تجاوز إلى المحتوى

كتاب البيع (الشرح الأول) - ٤١

درس صوتي · ٩٠:٢٧

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الطالب: ولا يتبع الكافر في دينه إلا ببينة تشهد أنه وُلِد على فراشه، وإن اعترف بالرِّق مع سبْق مُنافٍ، أو قال: إنه كافر، لم يُقبل منه، وإن ادَّعاه جماعة قُدِّم ذو البينة، وإلا فمن ألحقته القافة به . الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبق لنا أنه لو أقر أحد بأن اللقيط ولده، فهل يُطالَب بالبينة أو يُكتفى بإقراره؟ طالب: يُكتفى بإقراره. الشيخ: يُكتفى بإقراره، علِّل؟ الطالب: محافظة على الإنسان.

الشيخ: محافظة على الإنسان، طيب إذا ادَّعاهُ رجل فالأمر ظاهِر، فإن ادعته امرأة؟ طالب: فإن ادعته امرأة ففيه الخلاف. الشيخ: ففيه خلاف، اذكر الخلاف.

الطالب: القول الأول أنه يُلحَق بها مُطلقًا، وهو رأي المؤلف. الشيخ: نعم، ويش معنى الإطلاق؟ الطالب: يعني سواء لها زوج أو ليس لها زوج. والقول الثاني أنه لا يُلحَق بها إطلاقًا؛ لأنها ما فيها فائدة؛ لأنه لا يمكن للمرأة هذا. والقول الثالث في التفصيل: إن كان لها زوج فلا يُلحق؛ لأن فيه عار على الزوج، وإن لم يكن فيلحق. الشيخ: تمام؛ لأنها تستفيد منه فيرثها وترثه. لكن يُشترط للإلحاق، ما الذي يشترط للإلحاق؟ طالب: (...). الشيخ: من ادعى أن هذا الرقيق ولده لحقه، لكن بشرط، فما هو الشرط؟ طالب: أن (...). الشيخ: طيب هذا واحد، ألا ينازعه أحد فيه، والثاني؟ طالب: ألا يكون هناك تهمة. الشيخ: ويش معنى تهمة؟ الطالب: يعني ألا يكون الإنسان يطمع في شيء. الشيخ: لا. الطالب: بأن (...) يراه (...). الشيخ: لا. طالب: أن يمكن إلحاقه به. الشيخ: أن يمكن إلحاقه به طيب، فإن اختل الشرط الأول، الأخ؟ طالب: أن يمكن إلحاقه.. الشيخ: الشرط الأول، يعني تنازع فيه اثنان.. طالب: يرجع للقافة.

الشيخ: يعرض على القافة، أحسنت، وسيأتي إن شاء الله أن من (...) لحقه، فإن لم يمكن إلحاقه به، أنت؟ طالب: إذا لم يمكن إلحاقه به ما هو له. الشيخ: فليس له، مثاله؟

طالب: مثلًا جاء الواحد وعمره اثنتا عشرة سنة، وقال: هذا اللقيط ولدي، وعمر اللقيط مثلًا أربع سنوات، والباقي لوالده ثمانية، وثماني سنوات ما يقدر حتى يولد منه؛ لأنه صغير. الشيخ: تمام، إذن نقول لهذا الذي ادعى أن اللقيط ولده؟ الطالب: ليس ولدك. الشيخ: ليس ولدًا لك؛ لأنه لا يمكن أن يُولَد لك ولك ثماني سنوات، تمام. المؤلف يقول: (إن كان ميتًا ورثه)، ماذا تقول في هذه العبارة؟ طالب: إذا كان (...). الشيخ: إذا كان ميتًا يعني يقول: ولو بعد موت اللقيط، فما رأيك بهذا القول؟ طالب: إذا كان اللقيط ميتًا، وجاء رجل ادعى أنه ابنه، أن اللقيط ابنه، فعلى رأي المؤلف نعطيه (...) التهمة. الشيخ: كل التهمة. طالب: إذا لم يجد تهمة فهو.. الشيخ: على كلام المؤلف؟ طالب: على كلام المؤلف نقبله. الشيخ: نقبله؟ الطالب: نعم.

الشيخ: ولو بعد موت اللقيط. الطالب: نعم. الشيخ: حتى وإن كان في التهمة؟ الطالب: لا. الشيخ: لا. طالب: إذا فيه تهمة لا.

