شرح العقيدة التدمرية - ٢٠
درس صوتي · ٧٦:٤١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
بالمعبود إن كان في عبادة أو بالمذكور إن كان في ذِكْر، حتى في جانب الربوبية يغيب أو يفنى بمشهوده عن مشاهدته، هذا ما هو بصحيح هذا، هذه بَعْد أيضًا حالة (...)، وليست بممدوحةٍ كما قال شيخ الإسلام، ومَن قال: إن هذا ممدوحٌ فهذا خطأٌ، فهمتَ الفرق الآن؟
طالب: وأمَّا الثالث فهو الفناء عن وجود السَّوِيِّ.. الشيخ: (السِّوَى) شكِّلوها يا جماعة، (الفناء عن وجود السِّوَى)، (السِّوى) يعني سِوى المفنِيِّ فيه، يَفْنى عن وجود ما سِوى الذي فَنِي فيه، فالسِّوَى هنا هي كلمة سِوَى كذا وكذا؛ بمعنى الغَيْر، عن وجود الغير، (السِّوى) يعني الغير. سِوى هذا؛ أي: غير؟ طالب: غير هذا. الشيخ: رأيتُ القومَ سِوى زيدٍ؛ أي: غير زيدٍ، فمعنى (السِّوى) أي الغير، لكن المؤلف رحمه الله (...) العبارات هادولي لأنَّ هذه عبارات الصوفية، فهو (...)، وإلا لو قال: الفناء عن وجود الغَيْر، لَكان أوضح من السِّوى.
الطالب: بحيث يرى أنَّ وجود المخلوق هو عينُ وجودِ الخالق، وأن الوجود فيهما واحدٌ بالعَيْن، فهذا قول أهل الإلحاد والاتِّحاد الذين هم أَضَلُّ العبادِ. الشيخ: (الذين هم مِن أضلِّ)؛ (من). شوف الآن هذا -والعياذ بالله- هذا الفناء الخربان (...)؛ يغيب عن وجود سوى الله؛ بمعنى أنَّه يعتقد أنَّ الخالق والمخلوق شيءٌ واحدٌ، وأنَّ (لا إله إلا الله) أي: لا موجود إلا الله. هذا التفسير هو تفسير هؤلاء الحُلوليَّة والاتِّحادية، يغيبون عن وجودِ السِّوى؛ أي: وجودِ شيءٍ سِوى الله، فيجعلون المخلوقَ هو عين الخالق. أفهمتم الآن؟ صار هذا ويش يغيب عنه؟ يغيب عن كلِّ شيء، ويرى أنَّ كلَّ شيءٍ فهو الله، ما يرى قُدَّامه إلا الله بس؛ الباب الله، (...) الله، فلان الله، ما يشاهد إلا الله على رأيه طبعًا، هذا ما فيه شك أنه مثلما قال شيخ الإسلام: (من أضلِّ العِباد) هذا أيضًا فناءُ أهلِ وحدة الوجود. وبهذه المناسبة أحذِّركم من رجلٍ يأتي في التِّلِفِزيون يُسمَّى مصطفى محمود، يُشاهَد وله كُتُب موجودة، ويزعم أنه كان شاكًّا في الأول ثم صار موقِنًا، وله كتاب بهذه العبارة: رحلتي من الشك إلى اليقين، وفي الحقيقة أنَّه -والله أعلم- ارتحلَ من الشك إلى يقين الكفر؛ لأنه له كتاب تفسير القرآن بالمفهوم العصري يقول: معنى (لا إله إلا الله) أي: لا موجود إلا الله. وهذا التفسير بعينه هو تفسير أهل وحدة الوجود. ونُقِل لي عنه أنه في الشهر الماضي كان يتكلَّم في التِّلِفِزيون ويقول: إنه ما يجوز أن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى مُباين للخلْق، وأنَّه على العرش، وأنَّه في العلو، هذا ما يمكن، الله سبحانه وتعالى ما يُتَصوَّر أن يكون كذا. يحاول أن يقرِّر مذهب الجهمية وهُم حُلولية كما تعرفون، حُلولية يرون أنَّ الله تعالى بذاته في كلِّ مكان، وهذا من الأمور التي يُؤسَف لها أن يتسرب أمثال هؤلاء إلى الإعلام هنا أو إلى نَشْر كُتُبهم في بلدنا؛ لأنهم وإنْ تظاهروا بالصلاح فهُم ضالُّون، سواءٌ كانوا متعمِّدين ومستكبرين عن الدين أمْ كانوا جاهلين، نحن لا نقول: إنَّه مستكبر؛ لأنَّا ما ناقشنا الرجل، لكنَّنا نقول: إنَّه ضالٌّ بلا شك، وإنَّ ما زعمه من الرحلة من الشك إلى اليقين فإنَّه ضلالٌ، بل إنَّه إنْ كان شاكًّا في الأول فقد انتقل إلى مرحلةٍ أخبث من شَكِّه، انتقل إلى مرحلة يقين الكفر في بعض كتبه التي قرأناها، فأنا بيَّنتُ لكم هذا لتَحْذروا منه وتُحَذِّروا منه أيضًا.
الطالب: وأمَّا مخالفتهم لضرورة العقل والقياس فإنَّ الواحد من هؤلاء لا يُمْكنه أن يطرد قولَه، فإنَّه إذا كان مشاهِدًا للقَدَر من غير تمييزٍ بين المأمور والمحظور فعُومِل بموجب ذلك؛ مِثْل أن يُضْرَب ويُجاع حتى يُبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع، فإنْ لامَ مَن فعل ذلك به وعابه فقد نقض قولَه وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا الذي فَعَله بك مَقْضِيٌّ مقدورٌ، فخلْق اللهِ وقَدَره ومشيئته متناوِلٌ لك وله وهو يعمُّكما، فإن كان القَدَر حُجَّةً لك فهو حُجَّةٌ لهذا، وإلا فليس بحجَّةٍ لا لك ولا له. فقد تبيَّن بضرورة العقل فسادُ قولِ مَن ينظر إلى القَدَر ويُعرِض عن الأمر والنهي. والمؤمن مأمورٌ بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور؛ كما قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: ١٢٠]، وقال في قصة يوسف: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٩٠]، فالتقوى فِعْل ما أَمَر الله به وتَرْك ما نهى الله عنه، ولهذا قال الله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [غافر: ٥٥]. الشيخ: عندي أنا (والأبكار) (...) الأبكار جمع بِكر، خطأ. طيب، المؤلف يقول: إن (التقوى فِعْل ما أمر الله به وتَرْك ما نهى الله عنه). وجْه ذلك أنَّ التقوى مأخوذةٌ من الوقاية، وهي أن يتَّخذ الإنسان وقايةً من عذاب الله، ولا يَقِيه من عذاب الله إلا فِعْل ما أَمَر الله وتَرْك ما نهى. طيب، الآن أقسام الفناء كم صارت؟ طلبة: ثلاثة. الشيخ: أقسام الفناء ثلاثة: الفناء الدينيُّ الشرعيُّ وهو الفناء بطاعة الله عن معصيته. والثاني: الفناء القَدَري؛ يعني أن يفنى بالمشهود عن الشهادة، وبالمذكور عن الذِّكر. والثالث: الفناء عن وجود السِّوى؛ عن وجود الغَير، بأن يفنى عن وجود ما سِوى الله سبحانه وتعالى، ويرى في نفسه أنَّ الموجود كلَّه شيءٌ واحدٌ بالعَين ما هو بالجنس؛ فالرَّبُّ عنده هو عين المربوب، والخالق عين المخلوق، والعابد عين المعبود ... وهكذا، ما يمكن أن يرى شيئًا مباينًا لله عز وجل، يرى أنَّ الشيء كلَّه واحدٌ بالعَين. طالب: شيخ، (...) الفناء في توحيد الألوهية. الشيخ: (...) ما فيه مانع. طالب: (...) الثاني في توحيد الربوبية. الشيخ: الثاني نعم، الفناء في الربوبية. طالب: (...). الشيخ: على كلا القِسمين: الفناء الثاني والثالث.
