تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة يس - ٤

درس صوتي · ٩١:٤٨

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

يعني أن الله تعالى يُبيِّن أن هؤلاء العباد المكذبين سوف يتحسرون على تكذبيهم، وهذا أقرب إلى السياق لقوله: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ [يس: ٢٩، ٣٠]، فالكلام كلام الله عز وجل لكن لما كان التحسُّر ندم وألم صار الله تعالى منزهًا عنه، فوجب أن يقول المراد: يا حسرة واقعةً عليهم؛ أي ما أشد تحسر العباد على ما فعلوا من التكذيب للرسل كما بينه آخر الآية. وقوله تعالى: عَلَى الْعِبَادِالمراد بالعباد هنا العبودية العامة، وليست الخاصة؛ لأن العبودية الخاصة لا تَحَسُّر على أهلها، وقد مر علينا أن العبودية عامة وخاصة، فالعامة مثل، مثال العامة، المراد بها قلت: العبودية العامة؛ لأنه لا يدخل فيها غير المكذبين، ومع ذلك نقول: العبودية العامة لكنها عام أُريد بها الخصوص، من هم؟ المكذبون للرسل. قال: (ونداؤها مجاز) يعني ليس حقيقة؛ لأن النداء حقيقة إنما يُوجَّه إلى من يعقل، أما من لا يعقل فليس نداؤه على سبيل الحقيقة؛ ولهذا قالوا في قول الشاعر:

أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي

بِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

إن هذا يُراد به التمني، وليس نداء بمعنى الطلب، طلب الحضور؛ لأن الليل لا يعقل، فالنداء حقيقة إنما يوجه لمن يعقل، إذا وُجِّه لمن لا يعقل صار له معنى آخر على سبيل التجوز، والمعنى أنه جُعِلَ غير العاقل كالعاقل كأن الحسرة شيء يأتي ويذهب تقول: يا حسرة على العباد احضري، مَا يَأْتِيهِمْ [يس: ٣٠]، هذا بيان لسببها، سبب الحسرة مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [يس: ٣٠] مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ(ما) نافية، و(مِن) زائدة لوقوعها في سياق النفي، وهي زائدة زائدة؛ زائدة لفظًا تزيد في المعنى، وهذا معنى قولنا: زائدة زائدة، وليس في القرآن حرف واحد لا يفيد معنى أبدًا، كل ما في القرآن فإنه يشتمل على المعاني ولكن قد يكون زائدًا من حيث الإعراب فقط، ولهذا نعرب رَسُولٍفي هذه الآية فاعلًا، ونقول: فاعل مرفوع بضمة مُقدَّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحرف الزائد. مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍوفائدتها التنصيص على العموم؛ لأن رَسُولٍنكرة في سياق النفي، فتعم، فإذا جاءت (مِنْ) صارت أنص وأدل على العموم مما لو حُذفت؛ ولهذا قالوا: إن فائدتها في مثل هذا السياق: التنصيص على العموم. وقوله: مِنْ رَسُولٍالرسول عند عامة أهل العلم هو بشر أُوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه، ويُطلق الرسول على الرسول الملكي، فإن الله سمَّى جبريل، سماه رسولًا كما في قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍإلى آخره [التكوير١٩:٢٠]، وقوله: مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونيعني إلا كانوا يستهزئون به ولكن قدم المعمول، وهو (به) لإفادة الحصر ولمناسبة رؤوس الآيات، فقُدِّم لفائدتين: فائدة لفظية وهي مراعاة الفواصل، وفائدة معنوية وهي الحصر. كأنه قال: إذا أتاهم الرسول فكأنهم لا يستهزئون بأحد سوى هذا الرسول. إِلَّا كَانُوا بِهِأي: لا بغيره وهم يستهزئون بغيره لكن لما كان هؤلاء قد أمعنوا في الاستهزاء بالرسل صاروا كأنهم لا يستهزئون إلا بالرسل إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونوالاستهزاء هو السخرية والهزء. يستفاد من هذه الآيات من قوله: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ. يستفاد منها فوائد؛ أولًا: أن الله عز وجل قد يُنزل الملائكة لإهلاك المكذبين، ووجهه أن نفي إنزال الملائكة على هؤلاء القوم يدل على إمكانه في غيرهم وإلا لما صح النفي. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة جنود لله عز وجل؛ لقوله: مِنْ جُندٍ. ومن فوائدها: أن الملائكة محلهم السماوات؛ لقوله: مِنَ السَّمَاءِ، وهذا هو الأصل، لكنهم قد ينزلون إلى الأرض كما في قوله تعالى في ليلة القدر: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤]، وكالملائكة الذين يحفظون بني آدم، والذين يكتبون أعمالهم وما أشبه ذلك، والذين يكتبون المتقدمين إلى الجمعة على أبواب المساجد. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حقارة هؤلاء القوم المكذبين للرسل الثلاثة؛ لقوله: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِإلى أن قال: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الله عز وجل، وذلك بذكره بصيغة الجمع وَمَا أَنزَلْنَاوَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ، لا يقال: إن هذا يفيد التعدد كما استدلت بذلك النصارى، وقالوا: إن الآلهة متعددة؛ لأن الله يقول: وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ، وما أشبه ذلك من الآيات، فيقال لهم: إن هذا التعدد للتعظيم، وكيف تستدلون بهذه الآية المتشابهة، وتعمون عن مثل قوله تعالى: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات: ٤] إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء:١٧١] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة: ٧٣]، ولكن النصارى كغيرهم من أهل الزيغ يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ومن رأى اتباع الشبهات من النصارى ومن غيرهم في نصوص الكتاب والسنة تبين له العجب العُجَاب، وأنه يجب علينا وجوبًا مؤكدًا طلب العلم لدفع شبهات هؤلاء؛ لأن هؤلاء كما تعلمون انتشروا بيننا الآن، وكثروا في هذه البلاد التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» . هؤلاء يبثون السموم في شبابنا وكهولنا أيضًا، بل إنهم الآن -كما سمعنا- يرسلون النشرات؛ نشرات تدعو إلى النصرانية، ويرسلون أشرطة تدعو إلى النصرانية؛ لأنهم بدؤوا يعرفون المحلات ويعرفون العناوين، ثم يرسلون إليها، وعندنا من هذا عدد يؤتى إلينا بنشرات وأشرطة مسجلة تدعو إلى النصرانية، هذه إذا وقعت في أيدي أناس لا يعرفون جهلاء على الأقل تركن إليها نفوسهم، وإن كنت أستبعد جدًّا أن يتنصر أحد من المسلمين؛ لأن دين النصارى كله ضلال الذي هم عليه الآن، لكن لا شك أنه يُوقِع الشبهة والخلود والاطمئنان إلى هؤلاء؛ لذلك أنا أرى أن اليوم يجب على شباب المسلمين أن يتسلَّحوا بسلاح العلم، العلم المبني على الأثر والنظر؛ لأن أولئك قوم يُشبِّهون بما يدعون أنه عقل، ولا يكفي الآن أن نتعلم الأثر فقط بل لا بد من أثر ونظر؛ الأثر إنما يكفي لمن؟ للمؤمن الذي قال الله عنه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦] لكن المكذب لا يكفيه الأثر؛ لأنه لا يؤمن أصلًا بالأثر، يحتاج إلى نظر وعقل تدحض به حجته. المهم أن مثل هذه الآية الكريمة: وَمَا أَنْزَلْنَاوَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَيُشبه بها النصارى على أن الله سبحانه وتعالى مُتعدِّد أكثر من واحد، وقد ذكرنا أنهم غفلوا، بل عموا عن الآيات الواضحة الصريحة بأن الله إله واحد، وأن الله كفَّر من زعم أن الله مُتعدِّد لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ. ثم قال تعالى: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس: ٢٩] في هذه الآية دليل على أن الله أهلك هؤلاء القوم بصيحة واحدة، لم تُكرَّر مرة أخرى، صيحة واحدة هلكوا بها، لكن لو قال قائل: ما نوع هذه الصيحة؟ هل قيل: اهلكوا؟ نقول أيش؟ الله أعلم هذه الصيحة، عافانا الله، يحتمل أنها صرخة يحتمل أنهم أُمِروا بالهلاك، المهم أنها صيحة واحدة، فهلكوا عن آخرهم، قلت: فيها بيان. الطالب: (...). الشيخ: بيان أيش؟ أنهم أهلكوا طيب بصيحة واحدة. ثانيًا: من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، وأن من عارض الله، أو بارز الله مهما عظم فإن إهلاكه يسير على الله عز وجل، كل شيء يكون بكلمة واحدة إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ [القمر: ٤٩-٥٠]، وعند هذا الأمر الواحد كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]، لا يتباطأ ولا يتأخر، لمح البصر أسرع ما يكون، فإذا أراد الله شيئًا قال له: كن فيكون، كلمح البصر، سبحان الله، هذا يدل على عظمة الله عز وجل وقدرته. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء القوم الذين كذبوا الرسل الثلاثة هلكوا جميعًا؛ لقوله: فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس: ٢٩]، وهذا يدل على أن من زعم أن هذه القرية التي أُرسِل إليها الثلاثة، من زعم أنها أنطاكيا، فإن زعمه باطل؛ لأن رسل عيسى الذين أرسلوا إلى أنطاكيا كانوا بعد موسى، ولم يهلك الله تعالى أمة على سبيل العموم بعد أن نزلت التوراة، هكذا قال كثير من العلماء؛ لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى [القصص: ٤٣]، قالوا: هذه الآية تدل على أن الله لم يُهلك أمة على سبيل العموم بعد نزول التوراة، وهذه الآية كما تعلمون في سورة يس فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس: ٢٩] تدل على أنهم هلكوا. ثم قال تعالى: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [يس: ٣٠] في هذا دليل على شدة تحسر العباد المكذبين للرسل؛ لقوله: يَا حَسْرَةً، ولهذا جاء النداء على سبيل التنكير ليدل على أنها حسرة عظيمة؛ لأن التنكير يفيد أحيانًا التعظيم والشدة.

ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدْل الله عز وجل، وهو أنه لا يُؤاخذ أحدًا إلا بذنبه؛ لقوله: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونفلم يعاقب الله تعالى أحدًا إلا بذنب، بل إنه عز وجل قد يعفو عن الذنب إذا كان دون الشِّرْك. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرسالة؛ لقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ، وأن الرسالة عامة لكل أمة؛ لأنه قال: عَلَى الْعِبَادِ، ثم قال: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ، فكل العباد قد قامت عليهم الحجة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستهزاء بالرسل كُفْر مُوجِب للعقوبة؛ لأن السياق الآن في قوم كَذَّبوا الرسل فأُهلكوا جميعًا، ثم قيل: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [يس: ٣٠] فدل هذا على أن الاستهزاء بالأنبياء أو بالرسل كُفْر، ويدل لهذا قوله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. الاستهزاء بالكتب كفر؟ نعم، لقوله: وَآيَاتِهِ. الاستهزاء بشرع من الشريعة ولو بشعيرة واحدة كُفْر؛ لأن الاستهزاء بالشعيرة الواحدة استهزاء بكل الشريعة، كما أن الكفر بالشعيرة الواحدة كفر بجميع الشريعة، قال الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١]، فمن آمن بالرسالة ولكن كفر بشعيرة واحدة منها فقد كفر كفرًا تامًّا بالجميع، من استهزأ بشيء من شرائع الرسل ولو بشيء ليس بواجب فقد كفر حتى بالشيء المندوب إذا استهزأ به فقد كفر؛ لأنه لا يمكن الإيمان ببعض دون بعض بل من كره ما أنزل الله فقد كفر، ويش الدليل؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩]، ولا تُحبط الأعمال إلا بالكفر؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢١٧]، فالمسألة مسألة عظيمة ليست بالهينة؛ ولهذا يجب على المرء الرضا بكل ما شرع الله، فيرضى مثلًا بوجوب الصلاة، وتحريم الخمر، وجوب الزكاة، وتحريم الربا، وعلى هذا فقِسْ؛ يعني كل شيء يجب أن ترضى به، وتقبله، ثم إن عملتَ به أُثِبْت، وإن لم تعمل به عُوقِبت إذا كان واجبًا أو استحققت العذاب إلا إذا كان هذا الواجب تركه كفر فإنك إذا تركته كفرت، فمثلًا يجب على الإنسان أن يؤمن بتحريم الربا، فإن أنكر تحريمه كَفَر، أو لم يقبل تحريمه كفر، إذا آمن بتحريمه وقبله ورضي بالتحريم ولكن فعل الربا يكفر ولَّا لا ؟ ما يكفر، يكون حكمه حكم العصاة. الطالب: (...). الشيخ: والله استدل بهذا العلماء، والظاهر أنهم استدلوا بهذا وبالواقع. الطالب: (...). الشيخ: إي، قبل التوراة؟ التوراة ما نزلت إلا بعد ما أنجى الله بني إسرائيل. طالب: حكم الاستهزاء بالصالحين (...)؟ الشيخ: الاستهزاء بالصالحين إما أن يكون بأشخاصهم أو بأعمالهم، إن كان بأعمالهم فهو استهزاء بالشريعة، وإن كان بأشخاصهم فليس بكفر لكنه على خطر إلا الرسول عليه الصلاة والسلام فإن من استهزأ ولو بشخصه فهو كافر. طالب: ما يدل على أن هذا النذير الذي..؟ الشيخ: صاح بهم. الطالب: قول  النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه عبد الله بن سلام وسأله عن أشياء، وأجابه وسأله عن الرسول الذي يأتي إليه فقال جبريل: ذاك عدو (...) الملائكة وأيضا لما (...) سبحانه وتعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ[البقرة: ٩٨] أن هؤلاء قالوا: هذا عدو للملائكة لما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يأتيه .

