شرح العقيدة التدمرية - ٦
درس صوتي · ٩٣:٤٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
بطنه من الجوع، ورابط على بطنه الأحجار من الجوع، وأكياس الرمل من الجوع، ثم نقول له: هذا شبعان، يمكن ولَّا ما يمكن؟ شبعان بلا شبع! ما يمكن. قدير بلا قدرة، إنسان -مثلًا- ما يقدر يحرك يده، يمكن (...) والتعب الشديد يمسك القلم، وبمساعدة اليدين كلهم مع (...) أيضًا يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، نقول: هذا قدير؟! طلبة: لا. الشيخ: نقول: قدير بلا قدرة، أو ما يقدر؟ ما يقدر، هذه عقول المعتزلة، إنسان مميِّز (...) نقول: هذا حي، ولَّا ما يمكن؟ طالب: ما يمكن. الشيخ: ما يمكن؟ هم يقولون: يمكن يكون حيًّا بلا حياة، قدير بلا قدرة، عليم بلا علم، سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، (...) وامْشِ على هذا، هذه عقول المعتزلة اللي يظنون أو يصفون أنفسهم بأنهم عقلاء، حتى إن بعض المتأخرين (...) يقول: لا يوجد من فرق الأمة أحد أقوى أصلًا من المعتزلة، ولكن بعضهم (...) ما قال هذا الكلام، هذه (...) الأمثلة اللي ذكرها المؤلف (...) ولَّا لا؟ (...). طالب: (...). الشيخ: (...). الطالب: (...). الشيخ: طيب (...). الطالب: (...). الشيخ: (...) لكن المعنى المفهوم الآن (...). الطالب: (...). الشيخ: (...) الآن يعني النص اللي عندي، اللي (...) عدد الكلمات أو عدد الجمل (...)؛ لأن الواحد (...). طلبة: (...). الشيخ: (...) المؤلف ضرب أمثلة بأشياء اتفقت في الاسم بين الخالق والمخلوق، وافترقت في المعنى، (...) المؤلف ذكر أسماء وذكر صفات، عد الأسماء وعد الصفات. طالب: (...). الشيخ: (...).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء، كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة، قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات. فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا أو تجسيمًا؛ لأنَّا لا نجد في الشاهد مُتَّصِفًا بالصفات إلا ما هو جسم، قيل لك: ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم. فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فانْفِ الأسماء، بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم، فكل ما يُحْتَجُّ به مَن نفى الصفات يحتج به نَافِي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لِمُثْبِتي الصفات. وإن كان المخاطب من الغُلَاة نُفَاة الأسماء والصفات وقال: لا أقول: هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته؛ إذ هي مجاز؛ لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم، قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات. فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات، قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو العلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. ما جواب أهل الإثبات على الأشعري الذي يقول: أنا أَثْبَتُّ ما أُخِذَ بالعقل، الأشعري الذي يثبت بعض الصفات وينفي بعضها، ويقول: أثبتُّ ما أثبته بدلالة العقل على ذلك، ونفيت ما نفيته؛ لأن العقل لا يدل عليه، فما هو جواب أهل الإثبات الذين يُثْبِتُون كل الصفات على هذا الأشعري؟ (...)، هذه مخاطرة، (...) هذه من أوضح ما يكون في الجواب والسؤال، السؤال واضح، والجواب عليها واضح من الكتاب. طالب: (...). الشيخ: (...) يعني إذا قلت: إن العقل ما دل عليها. الطالب: (...). الشيخ: (...)، والدليل السمعي لا معارض له، لا من دليل عقلي ولا من دليل سمعي، أنت فاهم ما أقول الآن؟ الطالب: (...). الشيخ: إي، وهو السمعي، يعني: الكتاب والسنة، وهذا الدليل السمعي ليس له معارض، حتى الدليل السمعي -مثلًا- إذا كان له معارض فإنه قد لا يكون دليلًا، قد يكون هذا المعارض أقوى منه فلا يكون دليلًا، فنحن نقول: فيه دليل غير الدليل العقلي وهو الدليل السمعي الذي ليس له معارض، لا من دليل عقلي ولا من دليل سمعي، واضح الآن؟ زين، الجواب الثاني؟ طالب: (...). الشيخ: يعني أن نثبت ما نفيت دلالة العقل عليه نثبته بالعقل، مثال؟ الطالب: (...). الشيخ: على محبتهم ولَّا محبته. الطالب: محبته لهم. الشيخ: زين، وهو ينكر المحبة الأشعري؟ الطالب: نعم. الشيخ: الأشعري يقول: (...)، نقول له: إن إكرام الله للطائعين دليل على محبته لهم، زين، دليل على محبته لخلقه، ولَّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: زين (...). الطالب: (...). الشيخ: نعم، مثال ذلك؟ طالب: مثال ذلك (...) لعباده يدل على رحمته. الشيخ: على ثبوت الرحمة لله، تمام، زين، صار عندنا جوابان الآن؛ الجواب الأول: أن نقول: هب أن ما نفيتَ لا يدل عليه العقل، ولَّا لا؟ لكن عدم الدليل المعيَّن اللي أنت تقوله اللي هو العقل لا يلزم منه عدم المدلول؛ لأن المدلول أصلًا قد يكون له أدلة كثيرة، فإذا انتفى واحد منها لم ينتفِ الآخر. ثانيًا: نقول: اللي نفيته وقلت: إن العقل ما يدل يمكن أن نثبته نحن، بأي شيء؟ بدلالة العقل (...) كما سمعتم. (إذا كان المخاطَب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي)، ويش نقول إذا كان ينكر الصفات بعضها دون بعض، كالأشعري والمعتزلي؟ يقول المؤلف: (المعتزلي اللي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة). يقول: إن الله حي لكن ما له حياة، قدير ما له قدرة، وعليم وليس له علم، نقول له: (لا فَرْقَ بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات)، ويش الفرق بين إنسان يثبت الأسماء ويثبت الصفات؟ لا فرق بينهما. فإن زعمت أن إثبات الصفات يستلزم التمثيل فإثبات الأسماء يستلزم التمثيل، وإن لم يستلزم إثبات الأسماء الثمثيل فإن إثبات الصفات لا يستلزم التمثيل. طالب: (...). الشيخ: (...). الطالب: (...). الشيخ: عندما تقول: عليم، كلمة عليم صفة، والعلم صفة، هذا الفرق. الطالب: (...). الشيخ: عندي الآن القدرة والقدير؛ القدرة صفة، والقدير نفس القادر، أو لا، واضح؟ الطالب: (...). الشيخ: هو على كل حال كلامه غير معقول؛ لأنه ما يمكن يسمى قديرًا إلا مَن فيه القدرة. المهم، (فإنك إذا قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا أو تجسيمًا؛ لأنا لا نجد من الشاهد).. طالب: (...). الشيخ: في الشاهد؟ (لأننا لا نجد في الشاهد مُتَّصِفًا بالصفات إلا ما هو جسم). هذا الرجل يقول –المعتزلي-: إثبات العلم والقدرة والحياة يستلزم التشبيه، كيف ذلك؟ قال: (لأننا لا نجد في الشاهد)، والمراد بالشاهد يعني الْمُشَاهَد، لا نجد فيه (مُتَّصِفًا بالصفات إلا ما هو جسم)، ما نجد -مثلًا- مُتَّصِفًا بالصفات بصفة الحياة إلا ما هو جسم، ولا بصفة العلم إلا ما هو جسم، ولا بصفة القدرة إلا ما هو جسم، كذا ولَّا لا؟ عندما تقول -مثلًا- هذا حي فيه حياة، تجد -مثلًا- شيئًا مُتَّصِفًا بالحياة وهو ما له جسم، ولَّا لا؟ ما فيه، كل شيء يتصف بحياة لازم يكون جسمًا، كل شيء يتصف بعلم لازم يكون جسمًا، كل شيء يتصف بقدرة لازم يكون جسمًا، يعني عين قائمة. يقول: (قيل لك: ولا نجد في الشاهِد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم) أليس كذلك؟ فإذا كان إثبات حياة علم قدرة يستلزم جسمًا فإثبات حي عليم قدير يستلزم جسمًا، فإنك (إذا ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فانفِ الأسماء أيضًا)، أليس كذلك؟ لأننا لا نجد مسمى بحي وعليم وقدير وسميع وبصير إلا ما هو جسم، فانفِ الأسماء أيضًا وكل شيء، يعني أيضًا (...) كل شيء (...) لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم، (فكل ما يَحْتَجّ به مَن نفى الصفات يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لِمُثْبِتِي الصفات). يعني معنى ذلك أنك أنت أيها المعتزلي تنفي الصفات وتثبت الأسماء، كل مَا يحتج به مَن نَفَى الصفات كحجة الجسم -مثلًا- يحتج به نافِي الأسماء أيضًا، يجيء واحد فوق المعتزلي يقول: ما فيه ولا اسم لله؛ لأن الاسم يستلزم الجسم، أليس كذلك؟ إذا كان المعتزلي يدفع ويجاوب مَن نفى الجسم فإن الذي يثبت الصفات يقدر يجاوب المعتزلي أيضًا، ولهذا قال: (فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات). يعني أن المعتزلي لو جاء واحد فوقه ويش بيسوي اللي فوق المعتزلي؟ ينفي الأسماء، فالمعتزلي بيجاوبه يقول: أنا نفيت الصفات؛ لأني لا أجد في الشاهد مُتَّصِفًا بها إلا ما هو جسم، ولَّا لا؟ فإذا أجاب المعتزلي بشيء فإن مُثْبتِي الصفات يجيبون المعتزلي الذي ينكر الصفات بمثل ما أجاب به نافِيَ الأسماء. والمهم أن مَن أثبت الأسماء لزمه أن يُثْبِت الصفات ولَّا لا؟ فإن نفى الصفات وأَقَرَّ بالأسماء تناقض. (وإذا كان المخاطَب من الغُلَاة نُفَاة الأسماء والصفات وقال: لا أقول: هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته؛ إذ هي مجاز؛ لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم). هذا اللي يقوله مَن؟ هذا فوق المعتزلي، يعني غُلَاة أشد -والعياذ بالله- من المعتزلة، يقولون: نحن (...) ليس الصفات فقط، ولا أقول: إنه حي ولا عليم ولا قدير ولا موجود؛ لأني لا أشاهد شيئًا يتصف بهذا إلا ما هو جسم، فيجب عَلَيَّ أن أُنْكِره. هذا في الحقيقة أحسن من المعتزلي من وجه؛ لأن المعتزلى متناقض يثبت شيئًا وينفي نظيره، وهذا الرجل ينكر الجميع، يعني هذا من حيث الاطِّرَاد أحسن من المعتزلي؛ لأنه طَرَدَ القاعدة، ومع ذلك فله جواب. (قيل له: كذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات)، صح ولَّا لا؟ إذا قلت: إن الله ليس حَيًّا، شبهته بالمعدوم، ليس موجودًا، شبهته بالمعدوم، ليس قديرًا، شبَّهْتَه بالعاجز، ليس سميعًا شبهته بالأصم، ولَّا لا؟ التشبيه بهذا بالمعدوم أقبح من التشبيه بالموجود؛ لأن الموجود له كيان وله ذات وله حس، لكن المعدوم معدوم، لا يستوي الحي والميِّت، ولا الموجود والمعدوم، أليس كذلك؟ فإذن الذي ينفي الأسماء والصفات يقول: لا أقول: إن الله حي ولا عليم ولا قدير ولا موجود، إلى آخره، نقول له: إذن أنت شبَّهْت ربك بأي شيء؟ بالمعدومات، وتشبيهه بالمعدومات أقبح من تشبيهه بالموجودات، مفهوم؟ طالب: (...). الشيخ: (...). الطالب: (...). الشيخ: إي، هذه نأخذها من جهة الطرد، من جهة الطرد هذا أقرب من المعتزلي. طالب: (...). الشيخ: (...) يعني؟ طالب: (...). الشيخ: هذا صحيح، لكن دائمًا يُفَضَّل -مثلًا- هذا خير من هذا ولكن كلهم شر. الطالب: يجوز؟ الشيخ: إي يجوز، يعني هذا أيضًا يكون أهون من هذا. نقول: (فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات)، ولَّا ما مرت علينا هذه، يعني: ويش يقول؟ أقول: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، أنفي الإثبات وأنفي النفي، (قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات)، وأظن مر علينا هذا؛ لأن الجمع بين النقيضين ممتنع، يعني يمكن يصير شيء لا موجود ولا معدوم؟ ما يصير، لا بد إما موجود وإما معدوم. لا عالم ولا جاهل، لا حي ولا ميت؟! ما يصير، فإذن إذا نفى الإثبات والنفي، ويش يكون؟ شَبَّهَه بالممتنعات، أعظم، شوف المعتزلي أثبت الأسماء ونفى الصفات، اللي بعده الغالي نفى التشبيه للموجودات، لكنه أشبهه بالمعدومات، فإذا ارتقى وقال: أنفي النفي والإثبات، قلنا له أيضًا: شَبَّهْتَه بالممتنعات، أشد. (فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، ولا موجودًا ولا معدومًا) (...) فقد يباح ذلك. طالب: (...). الشيخ: شوف عندي (فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا) صحيح كذا عندكم؟. طالب: نعم. الشيخ: (ولا موجودًا) .. طلبة: (أو لا). الشيخ: (أو لا موجودًا ولا معدومًا). الأول الإثبات، والثاني: (لا موجودًا ولا معدومًا) النفي. (ويمتنع أن يوصف ذلك) ويش بعده؟ (باجتماع)، (ويمتنع أن يوصف ذلك) يعني بشيء. طالب: (...). الشيخ: ويش بعد؟ الطالب: (...). الشيخ: (ويمتنع أن يكون يوصف ذلك باجتماع الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو العلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل). أظن هذا واضحًا، بس المؤلف (...) لأجل (...). فالحاصل الآن الجمع بين النقيضين ممتنع، ورفع النقيضين ممتنع أيضًا. (فإن قلت) الضمير يعود على مَن؟ يعني: إن قلت أيها النافي للوجود والعدم: (إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والْمَلَكة لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير ولا حي ولا ميت إذ ليس لهما تقابل). طلبة: (بقابل لهما). الشيخ: إي (...). طالب: (...). الشيخ: إيشلون؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما يقع (...) ولهذا الإشكال عندي. (إذ ليس بقابل لهما)، انتبهوا لهذه المسألة الأخيرة؛ لأنها مهمة، وسبق لنا أن الجمع بين النقيضين ممتنع، وأن رفع النقيضين ممتنع، وهذا فيما إذا كان تقابلهما تقابُل نفي وإثبات، فإنهما لا يرتفعان ولا يجتمعان، لكن إذا كان تقابلهما تقابل عدمٍ ومَلَكَة، بمعنى أن الشيء هل يقبل الاتصاف بهما أو لا يقبل، فإنه يجوز رفعهما عما لا يمكن أن يكون قابلًا لهما، يجوز رفعهما أي النقيضين عما ليس بقابل لهما. مثال ذلك: الجدار مثلًا، إحنا قلنا قبل قليل: العلم والجهل متناقضان، أو لا؟ لا يرتفعان ولا يجتمعان، ولا شك في هذا، فيما يمكن أن يكون قابلًا لهما، لكن الشيء الذي لا يقبل النقيضين يمكن أن يُرْفَع عنه النقيضان، مثال ذلك -مثلًا- الجدار يمكن أن تقول: لا عالم ولا جاهل، أو لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: يمكن ولَّا ما يمكن؟ طلبة: يمكن. الشيخ: الآن سلبت عنه النقيضين، وأنت قلت: إن ارتفاع النقيضين لا يمكن، فكيف أمكن هنا أن نرفع النقيضين وهما العلم والجهل عن الجدار؟ نقول: نعم أمكن؛ لأن تقابلهما بالنسبة للجدار تقابُل العدم والْمَلَكة، بمعنى أنهما معدومان بالنسبة للجدار؛ لأنه ليس بقابل لهما. والملكة بمعنى القبول، يعني: ليس بقابل لهما، فيجوز رَفْع النقيضين عما ليس بقابل لهما، وطبعًا ليس هذا في كل نقيضين؛ لأنك لو تبغي تقول: الجدار لا موجود ولا معدوم، يصلح ولَّا لا؟ ما يصلح؛ لأن الجدار قابل للوجود والعدم، لكن صحيح الصفات اللي ما هي من شؤون الجدران ولا مما يقبلها الجدار ممكن ترفعها عنه، يمكن تقول: والله عندي جدار لا هو بيسمع ولا يبصر، صح ولَّا ولا؟ لكن (...) تقول للناس: عندي جدار لا يسمع ولا يبصر، أن يقولوا هم أيضًا: أنت لا تسمع ولا تبصر؛ لأن كلًّا يعرف أن الجدار لا يسمع ولا يبصر، لو تقول: عندي جدار لا هو حي ولا ميت، يصلح ولَّا ما يصلح؟ طلبة: ما يصلح. الشيخ: لا، باعتبار العقل، يعني عقليًّا لا باعتبار العادة والعرف، العادة والعرف ما (...) العادة والعرف يخاطب بمثل هذا، لكن عقليًّا أنك تقول: والله الجدار ليس حيًّا ولا ميتًا يمكن، يمكن هذا، لكن لماذا ارتفع عنه النقيضان؟ لأنه غير قابل لهما، يجيء واحد من الشياطين يقول: أنا نفيت عن الله النفي والإثبات؛ لأنه غير قابل، شوف جواب الشيخ عليه. (قيل لك: أولًا هذا لا يصح في الوجود والعدم)، صحيح، مسألة الوجود والعدم لا تصح بأي شيء، هل يمكن لأي شيء من الأشياء يكون غير قابل للوجود والعدم؟ طلبة: لا. الشيخ: لأن كل شيء إما موجود أو معدوم، هل يمكن لكل شيء ألَّا يكون قابلًا للسمع والبصر؟ طلبة: نعم. الشيخ: إلَّا، يمكن، بعض الأشياء ليس بقابل أنه يوصف بالسمع ولا بالبصر، مثل أي شيء؟ كالجمادات، يعني الجدار كما ذكر الشيخ، الجدار ممكن نقول: لا يسمع ولا يبصر، وليس أعمى ولا أصم، أليس كذلك؟ لماذا؟ لأنه ليس من شأنه ولا من مَلَكَتِه أن يكون موصوفًا بهذه الصفات، فرَفْع النقيضين عنه ممكن، لكن بالنسبة للوجود والعدم يمكن هذا بالجدار أو غير الجدار؟ لا يمكن. الآن الرجل هذا يقول: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، أما ما ليس بقابل لهما فإنه يمكن أن ينفى النقيضان عنه، كلام سليم ولَّا لا؟ واضح؟ الآن نبغي نعيده لأجل نبني عليه الجواب، إذا قال هذا القائل: أنا أقول: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، إلى آخره، هذا بالنسبة لله، وقلنا له: إن نفي النقيضين ممتنع عقلًا، فأجابنا هو بقوله: إنما يمتنع نفي النقيضين عما كان قابلًا لهما، أما إذا لم يكن قابلًا لهما فإنه يصح أن يُنْفَى عنه النقيضان، أرجو أن تمثلوا لي بما لم يكن قابلًا لهما. طالب: الجدار. الشيخ: كالجدار، الجدار ليس قابلًا للوصف بالجهل أو بالعلم، ويجوز أن أقول: هذا الجدار لا عالم ولا جاهل، صح ولَّا لا؟ هذا الرجل الآن اللي بينكر أن الله موجود ولا موجود يقول -هذا اللي بينكر-: إنه ممتنع بالنسبة لما يكون قابلًا لهما، وأنا أقول: إن الله لا يقبل أن يوصف بالجهل وبالعلم، وبالحياة وبالموت، ليس قابلًا لهما، الشيخ ويش يقول؟ قلنا لك: أولًا: هذا لا يصح في الوجود والعدم؛ فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ويش يلزم؟ ثبوت الآخر، واضح يا جماعة الآن؟ فصار هذا الرجل اللي يقول: أنا أقول: إن الله لا موجود ولا معدوم، لا أصفه بالوجود ولا العدم، قلنا له: ما يمكن، لا تصفه بالوجود ولا العدم؟ قال: يمكن؛ لأن الوجود والعدم نقيضان لا يرتفعان بالنسبة لما يكون قابلًا لهما، وأما الله فليس قابلًا لهما. شيخ الإسلام يقول له جوابًا على هذا: بالنسبة للوجود والعدم لا يصح؛ لأن كل شيء قابل للوجود والعدم، كل شيء صحيح بالنسبة للعلم والجهل ما فيه شيء قابل للعلم والجهل، لكن بالنسبة للوجود والعدم كل شيء قابل للوجود والعدم، كل شيء يمكن أن نصفه بأنه موجود، وكل شيء يمكن أن نصفه بأنه معدوم. إذن تقابُل العدم والوجود تقابُل سلبٍ، ويش بعد؟ وإيجاب، وليس تقابلَ عدم ومَلَكَة. طالب: الْمَلَكة، معناها؟ الشيخ: الْمَلَكة بمعنى القبول، والعدم عدم القبول، ولهذا يقال -مثلًا-: هذا الرجل متخلِّق بالأخلاق الحسنة، هل هو ملكة فيه ولَّا تخلُّق؟ يعني هذا معناه، فالْمَلَكَة معناها قبول الشيء وكونه لازمًا. يقول المؤلف: (فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء، فيلزم مِن رَفْع أحدهما ثبوت الآخر، وأما ما ذكرته من الحياة والموت والعلم والجهل فهذا اصطلاح اصطلحت عليه الْمُتَفَلْسِفَة الْمَشَّاؤُون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على الحقائق العقلية). طلبة: على نفي الحقائق. الشيخ: لا، عندي أنا (على الحقائق) خلينا نشوف الآن. (على الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل: ٢٠، ٢١]، فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم). أرجو الانتباه الآن، قال: هذا الرجل نحيبه بأجوبة، مثل أن نقول: إن ما ذكرت من ارتفاع النقيضين لا يُلْزِم أن يسلب منك بالنسبة.. ويش لونه؟ للوجود والعدم؛ لأن تقابل الوجود والعدم تقابُل سلب وإيجاب باتفاق العقلاء. إذا قال: أتنازل لكم بالنسبة للوجود والعدم، وتراه ما هو متنازل هو، لكن بيُلْزَم بالتنازل، ولكن يقول: الحياة والموت، لا أصف الله بأنه حي، ولا بأنه ميت، ليش؟ قال: لأن الحياة والموت إنما يمتنع ارتفاعهما بالنسبة لما يَقْبَل الحياة والموت، وأما بالنسبة لما لا يقبل فيجوز أن أرفعهما جميعًا، الجدار يمكن أقول: لا حي ولا ميت، أو لا؟ الجدار يمكن أقول: لا حي ولا ميت، إذن الله سبحانه وتعالى نقول: لا حي ولا ميت، لا عالم ولا جاهل. كيف ترفع عنه النقيضين؟ قال: نعم؛ لأن النقيضين إن تقابلهما تقابل عدم ومَلَكَة وليس سلبًا وإيجابًا. قال المؤلف رَدًّا عليه: (إن ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون). كلمة المشاؤون عفونا عنها؛ لأني ما أدري ويش معناها، (والاصطلاحات اللفظية ليست دليلًا على الحقائق العقلية). يعني: كونهم يصطلحون ويقولون: ما يوصف بالحياة والموت إلا مَن له إحساس، هذا اصطلاح المتفلسفة، اللي له إحساس هو اللي يقال: حي وميت، واللي ما له إحساس ما يقال: حي وميت. يقول شيخ الإسلام: إن هذا اصطلاح للمتفلسفة والاصطلاحات اللفظية لا تُغَيِّر الحقائق العقلية، فليست دليلًا تتغير به الحقائق العقلية. والدليل على أن هذا الاصطلاح ليس بصحيح، ويش الدليل؟ انظر إلى قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، وصف الله هذه الأصنام بأنها أموات غير أحياء، وهذه الأصنام منين مُتَّخَذَة؟ من الجماد، أشجار وأحجار ينحتونها ويعبدونها، وصفها الله تعالى بأنها أيش؟ أموات. المتفلسفة يمنعون هذا الوصف، يقولون: ما يمكن تقول للصنم الجماد: إنه ميت وليس بحي، بل تقول: لا حي ولا ميت. فهل نحن نأخذ باصطلاحهم، أو نأخذ بالحقائق العقلية التي دَلَّ عليها الشرع؟ طبعًا نأخذ بالحقائق العقلية، فالله تعالى وصف هذه الأصنام بأنها أموات، مع أنها غير قابلة للحياة والموت، لكن لعدم جدواها صارت أمواتًا، فسمى الله الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرها، هل فهمتم هذا الجواب؟ طالب: (...). الشيخ: قلنا لك: العدم أن الشيء يُعْدَم في (...)، والْمَلَكَة القبول، يعني كونك أن تقابل الجهل والعلم تقابُل عدم ومَلَكَة، بمعنى أنه يمكن أن يرتفع، ما هو معناه أنه إذا سُلِب أحدهما لزم منه ثبوت الآخر؛ لأن المتقابلين تقابُل السلب والإيجاب لازم إذا سُلِب أحدهما ثبت الآخر لزومًا، لكن المتقابلان تقابُل عدم ومَلَكَة بمعنى أن هذا ليس قابلًا لهذا الشيء، إذا كان ليس قابلًا للجهل ولا للعلم يجوز أن نرفعهما ولَّا لا؟ يجوز أن نرفعهما، ليش؟ لأنه ليس من مَلَكَة هذا الشيء أن يكون عالِمًا أو جاهِلًا، فهو غير قابل لكونه عالِمًا أو جاهلًا، فلذلك نقول: إنه يمكن ارتفاع هذين النقيضين عنه؛ لأن تقابلهما بالنسبة لهذا الشيء تقابل عدم ومَلَكَة، واضح؟ الآن ويش ترى الوجه الأول؟ الوجه الأول أن نقول له: بالنسبة للوجود والعدم الذي نفيتَهما عن الله هذا لا يمكنك الخلاص منه، لماذا؟ لأن تقابُل الوجود والعدم، ويش تقابلهما؟ سَلْب وإيجاب، بمعنى: إن سُلِب أحدهما لزم ثبوت الآخر، هب أن الحياة والموت تقابلُهما تقابلُ عدمٍ ومَلَكَة، بمعنى أن هذا الشيء تُعْدَم فيه الحياة والموت ولا يملكهما، لا يقبلهما، لكن هذا الاصطلاح بالنسبة إلى كون الحياة والموت لا يقبلها إلا مَن كان حساسًا، هذا الاصطلاح اصطلاح مَن؟ اصطلاح متفلسف، لا هو حقيقة عقلية، والحقيقة العقلية ما دَلَّ عليه القرآن، وهو أن الجماد يوصَف بأنه ميت غير حي أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف، اللي عندي (على الحقائق العقلية) اللي عندي (...) لأنها ليست دليلًا على الحقائق العقلية لا نفيًا ولا إثباتًا، واللي عندكم باعتبار أن المؤلف يتكلم في النفي يصح؛ لأن الكلام في النفي فقط. (ويقال لك ثانيًا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت، والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك). هذا أيضًا واضح جدًا، نقول: إذا كنت تقول: إنما أرفع النقيضين عن الله؛ لأنه غير قابل لهما، نقول لك: ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله وعُدِمَ فيه. فالذي لا يقبل هذا الشيء، وليس من شأنه أن يكون متصفًا بهذا الشيء هو أنقص مما يكون من شأنه الاتصاف به، ولكنه لا يتصف به لعلة، أرجو الانتباه يا جماعة. يقول المؤلف: يقال لك: ما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت، والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات، أنقص مما يقبل ذلك وإن كان معدومًا فيه، الشيء اللي ما يصح أن نقول له: إنه حي ولا ميت، ولا أعمى ومُبْصِر، ولا أصم وسميع، ولا عالم ولا جاهل، اللي ما يصح أن نقول فيه ذلك أنقص أو الذي يصح أن نقول فيه ذلك (...). الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما، صح ولَّا لا؟ الأعمى وإن كان ما هو مُبْصِر أكمل حالًا من الجدار الذي لا يقبل العمى ولا البصر، صح ولَّا لا؟ فالذي يقول: أنا بأشبه الله بالجدار الذي ليس من مَلَكَتِه السمع والبصر، نقول: إذن أنت الآن شَبَّهْت الله بما هو أنقص؛ لأن الذي لا يقبل السمع والبصر أنقص من الذي يمكن أن يقبل السمع والبصر ولكن ليس له بصر. (فأنت فَرَرْتَ من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك). طالب: الجامدات. الشيخ: إي، ما يخالف، الجامدات والجمادات واحد، التي لا تقبل ذلك، أليس كذلك؟! يقول: الآن شَبَّهْتَ الله بالجماد الذي لا يقبل أن يكون بصيرًا، أو لا؟ وفَرَرْتَ من تشبيهه بالأعمى الذي يَقْبَل أن يكون بصيرًا؛ لأن الحيوان اللي يقبل السمع والبصر خيرٌ وأكمل من جماد لا يقبل البصر، ولا يمكن أن يتصف بالبصر، وليس من شأنه وحقيقته أن يكون مُتَّصِفًا بالبصر، فتبين الآن -ولله الحمد- أنه وإن فَرَّ كلما فَرَّ إلى شيء وجده مسدودًا، كلما فَرَّ الْمُعَطِّل إلى شيء وجده مسدودًا. وأرجو يا جماعة أنكم تمشون معي؛ لأن هذه أدلة عقلية، وليست تنفعكم بالنسبة للمعتزلة والأشعرية فحسب، يعني ممكن يجيؤون الآن يجادلوننا في الله، الآن فيه ناس شيوعيون يجادلون في الله، فهذه الأدلة العقلية تتمكنون بها بواسطتها أن تردوا على هؤلاء بأدلة عقلية، وأظن أن هذه الأدلة غريبة عليكم، يمكن ما قرأتموها في الثانوي أو ما قبله، فعلى هذا لا بد أنكم تدركونها، وأنا أنصحكم بإدراكها، لا تقولوا: والله هذه صعبة ما إحنا فاهمينها، حاولوا أن تفهموا بالدرس أو بعده؛ لأن هذه مفيدة جدًّا بإذن الله، وأنا أخشى أن يكون هذا الزمن زمن مناظرات بين أهل التوحيد وأهل الجهل، فلهذا يجب أننا نعتني بهذه الأدلة العقلية؛ لأنها والله أدلة ممتازة جدًّا. فالحاصل الآن نقول لهذا الرجل، المرة الثانية، نقول له: أنت إذا قلت: إن الله لا يقبل السمع والبصر، ولا العلم والجهل، ولا الحياة والموت، فرارًا من تشبيهه بالموجودات التي تتصف بهذا، قلنا لك: الآن أنت شَبَّهْتَه بأيش؟ قد شَبَّهْتَه باللي ما يقبل هذا الشيء إطلاقًا، والذي ليس من شأنه أن يسمع ويبصر، وليس من شأنه أن يعلم، وتشبيهك إياه بهذا أشد تنقيصًا من تشبيهه بجماد، أو بجسم يسمع ويبصر ويقبل ذلك، أظن إن شاء الله واضحة الآن. طالب: (...). الشيخ: إي نعم. الطالب: (...). الشيخ: لا. الطالب: (...) الجدار يعني أنقص من الحيوان، ولا يقول (...) أن الله الذي هو موصوف بهذا (...). الشيخ: لا لا، (...) مثلًا هذا الرجل اللي ينفي يقول: أنا ما أقول: الله ليس ببصير ولا أعمى، ينفي البصر وضده اللي هو العمى، يقول: لأني إذا شَبَّهْته بالبصير شَبَّهْتُه بمن؟ بالإنسان -مثلًا- تدري يقول: ما يمكن تصف الله بأنه ليس أعمى ولا مُبْصِر، ما يمكن هذا، متناقض، قال: هذا ما يمكن، صحيح بالنسبة للإنسان ما يمكن يكون إنسان ليس أعمى ولا مُبْصِرًا؛ لأنه ما من إنسان إلا أعمى أو مُبْصِر، لكن إذا قلت في الجدار: ليس أعمى ولا مُبْصِر فهذا صحيح؛ لأن الجدار ليس قابلًا للبصر والعمى. نقول: أنت إذا قلت: إن الله ليس ببصير ولا أعمى، شَبَّهْتَه بأيش؟ بالجدار ولَّا بالإنسان؟ شَبَّهْتَه بالجدار؛ لأنك تقول: إن الله ما يقبل أن يكون بصيرًا أعمى، ما يقبل، فشَبَّهْتَه بالجماد، أيهما أكمل أن تشبهه بالجماد الذي ليس من شأنه أن يكون بصيرًا ولا يقبل البصر، أو بالإنسان الذي من شأنه أن يكون بصيرًا؟ بالإنسان أهون وأكمل، مع أنه ليس مُشَبَّهًا بالإنسان، لكن نريد أن نتنزل معه، واضح؟ فيصير معنى قوله: ما لا يقبل الاتصاف، يعني: هذا الذي أنتم.. يلزم على قولكم أن تُشَبِّهُوا الله بشيء لا يقبل الاتصاف بالسمع ولا البصر ولا العمى ولا الصمم؛ لأنه لا يقبلها، ليست من شأنه، وهذا أنقص بالنسبة لله، والله أعلم.
طالب: (...) فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم ونفيهما جميعًا، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم، وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول فذاك أعظم امتناعًا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد. وهؤلاء الباطنية منهم مَن يُصَرِّح بِرَفْع النقيضين: الوجود والعدم، ورفعهما كجمعهما، ومَن يقول: لا أُثْبِت واحدًا منهما، فامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تَحَقُّق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل وسكوت الساكت الذي لا يعبر عن الحقائق، وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعًا مما يُقَدَّر قبوله لهما مع نفيهما عنه، فما يُقَدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم الممتنع مما يُقَدَّر قابلًا لهما مع نفيهما عنه، وحينئذ فنفيُهُما مع كونه قابلًا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلًا وجب له؛ لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود القبول وجب، وقد بُسِطَ هذا في موضع آخر وبُيِّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وقيل له أيضًا: اتفاق الْمُسَمَّيَيْن في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نَفَتْهُ الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نَفَت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يَشْرَكَه فيه مخلوق، ولا يَشْرَكُه مخلوق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى. وأما ما نَفَيْتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويهٌ على الْجُهَّال الذين يظنون أن كل معنى سَمَّاه مُسَمٍّ بهذا الاسم يجب نفيُه، ولو ساغ هذا لكان كل مُبْطِل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليُكَذِّب الناسُ بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدتِ الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة، وإن قال نُفَاةُ الصفات: إثبات العلم ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم لنا أنه إذا كان المخاطَب من الغُلَاة الذين ينفون الأسماء والصفات، فما هو جوابنا عليهم؟ طالب: ما فهمت. الشيخ: أنت ما فهمت الآن، فيما سبق كان فيه ناس ينكرون بعض الصفات ويُثْبِتُون بعضًا، مع إقرارهم بالأسماء، مثل الأشعرية، وناس يُقِرُّون بالأسماء وينكرون الصفات، كل هؤلاء سبق شرحهم وكذلك مناقشتهم في المنتديات الأخرى، فيه ناس ينكرون الأسماء والصفات جميعًا، فما جوابنا عليهم إذا كان المخاطَب من الذين ينكرون الأسماء والصفات؟ طالب: أقول: نفي الأسماء والصفات يستلزم نفي (...). الشيخ: هم إذا نفوا الأسماء والصفات ويش يقولون؟ يقولون: إن الله .. الطالب: لا موجود ولا معدوم. الشيخ: نعم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم.. الطالب: ولا جاهل. الشيخ: ولا قادر ولا عاجز، وهكذا، ماذا نقول لهم؟ الطالب: نضرب مثالًا. الشيخ: إي، أيشلون؟ الطالب: مثل الجدار. الشيخ: لا، قبل هذا، واحد يقول: إن الله لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا قادر ولا عاجز، ولا عالم ولا جاهل، ويش بدنا نقول؟ طالب: (...). الشيخ: نقول: إي نعم، هذا (...)، نقول: أنتم الآن .. طالب: نفيتم جميع الأسماء والصفات. الشيخ: إي نعم، (...) من هذه الحقيقة، لكن رفعتم النقيضين، ولَّا لا؟ ورَفْع النقيضين ممتنع غاية الامتناع، إذا قلتم -مثلًا-: ليس عالِمًا ولا جاهلًا ولا حيًّا ولا ميتًا ولا معدومًا ولا موجودًا، فقد سلبتم عنه النقيضين، وسَلْب النقيضين ممتنع كما أن اجتماع النقيضين ممتنع، فالآن أنتم شَبَّهْتُموه بأي شيء؟ طالب: بالمعدوم. الشيخ: بالممتنع، ما هو بالمعدوم فقط، شَبَّهُوه بالممتنع غاية الامتناع، يعني جعلوا واجب الوجود، ما هو الله واجب الوجود؟ طالب: نعم. الشيخ: جعلوه ممتنعًا غاية الامتناع، واضح؟ إذا قالوا -مثلًا-: هذا الذي قلتم: إنه من باب رَفْع النقيضين أو سَلْب النقيضين، إنما يكون فيما يقبل ذلك الشيء، أما ما لا يقبل النقيضين فإنه يجوز سَلْبُهما عنه لوجود عدم الْمَلَكة، ويش تقول؟ طالب: السؤال. الشيخ: السؤال: هم يقولون: سَلْب النقيضين ممتنع عما يكون قابلًا لهما، أما ما لا يكون قابلًا لهما فإن سَلْبَهُما عنه ليس بممتنع. الطالب: أحسن الله إليك، إذا كان سَلْب النقيضين عمن لا يقبل أي منهما كالجدار (...)، وإذا كان سَلْب النقيضين (...). الشيخ: ما فيه شيء نقص قبل هذه. الطالب: (...) العدم. الشيخ: هم قالوا (...) يعني وصف (...) هذا الشيء معناه الامتناع، ما يمكن الجمع، قالوا (...)، أنتم فاهمين سؤالي الآن؟ طالب: (...) فإذا شَبَّهْتم الله سبحانه وتعالى بأنه لا حي ولا ميت شبهتموه بالجمادات وهذا أقبح. الشيخ: زين، فيه (...) قبل هذه. طالب: (...) أن العدم والوجود هذا (...). الشيخ: زين، هذه نقطة مهمة (...) يا جماعة، نقول لهم: هَبْ أن العلم والجهل، والحياة والموت -مثلًا- إنما يمتنع سَلْبُهما عما يكون قابلًا لهما، وأما سَلْبُهما عما لا يكون قابلًا فهو ممكن، يعني هَبْ أننا وافقناهم على ذلك، وقلنا: إن تقابل الحياة والموت، والعلم والجهل، من باب تقابل العدم والْمَلَكَة، لكن الوجود والعدم تقابلهما تقابل سَلْب وإيجاب باتفاق العقلاء في كل شيء، يعني حتى الذي ما يقبل الحياة، أو ما يقبل السمع، أو ما يقبل العلم، لا بد أن يقبل، أيش يقبل؟ الوجود أو العدم، لا بد أن يقبل الوجود أو العدم، فأنتم الآن تقولون: إن الله لا نصفه ولا نقول: موجود ولا معدوم، فقد سلبتم عنه النقيضين المتقابلين تقابلَ السلب، ويش بعد؟ والإيجاب، وهذا ما يجوز، هذا واحد. طالب: (...). الشيخ: والموت؟ الطالب: والموت (...). الشيخ: الفلاسفة. الطالب: الفلاسفة (...) الاصطلاحات اللفظية (...). الشيخ: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا. الطالب: لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. الشيخ: فوافق الجماد. الطالب: (...) الجماد (...). الشيخ: طيب. الطالب: ثالثًا (...) والموت عن شيء أقبح (...). الشيخ: هذا الثالث، نقول: إذا كنتم تقولون: إن الله لا يقبل السمع والبصر -مثلًا- ولا ضدهما فهذا أقبح مما يقبلهما؛ لأنكم وصفتموه بما لا يقبل الصفات (...) وهذا أقبح. إذن نجيبهم بثلاثة أجوبة يا جماعة؛ أولًا: نقول: هَبْ أن العلم والجهل لا يمتنع سلبهما إلا عما كان قابلًا لهما، ولكن ما رأيكم بالوجود والعدم؟! الوجود والعدم أنتم سلبتم الوجود والعدم عن الله، فقلتم: لا موجود ولا معدوم، وهذا شيء لا يمكن؛ لأن تقابُل الوجود والعدم تقابُل سلب وإيجاب، هما متقابلان ولَّا لا؟ هذا وجود وذا عدم، سلب وإيجاب بمعنى أنه إذا سُلِبَ أحدهما لزم وجود الآخر، هذا معنى السلب والإيجاب. فإذن أنتم الآن وصفتم الله تعالى بشيء ممتنع ولَّا ممكن؟ ممتنع؛ لأن كونه لا موجود ولا معدوم لا يصح هذا، لا في الذي يقبل ولا في الذي لا يقبل، هذه واحدة. الشيء الثاني: أن قولكم: إن تقابل الحياة والموت من باب العدم والْمَلَكَة، هذا اصطلاح فلسفي ليس حقيقيًّا، بدليل أن الله سبحانه وتعالى وصف الجماد بالحياة والموت، فقال: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍفالأوثان من الجماد. الشيء الثالث: أنكم إذا قلتم: إنه لا يمكن أن تكون ذات الله قابلة لهذا الشيء، فقد شَبَّهْتُمُوها بما هو أقبح مما يمكن أن يقبل الجماد؛ لأن الرجل الأعمى الذي لا يبصر خير من الجدار الذي لا يمكن أن يُوصَف بعمى ولا بصر، ولَّا لا؟ لأن الرجل الأعمى قابل لأن يكون بصيرًا ويتصف بصفات الكمال، والجدار ليس قابلًا أن يكون بصيرًا فيتصف بصفات الكمال، فأنتم الآن شَبَّهْتُم الله تعالى بما هو أنقص، حيث جعلتم أن الصفات غير قابل أن يتصف الله بها إطلاقًا، فعلى كل حال هذه أمور ثلاثة. يقول المؤلف: (وأيضًا فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم). في الحقيقة إن كلام المؤلف رحمه الله فيه شيء من الإشكال أو النظر، لا يوجد شيء لا يقبل الوجود والعدم، لكن هذا على فرض أن يُقَدِّر هؤلاء ذهنًا بأن شيئًا لا يقبل الوجود والعدم، وإلا فما من شيء إلا ويقبل الوجود والعدم، كل شيء فهو إما موجود أو معدوم، سواء كان عينًا أم صفة. فقول المؤلف: (ما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم) المعنى: إنكم أنتم إذا قلتم: إن الله سبحانه وتعالى لا يقبل أن يقال: موجود، ولا يقبل أن يقال: معدوم، أيهما أعظم امتناعًا من أن يكون قابلًا لهما ولكنهما لم يجتمعا؟ الجواب: إن ما لا يقبل فهو أعظم امتناعًا؛ لأن ما لا يقبل أمر غير ممكن، لا يفرضه إلا الذهن. قال: (ومن اجتماع الوجود والعدم) شوف لاحظوا، اللي ما يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من شيء نقول: إنه موجود معدوم في آنٍ واحد، ولهذا قال: (ومن اجتماع الوجود والعدم)، فذَكَرَ المؤلف ثلاثة أشياء، ذكر شيئًا لا يقبل الوجود والعدم، ويش معنى لا يقبل الوجود والعدم؟ أي: لا يصح أن نقول: إنه موجود ولا إنه معدوم، وهذا ممتنع ولَّا غير ممتنع؟ نعم، ممتنع، يعني ما من شيء نقول: إنه لا موجود ولا معدوم، ما من شيء نقول هذا. ثانيًا: فيه شيء قابل للوجود والعدم، لكنه ليس موجودًا ولا معدومًا، هو قابل لكنه غير موجود ولا معدوم، أيها أعظم امتناعًا، أو الذي لا يقبل أن يكون موجودًا معدومًا؟ الذي لا يقبل أعظم امتناعًا، وهذا المأخذ الثاني. ثالثًا: أن نقول: إنه يقبل الوجود والعدم، وإنه موجود معدوم، هذا ممتنع أيضًا ولَّا غير ممتنع؟ طلبة: ممتنع. الشيخ: يعني ممتنع أن نقول لشيء: إنه موجود معدوم، هذا ممتنع أليس كذلك؟ لكن مع ذلك الصورة الأولى، وهي التي لا يقبل الوجود والعدم، أعظم امتناعًا من هاتين الصورتين، مع أن كل الصور كلها ممتنعة، ولاحظوا أن الثلاث هادولا يقولون: إن الله لا موجود ولا معدوم، ما هو معناه يمكن أن يوجَد أو يُعْدَم ويتصف بالوجود والعدم، ولكنه لم يكن كذلك، بل يقولون: إنه ممتنع أن يكون موجودًا ومعدومًا، وهم يرون أن الله لا يقبل أن يوصف بالوجود والعدم، فهو لا موجود ولا معدوم. فالصور أرجو أن تنتبهوا، وهذه المسألة في الحقيقة حين نقول: الكتاب هذا صعب عليكم، إحنا نقول: لا ما هو بصعب، يجب أن نكون فاهمين. هذا الآن عندنا بالنسبة للوجود والعدم ثلاث صور، ولَّا لا؟ الصورة الأولى: أن نقول: هذا الشيء غير قابل للوجود والعدم، أو لا؟ غير قابل إطلاقًا بأن يوصف بوجود أو عدم، هذه صورة. الصورة الثانية: أن نقول: قابل للوجود والعدم، لكن لا يوصَف بهما، قابل أن يوجد، أو أن يُعْدَم، لكن لا يوصف بهما، (...) الثاني ولَّا الأول؟ الثاني؛ لأن الأول يقول: غير قابل، لكن هذا يقول: قابل إلا أنه ليس موجودًا ولا معدومًا. الثالث: أن نقول: إنه قابل للوجود والعدم، لكنه موجود معدوم، فهذا قطعًا أنتم الآن الخلاصة (...) شوي أن هذا ممتنع حقيقة، لكن بعضها أعظم امتناعًا من بعض. (...) نقول: هذا موجود معدوم ممتنع، لكن أهون من أن نقول: لا موجود ولا معدوم وهو قابل لذلك. وأعظم منهما أن نقول: لا موجود ولا معدوم وليس قابلًا للوجود والعدم، وهذه هي الصورة الأولى التي قال: إنها أعظم امتناعًا مما بعدها. طالب: يعني يريد أن يُثْبِت أنهم قالوا (...)؟ الشيخ: إي نعم، يريد أن يُثْبِت أن قولهم أعظم ما يكون من الممتنعات؛ لأنهم يقولون: إن الله لا موجود ولا معدوم، يعني: غير قابل لأن يوصَف بالوجود أو العدم، هذا معنى قولهم: لا موجود ولا معدوم. وأعظم أيضًا مِن نفيهما جميعًا، ويش نفي؟ نفي الوجود والعدم، لكن مع وجود القابلية، ما هم يقولون: مع عدم وجود القابلية؛ لأن مع عدم وجود القابلية هي الصورة الأولى. (فما نفيتَ عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم). ويش السبب؟ لأن ما نفيتَ عنه الوجود والعدم صحيح أنك أتيت بأمر ممتنع، لكن إذا قلت: هذا الشيء لا موجود ولا معدوم وهو قابل لأن يكون موجودًا أو معدومًا، فهو أهون مما إذا قلت: هذا الشيء لا موجود ولا معدوم وهو غير قابل للوجود والعدم. ولهذا قال المؤلف: (فما نفيتَ عنه قبولَ الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيتَ عنه الوجود والعدم)، والكل منهما ممتنع. (وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول)، (هذا) الإشارة إلى أقرب شيء، ويش هو اللي عاد يمتنع؟ نفي الوجود والعدم، إذا كان ممتنعًا في صرائح العقول (فذاك) اللي هو نفي قبول الوجود والعدم (أعظم امتناعًا)، هل تصورتم المسألة الآن؟ الصورة الآن عندنا ثلاث صور يا جماعة، صورة يقول: إن الله لا يقبل أن يوصَف بالوجود والعدم، هذه واحدة، الصورة الثانية هم ما قالوها، لكنها تُفْرَض فَرْضًا عقليًّا، يقولون: إن الله ليس موجودًا ولا معدومًا، ولكنه قابل لأن يكون موجودًا أو معدومًا، قابل لكن الواقع ليس موجودًا ولا معدومًا. الصورة الثالثة: أن يقول: إنه قابل للوجود والعدم، واجتمع فيه الوجود والعدم، أو انتفى عنه الوجود والعدم وهو قابل لهما، فهذه الصور الثلاث أيها أعظم امتناعًا؟ الأولى؛ أن نقول: ليس قابلًا للوجود والعدم. نفي الوجود والعدم هو ممتنع في العقل ولَّا لا؟ نفي الوجود والعدم يعني أن تقول عن شيء: إنه ليس موجودًا ولا معدومًا، ممتنع عقلًا؟ طلبة: نعم. الشيخ: إذا كان هذا ممتنعًا عقلًا فامتناع الأول اللي هو عدم قبول الوصف بالوجود والعدم يكون أشد امتناعًا. يقول: (فجعلتَ الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات، وهذا غاية التناقض والفساد). كلام المؤلف رحمه الله بَيِّن وواضح ومعقول، وهو أن هؤلاء الفلاسفة يقولون: إن الله سبحانه وتعالى ليس حيًّا ولا ميتًا، وليس قادرًا ولا عاجزًا، وليس جاهلًا ولا عالِمًا، وليس موجودًا ولا معدومًا، ليس هذا؟ نعم؛ لأنه ليس قابلًا أن يوصَف بذلك، مثل ما أن الجدار ليس قابلًا أن يوصَف بأنه أعمى أو بصير، كذلك الله تعالى ليس قابلًا أن يوصف بأنه موجود أو غير موجود، فهمتم الآن؟ كلامهم هذا هل هو ممكن ولَّا غير ممكن؟ غير ممكن، ممتنع غاية الامتناع، وذلك لأن سَلْب النقيضين، أو اجتماع النقيضين، أو عدم قبول الشيء لاجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أمر ممتنع. سَلْب النقيضين ممتنع، واجتماع النقيضين ممتنع، كذا ولَّا لا؟ وأعظم منهما امتناعًا أن نقول بأنه لا يمكن سَلْب النقيضين ولا جَمْع النقيضين، صح ولَّا لا؟ أن نجعل الشيء الواجب شيئًا مستحيلًا. مثال ذلك: الوجود والعدم نقيضان، أليس كذلك؟ لو قلت: هذا الشيء لا موجود ولا معدوم، ممكن ولَّا لا؟ طلبة: غير ممكن. الشيخ: طيب، لو قلت: هذا الشيء موجود معدوم؟ ممكن ولَّا غير ممكن؟ الطلبة: غير ممكن. الشيخ: غير ممكن، لو قلت: هذا الشيء لا يمكن أن يكون معدومًا موجودًا، ولا يمكن أن يكون لا معدومًا ولا موجودًا، يمكن ولَّا ما يمكن؟ طلبة: لا يمكن. الشيخ: هذا أعظم امتناعًا، إذا قلت: إنه غير قابل أن يوصَف بالوجود والعدم فهذا أعظم امتناعًا مما يمكن أن يوصَف ولكنه لم يوصَف. الآن أقول مثالًا غير هذا يبين ذلك، إذا قلنا مثلًا: فلان عالم، هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟ طلبة: ممكن. الشيخ: طيب، فلان جاهل؟ طلبة: ممكن. الشيخ: فلان لا عالم ولا جاهل؟ الطلبة: لا يمكن. الشيخ: لا يمكن، كذا ولَّا لا؟ فلان عالم جاهل لا يمكن أيضًا، إذا كان الجهل هنا ما (...)، إذا قلنا: فلان لا يقبل أن يوصَف بالجهل والعلم؟ هذا أشد في الحقيقة، هذا أشد من الأول، لأنه هنا غير ممكن (...)، معناه أنك جعلت الشيء المستحيل واجب الوقوع، وجعلت واجب الوقوع أمرًا مستحيلًا. فهؤلاء جعلوا أن الله سبحانه وتعالى وصفوه بأمرٍ لا يمكن أن يوجَد، وهو أعظم الْمُمْتَنِعَات، وهو أنه لا يجوز أن يوصف بالوجود والعدم. طالب: (...) إنسان يوصف بأنه عالم (...). الشيخ: لا، هذا جاهل نسبيًّا، هذا جهل، ولهذا قد أقول: هذا عالم جاهل؛ لأنه عالِم بالشرع جاهل بالعربية إذا لم (...)، أقول: هذا (...) جاهل بما هو عالم فيه. قال: (وهؤلاء الباطنية منهم مَن يُصَرِّح برفع النقيضين الوجود والعدم). أيشلون (برفع النقيضين) كيف يقول؟ يقول: لا موجود ولا معدوم. (ورفعهما كجمعهما) رفع النقيضين يعني -مثلًا- إذا قلت: لا موجود ولا معدوم مثل قولك هو موجود معدوم. (ومنهم مَن يقول: لا أُثْبِت واحدًا منهما)، أيشلون يعني؟ يقول: لا أقول: لا موجود ولا معدوم، ولا أقول: موجود معدوم، ما يثبت لا الإثبات ولا النفي، فاهمين ذلك؟ هو ما مَثَّلَ له، لكن واضح. (منهم مَن يصرح برفع النقيضين) مثاله: لا موجود ولا معدوم. ويقول المؤلف: (رفعهما كجمعهما)، ويش مثال (جمعهما)؟ موجود معدوم، هذا الشيء موجود معدوم، كلاهما (...). (ومنهم مَن يقول: لا أُثْبِتُ واحدًا منهما). طالب: (...). الشيخ: ومَن يقول: معطوف على قوله: (مَن يُصَرِّح). طالب: (...). الشيخ: لا، معروف هذا. (ومَن يقول: لا أثبت واحدًا منهما)، ويشلون لا يثبت واحدًا منهما؟ يعني: ما أقول: لا موجود ولا معدوم، ولا أقول: موجود معدوم، أصلًا ما أقول شيئًا. قال المؤلف: (فامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقُّقَ واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت الذي لا يُعَبِّر عن الحقائق). يعني -مثلًا- كونه (...) ويقول: ما أقول هذا ولا هذا، امتناعه هل يمنع تحقق واحد منهما؟ لا، إذن يكون هو ذا مثل الإنسان الجاهل اللي يقول: ما أدري، أو مثل الإنسان الساكت، فكونه يقول بأمرٍ لا بد أن يقول به ما يمنع الحقيقة، ولهذا قال: (الساكت الذي لا يعبر عن الحقائق). فصار الآن عندنا الباطنيون، يقول: انقسموا إلى قسمين؛ منهم مَن يُصَرِّح برفع النقيضين، ويقول ابن تيمية رحمه الله: إن (رفعهما كجمعهما) بما أنه ممتنع، (ومنهم مَن يقول: أنا لا أثبت واحدًا منهما)، ويش معنى (واحد منهما)؟ يعني: لا أقول برفع النقيضين ولا بجمع النقيضين، فلا أقول: لا موجود ولا معدوم، ولا أقول: موجود معدوم. قال (...) رحمه الله: (امتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر)، يعني: كونه بينفي أنه يقول: أنا ما أقول هذا ولا هذا، ما يلزم منه أن يكون نافيًا للجميع، يعني بمعنى يمكن يتحقق أذاهم له (...)، لاحظوا يا جماعة يقول: (وإنما هو كجهل الجاهل وسكوت الساكت الذي لا يُعَبِّر عن الحقائق، وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظمَ امتناعًا مما يُقَدَّر قبوله لهما مع نفيهما عنه فما يُقَدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر) إلى آخره (أقرب إلى المعدوم) إلى آخره. الظاهر أن صواب العبارة: (فما يُقَدَّر أنه)، أو (فما يُقَدَّر ألَّا يقبل) إي نعم، نقول: لعلها ألَّا يقبل. يقول المؤلف: (وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظمَ امتناعًا مما يُقَدَّر قبوله لهما مع نفيهما عنه). أيشلون (مع نفيهما عنه)؟ يعني أنهم يقولون: لا موجود ولا معدوم، (فما يُقَدَّر ألَّا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم)، ما يقدر مما يقبل هذه الأشياء (أقرب إلى المعدوم الممتَنِع مما يُقَدَّر قابلًا لهما مع نفيهما عنه). طالب: (...). الشيخ: لا ما (...)؛ لأن هادولي غير الوجود والعدم، الحياة والموت عند الفلاسفة غير الوجود والعدم؛ لأن عندهم الحياة والموت ما يوصَف بهما إلا مَن كان قابلًا، وعندهم أنه يجوز أنك ترفع الحياة والموت عن الجدار مثلًا؛ لأنه لا يقبل الاتصاف بهما، بخلاف الوجود والعدم، كذلك العلم والجهل، العلم والجهل يمكن ارتفاعهما ولَّا ما يمكن؟ طلبة: ما يمكن. الشيخ: نعم، بالنسبة لله ما يمكن ارتفاعهما، لكن بالنسبة لما لا يكون قابلًا لهما يمكن ارتفاعهما، ولا القدرة ولا العجز مثلها أيضًا؟ نعم، هذه بالنسبة لله لا يمكن، لكن بالنسبة لما لا يُقَدَّر قابلًا لهما يمكن، ما تقول: الجدار عاجز ولا قادر، كذلك أيضًا الكلام والخرس، هذا بالنسبة لما لا يكون قابلًا، لكن ما يكون (...) متقابلين تقابل العدم والملكة يمكن أن يرتفعَا، ممكن تقول: الجدار لا يتكلم، ليس بأخرس ولا متكلم، لكن بالنسبة لله لا يمكن. العمى والبصر نفس الشيء، السمع والصمم نفس الشيء، فالمولف ما أعاد؛ لأن كلامه بالأول ويش هو به؟ بالوجود والعدم، والوجود والعدم باتفاق العقلاء أنه لا يمكن ارتفاعهما ولا اجتماعهما. لكن مسألة الحياة والموت، والعلم والجهل، يمكن يجيء واحد يقول: إن تقابل هذه الأشياء ويش هو تقابل؟ (...) ولَّا عَدَم ومَلَكة؟ تقابل عَدَم ومَلَكَة، فعلى هذا إذا كان تقابلهما تقابل عَدَم ومَلَكَة يمكن أن يرتفعَا عما ليس بقابل لهما. يقول رحمه الله: (ما لا يُقَدَّر قابلًا للحياة والموت أقرب إلى المعدوم الممتَنِع مما يُقَدَّر قابلًا لهما مع نفيهما عنه)، إذا قلنا: الجدار لا يقبل الموت والحياة، ما يمكن نصفه بأنه حي ولا ميت، لماذا؟ غير قابل لهذا الوصف. ولذلك الإنسان يمكن أن يوصف بالحياة والموت، فأيهما أعظم امتناعًا من شيء تقول: هذا غير قابل لهذا الشيء، أو هذا قابل له ولكن يرتفع عنه؟ يقول المؤلف: إذا قلت: إنه غير قابل، أشد امتناعًا بالنسبة لله مما إذا قلت: إنه قابل، ولكن يرتفعان، وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلًا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلًا وجب له لعدم تَوَقُّف صفاته على غيره. المعنى أن نَفْيَ هذه الأشياء المتقابلة عن الموصوف مع كونه قابلًا لهما أقرب إلى الوجود والممكن ...