الطالب: فأَمَره مع الاستغفار بالصبر، فإنَّ العِباد لا بدَّ لهم من الاستغفار أوَّلهم وآخِرهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» ، وقال: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ» ، وكان يقول .. الشيخ: يُغان عليه؛ يعني معناه: يضيق حتى يستغفر، وهذه من نعمة الله على العبد أنَّ الإنسان إذا لها عن العبادة أحسَّ بشيءٍ في نفسه حتى يرجع إلى عبادة الله، وانظر إلى ما حصل حين سلَّم الرسول صلى الله عليه وسلم من إحدى صلاتَيِ العَشِيِّ، سلَّم من ركعتين، فقام إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجد وشبَّك بين أصابعه واتَّكأَ عليها كأنه غضبان، يعني أنَّه منقبض النفس (...) مثل الغضبان ، لماذا؟ لأنَّ عبادته لم تكمل، وهذا إحساسٌ نفسيٌّ لا يشعر به المرء، لكنَّه من نعمة الله على العبد إذا حصل له مثل هذا يحصل هذا الانقباض ليعود إلى العبادة، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأنه يُغان على قلبه وهو يستغفر في اليوم مئة مرة. أمَّا الإنسان الذي لا يُحِس بهذه الأمور هو يبقى على ضلاله وعلى معصيته ولا يُحِس بطاعةٍ ولا بمعصية.
الطالب: وكان يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَئِي وَعَمْدِي، وَهَزْلِي وَجِدِّي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ» ، وقد ذُكِر.. الشيخ: في هذا الحديث دليلٌ واضحٌ على أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد يخطئ، وأنَّه ليس معصومًا من الذنوب، خلافًا لمن قال: إنَّه معصوم من الذنوب. فالذين يقولون بأنه معصومٌ من الذنوب قولُهم خطر جدًّا؛ فالله في القرآن يقول: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد: ١٩]، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣]، والغريب أن الذين يقولون بأنه معصومٌ يُحرِّفون القرآن تحريفًا بالغًا؛ يقولون: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَأي: ليغفر لأُمَّتك. طيب اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَما يقدرون يُجيبون عليها؛ لأنه ذكر: لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. لكن الشيء الذي يجب أن نعرفه هو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقَرُّ على خطأ، وهذا هو الفرق بينه وبين غيره، اللي غير النبي يمكن يعمل بالخطأ ويمشي، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُقَرُّ لا شرعًا ولا قدرًا على معصية؛ إمَّا أن ينبِّهه الله عز وجل بالوحي مثل: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣]، وإمَّا أن يُيَسِّر له ذلك قدرًا فيُقلع عنه؛ مثل: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي ، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» . وهل في ذلك؛ إذا قُلنا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قد يخطئ ولكنَّه معصومٌ من الإقرار على الخطأ، هل في ذلك قَدْحٌ فيه؟ لا، بل هذا غاية الكمال، وكم من إنسانٍ ابتُلي بذنبٍ وتابَ منه وكان بعد التوبة أحسنَ حالًا منه قبلها، وهذا شيءٌ مشاهَدٌ؛ لأنَّ النفس إذا عصتْ، وعرفتْ قدرَها، ولجأ الإنسان إلى الله عز وجل بالتوبة والاستغفار وكثرة الأعمال الصالحة، كان في هذا مصلحة عظيمة وكبيرة، بخلاف الإنسان المستمر على حالةٍ واحدةٍ فإنه قد (...).
الطالب: وقد ذُكِر عن آدم أبي البشر أنَّه استغفر ربَّه وتاب إليه فاجتباه ربُّه فتاب عليه وهداه، وعن إبليس أبي الجنِّ أنه أصرَّ متعلِّقًا بالقدر .. الشيخ: عندي (...) (لعنه الله)، هذا خطأ، اشطبوا عليه، (لعنه الله) هذه دائمًا الناس يقولون: لعنه الله، ما يصلح هذا. طالب: (...). الشيخ: خطأ هذا ما هو (...)، لو قال: عن إبليس أبي الجن اللعين، لا بأس، أمَّا (لعنه الله) فهو دعاءٌ بتحصيل حاصل، ولا يَرِد على هذا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» لَمَّا تفلَّت عليه الشيطانُ وهو يصلي ؛ لأنَّ هذا يقول: ألعنُك أنا؛ يعني أطردُك وأُبعِدك، وليس يدعو عليه بأنْ يلعنه الله، فالمشروع لنا عندما يُذكر إبليس، المشروع لنا أن نقول: أعاذنا الله منه، أو نحو هذا. وقد ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في كتاب زاد المعاد وأنَّه لا ينبغي أن الإنسان يقول: لعن اللَّهُ إبليسَ، أو: أخزى اللَّهُ إبليسَ، أو ما أشبهَ ذلك، وأنَّ هذا مما يزيد الشيطان كِبرًا؛ يقول: هذا ابن آدم يدعو عليَّ بهذا الدعاء. لكن أنت إذا استجرتَ بالله منه وقلت: أعوذ بالله منه، فهذا هو المشروع. المهم أنَّ النُّسَخ الصحيحة ما هي موجودة.