الشيخ: طيب، الأخ؟ طالب: على قول المؤلف أننا نقبل كلامه حتى ولو كان في تهمة. الشيخ: حتى ولو كان فيه تهمة حرصًا على؟ طالب: على إلحاق النسب. الشيخ: على إلحاق النسب والمحافظة عليه، طيب القول الثاني؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم. طالب: القول الثاني (...). الشيخ: مطلقًا. طالب: إنه يلحق (...). الشيخ: طيب فإن كان تهمة؟ طالب: إن كان تهمة فإنه (...) به، ولا يرث. الشيخ: إي، يُلحق به ولا يرث. والقول الثاني: أنه لا يُلحق به مطلقًا، فإذا كان تهمة فالأقوال ثلاثة: قول: يُلحق به ويرث، وقول: لا يُلحق به ولا يُرث، وقول: يُلحق به ولا يرث. ثم قال المؤلف: (ولا يتبع الكافر في دينه إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه) (ولا يتبع) الضمير يعود على اللقيط. (الكافرَ في دينه إلا ببينة) يعني أنه إذا ادعاه كافر وقال: هذا ولدي. نقول: لك، هو ولدك، ينسب إليك، لكن لا يتبعك في الدين؛ لأن كل مولد يُولد على الفطرة، وأنت لم نتحقق أنه ولدك حتى نقول: أبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يُمجِّسانه. وعلى هذا فيتبع الكافر نسبًا ولا يتبعه دينًا، إلا ببينة تشهد أنه ولد على فراشه، فإذا أتى ببينة تشهد أنه وُلد على فراشه فإنه يتبعه في نسبه وفي دينه؛ لأنه ثبت أنه ولده. واستفدنا من قول المؤلف: (لا يتبع الكافر في دينه إلا ببينة) أن ولد الكافر يتبع الكافر في الدين، فإذا مات طفل أبواه كافران، فإن هذا الطفل كافر حكمًا في أحكام الدنيا؛ فلا يُغسَّل هذا الطفل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدْفَن مع المسلمين، لماذا؟ لأنه كافر حكمًا، أما في الآخرة فالصحيح أنهم يُمتحنون؛ أطفال الكفار. معنى يُمتحنون أن الله عز وجل يسألهم في الآخرة، ويُكلِّفهم بأشياء لا نعلمها، الله أعلم بها، فمنهم من يطيع، ومنهم من يعصي، فمن أطاع استحق ثواب المطيع، ومن عصى استحق عقاب العاصي. هذا هو أصح الأقوال في أطفال المشركين، وفيمن لم تبلغهم الدعوة من المكلفين الذين لم تبلغهم دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم من المكلفين، حكمهم في الدنيا أنهم كفار؛ لأنهم لا يدينون بالإسلام، وفي الآخرة يُمتحنون بما الله به عليم، ويُثابون على حسب ما امتُحنوا به. طيب، فإن وُجِد بينة تشهد أنه وُلِد على فراشه، ويكفي في البينة هنا امرأة واحدة؛ لأن الولادة مما لا يَطَّلع عليه غالبًا إلا النساء، فإذا جاءت امرأة ثقة قالت: أشهد أن هذا الطفل مولود على فراش هذا الرجل الكافر؛ حُكِم لهذا الكافر بأنه ولده، وتبعه في دينه، أما لو ادعاه الكافر على أنه ابنه، ولكنه ليس له بينة بأنه ولد على فراشه؛ فإنه يتبع الكافر نسبًا ولا يتبعه دينًا. قال: (وإن اعترف بالرِّق مع سبق منافٍ) (لم يقبل منه)، (إن اعترف) الضمير يعود على اللقيط؛ يعني هذا اللقيط كبر وميَّز، وقال: إنه رقيق لفلان، مملوك لفلان؛ فإنه ينظر إن سبق منه ما ينافي الرق؛ لم يُقبل منه، وإن لم يسبق منه ما ينافي الرق؛ فإنه يقبل. مثال ذلك: هذا اللقيط لما كبر وصار ممن يصح إقراره قال: أنا عبد لفلان من التجار، أو من الوزراء، أو من الأمراء، أو من السلاطين، المهم أنه ادعى أنه رقيق لهذا الشخص، فهل نقبل منه ونقول: هو رقيق لك أيها الرجل؟ من المعلوم أن الحرية والرق حق لله عز وجل فلا نقبل دعوى هذا الرجل أنه رقيق لفلان إلا ببينة، أما إذا لم يكن بينة فإن المؤلف رحمه الله فصَّل، قال: إن سبق منه ما يُنافي العبودية والرق؛ لم تقبل منه دعوى الرق، وإن لم يسبق قُبلت دعوى الرق، مثال ذلك إذا كان هذا الذي قال: أنا عبد فلان، كان بالأول يبيع، ويشتري، ويهب، ويستوهِب، ويقترض، ويُقرض، وربما يكون تزوج، كل هذه التصرفات تنافي أيش؟ الطلبة: تنافي الرق. الشيخ: تنافي الرق؛ لأن الرقيق ما يتصرف، فهذا الرجل تصرف تصرف الأحرار، ثم بعد ذلك يجي ويقول: أنا عبد فلان، هذا لا نقبل منه، لماذا؟ لأن إقراره تكذبه حاله السابقة، فهو نفسه يكذب نفسه، كيف بالأمس تتصرف تصرف الأحرار من بيع وشراء، وإيجارة واستئجار، وارتهان ورهن، واستهاب وهبة، وتزوج أيضًا، ثم تيجي اليوم تقول: والله أنا عبد لفلان؟! لو كنت صادقًا في دعواك أنك عبد فلان ما تصرفت التصرف الذي لا يتصرفه إلا الحر، فإقرارك هذا ينافي حالك سابقًا، فلا نقبل منك، أما لو كان هذا الذي ادعى أقر بأنه رقيق فلان لم يسبق منه ما ينافي الرق، كان حاله بالأول يأكل ويشرب، ولا يبيع ولا يبتاع، ولا يرتهن ولا يرهن؛ فإننا نقبل منه دعوى الرق، ونقول: أنت رقيق فلان، هذا إذا لم يكن بينة، ولكن المذهب في هذه المسألة أصح مما ذهب إليه المؤلف، المذهب يقول: لا يُقبَل منه دعوى الرق سواءٌ حصل منه سبق منافٍ للرق أم لم يحصل. وقالوا: لأن الحرية والرق حق لله؛ فالحر لا يملك أن يجعل نفسه رقيقًا، والرقيق لا يملك أن يجعل نفسه حُرًّا فلا تُقبل دعواه الرق سواء حصل منه ما يُنافي ذلك أم لم يحصل. كذلك إذا قال: إنه كافر، إذا قال هذا اللقيط: إنه كافر؛ فإننا لا نقبل منه، ما دمنا حكمنا بإسلامه؛ فهو مسلم، فإذا قال: إنه كافر؛ حكمنا عليه بالردة، لكن لو قبلنا أنه كافر؛ لم نحكم عليه بالردة، وأبقيناه على دينه، وأما إذا قلنا: لا نقبل قوله إنه كافر؛ فإننا نحكم له بالردة، ونقول: إما أن تسلم وإما السيف، فهذا معنى قوله: (أو قال: إنه كافر، لم يقبل). طيب إن قُبِل، فما الحكم؟ لو قدرنا أنه يُقبل، ما الحكم؟ أنه يبقى على دينه؛ لأن الكافر لا يُجبر على أن يُسلم، لكن إذا قلنا: لا يُقبَل فإننا نستتيبه، فإن تاب وإلا قُتل مُرتدًّا. قال: (وإن ادَّعاه جماعة) (ادَّعاه) الضمير يعود على مَنْ؟ على اللقيط. (ادعاه جماعة قُدِّم ذو البينة) أي صاحب البينة، يعني هذا اللقيط، جاءنا رجلان كل واحد منهما يدعي أنه ابنه، كل واحد يقول: هذا ابني، فمن نُقدِّم؟ نقدم من له بينة، والمراد بالبينة ما بان به الحق بأي وسيلة. وقد استعمل سليمان عليه الصلاة والسلام بينة عجيبة؛ خرجت امرأتان بابنيهما إلى الخلاء، فأكل الذئب ولد الكبرى، ثم رجعتا تتنازعان في ولد الصغرى، الكبرى تقول: هذا ولدي، والصغرى تقول: هذا ولدي، فتحاكمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام، فرأى داود أن يقضي له بالكبرى، ولعل من أسباب الحكم أنه رأى أن الكبرى في حاجة للولد، وأن الصغرى في مستقبل العمر والزمان أمامها، يمكن تلد بعد سنة أو سنتين، فحكم به للكبرى، فخرجتا من عنده فأتتا على سليمان، وأخبرتاه بالحكم أن داود حكم به للكبرى فقال: لا، الحكم عندي، فدعا بالسكين فقال: أشقه بينكما نصفين نصف للصغيرة ونصف للكبيرة، فرحَّبت الكبيرة بهذا الحكم، ليش؟ الطلبة: ليس ولدها. الشيخ: لأنها تقول: خليه يموت، ما دام ولدي يأكله الذئب، خلِّ هذا أيضًا يموت، ما يهم، ولكن الصغرى أبَتْ، وقالت: هو لها يا نبي الله. فحكم به للصغرى ليش؟ لأن هنا بينة ظاهرة، الصغرى أشفقت عليه، وقالت: يبقى حيًّا، ولو كان ليس عندي، والكبرى قالت: يموت، لو كانت الكبرى أمه حقًّا ما طلبت أن يشق بالسكين، قضى به للصغرى .

فمثلًا هنا إذا تنازع اثنان في اللقيط نقول: إن كان هناك بينة تقول: إن هذا اللقيط لفلان وُلِد على فراشه أو ما أشبه ذلك فهو له، وإن لم يكن بينة يقول المؤلف: عُرض على القافة (فمن ألحقته القافة به فهو له)، القافة جمع (قائِف)، كالصاغة جمع (صائغ)، والباعة جمع (بائع)، من القافة؟ القافة قوم يعرفون النسب بالشبه، وعندهم تجربة يعرفون أن هذا ولد فلان، وإن لم يعلموا بذلك من حيث النسب؛ ولهذا سُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم سرورًا بالغًا لما مر مُجزِّز المدلجي بأسامة بن زيد وزيد بن حارثة، وكان عليهما رداء وقد بدت أقدامهما، فقال مجزز: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة مسرورًا تبرُق أسارير وجهه .

وذلك لأن قريشًا اتهموا زيد بن حارثة بأن أسامة وهو أبيض ابن له وهو أسود، وقالوا: ما يمكن هذا، كيف يجي أبيض من أسود؟ هذا -والعياذ بالله- عرَّضوا به بأنه ولد زنا، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يهمه هذا الشيء، فكان شهادة مجزز المدلجي -وهو قائف مشهور- مما أدخل السرور على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن القافة قوم يعرفون النسب بالشبه، بالأقدام، بالأطراف، بأي شيء كان، يعرفونه، هؤلاء يؤخذ بقولهم بشرط أن يكون مجربًا بالإصابة، فأما إذا كان غير مجرب بالإصابة فإننا لا نثق به، لكن إذا عُرف وجُرِّب بالإصابة فإنه يُعمل به في باب النسب. في باب الميراث نقول: الميراث تبع للنسب، إذا ثبت النسب ثبت الميراث، فإذا عُرِض على القافة وقالت القافة: هو ولد فلان، يكون ولدًا له، وتسقط دعوى الآخرين، وإن قالت: هو لهما للمدعيين صار ولدًا لهما، وإن قالت: هو ولد للثلاثة صار ولدًا للثلاثة فيكون الابن هذا له؟ الطلبة: ثلاثة آباء. الشيخ: ثلاثة آباء، هذا ما قرره الفقهاء رحمهم الله، ولكن لا أدري هل الطب يؤيد هذا أم لا؟ يعني هل يؤيد الطب أن يُولَد ولد من ثلاث نطف؟ هذا يحتاج إلى بحث، لكن كلام الفقهاء يقولون: إن هذا جائز؛ يعني يجوز أن يُخلَق الولد من ماء رجلين فأكثر. إذا ألحقاه برجلين، ومات عنهما وعن ابن؛ يعني هذا اللقيط وُلِد له ابن، فمات عنهما وعن الابن، فكيف نُوزِّع ميراث هذا الميت؟ طالب: يشتركان. الشيخ: للأبوين السدس، ولَّا لكل واحد منهما السدس؟ طالب: يشتركان. الشيخ: يشتركان، لهما سدس واحد، والباقي للابن؛ يعني يرثانِ ميراث أب واحد، ويرثهما ميراث ابنين، يعني لو مات كل واحد منهما عن ابن صار لهذا الابن نصف ميراث كل واحد، يعني هذان الرجلان اللذان أُلحِق بهما مات أحدهما عن ابن، وعن هذا الابن الموصوف. والثاني مات عن ابن، وهذا الابن الموصوف يرِث من الأول نصف ما ترك مع أخيه، ويرث من الثاني نصف ما ترك مع أخيه، فهو يرثهما ميراث ابنين، وهما يرثانِ ميراث أب واحد. كيف يودع هذا الابن؟ طالب: (...). الشيخ: ويش قال؟ مثلًا إذا قدرنا أحد الأبوين عبد الله، والثاني عبد الرحمن، وهذا محمد. الطلبة: محمد بن عبد الله، وعبد الرحمن. الشيخ: محمد بن عبد الله وعبد الرحمن إي نعم، ولا نقول: محمد بن عبد الله عبد الرحمن؛ خصوصًا بالوقت الأخير صار الناس يُسقطون (ابن) في النسبة، يقولون: محمد عبد الرحمن يعني محمد بن عبد الرحمن، فإذا جعلنا الأب مركبًا، وقلنا: محمد عبد الله عبد الرحمن لفهم الناس أن عبد الرحمن جد له. إذن نقول: محمد بن عبد الله، وعبد الرحمن بالواو الدالة على الجمع. طيب ما يمكن النحت؟ يعني معناه نأخذ اسم واحد من الاسمين جميعًا؟ الطلبة: الظاهر عبد الرحمن ما يمكن. الشيخ: الظاهر عبد الرحمن ما يمكن، لكن مثلًا إذا صار خالد وعلي؟ طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: خال علي. الشيخ: لا، كيف نسميه؟ خال علي، محمد خال علي، ولَّا خد علي؟ عاد الآن يضيع نسبه؛ لأن ما يوجد أحد اسمه خد علي، ولا خال علي. إذن لا بد أن يذكر اسمان جميعًا بدون نحت، لكن -كما قلت لكم- هذا أمْر يرجع إلى البحث في الطب الحديث، هل هذا ممكن، أو هي من المسائل الفرضية التي يفرضها الفقهاء وإن لم تكن واقعة؟

