شرح العقيدة الحموية - ٨
درس صوتي · ٩٣:١٩
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ويش؟ طالب: في القسم الثاني. الشيخ: ما أعرفه. الطالب: (...) في المذهب تدلُّ على العموم، وغالبًا العموم يكون للجمع وليس للتثنية (...). الشيخ: لكن ما يمنع أن يكون دالًّا على التثنية، أقول: لا يمنع أن يكون دالًّا على التثنية، هو إذا أضيف المفرد هو يتناول المفرد ويتناول المثنى ويتناول الجمع، فمثلًا إذا قال الرجل: امرأتي طالق، وليس له إلا واحدة تَطْلُق، له اثنتان تطلقان، له ثلاث أو أربع يطلقن، كما ذكر ذلك أهل العلم، قالوا: لأن المفرد المضاف يصلح للواحد والاثنين والثلاثة فأكثر. طالب: لو كانت نيته تطليق واحدة؟ الشيخ: لا، دعنا من النية، الكلام على دلالة اللفظ، ولكن هو إذا قال: امرأتي، وأراد واحدة فهي واحدة. طالب: يا شيخ، (...) اليهود يد الله مغلولة واحدة، ثم قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]. الشيخ: نعم، وكذلك هذا يدل عليه؛ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] فقال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ. طيب إذن الإفراد لا ينافي التثنية ولا ينافي الجمع؛ لأن المفرد المضاف يعم فيصدق على الواحد والاثنين والثلاثة. وأما الجمع بين ما جاء بلفظ التثنية ولفظ الجمع هذا هو اللي فيه نوع من الإشكال، ما جاء بلفظ التثنية مثل بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وبلفظ الجمع مثل مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١]، كيف نجمع؟ فإن قلنا: أقلُّ الجمع اثنان فلا منافاة أصلًا، صح؟ طلبة: نعم. الشيخ: السبب. طالب: أَيْدِينَامعناها.. الشيخ: لأن أَيْدِينَامعناها يدان، (أعيننا) معناها عينان فلا ينافي التثنية، فلا منافاة أصلًا بين صيغتي التثنية والجمع؛ لاتحاد مَدْلُولَيْهِما. وإن قلنا: أقل الجمع ثلاثة -وهو المشهور- فالجمع بينهما أن يقال: (إنه) -هذا الصواب لأنه مقول القول-. طالب: مكسور؟ الشيخ: مكسور نعم، أن يقال: إنه لا يراد من صيغة الجمع مدلولها الذي هو ثلاثة فأكثر، وإنما أريد بها -والله أعلم- التعظيم والمناسبة؛ التعظيم لأن الجمع دال على العظمة كما تعرفون، فالإنسان إذا قال: (قلت) أو قال: (قلنا) أيهما أدلُّ على العظمة؟ طلبة: (قلنا). الشيخ: (قلنا) فيكون المراد للتعظيم أو بالجمع المراد به التعظيم والمناسبة، أيش المناسبة؟ قال: أعني مناسبة المضاف للمضاف إليه؛ فإن المضاف إليه وهو (نا) يراد به هنا التعظيم قطعًا؛ فناسب أن يُؤتى بالمضاف بصيغة الجمع ليناسب المضاف إليه؛ فإن الجمع أدلُّ على التعظيم من الإفراد والتثنية، وإذا كان كل من المضاف والمضاف إليه دالًّا على التعظيم حصل من بينهما تعظيم أبلغ، فهذا هو وجه الجمع بين التثنية والجمع. نعود مرة ثانية نقول: ما هو الجمع بين المفرد والمثنى والجمع؟ الجمع بينهما أن يقال: إن المفرد إذا أُضيف كان دالًّا على العموم فيصدق على الواحد والاثنين والأكثر. وأما الجمع بين التثنية والجمع فإن قلنا: إن أقل الجمع اثنان، فلا منافاة أصلًا؛ لأن الجمع بمعنى اثنين لاتحاد مدلوليهما. وإن قلنا بأن أقل الجمع ثلاثة فإن الجمع هنا لا يُراد به المدلول اللغوي، وإنما يُراد به التعظيم والمناسبة؛ التعظيم لأن دلالة الجمع على العظمة أكثر وأقوى من دلالة المفرد والمثنى، والمناسبة؛ لأنه أُضيف إلى ضمير دال على الجمع وهي (نا)، فكان من المناسب أن يُجمع لأجل أن يكون مثل الضمير. طالب: (...) يقول قائل: إذا قلنا: الآن عين الإنسان، وعين البعير، يعني عين الإنسان لا تماثل عين البعير، لكن الواقع أنها تشبهها. الشيخ: نعم. الطالب: فإذا اخترنا في التعبير عن صفات الخالق (لا تماثل) بدل لا تشابه، ربما (...) إن قدر الفرق الحاصل بين بعض المخلوقين وبعضها. الشيخ: هذا ما يمكن -سلمك الله- لأننا نعرف أن كما أن الفرق الحاصل بين عين الإنسان وعين الطير ليس كالفرق الحاصل بين عين الإنسان وعين الخروف. طالب: وعين الضرة. الشيخ: وعين الضرة إن كان لها عين. طالب: طيب، ما هو المحظور في قولنا: ما تشابه؟ الشيخ: المحظور يقول شيخ الإسلام: إن المحظور يمكن هؤلاء الجماعة الذين حَرَّفوا قالوا: إن أدنى مشابهة تقتضي النفي؛ يعني أدنى مشابهة بين الخالق والمخلوق يجب أن تُنفى. الطالب: الأحسن (...). الشيخ: لا، الأحسن نمشي على ما جاء في القرآن، هذا الأحسن؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. طالب: ما ورد. (...). الشيخ: أكثر، الجمع أو المثنى. طالب: أعطنا الجواب يا شيخ، الجواب ما سمعناه. الشيخ: الجواب يقول: إن الجمع في قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١] للتعظيم، الجمع هنا للتعظيم والمناسبة؛ أما كونه للتعظيم فلأن الجمع أدل على العظمة مما دونه، وأما كونه للمناسبة فلأن (نا) في قوله: أَيْدِينَاللتعظيم فناسب أن يُجمع ما أضيف إليه حتى يكونا متناسبين. لكنا نقول الآن لو قال قائل: لماذا لا تؤمنون بأن الله له أيدٍ كثيرة؛ لأن من آمن بأيدٍ كثيرة يدخل فيه الإيمان بالواحدة والثنتين، ما تقولون في الجواب عن هذا الإيراد. طالب: غير صحيح إذا رجح له سبحانه وتعالى له يدان فلا نقول: (...). الشيخ: نعم. الطالب: نقول: الصحيح إذا رجح بأنه سبحانه وتعالى له يدان فكيف نؤمن بأكثر من هذا؟ الشيخ: كيف نؤمن بأكثر من ذلك؟ لأن الله يقول: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا. الطالب: قلنا: هذه من باب التعظيم. الشيخ: إي، نحن قلنا: من باب التعظيم من أجل الجمع فقط؛ لأنا أُلجئنا إلى أن نقول بهذا. طالب: نقول (...). الشيخ: طيب ما يخالف، لكن جاءنا زيادة، هل لو أقول: عندي شاتان، ثم بعد ذلك أقول: عندي شياه كثيرة. طالب: (...) كثيرة خلاص. الشيخ: عندي شياه، ما هو كثيرة، نقول: يتعين أنهما اثنتان؛ لأن الله تعالى قال في الرد على اليهود والمقام مقام تَمَدُّح بكثرة العطاء، قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، ولو كان له أيدٍ كثيرة لناسب أن يقول: (بل أيديه مبسوطة)، لأن المقام يقتضي كثرة العطاء والمِنَح وهذا يكثر بكثرة ما يكون العطاء به، هذا دليل، هذا من القرآن. أما من السنة فكثيرة، مثل قول آدم: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ» ، وقال: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْأَرْضَ» ، هذا أو معناه، فدلَّ ذلك على أن الله ليس له إلا يدان اثنتان فقط. كم وجهًا ورد عليه صفة العين؟ طالب: الإفراد. الشيخ: نعم. الطالب: والتثنية والجمع. الشيخ: والتثنية والجمع. طيب الإفراد؟ الطالب: قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩]، والجمع؟ الطالب: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]. الشيخ: والتثنية؟ الطالب: ورد في الحديث: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي». الشيخ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ». الطالب: بين عيني الله. الشيخ: «بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحْمَنِ» ، فأثبت هنا عينين اثنتين، طيب، وفيه دليل هذا الحديث كما ذكرنا في الكتاب أنه ما عزاه ابن القيم إلى أحد، ولا أدري عن صحته، لكن ما فيه أحاديث صحيحة تدل على ذلك؟ طالب: قول الرسول عن المسيح الدجال: «إنِهَّ ُأَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» . الشيخ: نعم. الطالب: (...) يدل على أنه له عينين، العور (...). الشيخ: صحيح هذا؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم؛ لأنه لو كان لو كان لله ثلاثة أعين مثلًا أو أكثر لقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن لربكم ثلاثة أعين فأكثر، وبهذا يحصل التمييز، ويكون أيضًا أدلَّ على الكمال لله عز وجل؛ لأنه ما فيه شك أن الثلاث فأكثر في مقامٍ يقتضي أن يكون الكمال بها أثمن من ذكر الثنتين؛ وعلى هذا فنقول: إن الله عز وجل ليس له إلا عينان اثنتان، ونجمع بين المفرد والجمع كما جمعنا ذلك في اليدين.