الطالب: فلعنه وأقصاه، فمَن أذنبَ وتاب وندم فقد أشبهَ أباه، ومَن أشبهَ أباه فما ظَلَم، قال الله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: ٧٢، ٧٣]، ولهذا قَرَن الله سبحانه بين التوحيد والاستغفار في غير آية كما قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت: ٦] وقال تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ... الشيخ: الرتمدها بمد طبيعي؛ راء تُمَدُّ مدًّا طبيعيًّا. الطالب: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [هود: ١ - ٣]، وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: يقول الشيطان أهلكتُ الناسَ بالذنوب وأهلكوني بـ(لا إله إلا الله) وبالاستغفار، فلما رأيت ذلك بثَثْتُ فيهم الأهواء فهُم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا . الشيخ: طيب، ما هو الاستغفار؟ الاستغفار هو طلب المغفرة، والمغفرة هي سَتْر الذنبِ والتجاوزُ عنه؛ يدلُّ على ذلك أولًا: الاشتقاق؛ لأنه مشتقٌّ من الْمِغْفَر، والْمِغْفَر يستر الرأس، ويش بعد؟ ويقيه، يستره ويقيه، فالاستغفار هو سَتْر الذنب والتجاوزُ عنه؛ أن يُوقى الإنسانُ عقوبتَه، وليس مجرَّد السَّتر كما قيل؛ لأنَّ مجرَّد السَّتْر ليس فيه غَفْر. ويدلُّ لذلك أيضًا مع دلالة اللغة التي أشرتُ إليها قوله تبارك وتعالى في الحديث؛ أنَّ الله تعالى يخلو بعبده المؤمن ويُقَرِّره بذنوبه، فيقول: عملت كذا يوم كذا وكذا، فإذا أقرَّ قال: قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم . ففرَّق بين السَّتر وبين الغَفْر؛ ففي الدنيا سترٌ، وفي الآخرة مغفرةٌ، غَفْر؛ يعني أنه لا يؤاخذ عليها، فأنت إذا قلت: أستغفر الله؛ يعني: أسأله تعالى أن يستر عليَّ ذنوبي وأن يَقِيَني عذابَها، ليس مجرَّد الستر.
الطالب: وقد ذكر الله سبحانه عن ذي النون أنَّه نادى في الظلمات أنْ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين، فقال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ، مَا دَعَا بِهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ كَرْبَهُ». وجماع ذلك أنه لا بد له في الأمر من أصلين.. الشيخ: (ذي النون) ويش معنى (ذي النون) يعني صاحب الحوت، فالنون: الحوت، وليس منه قوله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم: ١]؛ فإن نهذه حرف هجائي، وليست اسمًا للحوت كما قيل به؛ لأن النون اللي هو الحوت كيف يُكتب؟ يُكتب بحسب لفظه (أل) ثم نون واو نون.
الطالب: وجماع ذلك أنه لا بدَّ له في الأمر من أصلين ولا بدَّ له في القدر من أصلين؛ ففي الأمر عليه الاجتهاد في امتثال الأمر عِلمًا وعملًا، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به والعمل.. الشيخ: عندنا: (فلا تزال تجتهد)، والصواب: (فلا يزال يجتهد). الطالب: فلا يزال يجتهد في العلمِ بما أمر الله به والعملِ بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب لتفريطه في الأوامر وتعدِّيه الحدود. الشيخ: عندنا (في المأمور). طالب: (في الأوامر). الشيخ: إي، يصح، طيب. الطالب: ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى استغفر ثلاثًا الشيخ: عندنا: (إذا انصرف من صلاته)، والمعنى واحد. الطالب: وقد قال الله تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران: ١٧] فقاموا بالليل وختموه بالاستغفار. وآخِر سورة نزلت قول الله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: ١ - ٣] وفي الصحيح عن عائشة أنه كان صلى الله عليه وسلم يُكثر أنْ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» يتأوَّل القرآنَ . الشيخ: إذَن هذان الأصلان في الأمر، الأصلان في الأمر هما أيش؟ الاجتهاد في المأمور علمًا وعملًا؛ يجتهد في معرفة الشرع ثم يجتهد في العمل به. وأمَّا الأصل الثاني هو الاستغفار، الاستغفار عن أيِّ شيء؟ لأنه ما من إنسان إلا يُفَرِّط ويتعدَّى؛ يُفَرِّط في الواجب ويتعدَّى في الحرام، فعليه أن يستغفر عن نقصٍ حصل أو عن تجاوُزٍ حصل. حطُّوا بالكم، هذان الأصلان؛ هما: الاجتهاد في المأمور علمًا وعملًا، والثاني: الاستغفار من الخلل والنقص.
الطالب: وأمَّا القَدَر فعليه أن يستعين بالله في فِعْل ما أمر به، ويتوكَّل عليه، ويدعوه .. طالب آخر: (وأمَّا في القَدَر). الشيخ: إي نعم، صح. الطالب: ويرغب إليه، ويستعيذ به، ويكون مفتقرًا إليه في طلب الخيرِ وتَرْك الشرِّ، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبُه. الشيخ: (ليصيبَه) (...)! طيب، أعرب (لم يكن ليصيبَه) ليش؟ ويش اللي ناصبه؟ الطالب: خبر (يكن). الشيخ: خبر (يكن)! (...) الفعل المضارع يكون مرفوعًا. من اللي يعرف إعرابه؟ طالب: (...). الشيخ: ويش العامل؟ الطالب: (أن) المضمرة. الشيخ: (أن) المضمرة بعد لام؟ ويش تسمَّى؟ الطالب: لام الجر. الشيخ: لا، هم يسمُّونها (...). طالب: لام كي. الشيخ: لا. يسمُّونها لام الجحود؛ لأن لام الجحود يتقدمها كونٌ منفيٌّ نافٍ للمضارع؛ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [النساء: ١٣٧] (لم يكنْ ليخطئَه)، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ [الأنفال: ٣٣].