الشيخ: هذا لو فُرض أن بني إسرائيل عادوه؛ لأنه يأتي بالعذاب لهم ما يلزم أن هؤلاء مثله. الطالب: يعني هذا المستفاد من الآية وهو أنه هو الذي ينزل إليه بعذاب بني إسرائيل. الشيخ: أقول لا يلزم؛ لأن هؤلاء هل هم من بني إسرائيل؟ ما ندري؛ لأنا رجحنا أنهم ليسوا رسل عيسى، ليسوا رُسلًا من قِبل عيسى. الطالب: بني إسرائيل من متى؟ من بعد.. الشيخ: من بعد يعقوب؛ لأن إسرائيل هو يعقوب. جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ(إن) هنا قال الله تعالى: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ. من فوائد هذه الآية: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه قادر على إهلاك الخلق بصيحة واحدة فقط بدون أي فعل، صوت مزعج يُقطِّع القلوب؛ لقوله: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً. ومنها: بيان ذل كل شيء لعظمته بحيث لا يُكرِّر أو لا يُعيد ما أراده؛ لقوله: إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً، ولهذا أكدها بواحدة لبيان أنهم لم يحتاجوا إلى إعادة الصيحة مرة ثانية، وهكذا جميع ما أمر الله تعالى به كونًا فإنه لا يحتاج إلى إعادة؛ لقوله تعالى في سورة القمر: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الصيحة أهلكتهم جميعًا لم ينجُ منهم أحد؛ لقوله: فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس: ٢٩] وعلى هذا يترتب فائدة أخرى؛ وهي أن قبض ملك الموت لأرواح بني آدم أكبر مما نتصور، فإنه قد يقول قائل: كيف يقبض هذه الأرواح وهي تموت في آنٍ واحد؟ نقول: إن (كيف) في الأمور الغيبية لا ترد؛ لأن هذه أمور لا ندركها بحواسنا، فكل أمر غيبي لا تقل فيه: كيف؛ ولهذا لما قيل للإمام مالك: كيف استوى؟ قال: الكيف غير معقول، ما يمكن أن ندركه بالعقول حتى نسأل عنه. وقال عز وجل: يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِإلى آخره، في هذا دليل على عِظم حسرة المكذبين للرسل؛ لقوله: يَا حَسْرَةًفإن هذا التنكير يفيد التعظيم. ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين للرسل سيجدون أعمالهم حسرات عليهم؛ لقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون. ومن فوائدها: أنه ما من نبي بُعِث، أو ما من رسول أُرسل إلا وجد له من يستهزئ به، ومن يُؤمن به أيضًا؟ نعم، ومن يؤمن به، لكن منهم من لا يجد من يؤمن به لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث السبعين ألفًا: «وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» . فالاستهزاء حاصل لكل رسول، كل رسول يُرسَل فإنه يجد من يستهزئ به، ويجد من يؤمن به لكن ليس كل رسول يُرسل يجد من يؤمن به؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاستهزاء بالرسل كفر؛ لقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [يس: ٣٠]. وكذلك الاستهزاء بشرائع الرسل كفر، وكذلك الاستهزاء بالله عز وجل كفر، واختلف العلماء فيمن سبَّ الله أو رسوله، هل تُقبل توبته؟ على قولين: فمنهم من قال: إنها لا تُقبل توبته، بل يُقتل قتل المرتد، فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، وفي الآخرة أمره إلى الله إن كان الله تعالى علم منه صدق التوبة فإنه لا يُعذِّبه وإن كان الله علم منه كذبها فإنه يُعذَّب في الآخرة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.

والقول الثاني: صحة توبته، أي صحة توبة من استهزأ بالله ورسوله، وسب الله ورسوله، ولكن بالنسبة لمن استهزأ بالرسول صلى الله عليه وسلم يُقتل، وأما من سبَّ الله أو استهزأ به فإنه لا يُقتل، وهذا هو الصحيح؛ أن الإنسان إذا سب الله أو رسوله أو استهزأ بهما فإنه يكفُر، فإن تاب قُبِلت توبته، لكنه يُقتل إذا كان السب أو الاستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يُقتل إذا كان السب أو الاستهزاء لله، والفرق بينهما أن الاستهزاء بالرسول وسبه حق لآدمي، وأما الاستهزاء بالله وسبه فهو حق لله، وقد أخبرنا الله عز وجل أنه يقبل التوبة من جميع الذنوب، وإذا قَبِل الله توبته ارتفع عنه مقتضاها وهو القتل، أما بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام فإننا لا نعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام عفا عن حقه فوجب علينا أن نأخذ به.

تفسير الآيتين (٣١-٣٢)

٠٠:٢٧:٢١

ثم قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ. أَلَمْ يَرَوْاأي أهل مكة القائلون للنبي صلى الله عليه وسلم: لست مرسلًا، والاستفهام للتقرير؛ أي: علموا.

الطالب: (...). الشيخ: علموا، إي، اشطب على الهمزة. يقول الله عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا، الرؤية هنا فسرها المؤلف برؤية العلم، وذلك لأنهم لم يشاهدوا هذا بأعينهم، وإنما علموه بما بلغهم من الخبر. وقوله: أي أهل مكة، الصحيح أن هذا ليس خاصًّا بأهل مكة، بل هو عام لكل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأن المؤلف جعله خاصًّا بأهل مكة؛ لأن الآية مكية، ولكن يقال: حتى وإن كانت الآية مكية فإن المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام من أهل مكة وغيرهم، فأهل الطائف كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك غيرهم كثير؛ لأن الناس لم يدخلوا في دين الله أفواجًا إلا بعد فتح مكة. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَايقول: (كم) خبرية بمعنى كثيرًا، معمولة لما بعدها، مُعلِّقة لما قبلها عن العمل. يَرَوْابمعنى العلم الرؤية بمعنى العلم، وإذا كانت الرؤية بمعنى العلم فإنها تنصب مفعولين. (كم) خبرية علقتها عن العمل؛ يعني أنها أبطلت عملها لفظًا ومحلًّا؛ لأن التعليق يبطل العمل لفظًا فقط لا محلًّا، والإلغاء يبطله لفظًا ومحلًّا، والأفعال القلبية إما أن تعمل في اللفظ والمحل، وإما أن تعمل في المحل دون اللفظ، وإما ألا تعمل لا في اللفظ ولا في المحل، الثالث يسمى إلغاءً، والثاني يسمى تعليقًا، والأول يسمى إعمالًا، فـ(كم) هنا علقت يَرَوْاعن العمل في اللفظ ولَّا في المحل؟ في اللفظ، أما المحل فالجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي يَرَوْا. ثم هي لها إعراب أيضًا باعتبار ما بعدها، فباعتبار ما بعدها يقول: إنها مفعول لما بعدها، وعليه فتُقدر كما قال المؤلف: أي كثيرًا. وقوله: (والمعنى أنا أهلكنا قبلهم كثيرًا من القرون، الأمم). وقوله سبحانه وتعالى: قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ(من) هذه لبيان (كم)، تبين الإبهام الواقع في (كم). والْقُرُونِجمع (قرن)، وهم الأمة المشتركة في عصر من العصور، تسمى قرنًا، والعصر مئة سنة، وعلى هذا فالقرن يكون مئة سنة، ولكن قد يكون دون ذلك، قد تكون أمة تبقى أقل من القرن، يهلكها الله عز وجل قبل أن يتم لها هذا العدد من السنين، لكن الضابط أن نقول: القرن هم الأمة التي اشتركت في عصر. كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْأي المهلكين، إِلَيْهِمْأي المكذبين، لَا يَرْجِعُونَكيف؟ أَنَّهُمْأي المهلكين إِلَيْهِمْأي إلى المكذبين، عندكم مكيين؟ على كل حال المكيين هم -على كلام المؤلف- ما دام الخطاب لأهل مكة، أو الكلام عن أهل مكة فالمكذبون هم المكيون، والذي عندنا أعم، الذي عندنا (المكذبون) أعم، فهؤلاء الأمم التي أهلكت هل رجعت إلى الأمم التي بعدها؟ لا، بل هي ذهبت وزالت وكأنها لم تُوجد، ولم يبقَ إلا عملها فقط. قال: لَا يَرْجِعُونَأفلا يعتبرون بهم وأَنَّهُمْإلى آخره بدل مما قبله برعاية المعنى المذكور. الذي قبله قوله: كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْكأنه قال: (ألم يروا أنهم لا يرجعون، فهي بدل مما قبلها من حيث المعنى). وقوله: (من حيث المعنى) يعني لا من حيث الإعراب؛ لأنها جملة مستقلة وليست تابعة لها في الإعراب، ولكنها تابعة لها في المعنى، الخلاصة أن الله بيَّن في هذه الآية بيانًا يُقرِّر به هؤلاء المكذبين بأنه أهلك كثيرًا من الأمم السابقة، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون إلى هؤلاء المكذبين؛ لأنهم انتهوا من الدنيا ولم يبقَ لهم رجوع إليها حتى يستعتبوا فالواجب على هؤلاء المكذبين أن يعتبروا بهم. ثم قال: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَقال: (إِنْنافية أو مخففة). قوله: (نافية)، واضح بمعنى (ما)، مخففة بمعنى (إن)، لكنها خُفِّفت، و(أو) هنا ليست للتخيير، بل هي للتنويع؛ لأنها على حسب القراءة الآتية لما. كُلٌّ، أي كل الخلائق مبتدأ على التقديرين؛ يعني على أنها نافية وعلى أنها مخففة؛ لأن المخففة كما نعلم تعمل في الجملة واسمها ضمير الشأن محذوف، فـكُلٌّمبتدأ على كلا الوجهين، أي على أن إِنْنافية أو مخففة لَمَّابالتشديد بمعنى (إلا) أو بالتخفيف فاللام فارقة و(ما) مزيدة. لَمَّابالتشديد بمعنى (إلا)، وعلى هذا تكون (إن) نافية، والتقدير وما كل إلا جميع لدينا محضرون (...). النِّعم عونًا له على المعصية، فصار يستعين بنعم الله على معصيته، لم يكن شاكرًا؛ لأنه صرفها (...). (لَمَّابالتشديد بمعنى إلا)، وعلى هذا تكون (إن) نافية، والتقدير: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، يقول: (وبالتخفيف)، و(إن كل لَمَا جميع)، فاللام فارقة بين (إن) النافية، و(إن) المخففة، و(ما) مزيدة، والتقدير على هذا: وإن كل لجميع لدينا محضرون، لجميع؛ لأن (ما) زائدة، فإذا أردنا أن نعرب هذه الآية نقول: (إنْ) نافية على قراءة التشديد، ولَمَّا بمعنى (إلا)، الإعراب الثاني: (إن مخففة) على قراءة التخفيف، واللام فارقة وهي للتوكيد كما هو معروف، و(ما) زائدة، والتقدير على هذا: وإن كل لجميع لدينا محضرون. إذن تكون (أو) في كلام المؤلف، تكون (أو) في قوله: (نافية أو مخففة) للتخيير ولَّا للتنويع؟ طلبة: للتنويع. الشيخ: للتنويع، تكون للتنويع، فهي على قراءة التشديد نافية، وعلى قراءة التخفيف مُخفَّفة. قال: (جَمِيعٌخبر المبتدأ؛ أي: مجموعون)، خبر المبتدأ، أين المبتدأ؟ (كُلٌّ جميع). فإن قال قائل: كيف يكون خبرًا لـ(كل)، وكل تدل على الشمول؟ فالجواب: أن (كلًّا) تدل على الشمول، لكن لا يلزم من دلالتها على الشمول الاجتماع، فتقول: أكرم كُلَّ القوم، وقد يكون القوم متشتتين كل واحد في جانب، لكن (جميع) تدل على الاجتماع، ففيها زيادة على الشمول وهي جمع الناس، فكل الناس يحضرون إلى الله عز وجل، ولكن هل حضورهم متفرِّق أو مجتمع؟ الجواب: حضورهم مُجتمِع، دليله؟ الآية جَمِيعٌ. إذن فلا يقول قائل الآن: إن المبتدأ هو نفس الخبر؛ لأن كلمة (كل) تدل على الشمول و(جميع) يدل على الشمول؟ نقول: لا؛ لأن الفرق بينهما أن (كل) تدل على الشمول وإن كانوا متفرقين، وجَمِيعٌتدل على الشمول مع الاجتماع؛ أي مجموع.

