تجاوز إلى المحتوى

شرح العقيدة الحموية - ٥

درس صوتي · ٩٣:١٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الباب العاشر: في استواء الله على عرشه

٠٠:٠٠:٠١

طالب: يُطلق على معانٍ تدور على الكمال والانتهاء، وقد ورد في القرآن على ثلاثة أوجه: مطلقًا كقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: ١٤] أي كمل، ومقيدًا بـ(إلى) كقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: ٢٩] أي قصد بإرادة تامة، ومقيدًا بـ(على) كقوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه} [الزخرف: ١٣]، فاستواء الله على عرشه معناه علوه واستقراره عليه، علوًّا واستقرارًا يليق بجلاله وعظمته، وهو من صفاته الفعلية التي دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥]. ومن أدلة السنة: ما رواه الخلال في كتاب السنة بإسنادٍ صحيح على شرط البخاري عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ» . ذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية صفحة ٣٤، وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: أنه مذكور. الشيخ: إنه. الطالب: الهمزة فوق. الشيخ: لا، غلط، مقول القول يجب فيه الكسر، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠]. الطالب: إنه مذكورٌ في كل كتابٍ أنزله الله على كل نبي، انتهى. وقد أجمع أهل السنة على أن الله تعالى فوق عرشه، ولم يقل أحد منهم: إنه ليس على العرش، ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم ذلك لا نصًّا ولا ظاهرًا. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الباب العاشر في استواء الله على عرشه، وهذا أخصُّ من العلو؛ لأن علو الله عز وجل عام عالٍ على كل شيء، وأما الاستواء فإنه خاص بالعرش، يقال: إن الله تعالى علا على السماوات، ولا يقال: إنه استوى على السماوات، فالاستواء إذن أخص من العلو، ولهذا يقر بعض أهل البدع بعلو الله عز وجل، ولا يقرون باستوائه على عرشه. يقول: (الاستواء في اللغة يُطلق على معانٍ تدور على الكمال والانتهاء)، يعني أنه الاستواء كل معانيه تدور على كمالٍ وانتهاء، وإن كان قد تختلف في بعض الأماكن عن بعض إما بذات تخصيص أو تقييد أو ما أشبه ذلك، وهذا ما يسمى بعلم الاشتقاق. ومن أحسن ما رأيت في هذا الباب كتاب مقاييس اللغة لابن فارس موجود في ستة مجلدات أو سبعة، هذا الكتاب يذكر لك المادة، ثم يقول: أصلها كذا وكذا، ثم يأتي بشواهد على هذا، وهو نازعٌ لطالب العلم، ودائمًا نرى بالتعريفات عند أهل الفقه يقول: وهذا مشتق من كذا (...) عليه. (فالاستواء يُطلق في اللغة على معانٍ متعددة كلها تدور على الكمال والانتهاء، وقد ورد في القرآن على ثلاثة وجوه)، انتبه لكلام المؤلف: (ورد في القرآن على ثلاثة وجوه)، لا في اللغة؛ لأنه في اللغة ورد على أربعة وجوه: الوجوه الثلاثة التي في القرآن، ووجه رابع: أن يكون مقرونًا بالواو، يكون لقولهم: استوى الماء والخشبة، استوى الماء والخشبة هذا ما جاء نظيره في القرآن لكنه مُستعمل في اللغة العربية، استوى الماء والخشبة ويش معناه؟ يعني تساوى الماء والخشبة، ما هو من العلو؟ (في القرآن ورد على ثلاثة أوجه: الأول: مطلق؛ كقوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} [القصص: ١٤]). ويش معنى استوى؟ أي كمل، فإذا جاءت استوى مطلقة فهي بمعنى الكمال، ولهذا يقال: استوى الطعام، يعني كمل ونضج.

(ومقيدة بـ(إلى)؛ كقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: ٢٩])، وقد وردت في القرآن في كم موضع مقيدة بـ(إلى)؟ لا، مقيدة بـ(إلى). طالب: في موضع.

الشيخ: أو في موضعين، في سورة البقرة. الطالب: والدخان. الشيخ: لا، في سورة فصلت، في سورة البقرة: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [البقرة: ٢٩]، وفي سورة فصلت: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: ١١].

فوردت في موضعين في القرآن مُعدَّاة بـ(إلى)، واختلف المفسرون فيها؛ فقال بعضهم: إن اسْتَوَىهنا بمعنى قصد بإرادة جازمة، قصد إلى السماء، وهؤلاء أيدوا قولهم بوجهين: وجه لفظي، ووجه معنوي. الوجه اللفظي: قالوا: إن استوى هنا عُدَّت بـ(إلى)، وهي إذا كانت بمعنى العلو تعدت بـ(على)، فلما عُدِّيت بـ(إلى) صارت مضمَّنة معنى يتعدى بـ(إلى)، يقول: (معنى استوى إليها أي قصد إليها على وجهٍ كامل)، نحن قلنا: إنها تدور على الكمال والانتهاء، أي قصد إلى السماء قصدًا كاملًا. الوجه الثاني مما أيدوا به تفسيرهم هذا وجه معنوي: قالوا: لأننا إذا قلنا: استوى إلى السماء؛ أي علا إليها؛ لزم من ذلك أن يكون قبل هذا تحت السماء، إذا قلنا: استوى إليها يعني صعد إليها؛ لزم أن يكون حين خلق الأرض تحت السماء، وهذا مُحال؛ لأنه ينافي علو الله عز وجل، وإلى هذا المعنى؛ أي إلى أن المراد استوى إلى السماء؛ أي قصد إليها ذهب ابن كثير -رحمه الله- في التفسير.

أما ابن جرير فإنه يقول: إن استوى هنا بمعنى علا، قال: لأن هذا هو معناها في القرآن، كلما عُدَّت بحرف جر فإنها بمعنى علا. ونقول كما نقول في سائر الصفات: استوى الله إلى السماء، ولا يلزم من ذلك أن يكون السماء فوقه حين خلق الأرض، بل إن هذا كما في قوله: ينزل إلى السماء الدنيا. ولا يلزم أن تكون السماوات الأخرى فوقه، وهذا أقرب إلى ظاهر اللفظ، يكون المعنى استوى إليها أي علا إليها وصعد إليها، وارتفع إليها، وما أشبه ذلك. ونقول: إن هذا في أمور لا تدركها عقولنا فنبقيها على ظاهر لفظها، وننزه الله تعالى عما لا يليق به من كون شيءٍ من مخلوقاته فوقه.

يقول: (ومقيد بـ(على) كقوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه} [الزخرف: ١٣]) الآية هذه هي قبلها شيء يبين المعنى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: ١٢، ١٣]، ظهور أيش؟ على ظهور ما تركبون، تستووا على ظهوره، معنى تستووا على ظهوره يقول: (معناه حينئذٍ العلو والاستقرار)؛ لأن اللي يركب على البعير، أو يركب على السفينة مثلًا عالٍ عليها ولَّا لا؟ ومستقر؛ ولهذا قال: ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٣] أي ما كنا مطيقين له لولا أن الله سخره. إذن الاستواء في القرآن ورد على ثلاثة وجوه: مطلق، مقيد بـ(إلى)، مقيد بـ(على). لننظر إلى استواء الله على العرش: هل ورد بـ(إلى)؟ على العرش. طلبة: لا. الشيخ: ما ورد بـ(إلى)، كل المواضع وهي سبعة في القرآن بالنسبة لاستواء الله على العرش، كلها وردت بـ(على)، وعليه (فاستواء الله على عرشه معناه علوه واستقراره عليه، عُلوًّا واستقرارًا يليق بجلاله وعظمته)، هذا معنى استوى على العرش؛ يعني علا عليه واستقر. أما (علا عليه) فقد لا يستنكرها الإنسان، لكن استقر عليه أنكرها بعض أهل العلم من أهل السنة مع أنها جاءت عن السلف، لكن أنكرها، قال: ما ينبغي أن نصف الله بأنه استقر على هذا الشيء على العرش؛ لأن الاستقرار على الشيء قد يُفهم منه حاجة المستقر إليه، وعلى هذا فنقول: استوى على العرش؛ أي: علا عليه على وجهٍ خاص علوًّا يليق بجلاله وهو غير العلو المطلق على جميع المخلوقات. ولكننا نقول: إذا كان قد ورد عن السلف فنقول: إننا نأخذ به، ولا يلزم من استواء الله على العرش؛ بمعنى استقراره عليه أن يكون الله محتاجًا إليه، لا يلزم؛ لأن العرش وكل المخلوقات محتاجة إلى الله. وقد ذكر ابن القيم في النونية أنه ورد عن السلف تفسيرها بأربعة معانٍ: بمعنى علا، وبمعنى ارتفع، وبمعنى صعد، وبمعنى استقر. نحن حذفنا صعد وارتفع؛ لأنه يغني عنها. طلبة: علا. الشيخ: علا، يغني عنها علا. يقول: (استقر علوًّا يليق بجلاله وعظمته)، ليس كاستوائنا نحن على الفلك، أو على البعير، أو على السيارة؛ لأننا نحن إذا استوينا على هذا الأشياء محتاجون إليها، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: ولو أنها أُزيلت من تحتنا لسقطنا، لكن الله عز وجل مستوٍ على العرش وهو غير محتاج إليه، بل العرش وغيره من المخلوقات محتاج إلى الله.

