طلبة: لا يجوز. الشيخ: لا يجوز؟ لماذا؟ لأنك بعت جنسًا بجنسه، ومع الثاني من غير جنسه، فهذا مُدّ عجوة ودرهم بمد عجوة، أو بمُدَّيْ عجوة، أو بمد عجوة ودرهم، يعني حسب ما سيأتينا إن شاء الله تعالى فيما بعد إن لم يكن سبق قبل ذلك. إذن بيع اللحم بحيوان من جنسه جائز أو غير جائز؟ يقول المؤلف: لا يجوز. واستدل بعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان . وهذا الحديث لو أخذنا بظاهره لقلنا: إنه عام يشمل ما إذا كان الحيوان من جنس اللحم أو من غير جنسه، وهذا كما تعلمون لا ينطبق على كلام المؤلف، ولكن أنا أريد أن نَفهم أولًا كلام المؤلف، فالمؤلف -رحمه الله- يقول: إنه لا يُبَاع اللحمُ بحيوان من جنسه. مثاله: خمسون كيلو من لحم الضأن بخروف، فهذا لا يجوز، لماذا؟ أولًا: لهذا الحديث؛ النهي عن بيع اللحم بالحيوان، وهذا في تصحيحه مقال بين أهل العلم، وفيه اختلاف. وثانيًا: لأنه إذا باع هذا اللحم بهذا الحيوان فكأنه باع طعامًا بجنسه ومع الآخر من غير الجنس؛ لأننا إذا قدَّرْنَا أن هذه الكومة لحم، أي: هَبْر، فالحيوان الذي بِيعَ فيه لحم وشحم وكبد ورئة وقلب وطحال وكَرش وأمعاء، إلى آخره، فيكون كالذي باع ربويًّا بمثله ومع الآخر من غير جنسه، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بمُد عجوة ودرهم، هذا هو حكم المسألة على كلام المؤلف. وقال بعض أهل العلم: إنه لا بأس به، أي: لا بأس ببيع اللحم بالحيوان مطلقًا، سواء من جنسه أو من غير جنسه، وذلك لاختلاف المقاصد بين الحيوان وبين اللحم، الحيوان يُرَاد للأكل ويُرَاد للتنمية ويُرَاد للتجارة، ولغير ذلك، واللحم يُرَاد غالبًا لأيش؟ للأكل، فلما اختلفت المنافع والمقاصد صار كُلُّ واحدٍ منهما لا صلة له بالآخر. وفصَّل بعض أهل العلم وقال: إن أراد بالحيوان اللحمَ فإنه لا يصح بيعه من جنسه، وإن أراد بذلك الانتفاع بالحيوان بركوبٍ، أو تأجير، أو حرث، أو غير ذلك فلا بأس؛ لأنه إذا أراد به اللحم اتفقت المقاصد، فصار المراد بهذا الحيوان هو اللحم، والأعمال بالنيات، وإذا أراد انتفاعات أخرى فإنه يختلف المقصود. وهذا القول أصح الأقوال الثلاثة؛ أنه إن أراد بالحيوان اللحم فإنه لا يجوز؛ لأنه صار كأنه باع لحمًا بلحمٍ من غير تساوٍ، وإن أراد بالحيوان الانتفاع بغير الأكل فهذا لا بأس به، وهذا القول لا يعارض حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان ؛ لأنه يمكن أن يُحْمَل الحديث على ما إذا أراد الإنسان بالحيوان أيش؟ اللحم. وهل يمكن أن يريد باللحم الحيوان؟ طالب: لا. طالب آخر: مستحيل. الشيخ: أن يريد باللحم الحيوان، ممكن؟ طلبة: لا. الشيخ: لأن هذا اللحم لا يمكن أن يعود حيوانًا، لكن أن يريد بالحيوان اللحم ممكن، يذبحه ويأكل اللحم، فهذا الحديث إذا صح فإنه يُحمَل عما إذا أراد الإنسان بالحيوان اللحم. وهذا القول هو أعدل الأقوال وأصح الأقوال. قال المؤلف: (ويصح بغير جنسه) مثل: أن يبيع لحم ضأنٍ ببقرة؛ لأن اختلاف الجنس يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» . إذا باع لحمًا مأكولًا بحمار، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز. الشيخ: لماذا؟ لاختلاف الجنس، واختلاف المقاصد أيضًا. ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ) ولو تساويَا وزنًا. إنسان عنده صاع من البُرِّ باعه بصاع من دقيق البُرّ فإنه لا يجوز، لماذا؟ لعدم التساوي. فإذا قال: أنا أزيد على الدقيق بمقدار ما يبلغ وزن الحب؟ قلنا: لا يجوز أيضًا؛ لأن المعتبَر فيه معيار أيش؟ الكيل؛ الحب والدقيق المعتبَر فيه في المعيار هو الكيل، فلا يصح. لو باع شعيرًا حَبًّا بدقيقٍ بُرًّا، يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: يجوز. الشيخ: يجوز، لماذا؟ لاختلاف الجنس، ولهذا يجوز أن يبيع صاعًا من البُرِّ بصاعين من الشعير. قال رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ ولا سَوِيقِه). الفرق بين الدقيق والسَّوِيق أن الدقيق يُطْحَن الحبُّ بدون أن يُحَمَّص، أي: بدون أن يُحْمَس على النار، والسَّوِيق يُحَمَّص، يعني يُشْوَى على النار ثم يُطْحَن، فإذا امتنع أن يُبَاع الحَبّ بالدقيق غير المحمَّص فامتناع بيعه بالدقيق المحمّص من باب أولى. (ولا نَيِّه بمطبوخه)، أيضًا لا يجوز أن يباع النَّي بالمطبوخ، فإنسان عنده كيلو من اللحم النَّي أراد أن يبيعه بكيلو من اللحم المطبوخ، أيجوز؟ طالب: لا يجوز. الشيخ: لا يجوز؟ ما الذي قلتُ؟ الطالب: أن الإنسان عنده لحم مطبوخ لا يجوز أن يبيعه بالنَّيئ. الشيخ: بالنَّيّ إذا كان من جنسه طبعًا؛ لأن الطبخ يؤثِّر في الوزن؛ إذ إنه يدخله أشياء من الماء فيؤثِّر، فلذلك لا يصح النَّيّ بالمطبوخ. (وأصله بعصيره)، لا يُبَاع الأصل بالعصير، مثاله: زيتون وزيت زيتون، لا يجوز أن يباع الأصل بالعصير؛ لتعذر أيش؟ لتعذُّر التساوي. (وخالصه بمشُوبه)، أيضًا لا يُبَاع الجنس الرِّبَوِيّ بجنسه إذا كان مخلوطًا. مثال ذلك: باع صاعًا من البُرّ بصاعٍ من البُرّ لكن فيه شعير، فهل يجوز؟ لا، لماذا؟ لعدم التساوي؛ لأن المشوب ليس كالمخلوط، إلا إذا كان الخِلْط يسيرًا غير مقصود، كما لو كان مِلْحًا في طعامٍ، فإن ذلك لا يضر ولا يؤثر؛ لأن هذا الخِلْط يسيرٌ تابع يُقْصَد به إصلاح المخلوط به. (...) طالب: شيخ، ذكرتم قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا خرج فرع الجنس عن كونه قوتًا ثم .. ما فهمت؟ الشيخ: مثل لو فُرِضَ أن هذا الطعم الربوي، لو فُرِض أنه اعتُصِر وصار هذا العصير لا يقتاته الناس، لكن هم يأتون به مع الأكل من باب التكميل، فهذا ليس بقوت. الطالب: ولا يكون ربويًّا؟ الشيخ: ولا يكون ربويًّا على ما اختاره رحمه الله، أما إذا كان يُقتات فإنه يكون جنسًا مستقلًّا. طالب: لكن ضربتم المثال بالخبز يا شيخ. الشيخ: الخبز ربما يكون قوتًا في بعض الجهات، يُيَبَّس. الطالب: عندنا قوت. الشيخ: لكن يُيَبَّس ويبقى؟ طالب: لا. طالب آخر: إي نعم. الشيخ: إي، في بعض البلاد، نعم يمكن يكون، لكن مثل الشوربة، الشوربة إن لم تأت بوقتها راحت عليها. طالب: الأصل في هذه الأشياء، الأصل في المبيعات ومعاملات الناس (...). الشيخ: نعم؟ الطالب: أقول: ما الدليل على هذا القياس على الأشياء الستة التي هي حكم الربا؟ الشيخ: يعني أنت ترى أنه لا يجري البيع إلا في الستة فقط؟ طالب: ما نُص عليه. الشيخ: إي، ما نُصَّ عليه، هو على كُلِّ حال سبق لنا أن بعض العلماء قال بذلك، حتى الذين يأخذون بالقياس قالوا بذلك، الظاهرية واضح أنهم لا يرون أن الربا يجري في غير هذه الأشياء الستة، لكن حتى القياسيون بعضهم قال: لا يجري الربا إلا في هذه الأشياء الستة، لكن الاحتياط ما ذكره، يعني ما مشى عليه المؤلف وأمثاله. طالب: حياك الله، الواقع الآن في الصوامع اللي (...) فيها التمر والبُرّ والشعير، الواقع أنه يوزن وزنًا. الشيخ: أيش؟ طالب: أقول: الواقع الآن في الصوامع أنها توزن وزنًا البُرُّ والشعير. الشيخ: إي، ما فيه بأس. الطالب: وكذلك التمر. الشيخ: لا بأس؛ لأنها تباع الدراهم، ليست تباع بمثلها. الطالب: لكن لو وزن البائعان غير نظام التعامل مع الصوامع؟ الشيخ: لو تبايعَا يعني تمرًا بتمر وزنًا فإنه لا يجوز، على المذهب لا بد أن يُكَال. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما فائدة البيع بالأموال الربوية إذا تساوت وما اختلفت (...) ما فائدة البيع؟ الشيخ: قد تكون تختلف باللون مثلًا، أو باللِّين بالملمس، أو بالرائحة، وإلا من المعلوم أنه ليس من المعقول أن نبيع صاعًا من البُرّ بصاع من البُرّ يتفقان في كُلِّ شيء. الطالب: بالنسبة للذهب قيمته؟ الشيخ: الذهب أيضًا يختلف، تعرف أنه عندهم بعضه عيار كذا، وبعضه عيار كذا، فمن الناس من يرغب الخفيف، ومنهم من يرغب الثقيل. على كُلِّ حال الحديث فيما إذا بِيعَ الشيء بجنسه، أما كيف يُبَاع فهذا يرجع إلى رغبات الناس.

