شرح العقيدة الحموية - ٢
درس صوتي · ٩٢:٤٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
..يمشي أمامك، ظهر لك من بعيد نورٌ تظنُّه نورًا، إن كنت التفتَّ لهذا وتركت اللي مع الرسول صلى الله عليه وسلم ضللت، وإن اتبعت الأول النور اللي مع الرسول عليه الصلاة والسلام فإنك تنجو؛ لأن بعض الشُّبَه التي يوردها أهل الإلحاد قد تبدو لأول وهلة حقًّا فيظنها الإنسان حقًّا كما سيأتي إن شاء الله في كلام المؤلف.
حُجَجٌ تَهَافَتْ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا
حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
ما فيه فائدة. قال: يقول: (وأعظم النور وأبلغه ما يحصل للقلب بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فلا بد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد بَيَّنَه غاية البيان). وهذا صحيح، لكن نحن بضاعتنا في هذا الأمر مزجاة، ما نتصور هذا النور العظيم الذي يحصل بمعرفة أسماء الله وصفاته، وأن جميع ما يحصل بالكون فإنه من مقتضى أسمائه وصفاته، وإذا أردت أن تستبين شيئًا من هذا الأمر فعليك بمراجعة كتاب مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله تجد أمرًا عظيمًا، كيف أن الله فتح على هذا الرجل من معرفة مقتضيات أسمائه وصفاته ما يبهر العقل، تقول: سبحان الله كل هذا كائن وأنا عنه نائم، شيء عظيم يظهر لك من مقتضيات هذه الأسماء العظيمة وهذه الصفات الكاملة ما لا يخطر بالبال، حتى كأن الإنسان إذا راجع هذا الكلام لابن القيم وشاهد الكون كأنه يسبح في أمواج من النور ينسى كل شيء في الواقع؛ لأنه ينظر إلى هذا الكون بمقتضى أسماء الله وصفاته وأفعاله، فيجد العجب العجاب، وعلى هذا قال الشاعر:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ
تَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
لكن بس تحتاج إلى قلب واعٍ متفكر، ونسأل الله أن يتوب علينا، إحنا نتفكر إذا أفطرنا ويش نبغي نتغدى؟ وإذا تغدينا ويش اللي نأكل العشاء، ولا رحنا من ها المجلس وين بنروح المجلس الثاني؟ لكن التفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله التي هي آياته الكونية هذا أمر نحن عنه محجوبون إلا أن يشاء الله. إذن الرسول عليه الصلاة والسلام رسالته مشتملة على النور والهدى، وأعظم النور ما يحصل لأيش؟ للقلب بمعرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله. (الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّم أمته جميع ما تحتاج إليه من أمور الدين والدنيا) صح؟ طلبة: إي نعم. الشيخ: علم أمته جميع ما تحتاج إليه؟ كل ما تحتاج؟ طالب: نعم. الشيخ: حتى في المعاملات؟ حتى في المعاملات، لكن هذا التعليم نوعان؛ نوع تعليم خاص في مسألة معينة، ونوع تعليم عام في قواعد كلية؛ لأن حصر جزئيات المسائل أمرٌ غير ممكن، ما هو بغير ممكن بالنسبة إلى الله عز وجل، بالنسبة إلى الله الله بكل شيء عليم، لكن غير ممكن بالنسبة لاستيعابه من قِبَل البشر، ما ظنكم لو أنه ذُكِرَ في القرآن الكريم كل ما سيحدث في الدنيا من أمر وحكمه؟ كم يكون القرآن من مجلدات؟ طالب: كثير. الشيخ: مجلدات ما تحصى، ولا يستطيع الإنسان أن يستوعبها، لكن الله جل وعلا جعل الشريعة نوعين؛ نوعًا نصَّ على حكمه بخصوصه، وهذا الشيء الذي يحتاج الناس فيه إلى بيانه بعينه حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: ٣]، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ [النساء: ٢٣] إلى آخره، هذا واضح. وقسم آخر عام، قواعد عامة ما تختص بشيء معين، يدخل فيها من الجزئيات ما لا يعلمه إلا الله، وهذه الأخيرة هي التي يختلف فيها الناس اختلافًا عظيمًا؛ لأنها تتركز على الفهم وعلى معرفة القواعد والأصول الشرعية؛ قال أبو هريرة رضي الله عنه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغَرَر ، ويش يدخل في هذه القاعدة؟ يدخل فيها من المسائل ما لا يحصيه إلا الله. تجيء مثلًا التأمينات الاجتماعية نعرف الحكم من هذا الحديث، وقال الله تعالى في القرآن: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ [المائدة: ٩٠] الميسر كلمة عامة ممكن نعرف بها كل ما يحدث من هذه المقامرات وما أشبهها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ويش يدخل في هذا الحديث؟ كل الأعمال حتى مثلًا نية التحليل في النكاح، وحتى نية إبطال الشُّفعة في إيقاف المشفوع، وغيرها مما لا تُدرَك جزئياته. والمهم (أن الرسول عليه الصلاة والسلام عَلَّم أُمَّتَه جميع ما تحتاج إليه من أمور الدين والدنيا حتى آداب الأكل والشرب والجلوس والمنام وغير ذلك)، صح؟ آداب الأكل موجودة في القرآن والسنة أو لا؟ توافقون في القرآن والسنة آداب الأكل؟ طالب: نعم. الشيخ: طيب، في القرآن؟ طالب: قوله تعالى (...). طالب آخر: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]. الشيخ: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. طالب: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. الشيخ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١]، فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب: ٥٣] (...). طالب: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: ٤]. الشيخ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ. الطالب: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. الشيخ: إي نعم، في آداب الجلوس يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة: ١١]، كذلك أيضًا في آداب الشرب في القرآن كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [الأعراف: ٣١]. والسنة بيَّنت ذلك أيضًا فزجر النبي عليه الصلاة والسلام أن يشرب الرجل قائمًا ، وأمر.. طالب: (...). الشيخ: وشرب قائمًا النبي عليه الصلاة والسلام، شرب قائمًا، مرة شرب قائمًا من زمزم ، ومرة شرب قائمًا من شَنٍّ مُعَلَّق ، فالأول للحاجة، والثاني للحاجة لكن الحاجة مختلفة، الأول الحاجة هو ضيق المكان، والثاني الحاجة عدم الوصول إلى الشرب، الشَّنّ المعلق ما يقدر الواحد يقعد يشرب، كيف بيشرب؟ طالب: البراد؟ الشيخ: البرادات نشوف هذا، إن كان ما يمكنه، نعم، فلا حرج. طالب: (...). الشيخ: لكن بعضهم بالكأس المربوط بسلسلة قصيرة، على كل حال إن احتجت فلا حرج، الحمد لله الأمر في هذا.. طيب، المنام؟ المنام، علمنا آداب المنام.. طالب: (...) إلى فراشه. الشيخ: إي نعم، قولية وفعلية؛ أمرنا أن ننام على الجنب الأيمن أو لا؟ طيب، أمرنا أن ننام متجهين إلى القبلة؟ طالب: (...). الشيخ: ما أمر، طيب، لو تعارض الجنب الأيمن أو استقبال القبلة، الجنب الأيمن؛ لأنه منصوص عليه، كذلك أيضًا آداب الاستيقاظ آداب قضاء الحاجة؛ ولهذا قال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: عَلَّمَكم نبيكم حتى الخِراءة؟ قال: أجل. كذا؟ علمنا أيضًا آداب معاشرة الزوجة ولَّا لا؟ الحمد لله، إذن ما ترك شيئًا وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] إما بنفس الكتاب أو بالسنة التي هي مُكَمِّلَة للكتاب. طالب: شيخ، يجوز أن يقال: إن الشرع أجمل لأجل يظهر أثر الاجتهاد، ويثاب العلماء على (...) إلى آخره؟ الشيخ: ما هو بالظاهر أن هذا الحكمة، الظاهر أن الحكمة الإجمال؛ لأن تعداد الجزئيات غير ممكن، ثم إن تعداد الجزئيات في زمن لا يعرفون عن هذا (...) شيئًا، قد يكون فيه شيء من الاستنكار مثلًا وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]، لو قال: والطيارات في الجو، ويش يقول المشركون؟ ويش ها الكلام؟ حديد يطير (...)، هذا من سفاهة محمد. طالب: وتكون محتاجة لتفسير لحكم الطائرات مثلًا. الشيخ: إي، ولهذا أول ما ظهرت الطائرات جاء رجل من العراق وحدث عندنا في مجلس أحد الأمراء قال: إنا والله ركبنا بالطائرة من البصرة إلى بومباي. قال: ويش الطائرة؟ قال: الطائرة بيت من الحديد له جناحان يطير، الأمير أشَّر لواحد جاي مع ها الرجل وبيسلم عليه، قال له: (...) يعني سكته، ولما.. غمزه قال له: اسكت. وسكت، لما تفرق الناس، قال أنت جاي (...) علينا، مجنون تجيء تقول: إن حديدًا يطير، لا عمرك تكلم في مجالس عنيزة بهذا أبدًا، وقال له ها الكلام (...). طالب: أقول: الأمير أجهل من الرعية؟ الشيخ: أيش..؟ المهم أنهم يقولون: هذه مسائل أُجْمِلَت؛ لأجل أن ما يمكن ذكرها للناس على سبيل التفصيل. طيب، يقول: (قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه إلا ذَكَر لنا منه علمًا ). اللهم صل وسلم عليه، حتى هذا حتى الطيور اللي في الجو بيَّن الله تعالى حكمها وعلم الأمة إياها، فإذا كانت الشريعة بهذه المثابة في العموم، هل يمكن أن يدع الله باب الأسماء والصفات مُغْلَقًا؟ لا يمكن؛ ولهذا قال: (ولا ريب أن العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله داخل تحت هذه الجملة العامة، بل هو أول ما يدخل فيها لشدة الحاجة إليه) والله أعلم. (...) أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك باب الأسماء والصفات ملتبسًا مشتبهًا؛ لأن على رأي أهل البدع يلزم من آرائهم أن يكون باب الإيمان بالله وأسمائه ملتبسًا مشتبهًا؛ لأن من أهل البدع مَنْ سلك طريقة التفويض أي: تفويض المعنى، ما هو تفويض الكيفية، تفويض المعنى. وهناك فرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية؛ تفويض الكيفية أمر واجب، تفويض المعنى أمر محرم. ترى هذه المسائل دقيقة انتبهوا لها جيدًا، تفويض الكيفية أن يقول لك قائل: كيف استوى الله على العرش؟ ماذا تقول؟ الله أعلم كيف استوى؛ لأن الكيف مجهول. تفويض المعنى أن يقول لك: ما معنى استوى الله على العرش؟ تقول: الله أعلم؟ لا، ما يجوز تقول: الله أعلم؛ لأنك إذا قلت: الله أعلم في هذا معناه أنك ما تعلم أنت، الله أعلم، ما فيه شك، ما أحد يقول الله: ما هو بأعلم، لكن إذا قلت: الله أعلم معناه أنك لا تعلم معنى الاستواء، والاستواء معلوم نعرف أن استوى بمعنى علا على العرش علوًّا خاصًّا بالعرش؛ لأن عندنا علوًّا عاما على جميع المخلوقات، وهذا ثابت لله سبحانه وتعالى على جميع المخلوقات، وهو من الصفات الذاتية الثابتة بالنقل والعقل، لكن الاستواء على العرش من الصفات الفعلية الخاص بأيش؟ بالعرش، وهو مما دلَّ عليه النقل دون العقل. أقول: الآن فيه ناس يقولون: نحن نفوض المعنى كما نفوض الكيفية، وهؤلاء مَن؟ هؤلاء أهل التفويض، وقد قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: إن قولهم من شَرِّ أقوال أهل البدع والإلحاد، مع العلم بأن كثيرًا من المصنفين يقولون: إن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا خطأ ما هو صحيح، هذا ليس مذهب أهل السنة والجماعة، بل هم متبرِّئون منه. طيب فيه مَنْ يقول: إن صفات الله عز وجل لا يراد بها ظاهرها، بل يحرفونها إلى معانٍ أخرى، وهؤلاء مَن؟ هؤلاء المؤولة أهل التعطيل الذين أَوَّلوا النصوص إلى معانٍ عينوها بعقولهم، هذه المعاني التي عينوها بعقولهم، هل هي مُبَيَّنَة في الكتاب والسنة ولَّا غير مبينة؟ غير مبينة، إذن يَلْزَم على قول أهل التفويض وعلى قول أهل التأويل أن تكون أسماء الله وصفاته غير مُبَيَّنة لا في الكتاب ولا في السنة، وإحنا ذكرنا هذه الأوجه من كلام شيخ الإسلام في الحموية رحمه الله؛ ليتبين بذلك أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله موجود في الكتاب والسنة ولَّا لا؟ موجود ليش؟ لهذه الوجوه التي سبق منها وجهان. (والثالث: أن الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله هو أساس الدين وخلاصة دعوة المرسلين)؛ لأن الله يقول: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، هذا هو الأساس أن نعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ونوحِّدَه بذلك، فإذا كان هذا منزلتَه في الدين، هل يترك ملتبسًا مشتبهًا يتخَبَّط الناسُ فيه خَبْطَ عشواء؟ ولَّا لا؟ لا، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام علَّمَك كيف تدخل الخلاء وكيف تخرج منه وكيف تجلس على الخلاء وكيف تأكل وكيف تشرب وكيف تنام وكيف تجلس، هذه المسائل بالنسبة لأصول الدين ويش هي؟ لا شيء؛ يعني مسائل بسيطة جدًّا بالنسبة للعلم بأسماء الله وصفاته، فإذا كان الرسول عَلَّم أمته حتى الخراءة، فما بالك بهذه الأصول العظيمة أن يدعها ملتبسة مشتبهة يتخبط الناس فيها أو يقولون: والله ما ندري ويش معناها؟ فتكون نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته بمنزلة الحروف الهجائية، كأنها ألف باء تاء ثاء إلى آخره، وهذا شيء مستحيل؛ ولذلك يقول: (وهو أوجب وأفضل ما اكتسبته القلوب وأدركته العقول) (أوجب) واضح؛ لأنه أساس الدين، والأساس قبل كل شيء، وأفضل لما فيه من تحقيق العبادة؛ لأنه ما يمكن تحقِّق عبادة الله على الوجه الأكمل حتى تعرفه بأسمائه وصفاته، وكيف تعبُد من لا تعرف أسماءه وصفاته؟ أو تعلمها على وجه مُحَرَّف مُبَدَّل مغير؟ ولهذا كان -والعياذ بالله- أكثر الناس شكًّا عند الموت مَن؟ أهل الكلام، يَصِلُون إلى الحيرة، نسأل الله السلامة. قال: (فكيف يهمله النبي صلى الله عليه وسلم من غير تعليم ولا بيان مع أنه كان يعلم ما هو دونه في الأهمية والفضيلة؟)، وهذا الاستفهام المراد به أيش؟ الإنكار، يعني: هذا مستحيل أن الرسول يهمله مع أنه يُبَيِّن ما هو دونه. (الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلم الناس بربه) فيه منازعة ذا؟ ما فيه منازعة، لا أحد من الخلق أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان هو يقول: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ» . ثانيًا: (وهو أنصحهم للخلق) يَسْلَم؟ نعم، يسلم، ولا نزاع فيه أن أنصح الخلق للخلق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر يعرفه مَنْ تَتَبَّع سيرته بعدل وعَلِمَ أنه أنصح الخلق. ثالثًا: (وأبلغهم في البيان والفصاحة) أو لا؟ صحيح؟ لا شك فيه ولا مراء ولا نزاع، أنه أبلغ الناس بيانًا وفصاحة، وقد قرأتم في علم البلاغة ويش معنى البيان والفصاحة، فلا أحد أفصح من النبي عليه الصلاة والسلام ولا أوضح كلامًا منه. اجتمع في كلامه الآن ثلاثة أمور: كمال العلم، وكمال النصح، وكمال البيان، مع وجود هذا المقتضى التام وهو أنه عالم بربِّه ناصح لخلقه بليغ بلسانه، هذا المقتضى التام للبيان هل يمكن أن يتخلَّف عنه البيان؟ لا؛ لأن الرسول يعلم، وناصح للخلق وفصيح في لسانه، لا يمكن مع هذا المقتضى التام من البيان أن يترك باب الإيمان بالله وأسمائه وصفاته ملتبسًا مشتبهًا بلا شك. هل يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم يترك باب أسماء الله وصفاته مُلْتَبِسًا مشتبِهًا ثم يأتي أفراخ الروم واليونان من الجهمية وغيرهم ويبينون الحق في أسماء الله وصفاته؟ غير ممكن، هؤلاء يقولون: إحنا نبين الحق، الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق هذه الألفاظ ولا علم الناس معناها، ونحن الذين بيَّنا معناها للناس وقلنا لهم: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] يعني: استولى عليه، وقلنا لهم: يَدُ اللَّهِ [المائدة: ٦٤] أي: قوته ونعمته، فالرسول ما بَيَّن! نحن المُبَيِّنون! وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فترك الأمر ملتبسًا مشتبهًا. أعتقد أن هذا لا يُقْبَل، أليس كذلك؟ هذا أمر لا يُعْقَل، إذن هذا الوجه يعود إلى أهمية هذا الباب أو إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعود إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم أنها أكمل الأحوال اقتضاء للبيان، الوجوه كم؟ طالب: أربعة. الشيخ: أربعة أو ثلاثة؟ العلم والنصح والبلاغة كلها مجتمعة في حق النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بد أن يبين. طيب، تَخَلُّف البيان للأمة يكون من جهل الإنسان الجاهل، ما يمكن يعلم، أو لا؟ ويكون من عدم النصح؛ لأنه قد يكون الإنسان عالمًا لكن ما ينصح للناس، ما يبين لهم الحق كذا ولَّا لا؟ وقد يكون الإنسان عالمًا ناصحًا، لكن عنده عَيٌّ ما يعرف، يُعَبِّر فلا يُصَوِّر المعنى للناس بالصورة الكافية التي تجعلهم يفهمون الحق، أو لا؟ ما هو بواقع هذا؟ واقع، يجيء إنسان عنده علم وعنده نصح، لكن ما يعرف يعبِّر عن علمه الذي أعطاه الله إياه، فلا يكون مبيِّنًا للناس، لكن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان عنده تمام العلم والنصح والبلاغة فبيَّن البيان المبين صلى الله عليه وسلم. (الخامس -وشدوا حيلكم لها- باعتبار حال الصحابة؛ أن الصحابة رضي الله عنهم لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب) ضرورة عقلية، (الصحابة رضي الله عنهم لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب)، ونعني بالباب أيش؟ طالب: أسماء الله وصفاته. الشيخ: باب الأسماء والصفات لا بد أن يكونوا قائلين بالحق فيه. طيب، هذه دعوى الآن، أنا ادَّعَيْتُ أن الصحابة لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب، هذه دعوى، وكل دعوى تحتاج إلى بيِّنَة، البينة، اسمع: (لأن ضد ذلك إما السكوت وإما القول بالباطل وكلاهما ممتنع عليهم). أحوال الصحابة لا تخرج من ثلاث إما أن يقولوا بالحق أو يسكتوا عنه والثالث أو يقولوا بالباطل، إما أن يقولوا بالحق أو يسكتوا لا عن حق ولا عن باطل، أو يقولوا بالباطل. سكوتهم عن بيان الحق ممكن؟ لا يمكن، والنبي عليه الصلاة والسلام قد شهد لهم بأنهم خَيرُ القرون وشهد لهم التاريخ أيضًا بأنهم أنصح عباد الله بعد الرسل لعباد الله، أليس هكذا؟ طيب، إذا كانوا أنصح الناس وأعلم الناس بالشريعة، يُمْكِن يسكتون عن الحق؟ طالب: لا. الشيخ: طيب، يمكن يقولون بالباطل؟ ما يمكن، طيب، ما يمكن يقولون بالباطل، ويش يتعين؟ يتعين أن يقولوا بالحق؛ لأنه إذا كانت القسمة العقلية تنحصر في ثلاثة أمور فانتفى اثنان لزم الثالث. إذا قلت لك: الجيم تحتها نقطة، والخاء فوقها نقطة، والحاء ما عليها نقطة، لازم؛ لأن المتتبع للشكل يجد النقط فوق ولَّا تحت، ما فيه نقطة على اليمين، على اليسار، (...)، يمكن تكون النقطة على يمين الحاء، ولا على يسارها؟! وهذا ما يمكن، فإذن نقول: إنه إذا بطل اثنان تعيَّن الثالث. طيب، امتناع السكوت، ما وجهه؟ (وجهه أن السكوت إما أن يكون عن جهل منهم بما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات وما يجوز عليه منها ويمتنع، وإما أن يكون عن علم منهم بذلك لكن كتموه، وكل منهما ممتنعٌ). والله هذه أدلة عقلية أسأل الله أن يعيننا وإياكم على فهمها. السكوت ممتنع عليهم، سكوت الصحابة عن بيان الحق في أسماء الله وصفاته ممتنع، لماذا يمتنع؟ لأن السكوت يكون إما أن يكون عن جهل، وإما أن يكون عن كتمان، السكوت يعني كونهم يسكتون عن بيان الحق في أسماء الله وصفاته، ليش سكتوا؟ ما أحد يسكت عن بيان الحق إلا إما أنه جاهل وإلا كاتم؛ إما جاهل بالحق ولَّا قادر يتكلم بما هو جاهل فيه، وإما كاتم للحق مع علمه به يعلم الحق لكن كتمه، وهذا ممتنع على الصحابة، ولَّا لا؟ طلبة: ممتنع. الشيخ: تقولون ذلك كما تقول الببغاء ولَّا عن معرفة؟ طلبة: عن معرفة. الشيخ: عن معرفة؟ طالب: يا شيخ، يمكن يقال: (...) ليس كتمانًا للحق، ولكن كما كتم معاوية بعض الأشياء، ومعاذ كتمها (...) يعني فيه وجه.. الشيخ: إحنا نتكلم عن أسماء الله وصفاته -بارك الله فيك- إحنا نتكلم عن أسماء الله وصفاته ما إحنا نتكلم عن مسألة فردية، ومن عمل واحد فرديٍّ، نتكلم عن أسماء الله وصفاته، وبالنسبة لعموم الصحابة، أما سكوت بعضهم عن مسألة فردية لخوف محظور فهذا قد يمكن، وأخيرًا لا بد أن يُبَيَّن أيضًا في النهاية لا بد أن يُبَيَّن، ما يتركونها كما فعل معاذ رضي الله عنه فأخبر بالحديث عند موته. طيب، الآن نقول: ما يمكن، ليش؟ أما امتناع الجهل على الصحابة بأسماء الله وصفاته؛ فلأنه لا يمكن لأي قلب فيه حياة ووعي وطلب للعلم ونهمة في العبادة إلا أن يكون أكبر همه هو البحث في الإيمان بالله تعالى ومعرفته بأسمائه وصفاته، وتحقيق ذلك علمًا واعتقادًا، كل إنسان فيه حياة في قلبه ومحبة للعلم ونهمة في العبادة، أول ما بيبحث، يبحث عن أيش؟ عن معرفة أسماء الله وصفاته. وقد تقولون لي: إن هذا يكذبه الواقع؛ لأن إحنا -والحمد لله- نحب العلم وفي قلوبنا نهمة للعبادة ومع ذلك نحن لم ندرس علم التوحيد بأسماء الله وصفاته. طالب: نعم. الشيخ: ويش نقول؟ نقول: لأن عندنا -ولله الحمد- منه، عندنا منه شيء كثير، نحن نشأنا على الإسلام، ومن أول ما نشأنا وإحنا نعرف ربنا، وإن كنا ما نعرف على سبيل التفصيل، لكن على سبيل الإجمال الصغير، من يوم ما صغير تقول: وين ربك؟ يقول بالسماء، أي واحد صغير، حتى يعني بمجرد ما يحصل التمييز، يقول: ربي في السماء، ولَّا فوق، وما أشبه ذلك مما يدل على أن الفطرة مغروسة فيه، فنحن، والحمد لله عندنا شيء كثير من معرفة هذا، لكن إنسان جاهل ما عاش في الإسلام وعنده رغبة في العبادة لا بد أن يبحث عن هذا الإله قبل، لأجل أن يبني عقيدته على شيء، ولهذا الصحابة أحيانًا يحدثهم النبي عليه الصلاة والسلام بالحديث ويستفهمون عنه؛ لما أخبر بأن الله يضحك، قالوا: أو يضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: «نَعَمْ». قال: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا ولما سألوه: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ أنزل الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي [البقرة: ١٨٦] على خلاف في صحة هذا السبب. لكن قصدي أن الإنسان اللي عنده رغبة في تحقيق العبادة لا بد أن يبحث عن صفات المعبود وأسمائه حتى يعبده على بصيرة؛ فلهذا يمتنع الجهل عليهم. ولا ريب أن القرون المفضلة -وأفضلهم الصحابة- هم أبلغ الناس في حياة القلوب ومحبة الخير وتحقيق العلوم النافعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسُ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» وهذه الخيرية تَعُمُّ فضلهم في كل ما يُقَرِّب إلى الله تعالى من قول وعمل واعتقاد. ثم لو فُرِضَ أنهم جاهلون ثم لو فرضنا أنهم كانوا جاهلين بالحق في هذا الباب لكان جهل من بعدهم من باب أولى صح ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: يعني لو قال قائل: يمكن أن يكونوا جاهلين، يمكن ما بحثوا، يمكن ما حرصوا على الوصول إلى هذا. نقول: إذا كانوا جاهلين فاللي بعدهم من باب أولى، لماذا؟ لأن معرفة ما يثبت لله من الأسماء والصفات، أو ينفى عنه إنما يُتَلَقَّى عن طريق الرسالة وهم الواسطة بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين الأمة، وعلى هذا الفرض يلزم ألَّا يكون عند أحد علم في هذا الباب، وهذا ظاهر امتناعه. صحيح؛ يعني لو أن أحدًا من الناس كابر وقال: أنا ما أوافقكم على أن الصحابة لا بد أن يكونوا عالمين بأسماء الله وصفاته، ما أوافق على هذا، أقول: يمكن أن يكونوا جاهلين، طبعًا، هذه مكابرة، لكن على فرض أننا سَلَّمْنَا هذا، نقول: ما يخالف (...)، إذا كان الصحابة جاهلين فاللي بعدهم أجهل، أجهل بلا شك؛ لأننا على فرض أن تكون أسماء الله وصفاته معلومة، منين تتلقى؟ من الرسول صلى الله عليه وسلم والطريق الموصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في باب العلم مَنْ هم؟ طلبة: الصحابة. الشيخ: الصحابة رضي الله عنهم، منين يجينا إحنا، ما أدركنا الرسول عليه الصلاة والسلام فلا يمكن أن يأتينا خبر في باب أسماء الله وصفاته إلا من طريق الصحابة، فعلى هذا إذا قلنا: إن الصحابة جاهلون لزم أن نكون نحن أيضًا أجهلَ بذلك، وحينئذ لا يكون عند الأمة كلها من أولها إلى آخرها علم في باب أسماء الله وصفاته، وهذا ظاهر الامتناع الحمد لله؛ ولذلك الذين يسبون الصحابة -فيه ناس والعياذ بالله مِنْ فِرَقِ الأمة يسبون الصحابة- ما غرضهم بهذا السبِّ؟ ويش الغرض؟ سواء قصدوا أو ما قصدوا، النتيجة لهذا السب ما هي؟ طالب: (...). الشيخ: النتيجة التشكيك في كل الشريعة؛ لأن الشريعة ما جاءتنا إلا من طريق الصحابة فإذا سَبَبْنا الصحابة أو رميناهم بالفسق أو بالكفر والردة -والعياذ بالله- معنى ذلك إن ما عندنا شريعة قائمة؛ إذ إن الشريعة ما تأتي إلا من طريقهم، ولهذا كانت هذه البدعة من أكبر -والعياذ بالله- البدع إنكارًا للشريعة. وأما امتناع كتمان الحق فلأن كل عاقل منصف عرف حال الصحابة رضي الله عنهم وحرصهم على نشر العلم النافع وتبليغه الأمة فإنه لن يمكنه أن ينسب إليهم كتمان الحق، ولا سيما في أوجب الأمور وهو معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته، واضح هذا؟ طالب: واضح. الشيخ: إذا صار الصحابة عالمين ووصلنا إلى هذا الحد فلا بد أن يكونوا معلمين، ما يمكن يكتمون الحق أبدًا، لا بد أن يبينوه للناس؛ لأننا نعلم أنهم أنصح الأمة للأمة، فلا بد أن يعلموا الناس. فإذا قال لنا قائل: هذا فيه نظر، الكلام هذا كله فيه نظر؛ لأننا نجهل الآن أسماء الله التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ما بُيِّنتْ لنا في الحديث، ويش الجواب على هذا؟ نقول: أما مَنِ احتج بالحديث الذي سرد هذه الأسماء فإن هذا الإيراد لا يَرِدُ عليه، أو لا؟ أنتم معي ولَّا لا؟ طلبة: إي نعم. الشيخ: لو قال قائل: هذا الكلام اللي أنتم قلتم، وأنه لا بد أن تبين الأسماء والصفات، هذا الكلام ما نقبله منكم؛ لأننا نورد عليكم أن أسماء الله التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة غير مُعَيَّنة لنا، فالجواب أن نقول: مَنْ قَبِلَ الحديث الوارد في تعيينها لن يَرِدَ عليه هذا الإيراد، ويش يقول: إذا أورد عليه؟ يقول: هذه معينة، الحين تفضل أسردها عليك. ومن رأى أن الحديث هذا لا يصح وأنه مدرج من بعض الرواة تتبعها حسب علمه وسَرَدَها حسب علمه، من قال بهذا قال: إن الشارع ما أهملها، هي موجودة في القرآن والسنة، لكن المُهْمَل أيش؟ التعيين، المُهْمَل التعيين وكَلَه الشارع إلى العباد لأجل أن يجتهدوا في طلبها وتحرِّيها حتى يُعْرف بذلك من كان حريصًا على إحصائها ومن لم يكن حريصًا؛ لأن إحصاءها ما هو هين، ويش يحصل في إحصائها؟ دخول الجنة ما هي هينة، فلا بد أن يكون لهذا العِوَض من ثمن، لا بد أن يكون هناك ثمن وهو أنه ترك هذا الأمر للناس يتطلبونه بأنفسهم، لكنها موجودة في القرآن والسنة قطعًا، موجودة في القرآن والسنة التي بأيدينا قطعًا؛ إذ لا يمكن الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُحيلنا على أمر غير موجود، هو أمر موجود، لكن تركها لأجل أن الناس يحرصون عليها. ثم إنه -والله أعلم- أنه تركها أيضًا مفتوحة؛ لأجل أن يتوسع الناس في إدراك ما يدركون منها، فمثلًا قد يكون عندي أنا أُعَيِّن هذا الاسم من أسماء الله وأرى أنه هو الذي دَلَّ عليه الحديث، وأنت ترى اسمًا آخر، المهم أننا نأخذ من مجموع الأسماء؟ ويش نأخذ؟ كم؟ طالب: تسعة وتسعين. الشيخ: تسعة وتسعين اسمًا ونحصيها، ويكون ذلك سببًا لدخول الجنة؛ ولهذا ليس معنى ذلك معنى الحديث أننا ما نجد أكثر من تسعة وتسعين، نجد أكثر من تسعة وتسعين ما فيه شك، لكن مَنْ أحصى تسعة وتسعين من الموجود فإنه يدخل بذلك الجنة. وبهذا يزول الإشكال، بهذا يزول هذا الإيراد الذي قد يكون في قلب كل إنسان عندما يُقال له: إن الله تعالى ورسوله قد بَيَّن الحق في باب أسماء الله وصفاته بيانًا واضحًا، فإذا أورد علينا هذا الإشكال أجبنا عنه بأحد هذين الجوابين؛ الجواب الأول؟ طالب: لم يكن (...). الشيخ: أن مَنْ قَبِلَ حديث تعيينها أجاب به، عيَّنها وقال: الأمر واضح، ومن لم يقبلْه قال: إن الله تعالى أبهمها على العباد رحمة بهم وامتحانًا لهم؛ رحمة بهم ليكون هذا أوسع في المجال، كل يختار ما يرى من هذه الأسماء فيحصيها ويدخل الجنة، وأيضًا أبلغ في الامتحان ويش هو؟ في؟ طالب: (...). الشيخ: في طلبها والبحث عنها حتى يُعَيِّنُها الإنسان؛ لأنه لو كانت معينة لنا وقال: بس اقرأ، ما فيه تعب هذا، لكن شيء مُبْهَم في الكتاب والسنة يحتاج أن نراجع القرآن والسنة كله، كل اللي نقدر من السنة، ولَّا عاد القرآن -الحمد لله- مُيَسَّر معروف، يحتاج أن الإنسان يَتَتَبَّع ويحرص، وهذا لا شك أنه فيه مصلحة للعبد وفيه امتحان له، وبهذا عُلِمَ أن إخفاءها من المصلحة. طيب، لها نظير في العبادات؛ أشياء أُخْفِيَت امتحانًا للعباد؟ طالب: ليلة القدر.. طالب آخر: ساعة يوم الجمعة. الشيخ: ساعة يوم الجمعة، وليلة القَدْر مبهمة امتحانًا للعباد؛ لأنه لو عُيِّنَت ما حرص الناس إلا في هذه الليلة أو في هذه الساعة وفاتهم خير كثير، أرأيتم الآن لو كانت ليلة القدر معينة في ليلة سبع وعشرين كم يفوت الناس من قيام الليل والعمل؟ تسع ليال تفوتهم، وهذه مصلحة عظيمة للإنسان، والحقيقة أننا لا نحسُّ بهذه المصلحة في زيادة التسع ليال لنا نجتهد فيها بالعمل إلا إذا حضر الأجل، إذا حضر الأجل قال الإنسان: ليتني عملت، الآن كل شيء (...)، الدراهم موجودة كثيرة، أكياس ما يهم، الواحد يأخذ ريالًا ويرميه، لكن كلما قلَّت الدراهم كانت أغلى، وإحنا بالعكس -الله يخلف علينا- كلما زدنا في السنين هان علينا ضياع الأيام، لكن إذا انتهت الدراهم، ويش يقول الواحد؟ يا ليت، ليتني محتفظ بالدراهم، ليتني ما ضيعتها، هكذا الله حكيم جل وعلا، يشرع لعباده هذه الأمور ويخفيها لمصلحتهم، وفي نفس الوقت امتحانًا للعباد، الإنسان اللي حريص يقول: يا رخص عشر ليال في ليلة خير من ألف شهر، أو لا؟ والإنسان الكسلان يقول: والله ما أنا بقادر أقعد عشر ليال أسهر، ما هو لازم، ففيها امتحان وفيها رحمة في نفس الوقت. فهذه المسائل الدقيقة ينبغي للإنسان أنه يتأملها في شرع الله عز وجل، وأن لله تعالى الحكمة البالغة في كل ما شرع، لكن منها ما هو معلوم لنا ومنها ما هو مجهول لنا. طالب: هذه الأسماء (...) الله؛ يعني بس مجرد عَدِّها ولا يعني..؟ الشيخ: لا، ما هو مجرد عَدِّها، إحصاؤها يتضمن ثلاثة أمور: أولًا: حفظها، وفهم معناها، والتعبد لله بمقتضاها. لا بد من ثلاثة أمور: حفظها، ومعرفة معناها، والثالث أن يتعبد لله بمقتضاها؛ لأن الله يقول: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، أما مجرد أنه يكتب له ورقة ويبقى يكررها، هذا ما هو إحصاء. طالب: طيب ما دام نعرف أسماء لله يمكن (...) لكن ما عَدِّينا ولا أحفظ؟ الشيخ: لا، احصها. الطالب: لازم (...) الشيخ: إي، لازم تحصيها، ليش؟ لأن هناك أشياء محددة بالشرع (...)، الإنسان إذا سَلَّم من الفريضة يسبِّح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويكبِّر ثلاثًا وثلاثين، لو قال: أنا ما بقادر أعد، أبغي أسبح وأهلل، ومتى أني مَلِّيت قمت، ما يحصل على الأجر التام، كل شيء محدد فراعِ تحديده. طالب: حتى لو زاد؟ الشيخ: لو زاد، إن زاد على سبيل التعبد بهذه الزيادة فهي بدعة، وإن زاد على أن هذا تسبيح مطلق، فهذا جائز لكن لا ينبغي أن يُعْلِنه أمام الناس فيتخذوه أسوة. طالب: بالنسبة للأسماء والصفات، هل هناك ضابط يميز بين الاسم أو مثلًا..؟ الشيخ: أو الصفة. الطالب: أو الصفة التي يشتق منها الاسم؟ الشيخ: إي، لا ما هناك صفة يشتق منها اسم أبدًا. الطالب: فيه بعض العلماء تجدهم.. الشيخ: ما هو بصحيح، هذا غلط؛ لأنا لو اشتققنا من كل صفة اسمًا ما بقي للأسماء فائدة، كأنه يقول: الله ممسك، والله آخذ، والله باطش، والله مستهزئ، هذا ما يمكن. الطالب: فيه بعض العلماء (...) وصل إلى أنه قال: (...). الشيخ: لا، هذه صفة. (...) في هذا الباب، لماذا؟ لأن ضِدَّ ذلك إما السكوت وإما قول الباطل، وكلاهما ممتنع على الصحابة؛ لأن السكوت إما أن يكون عن جهل أو عن علم مع الكتمان وهذا أيضًا مستحيل، فجهل الصحابة بما يجب لله ويمتنع ويجوز من الأسماء والصفات أمر لا يمكن، وسكوتهم عن الحق مع علمهم به أمر لا يمكن؛ ولهذا نقول: إنه لا يمكن كتمانهم، إضافة إلى ذلك أنه قد جاء عنهم من قول الحق في هذا الباب شيء كثير يعرفه مَنْ طلبه وتتبعه، ولكن مع هذا لم يأت عنهم في باب الصفات مثل ما أتى عن التابعين ومن بعدهم؛ لأن الناس لم يتكلموا في عهد الصحابة في الصفات كما تكلموا فيما بعد، فإن بدعة الجهمية أول ما ظهرت على يد الجعد بن درهم ثم الجهم بن صفوان، وذلك بعد انقراض عصر الصحابة رضي الله عنهم، فدلَّ هذا على أن الصحابة لهم كلام كثير في باب الأسماء والصفات، لكنه بالنسبة إلى كلام من بعدهم قليل. الخلاصة يا إخواننا نقول: الصحابة لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب، ويش الدليل على هذه القاعدة؟ لأن ضد قول الحق إما السكوت أو القول بالباطل، اللي ما قال بالحق معناه إما ساكت ولَّا قائل بالباطل. السكوت ممتنع على الصحابة، يعني: يمتنع أن يسكتوا في هذا الباب، لأن الباب من أهم الأمور فيمتنع أن يسكتوا، لماذا يمتنع؟ لأنه يقول: السكوت، ويش المانع؟ ويش الذي يوجبه؟ السكوت عن الحق لا يوجبه إلا واحد من أمرين، ما هما؟ إما الجهل به، أو الكتمان، إنسان عالم لكن يكتم، وهذان أيضا ممتنعان على الصحابة رضي الله عنهم، كما تقدم تقريره. ثم إننا نقول: ضد هذا الأمر -ضد السكوت- أنه وجد عنهم من الكلام في هذا الباب شيء كثير. طيب، وأما امتناع القول بالباطل عليهم، فمن وجهين: أحدهما أن الباطل لا يمكن أن يقوم عليه دليل صحيح، أو لا؟ يعني: لا يمكن أن يقوم عليه -أي: على صحته- دليل صحيح، أما على بطلانه فيمكن أن يقوم عليه دليل صحيح، لكن كلامنا القول بالباطل ما يمكن أن يقوم دليل عليه على القول بالباطل وأنه حق. (ومن المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم أبعد الناس عن القول فيما لم يقم عليه دليل صحيح خصوصًا في أمر الإيمان بالله تعالى وأمور الغيب، فهم أولى الناس بامتثال قوله تعالى..) إلى آخره. الصحابة أبعد الناس عن القول فيما لم يقم عليه دليل صحيح، لا سيما في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن هذا من أمور الغيب التي ما يمكن يتكلم فيها الإنسان إلا بحق؛ لقوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] ويش معنى (لا تقفه)؟ لا تتبعه فتقول به، وقوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] الشاهد الجملة الأخيرة وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. (ثانيهما: أن القول بالباطل إما أن يكون مصدره الجهل بالحق، وإما أن يكون مصدره إرادة ضلال الخلق وكلاهما ممتنع في حق الصحابة رضي الله عنهم، أما امتناع الجهل فقد تقدم بيانه) أو لا؟ طالب: بلى. الشيخ: طيب، (وأما امتناع إرادة ضلال الخلق فلأن إرادة ضلال الخلق قصد سيء لا يمكن أن يصدر من الصحابة الذين عُرِفوا بتمام النُّصْحِ للأمة ومحبة الخير لها). نعم ما يمكن الصحابة يقولون بالباطل لأجل أن يضلوا الناس؛ لأنه معروف من حالهم أنهم يحبون الخير، وأنهم أنصح الخلق للأمة، أنصح الخلق -يعني بعد الرسل- للأمة فلا يمكن مع هذا أن يريدوا إضلال الخلق. قال: (ثم لو جاز عليهم سوء القصد فيما قالوه في هذا الباب لجاز عليهم سوء القصد فيما يقولونه في سائر أبواب العلم والدين). يعني لو قلنا: إن الصحابة يمكن أن يقولوا في هذا الباب بالباطل ليضلوا الخلق، أفلا يمكن أن نقول: وإذن ربما يكونون في غير هذا الباب، في باب العبادات مثلًا بالباطل ليضلوا الناس عن سبيل الله. فإذا جوَّزْنَا هذا وهذا أنه يجوز أن يقولوا بالباطل في باب العقائد وفي باب العبادات الظاهرة، حينئذ نعدم الثقة بأي شيء؟ بكل ما يقولونه في الشريعة، وهذا يؤدي بلا ريب إلى بطلان الشريعة رأسًا؛ ولهذا قال: (فتعدم الثقة بأقوالهم وأخبارهم في هذا الباب وغيره، وهذا من أبطل الأقوال؛ لأنه يستلزم القدح في الشريعة كلها، وإذا تبيَّن أن الصحابة رضي الله عنهم لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في هذا الباب فإننا نقول: إما أن يكونوا قائلين ذلك بعقولهم أو عن طريق الوحي) هذا آخر المراحل، نقول: الآن بعد أن تقرر عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم لا بد أن يكونوا قائلين بالحق في باب الأسماء والصفات، فمن أين جاءهم هذا الحق؟ نقول: هذا لا يخلو من أحد طريقين، إما أنه جاءهم عن الرسول عليه الصلاة والسلام أو جاءهم عن طريق العقل، هم فَكَّروا وقالوا: يجب لله كذا، ويجب لله كذا. (والأول ممتنع) ويش هو الأول؟ القول بالعقول، بأنه بطريق العقل؛ (لأن العقل لا يدرك تفاصيل ما يجب لله تعالى من صفات الكمال فتعين الثاني وهو أن يكونوا تَلَقَّوْا هذه العلوم عن طريق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فيلزم على هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن الحق في أسماء الله وصفاته، وهذا هو المطلوب). هذا وإن كان طويلًا حوالي (...) ونصف تقريبًا، لكنه مفيد جدًّا لطالب العلم؛ لأنه كله حجج عقلية منطقية تُعْلَم بالتتبع والاستقراء بأن الحال ما تخرج عن كذا أو كذا، فإذا بطل واحد تعين الثاني، كل هذا الكلام مؤداه وفائدته ومحك الفائدة منه أن الذي بيَّن الحق في أسماء الله وصفاته مَنْ؟ النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي بين الحق وتكلم الصحابة به من بعده، وهذا هو المطلوب.