ويقول: (وهو من صفاته الفعلية)؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل شيء يتعلق بمشيئة الله من صفاته فهو من الصفات الفعلية، لأن الصفات الذاتية لازمة لا تنفك عن الله عز وجل. والدليل على أن الاستواء من الصفات الفعلية قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]، وجه الدلالة أن قوله: ثُمَّيدل على أن الاستواء كان بعد أن لم يكن، خلق ثم استوى، إذا كان بعد أن لم يكن صارت الصفة فعلية. طالب: (...). الشيخ: لا، لو شاء الله تعالى لم يستوِ على العرش، لكن الذاتية ما تتعلق بمشيئته، متصفٌ بها دائمًا، إنما هي باعتبار جنس الفعل فإن جنس الفعل من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعَّالًا سبحانه وتعالى. طالب: قيل: الاستواء من الصفات. الشيخ: نعم. الطالب: يكون فيه الاستواء من الشيء وهو تفسير (...)، فلماذا؟

الشيخ: لماذا؟ لأنهم يقولون: إن الاستواء في اللغة العربية يأتي بمعنى الاستقرار؛ لأن قوله: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه [الزخرف: ١٣] ليس بمعنى مجرد العلو، بل العلو هو استقرار؛ لأنه ما تتم النعمة إلا إذا استويت على الفلك وعلى الأنعام استواءً باستقرار، أما لو تعلو عليها، ثم تحيد وتسقط ما تمت النعمة. يقول: (دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥]) وقد ذكرها الله تعالى في سبعة مواضع من القرآن، ولم تأتِ في القرآن مرة واحدة بلفظ (استولى) مما يدل على أنها حقيقة في العلو خلافًا لما فسرها بالاستيلاء، وسيأتي إن شاء الله الرد عليهم.

(ومن أدلة السنة: ما رواه الخلال في كتاب السنة بإسنادٍ صحيح على شرط البخاري، عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ» ).

«لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ» يعني انتهى منه، ولا يعني ذلك أن الله تعالى شغله شيء عن شيء، ولكنه لما انتهى من الخلق، فالانتهاء هنا بالنسبة للمخلوق لا للخالق؛ لأن الله عز وجل لم يزل ولا يزال فعالًا، ولا يشغله شيء عن شيء؛ وبهذا يزول الإشكال الذي أورده بعض الناس على قول الله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ [الرحمن: ٣١]، فقالوا: إن هذه الآية ظاهرها يقضي أن الله كان. طالب: منشغلًا. الشيخ: مشغولًا عن محاسبة الثقلين من قبل، ولكن نقول: هذا ليس بصحيح، وإنما المعنى أنه باعتبار محاسبة هؤلاء صار تجدد المحاسبة، وهو من باب التهديد في قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ. قال: (وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: إنه مذكور في كل كتابٍ أنزله الله على كل نبي)، وعلى هذا فتكون الملل مُجمعةً على استواء الله على عرشه. (وقد أجمع أهل السنة على أن الله تعالى فوق عرشه، ولم يقل أحد منهم: إنه ليس على العرش). أجمع أهل السنة، إذا قيل: أهل السنة، فمن هم؟ قال السلفيون: نحن أهل السنة، وقال الأشعريون: نحن أهل السنة، وقال الماتريديون: نحن أهل السنة، وقال بعض الناس: كلكم أهل السنة، مُصالحة، ولكن الصواب الذي لا شك فيه أن أهل السنة لا ينطبق إلا على مَنْ؟ طلبة: السلف. الشيخ: إلا على السلفيين المتبعين للسلف؛ لأن معنى أهل الشيء هو الملازم للشيء، ومن خرج عن السنة بتأويل لم تدل عليه السنة فهو ليس من أهل السنة، فالصواب أنه إذا قيل: أهل السنة لا يُعنى به إلا السلفيون، أعني المتبعين للسلف. قال: (أجمع أهل السنة على أن الله تعالى فوق عرشه)، ومعلوم أننا لو قلنا: إن أهل السنة تشمل الأشعرية والماتريدية، لو قلنا بذلك لكان نقل الإجماع هذا غير صحيح؛ لأن الأشاعرة والماتريدية ما يقرون باستواء الله على العرش. (ولم يقل أحد منهم: إنه ليس على العرش، ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم ذلك لا نصًّا ولا ظاهرًا) ويش الفرق بين النص والظاهر؟ النص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، والظاهر ما يحتمل معنيين وهو في أحدهما أظهر. (وقال رجل للإمام مالك رحمه الله: يا أبا عبد الله، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥]، كيف استوى؟) كلمة (كيف استوى؟) يحتمل أنه سؤال عن الكيفية مع الإقرار به بالاستواء، ويحتمل أن يكون الاستفهام للإنكار، ويش لون الاستواء على العرش؟ هذا لا يمكن، أليس كذلك؟ فصيغة الاستفهام هنا يحتمل أنها استفهام عن الكيفية مع الإقرار بأصل الاستواء، ويحتمل أنها إنكار للاستواء؛ يعني يقول: كيف أن الله استوى على العرش وهو خالق العرش؟ (الإمام مالك رحمه الله أطرق مالكٌ برأسه حتى علاه الرُّحضاء؛ يعني العرق، ثم قال: الاستواء غير مجهول)، ويش معنى غير مجهول؟ يعني غير مجهول المعنى، بل هو معلوم المعنى. (والكيف غير معقول)، يعني أن عقولنا لا تدرك الكيف، وليس المعنى أنه لا كيفية لاستواء الله على العرش خلافًا لمن زعم ذلك؛ لأننا لو قلنا: إن المعنى إنه لا كيفية للاستواء صار معناه نفي الاستواء؛ لأن كل موجود فلا بد له من. طالب: غاية. الشيخ: من كيفية، أليس كذلك؟ فإذا قلت: لا كيفية لاستواء الله على العرش؛ صار المعنى نفي الاستواء، لكن مراد السلف بقولهم: (الكيف غير معقول) يعني أننا نحن لا نعقل هذه الكيفية وإلا فإن له كيفية لا يعلمها إلا الله عز وجل.

(والإيمان به واجب)، الإيمان بماذا؟ بالاستواء واجب. (والسؤال عنه بدعة)، السؤال عن الكيفية ما على الاستواء بدعة، (وما أُراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج). يعني ما أظنك إلا مبتدعًا، ولهذا أقول: أُراك بضم الهمزة، ويصلح: وما أراك؛ أي: ما أعلمك؟ طالب: يصلح. الشيخ: يصلح ما أعلمك إلا مبتدعًا؟ في هذا التركيب لا يصلح؛ لأن مالكًا رحمه الله ما يعلم، ويتيقن أن هذا الرجل مبتدع. (وقد روي نحو هذا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك، فقوله: الاستواء غير مجهول، أي: غير مجهول المعنى في اللغة، فإن معناه: العلو والاستقرار. وقوله: والكيف غير معقول، معناه: أَنَّا لا ندرك كيفية استواء الله على عرشه بعقولنا، وإنما طريق ذلك السمع، ولم يرد السمع بذكر الكيفية، فإذا انتفى عنها الدليلان العقلي والسمعي كانت مجهولة يجب الكفُّ عنها) أظن واضح المعنى، نقول: الكيف غير معقول، ما نعقله، ولا ندركه بعقولنا، إذا كنا لا ندركه بعقولنا فإلى أي شيء نرجع؟ إلى الكتاب والسنة، إلى السمع، وهل ورد السمع بذكر الكيفية؟ طالب: لا.

الشيخ: لا، إذن تبقى الكيفية مجهولة؛ لأنه انتفى عنها الدليلان العقلي والسمعي. ولهذا قال بعض أهل العلم: إذا قال لك الجهمي: إن الله ينزل إلى السماء، فكيف ينزل؟ فقل له: إن الله أخبرنا أنه ينزل، ولم يخبرنا كيف ينزل، فلا نتجاوز ما أخبر الله به عن نفسه. واضح؟ وقال آخر: إذا قال لك الجهمي: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فكيف ينزل؟ فقل له: أخبرني كيف ذاته؟ فسيقول لك: الذات مجهولة الكيفية، فقل له: إن الصفات فرع عن الذات، فإذا جُهلت كيفية الذات جُهلت كيفية الصفات، والأمر واضح والحمد لله. طالب: الإجماع على العقيدة في مجال العقائد (...)؟ الشيخ: نعم، صحيح، الإجماع في مجال العقائد مثل الإجماع في مجال الأحكام. طالب: حتى إنه (...). الشيخ: إي نعم، لأن المراد بالإجماع إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هؤلاء لا يُعتبر قولهم في الإجماع. طالب: (...) بيده؟ الشيخ: نعم. الطالب: هل هي هذه الكيفية (...)؟ الشيخ: لا، هذا من باب التحقيق، فمثلًا لما قرأ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] وضع إبهامه على عينه، وسبابته على أذنه، أو بالعكس، وليس المعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن هذه العين، وأن لله أُذنًا، لا يريد هذا، لكن يريد التحقيق، مثل قوله: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» .