طالب: بارك الله فيكم، الضأن والماعز هل جنس واحد، أو الماعز جنس والضأن جنس؟ الشيخ: ما تقول في رجل ضَحَّى بخروف له ستة أشهر، وآخر بعَنْزٍ لها ستة أشهر، أيهما يجزئ في الأضحية؟ الطالب: الخروف لا شك الذي له ستة أشهر. الشيخ: الأول؟ الطالب: نعم. الشيخ: إذن هل هما جنس أو جنسان؟ الطالب: لا، جنسان. الشيخ: هذا هو. الطالب: ما ذكرتموه أشكل عليَّ يا شيخ. الشيخ: ما مثَّلْنَا بالمعز. طالب: شيخ، تكلمنا عن مشوب تساوى في الجنس مع غيره، فهل نقول: إن الذهب يختلف بهذا الاختلاف؛ لأن عيار ١٨ مثلًا فيه زيادة من هذا المشوب أكثر من عيار ٢١. الشيخ: هذه من الأشياء اليسيرة التي للمصلحة، لا بأس بها. طالب: بالنسبة لبيع اللحم بالحيوان. (...) الشيخ: أهل البحرين، الآن يبدأ الدرس إن شاء الله. على اقتراح السؤال منك على ها الحال، أنت قلت: هذا السؤال محل اقتراح، يعني ظننت أنه منك. طالب: ما اتضح (...). الشيخ: أما قلت لك: إن أكل نِيًّا ذكر العلماء أنه مكروه إلا لمن اعتاده. الطالب: هذا فيما إذا كان (...). الشيخ: كيف؟ الكبد من أحسن ما يكون، ولو نِيَّة حتى بعد إذا أَكَلْتَها نِيَّة لها طعم طيب، ولا سيما البعير البِكْر. الطالب: (...). الشيخ: لأنها قطعة دم، ومثلها أيضًا كلُّ ما يبقى في اللحم والعروق فإنه طاهر وحلال.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله تعالى: وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ، ومَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النّشَافِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ، وَلَا يُبَاعُ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُ أوْ مَعَهُمَا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمَا، ولا تمرٌ بلا نَوى بما فيه نوى، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوى، ولبنٌ وَصُوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي صلى الله عليه وسلم، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإننا نسأل عن القواعد في الربا؛ لأن القواعد هي التي ترسخ في الذهن، وأما المسائل الفردية فهي عبارة عن تطبيق، فنقول: ما هي القاعدة فيما إذا بِيعَ الربوي بجنسه؟ طالب: إذا بِيعَ ربوي بجنسه اشتُرِطَ فيه شرطان. الشيخ: اشترط فيه شرطان، الشرط الأول؟ الطالب: التساوي بالمعيار الشرعي. الشيخ: نعم، والشرط الثاني الحلول والتقابُض. لو تساوى المكيلان وزنًا، هل يصح البيع؟ طالب: ما يصح البيع، لا بد أن (...) كيلًا بكيل. الشيخ: هذا معنى قولنا: بالمعيار الشرعي، إذن لا يُبَاع مكيل بجنسه وزنًا، بل لا بد أن يكون كيلًا. لو تساوى الموزون بجنسه كيلًا؟ طالب: لا يصح البيع. الشيخ: لماذا؟ الطالب: (...) المعيار الشرعي. الشيخ: لا بد أن يكون التساوي بالمعيار الشرعي. إذا بِيعَ جملٌ بثَوْر؟ طالب: ليس ربويًّا؛ لأنه ليس من جنسه. الشيخ: شاةٌ بشاة؟ الطالب: يجوز بشرط التقابض. الشيخ: والتساوي. الطالب: التساوي غير (...). الشيخ: ليش؟ وزن. طالب: يجوز يا شيخ، لا يُشْتَرَط فيه التساوي. الشيخ: والتقابض؟ الطالب: ولا التقابض. الشيخ: ولا التقابض؟ الجنس واحد، شاة بشاة. الطالب: لا يجري فيه الربا يا شيخ. الشيخ: لا يجري فيه الربا، نريد دليلًا وتعليلًا على هذه المسألة؟ طالب: الدليل حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يُجَهِّز جيشًا، قال: فَنَفدت الْإِبِلُ، فأمرني آخذ على (...) صَدَقَة. قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ . الشيخ: نعم، والبعيرين بالثلاثة إذا أُرِيدَ الصدقة، هذا الدليل، التعليل؟ طالب: التعليل أنه ليس بمطعومٍ ولا .. الشيخ: ليس بربوي. الطالب: نعم، ليس بربوي. الشيخ: تمام، إذن بِيعَ شيءٌ بشيء وليس بربويٍّ فإنه لا يُشْتَرَط فيه لا تقابُض ولا تساوٍ. حديدٌ برصاص، ويش اللي يجوز متفاضلًا أو متساويًا أو قبْض أو غير قبْض؟ طالب: يجوز متفاضلًا ويجوز (...). الشيخ: يجوز متفاضلًا، يعني رطلًا برطلين، ويجوز التفرق قبل القبض، لماذا؟ يعني أنت الآن نفيت عنه الربا؛ ربا الفضل وربا النسيئة، فلماذا؟ الطالب: لأنه (...). الشيخ: يعني لا يجري في الربا. طالب: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز التفرق. الشيخ: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز فيه التفرق قبل القبض، لماذا؟ الطالب: أما التفاضل فلاختلاف الجنس. الشيخ: نعم، أما جواز التفاضل فلاختلاف الجنس. الطالب: وأما عدم جواز التفرق لوجود العلة علة الربا. الشيخ: فلاتفاقهما في الوزن، وهي علة الربا، هل بنيت كلامك أو جوابك الأول على أصل، أو هي رمية من غير رامٍ؟ الطالب: على أصل. الشيخ: ما هو الأصل عندك؟ الطالب: (...). الشيخ: يعني ولا رأيت أحدًا من العلماء يقول كما قال الأخ؟ من؟ طالب: (...). الشيخ: مَن الذين قالوا بأنه يجري الربا في الحديد والرصاص والصُّفر وما أشبه ذلك؟ الطالب: بعض الذين يقيسون من أهل القياس، لكن الذين يقولون بعدمه.. الشيخ: إي نعم، بعدم الربا في هذه الأشياء، واللي يقولون بالربا؟ الطالب: بعض الجمهور، وبعضهم يقول: لا. الشيخ: بعض الجمهور!! العبارة هذه غريبة، ما هو رأي صاحب متن الزاد. الطالب: ربا. الشيخ: أنه يجري فيها الربا، أحسنت، إذن صار الجواب مبنيًّا على أصل. على كُلِّ حال الجواب: إذا بِيعَ حديد برصاص فإن قلنا بأن الربا لا يجري فيه، جاز فيه أيش؟ التفاضل والتفرق بالقبض، وإن قلنا: يجري فيه الربا، جاز فيه التفاضل لاختلاف الجنس، ولم يَجْرِ التفرق قبل القبض؛ لاتحادهما في علة الربا وهي الوزن، والصحيح -كما قلنا لكم- أنه لا يجري فيه الربا؛ إذ لا يجري الربا إلا في الذهب والفضة فقط، وأما بقية الموزونات من حديد ورصاص وغيرها فلا يجري فيها الربا.