طالب: شيخ، ذكرنا أن أبناء الكفار يُمتحنون في الآخرة.. الشيخ: نعم. طالب: أليس شيخنا أن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء؟ الشيخ: بلى، لكن الآخرة فيها امتحان: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢] فيها امتحان، لكن الأصل أن دار العمل هي الدنيا. طالب: لو قلنا: إن الولد هذا (...)، ولو قلنا: الولد للفراش وللعاهر الحجر؟ الشيخ: لا، كلهم ما هم بذوي الفراش، ما ثبت أنهم من ذوي الفراش؛ لأن هذا لقيط ما يعرف منين، وُجِد في السوق، ما هو في فراش زيد، ولا في فراش عمرو.

طالب: شيخ، إذا كان (...)؟ الشيخ: ما يمكن يصير ولد امرأتين. الطالب: لا، بالنسبة.. الشيخ: ولد أبوين يمكن، لكن ولد له أمان ما يصير. الطالب: إذا كان على القول الثالث، إحنا قلنا: إذا كانت ليس لها زوج. الشيخ: يعني المرأة التي تستلحقه؟ الطالب: إي نعم، كيف ينسب لها؟ الشيخ: نعم، يُنسب لها، إذا كان يُنسب للأم وله أب، عبد الله بن أبي ابن سلول يُنسب إلى أمه، عبد الله بن مالك ابن بحينة، بحينة أمه، يُنسب، فإذا كان ليس له أب نُسب إلى أمه بكل سهولة؛ لأن الأم هنا تكون أُمًّا أبًا.

طالب: الذي له أولاد يا شيخ وهو لا يصلي، وأمه مثلًا نصرانية، إذا مات أولاده يُصلى عليهم، وكان يصلي في (...)، أولاده؟ الشيخ: لكن هل الأولاد نشؤوا في حال ردته ولَّا من قبل؟

طالب: نشؤوا (...). الشيخ: ها دول مسلمون، الأولاد مسلمون، ما دام نشؤوا في حال إسلام فهم مسلمون.

طالب: شيخ، قلنا: إن البينة للمرأة؛ لأن النساء هن اللي يطلعن غالبًا على هذه الأمور، الآن العكس ما يطلع أبدًا عن الواقع.. الشيخ: لا، الآن يبقى لها النسب. طالب: الآن المستشفيات.. الشيخ: المستشفيات إي، المستشفيات نسب. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ الطلبة: (...). الشيخ: لا، هو يختلف في الحقيقة، يختلف، هذا باختلاف، قد يكون مثلًا هذا البلد ما فيه مولد إلا رجل، وقد يكون ما فيه المولدات الإناث، مثلًا إذا قدرنا أنه ما فيه إلا رجال يُحكم بشهادة الرجل. طالب: (...).

الشيخ: اللي هو أيش؟ الطالب: دعا عليها. الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه إذا دعا عليها بالتقبيح وهي مُستحِقَّة لذلك؛ لأن هذا ليس من فعله فإن الله قد يستجيب له وقد لا يستجيب، لكن إذا قبح هو هذا من فعله. طالب: أحسن الله إليك، وكيف يكون الولد لرجلين مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ» . والماء هنا (...) وليس المراد كل الماء. الشيخ: كيف؟

الطالب: أقول: كيف يكون الولد لرجلين مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ» ؟ الشيخ: صحيح، ما فيه إشكال هذا، إن الإنسان قد يجامِع أهله ويأتي منه الماء ولا يصير ولد، يعني ليس من كل ماء يكون ولد. الطالب: لكن يا شيخ، الفرق بين ليس من كل ماء ومن كل الماء؛ لأن الماء هنا معرفة؟ الشيخ: كل واحد، من كل الماء معروفة، الماء اللي هو مَنِيُّ الرجل، ليس من كل الماء يكون الولد.

طالب: شيخ، من وجد لقيطًا في الديرة (...)، كل مثلًا أبيض، وواحد في هذه الديرة أسود يعني من الحبشة، وهذا لقيط (...) مع هذا؟ الشيخ: مع الحبشي؟ الطالب: إي، وهما يعترفان هذا، ليس لي يعني يخاف (...).

الشيخ: يعني إذا كان ليس في البلد إلا هذا الرجل الأسود، واللقيط أسود، حبشي أو غير حبشي، المهم أنه أسود. طالب: (...) أبيض وواحد اللي حبشي. الشيخ: كل أهل البلد بيض، وفيها رجل أسود، واللقيط؟ الطالب: ما له شبيه. الشيخ: أسود يعني؟ الطالب: إي. الشيخ: طيب وادعى هذا الأسود أن هذا اللقيط ولده، كذا؟ طالب: إي. الشيخ: ولم يدعه أحد من البيض، ما ادعاه أحد من البيض؟ الطالب: ما ادعاه أحد. الشيخ: هذا ما فيه شيء، حتى لو ادعاه أحد من البيض وهو ما ادعاه أحد فهو له، إذا لم يدعه إلا واحد. طالب: يقول: إن الأسود هذا ينفي أنه ولده هو يشبهه، هو قريب منه. الشيخ: الآن الأسود يدعي أنه ولده ولا ينفي أنه ولده؟ الطالب: لا هو ينفي ما هو ولده. الشيخ: نعم، والبيض ما ادعوه؟ الطالب: هو بينفي. الشيخ: ينفي أيضًا، إذن معناه ما له نسب الآن. الطالب: يمكن نسبه يذهب بالبينة هذه (...). الشيخ: ألم تعلم أن رجلًا أعرابيًّا؟ الطالب: إي علمت بـ.. الشيخ: علمت به؟ طالب: إي. الشيخ: طيب، إذا علمت به ما فيه إشكال.