الباب الثالث: في طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته
٠٠:٥٤:٥٦
ثم قال: (الباب الثالث: في طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته). أولًا: أهل السنة والجماعة، من هم؟ قال: (هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم) اجتمعوا؛ ولهذا سموا جماعة، وعلى سنة؛ ولهذا سُمُّوا أهل السنة. (والعمل بها ظاهرًا وباطنًا في القول والعمل والاعتقاد) هؤلاء هم أهل السنة الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى العمل بها ظاهرًا وباطنًا في العقيدة والقول والعمل. قال: (وطريقتهم في أسماء الله وصفاته كما يأتي: أولًا: في الإثبات، وثانيًا: في النفي، وثالثًا: فيما لم يَرِدْ نفيه ولا إثباته). (في الإثبات) أي: ما ورد إثباته لله عز وجل فيقول: (طريقتهم إثباتُ ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل). هذه طريقتهم في الإثبات، يثبتون ما أثبته الله لنفسه في القرآن؛ مثل الاستواء على العرش والعلو واليد والوجه والعينين وما أشبه ذلك. يثبتون أن الله عز وجل يقول: (من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل). (من غير تحريف) التحريف هو أن يُحَرَّف اللفظ إما عن النطق وإما عن المعنى، يحرف إما بالنطق أو بالمعنى، فالتحريف بالنطق مثل ما ذكره عن بعض المبتدعة -والعياذ بالله- أنه قرأ قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] فقال: وكلم اللهَ موسى تكليمًا، ويش غرضه بهذا؟ أنه يكون الكلام من موسى لا من الله. وكذلك من غير تعطيل، التعطيل معناه منع النص من دلالته، ويشمل هذا مَنْ منعه من دلالته وصَرَفه إلى غيره، ومَنْ منعه من دلالته ولم يَصْرِفْه إلى غيره؛ لأن الناس بالنسبة للنصوص في الصفات، منهم من منع دلالته على مراد الله. ولكن ما أثبت له معنًى، وهؤلاء هم الذين يُسَمَّوْن المفوضة يقول: ما أراد الله بهذا كذا طيب، ويش أراد؟ ما نقول شيئًا، لا نقول شيئًا. ومنهم من قال: إن الله ما أراد كذا، وإنما أراد كذا، وهؤلاء هم أهل التأويل، لكننا نقول لهم في الحق: أهل التحريف؛ لأنهم حَرَّفوا الكلام عن معناه. ومنهم من قال: إن الله تعالى أراد به كذا وكذا مما يوافق ظاهر الكلام، وهؤلاء أهل السنة والجماعة. (ومن غير تكييف ولا تمثيل) طيب، من غير تكييف ولا تمثيل، معنى تكييف ذِكْر الكيفية، وسيأتي تعريفها في باب مستقل، والتمثيل ذات مماثلة. فإذا قال قائل: هذه الأمور الأربعة التي نزَّه أهل السنة والجماعة عقيدتهم عنها فيها شيء موجود في القرآن، وفيها شيء غير موجود. (من غير تحريف) موجود في القرآن؟ يعني موجود ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه؟ موجود، فقوله: (تحريف) مطابق لما جاء به القرآن. (ولا تعطيل) في القرآن تعطيل، ذكر (تعطيل) بهذا اللفظ أو هذه المادة؟ لا، لكن فيه ما يشير إليه إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]، والذي يقول: إن الله ما أراد كذا أو إنما أراد كذا ما عقل الكلام على معناه. طيب، (من غير تكييف) موجود؟ لا، تكييف ما وُجِدَ، لكنه موجود عن السلف، كما قالوا في العبارة المشهورة: (أمروها كما جاءت بلا كيف) فهي موجودة عن السلف. (ولا تمثيل) موجود في القرآن؟ نعم، موجود في القرآن فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤]، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. طيب، (في النفي فطريقتهم نفي ما نفى الله عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مع اعتقادهم ثبوت كمال ضده لله تعالى). ما نفاه الله عن نفسه يقولون: نعم، ننفيه عن الله، لكن نعتقد مع النفي ثبوت كمال ضده، فيقولون مثلًا: إن الله لا يظلم وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، لكن سننفي الظلم عن الله، ولكن مع ذلك نثبت كمال عدله، نقول: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض ولم يَعْيَ بخلقهم، ما تعب ولا سئم؛ لكمال قوته، وهكذا. أما (فيما لم يرد نفيه ولا إثباته) فيقول: (مما تنازع فيه الناس كالجسم والحيز والجهة ونحو ذلك فطريقتهم فيه التوقف في لفظه؛ فلا يثبتونه ولا ينفونه لعدم ورود ذلك، وأما معناه فيستفسرون عنه فإن أريد به باطل يُنزَّه الله عنه ردوه وإن أُرِيدَ به حق لا يمتنع على الله قبلوه). فيه أشياء صارت مثارًا للنقاش بين الناس، ما ورد به نص مثل الجسم والحيز والجهة ونحو ذلك، فهل نقول: إن لله جسمًا؟ طلبة: لا. الشيخ: هل نقول: ليس لله جسم؟ طالب: (...). الشيخ: ولا نقول: لا، من حيث اللفظ لا نثبته ولا ننفيه، من حيث اللفظ، لكن من حيث المعنى نستفسر عن معناه؛ ولهذا يقول: فطريقتهم التوقف في لفظه فلا يثبتونه ولا ينفونه، وأما معناه فيستفصلون عنه. نقول: ماذا تريد بالجسم؟ إن أردت بالجسم الشيء المركب من لحم ودم وعظم المفتقر جزئه إلى كله وما أشبه ذلك فهذا بالنسبة إلى الله ممتنع على الله عز وجل، وإن أردت بالجسم الذات المتصف بما يليق به فهو حق؛ فإن لله ذاتًا متصفة بالكمال، وعليه فنقول: هذا حق، لكن إياك أن تقول: إن الله جسم أو أن تقول: إن الله ليس بجسم؛ لأنه (...) ضعيف، فيه حق وفيه باطل، فإن أثبتَّ أوهمت الباطل، وإن نفيت أوهمت نفي الحق، فلا يجوز عليك الإثبات ولا النفي. كذلك الحيز تقول: هل لله حيز؟ أو هل الله في حيِّز أو ما أشبه ذلك؟ نقول: ماذا تريد بالحيز؟ إن أردت بالحيز أنه سبحانه وتعالى مباين للمخلوقات منحاز عنها منفصل فهذا حقٌّ ولا باطل؟ حق؛ لأن الله تعالى مباين للمخلوقات ليس حالًّا فيها ولا حالة فيه، وإن أردت بالحيز أن الأشياء تحوزه كما تقول مثلًا: ملكي في حيزي ما بين الجبل والوادي، فهذا حق ولَّا باطل؟ باطل، فننكره، فلما كان الحيز لفظًا مُجْمَلًا يحتمل حقًّا وباطلًا قلنا: لا يجوز لك إطلاقه على الله ولا نفيه عنه حتى تستفصل. كذلك الجهة؛ إذا قال: إن الله في جهة ولَّا في غير جهة؟ طالب: نستفصل. الشيخ: إي نعم، نستفصل، لا يجوز نقول: في جهة ولا في غير جهة؛ لأننا إن أطلقنا ربما يتوهم الإحاطة يعني: إحاطة الأشياء بالله، وإن نفينا ربما يُفْهَم منه مذهب النفاة القائلين بأن الله تعالى ليس في داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا متصل إلى آخره، فنقول: أما لفظ الجهة فلا نُثْبِته ولا ننفيه، ولكن معناه نستفصل عنه إن أردت بالجهة جهة سفل فهو مُنزَّه عن ذلك ولا يجوز، إن أردت جهة علو تحيط به فهو أيضًا مُنَزَّه عنه، إن أردت جهة علو لا تحيط بالله، فإن هذا حق فإن الله تعالى في العلو بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع يديه إلى السماء ، وكان سأل الجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟» فقالت: في السماء، فقال: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . والله أعلم. (...) أولًا اعلم أن (أهل السنة -كما قال المؤلف- هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بها ظاهرًا وباطنًا في القول والعمل والاعتقاد) هؤلاء هم أهل السنة؛ ولهذا سميناهم أهل السنة والجماعة، والجماعة في الأصل هو الاجتماع، في اللغة العربية معناه الاجتماع، ولكنه نُقِل من هذا المعنى إلى القوم المجتمعين. إذن أهل السنة والجماعة هم الذين اجتمعوا على الأخذ بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا سميناهم أهل السنة لأخذهم بالسنة، وأهل الجماعة لاجتماعهم عليها. بهذا التقرير أو بهذا التعريف لأهل السنة والجماعة نعرف أنه لا يدخل فيهم الأشاعرة ولا الماتردية، وإن كان بعض الناس يحاول أن يدخل هاتين الطائفتين في أهل السنة والجماعة، ونحن نقول: هم ليسوا من أهل السنة والجماعة فيما يذهبون إليه في أسماء الله وصفاته وغيرهما مما خالفوا فيه السلف. السلف من أهل السنة والجماعة ولَّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: هم أفضل، السلف هم أفضل أهل السنة والجماعة، والخلف هم الخالفون كما قال شيخ الإسلام المخالفون للسلف، فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة لا بد أن يكونوا عاملين آخذين بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام والعمل بها ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا في أعمال الجوارح وباطنًا في أعمال القلوب، ظاهرًا فيما يظهر للناس وباطنًا فيما يخفى على الناس، فالمراؤون إذن لم يحققوا أن يكونوا من أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة والجماعة عندهم من الإخلاص لله عز وجل والمتابعة ما هو على أكمل الوجوه. طيب، في القول والعمل؛ اعلم أن العمل إذا أُفْرِد عن القول شمل القول، وأما إذا قُرِنَ معه فإنه يختص بالفعل الذي هو قسيم القول؛ ولهذا نقول في الصلاة: هي أقوال وأفعال، فأنت إذا أردت التقسيم تقول: أقوال وأفعال، والكل يشملها أنها أعمال، فالعمل إذن يشمل القول والفعل. أما عند التقسيم فنقول: إن الفعل قسيم القول. وأما الاعتقاد فهو عَقْد القلب على الشيء وتصديقه به وإقراره به. فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة. (طريقتهم في أسماء الله وصفاته كما يأتي) والأسماء والصفات فيها إثبات وفيها نفي وفيها ما سُكِت عنه فما ورد إثباته فطريقتهم فيه أنهم يثبتونه يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأن ما أثبته الله لنفسه إما في القرآن وإما في السنة فمثلًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ» هذه الصفة غير موجودة في القرآن، أو لا؟ وقوله: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا» يدخلان الجنة، فالضحك ليس موجودًا في القرآن، لكن يجب أن نؤمن به كما نؤمن بما في القرآن؛ ولهذا لما جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه وقالت: إني فتشت المصحف من فاتحته إلى خاتمته فما وجدت أن المرأة المستوشمة والنامصة والمستوشرة أنها ملعونة في القرآن، والرسول يقول: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ». أين ذلك في القرآن؟ فقال: هو في القرآن. قال: إي. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] . فالذي ثبت في السنة يجب الإيمان به كما يجب الإيمان بما في القرآن ولا يمكن لإنسان أنكر شيئًا من السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدَّعِي أنه مؤمن بالقرآن أبدًا؛ لأنه يكون كافرًا به، إذ إن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء: ١٣٦] وهل المنكر لشيء مما ثبت عن الرسول مؤمن بالرسول؟ طالب: لا. الشيخ: لا، إذن لم يكن مؤمنًا بالقرآن. فما ثبت في القرآن والسنة من أسماء الله وصفاته وجب علينا أن نثبته من (غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) هذه العبارة هي التي عبر بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتبه، وقد يكون غيره ممن سبقه عبَّر بها، ولكنه رحمه الله لما ناظروه، لما كتب العقيدة الواسطية عقدوا له مجالس مع ولاة الأمور يناقشوه فيها، وقال: ليش إنك تقول من غير تحريف، وهم يعرفون أن قوله: من غير تحريف لإبطال قول أهل التأويل الذين يؤولون الكتاب؟ قال: إنني اخترت التحريف؛ لأنه هو الموجود في القرآن يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء: ٤٦]. أما التأويل فإن التأويل الموجود في القرآن حق؛ لأن التأويل الموجود في القرآن والسنة دائر بين معنيين لا ثالث لهما وهما التفسير أو الحقيقة التي يَؤُول إليها الشيء وهذا لا يمكن أن أنفيه، لا يمكن أن أقول: من غير تأويل، إذا قلت: من غير تأويل معناه لا يفسر أو معناه لا حقيقة له، فأنا قلت: من غير تحريف؛ لأن هذا أي صرف اللفظ عن ظاهره بدون دليل يعتبر تحريفًا من تحريف الكلم عن مواضعه، ولا شك أن كلمة تحريف أشد وقعًا على أهل التأويل من كلمة تأويل، أليس كذلك؟ لأنه قد يُقْبَل أن تقول: أنت مؤول، لكن لا يقبل أن تقول: أنت محرف. (ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل) وهذه المعاني ما نشرحها لأن لها شرحًا في الكتاب نفسه. (أما في النفي فطريقتهم نفي ما نفى الله عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مع اعتقادهم ثبوت كمال ضده). أهل السنة والجماعة يؤمنون بما نفي الله عن نفسه فينفونه عنه، لكن هل هم يقتصرون على مجرد النفي؟ لا، بل هم ينفونه لكمال ضده عندهم؛ فقوله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩] ليس معناه أنه لا يظلم فقط، لكن لا يظلم لماذا؟ طلبة: لكمال عدله. الشيخ: لكمال عدله، وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]؟ طالب: (...). الشيخ: ما (...) من تعب وإعياء؛ لكمال قوته وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [فاطر: ٤٤]، لكمال؟ طلبة: قدرته. الشيخ: نعم، ونزيد أيضًا علمه وقدرته؛ لأن الله قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤] لأن العاجز تفوته القدرة لأحد سببين: إما لعدم علمه، وإما لعدم قدرته. فلو جاءنا رجل عامل من السوق وقلنا له: يلَّا أَصْلِح لنا السيارة ها الحين. أصلح لنا السيارة. قال: والله ما أقدر، لماذا؟ لأنه جاهل لا يقول: أنا أقدر، جيبولي بس مسامير (...) هو يقدر يركب، لكن ما يدري ويش لون يركب؟ يمكن يحط الدركسيون عجلة (...) تمشي عليها السيارة مثلًا، فهذا الرجل لا يقدر، لماذا؟ لعدم علمه، لكن جئنا لواحد مهندس جيد جدًا في صناعة السيارات، لكن وجدناه مريضًا، قلنا له: يَلَّا قم اصنع السيارة، يقول: ما أقدر عاجز، لعدم قدرته؛ ولهذا قال الله عز وجل: إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]. طيب، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤] بغافل هذه نفي؟ لماذا؟ طالب: لكمال الإحاطة. الشيخ: لكمال علمه ومراقبته. فعلى كل حال كل ما نفى الله عن نفسه من الصفات أو نفاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام فإنما ذلك لكمال الضد لا لمجرد النفي. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» لماذا؟ لكمال حياته وكمال قَيُّوميَّتِه؛ ولهذا قال عز وجل: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ [البقرة: ٢٥٥] لأن اللي تأخذه السِّنَة ناقص الحياة وناقص القيومية، إذا نام مَنِ الذي يقوم على عباده؛ ولهذا لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم. طالب: (...) لا تأخذه سنة ولا نوم (...) الحي القيوم؟ الشيخ: لا، لأن هذا لبيان كمال هاتين الصفتين، يعني الصفتان كاملتان لا يمكن أن يلحقهما نقص؟ الطالب: توكيد. الشيخ: إي نعم، توكيد أو تحقيق الكمال. قال: (أما القسم الثالث ما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه كلفظ الجسم) لاحظوا أن لفظ الجسم ما ورد إثباته لله ولا نفيه عنه، لماذا؟ لأنه ليس كمالًا محضًا ولا نقصًا محضًا، وكذلك الجهة ما ورد أن الله في جهة أو أن الله جهة لا نفيًا ولا إثباتًا، السبب لأنها ليست كمالًا محضًا ولا نقصًا محضًا، لو كانت نقصًا محضًا لوَرَدَ نفيها، أو كمالًا محضًا لورد إثباتها، لكن جاء بدل الجهة العلو، العلو كمال محض فأثبته الله لنفسه. كذلك الحيز، هل الله في حيز مثلًا؟ هل الله متحيز؟ هذه الكلمات الثلاث أكثر ما يدندن أهل التعطيل عليها، يقول لك مثلًا: إذا أثبتَّ أن الله مستوٍ على العرش استواء حقيقيًّا بمعنى العلو عليه لزم من ذلك التمثيل، كيف؟ قال: لأنه يلزم من إثبات الاستواء الحقيقي إثبات أن يكون جسمًا، والأجسام متماثلة، وأحيانًا يقولون: لا يوصف الشيء بالثبات إلا إذا كان جسمًا، والأجسام متماثلة، شوف القضية الكاذبة هذه، هذه القضية كاذبة في مُقَدِّمَتَيْهَا جميعًا، فمثلًا يقولون: لا يُوصَف بالصفة إلا ما هو جسم حقٍّ ولَّا لا؟ طالب: لا، ليس بحق. الشيخ: ليس بحق، بل توصف الأعراض كما توصف الأجسام، تقول مثلًا: هذا يوم طويل، وهذا حر شديد، وهذا مرض مزمن، وما أشبه ذلك، وهي أعراض ولَّا أجسام؟ طلبة: أعراض. الشيخ: أعراض، ووُصِفَت بالصفة، وكذلك أيضًا قولهم: إن الأجسام متماثلة، هذا صحيح؟ طلبة: لا. الشيخ: هذا أيضًا كذب فهي مختلفة في أحجامها وأشكالها وفي ذواتها أيضًا، إذا قبضتَ على الحديد انضغط. طالب: لا. الشيخ: لا. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، وإذا قبضت على العجين؟ الطالب: انضغط. الشيخ: انضغط، هل تساوت الأجسام؟ ما تتساوى، فهم يُلَبِّسون على العامة على عامة الناس، ما يعرفون يلبسون عليهم بمثل هذه العبارات يقول: الله جسم، إذا قلت: إن الله جسم. لزم تماثل الأجسام فتكون مُمَثِّلًا. كذلك الله في حيز، كيف الله في حيز؟ معناه أن الأشياء تحيط به! وهذا غير صحيح، فمثل هذه العبارات نقول فيها.. ما موقفنا نحن منها؟ نقول: لو سكت الناس عنها لكان الأوفق بنا أيش؟ أن نسكت، لكن إذا خاض فيها الناس فلا بد لنا من دخول الميدان فلا نترك المجال لهؤلاء يلعبون كما يشاؤون، ونقول: والله هذه ألفاظ ما جاء بها نص ما إحنا بقائلين فيها شيئًا! هذا خطأ، بل إننا إذا اضطررنا إلى الكلام تكلمنا، شوف الآن فيه أشياء أدخلها الناس بعد الصحابة كله من أجل دفع الباطل، لو لم يتكلم فيها الناس ما تكلمنا فيها، القرآن كلام الله؟ صح؟ طلبة: نعم. الشيخ: ورَدَ في القرآن كلام الله منزل؟ طلبة: نعم. الشيخ: صحيح، ورد في القرآن أنه منزل. غير مخلوق؟ ما ورد لا في القرآن ولا في السنة ولا عن الصحابة، وقيل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، غير مخلوق كيف؟ قال: إنهم إذا قالوا: مخلوق، لا بد أن نقول نحن: غير مخلوق، لا بد أن نقول، فإذا أوجدوا مثل هذه الأشياء فلا بد أن ندخل المعترك معهم لنبين الحق، ما ندع المجال ساكتين، لأننا لو سكتنا لانتصروا علينا، ولهذا الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة والجماعة هو التفويض المحض وعدم الخوض في المعنى استطال عليهم الملاحدة، ويش قالوا؟ قالوا: إذا كان مثل ما تفهمون المعنى فأنتم من العوام، اجلسوا (...) إحنا نفهم المعنى المراد كذا وكذا، وراحوا يفسرون، لأن اللي يعلم المعنى خير من الذي يجهل، عامي. فالحاصل يقول: الذي لم يرد إثباته ولا نفيه، ماذا نقول فيه؟ يقول: (كالجسم والحيز والجهة ونحو ذلك) (نحو ذلك) مثل كلمة عَرَض، هل الله جوهر ولَّا عرض، هل هو جسم؟ وهل هو كذا؟ كل هذه ما وردت، ليس لنا حق أن نثبتها ولا أن ننفيها، لماذا؟ لأنها لم تَرِدْ، وهي أمور غيبية ما يُدْرَك لها نظير، فلا يحل لنا أن نتكلم فيها؛ لأننا لو تكلمنا لكنا قلنا ما لا نعلم، فنسكت، ولهذا عابوا على السفاريني رحمه الله قوله:
وَلَيْسَ رَبُّنَا بِجَوْهَرٍ وَلَا
عَرَضْ وَلَا جِسْمٍ تَعَالَى ذُو الْعُلَا
إذن ماذا نقول فيها؟ نقول: التوقف في لفظه، ما نثبته ولا ننفيه. فإذا قال لنا قائل: هل تقولون إن الله جسم؟ ويش تقول؟ طالب: لفظة الجسم.. الشيخ: أقول ما أتى، ما أقول شيئًا. هل إن الله ليس بجسم؟ ويش نقول؟ أتوقف، ما تُلْزِمني أن أقول: إنه جسم ولا إنه غير جسم؛ لأنه ما ورد، لكن المعنى لا بد أن نستفصل فلا يثبتونه لعدم وروده، وأما معناه فيستفصلون عنه، (فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه رَدُّوه، وإن أُرِيدَ به حق لا يمتنع على الله قبلوه). (إن أريد به باطل ينزه الله عنه) ترى كلمة (ينزه) هذه صفة كاشفة وليست صفة مانعة، ما أدري هذا البحث (...) هاه؟ صفة كاشفة، الصفة الكاشفة تكون كالعلة لما سبقها ولا يُقْصَد أن تكون مُخْرِجة ومُقَيِّدة؛ مثال ذلك: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، طيب وربنا الذي لم يخلقنا ما نعبده! طالب: أصلًا غير وارد. الشيخ: ما لنا رب لم يخلقنا، إذن الَّذِي خَلَقَكُمْيسميها العلماء صفة كاشفة أي: موضحة للمعنى، فهي موضحة لمعنى الرب رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْأن معنى الرب الذي خلقنا، فتكون كالتعليل لما سبق. طيب اللي معنا الآن، (إن أريد به باطل ينزه الله عنه) هل هناك باطل لا يُنَزَّه الله عنه؟ طالب: لا. الشيخ: لا، كل باطل فإن الله يُنَزَّه عنه، فإذن هذا التعبير باطل! (ينزه الله عنه) نقول: كلمة (ينزه الله عنه)؟ طالب: كاشفة. الشيخ: صفة كاشفة؛ أي: مُبَيِّنَة بأن كل باطل فإن الله مُنَزَّه عنه. طالب: شيخ (...). الشيخ: (...) قال: يُنَزَّه الله عنه ردوه.. طالب: الصفة المانعة؟ الشيخ: الصفة المانعة نعم، إذا قلت مثلًا: أكرم الطلبة المجتهدين. كلمة (المجتهدين) صفة مانعة تمنع غير المجتهد من دخوله. طيب، (إن أريد به حق قبلوه وإن أريد به باطل ردوه) نبدأ الآن بكلمة الجسم، وقلنا: إن لفظها لا يطلق إثباتًا ولا نفيًا، أما معناه فنسأل: ماذا تريد بالجسم؟ إن أردت بالجسم القائم بنفسه المتصف بما يليق به العالي على عرشه الآتي يوم الفصل للقضاء بين خلقه إن أردت به هذا فهو حق، كل هذا ثابت لله عز وجل. وإن أردت بالجسم المركب من أجزاء وأعضاء يفتقر بعضها إلى بعض في الوجود المفتقر إلى ما يمده من طعام وشراب وما أشبه ذلك فهذا باطل، هذا باطل لا يجوز إثباته لله. وكذلك لو أردت جسمًا مماثلًا للأجسام فهو أيضًا باطل يُنَزَّه الله عنه. نأتي إلى كلمة الحيز أو التحيز أو ما أشبه ذلك يقول: أنت إذا قلت: إن الله تعالى بذاته فوق خلقه لزم أن يكون منحازًا أو في حيز أو متحيزًا أو (...). فنقول: كلمة حيز ما وردت لا إثباتًا ولا نفيًا فنتوقف في لفظها، أما معناها فنسأل: إن أردت بالحيز أن الله عز وجل تحوزه المخلوقات وتحيط به فهذا باطل ممتنع على الله عز وجل، وإن أردت بكلمة حيز أنه منحاز عن المخلوقات بائن منها فهذا؟ طالب: حق. الشيخ: فهذا حق، فهذا الشيء لأنكم الآن لو تطالعون كتب المعتزلة أو الأشعرية وجدتم يلزم من ذلك التحيز، يلزم من إثبات كذا أن يكون متحيزًا وما أشبه ذلك، طيب إحنا نقول: ليش إنكم تجلبون علينا في هذه العبارات؟ نحن لا بد أن ننازلكم في الميدان حتى نعلم ماذا تريدون بالتحيز أو بالحيز أو ما أشبه ذلك. كلمة الجهة أيضًا يقولون: إنه ما يجوز أنك تقول: إن الله في جهة، إذن ماذا أقول؟ قال: تقول: إن الله في كل مكان، أي جهة تكون فالله فيها، أو تقول: إن الله سبحانه وتعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال. طالب: معدوم. الشيخ: إي نعم، معدوم، الأول مذهب الحلولية من الجهمية، والثاني مذهب المعطلة النفاة. طالب: (...). الشيخ: الحلولية من الجهمية وغيرها، والثاني مذهب المعطلة النفاة يقول: ما تقول: إن الله في جهة أبدًا، إما قل: في كل مكان، ولا قل: ليس في مكان. طيب، هذا ماذا نقول له؟ نقول: كلمة جهة لم تَرِد في القرآن ولا في السنة لا نفيًا ولا إثباتًا، لكن لماذا؟ لأنها تحتمل حقًّا وباطلًا، وجاء بدلها مما لا يحتمل إلا الحق، أيش؟ طلبة: العلو. الشيخ: العلو، جاء (العلو)، فنقول: بناء على أنك ألجأتنا وتقول: إنه يلزم من كذا أن يكون الله في جهة، ننازلك، نقول: إن أردت بالجهة ما فوق العالم، فالله تعالى فوق العالم بلا شك، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، وإن أردت بالجهة ما تحيط بالشيء إحاطة الظرف بمظروفه فهذا باطل. فإذا أردت أن الله في جهة؛ يعني: في مكان يحيط بالله عز وجل كإحاطة الظرف بالمظروف فهذا باطل ولا يمكن أن يتصف الله به؛ لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، فالسماوات السبع والأرضون السبع في كَفِّ الرحمن كخردلة في كف أحدنا، وقد وسع كرسيه السماوات والأرض، وكرسيه موضع قدميه، ومن كان هذا عظمته فإنه لا يمكن أن يكون في جهة تحيط به، واضح الآن؟ فإذن نستفصل في المعنى، ونقول: إن أردت كذا فهو حق، إن أردت كذا فهو باطل. أما بالنسبة للفظ فإننا لا نتكلم به إثباتًا ولا نفيًا؛ لأن ذلك لم يرد في القرآن لا إثباتًا ولا نفيًا، وهذه الأشياء التي مَثَّلْنَا بها يُمَثِّل بها شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنها هي ديدن أهل التعطيل كلما أرادوا ينكرون الصفة قالوا هذا..