الآن نأخذ مسائل تعتبر فرعًا على ما سبق، يقول رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بيع حَبٍّ بدقيقه). يعني حَب بُرّ بدقيق بُرّ لا يجوز؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن الحب بالطَّحن تنتشر أجزاؤه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو وزنًا. وقال بعض العلماء: إنه يجوز وزنًا؛ لأن الحب وإن انتشر بالطحن فإنه يمكن التساوي، بماذا؟ بالوزن، وهذا كما قالوا فيما إذا جُبِّن التمر، يعني صار تمرًا مرصوصًا يتعذر كيلُه فإنه يُعْتَبَر بالوزن، وإن كان لا ينتقل عن كونه مكيلًا في الأصل لكنه يُعْتَبَر بالوزن. كذلك لا يباع حبٌّ بسَوِيقه، الحب بالسَّوِيق، والسَّوِيق هو الحَب المحمَّص، يعني المحموس، ثم يُطْحَن، فلا يجوز بيع الحب بالسَّوِيق؛ لأن فيه شيئين: الأول: تفرُّق الأجزاء بالطحن. والثاني: اختلافها بالتحميص، فهي أشد من بيع الحب بالدقيق. ولا يُبَاع أيضًا نِيُّه بمطبوخه، مثل حنطة بهريسة، تعرفون الهريسة؟ معروفة، فلا يجوز أن يباع الْحَبّ بالهريسة. طالب: غير معروفة. الشيخ: الهريسة، هل تعرفون الْجَرِيش؟ معروف، ما بقي إلا أن يؤتَى به هنا وتأكلونه!! طالب: غير معروف. الشيخ: غير معروف أيضًا؟ لا هريسة ولا جريش؟ نقوله باللفظ: هو عبارة عن الحَب يُطْحَن طحنًا ليس دقيقًا بحيث يتكَسَّر ويكون أجزاء، ثم بعد ذلك يُطْبَخ على مَرَق من لحم أو غيره فيسمى جَرِيشًا، ويسمى هريسة، أحيانًا يُجْعَل فيه شيءٌ من الحلوى سكر أو نحوه حتى يكون له حلاوة. المهم أن النِّيّ بالمطبوخ لا يجوز، لماذا؟ لتعذُّر التساوي. لو بعنا حب شعير بهريسة الحنطة؟ طلبة: يجوز. الشيخ: يجوز، لماذا؟ الطلبة: لاختلاف الجنس. الشيخ: لاختلاف الجنس، بارك الله فيكم. ولا يباع (أصلُه بعصيره)، الأصل لا يباع بالعصير، كما لو كان إنسان عنده زيتون وزيت، الزيت من الزيتون، فباع زيتونًا، رطلًا من زيتون أو أكثر أو أقل برطلٍ من زيت، فإنه لا يصح، ومثله أن يبيع تمرًا بدِبْس، تعرفون الدِّبْس؟ الماء الذي يخرج من التمر، فإنه لا يجوز، وذلك لتعذُّر أيش؟ لتعذُّر التساوي. (وأصله بعصيره وخالصه بمشوبه)، الخالص هو الذي ليس معه خِلْط، والمشوب هو الذي خُلِط معه غيره، لماذا؟ لتعذر التساوي. رجل عنده صاعٌ من البُرِّ الخالص، وآخر عنده صاع من البُرّ المخلوط بشعير، فلا يجوز أن يُبَاع هذا بهذا لتعذُّر التساوي، إلا أنه يُسْتَثْنَى من ذلك الخِلْط اليسير، أو ما كان لإصلاح المخلوط. الخِلْط اليسير لا تكاد تجد بُرًّا خالصًا ليس فيه حبة شعير، قد يكون فيه حبة أو حبتان أو أكثر فهذا لا يضر؛ لأنه يسير تابع. وكذلك ما يكون لإصلاحه كما لو بعنا خبزًا من البُرّ بخبزٍ من البُرّ أحدهما قد جُعِل فيه حلوى، ولكن بِعناهما متساويين فلا بأس، أو أحدهما فيه ملح فلا بأس، فصار يُسْتَثْنَى من ذلك الشيء اليسير، والشيء الذي خُلِط للإصلاح فإنه يُسْتَثْنَى من قوله: (خالصه بمشوبه). ولا يباع (رطبه بيابسه). (رطبه) الضمير يعود على؟ طالب: الدقيق. الشيخ: لا، على الربوي، يعني: ولا يُبَاع رطبُ الربوي بيابسه، مثل أن يبيع رُطَبًا بتمر، التمر يابس والرُّطَبُ رَطْبٌ، فلا يجوز، حتى وإن تساويَا وزنًا؛ لأن الرُّطب أثقل من التمر، والذي أثقله من غير جنسه، فيكون مُحَرَّمًا، لكنه يُسْتَثْنَى من ذلك العرايَا. والعرايا هي أن يكون عند إنسان تمر من العام الماضي، وجاء الرُّطب هذا العام، وأراد أن يَتَفَكَّه بالرُّطب، لكنه ليس عنده دراهم، ليس عنده إلا أيش؟ تمر يابس من العام الماضي، فهنا رَخَّص الشرع بجواز شراء الرُّطَب بالتمر، وسُمِّيَت عرايا لعُرُوِّها عن الثمن، فيأتي هذا الرجل الفقير الذي عنده تمر من العام الماضي إلى صاحب البستان، ويقول: بِعني ثمر هذه النخلة الذي هو الآن رُطَب بالتمر، فهذا جائز؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن هذا الفقير يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس، وليس عنده دراهم، فيجوز أن يشتري الرُّطب على رؤوس النخل بماذا؟ بالتمر، لكن بشروط: الشرط الأول: ألَّا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر، فإن وَجد ما يشتري به سوى التمر، كالدراهم والثياب والحيوان، وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن يشتري رُطَبًا بتَمر. هذا الفقير عنده الآن تمر وعنده ثياب للبيع، فهل يجوز أن يشتري الرُّطب بالتمر مع إمكان شرائه بالثياب؟ لا؛ لأنه لا حاجة. الشرط الثاني: أن تكون من خمسة أوسُق فأقل، والوَسق ستون صاعًا، فتكون خمسة الأوسق ثلاث مئة صاع. والشرط الثالث: أن يكون مآل هذا الرُّطَب بقدر التمر، يعني أن يأتي الخَرَّاص الماهر العارف ويقول: هذا الرُّطَب إذا جَفَّ يكون مساويًا للتمر الذي اشتُرِيَ به. فإن قال: إن الرُّطَب إذا جف سيكون أكثر من هذا التمر أو أقل، فإنه لا يجوز، لا بد أن يكون مساويًا، وهنا اكتُفِيَ بالمساواة خَرْصًا من أجل دفع حاجة الفقير. الشرط الرابع: أن يكون محتاجًا للرُّطَب، بمعنى أنه يريد أن يأكله، لا يريد أن يُبقيه إلى أن يُتْمِر؛ لأنه قد يقول: أنا أريد أن أشتري الرُّطَب وأبقيه حتى يكون تمرًا؛ ليكون هذا التمر تمر هذا العام وهو أجَدُّ من تمر العام الماضي، يعني أنه جديد، فنقول: لا، لا بد أن تكون محتاجًا للرطب فتأكله. ولهذا قال العلماء: لو أنه اشترى عَرِيَّة رُطبًا ثم أتمرت بطل البيع؛ لأن الشرط الذي من أجله جاز هذا فُقِدَ. كم هذه الشروط؟ أربعة شروط. الخامس: أن يكون الرُّطَب على رؤوس النخل، فإن كانت في أوانٍ، بمعنى أن صاحب البستان خَرَف النخل، وجعله في أوانٍ وعرضه للبيع، فجاء إنسان فقير، قال: أنا ليس معي دراهم، لكن عندي تمر، اخْرِص هذا الإناء من الرُّطَب وأعطيك بمثل خَرْصِه تمرًا، فهذا لا يجوز؛ لأنه يفوت التَّفَكُّه؛ لأن كونه على رؤوس النخل يَتفكه به الإنسان شيئًا فشيئًا. فهذه خمسة شروط للعرايا. فإن قال قائل: كيف جازت العرايا وهي حرام من أجل الحاجة دون الضرورة، والقاعدة أن الْمُحَرَّم لا يجوز إلا للضرورة؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: ١١٩]؟ فهذا إيراد جيد لا شك فيه. الجواب: أن نرُده بالقاعدة المعروفة عند العلماء، وهو أن ما حُرِّم تحريم الوسائل جاز للحاجة؛ لأن المحرَّمات نوعان: محرَّمات تحريمَ غاية لذاتها، ومحرَّمات تحريم وسيلة. ربا الفضل، هل تحريمه تحريم غاية أو تحريم وسيلة؟ يقول العلماء: إنه تحريم وسيلة، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، وهذه الجملة جملة حصر، كأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة، فيقال: المراد بهذا الربا الربا الذي هو الغاية، أما ربا الوسيلة فموجود في التفاضل إذا بِيعَ الشيء الربوي بجنسه. إذن اندفع هذا الإيراد بأن تحريم ربا الفضل تحريمُ وسائل، وما كان تحريم وسائل فإنه يجوز للحاجة، هذا مثال. مثال آخر: الحرير، الحرير حرام على الذكور، ويجوز أن يلبسه الإنسان للحِكَّة، إذا كان في الإنسان حِكَّة؛ التهاب في جسده، جاز أن يلبسه ليخفف هذه الحِكَّة، مع أن هذه ما هي ضرورة، لكن جاز؛ لأن أصل تحريم الحرير على الذكور أنه غير لائق بهم، وأنه وسيلة إلى أن يكون الإنسان الذكر الذي فضَّله الله بالرجولة بمنزلة مَنْ؟ بمنزلة الأنثى التي تُنَشَّأ في الحِلْيَة، ولهذا حُرِّمَ الذهب والحرير على الذكور. مثال ثالث: آنية الفضة حرام، فإذا كان عند إنسان إناء من غير الفضة وانكسر، وأراد أن يلمّ بعضه إلى بعض بسلسلة من فضة فهذا جائز، مع أنه سوف يستعمل هذا الإناء وفيه شيء من الفضة، لكن يقال: يجوز للحاجة مع أنه في الأصل حرام؛ لأنه حُرِّم تحريم الوسائل؛ إذ إن الذهب والفضة استعمالهما في الأواني يؤدي إلى الفخر والخيلاء والاستكبار والتعاظم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . والخلاصة الآن: إن قول المؤلف: (لا يجوز بيع رطبه بيابسه) تُسْتَثْنَى منه العرايا، وهي بيع الرُّطَب على رؤوس النخل بالتمر بالشروط التي سمعتموها. فإن قال قائل: حاجة المشتري واضحة، يعني مُشْتَرٍ محتاج إلى رُطب فيشتري، لكن لو كان البائع محتاجًا لتمر وليس عنده مال إلا ما في رؤوس النخل من الرُّطَب، فهل يجوز أو لا؟ فاهمين الفرق بين الصورتين أو لا؟ الفرق بين الصورتين واضح، في العرايا التي ورد بها الحديث يكون المشتري هو المحتاج، محتاج لأيش؟ للرُّطَب. أقول: الآن إذا كان صاحب الرُّطَب هو المحتاج للتمر، فهل يجوز أن ندفع حاجته إذا لم يكن عنده دراهم، ونقول: لا بأس أن تشتري تمرًا برُطَب بالشروط التي ذكرناها؟ قال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن هذه الصورة مُسْتَثْنَاة، والمستثنى لا يُقَاس عليه غيره. وقال بعض أهل العلم: إنه يصح القياس؛ لأن المقصود دفع الحاجة. والأقرب عندي صحة ذلك، أنه لو كانت الحاجة لصاحب الرُّطَب فلا بأس؛ إذ إن المقصود دفع حاجة الإنسان فلا فرق بين كونه هو البائع أو المشتري. فإن قال قائل: وهل تجوز العرايا في غير النخل؟ كإنسان عنده زبيب وأراد أن يشتري به عنبًا يَتَفَكَّه به، فهل يجوز أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يجوز، قياسًا على التمر، والزبيب طعام كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال في زكاة الفطر: وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط . فهو طعام. فإذا احتاج الإنسان إلى عنب وليس عنده إلا زبيب فلا بأس بالشروط التي ذكرنا في العَرِيَّة، وهذا أيضًا أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن العلة التي من أجلها رُخِّص في عرايا النخل موجودة في عرايا أيش؟ العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس إلى التفكه به وليس عندهم مال. الدليل على منع بيع الرُّطَب بالتمر ..