الباب الثامن عشر: في كلام الله سبحانه وتعالى
٠٠:١١:٢٥
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (الباب الثامن عشر: في كلام الله سبحانه وتعالى). وهذا الموضوع من أكثر ما كان فتنة بين المسلمين -أو بعبارة أصح- بين السلف والأئمة وبين أهل البدع، كلام الله؛ لأن كلام الله تعالى عليه مدار الشرع كله، فإن كلام الله سبحانه وتعالى هو الوحي الذي أنزله على الرسل، والوحي الذي أنزل على الرسل هو الدين كله. كلام الله؛ يقول: (اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله يتكلم، وأن كلامه صفة حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق به). هذا ما اتفق عليه أهل السنة، وقد نقل اتفاقهم على ذلك كل من صنَّف في هذا الباب. (وهو سبحانه وتعالى يتكلم بحرف وصوت، كيف شاء، متى شاء). ولكن اعلم أن صوت الله عز وجل لا يشبه أصوات المخلوقين أبدًا، لكن الحرف الذي يتكلم به هو الحرف الذي يتكلم به الناس، أما الصوت فإنه لا يشبه أصوات المخلوقين أبدًا، لا في قوته ولا في هيئته ولا في أي شيء مما يتعلق به، لا يماثله. الدليل على أنه لا يماثل أصوات المخلوقين قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. وقوله: (يتكلم كيف شاء)، هذه كيفية، نحن لا نعرف كيف يتكلم الله، لكن نعرف أنه يتكلم، هذه الجلود تنطق يوم القيامة، والأرض تُحدِّث أخبارها، هل نحن نعلم كيف تنطق ولَّا ما نعلم؟ ما نعلم، ولا نعلم كيف تحدث الأرض أخبارها، وعلى هذا فنقول: إن كيفية كلام الله غير معلومة. يقول: (فكلامه صفة ذات باعتبار جنسه، وصفة فعل باعتبار آحاده)؛ لأنه يتعلَّق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي صفة فعل. فالكلام في أصله صفة ذات؛ لأن الله لم يزل ولا يزال متكلمًا، ما مرَّ عليه زمن يكون فيه عاجزًا عن الكلام أبدًا، بل هو سبحانه وتعالى لم يَزَلْ ولا يزال متكلمًا. أما باعتبار آحاده فإنه صفة فعل، كيف باعتبار آحاده؟ نحن نعلم أن الله تعالى يوجد الأشياء أو يوجد الأمور شيئًا فشيئًا، وهو يقول: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، متى تكون كلمة (كن)؟ عند إرادة الفعل. إذن فهذه الكلمة التي هي (كن) حدثت بعد أن لم تَكُنْ ولَّا كائنة بالأول؟ هذه حدثت بعد أن لم تكن، فآحاد كلام الله عز وجل صفة فعل؛ لأنه حادث بعد أن لم يكن. وقد اختلف العلماء: هل يجوز أن نطلق عليه اسم حادث؟ أو نقول: إنه مُحْدَث؛ لقوله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء: ٢]؟ ولكن إذا فهمنا المعنى وأن معنى حادث أي أنه كائنٌ بعد أن لم يكن زال الإشكال، فعبِّر كما شئت مُحْدَث أو حادِث. طالب: قول (...). الشيخ: إي نعم، ما هو معناه أن صوت الله عز وجل كذلك، بعضهم يقول: إن صوت المَلَك أو صوت الوحي، وبعضهم يقول: كأنه سلسلة على صفوان في الإفزاع فقط، لا في الكيفية. قال: (فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: ١٤٣])، متى كان الكلام؟ حين جاء، قبل ما كان كلام، ويُذكر أن بعض أهل البدع كان يقرأ: (وَكَلَّمَ اللَّهَ موسى تَكْلِيمًا) علشان أن يكون الكلام من موسى لا من الله، فقال له بعض الحاضرين: ما تقول في قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ؟ ما قال: وكلمَّ رَبَّه. قال: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، ويش الجواب؟ طالب: فبُهِت. الشيخ: فبهت، بهت ما استطاع أن يجيب. قال: (وقوله: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: ٥٥]، وقوله تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: ٥٢]) هذه ثلاث آيات، لكن كل آية لها اتجاه. قال: ففي الآية الأولى إثبات أن الكلام يتعلق بمشيئته، وأن آحاده حادثة. ما وجهه؟ أن الكلام؟ طالب: بعدما جاء. الشيخ: بعدما جاء، ومجيء موسى بمشيئة الله ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: بمشيئة الله، فيكون الكلام أيضًا بمشيئته، وتكون آحاده حادثة. وفي الآية الثانية دليل على أنه بحرف؛ فإن مقول القول فيها حروف. شوف إِذْ قَالَ اللَّهُماذا قال؟ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥]، وهذه الجملة حروف ولَّا غير حروف؟ طلبة: حروف. الشيخ: حروف، يا عيسى، إلى آخره، فهي حروف، فدلَّ هذا على أن كلام الله تعالى بحرف. وفي الآية الثالثة دليل على أنه بصوت وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢]؛ وجه الدلالة لأنه إذ لا يُعْقَل النداء والمناجاة إلا بصوت، لكن المناجاة بصوت قليل خفي، والمناداة بصوت مرتفع. قال: (ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ» ) وهذا يوم القيامة، «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ» فيُوجِّه إليه النداء بالحروف «يَا آدَمُ»، سمعه ولَّا ما سمعه؟ طلبة: نعم. الشيخ: سمعه، إذن فهو بصوت؛ «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ» ويش معنى «لَبَّيْكَ»؟ أي: إجابة وثبوتًا على طاعتك، فإن معنى التلبية الإجابة والدوام والثبوت على الشيء، يكون معنى «لَبَّيْكَ» أي: إجابة، إجابة لما دعوتَني له. «سَعْدَيْكَ» قالوا: إن «سَعْدَيْكَ» اسم مصدر بمعنى إسعاد، أي: أطلبك أن تسعدني؛ إسعاد، وقيل: إن معنى الإسعاد المعاونة، ومنه قولهم في النياحة بالجاهلية: فلانة أَسْعَدَتْ فلانة، يعني: أعانتها على نِيَاحَتِها. وقوله: «فَيُنَادِي بِصَوْتٍ» شوف قال: «يُنَادِي بِصَوْتٍ»، كلمة «بِصَوْتٍ» بالنسبة لعاملها على الفعل مؤكِّد فقط؛ لأن المناداة لا تكون إلا بصوت. يقول: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ» فيخرجهم ولَّا لا؟ يخرجهم، لكن كيف يعلمهم؟ يعلمهم بسيماهم؛ لأن سيما الكفار -والعياذ بالله- يوم القيامة تتميَّز وتتبيَّن، هل في هذا الحديث دليل على أن كلام الله في مشيئته؟ طالب: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. الشيخ: لا أنا أبغي من الحديث: «يَا آدَمُ» كيف ذلك؟ لأنه يتكلم في القيام فيتعلق بمشيئته، وهل فيه دليل على أنه بحرف؟ نعم؛ لأن مقول القول: «يَا آدَمُ» حروف، وهل فيها دليل على أنه بصوت؟ طلبة: نعم. طالب: «فَيُنَادِي بِصَوْتٍ». الشيخ: «فَيُنَادِي بِصَوْتٍ» واضح، ولكن هذا الصوت لا يشبه أصوات المخلوقين. (وكلامه سبحانه وتعالى هو اللفظ والمعنى جميعًا ليس هو اللفظ وَحْدَه أو المعنى وحده. هذا هو قول أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى، وأما أقوال غيرهم فإليك ملخَّصَها من مختصر الصواعق المرسلة). طالب: (...) ملخصها؟ الشيخ: نعم (فإليك ملخصها)؛ لأن (إلى) هذه اسم فعل أمر بمعنى خذ. (من مختصر الصواعق المرسلة) مختصر.. (أصل الصواعق) لابن القيم، الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة، العنوان ما شاء الله ضخم، صواعق مرسلة على ها الغزو، إذا أُرْسِلَت على الغزو تدمرهم ولَّا لا؟ معلوم، صواعق تدمرهم؛ ولهذا يعتبر الكتاب هذا من أحسن ما كُتب في الموضوع، لكن الكتاب الأصل ما هو مطبوع إلى الآن، وموجود مخطوطًا لكنه غير مطبوع، وأما المختصر.. طالب: كله؟ الشيخ: والله ما أدري عنه كله، ولَّا جزء كبير منه، فيه مجلدان كبيران موجودان، وأما المختصر فموجود، هذا ملخص من المختصر، إذن هو ابن الابن، نعم. الأول قول الكرَّامية، والثاني قول الكلَّابية، والثالث قول الأشعرية، والرابع قول السَّالمية، والخامس قول الجهمية، والسادس قول فلاسفة المتأخرين، والسابع قول الاتَّحَادية. أولًا: قول الكَرَّامية: وهو المنقول، (وهو كقول أهل السنة، إلا أنهم قالوا: إِنَّه حادث بعد أن لم يكن) لماذا؟ (فِرارًا من إِثْبات حوادث لا أول لها). وهؤلاء أقرب ما يكونون إلى أهل السنة؛ يقولون: كلام الله بحرف وصوت ويتعلق بمشيئته، لكنه حادث بعد أن لم يكن؛ يعني: كان الله بالأول ما يتكلم، ثم صار يتكلم، وهذا الأخير باطل؛ لأننا نقول: إذا كان الله لا يتكلم قبل أن يتكلم، هل هو عاجز؟ فقد وصفتموه بالعجز. أو قادر؟ فإذا كان قادرًا فإنه يتكلم. ما الذي يمنعه من الكلام؟ فالصواب خلاف ما قالوه، لكن هم أقرب الناس إلى أهل السنة والجماعة. نقبل كلامهم؟ طالب: لا. الشيخ: نقبل ما أصابوا فيه، ونرد ما أخطؤوا فيه. (الثاني: قول الكُلَّابية) بتاع محمد بن سعيد بن كُلَّاب، قال: (إنه معنى قائم بذاته لازم لها كلزوم الحياة والعلم، فلا يتعلق بمشيئته، والحروف والأصوات حكاية عنه خلقها الله تعالى لتدل على ذلك المعنى القائم بذاته، وهو أربعة معان) إلى آخره. هذا كقول الأشعرية الذي يأتي إن شاء الله لأن بينهما فرقًا، يقول: (إن كلام الله هو معنى قائم بذاته لازم لها كلزوم الحياة والعلم)، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن نقول: إن كلام الله لفظ ومعنى، ما هو معنى فقط، ثم هو ليس بلازم ذات الله كلزوم الحياة والعلم، بل هو يتعلق بمشيئته، أما الحياة والعلم فإنها لا تتعلق بالمشيئة. وثانيًا يقول: (هو أربعة معانٍ: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار)، يكون على رأيه أن هذا المعنى مُرَكَّب من أربعة معان هي: الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وهل كلام الله منحصر في هذه الأربعة؟ لا، فيه كلام لله ما هو للتمني، وما هو للترجي، فلا يكون هذا التقسيم حاصرًا. (الثالث: قول الأشعرية وهو كقول الكُلَّابية إلا أنهم يخالفونهم في شيئين: أحدهما: في معاني الكلام؛ فالكُلَّابية يقولون: إنه أربعة معان، والأشعرية يقولون: إنه معنى واحد. وهذا شرٌّ غير معقول كلامٌ واحد، فالخبر والاستخبار والأمر والنهي كل واحد منهما هو عين الآخر، وليست أنواعًا للكلام، بل هى صفات له، بل التوراة والإنجيل والقرآن كل واحد منها عين الآخر، لا تختلف إلا بالعبارة). شوف هذا المذهب أعتقد أن تصوُّرَه كاف في رده؛ يقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه لازم له، ويسمونه الكلام النفسي، ولا يؤمنون بأن الله يتكلم بحرف وصوت، يقولون: إن هذه الحروف والأصوات خلقها الله لتُعَبِّر عن كلامه، أما أن هو سبحانه وتعالى يتكلم لا، كلامه معنى قائم في نفسه. ثم أبطل من ذلك أن يقولوا: إنه معنى واحد، كل الكلام معنى واحد، الخبر والاستخبار اللي هو الاستفهام والأمر والنهي كلهن شيء واحد. بل نزيد على ذلك ونقول: إن التوراة والإنجيل والقرآن شيء واحد، شيء واحد عندهم، فمثلًا قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢] هو عين قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [الأنعام: ٧٢]، ويش تقولون؟ هذا معقول؟ طالب: لا. الشيخ: أبدًا، ليس بمعقول، يعني: لولا أنه يُذكر هذا لقلنا: ما يمكن يقوله أي إنسان عاقل؛ أن يجعل الخبر هو عين الاستخبار وعين الاستفهام، وأن يجعل الأمر هو عين النهي، والأمر والنهي هما عين الخبر والاستخبار؛ لأنهم يقولون: إنه معنى واحد، معنى واحد لا يتجزأ، كل هذا على زعمهم أنه لو كان يتجزأ لَلَزِم قيام الحوادث بالله عز وجل، والحوادث لا تقوم إلا بحادث، وهذه مُقَدِّمات كلها باطلة لا دليل عليها. لكن (...) الآن ويش يخالفون الكلابية بماذا؟ الكلابية يقولون: إنه أربعة معان، وهؤلاء يقولون: إنه معنى واحد. (الثاني أن الكُلَّابية قالوا: إن الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله، وأما الأشعرية فقالوا: إنها عبارة عن كلام الله). ويش ها الفرق بينهما؟ الحكاية أن يُحكى لفظ الصوت، والعبارة أن يُعبَّر عنه بمعنى آخر، ما هو يحكى لفظ الصوت، فمثلًا لو قلت أنا: إن فلانًا يقول: كذا وكذا وكذا، وما حكيت كلامه، أكون الآن مُعَبِّرًا، لكن لو حكيت كلامه بالضبط لكنت حاكيًا. هم يقولون: إن القرآن عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، ولكنه خلقه الله ليُعَبِّر عما في نفسه، فموسى حينما سمع وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه: ١٧] هل الله تكلَّم بها؟ لا؛ لأن كلامه معنى قائم بنفسه من الأصل، لكنه خَلَق صوتًا سمعه موسى تعبيرًا عن كلام الله عز وجل، وهذا المعنى أيضًا باطل كما تشاهدون. طالب: (...) ما يستلزموه الآن. الشيخ: كيف؟ الطالب: لقالوا: معنى واحد، فكيف يفسرون (...) النهي. الشيخ: إي نعم، هو يقول: الأمر مقتضاه الفعل، والنهي مقتضاه الترك، لكن هما شيء واحد؛ لأن ما عندهم أن الله تعالى يجزئ كلامه، نفس الكلام هذا هو الكلام هذا، لكن اختلفت الصورة بحسب ما سمع الناس من هذا التعبير. الطالب: هم يُفَسِّرون على أن الله قال أمرًا. الشيخ: إي، هم يفسرون هم يقولون: قال: أَمَر؛ (أقم الصلاة) أَمْرٌ، (لا تقربوا الزنا) نهي، لكن هذا هو عين هذا؛ ولذلك كلامهم ما يتصوره الإنسان أبدًا، كيف يكون الأمر عين النهي؟ يقول: نعم؛ لأنه ما يمكن نقول: إن الله تكلم بكلامين قال: أقم الصلاة، ولا تقربوا الزنا؛ لأن الكلام عندهم ما يمكن يتجزأ إطلاقًا، فكما أن العلم الذي وَصَفَ الله به نفسه ما يتجزأ كذلك الكلام؛ لأنهم يرون أنه معنى قائم بالنفس. وهذه الأشياء؛ الأمر والنهي والخبر والاستخبار: أشياء خلقها الله تعالى لتعبر عما في نفسه، والله أعلم، استغفر الله العظيم، (...). أيش؟ طالب: الذاتية (...). الشيخ: الذاتية الفعلية، فباعتبار أصله من الصفات الذاتية، وباعتبار آحاده من الصفات الفعلية. وسبق لنا أن أهل السنة يقولون: إن كلام الله ليس المعنى قائم بنفسه، ولكنه كلام يُسمَع بحروف وأصوات، ويتعلق بمشيئته، متى شاء تكلم بما شاء سبحانه وتعالى. وسبق لنا شيء من أقوال المخالفين لهؤلاء؛ منها قول الكرامية، وهم يوافقون أهل السنة إلا أنهم قالوا: إنه حادث بعد أن لم يكن، فجعلوه من الصفات الفعلية المحضة. والثاني: قول الكلابية يقول: (إنه معنى قائم بنفس الله، وليس شيئًا يُسمع، بل هو معنى قائم بذات الله كقيام الحياة والعلم)، مثل أن الله حي وعليم ومتكلم، فهو صفة معنوية قائمة بذات الله عز وجل لازمة لحياته، وما سُمع من كلامه فهو مخلوق حكاية عنه. وهو كم من نوع؟ أربعة: أمر ونهي وخبر واستخبار. أما الأشاعرة فقالوا نحوًا من هذا القول: إنه هو المعنى القائم بنفس الله عز وجل، وأنه لازم لذاته كلزوم الحياة والعلم، ولا يتعلق بمشيئته، وأن ما يُسْمَع من كلام الله ليس كلام الله، ولكنه عبارة عنه، ثم جاؤوا بالطامة الكبرى بأن كلام الله كله معنى واحد، فالأمر عين النهي، والخبر عين الاستخبار، ولا شك أن هذا كلام لا يُعْقَل، ما يعقله إلا من فَسَد عقله وقال به. (الرابع: قول السالمية) استمع إلى هذا القول عجيب، (أنه صفة قائمة بذاته لازمة لها)، فيوافقون من؟ الأشاعرة والكلابية، لكنهم يقولون: (كلزوم الحياة والعلم، فلا يتعلق بمشيئته، وهو حروف وأصوات)، في هذا يخالفون الأشاعرة والكلابية، لكن يقولون: إنها (مُتَقَارِنَة لا يَسْبِقُ بعضها بعضًا)، متقارنة لا يسبق بعضها بعضًا؛ فقوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١] بِسْمِ اللَّهِالباء والسين والميم كلها كما يقال -ولله المثل الأعلى- (...) ما خرجت مترتبة، لماذا؟ قالوا: لأنه لو خرجت كلمات الله مُتَرَتِّبَة لَزِمَ أن تقوم الحوادث به، إذا جاءت السين بعد الباء معناها إنها حدثت بعدها، إذا جاءت الميم بعد السين والباء فقد حدثت بعدها، وقيام الحوادث عندهم بذات الله مُمْتَنِع، ولكن الممتنع ما ذكروه، مَنْ يمكن أن يقول: إن بسم الله الرحمن الرحيم اللي في أول الفاتحة هي وقوله: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس: ٦] خرجت.. كل القرآن خرج مرة واحدة. فالأبلغ من ذلك كل كلمات الله عز وجل التي لا يمكن أن تنفد كلها متقارنة شيئًا واحدًا، ولا شك أنه كما قال شيخنا رحمه الله في توضيح الكافية الشافية يقول: تَصَوُّر هذا المذهب كافٍ في ردِّه، أنت إذا تصورت هذا المذهب عرفت أنه باطل لا يمكن القول به، فهم وافقوا أهل السنة والجماعة في كونه حروفًا وأصواتًا، لكنهم خالفوهم في كونه معنى قائم بنفسه لازم لها كلزوم الحياة والعلم، وفي كونه متقارنًا مَنْ يَعْقِل هذا؟ (...). طالب: قيام الحوادث ما معناه؟ الشيخ: قيام الحوادث معناه الأفعال؛ يعني مثلًا استوى على العرش، ينزل إلى السماء الدنيا، يتكلم، هذه أشياء حادثة، يقولون: قيام الحوادث بذات الله ممنوع؛ لأن الحادث لا يقوم إلا بحادث، فأنت على زعمهم إذا أثبت أن الله تقوم به الحوادث لزم من ذلك أن يكون الله تعالى حادثًا، وهذا ليس بصحيح، هو سبحانه وتعالى الأول الذي ليس قبله شيء ومع ذلك فإنه يفعل ما يشاء. (الخامس: قول الجهمية والمعتزلة) الجهمية والمعتزلة تَصادَقا في مسألة الكلام وتوافقا. بينما هما –الجهمية والمعتزلة- يختلفان في أسماء الإيمان والدين، ويختلفان أيضًا في مسائل القدر؛ الجهمية جبرية، والمعتزلة قدرية. في باب أسماء الإيمان والدين الجهمية يقولون: إن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان هو العرفان، إنك تعرف أن الله واحد مثلًا، والمعتزلة يقولون: إن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن الإنسان لو فَعَل كبيرة خرج من الإيمان لكن لم يَدْخُل بالكفر في منزلة بين المنزلتين، شوف الفرق، الجهمية يقولون: ازن، واسرق، وتلوَّط، واشرب الخمر، واقتل النفس، وافعل كلًّ محرم لا يخرجك من الإسلام، وأنت مؤمن كامل الإيمان، ولا نقول: أنت مؤمن كامل الإيمان فقط، نقول: كل الناس في الإيمان سواء، حتى إيمان أفسق الناس وإيمان جبريل على حدٍّ سواء، والإيمان عندهم هو المعرفة. وابن القيم –رحمه الله- في النونية رَدَّ عليهم في ذلك ردًّا قويًّا ومقنعًا، قال: إذا كان الإيمان هو المعرفة بالله عز وجل فاسأل إبليس هل هو يعرف ربه ولَّا لا؟ طلبة: يعرفه. الشيخ: يعرف ربه؟ إي نعم، حتى عند العامة الآن يقولون: إبليس يعرف ربه، طيب ولهذا يسأل: ربي أَنْظِرْني، واسأل كل أولئك الذين فعلوا معاصي: هل يعرفون الله؟ الجواب: يعرفونه، فهم عند جهم -يقول- كامل الإيمان. المعتزلة والجهمية توافقوا في مسألة الصفات، كلهم نفاة معطلة، لكنهم عاد يختلفون في الغلو، الجهمية أشد غلوًّا في النفي من المعتزلة، في الكلام اتفقوا على أن كلام الله مخلوق، مخلوق من المخلوقات، أمَّا الله عز وجل فلا يَتَكَلَّم لكن يَخْلُقُ كلامًا، أين يخلقه؟ يمكن يخلقه في الشجرة كما في قوله تعالى عن موسى: مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] قالوا: خلق الله كلامه في الشجرة فسمعه موسى فقال: هذا كلام الله، أو يخلقه الله تعالى في الهواء ويُسْمَع، أما أن الله يتكلم بكلام هو صفته فلا. ويقول: ثم مِنَ الجهمية.. إذا كان مخلوقًا هل يتعلق بمشيئته؟ الجواب: نعم، فهم يوافقون أهل السنة في كون الكلام متعلقًا بمشيئته، لكن يخالفونهم في كونه مخلوقًا، لننظر الآن أيهما أشد في مسألة الكلام؛ قول الأشعرية ولَّا قول الجهمية؟ الأشعرية يقولون: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، والجهمية والمعتزلة يقولون: الكلام هو هذا الذي نسمع، هذا كلام الله، اللي في المصحف كلام الله لفظه ومعناه، وأؤلئك يقولون: ليس كلام الله بلفظه ومعناه، كلام الله بمعناه فقط، وأما اللفظ فإن الله تعالى خَلَق أصواتًا ليُعَبِّر بها عما في نفسه. إذن الأشعرية يقولون: ما في المصحف ليس كلام الله ولكنه عبارة عنه، والجهمية يقولون: إنه كلام الله، كلام الله حقيقة، ليس عبارة عنه، فالجهمية من هذا الوجه خَيْرٌ من الأشعرية. نأتي إلى الخلق: الأشعرية يقولون: هذه الحروف اللي في القرآن والأصوات التي سمعها الرسول أو سمعها جبريل يقولون: إنها مخلوقة، والجهمية يقولون أيضًا إنها مخلوقة؛ ولهذا قال بعض المحققين منهم: إنه ليس بيننا وبين الجهمية والمعتزلة فرق؛ لأننا كلنا متفقون على أن ما بين دَفَّتَيِ المصحف مخلوق، لكن نحن نقول: مخلوق وهو كلام الله، وأنتم تقولون، مخلوق وهو عبارة عن كلام الله. قال: (ثم من الجهمية مَنْ صَرَّح بنفي الكلام عن الله، ومنهم من أقَرَّ به وقال: إنه مخلوق)؛ يعني منهم من صرَّح وقال: إن الله لا يتكلم لكن يخلق كلامًا، ومنهم من قال: إنه يتكلم ولكن الكلام مخلوق. (سادسًا: قول فلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو). طالب: الخوارج (...) مخلوق. الشيخ: ما أعرف عنهم شيئًا. الطالب: (...). الشيخ: ما أدري. طالب: (...). الشيخ: (قول فلاسفة المتأخرين أتباع أرسطو: أنه فيضٌ من العقل الفعَّال على النفوس الفاضلة الذكية)، والعقل الفعَّال عندهم هو الذي خلق الكون ما هو بالله؛ ولهذا يعبرون عن الله بأنه العلة الفاعلة أو العقل الفعَّال أو ما أشبه ذلك. هذا العقل الفعال على رأيهم الإلكتروني يقولون: (إنه يُفيض على النفوس الفاضلة الذكية بحسب استعدادها وقَبُولها، فيوجب لها تصورات وتصديقات بحسب ما قَبِلَتْه منه). الفرق بين التصور والتصديق أن التصور يعرف الإنسان الصورة، والتصديق يحكم عليها، فالتصديق بمعنى الحكم على الشيء. (هذه التصورات والتصديقات المُتَخَيَّلَة تَقْوَى حتى تُصَوِّر الشيء المعقول صُوَرًا نورانية تخاطبها بكلام تسمعه الآذان). ويش هذا الطويل العريض؟ يقول: عندنا عقل فعال هو الذي يُدَبِّر الكون، يُفِيضُ على النفوس الفاضلة الذكية يفيض عليها مما عنده، لا نقول: مما أعطاه الله؛ لأنه هو الله عندهم، يفيض عليها تصوراتٍ وتصديقاتٍ بحسب استعدادها، فلِقُوَّة التصور والتصديق يَتَخَيَّل هذا الذي أُعطيَ هذه التصورات والتصديقات يتخيل أن أحدًا يخاطبه بكلامٍ تسمعه الآذان، هذا المتخيَّل عندهم هو الله الذي يتكلم. وهذا في الحقيقة -كما رأيتم- قولٌ باطل؛ أولًا: لأن العقل الفعال غير موجود. وثانيًا: أن هذه التصورات والتخيلات إذا أردنا أن نطبقها على الواقع نقول: هؤلاء مجانين، مثلما يتصور الإنسان أن جِنًّا يخاطبه ولا يتكلم معه، فهذه أقرب مع أنهم يرون.. هي أقرب هذه (...). (قول الاتحادية القائلين بوحدة الوجود) نسأل الله العافية، هؤلاء الاتحادية يقولون: إن المخلوق عَيْنُ الخالق، وبعضهم يقول: إن المخلوق ليس عين الخالق لكن اتَّحَدَ بعين الخالق، كانوا بالأول اثنين ثم صاروا واحدًا، والأولون يقولون: لا، أصلًا ما فيه اثنان، كل الكون هو الرب والمربوب، ولهذا قال لهم ابن القيم: يا جماعة، إذا قلتم: إن الرب هو هذا الكون، فمعنى ذلك أن مربوبَكم موطوؤُكم الزوج اللي يطأ زوجته، من يطأ؟ يطأ ربه، والعياذ بالله، ما دام تقولون: كل الكون هو الله فمعنى ذلك أنكم تَطَؤُون ربكم! ولهذا قال:
يَا أُمَّةً مَعْبُودُهَا مَوْطُوؤُهَا
أَيْــنَ الْإِلَهُ وَثَغْـــــرَةُ الطَّـــــعَّانِ
هؤلاء أهل وحدة الوجود، يقول مثلًا: أنت رَبٌّ وأنا رب، والكلب رب والحمار رب، والسماء رب والأرض رب، وكل شيء فهو رب. هؤلاء يقولون إذن: (كُلُّ كلام في الوجود فهو كلام الله). ما دام الإنسان رب، إذا تكلَّم فهو كلام الرب؛ ولهذا يقولون: (كل كلام في الوجود كلامه، سواء علينا نَثْرُه ونِظَامُه). فامرؤ القيس قصيدته كلام الله! وقس بن ساعدة خطبته كلام الله! وكل مَنْ تَكَلَّم فإن كلامه هو كلام الله! يتكلم بالقبيح، بالحسن، بأي شيء فهو كلام الله! طالب: وإن مات؟ الشيخ: وإذا مات مات جزء من الله، ما يموت، يقولون: بس تحول من وصف إلى وصف. طالب: أغلب (...). الشيخ: مثلما تحكي الصدى، ويش الصدى يعني؟ شيء يحكي الكلام حكاية، والعبارة معناها أن الكلام الأول انمحى ولكن عُبِّر عنه.
ثم قال: (فصلٌ في أن القرآن كلام الله). وهذا أيضًا مما حصل فيه النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين المعتزلة وأتباعهم. (فمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود) (أن القرآن كلام الله) دليلهم أظن (...) نتركها. (مُنَزَّل غير مخلوق) كلمة (غير مخلوق) هذه جاءت حين حدث القول بخلق القرآن، وإلَّا فالمعروف في عهد الصحابة رضي الله عنهم أنهم يقولون: القرآن كلام الله منزل، لكن لما حدث القول بأن القرآن مخلوق قال أهل السنة: إنه غير مخلوق، كما قال أهل السنة: إن الله استوى على العرش بذاته لما حدث القول بأنه بمعنى استولى، وقالوا: ينزل إلى السماء الدنيا بذاته حين حدث القول بأنه ينزل ملك من ملائكته أو رحمته. قال: (منه بدأ وإليه يعود) (منه بدأ) أي: من الله، ذكرها المؤلف بعد، تكلم به حقيقة. (وألقاه إلى جبريل فنزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم)، كما قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. فقولهم: إنه كلام الله؛ يعني: لا كلام جبريل ولا كلام محمد عليه الصلاة والسلام، فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن القرآن: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠]، وقوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة: ٤٠، ٤١] فأضاف الله هذا القول إلى الرسول، إلى الرسول الملكي في قوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠]، وإلى الرسول البشري في قوله: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة: ٤١]؟ قلنا: هذه الإضافة باعتبار التبليغ، فجبريل بَلَّغه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فيكون بالنسبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم قولَ جبريل فهو القائل، ومحمد صلى الله عليه وسلم بَلَّغه إلينا فيكون قوله باعتبار تبليغه إلينا. ويدلُّ لهذا أنه لا يمكن أن يكون القول الواحد قولًا لاثنين، وقد قال الله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ [التكوير: ١٩، ٢٠]، وقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة: ٤٠، ٤١]، فلا يمكن أن يكون القول الواحد قولًا لاثنين، إذن من هو قول الله؟ قول لله عز وجل، كما قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]. قال: (وقد دل على هذا القول الكتاب والسنة؛ فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] يعني القرآن)؛ لأنه ليس المعنى حتى يسمع كلام الله من ذات الله، ولكن حتى يسمع كلام الله من (...) كلام الله وهو القرآن. قال: (وقوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} [إبراهيم: ١]) فصرَّح بأن الله أنزله. (وقوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]) فهذا واضح أنه نزل وأنه غير مخلوق. فإن قلت: لا يلزم من النزول أن يكون غير مخلوق، فهناك أشياء ذكر الله أنه أنزلها وهي مخلوقة، كما في قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الأنعام: ٩٩]، ومعلوم أن هذا الماء. طلبة: مخلوق. الشيخ: مخلوق، وقال تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥]، ومعلوم أن الحديد مخلوق، وقال تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦]، ومعلوم أن هذه الثمانية مخلوقة، فلا يلزم من كونه نازلًا من الله أن يكون غير مخلوق؛ لأنا وجدنا أشياء أُضيفَ إنزالُها إلى الله عز وجل وهي مخلوقة، فما هو الجواب؟ الجواب أن يقال: إن هذه الأشياء التي أضاف الله إنزالها إليه أعيانٌ قائمةٌ بنفسها؛ الحديد والماء والأنعام أعيان قائمة بنفسها، فنعلم بأنها مخلوقة، وأما الكلام فإن الكلام لا يقوم بنفسه، بل لا يقوم إلا بمن؟ بالمتكلم به، وإذا كان لا يقوم إلا بالمتكلم به صار من صفاته، وصفات الخالق غير مخلوقة. قال: (ومن أدلة السنة قوله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض نفسه على الناس في الموقف: «أَلَا رَجَلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» ) واضح أنه يريد بذلك القرآن. (وقوله صلى الله عليه وسلم للبَراء بن عازب: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ» ). طالب: لا مخبأ. الشيخ: إي، غلط، لا ملجأ ولا، من اللي عنده الطبعة الأخيرة؟ «بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، الشاهد قوله: «بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، هذا يقوله الإنسان متى؟ إذا أَوَى إلى فراشه يقول هذا الكلام. وقد جاء في الحديث هذا أن البراء لمَّا أعادها على النبي صلى الله عليه وسلم قال: آمنت برسولك الذي أرسلت، فقال له: «بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، والمعروف أن كل رسول نبي؛ لأن الرسول أخص، لكن أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره فقالوا: إنه إذا قال: (برسولك الذي أرسلت)، يحتمل أن يكون المراد به الرسول المَلَكِيّ؛ لأنه يُسَمَّى رسولًا، فإذا قال: (بنبيك الذي أرسلت) تعيَّن أن يكون الرسول البشري الذي أرسله، هذا من جهة. من جهة أخرى أنه إذا قال: (برسولك الذي أرسلت) دخلت النبوة ضمنًا، لكن إذا قال: (بنبيك الذي أرسلت) دخلت النبوة صراحة، وهذا أوكد وأبين. (وقال عمرو بن دينار: أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود). فإن قلت: لماذا لا تقول: إن القرآن مخلوق والله عز وجل يقول: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: ٦٢]؟ فهل القرآن شيء ولَّا ما هو شيء؟ شيء بلا شك، ويش اللي يخرجه عن هذا العموم؟ طالب: الله. الشيخ: نقول: الذي يخرجه عن هذا العموم أنه من صفات الله، وصفات الله تعالى غير مخلوقة، ولو أخذنا بهذا العموم لقلنا: إن الله خالق نَفْسِه أيضًا؛ لأن الله سمَّى نفسه شيئًا فقال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩]. إذن فالله خالق كل شيء؛ يعني: ما عدا ذاته وصفاته؛ أما ذاته فظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يكون الخالق مخلوقًا، أو المخلوق خالقًا، وأما صفاته؛ فلأنها صِفَةٌ في ذاته، فإذا كانت الذات غير مخلوقة كانت الصفات غير مخلوقة. (ومعنى قولهم: منه بدأ أن الله تكلم به ابتداءً، وفيه رَدٌّ على الجهمية القائلين: بأنه خلقه في غيره. وأما قولهم: وإليه يعود فيحتمل معنيين: أحدهما: أن تعود صفة الكلام بالقرآن إليه، بمعنى أن أحدًا لا يوصف بأنه تكلم به غير الله؛ لأنه هو المتكلم به، والكلام صفة للمتكلم). إذن إليه يعود وصفًا لا يوصف به غيره. ويحتمل معنى آخر: (أنه يُرفع إلى الله تعالى كما جاء في بعض الآثار أنه يُسرى به من المصاحف والصدور، وذلك إنما يقع -والله أعلم- حين يُعرِض الناس عن العمل بالقرآن إعراضًا كُليًّا فيرفع عنهم تكريمًا له، والله المستعان). (...) فالقرآن شيء فلزم أن يكون مخلوقًا، ورددنا عليهم وقلنا: إذن الله مخلوق؛ لأنه شيء، وبيَّنا أن كل شيء قد يُرَاد بها الخصوص يعني كل شيء سواه، كما في قوله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف: ٢٥]. طالب: (...) جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] فجعل بمعنى خلق. الشيخ: لا، هذه شُبْهَةٌ ما هي بصحيحة، أقوى ما احتجوا به هذه، وأما إِنَّا جَعَلْنَاهُسيرناه قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف: ٣] فهذا معناه أنزلناه بلغة العرب تُفَسِّرُها الآية الثانية: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢]. طالب: (...). الشيخ: نعم، إن قلت: غير مخلوق أخطأت، وإن قلت: مخلوق أخطأت، إذن يجب علينا السكوت ولَّا ماذا؟ الطالب: (...). الشيخ: اسمع التفصيل، يقول: (فالجواب أن يقال: إن إطلاق القول في هذا نفيًا أو إثباتًا غير صحيح). يعني: لا تقل: مخلوق ولَّا غير مخلوق، ما يصح الإطلاق، ولهذا ورد عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جَهْمِي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. إذن ويش الواجب؟ الواجب السكوت، ما نقول: على الإطلاق؛ يعني: الواجب ألا نطلق، لا نقول: على الإطلاق إنه مخلوق، ولا نقول: إنه غير مخلوق واضح؛ لأنك إذا قلت: إنه مخلوق طبَّل لذلك ودففوا مَنْ؟ الجهمية والمعتزلة، وقالوا: الحمد لله، هذا رجل منا اتفضل. وإذا قلت: غير مخلوق فإنه يطبل لذلك القدرية؛ يقول: الحمد لله هذا يقول: إن فعله غير مخلوق لله، وسبق لنا أن القَدَرية يرون أن الإنسان مستقلٌ بعمله. فأنت الآن إن أَطْلَقْتَ: مخلوق فرح بك الجهمية والمعتزلة، وإن أطلقت: غير مخلوق فرح بك القدرية، إذن لا تُطْلِق يجب أن تفصِّل؛ ولهذا قال المؤلف: (وأما عند التفصيل فيقال: إن أُريد باللفظ التَّلَفُّظ، وإن أُريد باللفظ الملفوظ به). أفادنا المؤلف أن اللفظ مصدر، والمصدر يصح أن يُراد به الفعل اللي هو معنى المصدر، ويصح أن يُراد به المفعول الناتج عن المصدر، فمثلًا إذا قلت: لفظي في القرآن، أو لفظي بالقرآن، إن أردت به التلفظ اللي هو فعلك فهذا مخلوق ولَّا غير مخلوق؟ طلبة: مخلوق. الشيخ: فهذا مخلوق، وإن أردت به الملفوظ به اسم المفعول فهو غير مخلوق. كون المصدر يُراد به معناه شائعٌ كثيرًا في اللغة العربية وهو الأصل، وكون المصدر يُراد به اسم المفعول وارد في اللغة العربية وإن كان ليس بكثير، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» يعني مردودًا. إذن اللفظ صالح للأمرين، إن أُريد به التلفظ الذي هو فعل العبد فهو مخلوق؛ التعليل: لأن العبد وفعله مخلوقان. أنا عندما أقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، الصوت وحركات الفم واللسان مخلوقة؛ لأن هذا من أوصافي أنا، وأنا مخلوق، وصفاتي مخلوقة، لكن المقروء هذا غير مخلوق، وهو الملفوظ به؛ لأنه كلام الله. يقول: (وإن أُريد باللفظ الملفوظ به فهو كلام الله غير مخلوق؛ لأن كلام الله من صفاته، وصفاته غير مخلوقة). كل صفات الله غير مخلوقة حتى الفِعْلِيَّة؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، وما أشبه ذلك، ما نقول: إنها مخلوقة؛ لأنها من صفاته، كل صفاته غير مخلوقة. (ويشير إلى هذا التفصيل قول الإمام أحمد رحمه الله: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي. فقوله: يريد به القرآن يدل على أنه إن أراد به غير القرآن وهو التلفظ الذي هو فعل الإنسان فليس بجهمي). وهذه الرواية عن أحمد تُبَيِّن المُطْلَق من كلامه؛ لأنه رحمه الله ورد عنه في هذه المسألة روايتان؛ رواية يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. هذا مطلق. لكن الرواية الذي معنا: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد أيش؟ الإمام أحمد يقول: يريد القرآن فهو جهمي؛ لأن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق، فيكون المُطْلَق مما ورد عن الإمام أحمد يجب أن يُحمل على المُقَيَّد، وهو أن المراد مَنْ قال: لفظي بالقرآن يريد بذلك أيش؟ القرآن، فإنه في هذه الحال يكون جهميًّا. إذا قال قائل: البحث في هذا الأمر أصل البحث في هذا هل هو من الأمور المطلوبة ولَّا من الأمور التي ينبغي أن يُعرض عنها؟ نقول: ليس من الأمور المطلوبة، بل هو من الأمور التي ينبغي السكوت عنها والإعراض عنها؛ الدليل أن الصحابة رضي الله عنهم وهم أحرص منا على العلم لا سيما فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، هل كانوا بحثوا في هذا؟ لا، أبدًا، لكن الذي أوجب للسلف أن يبحثوا فيه هو كلام أهل البدع، فإن أهل البدع تكلموا في هذا الشيء، فهل يسوغ لنا عندما يتكلمون في هذا الأمر أن نسكت ونربط أفواهنا وندع هؤلاء يصولون ويجولون ويتكلمون بما يريدون، أو أن ننزل الميدان ونخوض الغمار؟ طالب: ننزل الميدان. الشيخ: هذا هو الواجب، الواجب أن ننزل الميدان ونُبَيِّن الحق ونبطل الباطل، وأما السكوت لهؤلاء يقولون ما يقولون، ويفعلون ما يفعلون، ولا نتكلم معهم بشيء، فإن هذا خلاف ما أوجب الله علينا نحن معشر أهل العلم. ولذلك تكلم الإمام أحمد ومحمد بن يحيى الزهري والبخاري وغيرهم من أهل العلم في هذه المسألة؛ لأنهم أُبتلوا بها. كما قلنا فيما سبق في مسألة الجسم والحيِّز والجهة وما أشبه ذلك كلها مما أُحْدِث القول به، ولكن السلف رَأَوْا أنه لا بد من الكلام، وألا ندع المجال لهؤلاء يتكلمون كما يشاؤون.