وقوله: (الإيمان به واجب؛ معناه أن الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق واجب) لماذا؟ لأن الله أخبر به عن نفسه فوجب تصديقه والإيمان به، إذن الإيمان واجب بماذا؟ بالاستواء ولَّا بالكيف؟ الطلبة: بالاستواء. الشيخ: بالاستواء، نعم. طالب: الصحابة ما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال، كيف استوى الله؟ الشيخ: إي ما سألوه.

وقوله: (والسؤال عنه بدعة؛ معناه: أن السؤال عن كيفية الاستواء بدعة؛ لأنه لم يكن معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه). ما سألوه كيف استوى؛ لأنهم يعلمون معنى الاستواء، ويعلمون أنهم لن يدركوا كيفيته؛ لأن الله يقول: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، فإذا كنا لا ندرك كنه ذاته فلا يمكن أن ندرك كنه صفاته؛ لأن الكلام عن الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات. طالب: البدعة في السؤال عن الكيفية أو في الأسماء والصفات (...) وسائر الصفات. الشيخ: لا، الظاهر أن البدعة هو السؤال عن الكيفية، هذا ظاهر السياق؛ لأن الرجل سأل عن الكيفية، وأما الخوض في باب الأسماء والصفات فإن الصحابة يسألون الرسول أحيانًا عن أسماء الله وصفاته، قالوا مثلًا: أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السماوات والأرض، وقال أبو يزيد العقيلي: يا رسول الله، كيف يحاسبنا الله تعالى ونحن جميعٌ وهو واحد، لا يسألون عن هذا الشيء لكن سؤالهم عن الكيفية وعما لا يمكن إدراكه ما يسألون. طالب: (...). الشيخ: لا، وما أُراك إلا مبتدعًا. الطالب: (...). الشيخ: إن قال: وما أُراك إلا مبتدعًا؛ لأن هذا كان من ديدن أهل البدع، في عهد الإمام مالك والأئمة كان أهل البدع يمشون على أهل العلم، ثم يوردون مثل هذه الشُّبَه، فكان ذلك ديدنهم. طالب: ممكن يجربه في أمور أخرى حتى (...). الشيخ: لا، هم يسألون مثل أسئلة أهل البدع، يمشون على الناس يقولون مثلًا: كيف كذا؟ وكيف كذا؟ علشان هم يشككون في عقائدهم، أو يحاولون منهم أن يدعوا هذه العقائد إلى ما يعتقده هؤلاء، هذا ديدنهم كان، وهذا الذي ذكره الإمام مالك رحمه الله، استواء الله على عرشه بمعنى العلو عليه، لزم من ذلك أن يكون أكبر من العرش، أو أصغر، أو مساويًا، هذا اللزوم صحيح؟ طلبة: لا. الشيخ: كل شيء على شيء، فإما أن يكون هذا الذي فوق أكبر من اللي تحت، ولَّا أصغر، ولَّا مساويًا، صح؟ طلبة: إي نعم. الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، هذا اللزوم عقلي، (نقول في الجواب) شوف بقية الإيراد (وهذا يقتضي أن يكون جسمًا، والجسم ممتنع على الله)، شوف هذا الطاغوت المعول الخارب يمشي عليه كل من أنكروا الصفات، كل اللي ينكرون الصفات يقولون: لأن إثباتها يستلزم أن يكون جسمًا، ثم يقولون: الأجسام متماثلة، فإذا كانت الأجسام متماثلة وهذا يستلزم التجسيم لزم أن يكون الله مماثلًا للخلق، لكن هذا المعول أظنه سبق لنا بيان أنه معولٌ لا يستقيم، بل معولٌ لا يفيد.

الجواب أن يُقال: لا ريب أن الله أكبر من العرش، وأكبر من كل شيء، هذا حق ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الله يقبض السماوات بيمينه، وكذلك الأرض، ورُوى عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن السماوات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا، وعلى هذا فالله أكبر من كل شيء، وهذا ليس فيه أي محظور، ولا يلزم على هذا القول شيء من اللوازم الباطلة التي يُنزه الله عنها، هل يلزم في هذا محظور؟ إذا قلنا: إن الله أكبر من كل شيء، نحن نقول في كل صلاة: نقول: الله أكبر، وإن كان الذي يتبادر في قولنا: الله أكبر في الصلاة وفي الأذان أنه أكبر من الكبرياء والعظمة هل هو (...)؟ لكن مع ذلك أيضًا هو أكبر من كل شيء حتى بذاته، والدليل على هذا ما أشرنا إليه قبل قليل، والله عز وجل فوق العرش وليس محتاجًا إلى العرش كما سبق، فحينئذٍ ما فيه نظر ولا فيه محظور. (وأما قوله: إن الجسم ممتنع على الله، فجوابه: أن الكلام في الجسم وإطلاقِه على الله -أو وإطلاقُه على الله- نفيًا أو إثباتًا من البدع التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة وأقوال السلف) أليس كذلك؟ دَوِّر في القرآن أن الله نفى أن يكون جسمًا، أو أثبت أنه جسم، ما تجد، هات في السنة أن الرسول أثبت أن الله جسم، أو أن الله ليس بجسم، ما تجد هذا، في أقوال السلف ما تجد هذا، ما حدث القول في الجسم إلا بعد حدوث البِدَع؛ ولهذا يقول: (نقول: هذا ليس بموجود، وإطلاقه من البدع التي لم ترد في الكتاب والسنة وأقوال السلف، وهو من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى تفصيل). لأن كلمة جسم إذا قلت: هل لله جسم ولَّا لا؟ يحتاج إلى تفصيل. (فنقول أولًا: أما بالنسبة للفظه فلا نلتزم بالإثبات ولا بالنفي، لماذا؟ لعدم ورود ذلك، ما ورد أن الله أثبته ولا نفاه، فحقنا أن نمسك عما أمسك الله عنه). بالنسبة للمعنى أن نقول: (إن أريد بالجسم الشيء المحدَث المركَّب المفتقِر كل جزء منه إلى الآخر فهذا ممتنع على الله)، نحن مثلًا في أجسامنا بقية الجسم مفتقر إلى الرأس، لو زال الرأس لا فائدة من الجسم، مفتقِرين إلى الأمعاء، والمعدة، والقلب، والكبد، لو أُزيلت هذه منَّا ما بقينا، بالنسبة للرب -عز وجل- ما يمكن أن يكون هكذا، ما يمكن أن نقول: إن الله جسم بهذا المعنى أبدًا؛ لأن ذلك يستلزم الحدوث والنقص العظيم، ويستلزم أن للخالق خالقًا أحْدَثَهُ. (وإن أُريد بالجسم ما يقوم بنفسه، ويتصف بما يليق به، فهذا غير ممتنِع على الله تعالى؛ فإن الله قائم بنفسه، متصف بالصفات الكاملة التي تليق به)؛ لأنك لو لم تصف الله بهذا معناه أنه ليس بموجود، لو قلت: ليس قائمًا بنفسه ولا متصفًا بالصفات، إذن هل يمكن أن يكون موجودًا؟ لا، بل هذا كقولهم: إن الله ليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا يمينه ولا شماله، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، ويش يكون؟ طالب: لا شيء. الشيخ: لا شيء، فأنت إذا آمنت بالله عز وجل بذاتٍ متصفة بالصفات اللائقة بها فهذا هو الحق، ولا يلزم على هذا شيء من اللوازم الباطلة أبدًا.