(لَدَيْنَاعندنا في الموقف بعد بعثهم. مُحْضَرُونَللحساب، خبر ثانٍ) ليش؟ (كل) فصار (كل) الآن لها خبران جَمِيعٌوالثانية مُحْضَرُونَ. أظن المعنى واضح، يقول الله عز وجل في هذه الآية: ما كل أحد من هؤلاء إلا محضر لدينا يوم القيامة والناس جميع. في هذه الآية الكريمة والتي قبلها: أولًا: تقرير المكذبين بما يقرون به من إهلاك من سبقهم؛ لقوله: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ. ثانيًا: أو من فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان أن ينظر ويعتبر بحيث إذا نظر في عواقب الناس اتخذ من ذلك عِبرة؛ لأن الاستفهام هنا مع كونه للتقرير مفيد للتوبيخ؛ لأن الواجب على من نَظَر في عاقبة المكذبين أن يرتدع عن الكذب. من فوائد الآية أيضًا: أنه لا بَعْث ولا رجوع قبل يوم القيامة؛ لقوله: أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَفلا أحد يُبعث قبل يوم القيامة، اللهم إلا على سبيل الآية، كما ثبت في القرآن أن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يحيي الموتى بإذن الله، وكما في قصة الرجل الذي أماته الله مئة عام، ثم بعثه، وكما في قصة بني إسرائيل الذين أخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله بعد موتهم، وكما في قصة الرجل الشاب الذي يقتله الدجال، ثم يكلمه، يخاطبه فيقوم حيًّا، وإلا فإن الأصل أن من مات لا يرجع أبدًا؛ لقوله: أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ. ومن فوائد الآية الثانية: إثبات البعث؛ لقوله: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ. ومن فوائدها: كمال قدرة الله عز وجل، حيث يجمع هذه الخلائق جميعًا في مكان واحد؛ لقوله: لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الاستعداد لهذا اليوم؛ لأن الله تعالى لم يُخبرنا به لمجرد الاطلاع، ولكنه أخبرنا به من أجل أن نستعد له حتى نكون على أهبة لما سنُحاسَب عليه.

تفسير الآيات (٣٣-٣٦)

٠٠:٤١:٥٣

(ثم قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُعلى البعث، خبر مقدم. الأَرْضُ الْمَيْتَةُبالتخفيف والتشديد أَحْيَيْنَاهَابالماء مبتدأ). آيَةٌ لَهُمُالآية في اللغة العلامة، والدليل القاطع على الشيء. وقول المؤلف: (خبر مقدم) أين المبتدأ إذن؟ المبتدأ (الأرض) هذا المبتدأ الأَرْضُ. وقوله: الْمَيْتَةُيقول: (بالتخفيف والتشديد) يعني أن فيها قراءتين {الْمَيِّتَة} والْمَيْتَةُ، وهذا دليل على أن (الْمَيْتَة) كما يُطلق على الميِّت، الذي قد فارقت روحه جسده يُطلق أيضًا على الذي سيموت خلافًا لمن قال: إن الميِّت لمن سيموت، والْمَيْت لمن مات بالفعل، فإن الأرض الْمَيْتَة قد ماتت، ومع ذلك فيه هنا قراءتان: {الْمَيِّتَةُ} والْمَيْتَةُ. الْأَرْضُمبتدأ. الْمَيْتَةُصفة أَحْيَيْنَاهَاصفة أيضًا؛ ولهذا قال المؤلف: (مبتدأ)، جعله بعد قوله: أَحْيَيْنَاهَاليبين أن الميتة وأَحْيَيْنَاهَاكلاهما صفة للأرض، ولكن الصحيح أن أَحْيَيْنَاهَاجملة استئنافية لبيان وجه الآية في هذه الأرض؛ لأن محط الفائدة هو ليس موت الأرض ولكن أن الله تعالى أحياها بعد موتها. أما على رأي المؤلف، فإذا جعل أَحْيَيْنَاهَاصفة فإنه يشكل علينا أن هذا مخالف للقاعدة المعروفة: أن الجمل بعد المعارف أحوال. والجواب على ذلك أن يقال: إن الأرض هنا المراد بها الجنس فهي بمعنى النكرة، ونظيرها قول الشاعر:

وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي

قال: (عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي)، التقدير: على لئيم يسبني، (فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي)، ومنه أيضًا على قول بعض المعربين: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة: ٥] على أن جملة يَحْمِلُصفة لـ(حمار)؛ لأن المراد به الجنس، فهو بمعنى كمثل حمار يحمل أسفارًا، أما على القول الذي اخترناه فنقول: إن جملة أَحْيَيْنَاهَااستئنافية؛ لبيان وجه الآية في هذه الأرض. وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَاووجه كونها آية أن هذه الأرض الميتة أشجارها يابسة وليس فيها ثمر فينزل الله عليها المطر فتحيا بعد الموت، فالذي أحياها وقدر على إحيائها قادر على إحياء الموتى كما قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]. وعليه فنقول: وجه الآية أن تقيس الشاهد بالغائب، والشاهد المنظور هو هذه الأرض ميتة أشجارها يابسة ينزل عليها المطر فتخضر، فالذي أحياها قادر. (...) (قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُبالتخفيف والتشديد أَحْيَيْنَاهَابالماء مبتدأ) أسلوب المؤلف هنا أو كلامه فيه نظر ظاهر؛ لأن الذي يقرأ مبتدأ بعد قوله: أَحْيَيْنَاهَايظن أن المبتدأ هي كلمة أَحْيَيْنَاهَا، والمبتدأ هي كلمة الْأَرْضُ، لكن أخر هذا ليُبيِّن لك أن أَحْيَيْنَاهَاتابع لـ(الأرض)، فكأنه يقول: مبتدأ؛ لأنه تابع للمبتدأ فأخَّر إعراب المتبوع عن إعراب التابع، ولكن الصواب في العبارة والأوضح والأبلغ أن يقول: الْأَرْضُمبتدأ، والميتة وأَحْيَيْنَاهَاصفة. قال: (وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّامعطوف على أَحْيَيْنَاهَا)، يعني الأرض الميتة أحييناها بالزرع، فقام الزرع أخضر يهتز، لكن مجرد كونه زرعًا لا يفيد الآدمي، وإنما يفيد البهائم ويفيد الآدمي عند الضرورة لكن الفائدة العظمى منه وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّامِنْهَامنين؟ من الأرض، أخرجنا منها حبًّا كالحنطة فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: ٣٣]، منه أي: من هذا الحب يأكلون.