الباب التاسع عشر: في ظهور مقالة التعطيل واستمدادها
٠١:٠٩:٢٩
ثم قال: (الباب التاسع عشر: في ظهور مقالة التعطيل واستمدادها) وهذا له ناحية تاريخية. يقول: (شاعت مقالة التعطيل بعد القرون المفضلة -الصحابة والتابعين وتابعيهم- وإن كان أصلها قد نبغ في أواخر عصر التابعين). مقالة التعطيل، ويجب أن نعرف ما هو التعطيل؟ التعطيل في اللغة -سبق تعريفه في الكتاب الحقيقة- التخلية، وأما في الشرع: فهو تعطيل الله تعالى مما يجب له من الأسماء أو الصفات، سواء كان كليًّا أم جزئيًّا، فالذين يُنْكِرون الرحمة والمحبة والغضب والكراهة والسَّخَط نسميهم معطلة؛ لأن هذا تعطيل، وكذلك الذين يُنْكِرون جميع الصفات نسميهم معطلة، وكذلك الذين ينكرون الأسماء والصفات نسميهم معطلة، وكذلك الذين لا يصفون الله إلا بالنفي نسميهم معطلة، وكذلك الذين لا يصفون الله لا بالنفي ولا بالإثبات نسميهم أيضًا معطلة. والحاصل أن التعطيل هو تخلية الله عز وجل عما يجب له من الأسماء والصفات. (أول مَنْ تَكَلَّم بالتعطيل الجعد بن درهم) الجعد بن درهم هو أول من تكلم بالتعطيل، فعليه وِزْرُ هذه البدعة ووزر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، والعياذ بالله، وما أكثر الذين عملوا بها، فما أكثر أوزار هذا الرجل، نسأل الله السلامة والعافية. قال: (إن الله لم يتخذْ إبراهيم خليلًا، ولم يكلِّم موسى تكليمًا). شوف، مقالة التعطيل ظهرت في أصلين: في الكلام والمحبة؛ لأن عليهما مدار الشرع كله؛ فالكلام هو الوَحْي وهو الشرع، والمحبة عليها أساس العبادة؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يعبد الله إلا وهو يحبه. وعلى هذا أقول: نَفَى صفتين من صفات الله عز وجل فقط، لكن هاتين الصفتين عليهما مدار الشرع كله، كيف ذلك؟ لأنه إذا نفى أن الله يتكلم نفى الوحي، وإذا نفى أن الله يُحِب ويُحَب ويش نفى؟ نفى العبادة؛ لأن العبادة مبنية على المحبة، لولا محبة الله ما عبدناه، ولَّا لا؟ فحينئذٍ يكون هذان الأصلان من أَخْبِث الأصول، والعياذ بالله. ومع ذلك هل اقتصر متبعوه على نفي المحبة ونفي الكلام؟ لا، نَفَوْا كثيرًا من الصفات، لكن هذا أول ما قال. طيب، قيل له: كيف تقول: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا وقد قال الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥]؟ أنت الآن مكذِّب للقرآن، قال: لا، حاشا، أنا لا أكذب القرآن، ولكني أقول: إن المراد بالخلة الفقر؛ الفقر بمعنى الاختلال، فهو محتاج إلى الله عز وجل، هل هذا صحيح؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، لو كان هذا هو المراد بالخليل لكان الشيطان وإبراهيم سواء كلاهما محتاج إلى الله عز وجل، ولكان أفسق الناس وإبراهيم على حدٍّ. طلبة: سواء. الشيخ: سواء، وهذا لا يمكن أن يقوله عاقل. طيب، قال الكلام، يقول: (لم يكلم موسى تكليمًا) طيب في القرآن وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] تنكر؟ قال: لا، ما أنكر، لكن المراد بالتكليم الجَرْح، وعندي شاهد من الحديث، ويش الشاهد؟ قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، ويش معنى «مَكْلُومٍ يُكْلَمُ»؟ يعني: مجروح يُجرح، فمعنى كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىيعني: جَرَّحَه، طيب ويش معنى جرَّح أعوذ بالله؟ (...) موسى صار كله دمام قال: لا، جَرَّحه بمخالب الحكمة، نعم جرَّحه بمخالب الحكمة، ويش الكلام هذا معقول؟ هذه على سبيل التخييل، كما قال الشاعر:
وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا
أَلْفَيْتَ كُــــلَّ تَمِيــــــمَةٍ لَا تَنْفَعُ
لكن ويش معنى جَرَّحه بمخالب الحكمة والله عز وجل يقول: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢]؟! لكن الضلال هو الضلال -والعياذ بالله- ما ينفع مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]. على هذا يكون أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل- مأخوذة من رجل يقال له: الجعد بن درهم، وسيأتي إن شاء الله بيان حياة هذا الرجل. يقول: (فقتله خالد بن عبد الله القَسْري الذي كان واليًا على العراق لهشام بن عبد الملك، خرج به إلى مصلى العيد بوثاقه -وكان ذلك يوم عيد الأضحى، خرج به موثقًا بالحديد، ثم خطب الناس- وقال: أيها الناس ضحوا، تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم). نعم، جزاه الله خيرًا، نعم، الناس يضحون بالغنم بالشاة والبعير والبقر، وهذا ضحَّى بأخبث منها، شر منها، فإنه شَرٌّ من الإبل والبقر والغنم والحمير والكلاب والخنازير؛ لأن الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦] نعم، إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٤٤]، وإني أسألكم الآن البعير عن سبع، والبقرة عن سبع، وهذا الرجل عن كم؟! لا، عن آلاف الآلاف عن كثير؛ يعني: وقى الله به شرًّا كثيرًا نعم، لكن بعض الناس -والعياذ بالله- يقولون: إن هذا العمل من خالد بن عبد الله القَسْري ما هو دينًا، ولكنه سياسيٌ، ونقول لهم: هذا كَذِب؛ لأن الرجل صرَّح أمام الناس أنه قتله من أجل هذه البدع. قال: (لأنه زعم أن الله لم يتَّخِذْ إبراهيم خليلًا، ولم يُكلِّم موسى تكليمًا، ثم نزل وذبحه، وذلك في عيد الأضحى سنة مئة وتسع عشرة هجرية. وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله في النونية: وَلِأَجْلِ ذَا)، عندكم (لِأَجْلِ)؟
وَلِأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدُ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ الْقُرْبَانِ
طالب: مكتوب القسري. الشيخ: القسري؟ طلبة: بدون خالد. الشيخ: (وَلِأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدُ الْقَسْرِيُّ)، بدون خالد، لكن هي فيها خالد، خَالِدُ الْقَسْرِيُّ.
وَلِأَجْلِ ذَا ضَحَّى بِجَعْدٍ خَالِدُ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ ذَبَائِحِ الْقُرْبَانِ
طلبة: (...). الشيخ: لا، القربان.