طالب: ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه، كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة وأذن في الدفن فيها، وصريحه: وقَّفْت وحبَّسْت وسبَّلْت، وكنايته تصدقت وحرَّمْت وأبَّدْت، فتشترط النية مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو حكم الوقف. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبق لنا في الدرس الماضي أن اللقيط لا يتبع الكافر في دينه وإن تبعه في النسب، لماذا؟ طالب: لأننا لم نتيقن أن هذا وُلد على فراش هذا الكافر، وإذا لم نتيقن فنتيقن أن الأصل أن «كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» . (...). الشيخ: لأنه لا يتبعه في دينه إلا إذا ثبت أنه وُلِد على فراشه، وإلا فالأصل أنه مسلم، اللَّقِيط؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» طيب، لماذا أتبعناه في النسب؟ طالب: أتبعناه في النسب حفظًا للأنساب. الشيخ: حفظًا للأنساب؛ لأن الشارع يتطلع إلى ثبوت الأنساب وعدم إهدارها. طيب إذا قال للقيط: إنه رقيق، فهل يُقبل منه أو لا؟ طالب: فيه تفصيل؛ بعضهم يقولون: لا.. الشيخ: إذن فيه خلاف ما دام قلت: بعضهم يعني فيه خلاف. الطالب: إي، فيه خلاف، بعضهم يقول: هذا الحكم يتعلق بالله تبارك وتعالى؛ لأن الرق والحر والكافر والمسلم هذا في حُكم الله، لا تحت أمره، أنا رقيق ولا أنا حر ولا عبد، وبعضهم (...) والثاني (...)؛ لأنه فعله منافيًا للحرية الذي شرع وهذا.. الشيخ: يعني فيه قولان إذن؟ الطالب: إي. الشيخ: قول يقول: إنه لا يُقبل منه مطلقًا؛ لأن الحرية لله عز وجل، وبعضهم يقول: إن سبق منافٍ لهذه الدعوة فإنه لا يُقبل، وإن لم يسبق منافٍ فإنه يُقبل طيب، مثال المنافي؟

طالب: من ادعى أنه رقيق، ثم وجدنا أنه كان يبع ويشتري ويهب ويتصدق.. الشيخ: يعني لو ادعى أنه رقيق بعد أن كان حُرًّا، يعني يملك نفسه، ويبيع ويشتري، ويهب ويستوهب، ثم بعد ذلك قال: إنه رقيق لفلان. الطالب: فإنا لا نقبله. الشيخ: فإنا لا نقبله، لماذا؟ الطالب: (...). الشيخ: نعم. طالب: لأنه سبق ما ينافي الرق. الشيخ: إي نعم؛ لأن فعله السابق يكذب إقراره اللاحق. طيب ادعى جماعة هذا اللقيط، كل واحد منهم يقول: هو لي، ما تقول؟ طالب: ادعى.. الشيخ: اللقيط ادَّعاه رجلان، كل واحد يقول: هذا ابني؟ الطالب: يُقدَّم صاحب البينة. الشيخ: أحسنت، يُقدَّم صاحب البينة، فإذا أتى أحدهما ببينة تشهد أنه وُلِدَ على فراشه فهو ولده. طيب إذا لم يكن بينة؟ طالب: يُنظر إلى صحة القافة (...). الشيخ: يُرجَع إلى القافة فما ألحقته به فهو له. طيب لو ألحقته باثنين؟ طالب: الفقهاء يقولون: إنه ممكن هذا. الشيخ: أنه يمكن؟ الطالب: صحيح.

الشيخ: ويلحق بهما فيكون له أبوان. الطالب: نعم. الشيخ: طيب إذا كان له أبوانِ، هل يرثانه ميراث أب واحد أو ميراث أبوين؟ طالب: ميراث أب واحد. الشيخ: وهل يرثه ميراث ابن واحد أو ميراث ابنين؟ الطالب: ميراث ابنين. الشيخ: سبحان الله!! يرثانه ميراث أب ويرثهما ميراث ابنين؟! طيب هات مثال للأول؟ الطالب: (...) يعني ابن وأبوين. الشيخ: يعني أم وأب؟ الطالب: لا، أبوين لا. الشيخ: أبوين حقيقيين؟ الطالب: للأب السدس والابن الباقي. الشيخ: يعني هلك هذا اللقيط عن ابن، وعن أبويه اللذين ادعيناه، نقول: لهما السدس ولابنه الباقي. طيب، هلك الأبوانِ كل واحد منهما عن ابنٍ، وهذا اللقيط؟ طالب: يرث منهما فيرث النصف من كل واحد منهما. الشيخ: يرث النصف مع أخيه من كل واحد منهما. طيب، نحن ذكرنا في آخر الكلام أن الفقهاء قالوا بهذا، وأن في النفس شيئًا من هذا القول أن يُخلق حمْل من رجلين، ولكني رأيت ابن القيم رحمه الله قال: إنه صح عن عمر رضي الله عنه أنه ألحقه بأبوين . وكذلك رُوي عن علي بن أبي طالب، وأخذ به الإمام أحمد. وقال ابن القيم: إن هذا ليس ببعيد أن يخلقه الله عز وجل من ماءين، كما أن الله تعالى يخلقه من أبيه وأمه فلا مانع من أن يخلقه من أبوين. قال: وهذا الذي صح عن عمر، أقره الصحابة عليه، ولم ينكر أحد منهم ذلك، وأخذ به إمام أهل السنة. وعلى هذا فنحن نتبع هذا القول بناءً على الآثار الواردة عن الصحابة، وإن كان الشافعي رحمه الله يرى أنه لا يمكن أن يُلحق بأبوين، لا يُمكن أن يُلحق بهما، وكذلك بعض الأطباء في العصر الحاضر قالوا: هذا لا يُمكن. ولكن إذا جاءت الآثار عن الصحابة لا سيما أن الذي رُوِي عن عمر قضيتان؛ قضية أن الولد كان يشبههما جميعًا، فإذا كان الولد يشبههما جميعًا فلا شك أنه مخلوق من مائهما، حتى وإن أنكر الطب هذا فلا عبرة به؛ لأن هذا الشبه لا بد أن يكون بأثر كل من الأبوين.

أما إذا لم يكن شبه فإن الأثر الثاني عن عمر أيضًا يدل على أنه يُلحق بهما ما دامت القافة ألحقته بهما؛ لأن القافة عندها دقة وحذق في هذا الأمر تُدرِك من الشبه ما لا يدركه غيرها؛ فالآن الشبه قد يكون ظاهرًا بيِّنًا لكل أحد. كل من رأى هذا اللقيط قال: فيه شبه من فلان ومن فلان، فهذا لا شك أنه يُلحق بهما وإن كذب الطب هذا؛ لأن الوارد عن الصحابة مع وجود الآية الكونية التي تشهد لصحة هذا يُلغِي قول الأطباء، أما إذا كان لا يُشبههما وهو النوع الثاني من الشبه الخفي الذي لا يُدركه إلا أهل الخبرة، وهم مَنْ؟ الطلبة: القافة. الشيخ: وهم القافة، فهذا محل نظر، لكن أرى أن الأفضل اتباع ما جاء عن السلف، فما دام صح عن عمر أنه ألحق الولد بأبوين بقول القافة فليكن معتبرًا. وقد أيد ذلك ابن القيم رحمه الله أنه يُلحق بأبوين، أيده في كتابه زاد المعاد.

مدخل

٠٠:٣٩:٤٣

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الوقف) الوقف مصدر (وقف يقف وقفًا)، ويقال: وَقَفَ أي توقَّف عن المشي، ومصدره: وقوف. وقف اللازم الذي بمعنى توقف عن المشي، مصدره وقوف، كقعد قُعودًا، قال ابن مالك:

وَ(فَعَلَ) اللَّازِمُ مِثْلُ (قَعَدَا)

لَهُ (فُعُولٌ) بِاطِّرَادٍ كـ(غَدَا)