الطالب: وإذا آذاه الناسُ علم أن ذلك مقدَّرٌ عليه، ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى. الشيخ: طيب يا جماعة، إذَنْ فالمقدور أصلان: ما هما؟ أن يستعين بالله على فِعل المأمور وتَرْك المحظور؛ لأنَّ الله إذا لم يُعِنْه ما استطاع ذلك، ولهذا جمع الله بين الاستعانة والعبادة في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]. أقول: جمع الله تعالى بين العبادة والاستعانة في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُوهذا مقصود، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُوهذه وسيلة؛ لا يمكن تحقيق العبادة إلا بمعونة الله، فعلينا أن نستعين بالله سبحانه وتعالى ونلجأ إليه على فعل المأمور وتَرْك المحظور. أما الأصل الثاني فهو الصبر على المقدور؛ لأن الله تعالى قد يقدِّر على الإنسان ما لا يلائمه من فوات المحبوب وحصول المكروه، فعليه أن يصبر على ذلك، ومن هذا إيذاء الناس له، حين إيذاء الناس له بالقول وبالفعل هو من المقدور الذي قدَّره الله عليه، فعليه أن يصبر، وسواءٌ آذَوْه في ماله أو في دينه أو في بدنه. حتى لو كانت الأذِيَّة في الدين، وهي أيضًا من الأمور التي يجب أن يصبر عليها ويتحمَّل أكثر، قد يؤذَى الإنسانُ في دينه؛ يُسخَر به إذا ذهب يصلي، يُستهزأ به إذا أعفى لِحْيته، كذلك أيضًا يُنكَر عليه إذا أمر بفعل المعروف وتَرْك المنكر، كل هذا يجب عليه أن يصبر؛ لأنه لا بدَّ من هذا. وإذا أردتَ أن تعرف قَدْر هذه المسألة فانظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ماذا حصل له من الأذى؟ حصل له ما لا يصبر عليه إلا أمثاله صلى الله عليه وسلم؛ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. كذلك أيضًا لا تيأس وتقول مثلا: زال أهل الخير، وانتهى الخير من الناس. لا؛ لأنَّنا نقول: كم من إنسانٍ صبر وكانت العاقبة له. ثم إنَّ الإنسانَ صاحبَ الخيرِ الذي يدعو إليه ليس يدعو لنفسه شخصيًّا، وإنما يدعو للخير نفسه، فلنفرضْ أنك أنت مثلًا بُلِيتَ وحُبِستَ، وربما تُقتل أو تموت، لكن الدعوة التي تريدها باقية ولَّا لا؟ باقية، وهذا هو المهم، ولهذا الذي يدعو إلى الخير ليس يدعو لنفسه في الحقيقة، (...) الذي يدعو لنفسه يُنكَر عليه ذلك، اللي يدعو الناس لأجْل أن يكون رئيسًا فيهم أو قدوةً فيهم هذا لا يجوز؛ نقص في الإخلاص، لكن الذي يدعو الناس لدين الله، ولهذا قال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَيقوله لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول وهو الرسول يقال له: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، ما قال: ادعُ لنفسك، فالإنسان الذي يتصوَّر أنه بدعوته إلى الله يدعو الناسَ لنفسه هذا ناقص الإخلاص، والغالب أنه لا يوفَّق، وأمَّا الإنسان الذي يريد الحقَّ فهو يدعو إلى الله ولا يُبالي سواءٌ الناس رأسوه أو جعلوه قدوةً أمْ لا، المهم أنَّه يدعو إلى الله، فإذا شعرتَ بهذا الشعور فإنك لا بدَّ أن تصبر على الأذِيَّة ولا تيأس.
الطالب: ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لَمَّا قال موسى: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجَدَ لك ملائكتَه، لماذا أخرجْتَنا ونفسَك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكَم وجدتَ مكتوبًا عليَّ من قبل أن أُخلَق وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: ١٢١]؟ الشيخ: يعني هذا المكتوب (...) من هذه المعصية مكتوبة عليَّ قبل أن أُخلَق. الطالب: قال: بكذا وكذا، فحجَّ آدمُ موسى . وذلك أنَّ موسى لم يكن عَتْبه على آدم لأجْل الذنب؛ فإنَّ آدم كان قد تاب منه، والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له; ولكن لأجل المصيبة التي لَحِقتْهم من ذلك، وهم مأمورون أن ينظروا إلى القَدَر في المصائب وأن يستغفروا من المعايب؛ كما قال تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر: ٥٥] فمَن راعى الأمر والقدر .. الشيخ: هذا الحديث -كما تعرفون- القصة فيه هي أنَّ آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام تحاجَّا، فموسى عليه الصلاة والسلام احتجَّ على آدم قال: لماذا أخرجْتَنا ونفسَك من الجنة؟ ونسب الإخراجَ إليه لأنه هو سببُه؛ هو الذي عصى فأُخرِج بمعصيته من الجنة، لكن آدم قال له: إنَّ هذا أمرٌ قد كتبه الله عليَّ، أتلومني على أمرٍ قد كتبه الله عليَّ قبل أن أُخلَق؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»؛ معناه: غلبه بالحُجَّة. هذا الحديث اختلف فيه الناسُ؛ فالمعتزلة أنكروه وكذَّبوه مع أنَّه ثابتٌ في الصحيحين، لكن طريقة المعتزلة أنَّه إذا جاءت الأحاديث على خلاف رأيهم لا يُبالون أن يطعنوا بها ويُنكروها ويكذِّبوها ويقولوا: إن الرواة كلهم كذَّابون، لا يُبالون بذلك. ومنهم مَن قَبِل هذا الحديث واحتجَّ به على الجبر، وهؤلاء الجبرية. شوف الآن طائفتان: طائفة أنكرت الحديث وهم القدرية؛ المعتزلة، والمعتزلة هم القدرية، وطائفةٌ قبلت الحديث واحتجَّتْ به على باطلها وهو الجبر. وأهل السُّنة والجماعة قَبِلوا الحديث ولم يحتجُّوا به على الجبر؛ قالوا: لأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام ما أراد أن يحتجَّ على آدم بفعل المعصية، وآدم ما أراد أن يُبَرِّر المعصية بأنها كُتبتْ عليه، ولكن موسى احتجَّ على آدم قال: لماذا أخرجْتَنا؟ ولم يقُل: لماذا عصيتَ؟، والإخراج من الجنة مصيبة ولَّا لا؟ مصيبة، فهو عاتبه على المصيبة التي هو سببُها لا على ذنبه؛ لأن ذنبه قد تاب منه، ومَن تاب من الذنب فكمَنْ لا ذنب له، وموسى عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يجهل أن آدم ليس عليه لومٌ بعد أن تاب، ولهذا قال: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢٢]. خليكم معنا يا جماعة لأن هذا الحديث من المشكلات في الواقع؛ لأنَّنا إنْ صحَّحناه قد نذهب إلى القول بالجبر، ولكنَّنا عندما نسلك ما سلكه شيخ الإسلام ابن تيمية نقول: هنا لا جَبْر، و(...) موسى إنما احتجَّ على آدم لا بالمعصية ولكن بالمصيبة؛ كأنه يقول: كيف أخرجْتَنا؟! كيف فعلتَ هذه المعصية التي أخرجتْنا من الجنة؟! لا التي كانت ذنبًا لك. فآدم عليه الصلاة والسلام قال: هذا أمرٌ قد كُتِب، الإخراج قد كُتِب قبل أن أُخلَق، ولكن السبب منِّي، فالإخراج مكتوبٌ من قَبْل، وأنا سببُه، وسببُه تبتُ منه، فلا لوم عليَّ فيه. فيكون هنا من باب الاحتجاج بالقَدَر على المصائب ولَّا على المعايب؟ الطلبة: على المصائب. الشيخ: على المصائب، ولهذا يقول المؤلف: (وهم مأمورون أن ينظروا إلى القَدَر في المصائب)، وليس هنا احتجاجًا بالقَدَر على المعايب، ليس على المعايب، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية. وذهب تلميذه ابن القيم إلى مسلكٍ آخَر وقال: إنَّ الحديث إذا حملناه على أنه احتجاجٌ من موسى على آدم للإخراج فقط فإنَّ في هذا تعسُّفًا، ثم قد يكون مردودًا فيقال: الإخراج ما سببُه؟ ويش سببُه؟ المعصية، فيكون الاحتجاج على الإخراج احتجاجًا على سبب الإخراج؛ لأنه لولا السبب ما حصل الإخراج. ولكن يقول ابن القيم: نذهب إلى القول بأنَّ الاحتجاج بالقدر على المعاصي بعد الفعل هذا لا بأس به؛ لأنه حقيقة، ولكن ليس حجَّةً للمرء على الاستمرار، يحتجُّ به -أي: بالقدر- على المصيبة بعد فِعلها مع أنه يجب أن يتوب. وأيَّد رأيَه بأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى علي بن أبي طالب وفاطمة وهما نائمانِ لم يقوما في الليل، فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَقُومَا؟» -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله، لو شاء أن نقوم لَقُمْنا. فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضرب على فخذه ويقول: «وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف: ٥٤]». فهنا احتجَّ عليٌّ بالقدر لكنْ بعد وقوع الأمر، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام في الحقيقة قد نقول: إنَّه لم يُقِرَّه؛ لأنه جعل هذا من باب الجدل، بدليل قوله: «وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا»، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنكِر عليه هذا الجدل، بل جعله جدلًا ولكنَّه لم يُنكره. فالمهم يا جماعة أنَّ ما ذهب إليه ابن القيم جيِّد، فصارت الآن المسالك في هذا الحديث للناس أربعة، ويجب أن نعرفها، يجب أن نعرف مسالك الناس في هذا الحديث: قومٌ قَبِلوه واحتجُّوا به على القدر؛ أي: على الجبر. وقِسمٌ آخَر أنكروه وقالوا: هذا لا يصح؛ لأنه يخالف مذهبهم، وهم القَدَرية. وآخرون قَبِلوه وجعلوه من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعايب، وهذا مذهب من؟ مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية. وآخرون قَبِلوه وقالوا: إنَّه من باب الاحتجاج بالقدر على المعايب بعد أن تفلت من الإنسان وأن تقع منه، وهو حينئذٍ له أن يحتجَّ بأنَّ هذا أمرٌ قد كُتِب عليَّ ولكني أستغفر الله وأتوب إليه وأرجع إلى الله. ففرقٌ بين الذي يحتجُّ بالقدر على معصيته ويستمر، والذي يحتجُّ بالقدر على معصيةٍ زالت منه مع استعتابه منها، أظن بينهما فرقًا. واحد مثلًا قلنا له: ليش فاتتك صلاة الفجر؟ قال: واللهِ هذا قضاء وقدر، ولكنِّي أستغفر الله ولن أعود. ماذا نقول له؟ نقول: هذا صحيح إذا كان قد فعل الأسبابَ التي تنبِّهه ولكنَّه فاته بغير اختياره، لكن رجل يقول: (...) الفجر؟ قال: هذا قضاء وقدر. يجيء الظُّهر ما صلَّى، ليش؟ قضاء وقدر. العصر ما صلَّى، قضاء وقدر. ويش؟! يصلح هذا؟ هذا ما يصلح؛ لأن الآن تبيَّن أن الرجُل مُبطِل يريد أن يجعل القضاء والقدر حجَّة له على معاصي الله. طالب: (...)؟ الشيخ: القدرية يرون أنَّ فِعل العبد لا تعلُّق لله به، وهُنا آدم احتجَّ بقَدَر الله على فِعْله. طالب: (...)؟ الشيخ: أنا أميل إلى رأي الشيخ ابن القيم؛ لأنَّ تصوُّر ما قاله شيخ الإسلام بالنسبة للحديث فيه صعوبة، وقد يكون تمحُّلًا؛ مثلما قلت لكم: إنَّه إذا كان سبب الإخراج هو فِعْل آدم ففاعل السبب فاعلٌ للمسبَّب.
الطالب: فمن راعى الأمر والقدر كما ذُكِر كان عابدًا لله، مطيعًا له، مستعينًا به، متوكلًا عليه، من الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقًا، وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع؛ كقوله في أمِّ الكتاب: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. طالب آخر: (في مواضع). الشيخ: ما يخالف، (في مواضع) و(في غير موضع) معناهما واحد. الطالب: وقوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣] وقوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: ٨٨] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: ٢، ٣]. الشيخ: أمَّا اعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِفواضح، وإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُواضح فيها الأصلان. عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُفيها الأصلان: التوكُّل يعود للقدَر، والإنابة عبادة تعود للأمر، لكن وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِفيها أيضًا الأمران: مَنْ يَتَّقِ اللَّهَهذا الأمر، تعظيم الأمر؛ الشرع، وَمَنْ يَتَوَكَّلْالقدر.
الطالب: فالعبادةُ لله والاستعانةُ به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الأضحية: «اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ»، فما لم يكن بالله لا يكون; فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله فلا ينفع ولا يدوم. ولا بد في عبادته من أصلين .. الشيخ: صحيح الحقيقة عبارة جيِّدة: (ما لم يكن بالله لا يكون)؛ لأن الله إذا لم يُرِد شيئًا لم يكنْ. (وما لم يكن لله فإنه لا ينفع ولا يدوم) يعني حتى لو نفعك ما يدوم، اللي ما هو لله ما ينفع، فلا بدَّ من أن يكون الشيءُ بالله ولله. ونحن نزيد أيضًا شيئًا ثالثًا: (في الله). لا بدَّ أن يكون الشيءُ لله وبالله وفي الله. (لله) هذا الإخلاص، و(بالله) الاستعانة، و(في الله) المتابعة؛ (في الله) يعني في شريعته، فـ(في) للظرفية. فهذه الفروق الثلاثة هي في الحقيقة مَبْنى العبادة؛ أن تكون لله ، ويش بعد؟ وبالله وفي الله، ولهذا نقول: قوموا لله بالله في الله، أو لا؟ قوموا لله، ويش بعد؟ وبالله وفي الله. فالأول الإخلاص، والثاني الاستعانة، والثالث الاتِّباع. طالب: (في الله) في شريعة الله؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: (ولله)؟ الشيخ: (ولله) الإخلاص، و(بالله) الاستعانة.