وفائدة قوله: فَمِنْهُ يَأْكُلُونَدليل على سهولة تناول هذا الحب وعِظَم فائدته، وأنه حب نافع سهل التناول؛ لأنه لو كان صعبًا لكانوا لا يستطيعون الأكل منه إلا بمشقة عظيمة؛ ولهذا قال: فَمِنْهُ يَأْكُلُونَتقدم المعمول لإفادة الحصر، لكنه الحصر الإضافي لسهولته كأنه لا أكل لهم إلا من هذا السهل المتيسر. (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍبساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [يس: ٣٤]) هذا غير الحب؛ لأن الخارج من الأرض يكون حبًّا ويكون ثمرًا، الحب من الزروع والثمر من الأشجار. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍجَعَلْنَابمعنى (صيرنا)، فهو ناصب لمفعولين، المفعول الثاني فيها والمفعول الأول جَنَّاتٍوجَنَّاتٍجمع (جَنَّة)، وهي البستان الكثير الأشجار، سمي بذلك؛ لأنه يَجُنُّ من دخله وكان فيه لاستتاره به. وأصل هذه المادة (الجيم والنون) كلها تدور على هذا المعنى؛ أي على الاستتار والخفاء، ومنه سمي الْجَنان القلب؛ لاستتاره، ومنه سُمِّيَ الجن لاستتارهم وخفائهم، ومنه سُمِّي الْجُنَّة الوقاية؛ لأن الإنسان يستتر بها، فكل مادة هذه تدل على خفاء واستتار، فالبستان الكثير الأشجار المتشابكة، إذا كان فيه أحد لا يُرَى؛ لأن هذه الأشجار تستره. وقوله: جَنَّاتٍ مِنْأي: بساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ، النخيل والأعناب معروفة، ونص الله عليها؛ لأنها طعام لا يحتاج إلى مؤونة، طعام، قُوت لا يحتاج إلى مؤونة؛ ولهذا يُقتات رطبًا ويابسًا فيُقتات رطبًا كالرطب في التمر، والعنب في العنب، ويابسًا كالتمر الذي يؤول إليه الرطب، وكالزبيب الذي يؤول إليه العنب، فجمع الله بينهما؛ لأنهما قوت حلو لا يحتاج إلى مؤونة طبخ، ويُنتفع به رطبًا ويابسًا مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [يس: ٣٤]. (فَجَّرْنَا فِيهَاأي: في الأرض، مِنَ الْعُيُونِأي: بعضها). ويجوز أن تكون (مِن) لبيان الجنس، ويكون هذا عامًّا وهو الأقرب؛ يعني فجَّرنا فيها من العيون عيونًا كثيرة وأصنافًا متنوعة، فمنها العيون الجارية الغزيرة، ومنها العيون الراكدة التي لا تجري لكنها تنبع على وجه الأرض، ومنها العيون التي تكون بواسطة كالأنابيب المعروفة الآن تركز في الأرض فيخرج الماء، ومنها العيون التي تكون بلا واسطة كالتي تتفجر من رؤوس الجبال وغير ذلك، كل هذا دليل على قدرة الله عز وجل وعلى رحمته بعباده. يقول: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: ٣٥] قال: (بفتحتين وبضمتين) لِيَأْكُلُواالضمير يعود على الناس. مِنْ ثَمَرِهِو{ثُمُرِهِ} أي ثمر المذكور من النخيل وغيره. قوله: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِاللام هذه للتعليل كما هو واضح، والفعل بعدها منصوب إما بها على مذهب الكوفيين، وإما بـ(أن) مضمرة على مذهب البصريين. وقوله: مِنْ ثَمَرِهِهنا مفرد، ولم يقل: من ثمرهما؛ لأن الله ذكر نخيل وأعناب، فهما صنفان، ولم يقل: من ثمرهما، بل قال: مِنْ ثَمَرِهِ؛ أي ثمر المذكور، فالضمير هنا يعود على المذكور من النخيل والأعناب. قال المؤلف: قال: (من النخيل وغيره) وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ(أي: لم تعمل الثمر) أَفَلَا يَشْكُرُونَ (أنعمه تعالى عليهم). قوله: وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْفي (ما) قولان للمفسرين؛ القول الأول: أنها نافية، وهو الذي مشى عليه المؤلف؛ يعني أن هذا الثمر الخارج من النخيل والأعناب لم تعمله أيدي الناس (...). من الذي عملته أيديهم؛ لأن الناس قد يعملون شيئًا يصلحونه، مثل عصير العنب، وكذلك دبس التمر، وكذلك الخبز الذي يخبزونه من الزروع وغير ذلك مما يصنعه الناس بأيديهم، ويتفكهون به، فهناك مثلًا أنواع الحلوى تُصنع باليد، وتُعمل باليد، فيكون الله تعالى امتن على العباد بأمرين؛ امتن عليهم بما يخرجه هو عز وجل من هذه الثمار والزروع، وامتن عليهم بما علمهم إياهم مما يعملونه بأيديهم، والمأكولات التي نأكلها نوعان؛ نوع لا نحدث فيه شيئًا، نأكله -كما يقولون- طازجًا، ونوع آخر نعمل فيه، ونركِّبه مثلًا من عدة ثمرات، وما أشبهها، فيكون الله عز وجل امتنَّ على العباد بالأمرين جميعًا، أيهما أولى المعنيين؟ نقول: إن الثاني أعم، فيكون أولى، على أننا ذكرنا قاعدة سابقة بأن الآية إذا كانت صالحة للاحتمالين فلا مانع من أن تُحمَل عليهما، فنقول: إن الله أراد هذا وهذا، أراد أن أيدينا لم تعمل هذه الثمرات التي تخرج من النخيل والأعناب، ولا هذه الحبوب التي تخرج من الزروع، وأراد أيضًا ما نعمله نحن بأيدينا على حسب ما نريد، فكل هذا نعمة. وقوله: أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس: ٣٥] الاستفهام هنا للتوبيخ، والجملة معطوفة على مُقَدَّر يُعلم من السياق؛ يعني أغفلوا عن ذلك فلا يشكرون؟ أو: أكفروا به فلا يشكرون؟ لأن انتفاء الشكر يكون إما بالغفلة، أو بالكفر المتعمَّد، فكثير من الناس -بالنسبة للنعم- إما غافل، ويرى هذا أمرًا معتادًا، وكأنها شيء جارٍ على العادة بدون أن يكون لله فيه مِنَّة، وهذا يحصل من المؤمن الذي لم يُصَب بضد تلك النِّعم؛ لأن الإنسان لا يعرف قدر النعمة إلا حيث يُصاب بضدها، فلا يعرف قدْر الشِّبَع إلا من جاع، ولا قدر الرِّي إلا من قد ظمئ، ولا قدر العافية إلا من مرض، ولا قدر الأُنْس إلا من فقد الأنيس، وهكذا، هذه غفلة. وإما أن تكون كفرًا كما قال تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ [النحل: ٨٣] كُفرًا بالنعمة وبطرًا، يقول: إنما أوتيته على علم عندي وما أشبه ذلك. وقوله: أَفَلَا يَشْكُرُونَالشكر سبق لنا عدة مرات أنه القيام بطاعة الْمُنْعِم، هذا الشكر، وصرف نعمه فيما جعلها الله له، فمن صَرَفَ نعم الله لغير ما جعلها الله له فليس بشاكر، لو جعل النِّعَم عونًا له على المعصية، فصار يستعين بنعم الله على معصيته لم يكن شاكرًا؛ لأنه صرفها في غير ما جُعِلَت له، إنما أنعم الله علينا هذه النِّعم لنقوم بعبادته، ونتقوى عليها، وسبق لنا أيضًا عدة مرات أن بين الحمد والشكر عمومًا وخصوصًا من وجه، فالحمد أعم من حيث السبب، وأخص من حيث المتعلَّق، والشكر أخص من حيث السبب وأعم من حيث المتعلَّق. ثم قال عز وجل: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَالأصناف كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُمن الحبوب وغيرها وَمِنْ أَنْفُسِهِمْمن الذكور والإناث وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَمن المخلوقات العجيبة الغريبة). الله أكبر سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَسُبْحَانَهذه تأتي دائمًا منصوبة على أنها مفعول مطلق حُذِف منها العامل وجوبًا، وأصلها تسبيحًا لله، وتسبيحًا مصدر سبح، فالعامل محذوف وهو (سَبَّحَ)، والمصدر مُحوَّل إلى اسم مصدر، وهو التسبيح، حُوِّلَ إلى سبحان، والتسبيح هو تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به، مأخوذ من (سَبَحَ) أي: أبعد في الماء، فمعنى التسبيح في (سبحان الله) تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به، والذي لا يليق بالله عز وجل أمران؛ أحدهما: النقص في صفاته، والثاني: مماثلة المخلوقين فيها على أنه يُمكن أن نرد الثاني إلى الأول، ونقول: إن مماثلة المخلوقين نقص؛ لأن مماثلة الكامل للناقص تجعله (...). ممكن أن نقول هكذا، فقوله: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَأي: تنزيهًا لهذا الذي خلق الأزواج كلها. وقوله: الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦] هذه الآية كقوله: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩]، كل المخلوقات لا تقوم إلا بتركيب من مادتين فأكثر، ليس فيها شيء يقوم من شيء واحد أبدًا، كل شيء سواء مما تنبت الأرض أو من الآدميين، أو من البهائم، أو مما لا نعلم، وهذه عامة من أعم ما يكون فإنه مُكوَّن من شيئين. وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩] تنزيهًا لله عز وجل عن ما لا يليق به؛ ولهذا جاءت الآية هنا: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦]، فالمخلوق لا بد فيه من تعدد، والخالق مُنَزَّه عن التعدد، وهذا هو الحكمة -والله أعلم- في أنه قال: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦]، ولم يقل: الحمد لله الذي خلق الأزواج بل قال: سبحان؛ لأن كون كل شيء يحتاج إلى ازدواجية يدل على كمال الواحد المتفرد الذي لا يماثله شيء من مخلوقاته، فبنو آدم لا بد من ازدواجية ذكر وأنثى، حتى المعاني التي فيه والأوصاف التي فيه تجد أنها مزدوجة، فيه غضب ورضا، وكراهة ومحبة، وقوة وضعف، إلى غير ذلك لكن الخالق عز وجل واحد منفرد، لا يماثله شيء في ذاته ولا في صفاته (...). العلاقة البُعد يعني أنه بعيد عن النقص، أيش؟ طالب: (...). الشيخ: الحمد أعم من الشكر من حيث السبب، وأخص منه من حيث المتعلَّق، والشكر أعم من حيث المتعلَّق وأخص من حيث السبب. طالب: (...). الشيخ: الله يُحمَد على نعمه وعلى كماله، فيُحمَد على شيئين؛ هذا سبب الحمد، والحمد إنما يكون في اللسان فقط بالثناء، الشكر إنما يكون على النعم فقط والإحسان ما تقول: أشكر الله على كمال صفاته، لا، على نعمه؛ فسببه أخص، لكنه يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فهو أعم من حيث المتعلَّق. من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل على إحياء الأرض بعد موتها؛ لقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا [يس: ٣٣]. ومنها: الاستدلال بالشاهد على الغائب فإن إحياء الأرض بعد الموت مُشاهَد. ويستدل بها على إحياء الله الموتى عند بعثهم يوم القيامة، وقد أشار الله تعالى إلى هذا الدليل بقوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]، وقال تعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق: ٩ - ١١] والآيات في هذا كثيرة. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصْف الجماد بالموت، وأنه ليس خاصًّا بذي الروح المتحرك؛ لقوله: الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَافوصفها بالموت ووصفها بالحياة. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى من قوله: أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا [يس: ٣٣]. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان نعمة الله عز وجل بما أخرج للناس من الأرض، من الحبوب والثمار، الحبوب قوله: وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا [يس: ٣٣]، والثمار قوله: وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ [يس: ٣٤، ٣٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حاجة العبد إلى ربه؛ لقوله: فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وكأن هذا الحصر كأن فيه إشارة إلى تحدي الإنسان؛ لأنك لا يمكن أن تأكل إلا من هذا الذي أخرجه الله لك، وهذا من فوائد الحصر كأنه يقول: إن كنتَ قادرًا فأخرج لنفسك ما تأكله، إنك لن تأكل إلا مما أخرجناه لك. بيان عظمة الله حيث قال: أَخْرَجْنَاوفَجَّرْنَابضمير العظمة. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما أنعم الله به على العباد من هذه الأشجار العظيمة الكثيرة المظلة؛ لقوله: وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [يس: ٣٤، ٣٥]، فما أعظم نِعَم الله على العبد بهذه النخيل والأعناب. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل النخيل والأعناب؛ لأنها ثمر يُؤكل بلا تعب، وثمر يُقتات رطبًا ويابسًا. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل بتفجير الأرض عيونًا. هذه الأرض اليابسة يابسة جامدة، يخرج منها هذا الرطب السائل، وهو الماء، قال الله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ [البقرة: ٧٤]، وهذا من عظيم قُدْرة الله، كان موسى عليه الصلاة والسلام يضرب الحجر اليابس؛ إما حجرًا معينًا كما قيل: يحمله معه، وإما أي حجر كان، يضربه فيتفجر اثنتي عشرة عينًا على قدْر قبائل بني إسرائيل، وهذا من تمام قُدْرَة الله سبحانه وتعالى. ومنها: بيان احتياج النخيل والأعناب إلى الماء، وأن ثمره يكثُر بحسب الماء؛ لأنه قال: وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ [يس: ٣٤، ٣٥]، فدل هذا على أن الماء له أثر في الثمار؛ في كثرة الثمار وطيبها، وهذا هو الواقع. ومنها: الرد على الجبرية بإثبات العلة والحكمة في قوله: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ. والنصوص الدالة على إثبات حكمة الله عز وجل كثيرة جدًّا، منها ما صرح الله تعالى به مثل قوله تعالى: حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٥]. ومنها: ما صرح الله به على وجه السلب والنفي: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [الدخان: ٣٨] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار [ص: ٢٧]، ولا أدل على الصفة من إثباتها ونفي ضدها، فإن إثباتها يدل على ثبوتها، ونفي ضدها يدل على كمالها، وأنها غير مشوبة بهذا النقص الذي يحصل بفقدها أو بفقد كمالها، ولا شك أننا إذا نفينا الحِكمة عن فِعْل الله عز وجل أو عن شرع الله لزم من ذلك النقص العظيم، وأن يكون الله عز وجل يفعل الشيء سفهًا وعبثًا. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما أنعم الله به على العباد من هذا الثمر الذي يؤكل، أرأيتم لو أن هذا الثمر صار مُرًّا هل ينتفع به؟ لا؛ ولهذا قال الله تعالى في الماء: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]، فلم تستطيعوا شربه، هذا الثمر جعله الله تعالى شهيًّا للنفوس، تأكل منه، وتتغذى به الأبدان؛ ولهذا قال: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِلو شاء الله عز وجل لجعل هذا الثمر فاسدًا، قد يكون حلوًا لذيذًا شهيًّا لكن يجعل الله فيه آفة تفسده، أليس كذلك؟ موجود بكثرة ولكن من نعمة الله أنه يبقى ويؤكل من ثمره. ومن فوائد الآية الكريمة: أننا لا نملك لأنفسنا أن نُوجِد هذا الثمر، وأن ذلك مجرد فضل من الله؛ لقوله: وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: ٣٥]، فإن هذا ليس من صُنعنا، لو اجتمع الناس كلهم على أن يخرجوا رُطبة واحدة، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا أو حبة عنب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ومع هذا يخلق الله عز وجل هذه العناقيد التي لا تُحصى كثرة، وهذه الأعذاق في النخل التي لا تُحصى كثرة، ونحن لم نعمل ذلك بأيدينا غاية ما هنالك أننا نوجه هذه الثمار حسب ما علمنا الله عز وجل، فنأخذ مثلًا من طلع الفحل، ما نجعله في طلع النخلة حتى يطيب الثمر، أما أننا نحن الذين خلقناه وأوجدناه فلا، هذا على جعل ما نافية. وفائدة أخرى، وهي: بيان نعمة الله عز وجل بما علمنا مما نصنعه من هذه الثمار على وجه يخالف ما خُلِقَت عليه حتى يتكون من هذا طِيب على طِيب؛ لقوله: وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ [يس: ٣٥]، فإن الله تعالى علمنا كيف نصنع هذه الثمار على وجه نتلذذ بها وننتفع بها أكثر مما هي عليه في الخِلقة، هذا على جعل (ما) موصولة. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب شُكْر نعمة الله عز وجل؛ لأن الله وبَّخَ من لا يشكر، والشكر مع كونه طاعة لله يُثاب الإنسان عليه، ويعرف به قدْر نعمة الله عليه فهو سبب للمزيد من هذه النِّعم؛ لقوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: ٧]. فإن قال قائل: نحن نرى كثيرًا من الناس قد أغدق الله عليهم النعم مع كفرهم بها، فبماذا نجيب عن هذه الآية؟ الجواب على هذا أن نقول: إن الله تعالى قد عاقبهم عقوبة عظيمة؛ لأن العقوبة لا تنحصر في فقدان النعمة، بل العقوبة تكون بفقدان النعمة، وتكون بقسوة القلب ومرض القلب، وإن كان أكثر الناس يظنون أن العقوبات إنما هي بزوال النِّعم، والواقع أن عقوبات القلوب بالمرض، والقسوة، والإعراض عن الله، وعن ذكره، هذه أكبر عقوبة، ثم هؤلاء المنعَّمون بأبدانهم، لا تظنون أنهم مُنعَّمون بقلوبهم أبدًا، ففي قلوبهم من الضيق والحرج، وعدم الصبر على القضاء والقدَر ما يجعلهم دائمًا في نار، ولا تجد أطيب حياةً من حياة المؤمن، وإن كان أفقر الناس مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]. هذا جواب، ما هو الجواب الآن؟ أن نقول: إن هؤلاء قد عُوقِبوا عقوبة أعظم من إتلاف الأموال والثمار وغيرها، وهو قسوة القلْب ومرضه وإعراضه فإن هذا يُوجِب للإنسان ضيق الصدر والتعب من الحياة؛ لأنه لا يرضى بالله ربًّا ولا بشرعه دينًا. ثانيًا: أن نقول: هذه النعم عُجِّلت لهم عقوبةً لهم واستدراجًا؛ ولهذا لما جاء عمر رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو على سرير من الليف -يعني مخيط بالليف- وإذا هو قد أثَّر في جنبه، بكى وقال له: «مَا يُبْكِيكَ». قال: يا رسول، فارس والروم يُنعَّمون بما نُعِّموا به من الدنيا وأنت على هذه الحال؟! فقال: «يَا عُمَرُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا» . إذن نقول: هؤلاء يُعاقَبون بهذه النعم التي تدر عليهم؛ لأنه استدراج؛ ولأنهم إذا ماتوا وصاروا في العذاب؛ صار هذا أشد عليهم؛ لأنهم فارقوا دنيا تعلقت بها قلوبهم، ونُعِّموا بها، ثم أعقبها هذا العذاب والعياذ بالله، فصاروا أشد حسرة. ويذكر عن ابن حجر العسقلاني رحمه الله وهو قاضي القضاة في مصر أنه مر ذات يوم بيهودي زيَّات يبيع الزيت، تعبان من الزيت، وثيابه وسخة، وهو يهودي، وقاضي القضاة؛ قضاة مصر، يمشي على عربة تجره الخيول، والناس حوله يمينًا وشمالًا، فهذا اليهودي أوقف الموكب، وقال له: يا قاضي القضاة، كيف تكون أنت في هذه الحال وأنا في هذه الحال ورسولكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» . ويش لون هذا؟ أيهما اللي في جنة الآن؟ قاضي القضاة، وهذا في بلاء وتعب، قال له: نعم، ما أنا فيه من النعيم، في الدنيا هو سجن بالنسبة لنعيمي في الآخرة، أو لنعيم المؤمن في الآخرة، وما أنت فيه من التعب والبلاء هو بالنسبة لعذاب الآخرة جنة، أنت الآن في جنة؛ لأنك بتنتقل إلى عذاب، عذاب ما تتصوره، فلما قال ذلك قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ فأسلم. فالمهم أن نقول: إن هؤلاء الْمنعَّمِين نعيمهم في الحقيقة شقاء وعذاب، وإن نُعِّمت أجسامهم لكن أكثر الناس في غفلة عن هذا، ومع الأسف أن هذا الداء دَبَّ إلى المسلمين فصار أكثر المسلمين اليوم لا ينشدون إلا هذا النعيم فقط، أعني نعيم الدنيا، وفي غفلة عن نعيم الآخرة؛ ولهذا تجدهم يتحدثون دائمًا عن الترف واللهو وما أشبه ذلك كأنهم ما خُلقوا إلا لهذا، وهذا من أكبر ما يصد الإنسان عن دينه؛ أن يكون قلبه معلقًا بالدنيا، ولا ينظر إلا إلى التنعم بها. ونحن لا نُنكر أن ينال الإنسان من الدنيا ما يستفيد به في الآخرة، بل إن الدنيا إذا جُعِلت وسيلة للآخرة صارت من الآخرة في الحقيقة، لكننا ننكر أن تكون الدنيا أكبر هم الإنسان كأنما خُلِقَ لها فقط، وهذا من نقص دينه ونقص عقله أيضًا، كيف تجعل نفسك وحياتك الثمينة، كيف تجعلها مهتمة غاية الاهتمام بأمر ليس بمضمون، وليس بِمخلَّد؟ قال الله تعالى مُنكرًا على قوم هود عليه الصلاة والسلام: وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء: ١٢٩]، أنت لست بخالد، كيف تجعل هذا الممر الذي أنت تعيش فيه تجعله أكبر همك مع أنك لا تدري متى تفارقه؟! كل من هؤلاء المترفين لا يدري متى يموت، أليس كذلك؟ لكن يدري أنه سيبقى في الآخرة، إن كان مؤمنًا بها ومع هذا يعمل للدنيا التي لم يُخلق لها ويدع الآخرة التي قد خلق لها (...). سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَاإلى آخره، في الآية الكريمة: تنزيه الله تعالى نفسه عن كل نقص وعيب؛ لقوله: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦]، وفيه (...) التنبيه على وحدانيته عز وجل ومخالفته للمخلوقات؛ لقوله: الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦]، فلم يقل: سبحان الله، بل قال: الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ [يس: ٣٦]، والجمع بين ما يثبت للعباد وما يُنَزَّه الله عنه قد ورد في غير موضع من القرآن، منها قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، فلما ذكر حال الخلائق ذكر حال الخالق؛ لأنه عز وجل يبقى مع فناء غيره، كذلك هنا المخلوق كله مزدوج لا بد فيه من زوجين وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩] أما الرب عز وجل فإنه واحد؛ ولهذا قال: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس: ٣٦]. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ما من شيء مخلوق إلا (...)؛ لقوله: وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦]، وهذا لفظ من أعم ما يكون من الكلمات. وقوله: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ [يس: ٣٦] فيه أيضًا فوائد؛ من فوائد الآية أيضًا: أن بني آدم على أصناف متنوعة كما كان ذلك فيما تُنبته الأرض، بل وفي الأرض نفسها، قال الله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ [الرعد: ٤]، فإثبات التجاور لها يقتضي أن كل واحد منها يخالف الآخر؛ لأن الجار غير جاره، وكذلك هنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُيدل على أن في الأرض أصنافًا منوعة من النباتات، كذلك مِنْ أَنْفُسِهِمْفيما خلق الله عز وجل فيها أصناف ذكر وأنثى؛ أسود وأبيض، طويل وقصير، شقي وسعيد، ذكي وبليد، عاقل وسفيه، هكذا؛ ليعتبر الإنسان قدرة الله عز وجل على خلق هذه الأشياء المتضادة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهل للإنسان، وأنه لا يحيط بكل شيء؛ لقوله: وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [يس: ٣٦]، وهذه إذا أضفتها إلى قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، فبين لك مدى جهل الإنسان بالأمور.