تابع كتاب البيع : باب الربا والصرف

٠٠:٠٠:٠٤

يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه ،

٠٠:١٠:٥٧

يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه، ويجب فيه الحلول والقبض. ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا، ولا موزون بجنسه إلا وزنا، ولا بعضه ببعض جزافا.

ويجب فيه الحلول والقبض .

٠٠:١٥:٢٨

يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه، ويجب فيه الحلول والقبض. ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا، ولا موزون بجنسه إلا وزنا، ولا بعضه ببعض جزافا.

. ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا ، ولا موزون بجنسه إلا وزنا ،

٠٠:١٨:٤٢

يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه، ويجب فيه الحلول والقبض. ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا، ولا موزون بجنسه إلا وزنا، ولا بعضه ببعض جزافا.

ولا بعضه ببعض جزافا .

٠٠:٢٤:٣٩

يحرم ربا الفضل في مكيل وموزون بيع بجنسه، ويجب فيه الحلول والقبض. ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا، ولا موزون بجنسه إلا وزنا، ولا بعضه ببعض جزافا.

فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة .

٠٠:٢٧:٠٤

فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة. والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا كبر ونحوه، وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذا اللبن والشحم والكبد أجناس،

والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا كبر ونحوه ،

٠٠:٣٠:١٠

فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة. والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا كبر ونحوه، وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذا اللبن والشحم والكبد أجناس،

وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان ، واللحم أجناس باختلاف أصوله ،

٠٠:٣٤:٣٠

فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة. والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا كبر ونحوه، وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذا اللبن والشحم والكبد أجناس،

وكذا اللبن والشحم والكبد أجناس ،

٠٠:٤١:٥١

فإن اختلف الجنس جازت الثلاثة. والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا كبر ونحوه، وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان، واللحم أجناس باختلاف أصوله، وكذا اللبن والشحم والكبد أجناس،

ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه ، ويصح بغير جنسه .

٠٠:٤٤:٥٢

ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح بغير جنسه. ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه، ونيئه بمطبوخه، وأصله بعصير، وخالصه بمشوبه، ورطبه بيابسه.

ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه ، ونيئه بمطبوخه ، وأصله بعصير ، وخالصه بمشوبه ،

٠٠:٥٣:٠٠

ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح بغير جنسه. ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه، ونيئه بمطبوخه، وأصله بعصير، وخالصه بمشوبه، ورطبه بيابسه.

ورطبه بيابسه .

٠١:١٦:٤٦

ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، ويصح بغير جنسه. ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه، ونيئه بمطبوخه، وأصله بعصير، وخالصه بمشوبه، ورطبه بيابسه.