الطالب: ولا بدَّ في عبادته من أصلين: أحدهما إخلاصُ الدين، والثاني موافقة أَمْره الذي بعث به رُسُله. ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعلْ عملي كلَّه صالحًا، واجعلْه لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا . وقال الفُضيل في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: ٧] قال: أَخْلَصُه وأَصْوَبُه. قالوا يا أبا علي: ما أَخْلصه وأَصْوبه؟ فقال: إذا كان العملُ خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنة. الشيخ: صحيح، إذَن العبادة لا بدَّ فيها من أصلين: الإخلاص، والموافقة؛ والمتابعة؛ موافقة الأمر. لماذا؟ لأن العبادة مبنيَّةٌ على الحبِّ والتعظيم، وهذه مرَّت عليكم، فبالحبِّ يكون الإخلاص، وبالتعظيم تكون الموافقة، فلهذا نقول: كلُّ عبادةٍ لا بدَّ فيها من هذين الأصلين: الإخلاص الذي منشؤه المحبة؛ لأنك إذا أحببتَ شيئًا أخلصتَ له. والثاني: المتابعة التي منشؤها التعظيم لله؛ لأن مَن عظَّم اللَّهَ لا يمكن أن يخرج عن شريعته، إذا خرج عن شريعته فليس عنده تعظيم، نَقَص من تعظيمه لله سبحانه وتعالى بمقدار ما خرج من شريعته.
الطالب: ولِهذا ذَمَّ اللَّهُ المشركين في القرآن على اتِّباع ما شَرَع لهم شركاؤهم من الدين الذي لم يأذنْ به اللَّهُ من عبادة غيره. الشيخ: ترى أحسن؛ (الذي لم يأذنْ) أحسن؛ (من الدين الذي لم يأذن). طالب: (...). الشيخ: (من الدين الذي لم يأذن به الله). الطالب: (...). الشيخ: إي، لكن شرعوا لهم من الدين، (...)، على اتِّباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين الذي لم يأذن به الله. طالب: (...). الشيخ: تقول: (ما) اسم موصول، إي بس ما تصح تصير صفة، هي اسم موصول لكن ما تصح تكون صفة. الطالب: من عبادة غيره وعبادته بما لم يشرعه من الدين؛ كما قال تعالى الشيخ: لا، اصبر، (من الدين الذي لم يأذنْ به الله من عبادة غيره وفِعْل ما لم يشرعه) ويش عندك؟ طالب: (من عبادة غيره وعبادته بما لم يشرعه من الدين). الشيخ: (...) (ما لم يأذنْ به الله من عبادة غيره). طالب: (...) (وعبادته بما لم يشرعه من الدين؛ كما قال تعالى). الشيخ: حطوها (وعبادته بما لم يشرعه). طالب: (...). الشيخ: لا، (لم يأذنْ به الله من عبادة غيره، وعبادته بما لم يشرعه من الدين). الطالب: وعبادته بما لم يشرعه من الدين؛ كما قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ [الشورى: ٢١] الشيخ: أَمْ لَهُمْ ..؟ طالب: شركاء. الشيخ: بيِّنها لي. طالب: شركاء شرعوا لهم من الدين. الشيخ: إي، حرِّك الهمزة. طالب: شركاءٌ شرعوا لهم من الدين. الشيخ: شركاءٌ! ويش لون يا جماعة! شُرَكَاءُبالضم بدون تنوين (...) لا تنضرف لألف التأنيث الممدودة (...).
الطالب: فتجد عند أحدهم تحرِّيًا للطاعة والورع ولزوم السُّنة، ولكن ليس لهم توكُّلٌ ولا استعانةٌ ولا صبرٌ، بل فيهم عجزٌ وجزعٌ. وطائفة فيهم استعانةٌ وتوكُّلٌ وصبرٌ من غير استقامةٍ على الأمر ولا متابعةٍ للسُّنة، قد يُمَكَّن أحدُهم ويكون له نوعٌ من الحال باطنًا وظاهرًا، ويُعطَى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يُعطَه الصنف الأول، ولكن لا عاقبةَ له؛ فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى. فالأوَّلون لهم دينٌ ضعيفٌ ولكنَّه مستمرٌّ باقٍ إن لم يُفسده صاحبُه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حالٌ وقوةٌ، ولكن لم يَبْقَ له إلا ما وافق فيه الأمرَ واتَّبع فيه السُّنة. الشيخ: إذَن المؤلف فرَّق بين الثاني والثالث بأنَّ الأول عاقِبَته أحسن من الثاني؛ لأن الأول عنده عبادة وتقوى لكنْ عنده جزعٌ وعجزٌ، والثاني أحسنُ حالًا وليس أحسنَ عاقِبةً. مَن اللي هو أحسن حالًا؟ اللي عنده استعانة وصَبْر، تجد عنده من الجَلَد والاعتماد على الله ما ليس عند الأول، لكن عنده ضعفٌ في دينه وقِلَّة فِعْل للأوامر وعدم اجتنابٍ للنواهي، ولهذا تكون عاقِبَتُه أقلَّ من عاقِبة الأول، فإذَن الفرق بينهما من حيث العاقبة والحاضر، أيهما أحسن حالًا؟ طالب: الثاني. الشيخ: الثاني اللي عنده استعانة وصبر، لكن الأول أحسن عاقبةً. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنه عنده عبادة وهذا ما عنده عبادة، لكن هذا لصبره وقوَّته وجَلَده يكون في الحال وممارسة الأمور أحسن من الأول. فالفرق بينهما من حيث الحال والمآل، الأول أحسنُ مآلًا وهذا أحسنُ حالًا. يعني مثلًا افرض إنسانًا بالصنف الثاني -أو بالصنف الثالث على تقدير المؤلف- عنده مثلًا قوَّة وإقدام في الحرب وفي غيرها وفي الدفاع، لكن ما عنده العبادة التامَّة، فهو من حيث الحال أحسنُ من الأول؛ لأن الأول ضعيفٌ عاجزٌ لكن عنده قوَّة في الطاعة.