له فعول، فوقف من الوقوف اللي ضد المشي، مصدره: وقوف، ووقف المتعدي الذي بمعنى أوقف الشيء، مصدره: وقفًا، مثل (مَنَعَ يَمْنَعُ منعًا)، شوف وقوف الآن مصدر وقف اللازم، وجمع وقْف من المتعدي، إذا صار الإنسان عنده مثلًا عشر دور، يقال: هذه وُقوف فلان جمع (وقْف)، لكن إذا قلت: وقَف يعني عن المشي تقول في المصدر: وُقُوف. على كل حال نقول: الوَقْف مصدر وَقَف اللازم أو المتعدي؟ طالب: اللازم. طالب آخر: المتعدي. الشيخ: لا إله إلا الله!! وقف باب الوَقْف مصدر وَقَف اللازم ولَّا المتعدي؟ الطلبة: المتعدي. الشيخ: المتعدي إي نعم، وَقَفَه أي أوقفه. طيب هو مأخوذ من الإيقاف، أوقف الشيء يعني مَنَعَهُ من التحرك. لكن في الاصطلاح قال: (هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة) هذا الوقْف، تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة. (الأصل) يعني العَيْن. (المنفعة) منفعة العين، تحبيسه عن أي شيء؟ تحبيسها عن التصرف، يعني يُحبِّسها فلا يُتصرف فيها لا ببيع ولا هبة، ولا ميراث ولا غير ذلك، يُحبِّسها. تسبيل المنفعة يعني إطلاقها، يُطلِق المنفعة، يجعل المنتفع حُرًّا طليقًا، يفعل ما يشاء، ولنضرب لهذا مثلًا، قال رجل: بيتي هذا وقْف، البيت نسميه أصلًا، هو الأصل، سكنى البيت منفعة، سكنى البيت يجوز أن يسكنها من وُقِّف عليه البيت بنفسه، ويجوز أن يمنحها لشخص، ويجوز أن يؤجرها وتأجير المنفعة كبيعها، فالآن المنفعة مطلقة ولَّا لا؟ مُطلقة مُسبَّلة، والأصل محبوس، فإذا قلت: وقَّفْت داري على فلان، صارت الدار أصلها محبوس، لا يمكن لفلان أن يبيعها، ولا يمكنه أن يرهنها، ولا يمكن أن يهبها، ولا تُورث بعده، لكن منفعتها أيش؟ له مُسبَّلة مطلقة، إن شاء سكن، وإن شاء آجرها، وإن شاء رهن المنفعة، وإن شاء تركها، لا ينتفع بها لا بسكنى ولا بتأجير ولا بغيره؛ لأنه حُرٌّ فيها، واضح؟ طيب وهنا نسأل: هل الوقْف مما حدث في الإسلام أو كان معروفًا في الجاهلية؟ الجواب: الأول، الوقْف من الأمور الحادِثة في الإسلام التي لا تُعرف في الجاهلية، ولهذا يقال: إن أول وقْف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بعد فتح خيبر، فإن عمر رضي الله عنه أصاب أرضًا في خيبر؛ لأن خيبر نصفان، بعضها قُسِّم، أصاب أرضًا في خيبر، وكانت من أنفس أمواله عنده وأحب أمواله إليه، والصحابة رضي الله عنهم ليسوا مثلنا، كلما كان المال أنفس تمسكنا به أكثر (...). الصحابة كلما كان المال أنفس بذلوه لله، فكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدَّق به، يتأول قول الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]. وأبو طلحة رضي الله عنه لما أنزل الله هذه الآية: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن الله أنزل: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَوإن أحب مالي إليَّ بيرحاء. اسم نخل مستقبلة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكان فيها ماء عذب طيب يأتي إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيشرب منه، وهذا المال الذي يأتي إليه الرسول ويشرب منه لا بد أن يكون أغلى شيء عند الصحابة؛ لأنه أين الرجل الذي يأتي الرسول إلى بستانه ويشرب منه؟ من يحصل هذا؟ فكان أغلى شيء عنده هذا المال. وإني يا رسول الله أتركها، فضعها حيث شئت، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ». صحيح هذا الربح. ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» .

شوف فضل صلة القرابة ما قال في الفقراء والمساكين، قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فجعلها في قرابته وبني عمه. الشاهد من هذا أن عمر رضي الله عنه لما أصاب هذه الأرض في خيبر، وكانت أحب إليه وأنْفَس مال عنده جاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم، يستشيره لسببين: الأول: سداد رأي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنه أرجح الناس عقلًا وأسدهم رأيًا، والثاني: التشريع؛ لأنه لا يستطيع أن يشرع، فاستشارته تتضمن الأمرين: الاستنارة برأيه، والثاني: الاهتداء بشرعه، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَبِّسْ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا» . يعني امنع أصلها لا يُباع، واجعل ثمرتها صدقة. ففعل عمر وتصدق بها في الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، والضعيف، تصدَّق بها في مصالح الخير، فكان هذا أول وقْف في الإسلام. السؤال الثاني: هل الوقْف سُنَّة، أو جائز، أو واجِب، أو مُحرَّم؟ طالب: جائز. الشيخ: نقول: الأصل فيه الجواز، لكن إذا وقف للخير صار مُستحبًّا، ولا يجب إلا إذا نذره الإنسان، إذا نذر أن يُوقِف هذا الشيء لطلبة العلم مثلًا، هذا البيت لطلبة العلم، قال: لله عليَّ نذر أن أُوقِف هذا البيت لطلبة العلم؛ وجب عليه؛ لأن ذلك من الطاعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . فالأصل فيه الحل، ويكون مستحبًّا إذا كان فيه طرق الخير، ويكون واجبًا بماذا؟ بالنذر، ويكون حرامًا إذا اشتمل على مُحرَّم، في مآله، أو في توزيعه، فمثلًا إذا وَقَّف على بعض ولده دون بعض صار حرامًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» .

إذا وقَّفَه على شيء مُحرَّم قال: هذا وقف على أهل الطبول، فيه ناس مثلًا يطلعون كل ليلة اثنين أو أحد للبَر، يضربون الطبول ويسهرون بالأغاني، قال: هذا وقْف على أهل الطبول والأغاني، يكون حلالًا ولَّا حرامًا؟ الطلبة: حرام. الشيخ: حرام، وإذا كان الشيء حرامًا فهو غير نافذ شرعًا، يجب إبطاله شرعًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . إذن الوقف قد يكون حرامًا. والمؤلف رحمه الله لم يُبيِّن حكمه لعل ذلك استنادًا إلى ما هو معروف، وهو أن الأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على تحريمه. أخذنا الآن ثلاثة أمور بل أربعة: تعريف الوقْف لغة، وتعريفه اصطلاحًا، وهل هو مما جاء به الإسلام أو مما كان معروفًا بالجاهلية. والثالث ما هو؟ الطلبة: (...). الشيخ: ما هو أول وَقْف في الإسلام؟ والرابع: الحكم. طيب الحكم التكليفي عرفناه، أما الحكم الوضعي قال: (ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه) بَيَّن المؤلف في هذا الكلام صيغة الوقف؛ أنه يكون بالقول وبالفعل الدالِّ عليه؛ يعني أنه ينعقد إما بالقول بأن يقول: وقَّفْت داري مثلًا، وقَّفْت سيارتي، وما أشبه ذلك، أو بالفعل الدال عليه؛ الفعل لا بد أن يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد الوقف، مثاله: قال: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه). رجل حوَّش أرضًا، وجعل بعضها مسقفًا وبعضها مفتوحًا، ووضع فيها منارة، وأذِن للناس أن يصلوا، نقول: الآن صارت هذه الأرض وقفًا، هو ما قال: وقَّفْت الأرض، ما قال هذا أبدًا، ولكن نقول: حصل الوقف بماذا؟ بالفعل الدال عليه، فإن تسْوير الأرض، ووضع المنارة، وتسقيف بعضها، وفتحها للناس، يصلون بها قرينة ظاهرة قوية جدًّا على أنه أراد أن تكون مسجدًا، فتكون هذه الأرض مسجدًا، ولا يمكنه أن يتصرف فيها بعد ذلك لا ببيع ولا غيره؛ لأنها خرجت عن ملكه. كذلك إذا جعلها مقبرة، وأذن للناس بالدفن فيها سوَّر أرضه وفتحها، وقال للناس: من أراد أن يدفن في الأرض فليدفن، ولما دُفِن قبر أو قبران رجع، قال: هوَّنْت، الأراضي زادت قيمتها وهي في محل استراتيجي. يا رجل، أنت أذنت للناس بالدفن فيها، ودُفن فيها من دُفن؟! قال: أما من دُفِن فلا ننبشه، وأما ما بقي ما الأرض فهي لي، ماذا نقول له؟ الطلبة: ليست له. الشيخ: نقول: ليست لك؛ لأنك سوَّرتها بسور واحد، وأذِنت للناس في الدفن فيها، ومن المعلوم أن الناس لن يدفنوا فيها جميعًا في يوم واحد، فإذن الأرض خرجتْ عن ملكك وهي وقْف، ولا يمكن أن ترجع فيها. طيب إذا قال: هل أنا وقفتها؟ هاتوا ثبوت أني وقفتها؟ ماذا نقول له؟ نقول: أنت لم تُوقفها باللفظ، ولكن بالفعل الدال عليه. إذن الوقْف له صيغتان ينعقد بهما: صيغة قولية، وصيغة فعلية، لكن الصيغة الفِعلية لا بد فيها من قرينة ظاهرة تدل على أنه أوقفها، لو أن رجلًا عنده أرض وهي بين شارعين، أرض بين شارعين، فجعل الناس بدلًا من أن يذهبوا مع الشوارع يستطرقون هذه الأرض وهو ساكت، فهل نقول: إن هذا الطريق صار وقْفًا؟ الطلبة: لا. الشيخ: ليش؟ الطلبة: (...).