الطالب: بالنسبة للقاعدة هكذا أن يستحسن أن يتوقف باللفظ، وأن يتوقف بالمعنى، يعني إذا قال قائل: إن الألفاظ هي أوعية المعنى، فأصلًا لما رفضنا اللفظ وتوقفنا فيه زال اللفظ وزال ما ينبني عليه من المعنى؛ يعني فينبغي أننا.. الشيخ: لكن هذا المعنى ثابت بأن الله تعالى قائم بنفسه، متصف بالصفات اللائقة به ولَّا لا؟ الطالب: إي، ثابت. الشيخ: إذن نثبته. الطالب: إذن نثبته لكن لا على أنه مقر على إثبات اللفظ. الشيخ: لكن مسألة أن نقول: إنه جسم؛ هذا ما نقوله. الطالب: إي نعم. الشيخ: ما نقوله تحاشيًا للفظ؛ لأنك لو قلت: إن الله جسم، أولًا: إن الجسم -كما تعرف- موهم لمعنى باطل، وكل شيء يوهم معنًى باطلًا فالله لا يتصف به. الطالب: أنا أقصد إنه نقول: (...) نحن نقبل من هذا الثناء لكن ليس على أن نقر على أن الله جسم؛ لأننا أصلًا رفضناه. الشيخ: إي نعم، ما نقول، اللفظ نرفضه، لكن هو الآن إذا قالوا: إن الله ليس بجسم؛ يعني إنه ما له ذات تتصف بالصفات، ولهذا حقيقة الأمر عند هؤلاء الْمُعطِّلة أن الله عز وجل ما هو إلا معنى من المعاني فقط، وليس ذاتًا يستوي على العرش، أو ينزل، أو يأتي للفصل بين عباده، كل هذا ممتنع عندهم؛ ولهذا يفسرون الاستواء بالاستيلاء، ويفسرون النزول بنزول الأمر، ويُفسِّرون الإتيان يوم القيامة بإتيان أمره، وما أشبه ذلك. طالب: (...) إنهم يصفونا بالتناقض، كيف تقبلون؟ الشيخ: ما يصفونا بالتناقض بارك الله فيك؛ لأننا نقول: إننا تحاشينا هذا اللفظ لعدم وروده فقط، وإلا حقيقة الأمر أننا إذا أردت بمعنى جسم أي أنه قائم بذاته متصف بالصفات فنحن نقول: إنه جسم بهذا المعنى، لكن ما نُثبت اللفظ فقط نتحاشاه لعدم وروده، وأنت إذا أردت بالجسم هذا المعنى فهو جسم بهذا المعنى إلا أننا لا نتلفظ به، فنتحاشى اللفظ، أما في المعنى فنؤمن بهذا. وهو ينكر هذا الشيء؛ ولهذا يقولون: إن الصفات ما تقوم إلا بأجسام، فيجب أن ننكر الصفات كما هو طريقة بعض المعتزلة من الغلاة. طالب: الأدلة التي قلناها تثبت أن الله أكبر. الشيخ: نعم. الطالب: هل عليها (...)؟ الشيخ: نعم، وهي؟ الطالب: قوله: بل السماوات والأرض بيد الرحمن كخردلة بيد أحدكم، قد يكون هذا أن السماوات والأرض كحلقة ملقاة في فلاة الكرسي والكرسي كذلك بالنسبة للعرش، يعني يكون كأنه.. الشيخ: إي، وهذا كل واحد أكبر من الثاني. الطالب: كيف يا شيخ الخردلة بالنسبة لهذا الشخص يعني أكبر من كون الكرسي بالنسبة للعرش، حلقة وقعت في فلاة؟ الشيخ: إي، لكن السماوات السبع كخردلة في يد أحدنا، يعني تقول: نسبة للخردلة إلى الكف، مو لازم، هذا ما يلزم، المهم أننا نعرف من هذا أنه أكبر من كل شيء، وأما أن نقول: نسبة السماوات السبع إلى الكرسي كحلقة في فلاة من الأرض، وهذا معناه أن الكرسي نسبة كبره إلى السماوات السبع أكبر من نسبة كبر يد الله إلى الخردلة، هذا ما يجوز، هذا ما يصح، بل نقول: إنه المهم أنه يدل على أن الله أكبر من كل شيء. طالب: شيخ، أليس من اتباع السنة أن يمسك عن (...)؟ الشيخ: (لكن لما كان لفظ الجسم يحتمل ما هو حق وباطل بالنسبة إلى الله، صار إطلاق لفظه نفيًا أو إثباتًا ممتنعًا على الله)؛ لأن كل لفظٍ يحتمل معنى باطلًا فإنه لا يجوز. طالب: على الله. الشيخ: لا يجوز إثباته لله على سبيل الإطلاق، ولا نفيه على سبيل الإطلاق، ومن هذا صفة المكر مثلًا: لو قلت: هل الله ماكر؟ إن قلت: نعم؛ أخطأت، وإن قلت: لا؛ أخطأت، وإن قلت: ماكر بمن يمكر به وبرسله؛ أصبت. قال: (وهذه اللوازم التي يذكرها أهل البدع ليتوصلوا بها إلى نفي ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال، هذه اللوازم على نوعين:

الأول: لوازم صحيحة لا تنافي ما وجب لله من الكمال، فهذه حق يجب القول بها، وبيان أنها غير ممتنعة على الله). مثل إذا قالوا: إنه يلزم من الاستواء على العرش أن يكون ذاتًا متميزة مثلًا، تستوي، وتنزل، وما أشبه ذلك، ويش نقول بهذا اللازم؟ طلبة: صحيح. الشيخ: نقول: هذا اللازم حق. لو قالوا: إنه يلزم من كلام الله تعالى، إذا قلتم: إنه بحرفٍ وصوت، يلزم أن يكون هذا الكلام مسموعًا خارجًا من ذاته؟ طالب: حق. الشيخ: هذا حق، ويش المانع؟ هم يقولون: هذا ممتنع؛ لأنه يلزم قيام الحوادث بذات الله، وقيام الحوادث بذات الله ممتنع. فهذه اللوازم نقول: إذا كانت هذه اللوازم لا تنافي ما يجب لله من صفات الكمال فإننا نلتزم بها ولا حرج. الثاني: لوازم فاسدة تُنافي ما وجب لله من الكمال، فهذه أيش؟ طلبة: باطلة. الشيخ: باطلة يجب نفيها، وأن يُبيَّن أنها غير لازمة لنصوص الكتاب والسنة، إلى آخره. إذا ذكروا لوازم قالوا: هذا اللازم باطل، فإننا نُبيِّن لهم أن هذا اللازم لا يلزم مما أثبته الله لنفسه؛ لأن كل معنى لا يليق بالله لا يمكن أن يكون لازمًا لشيء مما أخبر الله به عن نفسه؛ مثلًا إذا قالوا: إنه يلزم من إثبات الصفات أن يكون جسمًا والأجسام متماثلة، ماذا نقول؟ نقول: لا يلزم هذا؛ لأن من الأشياء ما يكون صفة ويوصف وهو صفة، تقول: هذا اليوم حرُّه شديد، والحر صفة ولا ذات؟ طلبة: صفة. الشيخ: صفة، فلا يلزم من الصفة ألا تكون قائمة إلا بجسم، ثم نقول لهم: على تقدير أنها لا تقوم إلا بجسم فمن يقول: إن الأجسام متماثلة؟! فكل لازم يكون باطلًا فإنه لا يمكن أن يكون لازمًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعلة: لأن الكتاب والسنة حق، ومعانيهما حق، والحق لا يمكن أن يلزم منه باطلٌ أبدًا. (فإن قال قائل: إذا فسرتم استواء الله على عرشه بعلوه عليه، أوهم ذلك أن يكون الله محتاجًا إلى العرش لِيُقلَّه)، وهذا وارد ولَّا لا؟ طلبة: وارد، نعم. الشيخ: إذا قلتم: الاستواء على العرش يعني علوه عليه واستقراره عليه، فهذا يوهم أن الله محتاج إلى العرش ليقله كما أننا إذا استوينا على السرير فإننا محتاجون إليه. (فالجواب: أن كل من عرف عظمة الله، وكمال قدرته، وقوته، وغناه؛ فإنه لن يخطر بباله أن يكون الله محتاجًا إلى العرش ليقلَّه، كيف والعرش وغيره من المخلوقات مفتقر إلى الله، ومضطر إليه لا قوام له إلا به {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم: ٢٥]؟) وأظن هذا واضح والحمد لله أنه مستوٍ عليه بدون حاجة. (فإن قيل: هل يصح تفسير استواء الله على عرشه باستيلائه عليه، كما فسره به المعطلة فرارًا من هذه اللوازم؟) هذا الآن محط العراك بين أهل السنة والجماعة وبين المعطِّلة، المعطلة يقولون: استوى بمعنى استولى، وأهل السنة والجماعة يقولون: استوى بمعنى علا، هل يصح تفسيرهم استوى بمعنى استولى؟ طلبة: لا يصح. الشيخ: لا يصح؛ لأننا نقول لهم: أولًا: ما دليلكم على أن الاستواء يأتي بمعنى الاستيلاء؟ ويش الدليل؟ سيقولون: عندنا شاهد من اللغة العربية وهو قول الشاعر:

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ

مِنْ غَـــــيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مِهْرَاقِ

ويش معنى استوى على العراق؟ طلبة: استولى عليها. الشيخ: استولى عليها، فما جوابنا على ذلك؟ جوابنا على ذلك أنه: أولًا: قائل هذا البيت مجهول، وإذا كان مجهولًا هل يُحتج به؟ ما يحتج به، يجوز أنه يكون واحد من ها العفاريت المعطِّلة صنع هذا البيت وقال هذا الشاهد، هذا واحد. ثانيًا: نقول: إننا نمنع أن يكون (استوى بِشْر على العراق) نمنع أن يكون متعينًا أنه بمعنى استولى، إذ من الجائز استوى على العراق يعني علا عليه لكن علوًّا معنويًّا. ثالثًا: أن نقول: على فرض أن استوى في هذا البيت بمعنى استولى فإننا فسرناه به؛ لأنه لا يمكن أن يكون استوى عليه كاستواء الإنسان على السرير، العراق مساحة كبيرة يمكن يجي واحد يركب عليه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن. فعلى كل حال بطل استدلالهم بهذا البيت، فإذا بطل استدلالهم بهذا البيت رجعنا إلى معنى الاستواء الوارد في كتاب الله، وجدنا أن الآيات السبع كلها ما جاءت في آية واحدة بلفظ استولى. فإنه لا يمكن أن تكون من لوازم نصوص الكتاب والسنة، ومن ظن أنها لازمة لها فهو ضال، ويأتي إن شاء الله بقيته. طالب: (...)؟ الشيخ: وهو فعلًا، قيل: هل يصح تفسير استواء الله على عرشه باستيلائه عليه كما فسره به المعطلة؟ قالوا: استوى على العرش؛ يعني استولى على العرش بزيادة اللام. قال ابن القيم: إن زيادة اللام في (استولى) عند هؤلاء كزيادة النون في حطة عند اليهود، اليهود قيل لهم: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة: ٥٨]، فدخلوا على أستاههم يَحبون وقالوا: حنطة، ما يقولون: حطة الآثام، يقولون: حنطة يملؤون بطونهم، هؤلاء زادوا اللام كما زادت اليهود النون، وقالوا: استوى يعني استولى. نقول: سبحان الله العظيم! هذا لا يصح، ما ورد في كل المواضع السبعة التي ذكرها الله عز وجل في الاستواء ما فيها ولا واحد من المواضع قال الله فيه: استولى، فكيف يمكن أن يفسَّر استوى بمعنى استولى؟ (ولهذا نقول: فالجواب: لا يصح، وذلك لوجوه؛ منها)، قول المؤلف: (منها) يعني أن هناك وجوهًا أُخر لكن ما ذكرها، (منها: أولًا: هذه اللوازم إن كانت حقًّا فإنها لا تمنع من تفسير الاستواء بمعناه الحقيقي)، لماذا لا تمنع؟ مثل اللوازم اللي مرت علينا، إذا كان الله قد استوى حقيقة على العرش فإما أن يكون أكبر من العرش أو دونه أو مساويًا له، وقلنا: إذا لزم أن يكون أكبر من العرش فلا محظور في ذلك، ليس فيه محظور إطلاقًا؛ لأن الله أكبر من كل شيء، فاللوازم سواء في هذا الباب أو في غيره التي يُلزمها هؤلاء المبتدعة لأهل السنة إذا كانت حقًّا تلزم من النص فإنها تكون حقًّا؛ لأن اللازم من الحق حقٌّ، والله عز وجل بكل شيءٍ عليم، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى. فما لزم من كلام الله ورسوله فإنه حق، بخلاف اللوازم التي من كلام البشر، اللوازم اللي من كلام البشر ما تُعتَبر ملزِمة لهم، ولا دالًّا عليها كلامهم؛ لأن الإنسان قد يقول القول ولا يشعر بما يلزم عليه من اللوازم. اللوازم يعني يلزم من كذا كذا وكذا، نقول: إذا كانت اللوازم هذه بالنسبة لكلام الله ورسوله حقًّا وتلزم فهي حقٌّ، ونقول بها ولا حرج علينا، أما إذا كانت اللوازم لا تلزم فإننا نقول: ما نلتزم به. مثال ذلك: يقول هؤلاء المبتدعة وأمثالهم: إذا أثبتم أن الله يفعل فعلًا قائمًا بنفسه؛ لزم من ذلك قيام الحوادث به، وما قامت به الحوادث فهو حادث. يعني إذا أثبتم أن الله يستوي استواءً فعليًّا على العرش، وأنه ينزل نزولًا فعليًّا إلى السماء الدنيا، وأنه يأتي إتيانًا فعليًّا للقضاء يوم القيامة، وأنه يضحك ضحكًا فعليًّا، وأنه يتكلم بصوت، وما أشبه ذلك، إذا قلتم هذا لزم أن تقوم الحوادث بذات الله، ويلزم من قيام الحوادث بذات الله أن يكون حادثًا. حطوا بالكم عندنا لازمان: اللازم الأول: يلزم أن تكون الحوادث تقوم بذات الله، ماذا نقول بهذا اللازم؟ طالب: نلتزم.

الشيخ: نلتزم، نقول: لا مانع من أن الله يفعل ما يريد، يأتي، وينزل، ويستوي، ويضحك، ويعجب، وما أشبه ذلك، ويش المانع؟ يلزم من قيام الحوادث به أن يكون حادثًا، يلزم من قيام الحوادث به -هم يقولون كده- أن يكون حادثًا، نقول: هذا ما يلزم، إلزامكم إيانا به لا يلزمنا، فإن الحوادث أفعال متجددة تبع حكمة الله عز وجل، أما ذات الله عز وجل فإنه لم يزل ولا يزال موجودًا.

فالحاصل أن اللوازم إن كانت حقًّا، وأنها تلزم من كلام الله ورسوله فما الواجب علينا؟ الواجب التزامها وإثباتها؛ لأن كلام الله حق وهو عالم عز وجل بما يلزم من كلامه. أما إذا كانت لا تلزم فإننا نردها، ولا نُبطل بها كلام الله، هم -والعياذ بالله- يلزمون أنفسهم، ويلزمون أهل السنة بهذه اللوازم الباطلة لأجل أن يبطلوا بذلك كلام الله، يقول: ما يمكن ينزل؛ لأن هذا فعل، والفعل ما يقوم بذاتٍ إلا وهي حادثة، والله عز وجل مُنزَّه عن الحدوث، فيجب أن نؤول النزول إلى نزول الأمر مثلًا، وهكذا المجيء والإتيان وما أشبه ذلك، كله بناءً على هذا اللازم الذي اعتقدوه لازمًا وهو ليس بلازم. يقول: وإن كانت باطلًا فإنه لا يمكن أن تكون من لوازم نصوص الكتاب والسنة، ومن ظن أنها لازمة لها فهو ضال. طالب: ذكر لهم باعتبار الملزوم وباعتبار اللازم. الشيخ: باعتبار نعم. الطالب: أن لازمهم ما هو صحيح. الشيخ: ما هو صحيح، صحيح أن الحوادث ما تقوم إلا بحادث؟ الطالب: لا، قولهم: إن الحوادث إذا قامت كلها فيلزم اللازم وهو محال؟ الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن الحوادث أفعال تتجدد، ولا يلزم من تجدد الأفعال أن يكون الفاعل كذلك، الآن، ولله المثل الأعلى، عندما أنت تفعل فعلًا هل يلزم أنك حادث عند فعلك هذا الفعل أو من قبل؟ طالب: لا، يلزم (...). الشيخ: لا، أبدًا ما يخالف، لكن هل يلزم أنك حادث الآن ولَّا من قبل؟ الطالب: ما يلزم. الشيخ: فوجود الله عز وجل سابق على حدوث الحوادث هذه، وهو أزلي، فلا يلزم أن يكون المانع ما تقوم الحوادث إلا بحادث، تقوم الحوادث لأزلي ولا مانع.

إذن حطوا بالكم للقاعدة المفيدة هذه، كل لوازم يُلزِمنا بها أهل البدع لأجل أن نرجع عما أثبتناه من صفات الله فسبيلها هكذا: إن كانت اللوازم لازمة حقًّا فإننا نلتزم بها ونقول: إنها حق ولا تنافي كمال الله، وإن كانت لا تلزم نفيناها وقلنا: هذه لا تلزمنا، وقولكم: إنها تلزم هذا دليل على جهلكم وضلالكم. إذا قال قائل: ما تقولون في لازم القول هل هو قول ولَّا لا؟ هل تقولون في لازم القول: إنه قول؟ يعني مثلًا إذا لزم من قول إنسان شيء من الأشياء، هل تضيفون هذا اللازم إلى هذا القائل؟ يعني مثلًا إذا لزم من قول المعطلة أنهم ينكرون أنه ليس موجودًا، يعني إنكار الخالق مرة، هل يلزمهم ذلك؟ إذا قالوا: إن الله عز وجل لا يمكن أن نصفه بالصفات الثبوتية؛ لأننا لو أثبتنا له الصفات شبَّهناه بالموجودات، لو قالوا هكذا، قلنا: هذا يلزم أن تُشبِّهوه بما هو دون الموجودات، بالمعدومات والمعدوم منقوص وليس بشيء، فإذا قالوا: لا نصفه بالوجود ولا العدم، قلنا: هذا أقبح؛ لأنكم شبهتموه بالممتنعات، هل هذا لازم؟ يقول العلماء: إن اللازم إن كان من قول معصوم فهو لازم، وإن كان من غير قول معصوم فليس بلازم؛ لأن الإنسان البشر قد لا يُدرك ما يلزمه على قوله من اللوازم، وربما إذا ذُكِّر اللي يلزم على قولك كذا وكذا من الأمور الباطلة ربما يرجع، وكثير من الأشياء الآن يحكم بها الإنسان بحكم، ثم إذا نُوقِش رجع؛ لأنه يتبين أنه هناك لوازم ما يمكن أن يقول بها هو، وهذا هو القول الوسط في مسألة اللازم، لازم القول هل هو قول؟ فالجواب: إن كان من معصوم فهو قول، وهذا لا يكون إلا في كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كان من غير معصوم فليس بلازم، فليس قولًا له؛ لأنه قد يكون في تلك الساعة لا يلاحظه ولو نُبِّه له لرجع عن قوله. (ثانيًا: أن تفسيره بالاستيلاء يلزم عليه لوازم باطلة، لا يمكن دفعها كمخالفة إجماع السلف). هذه من اللوازم الباطلة التي تلزم من فسر استواء الله بالاستيلاء، نقول: أنت الآن مخالف لإجماع السلف، طيب ويش فيه لو خالفت إجماع السلف؟ هم رجال وإحنا رجال. طالب: (...)؟

الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأن الإجماع السابق لا يمكن نقده؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النساء: ١١٥]، فأنت الآن اتبعت غير سبيل المؤمنين. ثم نقول: الآن خالفت السلف، الحق إما أن يكون معك أو مع السلف، إن قلت: مع السلف فقد حكمت على نفسك ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: وإن قلت: معي دون السلف، فهذا أقبح وأقبح؛ معناه أنك ضلَّلت كل سلف الأمة، مع أن الهدى إنما يأتينا من طريقه، فالحاصل أن مخالفة إجماع السلف ضلال وباطل. كذلك يلزم من اللوازم الباطلة جواز أن يُقال: إن الله مستوٍ على الأرض ونحوها؛ لأنه مستولٍ على الأرض، فهل بإمكان أي مسلم يقول: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش؟ طلبة: ما يمكن. الشيخ: ما يمكن أبدًا، هل يمكن لأي مسلم أن يقول: إن الله مستوٍ على ظهر البعير؟ طلبة: لا يمكن.

الشيخ: لا، ما يمكن، إذن هذا لازم باطل. أيضًا اللازم الثالث الباطل: وكون الله، يعني وجواز أن يقال. لا، يقول: كمخالفته، (وككون الله تعالى غير مستولٍ على العرش حين خلق السماوات والأرض). يلزم على قولهم: استوى بمعنى استولى أن يكون العرش حين خلق السماوات والأرض ملكًا لغير الله، صح ولَّا لا؟ لأن الله يقول: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الفرقان: ٥٩]، فيكون العرش في هذه المدة ملكًا لغير الله، لكن حصل حروب طاحنة واستولى الله على العرش، هذا كلامهم؛ ولهذا أنا أذكر مرة من المرات نتحدث عند عوام، وقلنا: إنهم يقولون: المبتدعة يقولون: ثم استوى على العرش؛ ثم استولى على العرش، قال الله يغير قلوبهم ما أنقص عقولهم! ويش لون (...)، فهم أن هذا أمر ما يمكن وهو صحيح إذا فسرناه باستولى. طالب: (...)؟ الشيخ: إي، لكن هذا اللفظ ما تطلقها. الطالب: المتن؟ الشيخ: الله أطلقها على العرش، الكلام أن هذه اللفظة ما تُطلق على العرش. قال: (الثالث: أن تفسيره بالاستيلاء غير معروف في اللغة، فهو كذب عليها، والقرآن نزل بلغة العرب، فلا يمكن أن نفسره بما لا يعرفونه في لغتهم)، هذا ما هو معروف في اللغة العربية أن استوى بمعنى استولى، إذا كان غير معروف والقرآن باللغة العربية معناه أنه لا يمكن أن يرد في القرآن. لكنهم قد يقولون لك: بل هذا وارد في الكلام العربي الفصيح، واقرأ إن شئت:

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ

مِنْ غَـــــيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مِهْرَاقِ

ويش نقول؟ طلبة: (...). الشيخ: نقول: هذا البيت لمن؟ مجهول، يمكن أنهم صنعوه هم، مثلما يصنع بعض النحويين شواهدهم، قيل منين؟ قال: هذه لرجل من بني ضبة، دَوِّر على رجل في بني ضبة، فالحاصل أنه ربما هم الذين اصطنعوا هذا البيت، إذا كان لمجهول فإن ما للمجهول مجهول، هذه واحدة. ثانيًا: على فرض أنه لرجل من صميم العرب قبل أن تتغير اللغة، هل فيه دليل؟ طالب: لا، ما فيه. الشيخ: ما فيه دليل؛ لأننا نقول: إنَّ استوى على العراق واضح أنه ليس المراد أنه جلس عليه، وإنما المعنى أنه استولى عليها وملك وقهر، هذا واضح. طالب: معروف أنها كانت عند (...)؟ الشيخ: إي نعم، صحيح، معروفه أن فيها حربًا ونزاعًا، وأيضًا نقول: يمكن أن يكون استوى بمعنى علا لكنه علو معنوي؛ لأن العلو الحسي بالنسبة إلى هذا البيت ممتنع، فدل دليل على امتناعه؛ فيفسر بالعلو المعنوي. (رابعًا: أن الذين فسروه بالاستيلاء كانوا مُقرِّين بأن هذا معنى مجازي)، هم يقولون هذا مجازًا، استوى بمعنى استولى، هذا مجاز لا شك، وأن استوى حقيقة بمعنى علا، لكنها هنا مجاز عن الاستيلاء، وتعرفون النزاع بين العلماء في إثبات المجاز ونفيه إما مطلقًا وإما في القرآن، فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا مجاز في اللغة مطلقًا، ومما ذهب إلى هذا، بل ممن أيد هذا، وإلا قد ذهبوا إليه قبله ناس: شيخ الإسلام وابن القيم، وقد بسط القول عليه في كتاب الإيمان أعني شيخ الإسلام، وبسط ابنُ القيم الكلام عليه في مختصر الصواعق، فمن أراد أن يرجع إلى قولهما تبين له بذلك أنه لا مجاز في اللغة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا مجاز في القرآن فقط، وأما اللغة فيجوز أن يكون فيها مجاز. ومسألتنا الآن مما في القرآن ولا مما في اللغة؟ مما في القرآن، إذن لا يمكن أن تكون مجازًا، لكن هؤلاء المعطِّلة هم الذين ابتدعوا المجاز، وجعلوا من هذا السلاح، جعلوا منه إبطالًا لكثيرٍ من صفات الله عز وجل. يقول: (والمعنى المجازي لا يُقبل إلا بعد تمام أربعة أمور)، انتبه لها: (الأول: الدليل الصحيح المقتضي لصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه)، وهو ما يُعبر عنه في البلاغة بالقرينة، ما يمكن نحمل اللفظ على مجازه -إذا قلنا بالمجاز- إلا بعد تمام هذه الأمور الأربعة: (الأول: الدليل الصحيح)، ما كل دليل يكون صحيحًا (المقتضي لصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه)، فإن لم يوجد دليل؟ طالب: فالأصل الحقيقة.

الشيخ: ما نقبل؛ فالأصل الحقيقة. (ثانيًا: احتمال اللفظ للمعنى المجازي الذي ادَّعاه من حيث اللغة)، معلوم لا بد أن يكون اللفظ محتملًا للمعنى المجازي الذي ادعيته من حيث اللغة، فإن لم يحتمل نقبل؟ ما نقبل، لو قال إنسان لآخر: خذ -بارك الله فيك- هذه مئة ريال اشترِ لي بها ثوبًا، فذهب الرجل واشترى بمئة ريال ثماني مئة خبزة، وجابها، قال له: أنا قلت لك: ثوب وأنت جبت خبزًا الآن، قال: إي؛ لأن الخبز كسوة الباطن، فأنت عبَّرت بالثوب مجازًا عن ثوب الباطن اللي هو الشِّبع، يُقبل هذا ولَّا ما يقبل؟ طلبة: ما يقبل. الشيخ: ليش؟ الطالب: ما يحتمل. الشيخ: ما يحتمل في اللغة العربية، ما يحتمل ولو أوَّله تأويلًا قد يكون يعني مقبولًا في بعض الأحيان؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى [طه: ١١٨]، ما قال: ألا تجوع ولا تظمأ؛ لأن العري تعري البدن من اللباس والجوع تعري البطن من الطعام، هو أراد أنه يبغي يحمل هذا على ذاك، نقول: ما يمكن هذا، ما هو مقبول، ولا عمر أحد في اللغة العربية عبَّر عن الخبز بالثوب أبدًا، واضح، لا بد أن يكون اللفظ محتملًا للمعنى المجازي، فإن كان غير مُحتمِل ما يُقبل. طالب: (...). الشيخ: أنت تظن أن أولاد يعقوب لما قالوا لأبيهم: اسأل القرية، أنه بيروح (...) على الجدران يقول: ويش تقولون؟ الطالب: (...). الشيخ: تظن هذا؟ الطالب: لا. الشيخ: ما أحد، كل يعرف أن المراد بذلك المعنى الحقيقي اللي ما يحتمل غيره، أنك تسأل أهلها، إي نعم. طالب: (...). الشيخ: أين الصيغة؟

(الثالث: احتمال اللفظ للمعنى المجازي الذي ادعاه في ذلك السياق المعيَّن، فإنه لا يلزم من احتمال اللفظ لمعنى من المعاني من حيث الجملة أن يكون محتملًا له في كل سياق؛ لأن قرائن الألفاظ والأحوال قد تمنع بعض المعاني التي يحتملها اللفظ في الجملة). هذه مهمة، يعني لو فُرض أن هذا اللفظ يحتمل هذا المعنى في اللغة، يحتاج إلى دليل يثبت أن هذا الاحتمال ممكن في هذا السياق المعيَّن. مثال ذلك كلمة (يد) في اللغة العربية تطلق على النعمة ولَّا لا؟ لا شك في هذا، كما قال المتنبي:

وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ

تُحَـــدِّثُ أَنَّ الْـــــمَانَوِيَّةَ تَكْــــذِبُ

نعم، وكذلك قال أظن. طلبة: (...). الشيخ: لا، في المعنى يحتد، وكذلك قال لأبي بكر، رسول قريش التي أرسلته إلى أبي بكر أظنه بديل بن ورقة، قال لأبي بكر: لولا يدٌ لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، لولا يد لك عندي يعني؟ نعمة.