الطالب: وشرُّ الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه; فهو لا يشهد أنَّ عمله لله ولا أنَّه بالله؛ فالمعتزلة ونحوهم من القدرية والذين أنكروا الشيخ: (الذين). طالب: عِلْمه ولا عَمَله. الشيخ: علمه؟! طالب: فهو لا يشهد أن علمه. الشيخ: (أن عمله) صلحوها، (أن عمله). الطالب: فالمعتزلة ونحوهم من القدرية والذين الشيخ: (الذين)، اشطب على الواو. الطالب: الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد خيرٌ من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يُعرضون عن الشرع والأمر والنهي، والصوفيةُ هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خيرٌ من المعتزلة، ولكن فيهم مَن فيه نوع بِدَعٍ، مع إعراضٍ عن بعض الأمر والنهي والوعد والوعيد حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك، ويصيرون أيضًا معتزلين لجماعة المسلمين وسُنَّتهم، فهم معتزلةٌ من هذا الوجه، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًّا من بدعة أولئك المعتزلة، وكِلْتا الطائفتين نشأت من البصرة. الشيخ: طيب المعتزلة هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد خيرٌ من الجبرية، ويش وجه ذلك؟ طالب: (...). الشيخ: إي، ويش وجه أنهم خيرٌ من الجبرية؟ كيف ذلك؟ نريد وجه ذلك. طالب: (...) المعتزلة قدرية؛ يعني تقول: إنَّ فِعْل العبد مستقلٌّ (...)، فهُم يرون أن الإنسان (...). الشيخ: طيب، المعتزلة القدرية يرون أنَّ الإنسان يفعل باختيار، وإذا كان يفعل باختيار فإنَّه يَلْحقه اللوم إذا فعل ما لا ينبغي، ويدرك الثواب إذا فعل ما ينبغي، والإنسانُ الذي يشعر بأنَّ الثواب والعقاب على حسب فِعْله لا بدَّ أن يكون قائمًا بالأوامر تاركًا للنواهي، فهو معظِّمٌ لها لأنه يعرف أنه مُلامٌ على المعصية ومُثابٌ على الطاعة. وأمَّا الجبرية فيقولون: إنَّ الإنسان مُجبَرٌ على عمله، فلا يُلام على مكروهٍ، ولا يُحمَد على محبوب. فعلى ذلك إذا شعر الإنسان بأنه لا لوم عليه في المعصية وأنه لا مَدْح له في الطاعة هل يُعظِّم الأمر والنهي ولَّا لا؟ لا يعظِّمه؛ لأنه ما يهمُّه؛ يقول: العاصي والمطيع سواءٌ، كلٌّ منهما لا اختيار له في مراده وفِعْله، فلا يستحقُّ هذا اللوم ولا هذا المدح، فلهذا لا يعظِّمون الأمر والنهي لأنهم يرون أنَّ الإنسان مجبورٌ على عمله. طيب، عندنا الصوفية يقول: (هم في القدر خيرٌ من المعتزلة، لكن فيهم مَن فيه نوعُ بِدَعٍ ...) إلى آخره. خيرٌ من المعتزلة لأنَّ هؤلاء المعتزلة يرون أنَّ الإنسان مستقلٌّ بعمله، فلا يستعينون بالله. اللي يرى أن الإنسان مستقلٌّ بعمله ما لله فيه تعلُّق طبعًا ما يستعين بالله ولا يتوكل عليه؛ لأنه يرى نفسه مستغنيًا عن ربِّه، لكن الصوفية لا يرون ربَّهم كذلك، يرون أن الإنسان محتاجٌ إلى ربِّه تبارك وتعالى إلا أنَّهم يخطئون في المبالغة في مشاهدة الربوبية؛ قد سبق أنَّ الواحد منهم يفنى بأيش؟ بمشهوده عن شهوده، ومعبوده عن عبادته ... إلى آخره. طالب: (...). الشيخ: لا، بس ما هو قصده التمثيل لكل قِسم، ما مثَّل لكل قِسم؛ لأن القسم الرابع هم أهل السُّنة والجماعة الذين يعبدون الله تعالى ويستعينون به. طالب: القدرية (...) المعتزلة (...) الجبرية. الشيخ: لا، القدرية يُراد بهم المعتزلة فقط. طالب: (الجبريَّة القدريَّة). الشيخ: لا، بيَّن؛ القدرية في الأخير: الغالون في القَدَر، والقدرية بالأول -اللي هو الإطلاق عليهم هم-: النافون للقدر؛ لأنَّ القدرية يطلق على النافي للقدر، وهو الأصل؛ أنَّه إذا قال: القدرية، يعني الذين ينفون القدر بالنسبة لفعل العبد. ويطلق على القدرية المثبتة للقدر لكنه لا يقال إلا مقيدًا، ولهذا شوف قال: (الجبريَّة القدريَّة)، لو قال: خيرٌ من هؤلاء القدرية، ما صحَّ.
الطالب: وإنما دين الله ما بعث به رُسُلَه وأنزل به كُتُبَه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرِ القرون، وأفضل الأُمَّة، وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين، قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ. الشيخ: أنت قلت: قال الله تعالى، ثم قلت: (قال تعالى). طالب: (قال تعالى). الشيخ: إي، ما يخالف (...)، لا بأس؛ يعني مثلًا لأن الواحد إذا قال: (قال الله تعالى)، ثم قال: (قال تعالى) والمعنى واحد، يمكن (قال الله تعالى) أحسن من (قال تعالى). الطالب: قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] فرضي عن السابقين الأولين رضًا مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة .. الشيخ: نعم؛ لأن التابعين الأولين قد يكونون تبعوا بإحسانٍ وقد يكونون تبعوا بغير إحسان، وهذا دليلٌ على أنَّ مذهب السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار مذهبٌ صحيحٌ، ما فيه تقسيم إلى إحسان وعدم إحسان، لكن المذاهب الأخيره اللي بعدهم هي التي فيها إحسانٌ وغيرُ إحسان. وبه نعرف صحَّة قول مَن يقول: إنَّ عمل الصحابة حجَّة ولو بعد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم من المهاجرين والأنصار.