الشيخ: لأن هذا لا يدل على الوقْف، كثير من الناس إذا لم يكن محتاجًا للأرض يسمح للناس أن يتجاوزوا منها، أليس كذلك؟ ولكن إذا احتاجها حرثها وسدَّ الطريق. إذن لا بد في الفعل من قرينة ظاهرة تدل على الوقْف، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل بقاء مُلك الإنسان فيما يملك، هذا هو الأصل، ولا نُخرجه عن هذا الأصل إلا بقرينة ظاهرة. طيب صار الصيغة الآن للوقْف صيغتان؛ الصيغة الأولى: قولية، والثانية: فعلية. الصيغة القولية تنقسم إلى قسمين: صريح، وكناية، قال المؤلف: (وصريحه وقَّفت وحبَّسْت وسبَّلْت) فإذا قال: وقَّفْت بيتي على كذا، فهذه صيغة صريحة. الشيخ: ويش تقول؟ طالب: صريحة. الشيخ: صريحة؟ إي، هذه صريحة ما تحتاج إلى نية، بمجرد ما يقول: وقَّفْت صار وقفًا. إذا قال: حبَّسْت بيتي، فهذا لفظ صريح يكون البيت وقفًا بمجرد قوله: حبَّسْت. سبّلْت كذلك صريح، يكون البيت وقفًا بمجرد هذا القول، ولا يحتاج إلى نية، طيب هل يحتاج إلى أن أكرر فأقول: حبَّسْت وسَبَّلت ووقَّفْت؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، يكفي واحدة، نجد في بعض الكتابات بعض الكُتَّاب إذا أراد أن يكتب وثيقة الوَقْف يقول: وقَّفْت، وحبَّسْت، وسبَّلْت، وأبَّدْت، وحرَّمْت، وتصدَّقْت، يجيب كل الألفاظ، هذا غلط، هو مجتهد، لكنه مخطئ، وذلك لأن العقود لا تحتاج إلى تكرار صيغها، وإلا لقلنا: إذا قال الرجل للشخص اللي بيزوجه: زوجتك بنتي، قال: قبلتُ. أنكحتك بنتي؛ قبلت. ملَّكتك بنتي؛ قبلت. زوجتك بنتي؛ قبلت. نكرر هذا ولَّا لا؟ ما نكرر؛ لأنه ينعقد العقد بأول صيغة، فيكون ما بعده من باب التنطع والتكلف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» . فلهذا ربما يُعرض عليكم وثائق وقْف مكتوب فيها: فلان وقَّف وحبَّس وسبَّل وحرَّم وأبَّد، أنا قرأتها، كل هذا غلط، لكن بعض الكُتَّاب يجتهدون، وليس كل مجتهدٍ مُصيبًا فيخطئون، نقول: بدلًا من هذا اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وَقَّفَ فلانٌ بيتَه على فلان، نصف سطر يكفي، تقبَّل الله منه. يعني يصلح أن تقول: حضر عندي فلان بن فلان، وتعين الرجل، فوقَّفَ بيته الفلاني على الجهة الفلانية، تقبل الله منه. وتذهب بها إلى المحكمة وتصدق عليها، وأما الكلام الطويل العريض الذي ليس منه فائدة فهو من باب التنطع، ولا ينبغي أن يُكتب. طالب: شيخ، إذا أراد (...). الشيخ: إذا أراد؟ الطالب: (...) مسجد لبنائه. الشيخ: يهدمه ليبنيه من جديد. الطالب: نعم (...). الشيخ: الثاني يعني؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ يقول: لو أعار أرضَهُ أهلَ المسجد ليصلوا فيها ما دام مسجدهم يُبنى، فهل تكون هذه الإعارة وقْفًا؟

الطلبة: لا. الشيخ: ما تكون وقْفًا، معروف أنه إعارة. طالب: لو بعد أن أوقف وكُتبت الوثيقة (...) قبل أن تُصدق من الحكمة (...) ذلك. الشيخ: نعم، ويش تقولون؟ طالب: ما يقول؟ الشيخ: يقول: رجل قال: وقَّفْت بيتي وقبل أن تُصدَّق من المحكمة رجع. نقول: لا يملك الرجوع حتى ولا في مجلس العقد؛ لأن لو في المجلس قال: وقَّفْت بيتي الفلاني قال له الجار اللي جنبه: يا بن الحلال، لا تُوقِّف البيت هذا، وقِّف البيت الثاني (...)، وخلِّ هذا ليك أنت وعائلتك. قال: هوَّنْت، اشهدوا أني جعلت الوقف في البيت الثاني. الطلبة: (...). الشيخ: ما يصح، أقول: يصح الرجوع ولَّا لا؟ الطلبة: ما يصح. الشيخ: ما يصح الرجوع، وهو في نفس المكان لا يصح الرجوع.

طالب: من قال: وقَّفْت الدار إلى شيخ الدير، قال: الدار وقفته لشيخ الدير، فبعد مثلًا مات هذا الشيخ لشيخ آخر، مثلًا مات الآخر، وبعد هذا أهل الديرة بعد هذا: ما أبغي شيخ، والدار ينتقل لملكه ولا للديرة ولَّا؟ الشيخ: نقول: إذا قالوا: ما نبغي الشيخ، نقول: لازم لكم شيخ، كيف ما يكون شيخ؟! الطالب: يعني مات الحين.. الشيخ: ما يخالف، مات الشيخ الأول، ومات الثاني، ومات الثالث، وبعد ما مات الثلاثة قالوا: ما نبغي مشايخ. نقول: لا بد من شيخ، لا بد. طالب: هم يقولون يعني (...) نحن محبوسين (...) إذا كان فيها مشاكل (...). الشيخ: لا، والله، هذه (...). على كل حال المسألة غير هذا، يعني مثلًا لو وقَّف على جهة وانقطعت، مثل قال: هذا وقف على فلان على زيد، ولم يذكر بعده شيئًا ومات زيد، هل يعود الملك للواقف ولَّا يعود لورثته؟ طالب: لورثته.. الشيخ: أنا أقول لك: الآن هل يعود له أو لورثته أو للمساكين؟ فيها خلاف ستذكر إن شاء الله تعالى، يعني معناه يسمون هذا إذا انقطعت الجهة. على كل حال، البيت هذا لا يمكن أن يعود ملكًا؛ لأنه أخرجه لله، فلا يمكن يعود ملكًا، لكن هل يعود إلى صاحبه أو إلى ورثته أم ماذا؟ في هذا خلاف، والقول بأنه يعود ملكًا قوْل ضعيف؛ لأن الرجل أخرجه من ملكه. طالب: المنفعة. الشيخ: المنفعة إي، وإلا البيت يبقى.

طالب: (...) مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو حكم الوقف، ويشترط فيه المنفعة دائمًا من مُعَيَّن يُنتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان ونحوهما. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. سبق لنا أن الوقف شرعًا تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، مثل أن يقول: هذا البيت وقْف على طلبة العلم، فيبقى أصل البيت مُحَبَّسًا، فيبقى الأصل مُحبَّسًا ممنوعًا من التصرف فيه ببيع أو هبة، أو رهن أو غير ذلك، والمنفعة مُسبَّلة يعني أنها ملك للموقوف عليه. إذا حبَّس نخلًا فالنخل يبقى، والثمرة سبيل مُلك للموقوف عليه، يبيعها، ويعمل فيها ما شاء، وسبق لنا أن الوَقْف مما جاء به الشرع الإسلامي، وليس معروفًا في الجاهلية، وأن أول وقْف حصل في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسبق لنا أنه -أي الوَقْف- سُنَّة إذا كان على أيش؟ طلبة: (...). الشيخ: إذا كان على بِرٍّ، فهو سُنَّة، وسبق لنا أنه ينعقد بصيغتين: قولية، وفعلية، وأن الفعلية مثل أن يجعل داره مسجدًا، ويأذن للناس إذنًا عامًّا بالصلاة فيه، وقلنا: مثل أن يُسوِّر أرضًا ويجعل فيها منارة، ويُسقِّف بعضها، ويقول للناس: صلوا في هذا، فتكون هذه الأرض وقفًا. وكذلك لو سوَّرها وجعلها مقبرة، أذن للناس في الدفن، أذن له في الدفن فيها، صار هذا وقفًا وإن لم يقل إنها وقف؛ لأن هذا فعل دال على الوقف، أما الصيغ القولية فلها صريح وكناية؛ فالصريح ما لا يحتمل إلا الوَقْف، والكناية ما يحتمل الوقف وغيره، هذا الظاهر، الصريح ما لا يحتمل إلا الوقف، والكناية أيش؟ ما يحتمل الوقف وغيره. وهل الصرائح والكنايات أمر جاء به الشرع بحيث يستوي فيه جميع الناس كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أمر يُرجَع فيه إلى العُرْف؟ الصحيح أن جميع صِيغ العقود القولية أمْر يُرجَع فيه إلى العُرف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم، وكناية عند آخرين، ولا يدل على المعنى إطلاقًا عند ثالث، قد تكون كلمة واحدة هي عند قوم صريحة، وعند آخرين كناية، وعند قوم ثالثين لا تدل أصلًا على المعنى. فالصحيح أن جميع ألفاظ العقود ترجع إلى عرف الناس، فما اطَّرد عند الناس أنه دال على هذا المعنى فهو صريح، وما لم يَطَّرد ولكنه يُراد به أحيانًا فهو كناية، وما لا يدل على المعنى أصلًا فليس بشيء، ولا يثبت له حكم ذلك الشيء، وعلى هذا فنقول: القاعدة: الصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيره عرفًا ولَّا لغة ولَّا شرعًا؟ طلبة: عُرفًا. الشيخ: عُرفًا؛ لأن هذا كله جاء من الناس وإليهم، فالعقود من الناس وبين الناس وإليهم، فما دل عليه لفظ العَقْد عند الناس حُكِم به. (صريحه: وقَّفْت وحبَّسْت وسَبَّلْت)، (وقَّفْت وحَبَّسْت) تعود إلى الأصل، (وسبَّلْت) تعود إلى المنفعة، فإذا قال الإنسان: وقَّفْت هذا البيت على الفقراء، فما الذي وقَّفَه؟ الطلبة: أصل البيت.