طالب: عروة بن مسعود. الشيخ: إي نعم، عروة بن مسعود الثقفي. طالب: (...)؟ الشيخ: تطلق بمعنى النعمة ولَّا لا؟ تطلق، لكن هل يحتمل قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] أن يكون المراد النعمة في هذا السياق؟ لا يمكن، فصار هذا الثالث احتمالًا فوق احتمال. أولًا: أن نقول: هات دليلًا على أن هذا المعنى يحتمله لفظ اللغة، إذا جاب دليل نقول: بعد ثانية (...)، هات دليل يدل على احتمال المعنى في هذا السياق المعين؛ لأنه ليس كل شيء يحتمله اللفظ في اللغة العربية يمكن أن يحتمله في كل سياق. (الرابع: أن يبين الدليل على أن المراد من المعاني المجازية هو ما ادعاه؛ لأنه يجوز أن يكون المراد غيره فلا بد من دليل على التعيين). والعجيب أن هذا الدليل كثير من أهل التأويل التزم به، وقال: هذا هو اللي (...) أنك تجيب دليلًا يدل على أن المراد هذا المعنى اللي عينت.

مثلًا هذا اللفظ يحتمل في اللغة عدة معانٍ، منها: ظاهر اللفظ، وظاهر اللفظ هو أولى ما يكون باللفظ، ومنها المعنى الذي يخالف الظاهر الذي ادَّعاه هذا الرجل، نقول: هات دليلًا يُعَيِّن أن الكلام يراد به ما ذهبتَ إليه، مثلًا وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢]، يقول: وجاء أمر ربك، نقول: جيب دليلًا على أن المراد أمره، وإن كان المراد وَجَاءَ رَبُّكَوجاء عذاب ربك، وإن كان المراد وَجَاءَ رَبُّكَوجاء ملك ربك، تدري؟ ليش تقول: هي أمر ربك فقط؟ فحينئذٍ ما يستطيع؛ يعني سلمنا أن اللفظ مستعمل في مجازه كما قلت، لكن ما الدليل على أن المراد بالمعنى المجازي هو الذي عينته أنت؟ يجوز أن يكون المراد معنى مجازي غيره، فهات دليلًا.

وهذه الأوجه الأربعة ذكرها ابن القيم رحمه الله لكن يمكن غيرنا فيها بعض الشيء توضيحًا، هو الغالب أن ابن تيمية رحمه الله هو الأصل، لكنه ابن القيم يهذب ويزين.

أستغفر الله وأتوب إليه. أنه لا يصح تفسير استواء الله على عرشه باستيلائه عليه إن اللفظ يحتمله، فإن كان ما يحتمله رُدَّ من الأصل. الرابع: نقول: هب أن اللفظ يحتمله، أقام الدليل على أن اللفظ يحتمله. نقول له: طيب هات دليلًا على أن المراد ما عينته أنت؛ لأن فيه احتمالًا أنه يراد غيره بعد، وذكرنا أمس أننا لو قال: جَاءَ رَبُّكَقال: جاء أمر ربك، نطالبه بدليل. إذا وصلنا إلى الأخير نقول: طيب، ألا يحتمل أن يكون جاء ملك ربك، جاء عذاب ربك، جاء نور ربك، ونجيب أشياء، ونقول: جيب دليلًا على التعيين أن المراد جاء أمر ربك؟ ومثل الذي قال: ينزل ربنا للسماء قال: ينزل أمره، نقول: طيب أنت قلت: ينزل أمره، جيب دليلًا.

طالب: (...). الشيخ: نعم، لغته سرير الملك، العرش في اللغة سرير الملك، هذا هو معناه في اللغة، وإنما ذكرناه؛ لأن هؤلاء المعطِّلة قالوا: استوى على العرش، استوى لها عدة معانٍ، والعرش له عدة معانٍ، العرش يطلق على العريش حق العنب، ويطلق على كذا، ويطلق على كذا، عددوا له أشياء، فنقول لهم: إن العرش في اللغة العربية لا يُعرف إلا بسرير الملك.

والدليل قال الله تعالى عن يوسف: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ [يوسف: ١٠٠]، يعني على عريش العنب! طلبة: عرش الملك. الشيخ: لا، على عرش الملك، وقال تعالى في ملكة سبأ: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣]، العرش اللي تجلس عليه واضح. إذن العرش في اللغة هو سرير الملِك، وعرش الرحمن -عز وجل- هو الذي استوى عليه، ولكنه لا يلزم من موافقة العرش للعرش أن يكونا متماثلين، لا يلزم من التوافق في الاسم التوافق في الحقيقة والكيفية، وهذا واضح ولَّا غير واضح؟ طلبة: واضح.

الشيخ: واضح ومحسوم، أنت لك يد والقط له يد وهما مختلفان ولَّا متماثلان؟ طلبة: مختلفان. طالب: متماثلتان اسمًا. الشيخ: إي، اسمًا لا بأس، لكن حقيقة وكيفية. طلبة: مختلفتان.

الشيخ: مختلفتان، القط إذا أراد أنه يدافع عن نفسه تطلع أظفاره وتكون طويلة، لكن أنت إذا قلمت أظفارك في يوم الجمعة وجاءك واحد يوم السبت بينازعك تطلعهم؟! طلبة: (...). طالب: الدرة لها يد يا شيخ؟ الشيخ: الدرة لها يد، المهم أن هذا شيء؛ فالعرش الذي استوى عليه الرحمن ليس كالعرش الذي أثبته الله تعالى لملكة سبأ. طالب: (...). الشيخ: نقول: كما جاء في الحديث: «كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ» . نقول: هكذا، إذا كنت (...) على هذا، نقول: أيضًا السماوات، كل ما في السماوات بأنه أين الله كان قبل خلق السماوات؟ وإحنا ما نقول: إن الله استوى على العرش بمعنى أنه مُحتَاج إليه.

إي، ما نقول هكذا، نحن نقول: استوى على العرش عز وجل عظمةً وكبرياءً وجلالًا، وليس المعنى أنه محتاج إلى العرش بحيث لو أُزيل العرش لسقط، ما أحد يقول بهذا من السلف. (وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه فهو عرش عظيم محيط بالمخلوقات)، عرش عظيم نعم، قال الله تعالى: لا، تقول: حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩]. وأما كونه محيطًا بالمخلوقات فمن أين لنا الدليل على ذلك؟ قول الله تعالى في الكرسي: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]، والعرش أعظم بكثير من الكرسي. وهو أعلاها، أعلى المخلوقات، معلوم؛ لأن الله استوى عليه، فيجب أن يكون فوق كل شيء، وثبت أيضًا أن الفردوس أعلى الجنة، ووسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن، فوقَهُ أو وفوقُهُ، روايتان، فعلى رواية فوقَه يكون فوق عاليًا عنه، فوقُهُ بمعنى سقفه، يكون سقفه، فالله عز وجل له هذا العرش العظيم. وقوله: (وأكبرها)، أكبر هذه المخلوقات التي نشاهد، ومن المعلوم أن الله قادر على أن يخلق أكبر من العرش ألف مرة، وليس العرش أكبر شيء يخلقه الله، لا، ما ندري لكن الذي نعلم من المخلوقات أن العرش أكبرها، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ عِنْدَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ» . «السَّمَاوَاتُ» مبتدأ، والخبر الجار والمجرور «إِلَّا كَحَلْقَةٍ»، السماوات كلها السبع والأرضون السبع كحلقة ملقاة في أرض فلاة، الأرض الفلاة الواسعة، والحلقة ما هي؟ يقولون: إنها عند الإطلاق يراد بها حلقة الدرع، وتعرفون الدرع ولَّا لا؟ ماذا تعرف من الدرع إذا قيل: الدرع، حلقات الدرع؟ طالب: ما بأعرف. الشيخ: الدرع عبارة عن قميص، قميص مزرود من الحلقات، منسوج من حلقات من الحديد، يلبسه الإنسان في القتال من أجل أن يتقي به السهام، وهو معروف إذا كان تريدون نريكم إياه يمكن إن شاء الله نريكم إياه. طلبة: منين يعني؟ الشيخ: موجود، إن شاء الله نشوف الآثار وهم يجيبونه لنا، ولا نروح لهم إن شاء الله نوريكم إياه.