الطالب: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: «خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: مَن كان منكم مُستَنًّا فلْيَسْتَنَّ بمن قد مات؛ فإنَّ الحيَّ لا تؤمَن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبرُّ هذه الأُمَّة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا.. الشيخ: طبعًا هو يقول: (عبد الله بن مسعود يقول: مَن كان مستَنًّا فلْيَسْتَنَّ بمن قد مات). هل هذا ينطبق على كلِّ عصر؟ طلبة: لا. الشيخ: لأنه لو كان ينطبق على كلِّ عصر كان يقول الذين جاؤوا من بعد عبد الله بن مسعود أيضًا أهلٌ لِأنْ يُقتدى بهم، لكن مراده بالعصر الذي هو يتكلم فيه، والذين ماتوا في عهده (...). بسم الله الرحمن الرحيم، المهم أنَّ كلام ابن مسعود يريد بذلك مَن ماتوا في عهده -يعني: من الصحابة- لأنهم ماتوا قبل الفتنة، لكن يقول: (الحي لا تؤمَن عليه الفتنة). صحيح كم من إنسانٍ يكون في أول أمره مستقيمًا ثم في آخِر الأمر يفتتن، فإذا قلدتَه أنت وتَبِعْتَه واتَّخذتَه إمامًا في حال استقامته ربما ينحرف وأنت لا تشعر؛ لأنك قد وثِقْتَ فيه، وحينئذٍ تهلك معه، فالحيُّ لا تؤمَن عليه الفتنة (...). طالب: (...) جواز التقليد. الشيخ: معلوم أنَّ الصحابة رضي الله عنهم يجوز تقليدهم؛ لأنَّ الإمام أحمد يرى أنَّ قول الصحابي حجَّة إذا لم يخالف نصًّا. طالب: (...). الشيخ: (...) يعني بذلك الصحابة؛ لأنك تعرف ابن مسعود متى مات؟ طالب: (...). الشيخ: طيب، مبكرًا. طالب: طيب، وغير الصحابة يجوز تقليدهم؟ الشيخ: لا، غير الصحابة ما نرى جواز التقليد إلا لضرورة. الطالب: فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم . وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: يا معشر القُرَّاء، استقيموا وخُذوا طريقَ مَن كان قبلكم، فوالله لَئِن اتَّبعتموهم لقد سَبقتم سبقًا بعيدًا، ولَئِن أخذتم يمينًا وشِمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا . وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خطَّ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خطًّا، وخطَّ حوله خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ». ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] . وقد أَمَرنا سبحانه أن نقول في صلاتنا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٦، ٧]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ، عَلَيْهِمْ وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ» ؛ وذلك أنَّ اليهود عرفوا الحقَّ ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم. الشيخ: قوله عليه الصلاة والسلام «الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ» ليس هذا معناه أن قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] يعني اليهود، وإنَّما المعنى أنَّ اليهود من المغضوب عليهم، وكلُّ مَن عرف الحقَّ وخالَفه فهو مغضوبٌ عليه وفيه شبهٌ من اليهود، وكلُّ مَن عَبَدَ اللَّهَ على ضلالٍ فهو ضالٌّ من الضالِّين وفيه شبهٌ من النصارى، وهذه الأُمَّة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ عَلِم الحقَّ واتَّبعه، وهذا من الذين أنعم الله عليهم. وقسمٌ عَلِم الحقَّ وخالَفه، وهذا من المغضوب عليهم. وقسمٌ جَهِل الحقَّ وعَمِل بالباطل، وهذا من الضالِّين. فخير هذه الأُمَّة مَن عَلِم الحقَّ واتَّبعه.
الطالب: ولهذا كان يقال: تعوَّذوا بالله من فتنة العالِم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتون. الشيخ: العالِم الفاجر -والعياذ بالله- مُضِلٌّ؛ لأنه عالِم لا يتبع الحقَّ، والعابد الجاهل مُضِلٌّ؛ لأنه يعبد الله على جهلٍ فيظنُّ مَن يراه أنَّه على خير. وهؤلاء الأئمَّة -أئمَّة الكفر- إنما غرُّوا الناسَ بسبب جهلهم، يظنُّون بهم خيرًا وهم ليسوا على خير.
الطالب: وقال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: ١٢٣] الشيخ: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه: ١٢٤]. الطالب: ما عندي. الشيخ: طيب، ما يخالف. الطالب: قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفَّل الله لِمَن قرأ القرآن وعَمِل بما فيه ألَّا يضِلَّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقرأ هذه الآية . وكذلك قوله تعالى: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ١ - ٥] فأخبر أنَّ هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلافُ المغضوب عليهم والضالِّين. فنسأل الله أن يهديَنا وسائر إخوانِنا صراطَه المستقيم، صراطَ الذين أنعمَ الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. الشيخ: الحمد لله. طيب، أولًا قوله تعالى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: ١٢٣] مَن يُعرب الآية؟ طالب: فَإِمَّا(إمَّا) أداة (...). الشيخ: لا، لا يصلح ذلك. (إمَّا) أصلها (إنْ مَا) فـ(إن) شرطية، و(ما) زائدةٌ للتوكيد، و(يأتينَّ) فعل مضارع مجزوم بـ(إن) الشرطية لكنَّه مبنِيٌ على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و(هُدًى) فاعل (يأتي)، و(فمَن) الفاء رابطة للجواب و(مَن) اسم شرطٍ جازم، و(اتَّبع) فعل الشرط، وجملة (فلا يضِلُّ) جواب الشرط، والجملة من الشرط الثاني وجوابه في محلِّ جزمٍ جواب الشرط الأول. طيب، من المراد بالشهداء في قوله تعالى: وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؟ قيل: المراد بهم العلماء؛ لأنهم يشهدون على شريعة الله، ويشهدون على عباد الله. وقيل: المراد بالشهداء مَن قُتِلوا في سبيل الله، مَن قُتِلوا في سبيل الله فهُم شهداء. والصحيح أنها تشمل هذا وهذا؛ فإنَّ أهل العلم شهداء، ومَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد. وقوله: حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًاأي: رُفَقاء، فـ(رفيق) هنا يستوى فيه الجمع والمفرد. طالب: (...)؟ الشيخ: رَفِيقًاتمييز. طالب: (...) رَفِيقًا. الشيخ: لا، (رفيقَا) إذا وقفت، (...) تنوين، هذا الأفصح. طيب، عندنا باقٍ -أظن- القاعدة السابعة، القاعدة السابعة مثلما رأيت في النُّسَخ القديمة ما هي موجودة، وأنا طلبت من العمادة في الرياض يقولون لي: فيه واحد محقق هنا للكتاب، وطلبت منهم يرسلوا لي نسخة (...) ابحث عنها هي موجودة ولَّا لا، والظاهر أنها مو موجودة في الحقيقة، أو (...) ما أدري، لكن هو لم يصلنا إلى الآن شيء، وليس بإمكاننا الآن دراستها، مع أن الشيخ رحمه الله -الشيخ صالح الذي شرح الكتاب هذا- يقول لي: تأمَّلتُ القاعدة السابعة فوجدتُ أنها ما تخرج عن القواعد السابقة. يعني أنه معناها موجود فيما قبلها.