الشيخ: أصل البيت. وإذا قال: حبَّسْت هذا البيت، أو حَبَسْت هذا البيت على الفقراء فالذي حَبَّسَه أو حَبَسَه؟ الطلبة: أصل البيت. الشيخ: أصل البيت. وإذا قال: سبَّلْت هذا البيت للفقراء؟ الطلبة: منفعته. الشيخ: أي منفعته، وتسبيله المنفعة، أو تخصيصه المنفعة بالتسبيل يدل على أن الأصل عنده مُحبَّس، فإذا كتب كاتب: وقَّفْت بيتي على الفقراء، أو قاله بلفظ: وقَّفْت بيتي على الفقراء صار وقْفًا، وإذا قال: حبَست؛ صار وقْفًا، وإذا قال: سبَّلْت؛ صار وقْفًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِثَمَرِهَا» .

«إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا». وقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . احتبس، فدل هذا على أن الحبس أو التحبيس يُسمَّى وقْفًا. طيب التسبيل يدل على الوقْفية باعتبار اللازم، فإن من لازم تسبيل المنفعة ألَّا يُسبَّل الأصل، ويكون الأصل حبيسًا. هل يُشترط اجتماع هذه الكلمات؟ الطلبة: (...). الشيخ: لا، لا يُشترط، إذا قال كلمة واحدة منها صار وقْفًا. يقول: (وكِنايته) أي كناية الصيغة القولية (تصدَّقْت وحرَّمْت وأَبَّدْت)، هذه كناية؛ لأنها تحتمل الوقْف وغير الوقْف، وهي في غير الوقف أظهر؛ لأن قولك: تصدَّقْت تعني أنك ملكتَ الفقير مالًا؛ لأن الصدقة تمليك المال تَقرُّبًا إلى الله. فإذا قلت: تصدقتُ على فلان بعشرة دراهم؛ يعني سبَّلْتها عليه؟ لا، ملَّكْتها إياه، وإذا ملكها يفعل ما شاء، فالأصل أن الصدقة موضوعة لأيش؟ للتمليك لا للحبس. حرَّمْتُ، حرَّمْتُ مالي، حرَّمْتُ بيتي، الأصل في التحريم المنْع، فمعنى حرَّمْت بيتي؛ يعني أنني حرمته على نفسي فلا أنتفع به، لكن إذا أراد بها الوقْف صارت وقفًا. أبَّدْت، أي جعلته مؤبدًا، وظاهر اللفظ -أي جعلته مؤبدًا- أني سأبقي ملكه، ولا أزيله عن ملكي أبدًا، فهذه الكلمات الثلاث نجد أنها عند الإطلاق لا تدل على الوقْف، لكن يحتملها الوقْف بالنية، فإذا نوى تصدَّقْت بداري على زيد؛ أي جعلتها وقفًا عليه، صارت وقفًا. حرَّمْتُ داري عليَّ لتكون على زيد؛ صارت وقْفًا، أبَّدْت داري على زيد؛ صارت وقفًا. هنا يقول: (كنايته: تصدَّقْت وحرَّمْت وأبَّدْت)، لكن لا ينعقد بالكناية إلا بواحد من أمور ثلاثة. ولهذا قال المؤلف: (فتُشترط النية مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة) هذه اثنان (أو حكم الوقف) يعني لا بد في الكناية من انضمام أحد الثلاثة إليها؛ وهي النية، فإذا نوى بقوله: تصدقت بداري على فلان نوى الوقف؛ صار وقفًا. وهل يملكه فلان أو لا؟ يعني يملكه ملكًا تامًّا يتصرف فيه كما شاء؟ لا، بل يكون عنده لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث، بل له منفعته فقط. حرَّمْت، نفس الشيء، إذا قال: أنا نويت بـ(حرَّمْت)، يعني حرَّمْت البيت على نفسي وجعلته للموقوف عليه، هذه نيتي يكون وقفًا. إذا قال: أبَّدْت داري على فلان وقال: أنا نويت الوقْف؛ صار وقفًا، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . فهذا نوى، فله ما نوى. فإن قال قائل: لو قلت: اشترِ لي ثوبًا. فذهب فاشترى ثوبًا، وقال: أنا نويت أن تشتري لي خبزًا، يصح؟ الطلبة: لا، يصح. الشيخ: ليش؟ الطلبة: لا يحتمل اللفظ. الشيخ: لأن اللفظ لا يحتمله، ولو قال: لله عليَّ نذْر أن أتصدق بثوب، فذهب وتصدَّق بخبز، هل وفى بنذره؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، لماذا؟ لأن اللفظ لا يحتمله. فإذا قال قائل: أنتم تقولون: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . لماذا لا تجعلون هذا حسب ما نوى؟ نقول: لأن اللفظ لا يحتمله، والحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عمل يحتمل هذه النية. طيب تصدَّقت، هل تحتمل الوقْف؟ طالب: تحتمل. الشيخ: تحتمل؛ لأن الوقف صدقة على الموقوف عليه. حرَّمْت تحتمل الوقف؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم؛ لأن الوقْف فيه تحريم الموقوف على الوقف، ما يتصرف فيه. أبَّدْت، كذلك؛ لأن الوقف مُؤبَّد، لا يُباع، ولا يُوهب، يبقى على ما هو عليه. الثاني: قال: (أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة) كيف قال: الخمسة وهي ستة؟ هي خمسة ولَّا ستة؟ الطلبة: خمسة. الشيخ: لا، ستة: وَقَّفْت، حَبَّسْت، سَبَّلْت، تَصَدَّقْت، حَرَّمْت، أَبَّدْت. طالب: غير الذي قرنه. الشيخ: غير الذي قرنه؛ لأنه قال: اقتران أحد الألفاظ الخمسة، يكون عندنا لفظ أول اقترن به واحد من الألفاظ الخمسة. فمثلًا إذا قال: تصدَّقْت بهذا البيت صدقةً موقوفة؛ صار وقفًا؛ لأنه اقترن بأحد الألفاظ الخمسة. إذا قال: تصدَّقت به صدقة مُحبَّسة؛ صار وقفًا، صدقة مُسبَّلة؛ صار وقفًا، صدقة مُحرَّمة؛ صار وقفًا، صدقة مُؤبَّدة؛ صار وقفًا. فإذا قرن بواحد من ألفاظ الكناية أحد الألفاظ الخمسة، والباقي عندنا إذا أخذنا واحدًا من الكناية، كم يبقى عندنا من الكناية؟ طالب: اثنان. الشيخ: يبقى اثنان، وثلاثة صريح. (أو حكم الوقْف) لو قال المؤلف: أو بما يدل على الوقف؛ لكان أوْلى وأعم. (حكم الوقْف) مثل أن يقول: تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقةً لا تُباع. إذا قال: صدقةً لا تُباع، فما الذي لا يُباع؟ الطلبة: الوقف. الشيخ: الوقف، إذن عرفنا أنه أراد بالصدقة الوقْف؛ لأنه قال: لا تُباع، تَصدَّقْت بهذا البيت على فلان صدقةً لا تُرْهن؟ طالب: وقْف. الشيخ: هذا وقْف أيضًا؛ لأن الوقْف لا يُرْهن. نحن قلنا: لو قال: أو بما يدل على الوقْف لكان أعم، لو قال: تصدَّقْت بهذا البيت على فلان، والناظر عليه فلان يكون وقْف ولَّا لا؟

