شرح العقيدة التدمرية - ٨
درس صوتي · ٩١:٢٧
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
مثلان فيما كان عليهما سلف الأمة وأئمتها
٠٠:٠٠:٠٣
طالب: ... الصفات، وأما المثلان المضروبان فإن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن; فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماء ولحمًا وحريرًا وذهبًا وفضة وفاكهة وحورًا وقصورًا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء . وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بَيِّن واضح. ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق، فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم. والفريق الثاني الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام. والفريق الثالث نفوا هذا وهذا، كالقرامطة والباطنية والفلاسفة أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، ثم إن كثيرًا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب; فيجعلون الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون من الصلواتِ الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت. الشيخ: عندي: كما يتأولون الصلوات، ما فيها (من). طالب: لا، فيها (من). الشيخ: فيها (من)؟ طلبة: نعم. الشيخ: لا، كما يتأولون الصلوات، إي نعم. الطالب: كما يتأولون الصلواتَ الخمس. الشيخ: الصلواتَ؟ طالب: الصلواتَ. الشيخ: بالفتح؟ طالب: نعم. الشيخ: لماذا؟ طالب: بالكسر؛ لأنها مؤنث. الشيخ: إي نعم. طالب: وصيام شهر رمضان وحج البيت، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وأن صيام رمضان كتمان أسرارهم، وأن حج البيت السفرُ إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يُعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله. وقد يقولون: الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات، وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب، وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى، وما يحتج به على الملاحدة أهلُ الإيمان والإثبات يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يُشْرِك هؤلاء في بعض إلحادهم. الشيخ: يَشْرَك، وعندي أنا: يُشَارِك. الطالب: على من يَشْرَك هؤلاء في بعض إلحادهم فإذا أثبت لله تعالى الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات كما دل على ذلك الآيات البينات كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول ويهدم أساس الإلحاد والضلالات والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه فإن الله لا مثيل له; بل له المثل الأعلى فلا يجوز أن يُشْرَك هو والمخلوقات في قياس تمثيل ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمالٍ فالخالق أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، تقدم لنا أصلان في باب إثبات الصفات ووجوب إثبات جميع الصفات والأسماء لله. فالأصل الأول هو أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، وأن القول في الصفات كالقول؟ طالب: في الذات. الشيخ: لا، كالقول في الأسماء عند من ينكرون الأسماء؛ يعني نقول لمن ينكر بعض الصفات دون بعض: القول في بعض الصفات كالقول في بعض. ونقول أمام من ينكر الصفات ويثبت الأسماء نقول: القول في الصفات كالقول في الأسماء، ونقول عند من ينكر الأسماء والصفات: القول في الأسماء والصفات كالقول في الذات، وهذا هو الأصل الثاني أن نقول إن القول في الأسماء والصفات كالقول في الذات. شرح هذا؟ طالب: شرح هذا أن القول في الأسماء والصفات كالقول في الذات، أي أن الذات إذا (...) مخلوقين (...)، فإذا كان له (...) فكذلك له في الصفات (...). الشيخ: زين، نقول له: أنت إذا أثبت الذات فإن أثبت مع ذلك تمثيلًا.. طالب: لا بد أن يكون في ذلك تمثيل في الأسماء والصفات. الشيخ: نعم، كان في الأسماء والصفات تمثيلًا، وإذا لم تثبت.. طالب: لم يكن. الشيخ: لم يكن، كما أنك إذا ادعيت أن في إثبات الأسماء والصفات تمثيلًا فإنه يلزمك أيضا في إثبات الذات. يقول مالك وربيعة وغيرهما في الاستواء؟ طالب: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. الشيخ: الإيمان به؟ طالب: الإيمان به واجب. الشيخ: إي، ما هو بالكيفية. طالب: الإيمان به واجب الإيمان والسؤال عنه بدعة. الشيخ: السؤال عن الكيفية. الاستواء معلوم، ويش يقصدون؟ معلوم أيش؟ طالب: (...). الشيخ: يعني معلوم كيفية الاستواء؟ ويش لون كيفية الاستواء؟ ما تقدر تعرف. طالب: (...). الشيخ: لا، الكيفية لا يمكن لأحد أن يعرف كيف تكون، لو قلت: كيف يجلس الرئيس –مثلًا- على سريره، تستطيع تعرف كيف يجلس؟ طالب: لا. الشيخ: وهو مخلوق يمكن تصل إليه وتعرف تشوف، إذن الخالق من باب أولى ألا تعرف كيفيته. (...) الاستواء معلوم؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو معلوم ثبوته، (...) معلوم ثبوته؛ لأن الشرع دل عليه، لا، ما هو بمعلوم الثبوت (...). طالب: (...) معلوم؛ أي: معلوم الاستواء في اللغة. الشيخ: ويش لون، معلوم أيش؟ طالب: معلوم أن الاستواء العلو والارتفاع. الشيخ: إذن معلوم المعنى، الاستواء معلوم؛ يعني: معلوم المعنى، كلنا يعرف معنى الاستواء. ويش معناه؟ طالب: معنى الاستواء يعني: لا كيفية في الاستواء. الشيخ: إي، ويش معناه؟ ما معنى الاستواء؟ طالب: نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى استوى على العرش. الشيخ: ما هو معنى إيماننا؟ ما معنى الاستواء؟ طالب: هو العلو والارتفاع. الشيخ: ويش بعد؛ لأن العلو والارتفاع (...)، العلو والاستقرار. طيب تأتي لنا بشاهد من القرآن على أن معنى الاستواء العلو والارتقاء؟ طالب: قول الله سبحانه وتعالى في سفينة نوح: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود: ٤٤]، وقال لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: ١٣]. الشيخ: نعم، أحسنت، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِيعني ما خلق لنا من الفلك والأنعام، وقال في سفينة نوح وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ. ما معنى قولهم: الكيف مجهول؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما نريد لماذا كان مجهولًا، أنا أقول: ويش معنى الكيف مجهول؟ طالب: لا يعرف البشر كيفيته. الشيخ: أحسنت، لا يعرف البشر كيفية استواء الله على العرش، أحسنت. هل له كيفية -استواء الله على العرش-؟ طالب: نعم له كيفية، لكن لا ندركها. الشيخ: لكن لا ندركها، بارك الله فيك، لماذا؟ طالب: لم ترد نصوص في كيفيته. الشيخ: لأنها لم ترد نصوص في الكيفية، أخبرنا الله أنه استوى، ولم يخبرنا كيف استوى. هل يجوز أن نحاول تصور هذه الكيفية؟ طالب: لا. الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ طالب: لأنه (...). الشيخ: لا، ما (...) نبغي نتصور بس، كل واحد نفسه يتصور كيفية معينة لاستوائه على العرش. طالب: لأنه لا يستطيع أن يتصور (...)، لا يستطيع (...)؛ لأنه لا يستطيع (...). الشيخ: نعم؛ لأنه محاولة لما لا يمكن، ويش الدليل أنه ما يمكن؟ طالب: لأنه لم (...). الشيخ: إي، لكن نبغي دليلًا، أنت الآن عللت، على أنه لا يمكن أن نحيط بهذا الشيء. طالب: قول الله تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]. الشيخ: نعم، قول الله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًافإذا كان ما يمكن تحيط به علمًا كيف تتصور كيف استوى؟ وهناك تعليل آخر، قلنا: كل إنسان يحاول أن يتصور كيفية صفة من صفات الله فإنه لا بد أن يؤول به الأمر إلى واحد من أمرين كلاهما فاسد، ما هما؟ إما أن يعطل وإما أن يمثل، لازم، كل واحد بيحاول أن يعرف كيفية صفة من صفات الله فهو بين أمرين (...) ولّا بيمثل، وكلاهما فاسد، لا الإنكار ولا التمثيل. يقول: إن الإيمان به واجب، الإيمان بالاستواء واجب، لماذا كان واجبًا؟ طالب: لأنه جاء به الشرع. الشيخ: نعم؛ لأنه جاء به الشرع، تمام، أحسنت، وما جاء به الشرع وجب علينا قبوله والإيمان به، أحسنت. السؤال عنه بدعة لماذا؟ طالب: لأنه (...). الشيخ: لكن بدعة، ويش وجه أنه بدعة؟ طالب: السؤال عنه. الشيخ: يعني واحد بيسأل عن كيفية استواء الله على العرش أو كيفية نزوله نقول: هذا بدعة، ليش؟ طالب: (...). الشيخ: إي، هذا ما يمكن الإجابة عليه، ما (...)، صار هذا معناه أنه ما يجوز البحث فيه؛ لأن ما فيه شيء يَحْرُم يُسمى بدعة، يحرم مثلًا الغش ولا نقول: إن الغش بدعة، أو لا؟ يَحْرُم الكذب ولا نقول: الكذب بدعة. طالب: (...). الشيخ: أحسنت، لم يسأل الصحابة رسول الله كل ما يتصل بالله عز وجل من عقيدة فهو عبادة، أليس كذلك؟ وكل عبادة لم تكن في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام فهي بدعة، هذا السبب، أما اللي قال الأخ التعليل هذا هل يجوز أن نسأل ولّا ما نسأل؟ نقول: ما يجوز أن نسأل، وما أنه بدعة أو غير بدعة فهذا باعتبار أن السلف ما سلكوا هذه الطريق. قال: وأما المثلان المضروبان فإن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن; فأخبر أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماء ولحمًا وحريرًا وذهبًا وفضة وفاكهة وحورًا وقصورًا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء . وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات، من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بَيِّن واضح، ولهذا افترق الناس. هذا المثل يريد المؤلف -رحمه الله- أن يقرر الموضوع، وهو اتفاق الأشياء في الأسماء مع اختلافها في الحقائق، ذكر الله في الجنة أن فيها ذهبًا، وفيها عسلًا، وأن فيها قصورًا، وفيها أنهارًا إلى آخر ما ذكر. هذه الأشياء التي ذكر الله في الجنة هل يوجد لها نظير في الدنيا؟ أما في الحقيقة فلا، أما في الاسم فنعم؛ لأنه لو لم يوجد لها اسم كما سبق ما أمكننا أن نتصور ذلك، وهذا تقدم لنا قريبا. نقول: هذه الموجودات في الآخرة موجود نظيرها في الاسم فقط -أو في التسمية فقط- موجود في الدنيا، ففي الدنيا ذهب وفي الجنة ذهب، وفي الدنيا عسل وفي الجنة عسل، وفي الدنيا ذهب وفي الجنة فاكهة، وفي الدنيا نخل وفي الجنة نخل، وفي الدنيا رمان وفي الجنة رمان، وهكذا. هل هذه الأشياء التي اتفقت في الأصل -في أصل المعنى- هل يلزم أن تتماثل في حقيقته ولّا ما يلزم؟ لا يلزم، ولا شك أن ما في الآخرة لا يمكن أن يكون مثل ما في الدنيا، وقد قال الله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]. وفي الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ . إذن الحقائق غير الحقائق والأسماء واحدة، فإذا جاز أن تتوافق المخلوقات في الأسماء مع الاختلاف في الحقيقة فذلك فيما بين الخالق والمخلوق أبين وأظهر، ولّا لا؟ فإذا قلنا: للخالق رحمة وللمخلوق رحمة، وللخالق حكمة وللمخلوق حكمة، وللخالق سمع وللمخلوق سمع، هل يلزم من ذلك أن يكونا متماثلين؟ لا يلزم. إذا قيل: هل لنا مثال يقرب هذا الموضوع، ويش نقول؟ نقول: نعم، عندنا مثال يقرب هذا الموضوع، ونمثل بما ذكر المؤلف. ما ذكر في الآخرة من النعيم موجود له النظير في الاسم في الدنيا، ومع ذلك لا يلزم من التماثل في الاسم أن يتماثلا في الحقيقة، فإذا جاز التبيان بين المخلوقات المتفقة في الأسماء؛ التبيان في حقائقها، فالتباين فيما بين الخالق والمخلوق من باب أولى. ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- أقسام الناس بالنسبة لما يتعلق بالله من الأسماء والصفات، وبالنسبة لما في الآخرة من هذه الأمور، فقال: (ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق، فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم). السلف والأئمة آمنوا بأن الأمرين على الحقيقة؛ ما أخبر الله به عن نفسه وما أخبر به عن الآخرة، أن ذلك كله حق وعلى حقيقته لكن مع التباين بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة وبين ما للمخلوق وما للخالق، هذه عقيدتنا الآن؟ نؤمن بأن ما في الآخرة فهو حق وما في الدنيا مما يماثله في الاسم فهو حق، ولكننا نؤمن أيضًا بالفرق العظيم بين هذا وهذا، كذلك نؤمن بأن ما وصف الله به نفسه وما أخبر به عنها فهو حق، وكذلك ما للإنسان من ذلك فهو حق أيضًا، ولكننا نؤمن بالفرق العظيم بين هذا وبين هذا. الفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات; مثل طوائف من أهل الكلام. الأشعرية يقولون: ما أخبر الله به من الثواب والعقاب هذا حق، ففي الدنيا نار وفي الآخرة نار، وفي الدنيا فاكهة ونخل ورمان وعسل وماء وذهب وفضة ولؤلؤ، وفي الجنة كذلك، لكنهم يؤمنون -هؤلاء الأشعرية وأهل الكلام الذين أشار إليهم المؤلف- يؤمنون بأي شيء؟ بأن ذلك حق في هذا وفي هذا، وأنهما لا يتمثالان، يؤمنون بأنهما لا يتمثالان، لكن ما أخبر الله به عن نفسه يؤمنون به ولّا لا؟ ينفون كثيرًا منه، ولهذا قال: (نفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات)، فنفوا الحكمة -كما سبق- والرحمة والعزة، بل أكثر صفات الله نفوها، ما أثبتوا من الصفات سوى سبع صفات. هؤلاء أخطؤوا في شيء وأصابوا في شيء، بالنسبة لما أثبتوه من الثواب والعقاب في الآخرة وأنه حق على حقيقته وأنه لا يماثل ما في الدنيا، صواب ولا خطأ؟ طلبة: صواب. الشيخ: صواب، وبالنسبة لما نفوا من صفات الله هذا خطأ، والواجب عليهم إذا أقروا بذلك أن يقروا بهذا أيضًا؛ لأن البابين واحد، بل المفارقة بين الخالق والمخلوق أعظم من المفارقة بين المخلوقات بعضها مع بعض. لماذا؟ لأن التشابه بين المخلوق والمخلوق أقرب من التشابه بين الخالق والمخلوق. والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا. كيف نفوا هذا وهذا؟ قالوا: لا حقيقة للجنة ولا ما فيها من النعيم، ولا حقيقة لأسماء الله وصفاته، كل هذا ليس له أصل ولا حقيقة. طيب، الرسل أخبرت بالجنة والنار والوعد والوعيد؟ قالوا: نعم، هذا المقصود به إصلاح الخلق، كذبوا على الخلق لأجل المصلحة؛ لأن الخلق إذا لم يقل لهم: إن فيه نارًا يُعاقب فيها من خالف وجنة يُثاب فيها من وافق، إذا لم يقل لهم ذلك، هل يوافقون ولّا ما يوافقون؟ ما يوافقون، إذا ما خُوِّفُوا ولا رُغِّبُوا، ما رغبوا ولا خافوا. قالوا: فالرسل كذبوا على الناس للمصلحة، ولَّا هم يعلمون الرسل -والعياذ بالله- هذا كذب أيضًا منهم، الرسل تعلم أن ما أخبرت به عن اليوم الآخر لا حقيقة له، وأظن هذا درستموه فيما سبق. هو يقولون هؤلاء نفوا حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه، ونفوا حقيقة ما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وقالوا: كل ذلك ليس له أصل وليس له حقيقة. يقول: (ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر). يقولون: هذا كله ما له حقيقة إطلاقًا، وإنما جاءت به الرسل لأجل التمويه على الناس وإصلاح طرقهم. ثم إن كثيرًا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، مثاله: (كما يتأولون من الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم). الصلوات ما هو بأنك تركع وتسجد، ولكن أن تعرف أسرارهم التي عندهم؛ لأنهم هم باطنية كما عرفتم، هم باطنية يرون أن الدين له ظاهر وباطن، فالظاهر لعوام الناس، والباطن لخواص الناس. طيب، الصلاة التي أمر الله بها؟ قالوا: الصلاة التي أمر الله بها أن تعرف أسرار هذه الطائفة، لا أن تصلي لله مستقبلًا القبلة في اليوم خمس مرات. الصيام هو كتمان أسرارهم، فالصلاة أن تعلم، والصيام أن تكتم؛ لأنهم يقولون: إن الصلاة من الصلة، وكلما كان الإنسان أقوى صلة بالشخص كان أدرى بأسراره، فالصلاة إذن معرفة الأسرار. الصيام لغة؟ ويش معنى الصيام لغة؟ الإمساك، فكونك تمسك عن الكلام فيما علمت من أسرارهم هذا هو الصيام. الحج؟ حج البيت؟ يقول: السفر إلى شيوخهم؛ لأن الحج معناه القصد، فيقولون: معنى الحج أنك تقصد المشايخ، تسافر إليهم، لا تقصد الكعبة وتحج إليها، لا، تقصد هؤلاء. ونحو ذلك من التأويلات التي يُعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله، وقد يقولون: (الشرائع تلزم العامة دون الخاصة) إي نعم، ولهذا يجوزون. (فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات)، يقولون: خلاص الآن وصلت إلى الغاية، والعبادات والشرائع إنما هي وسائل. عندما تذهب من هنا إلى الرياض تمشي مع الطريق إذا وصلت الرياض ألقيت (...)، ما حاجة تسلك طريقًا الآن؛ لأنك وصلت إلى الغاية. هم يقولون: إذا وصلت إلى هذه الغاية المعينة سقطت عنك الواجبات، وأبيحت لك جميع المحظورات، حتى إنهم يجوزون للرجل أن يتزوج ابنته وأمه، والعياذ بالله؛ لأنهم يقولون: ما عادت حرامًا، يجوزون للرجل أن يتزوج ما شاء من النساء. وقد سمعت من الحجاج الذين يقدمون من أفريقيا، وما أكثر المتصوفة فيهم، أن بعض مشائخهم يتزوج من بنات الحي ما شاء، وبدون إملاك، وبدون مهر، وبدون أي شيء، قالوا: وعندنا شيخ عنده خمسون امرأة؛ يعني تعدى الرسول عليه الصلاة والسلام. كل هذا -والعياذ بالله- من الكفر الصريح، الكفر الواضح، كما قال المؤلف: إلحاد في آيات الله، وإلا مَن الذي تسقط عنه الشرائع؟! الشرائع ما تسقط عن أحد أبدًا، ما تسقط إلا عن إنسان مستثقل أسقطها عن نفسه، وأما أن تسقط بشرع من الله فلا. ويذكر أن عبد القادر الجيلاني -رحمه الله- من علماء الحنابلة، وهو صوفي أيضًا، لكنه صوفيته معتدلة، يقول: إنه رأى ليلة من الليالي نورًا، رأى نورًا، فخُوطب من هذا النور بأني ربك، ثم قال هذا المخاطب: وقد أسقطت عنك الصلوات. الله يقول هكذا؟ ما يقول. فلما قال هذا، قال له: كذبت، ولكنك شيطان. يقول: فلما قلت ذلك تبدد النور، ولم أر شيئًا، وهذا صحيح؛ لأن الشيطان ألقى هذا الضوء وتكلم بهذا الخطاب، وقد يلقي الشيطان خطابًا حتى في كلام الله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢]، حينئذ عرف أنه لا يمكن أن يكون الله تعالى يضع عنه الصلوات، والله أعلم.