طلبة: هو عندك؟ الشيخ: لا، ما هو عندي. يقول: كحلقة ملقاة في أرض فلاة، تصوروا الآن نسبة الحلقة إلى هذه الأرض وش تكون؟ لا شيء في الواقع. «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ» . الله أكبر؛ ولهذا وصفه الله بأنه العظيم: الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩]، فإذن لا يقدر قدره إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن للإنسان أن يحيط به مع أنه مخلوق من المخلوقات. يقول: (قال المؤلف رحمه الله في الرسالة العرشية: والحديث له طرق). المؤلف له رسالة اسمها الرسالة العرشية، تكلم فيها عن الأفلاك بكلام في الحقيقة تقول: سبحان الله! هذا الرجل كأنه يعيش اليوم؛ يعني ذكر أشياء حققها العلم الحديث؟ طالب: مطبوعة؟ الشيخ: مطبوعة وموجودة في الفتاوى. قال: (والحديث له طرق، وقد رواه -يقول المؤلف-: وقد رواه أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه، وأحمد في المسند، وغيرهم). (والكرسي في اللغة: السرير وما يُقعَد عليه)، إذن الكرسي له إطلاقان في اللغة: السرير الذي يُنام عليه، والثاني ما يُقعد عليه كالكراسي المعروفة مثل اللي تؤخذ للمدرسين وشبههم. وأما الكرسي الذي أضافه الله إلى نفسه؛ يعني في قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥] فهو موضع قدميه تعالى، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل، هذا الحديث موقوف عن ابن عباس رضي الله عنه، وهل له حكم الرفع؟ طلبة: لا، ما له (...). الشيخ: هو لا شك أنه لا مجال للاجتهاد فيه أنه من الأمور الخبرية المحضة، ولكن ابن عباس رضي الله عنهما ممن عُرف بالأخذ عن بني إسرائيل، وعلى هذا فيبقى في النفس من هذا شيء، لكن قبول أهل العلم له وتلقيهم إياه يدل على أنه صحيح، فإن السلف أخذوا بهذا الحديث واعتمدوه. وفي الكرسي موضع القدمين إثبات القدم لله عز وجل حق، قد صح به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ أو رِجْلَهُ فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» . لكن إثبات القدمين لا أعلمه إلا في هذا الحديث؛ يعني إثبات القدمين الاثنين لا أعلمه إلا في هذا الحديث، وأما القدم فهو ثابت في صحيح البخاري وغيره. لكن مع هذا نقول: إن إثبات القدمين لا يعني التمثيل أبدًا؛ فهو كإثبات الوجه، والعين، والذات، ليس مماثلًا للخلق، نعلم ذلك علم اليقين؛ لأننا نعلم عن طريق السمع بأن الله ليس كمثله شيء، ونعلم عن طريق العقل بأنه لا يمكن أن يكون المخلوق مثل الخالق أبدًا؛ فلذلك التماثل ممنوع حتى فيما توافَق فيه المعنيان في اللفظ فإن الحقيقة مختلفة.

طالب: (...). الشيخ: ما فيها شيء، موضع ما قال: الوضع؛ يعني معناه أنه مكان الرجلين، ولكن الله أعلم بكيفية هذا، مثلما نقول بالعرش تمامًا، ما نقول بالكيفية. طالب: (...). الشيخ: هنا؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: إي نعم (...). طالب: (...). الشيخ: إي نعم بهذا الأثر، قال: (وهذا المعنى الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما في الكرسي هو المشهور بين أهل السنة، وهو المحفوظ عنه، وما روي عنه أنه العلم فغير محفوظ). ابن عباس رضي الله عنهما رُوي عنه أنه قال: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥] وسع علمه السماوات والأرض، وكأن هذا التفسير استنادًا إلى قوله تعالى: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧] وإلى قوله: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]. لكن هذا المعنى لم يرد في اللغة العربية أن الكرسي يعني العلم، ما ورد، وإذا لم يرد في اللغة العربية والقرآن إنما نزل بلغة العرب فإنه لا يجوز أن يُحْمَل القرآن على ما يخالف اللغة العربية؛ لأننا لو حملناه على ما يخالفها خرجنا به عن اللغة التي نَزَل بها، وهذه جناية على القرآن. وكذلك ما رُوِي عن الحسن أنه العرش، أنه -أي الكرسي العرش- فجعلهما شيئًا واحدًا، يقول: إنه ضعيف، لا يصح عنه، قاله ابن كثير رحمه الله. إذن فعندنا عرش وكرسي، أيهما أعظم وأعلى؟ طلبة: العرش. الشيخ: العرش، وليس شيئًا واحدًا بل هما شيئان مختلفان، والله أعلم. طالب: (...). الشيخ: والله الظاهر أنهم مجمعون؛ لأن اللي يمر عليَّ في الكتب القدمين بهذا اللفظ. طالب: (...).

طالب آخر: يقول (...) لا يعقل من ابن عباس أن يأخذ بالحقائق من الأخبار الإسرائيلية. الشيخ: إي، والله هذا وجه يعني؛ يعني قد يقال: إن ابن عباس رضي الله عنهما لا يمكن أن يعتمد في أمر كهذا على الأخبار الإسرائيلية، وإن كان قد جاء يروي عن أخبار بني إسرائيل من أخبارهم، أما أن يروي عن شيء يتعلق بالله عز وجل فإن هذا بعيد. طالب: (...). الشيخ: إي نعم.

الطالب: وقوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]. الشيخ: إي نعم. طالب: ما ينافي كونه فوق. الشيخ: كونه فوق، ما ينافي؛ الآن السماوات محيطة بالأرض وهي فوق الأرض. طالب: (...). الشيخ: (...) يعني معية الله لخلقه، والمعية اختلف فيها أهل القبلة، ويُعنى بأهل القبلة كل من ينتسب إلى الإسلام. فمنهم من قال: إن المعية تقتضي الاختلاط؛ إما الاختلاط الكامل، يعني يكون الله عز وجل في المكان الذي أنت فيه، إن كنت في المسجد فهو في المسجد، إن كنت في البيت فهو في البيت، إن كنت في السوق فهو في السوق، وهذا مذهب الحلولية من الجهمية وغيرها، وهو مذهب باطل كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيان بطلانه. ومنهم من قال: إن الله تعالى مع خلقه حقيقةً لكنه فوقهم، ولا تتنافى المعية والفوقية كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الفصل الذي بعد هذا وهو إمكان الجمع بين الحقيقة: حقيقة العلو وحقيقة المعية.

ومنهم من قال: إن المعية مجاز عن العلم، والنصر، والتأييد، والقدرة، وما أشبه ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ما هو الحق في هذه الاحتمالات الثلاثة. أما الذين يقولون: إن المعية معية اختلاط الذات بالذات فهؤلاء كفار لا يصح أن يُنسَبوا إلى أهل القبلة الذين يقولون: إن الله حل في عين من الأعيان، أو في كل الأعيان، هؤلاء لا نعدهم من أهل القبلة وإن انتسبوا إلى ذلك، وإن انتسبوا إلى الإسلام فليسوا من أهل الإسلام في شيء؛ لأن هؤلاء الذين يقولون بالحلول العام أخبث من النصارى الذين يقولون بالحلول الخاص، النصارى يقولون بالحلول الخاص؛ إن الله حَلَّ في عيسى، هؤلاء يقولون: إن الله حل في كل شيء حتى في الحمير والكلاب والعياذ بالله، وهؤلاء لا يمكن أن نقول: إنهم من أهل القبلة أو من المسلمين، وإن كانوا يدَّعون ذلك، مثل ابن عربي وأشباهه، هؤلاء لا نقول: إنهم من المسلمين، ولا يجوز أن نقول: إنهم من المسلمين وهذا عقيدته بربهم عز وجل.

الباب الحادي عشر: في المعية

٠١:٣٢:١٢

قال المؤلف: (أثبت الله لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه مع خلقه). شوف المؤلف جعل العنوان: (المعية)، لكن عندما أراد أن يتكلم عليها ما قال: إن الله أثبت المعية لنفسه، بل قال: أثبت أنه مع خلقه؛ لأن المعية بهذا اللفظ ما وردت، إنما ورد أن الله مع خلقه، وهذا من الأشياء التي يجب على الإنسان أن يتحرى لفظ الكتاب والسنة فيها فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته؛ لأن هذه هي أخبار عن أمور غيبية لا تُقاس بغيرها في المشاهَدة، فإذا كان كذلك فإن من الأدب أن يُعبِّر الإنسان بما عبر به الكتاب والسنة، حتى وإن كان سيُعبِّر بلفظ يوافقها في المعنى.