طالب: نعم. الشيخ: يكون وقفًا، من أين علمنا ذلك؟ لقوله: والناظر، والنظر إنما يكون في الأوقاف. قلت: تصدَّقْت بهذا البيت على فلان ومن بعده فلان، هذا أيضًا يكون وقفًا؛ لأنك إذا قلت: ومِنْ بعده فلان عرفنا أنك أردتَ الوقْف؛ إذ لو كان ملكًا لزيد؛ لم يكن لك تصرف فيه بعده، يكون بعد زيد لمن؟ لورثته. فالمهم أنه إذا قرَن بالكناية أحد الألفاظ الخمسة، أو قرَن بها ما يدل على الوقْف، مثل أن يقول: لا تُباع، أو يقول: الناظر فلان عليه، أو يقول: على فلان ومن بعده فلان، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي تدل على الوقْف فإنه يكون وقفًا، إذن يا جماعة صيغ الوقف نوعان: فعلية وقولية، والقولية نوعان: صريح، وكناية. والفرق بينهما بين الصريح والكناية: أن الصريح لا يحتمل غير الوقف، والكناية يحتمله وغيره. ثانيًا: الصريح لا يحتاج إلى نية ولا اقتران شيء من الألفاظ معه، والكناية تحتاج إلى نية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو ما يدل على الوقف؛ لأنه كناية. هل تُشترط النية في الصيغة الفعلية؟ الصيغة الفعلية الذي يجعل أرضه مسجدًا أو مقبرة، هل تشترط فيها النية؟ الطلبة: نعم. الشيخ: ظاهر كلام المؤلف: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذِن للناس في الصلاة فيه) أنها لا تُشترط النية. وهذا العمل يعني جعل الأرض مسجدًا أو مقبرة لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن ينوي بذلك أنها مسجد أو مقبرة، فتكون مسجدًا أو مقبرة، ولا إشكال في ذلك. الثانية: أن ينوي خلاف ذلك؛ بأن ينوي بجعلها مسجدًا أنها موقتة أو بأنها مقبرة أنها موقَّتة، فقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تكون وقْفًا ولو نوى خلافها؛ لأن هذه النية تُعارِض الواقع؛ فإن من جعل أرضه مسجدًا، فإن المعلوم أن المسجد سوف يبقى، فكيف تنوي أنه لا يبقى؟ من جعلها مقبرة فإن من المعلوم أن المقبرة سوف تبقى، فكيف تنوي خلاف ذلك؟ الحال الثالثة: ألَّا ينوي هذا ولَّا هذا، لا ينوي أنها وقْف، ولا أنها غير وقْف فتكون وقفًا لا إشكال فيها. إذن لا إشكال في أنها تكون وقفًا بالفعل الدال على الوقف في حالين، ما هما؟ إذا نوَى أنها وقْف، وإذا لم ينوِ شيئًا. الحال الثالثة: إذا نوى خلاف الوَقْف، وأن تكون عاريَّة، فهذه محل خلاف بين العلماء، وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله بأنها تكون وقفًا ولو نوى خلاف ذلك. ثم قال المؤلف: (ويُشترط فيه المنفعة دائمًا) (يُشترط فيه) يعني في الوقف، والله أعلم. طالب: لو قال يا شيخ أنه وقف هذا البيت على أن يكون ناظره فلان، ولكن فلان أبى أن يكون ناظرًا على هذا، فهل لا يثبت الوقف؟ الشيخ: لا، يثبت الوَقْف. طالب: يثبت الوقف؟ الشيخ: إي نعم، يثبت الوَقْف، ويُعيِّن القاضي ناظرًا. طالب: أحسن الله إليك، بعض الناس يُوقِف أرضًا للموتى (...)، ولم يحدد مساحة، ثم إذا رأى المقبرة اتسعت بالموتى يقول: أتوقف عند حد معين، له ذلك؟

الشيخ: ما فيه بأس ما دام لم يُعيِّنها فله إذا قبل عشرة، عشرين يتوقَّف. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ الطالب: يؤجر هذا (...). الشيخ: لا، ما هو (...)، والإجارة هذه كيف تصير؟ الطالب: (...). الشيخ: كيف تكون الإجارة؟ كل سنة؟ الطالب: (...). الشيخ: (...) أنت اللي جبت السؤال. الطالب: (...). الشيخ: لا بأس، لكن الشراء انتهينا ما فيه إشكال، لكن أنت أوردت السؤال على أنه إجارة، فحدِّد المدة الآن وإلا انسحب. الطالب: يعني مثلًا (...). الشيخ: طيب عشر سنوات، هل نعلم أن الميت يبلى بعد عشر سنوات؟ الطالب: الغالب. الشيخ: الغالب؟ لا، ما هو غالب، الغالب تختلف الأراضي. على كل حال يصح أنها تُشترى لا بأس، الفقهاء ذكروا أنه يصح أن يُعيره الأرض حتى يبلى إعارة؛ لأن الإعارة إباحة انتفاع، لكن الإجارة لما كانت عِوضًا فإنها تكون مجهولة؛ لأننا ما ندري متى يبلى. طالب: (...) عارية، ولم يصرح بأنها عارية، كيف تكون (...)؟

الشيخ: إي نعم، نقول: يرجع. الطالب: (...). الشيخ: إي نعم.

الطالب: مثلًا الأرض يُسوِّرها، ويجعلها مسجدًا بنية إذا بُني مسجد آخر (...)؟ الشيخ: هذه لا بد أنه يُصرِّح، ولا تكون وقفًا، لا بد أن يصرح بأنها عارية، ثم هناك قرائن، مثلًا إذا وضع فيها مسجدًا موقتًا، أو علمنا أن حوله أرض ستكون مسجدًا عرف (...) أنها عارية. طالب: وقف عام، وقال: هذه لله. الشيخ: نعم، تصح، ويُصرف في أعمال الخير. طالب: أرضًا جعلنا نصلي بها صلاة العيد؛ يعني في الصحراء هل (...) وقف؟ الشيخ: إي نعم، إذا أذن الناس أنهم يصلون فيها صلاة العيد تكون مسجدًا. طالب: قوله: إنه لو نوى خلاف ذلك (...): «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ما نوى (...). الشيخ: إي نعم، هؤلاء يقولون: لأن مقتضى جعلها مسجدًا أن تكون وقفًا؛ لأنه من المعلوم أن المساجد وقْف دائمًا، هذه ما يمكن أن يقول إلا إذا صرح بأنها إعارة، فهذه ربما لو صرَّح عند القاضي حكم وقال: هذه إعارة، نأخذ بقوله، أما أنه يقول: أنا نويت خلافًا، والواقع أنه أذن فيها إذنًا عامًّا. طالب: بسم الله الرحمن الرحيم (...). الشيخ: صيغتان: قولية وفعلية، وأن القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية، وأن الفرق بينهما أن الصريح ينعقد به الوَقْف بمجرد النطق به، والكناية لا ينعقد بها الوقف إلا بواحد من أمور ثلاثة؛ أن تقترن بأحد الألفاظ الخمسة، أو أن ينوي ذلك، أو أن يقرنها بأمر يختص بالوقْف. مثال الأول: أن يقول: تصدَّقْت بهذا صدقة مؤبَّدة على فلان، فهنا يكون وقفًا ليش؟ لأنه قرنها بأحد الألفاظ الخمسة.

ومثال الثاني: أن يقول: تصدَّقْت بهذا على فلان، وينوي أنه وقف، والمرجع في النية إليه لا إلى المتصدَّق عليه؛ لأن هذا لا يُعلَم إلا من جهته؛ ولأن التمليك حصل من جهته فلا يمكن أن نُخرِج مُلكه إلا على النية التي أراد، مثاله: قال: تصدَّقت ببيتي على فلان، فذهب فلان يعرضه للبيع، فقال صاحب البيت: لا تبعْه، أنا نويت أن يكون وقْفًا عليك. فقال: لا، اللفظ الذي نطقتَ به يقتضي أن يكون ملكًا لي؛ لأنك أنت قلت: تصدقتُ ببيتي على فلان. فقال: قد نويتُ الوَقْف، فإلى مَنْ نرجع؟ إلى صاحب البيت، نقول: القول قولك؛ لأن النية لا تُعلم إلا من جهتك، ولأنك أخرجتَ مُلكك لهذا الرجل على سبيل أيش؟