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى، وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يَشْرَك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات كما دل على ذلك الآيات البينات كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات. والله سبحانه لا تُضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يُشْرك هو والمخلوقات في قياس تمثيل ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما يُنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم فالخالق أولى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم. وهكذا القول في المثل الثاني، وهو أن الروح التي فينا فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تُسل الشعرة من العجينة، والناس مضطربون فيها، فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن. ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخلة في البدن ولا خارجة، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض، وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة، وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم، ولا خارجة عنها مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع. وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكن بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، المؤلف -رحمه الله- ضرب لبيان إمكان وصف الله تبارك وتعالى بما يليق به، وأنه لا يلزم من وصفه بما يليق به أن يكون مماثلًا للمخلوق، فضرب لهذا مثلين، المثل الأول؟ طالب: (...). الشيخ: إلا في الاسم، إي نعم، كَمِّل إيضاح المثل. طالب: (...). الشيخ: يعني: فإذا جاز التباين بين المخلوقات مع اتفاقها في الاسم فالتباين بين الخالق والمخلوق من باب أولى، أو لا؟ هذا وجه المثل، فاهمون هذا المثل الآن، نقول: نحن نعلم أن في الجنة أشياء اتفقت مع ما في الدنيا في الأسماء ولّا لا؟ واختلفت في الحقائق في حقائق هذا المسمى، فإذا جاز هذا بين المخلوقات فجوازه بين الخالق والمخلوق أولى، وأظن هذا المثل بين جدًّا؛ يعني أن هذا أمر ليس ممتنعًا في العقل، وهو التوافق في الاسم والاختلاف في الحقيقة. ثم ذكر بعد ذلك أن الناس انقسموا في هذا الباب.. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، باقٍ عليك؛ لأن لا بد أن نشير إلى هذا المثل اللي ذكر، أقول المؤلف ذكر كلام السلف وأتباع الرسل أنهم يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه من الحقائق، ويش بعد؟ طالب: (...). الشيخ: لا بأس، هذه من تكميل الأول، لكن نبغي شيئًا آخر أيضًا. طالب: أنهم يؤمنون بما أخبر الله به عن نفسه من الصفات والأسماء وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لمخلوقاته أعظم من مباينة المخلوق للمخلوق. الشيخ: زين، (...) المهم أنهم الآن يثبتون أن ما ذكر الله عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو.. طالب: ثابت. الشيخ: حق ثابت على حقيقته، مع أنهم يعتقدون التباين بين هذه الأشياء، بينما التباين بين الخالق والمخلوق في صفاته، وبين ما في الجنة وفي الدنيا من هذه الأشياء. استرح، الفريق الثاني؟ طالب: يثتبون لله بعض الأسماء والصفات وينفون (...). الشيخ: مع إثباتهم. طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: (...) الكلام. الشيخ: لا، (...)، ما هو طريقتهم. طالب: طريقتهم أثبتوا اليوم الآخر وما فيه (...). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. الفريق هؤلاء قالوا ما أخبر الله به عن اليوم الآخر فهو حق، نؤمن بأنه حق، وأنه أيضًا مباين لما في الدنيا، لكن بالنسبة لصفات الله ينفون منها شيئا، بعضهم ينفيها كلها. استرح، الفريق الثالث؟ طالب: (...). الشيخ: أحسنت، يتأولون في هذا وفي هذا، يقولون: ما أخبر الله به عن نفسه فليس بحقيقة، وما أخبر به عن اليوم الآخر فليس بحقيقة أيضًا. الطالب: (...). الشيخ: لا خلِّ هذه، (...) شيء آخر، هذه بالنسبة للأمور الغيبية والأخبار. طالب: يتأولون. الشيخ: يتأولون، فيما أخبر الله به عن نفسه، وفيما أخبر به عن اليوم الآخر. هؤلاء هم أهل (...) من الباطنية وغيرهم، وهم بالنسبة للأمر والنهي؟ طالب: يؤولون الشرائع. الشيخ: يؤولون الشرائع. طالب: يقولون إن الصلاة هي أن تصلي (...). الشيخ: لا بعد، حتى يعرفوا؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، زيارة المشايخ، زين، وأن الأوامر الشرعية يؤمر بها؟ طالب: يؤمر بها العامة دون الخاصة. الشيخ: العامة دون الخاصة. طبعًا هذا التقسيم إلى هذه الفرق الثلاث خارج عن موضوع المسألة، لكن المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لكثرة علمه وغزارته يستطرد العلوم في ذهنه تتلاحق، وإلا فمسألة تقسيم الناس في هذا الباب إلى ثلاث طرق ليس هذا موضعه، هذا جاء به استطرادًا، المهم هو ضرب هذا المثل، وبيان أن الأشياء ربما تتفق في اسمها وتختلف في حقيقتها. قال المؤلف: (وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يَشْرَك هؤلاء في بعض إلحادهم). إي نعم؛ أي يعني قصد المؤلف -رحمه الله- أن هناك من أهل الإثبات يحتجون على هؤلاء المنكرين لحقائق ما أخبر الله به عن اليوم الآخر، يحتجون عليهم بحجج عقلية، هذه الحجة التي يحتج بها هؤلاء على هؤلاء يحتج بها أهل الإثبات المطلق على هؤلاء الذين يثبتون بعضًا وينكرون بعضًا. فقوله -رحمه الله: وما يحتج به على الملاحدة أهل الإثبات يحتج به أيضًا أهل الإثبات على هؤلاء الذين شاركوهم في بعض إلحادهم. مثال ذلك: الأشاعرة والمعتزلة، يثبتون حقائق ما أخبر الله به عن اليوم الآخر، المعتزلة يقولون: ما أخبر الله عن اليوم الآخر حق ففيه يوم آخر وثواب وعقاب إلى آخره. لكنهم ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه، إما إنكارًا كليًّا كالمعتزلة، وإما إنكارًا جزئيًّا كالأشاعرة. هؤلاء الجماعة يحتجون على الذين ينكرون حقائق اليوم الآخر مثل الباطنية، والذين سماهم المؤلف في الحموية أهل التخييل -اللي يقولون: هذه الأمور التي أخبر الله بها عن اليوم الآخر خيال ما لها حقيقة- يحتج عليهم بأي شيء؟ يقولون: نحن نعلم بالاضطرار علمًا ضروريًّا أن الرسل جاؤوا بإثبات المعاد حقيقة، هذا أمر ضروري ولّا لا؟ ضروري أن الرسل جاءت بهذا، كل الرسل يؤمنون بذلك، وجاؤوا به وأيدوه وأكدوه. يقولون: وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه، الشبهه المانعة من (...) شبهة فاسدة؛ لأن أقوى ما احتج به من أنكره: قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٨، ٧٩]، إذن ثبت بالدليل حقيقة اليوم الآخر، وانتفت الشبهة المانعة منه بالدليل أيضًا. إذا وجد الشيء بالدليل وانتفى مانعه فما الواجب علينا نحوه، إنكاره ولّا الإيمان به؟ الإيمان به وإثباته؟ أليس كذلك. هؤلاء احتجوا على الملاحدة -الباطنية وغيرهم- احتج عليهم أهل الإثبات المطلق، وهم أهل السنة والجماعة، وأهل الإثبات الجزئي مثل الأشاعرة والمعتزلة؛ لأن دولا يثبتون حقائق اليوم الآخر، فاحتجوا على الملاحدة اللي ينكرونها بهذه الحجة التي سمعتم، ما يحتج به هؤلاء أهل الإثبات الجزئي على الملاحدة لإثبات اليوم الآخر يحتج به أهل الإثبات المطلق الذين يثبتون حقائق ما أخبر الله به عن اليوم الآخر وما أخبر به عن نفسه، وهم أهل السنة والجماعة، يحتجون به على الأشاعرة والمعتزلة الذين أنكروا حقائق ما أخبر الله به عن نفسه، فيقولون: نحن نعلم بالضرورة علمًا ضروريًّا أن الرسل جاءت بإثبات صفات الكمال لله ولّا لا؟ ولاحظوا الآن لو قارنتم بين آيات المعاد وآيات الأسماء والصفات في القرآن لوجدتم أن آيات الأسماء والصفات في القرآن أكثر بكثير من آيات المعاد ولّا لا؟ وكذلك أيضًا بالنسبة للكتب السابقة التوراة والإنجيل في إثبات الصفات أكثر منها في إثبات المعاد، بل إنهم يقولون: إنه ما جاء تقرير المعاد وإثباته في كتاب أبلغ من القرآن؛ لأنه يخاطب من ينكرونه. على كل حال، نقول: قد عُلم بالضرورة أن الرسل جاؤوا بإثبات صفات الكمال لله، صح ولّا لا؟ وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه؛ يعني من إثبات الصفات، ويش الشبهة المانعة منه؟ حجتهم -كما مر- أن ذلك يقتضي التشبيه والتجسيم، وما أشبه ذلك هذه الشبهة، هل هي واردة أو باطلة؟ باطلة؛ لأنَّا نثبت الشيء بدون تشبيه، كما أثبتم أنتم -أيها الأشاعرة والمعتزلة- أثبتم حقائق اليوم الآخر بدون تشبيه، ويقولون الآن: في الجنة وفي النار عقاب وثواب لكن ما يشبه عقاب الدنيا وثوابها، بل هو أعظم وأعظم بكثير، فإذن ما يحتج به هؤلاء على الملاحدة يحتج به أهل السنة على هؤلاء. وقد علمتم الآن أن الدليل هو نفس الدليل، قد عُلم بالضرورة أن الرسل جاءت بإثبات الصفات لله، وأن الشبهة المانعة من ذلك فاسدة ولّا غير فاسدة؟ فاسدة، فيجب علينا -بعد ذلك- يجب علينا القول به، كما قلتم أنتم بالنسبة للملاحدة: إنه قد عُلم بالضرورة أن الرسل جاءت بإثبات المعاد، وقد عُلم فساد الشبهة المانعة منه فيجب علينا القول به. (على من يشْرَك هؤلاء في بعض إلحادهم) أي: في بعض إلحادهم، ما هذا البعض؟ إنكار حقائق صفات الله، هذا الإلحاد؛ لأن دولا ينكرون حقائق اليوم الآخر والصفات، وهادولا ينكرون حقائق الصفات دون اليوم الآخر (...). (فإذا أثبت لله تعالى الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات، كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول ويهدم أساس الإلحاد والضلالات). فإذا أثبت لله الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات ويش يصير؟ هذا هو الحق ولّا هو الباطل؟ هذا هو الحق. والله سبحانه وتعالى لا تُضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يُشرك هو والمخلوقات في قياس تمثيل ولا في قياس شمول تستوي أفراده -كما قال المؤلف- لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، كما قال الله عن نفسه: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل: ٦٠]. فلا يُشرك مع خلقه في قياس تمثيل ولا في قياس شمول تستوي أفراده، هذا أظن قرأتموه في أصول الفقه، قياس التمثيل وقياس الشمول ولّا لا؟ طلبة: (...). الشيخ: إي اللي قرأتم في أصول الفقه قياس التمثيل، وقياس الشمول؟ طالب: (...). الشيخ: لا قياس التمثيل (...)؛ لأن باب القياس في أصول الفقه هو قياس التمثيل، بمعنى أن تقول: هذا مثل هذا، فمثلًا إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ» . فنحن نقول: الرز مثل البر، فالرز بالرز يجب أن يكون مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، هذا ويش نسميه؟ قياس تمثيل؛ لأن كلمة البر ما تشمل الرز، ولّا لا؟ ما تشمل الرز، لكن الرز مثله، فيقاس عليه قياس تمثيل؛ لأن كلمة البر لا تشمله. أما قياس الشمول فهو ما قرأتموه في باب العام والخاص، فاللفظ العام تدخل فيه جميع أفراده، أو جميع أنواعه أيضًا على وجه قياس الشمول، عندكم قاعدة في العام، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا ورد لفظ عام على سبب خاص قلنا: إنه شامل لجميع أفراده. وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة: ٣] وردت في قصة رجل معين -أوس بن الصامت- حينما ظاهر من زوجته، لكن الذين يظاهرون نجد أنه لفظ عام، فعموم زيد وعمرو وبكر وخالد اللي سوى أوس عموم هنا قياس شمول ولّا قياس تمثيل؟ قياس شمول؛ لأن الَّذِينَ يُظَاهِرُونَشاملة لكل الناس الذين يقع منهم هذا الأمر. فقياسهم على أوس بن الصامت ويش قياسه؟ قياس شمول؛ لأن اللفظ تستوي فيه هذه الأفراد، يستوي فيه أوس بن الصامت وزيد وعمرو وخالد إلى آخره. إذن هل الله سبحانه وتعالى يُقاس بخلقه قياس تمثيل أو قياس شمول تستوى أفراده؟ طلبة: (...). الشيخ: لا، أبدًا، لا هذا ولا هذا؛ لأن ذلك نقص في الله عز وجل لو فُرِض، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به. لكن لاحظوا أن الكمال نوعان: كمال مطلق، فهذا هو الذي إذا اتصف به المخلوق فللخالق منه الأكمل. وكمال نسبي، فهذا لا يلزم إذا اتصف به المخلوق أن يتصف به الخالق. عندنا مثلًا: كون الإنسان يأكل ويشرب شربًا عاديًّا، وينام نومًا طبيعًا، هذا كمال بالنسبة للإنسان، هذا كمال نسبي، فالإنسان اللي يأكل ويشرب وينام أكمل من الذي لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، لكن هل يمكن أن يوصف الله بذلك؟ لا؛ لأن هذا كمال نسبي بالنسبة للإنسان في هذه الحياة، لكن هو الحقيقة صفة نقص؛ لأن من يحتاج إلى الأكل والشرب ولا يقوم إلا بأكل وشرب ونوم ناقص بالنسبة لمن لا يحتاج إلى الأكل والشرب وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام: ١٤]. لكن الكمال المطلق، وأرجو الانتباه يا جماعة؛ لأنه قد يرد علينا واحد يقول لنا: النوم كمال في الإنسان، الطعام كمال في الإنسان، الولد كمال في الإنسان، الزوجة كمال في الإنسان. فماذا نقول له؟ نقول: هذا كمال نسبي، وليس كمالًا مطلقًا، لكن الكمال المطلق كالحياة والعلم والقدرة والعزة والحكمة، وما أشبه ذلك، هذه كل شيء يوجد في المخلوق من هذا فلله منه المثل الأعلى. ولهذا قال: (وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال -من كمال ويش نقول؟ مطلق، لا كمال نسبي- فالخالق أولى به، وكل ما يُنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم فالخالق أولى)، كيف المخلوق مُنزَّه عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم؟ طالب: الإنسان أكرم الخلق. الشيخ: إي نعم، الإنسان كرمه الله وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء: ٧٠]، فالإنسان والكلب كلاهما مخلوق، ومع ذلك فإن الإنسان يُنزه عن أوصاف الكلب، أليس هكذا؟ يقول: (فالخالق أولى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم، وهكذا القول في المثل الثاني، وهو أن الروح التي فينا فإنها قد وُصِفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة) وهذا معروف بالكتاب والسنة. (والناس مضطربون فيها) مع أن الروح بعيدة عنك ولّا لا؟ الروح بعيدة عنك ولا ما هي بعيدة؟ الروح في جسمك، ومع ذلك اضطرب الناس فيها الاضطراب الذي سيذكره المؤلف، وهي موجودة في الإنسان، واضطربوا فيها هذا الاضطراب؛ لأنهم حقيقة لا يشاهدون نظيرها، فليس في الشاهد ما يشبه تلك الروح، ولهذا اضطرب فيها النظار من المتكلمين وغيرهم. (فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفَس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن). إذن هي يعني يا جماعة إما جزء أو صفة في البدن. (ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم) وواجب الوجود عندهم عرفتم نصه فيما سبق أنهم يقولون: لا موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا حي ولا ميت ولا عاجز ولا قادر، إلى آخره. وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخلة في البدن ولا خارجة منه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض. هذه الأوصاف السلبية كلها تدل على أنها أمر لا وجود له أو لا؟ يعني لو قيل لك: صف العدم، ما وجدت أحسن من هذا الوصف؛ لا هو بداخل البدن ولا خارجه، ولا مباين ولا (...)، ولا متحرك ولا ساكن، يعني سلب للنقيضين. (وقد يقولون: إنها لا تدرِك الأمور المعينة، والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة) وهذا أيضًا خطأ، فالنفس لولا وجود النفس في البدن ما أدرك شيئًا، والإنسان يدرك الأمور الكلية والأمور الجزئية كما هو معروف. (وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها). كيف لا هي بداخلة عنها ولا خارجة عنها؟! (مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع). والسبب في هذا الاضطراب هو أنهم لا يشاهدون لها نظيرًا في الخارج ولا يؤمنون بما جاءت به النصوص، والإنسان اللي ما عنده دليل عقلي ولا نقلي ولا حسي ماذا يصنع على كل حال؟ يرتبك، ما يستطيع أن يثبت على قول. (وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكن بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها). يريد بالكليات المعاني العامة، كما نقول مثلًا: الإنسان يتصور أن هناك إنسانية مطلقة يشترك فيها كل فرد من الناس، يتصور أنه يوجد كلية مطلقة عامة هي الإنسانية، يشترك فيها فلان وفلان وفلان وفلان، لكن هل حقيقة أن هذه الكلية المطلقة حقيقة أنها موجودة؟ هل نجد الإنسانية شيئًا مشاهدًا؟ لا، ليست موجودة، ولهذا يقول المؤلف: (بل هذا ممكن بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها). (...) بينت لكم المثل في الكليات، قلنا: أنا إنسان وأنت إنسان وهذا إنسان وذاك إنسان، يتصور الإنسان أو يتخيل أن هناك كلية عامة مطلقة تُسمى الإنسانية اشتركنا فيها، هذه الإنسانية التي نتصورها وأننا مشتركون فيها هل يُشار إليها؟ ما يُشار إليها؛ لأنها ما هي موجودة. كذلك الحيوان، الإنسان حيوان، والبعير حيوان، والفرس حيوان، والحمار حيوان، وهكذا، يتصور الإنسان أن هناك حيوانية مطلقة عامة، لكن هذا التصور حقيقة ولّا لا؟ طالب: (...). الشيخ: لا، وين الحيوانية (...)؟ وينها ساكنة في الرياض؟ مكة؟ أمريكا؟ وينها؟ ما هي موجودة؛ ولهذا يقولون: إننا نقول: الروح لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يُشار إليها، وأن هذا شيء ما يمكن، وحجتهم ويش حجتهم؟ (...) بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، هذه حجتهم، يقولون: مثلما أن الكليات ممكنة موجودة أنا أقول: هذا الرجل وهذا الرجل وهذا الرجل كلهم اشتركوا في الرجولية، ومع ذلك فالرجولية موجودة ولّا غير موجودة؟ غير موجودة، بمعنى هذا الشيء، الوصف الذي وصفنا ليس موجودًا يُشار إليه. يقول: (وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان) صحيح (...)، الكليات هذه لا توجد إلا في الأذهان، الذهن هو الذي يفرض أن هناك كلية عامة اشتركنا فيها، لكن حقيقة أنها موجودة في العيان نعاينها بأعيننا؟ لا. (فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال) فصدق -رحمه الله- كون الإنسان كلما توهم شيئًا أو تخيل شيئًا أثبت أنه حقيقة هذا غير ممكن، ولا يمكن، أي عاقل ما ينكر هذا؛ لأنك يمكن الآن أنك تتصور مثلًا جسمًا رأسه رأس إنسان، ويده يد طير، ورجله رجل بعير، وبطنه حجر، وظهره أنبوبة ماء، يمكن أن تتصور هذا ولّا ما يمكن؟ طلبة: يمكن. الشيخ: لكن هل يوجد هذا في الخارج؟ ما يوجد هذا في الخارج، فليس كل ما فرضه الذهن أو تصوره يمكن أن يقع، فالآن نحن نتصور أن هناك حيوانية مطلقة يشترك فيها جميع الحيوانات لكن حقيقة الأمر أنه لا وجود لها، هكذا هم إذا وصفوا الروح بهذه الأوصاف ترى يمكن يكون الشيء لا داخل العالم ولا خارجه والروح ليست داخل في الأجسام ولا خارجة يمكن يصير هذا، ويش نقول له: هذا إنما في الذهن، شيء يفرضه الذهن، أما وجود هذا في الخارج فأمر غير ممكن. وليس كل ما فُرض في الذهن يمكن أن يكون موجودًا، أليس كذلك؟ ربما يفرض ذهنك أن مع الله إلهًا آخر، أليس كذلك؟ وهذا غاية الممتنع لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]. فالحاصل أنه يجب أن تعرفوا أن بلاء الفلاسفة بلاء من أي شيء؟ من أنهم ظنوا أن المتصورات أمور واقعة، وغفلوا عن الشيء الذي يفرضه الذهن والشيء الذي يكون حقيقة، فالشيء الذي يفرضه الذهن لا يمكن أن يكون حقيقة، ليس كل ما فرضه الذهن يكون حقيقة، الذهن يفرض أشياء ممكنة ولّا لا؟ ويفرض أشياء ممتنعة، ربما يفرض ذهنك أنك تسببت وفتحت دكانًا وبدأت تبيع وتشتري، وصرت غنيًّا، يمكن يكون له وجود هذا ولّا ما يمكن؟ يمكن يكون له وجود، لكن فرض جسم على ما وصفنا قبل قليل هذا لا يمكن أن يكون له وجود، فتبين بهذا أن فرض الأذهان لا يجوز أن يحكم عليه حكم العيان؛ لأن فرض الأذهان قد يكون ممكنًا، وقد يكون ممتنعًا غاية الممتنعات، وقد يكون أيضًا واجبًا، مثلما لو تصورت أن كل محدَث -بالفتح- لا بد له من محدِث، هذا التصور حقيقة ولّا لا؟ حقيقة وواجب. ولهذا الأعرابي -وهو أعرابي كما تعرفون بعيد عن الثقافة والعلم- سئل: بم عرفت ربك؟ فقال الأعرابي ببديهته: الأثر يدل على المسير، لأن هو متعود على الجواد والأثر، والبعرة تدل على البعير، من بيئته استدل، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ بلى، فأقول: إن الذهن يفرض أشياء واجبة، وأشياء ممكنة، وأشياء ممتنعة.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح التي تُسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة ليست هي من جنس هذا البدن ولا من جنس العناصر والمولدات منها; بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرِّفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكلا القولين خطأ. وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي، فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليست جسمًا، ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: ٤]، وقال تعالى: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: ٢٤٧]، وأما أهل الكلام فمنهم من يقول الجسم هو الموجود; ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة، وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس مركبا من هذا ولا من هذا، بل هو مما يشار إليه، ويقال: إنه هنا أو هناك; فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت كما قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا خَرَجَتْ تَبِعَهَا الْبَصَرُ، وَإِنَّهَا تُقبَضُ وَيُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ» ، كانت الروح جسمًا بهذا الاصطلاح، والمقصود أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة سميعة بصيرة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها; لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا. والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته; وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدُّوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها، فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدًا معطلًا لها ومن مثلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلًا ممثلًا لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات مستحقة لما لها من الصفات، فالخالق سبحانه وتعالى أولى أن يكون من نفى صفاته جاحدًا معطلًا، ومن قاسه بخلقه جاهلًا به ممثلًا، وهو سبحانه وتعالى ثابت بحقيقة الإثبات مستحق لما له من الأسماء والصفات. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد فقد تقدم أن المؤلف -رحمه الله- بين أن إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى مع عدم المماثلة تتبين بأصلين ومثلين وخاتمة ولّا لا؟ الأصلان هما أن يُقال القول في بعض الصفات كالقول في بعض، ثم يقال: والقول في الصفات كالقول في الذات، هذان الأصلان. أما المثلان المضروبان فأولهما ما سبق في ذكر ما لأهل الجنة من النعيم الذي يوجد له نظير في الدنيا، لكنْ نظير له في الاسم دون الحقيقة، فإذا كان يمكن للمخلوقات أن تتفق في الأسماء مع المباينة في الحقيقة فالمباينة بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ يعني أنه إذا كان في الجنة نخل ورمان وفاكهة وعنب وغير ذلك فإن في الدنيا كذلك، ولكنها مختلفة عنها في الحقائق، فإذن المباينة بين المخلوق والخالق من باب أولى. المثل الثاني: مسألة الروح، كلنا نعلم أن كل حي فله روح وجسم، وأن الإنسان هو الروح والجسم، فالجسم هو هذا المشاهد الذي نشاهده ويوصف بالطول والعرض، والسواد والبياض والصحة والمرض والحركة والسكون إلى آخره، ولّا لا؟ والروح هي الحالَّة في هذا الجسم، هذه الروح اختلف فيها كما يقول المؤلف النظار اختلافًا كثيرًا. منهم من يقول: هي الدم، ومنهم من يقول: هي النفس، ومنهم من يقول: إنها مجهول. لكن النصوص دلت على أن هذه الروح جسم من الأجسام، جسم لكن ليس كأجسامنا، كيف دلت الأدلة على أنها جسم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر أنها تُمسك: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢]. وأخبر أنها تُوَفَّى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١] تُقْبَض. وكذلك أيضًا في الحديث أنها إذا قُبِضَت تبعها البصر، ويش معنى: تبعها؟ أي: جعل يرمقها وينظر إليها، ولهذا تبقى عين الميت فاتحة؛ لأنه ينظر إلى روحه التي خرجت من جسمه نظر عيان، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث لما دخل على أبي سلمة رضي الله عنه وهو يُقبض وقد شخص بصره، قال: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ» ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تكفن بكفن من الجنة وحنوط من الجنة، وأنه يصعد بها إلى الله عز وجل من سماء إلى سماء، ثم ترجع إلى بدنها، كل هذا يدل على أنها جسم ولّا لا؟ ومع ذلك ليست كهذه الأجسام، ولا يعتريها ما يعتري الجسم. فإذا كان هذا في الروح التي بين جنبينا أو بين جنوبنا لا نعرف عن كيفيتها ولا نستطيع أن نعرف حقيقة كنهها، مع أننا نؤمن بأنها تقبض وترسل وتمسك وتكفن ويصعد بها إلى آخره مع أنها مباينة لأجسامنا هذه، فالمباينة بين الخالق والمخلوق من باب أولى، واضح هذا المثل ولّا لا؟ واضح المثل جدًّا. ثم إن المؤلف تعرض في أثناء الكلام إلى أن الشيء لا يمكن أن يُعرف إلا بالمشاهدة أو مشاهدة نظيره، ونحن زدنا شيئًا ثالثًا ما هو؟ الخبر الصادق عنه، يعني قد لا تشاهده أنت ولا تشاهد نظيره، ولكن يخبرك إنسان صادق بأنه شاهده على هذا الوصف. ويمكن أن يرجع هذا إلى كلام المؤلف: الخبر الصادق؛ لأن قوله: مشاهدته؛ يعني: سواء أنت المشاهد أو غيرك فأخبرك. على كل حال لا يمكن للإنسان أن يعرف حقيقة الشيء حتى يشاهده هو أو يشاهد نظيره أو يُخبر خبرًا صادقًا عنه. كل هذا بالنسبة لحقيقة ذات الله وصفاته ممكن ولّا لا؟ بالنسبة لحقيقة ذات الله وصفاته ممكن ولّا غير ممكن؟ غير ممكن، فالله تعالى ليس كمثله شيء، لا نظير له، ونحن لم نشاهده، ولو شاهدناه ما أدركناه لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣]. وهل أخبرنا الله تعالى عن نفسه؟ عن حقيقة ذاته وصفاته؟ طلبة: لا. الشيخ: هل قال إنه استوى على العرش على كيفية كذا وكذا؟ لا، إذن لا يمكننا نحن أن ندرك حقيقة ذات الله أو صفاته، ومع ذلك لا يمتنع أن نؤمن بأن له ذاتًا حقيقة، وأن له صفات حقيقة، إذن المثل هذا بدلًا من أن نقرأه كله وما فيه هذه خلاصته.
الخاتمة
٠١:٢٣:٤٥
القاعدة الأولى: في أن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات
فصار المؤلف -رحمه الله- بَيَّن لنا إثبات الصفات على وجه الحقيقة بأصلين ومثلين مضروبين وخاتمة، الخاتمة يقول -رحمه الله: (وأما الخاتمة ففيها قواعد نافعة) الحقيقة أن هذا هو بيت القصيد -كما يقولون- لأن الأول مقدمة تقريبًا، (وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة؛ القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي) هذه قاعدة، أن الله موصوف بالإثبات والنفي، فهمتم القاعدة؟ الإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك. كل هذا إثبات ولّا نفي؟ كل هذا إثبات، واعلم أن جميع ما أثبته الله لنفسه -نحن نضيف إلى هذه القاعدة إن كان المؤلف ما ذكرها نضيف إلى هذا أن كل ما أثبته الله لنفسه- فهو صفة كمال، لكن هذا الكمال لا يلزم أن يكون كمالًا في حقنا. فمثلًا: من أوصاف الله تعالى السمع والبصر والعلم والإرادة والقدرة، صفة إثبات ولّا نفي؟ إثبات، هي كمال هذه الصفات ولّا لا؟ كمال، هي بالنسبة لنا أيضًا كمال، فالإنسان اللي يسمع ويبصر ويعلم ويقدر أكمل ممن ليس كذلك. التكبر بالنسبة لله صفة كمال، وبالنسبة لنا صفة نقص، فليس كل صفة كمال للخالق تكون صفة كمال لنا. كل ما أثبت الله لنفسه فإنه صفة كمال له، ولا يلزم من صفة الكمال له أن تكون صفة كمال لنا، والمثال على ذلك المتكبر، فإنها صفة كمال له وصفة نقص لنا.
والثاني: النفي، كقوله: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥]، لَا تَأْخُذُهُيعني: لا تغلبه، أخذني النوم؛ أي: غلبني، فالمعنى: لا يمكن أن ينام، ولا أن يتصف بمقدمات النوم وهي السِّنة لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» ، ويش معنى: ما ينبغي؟ أي: لا يصح ولا يمكن أن ينام؛ لأن كلما جاءت كلمة: (لا ينبغي) في القرآن والسنة فالمراد: لا يمكن ولا يستقيم. لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌقاعدة في النفي يا جماعة، مثلما ذكرنا نحن قاعدة في الإثبات المؤلف ذكر قاعدة في النفي، نحن قلنا في القاعدة في الإثبات: كل ما أثبته الله لنفسه فهو صفة كمال له. في النفي يقول المؤلف: (وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال; لأن النفي المحض عدمٌ محضٌ، والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء) ويش بعد؟ طالب: فهو كما قيل: ليس بشيء; فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يُوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال. الشيخ: أحسنت، هذه القاعدة في النفي يقول المؤلف: (ينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا) يعني ما ذكر الله تعالى من صفات النفي التي وصف بها نفسه لا يمكن أن تكون مدحًا إلا إذا تضمنت إثباتًا.