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيــمُ لَيْسَ خَلِيلَهُ
كَلَّا وَلَا مُوسَى الْكَلِيمَ الدَّانِي
يقول ابن القيم:
شَكَرَ الضَّحِيَّةَ كُلُّ صَاحِبِ سُنَّةٍ
لِلَّهِ دَرُّكَ مِـــــــــــنْ أَخِـــــــي قُــــــــــــرْبَــــانِ
من يعني؟ خالد بن عبد الله، (لِلَّهِ درُّكَ مِنْ أَخِي قُرْبَانِ) أي: من صاحب قربان؛ فإن ذبح هذا تَقَرُّبًا إلى الله أعظم من ذبح الشاة أو البعير تَقَرُّبًا إلى الله عز وجل؛ لما في ذلك من النَّكال بأصحاب البدع وإتلافهم. (ثم أخذها عن الجعد رجل يقال له: جَهْم بن صفوان، وهو الذي ينسب إليه مذهب الجهمية المعطِّلة؛ لأنه نشره فقتله سَلَم بن أَحْوَز صاحب شرطة نصر بن سيار). طالب: سلمة يا شيخ؟ الشيخ: سلم بدون تاء (بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار، وذلك في خراسان سنة مئة وثمانٍ وعشرين هجرية). كم بينهما؟ تسع سنوات. طالب: ما الذي (...)؟ الشيخ: لأنهم دعاة كفر. الطالب: اللي فارقوا الجماعة؟ الشيخ: إي نعم، ودعاة كفر أيضًا؛ لأنهم كذَّبوا القرآن. (وفي حدود المئة الثانية عُرِّبت الكتب اليونانية والرومانية، فازداد الأمر بلاءً وشدة، ثم في حدود المئة الثالثة انتشرت مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المِرِّيسي وطبقته الذين أجمع الأئمة على ذمهم، وأكثرهم كفَّروهم أو ضلَّلوهم)، والله أعلم. (...) على يد المأمون، المأمون الذي الآن الأدباء يمدحون عصره مدحًا عظيمًا ويسمونه العصر الذهبي، مع أن شيخ الإسلام يقول: أنا ما أظن أن الله يُغفِل المأمون على ما أدخل على الأمة الإسلامية من البلاء. فهذا الرجل -والعياذ بالله- كما تعرفون حصل على يده من الأذى لأئمة أهل السنة ما هو معلوم، ومِنْ أكبر مَنْ آذى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. طالب: (...). الشيخ: لا، (...) في عهده عهد ابن أبي دؤاد كان هو الذي يتولى هذا الشيء. في حدود المئة الثالثة أيضًا تطورت هذه المقالة بسبب مَنْ؟ بسبب ِبشْرِ بن غِياث المِرِّيسي، هذا الرجل من علماء الكلام وعنده فلسفة وعنده إقناع؛ يعني حجة باطلة، لكنه صاحب بيان. الذين أجمع الأئمة –يقول شيخ الإسلام- على ذمهم، وأكثرهم كفَّروهم أو ضلَّلوهم، فكان الناس بالنسبة إليهم ما بين مُضَلِّل ومكفِّر. وهذا التنوع يظهر أنه باعتبار حال المبتدع، إن كان داعية فإنهم يكفرونه، وإن كان مُقَلِّدًا فإنهم يضللونه. وكتب: (صنَّف عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله كتابًا رَدَّ به على المِرِّيسي سماه: نقض عثمان بن سعيد على الكافر العنيد فيما افترى على الله من التوحيد)، وهذا الكتاب موجود ومطبوع، وهو كتابٌ جيد ومفيد لطالب علم، وأسلوبه على الأساليب السابقة في الرد والأخذ والمناقشة. (مَنْ طالع هذا الكتاب بعلم وعدل تَبَيَّن له ضعف حجة هؤلاء المعطلة بل بطلانها، وأن هذه التأويلات التي توجد في كلام كثير من المتأخرين كالرازي والغزالي وابن عقيل وغيرهم هي بعينها تأويلات بِشْرٍ. وأما استمداد مقالة التعطيل فكان من اليهود والمشركين وضُلَّال الصابئين والفلاسفة) وبئس المدد. (من اليهود ومن المشركين وضلال الصابئين والفلاسفة) وجه ذلك؟ قال: فإن الجعد بن درهم أخذ مقالته -على ما قيل- مِنْ أبان بن سمعان عن طالوت عن لَبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا وجه استمدادها، منين؟ من اليهود، وهذه السلسلة العطب والعياذ بالله، ما هي سلسلة الذهب، فإنها كلها شر. (ثم إن الجعد -على ما قيل- من أرض حَرَّان، وفيها خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، ولا ريب أن للبيئة تأثيرًا قويًّا في عقيدة الإنسان وأخلاقه). طالب: (...). الشيخ: وفيها خلقٌ كثير من الصابئة والفلاسفة. طلبة: من المشركين والصابئة. الشيخ: من المشركين والصابئة. يمكن عندي أنا ساقطة. (والصابئة والفلاسفة) وكان -شوف الكلام على.. انظر إلى مذهبهم والعياذ بالله. (وكان مذهب النفاة من هؤلاء أن الله ليس له صفات ثبوتية؛ لأن ثبوت الصفات يقتضي -على زعمهم- أن الله مشابه لخلقه، وإنما يثبتون له صفات سلبية، أو إضافية، أو مركبة منهما). يقولون: لا يمكن أن نثبت لله صفات ثبوتية، ويش هذه الصفات الثبوتية؟ كالسمع والبصر والكلام والقدرة والعلم والخلق وما أشبه ذلك. يقولون: ما نُثبت هذه الصفات، لماذا؟ قالوا: لأن إثباتها يستلزم أن يكون مشابهًا للمخلوق ومماثلًا له، وهذا ممتنع، شوف حجتهم. وبعضهم يقول: لأن هذه الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بأجسام، والأجسام متماثلة، فيلزم إذا أثبتَّ هذه الصفات أن تكون قد مثَّلْتَ الله تعالى بخلقه. يقول: (فالصفات السلبية ما كان مدلولها عدم أمر لا يليق بالله، مثل قولهم: إن الله واحد) كلمة (واحد) نحن نرى أنها صفة ثبوتية، هم يقولون: إنها صفة سلبية، كيف ذلك؟ يقول: (بمعنى مسلوبٌ عنه القسمة بالكَمِّ أو القول، ومسلوب عنه الشريك) ويش معنى..؟ طالب: (...). الشيخ: ويش اللي عندك؟ الطالب: (...) تدل على أمر مسلوب (...). الشيخ: كالعلم، إي. الطالب: العلم من صفات الله وهو أمر حقيقي (...) ويقولون معناه انتفاء الجهل عنه لكن (...). الشيخ: فرق، يحتاج أن نغير هذا كله، هو المثال اللي عندك أوضح، المثال اللي عندي نشرحه أولًا ثم نشرح المثال اللي عندك. يقولون: إن الله واحد، وليس معنى واحد ثبوت صفة الوحدانية له، لا. واحد بمعنى أنه مسلوبٌ عنه القسمة، سواء كان ذلك بالتعدُّد أو بالتجزؤ، ومسلوب عنه الشريك؛ يعني أنه لا يقبل القسمة بالتجزؤ ولا بالتعدُّد بالكمية؛ يعني ما هو اثنين، ولا هو بواحد يتجزأ، عرفتم؟ فصار الآن الواحد عندهم ليس معناه من ثبتت له الوحدانية، ولكن معناه أيش؟ مَنْ سُلِب عنه القسمة؛ يعني: ما يتقسم ولا يتجزأ، لا بالكَمِّ بحيث يكون واحد اثنين ثلاثة أربعة، ولا بالقول، بحيث يكون له نصف وربع وثمن وما أشبه ذلك، وكذلك مسلوبًا عنه الشريك؛ يعني أنه لا شريك له. والمثال الثاني: يقولون: إن الله عالم، لكن ليس معنى العالم من كان مُتَّصفًا بالعلم، ولكن عالم أي: ليس بجاهل، عالم يعني: ليس بجاهل. يقول أيضًا: قدير ليس بعاجز، وليس معناه إثبات صفة القدرة. ومن المعلوم أن هذا الكلام لا يُعقل؛ لأنه إذا لم يكن جاهلًا فهو عالم؛ لأن العلم والجهل متناقضان، إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، وإذا ثبت أحدهما انتفى الآخر. (أما الإضافيَّة فهي التي لا يوصف الله بها على أنها صفة ثابتة له). طالب: من الصفات (...). الشيخ: طيب نشوف اللي عندنا الآن يختلف. (الإضافية هي التي لا يُوصَف الله بها على أنها صفة ثابتة له، ولكن يوصف بها باعتبار إضافتها إلى الغير، كقولهم عن الله تعالى: إنه مبدأ وعلة، فهو مبدأ وعلة باعتبار أن الأشياء صَدَرَت منه، لا باعتبار صفة ثابتة له هي البداءه والعِلِّيَّة). أولًا: هؤلاء هذا المثال مثالهم، يقولون: إن الله سبحانه وتعالى هو المبدأ والعلة؛ ولهذا يسمونه العلة الفاعلة، ومبدأ الأكوان والأشياء، ما معنى المبدأ والعلة؟ هل معناه ثبوت البَداءة له والعِلِّيَّة؟ لا، حتى على هذه التسمية الباطلة لا يجعلونه ثبوتيًّا، يقول: معناه أن الأشياء صَدَرَت منه، فهو بالإضافة إلى غيره. وكذلك الذي عندك الخلق، يقولون: إن الله تعالى له صفة الخلق، لكن لا بمعنى أنه متصفٌ به، ولكن بمعنى أن له أيش؟ مخلوقًا. (أما المركبة منهما: فهي التي تكون سلبية باعتبار، وإضافية باعتبار، كقولهم عن الله: إنه أول..) كذا عندك؟ طالب: (...). الشيخ: طيب، (إنه أول، فهي سلبية باعتبار أنه مسلوب عنه الحدوث، إضافية باعتبار أن الأشياء بعده. فإذا كان هذا هو ما تُستمَد منه طريقة النفاة فكيف تطيب نفس مؤمنٍ أو عاقل أن يأخذ به ويترك سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)؟! هذا الفصل يعتبر فصلًا تاريخيًّا، لكنه مع ذلك يُبَيِّن أن أصل أو أن مبدأ هؤلاء النفاة كله باطل؛ لأنه كما رأيتم مأخوذ من الفلاسفة واليهود وضُلال المشركين، فلا يمكن أن يكون مبنى لعقيدة إسلامية يدين المرء بها لله تعالى. طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: (...).