تفسير الآيات (٣٧-٤٠)

٠١:٢٥:١٤

ثم قال الله عز وجل: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ [يس: ٣٧] نقول في إعرابها ما قلنا في آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُفيكون اللَّيْلُمبتدأ، وآيَةٌخبر مقدم، ونقول في نفس اللفظ كما قلنا في قوله: أَحْيَيْنَاهَاأي: أنه يجوز أن تكون صفة لـ(الليل) على حد قول الشاعر:

وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

............................

ويجوز أن تكون الجملة استئنافية؛ لبيان هذه الآية، كيف كان آية؟ كيف كان الليل آية؟ قال: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس: ٣٧] نسلخ يقول المؤلف: (نفصل) وسمى الله.. سلخًا؛ لأنه يشبه سلخ الجلد من البهيمة نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ؛ لأن النهار أمر وجودي يوجد بوجود الشمس، فهو وارد على الليل، فإذا غابت الشمس تبعها هذا الضوء كالجلد الذي يُسلخ من البهيمة أنت عندما تسلخ الجلد من البهيمة تجده يتراجع شيئًا فشيئًا، هكذا النهار ضوء النهار مثل الليل يسلخ الله تعالى النهار من الليل كما يُسلخ الجلد من البهيمة قال: فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس: ٣٧]؛ أي: داخلون في الظلام، (إذا) فجائية تدل على أنه بمجرد هذا الانسلاخ يُظلِم الجو، وكما نشاهد أن الانسلاخ يأتي شيئًا فشيئًا، لكن إذا تكامل الانسلاخ وُجِدَت الظلمة كاملة، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنه لو ورد الظلام الدامس على الضوء الساطع لأضر هذا بالأبصار وبالأشجار وبكثير من الأشياء، لكن كونه يأتي شيئًا فشيئًا يتنزل الأمر من أعلى ما يكون من الإضاءة إلى الظلمة شيئًا فشيئًا، ثم قال تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس: ٣٨]، (الواو) حرف عطف، والشَّمْسُمعطوفة على الليل؛ يعني وآية لهم الشمس أيضًا.. تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والشمس مبتدأ، يجوز هذا وهذا، لكن المعنى الأول أقوى.

قال: وَالشَّمْسُ تَجْرِيإلى آخره من جملة الآية لهم، أو آية أخرى والقمر كذلك؛ يعني سواء قلنا: الجملة استئنافية، وأن هذه آية أخرى جديدة، أو قلنا: إن الواو حرف عطف فإنه لا شك أن الشمس على الوصف الذي ذكر الله لا شك أنها آية من آيات الله، فالشمس آية من آيات الله في ذاتها، هذا الجرم الكبير العظيم الذي تصل حرارته إلى الأرض مع بُعد المسافة بينها وبين الأرض، لا شك أن هذه من آيات الله. من يستطيع أن يُوجِد مثل هذه الكتلة النارية الملتهبة المضيئة التي يصل ضوؤها شعاعها وحرارتها إلى الأرض مع هذه المسافة العظيمة؟ فالجواب: لا أحد يستطيع؛ إذن فهي آية من آيات الله، ثم ما يحصل فيها من المنافع من إنضاج الثمار وتدفئة الأرض والنور العظيم، كم طاقة يتفاداها الإنسان بنور هذه الشمس من الكهرباء؟ طاقة عظيمة، سواء كان هذا فيما يحصل من الحرارة في أيام الشتاء التي يُستغنى بالشمس عن تدفئة المنازل، أو فيما يحصل بالإضاءة، فإن هذا أمر لا يُقدَّر له ثمن، وأما إنضاج الثمار، وإيباس الرطب، وما أشبه ذلك مما فيه مصلحة الخلْق، فحدِّث ولا حرج، فهي آية من آيات الله، آية عظيمة من آيات الله عز وجل، هي آية أيضًا في سيرها قال: تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ [يس: ٣٨] تَجْرِييعني تسير جريانًا، والجري هو المشي بشدة، وهكذا الشمس فإنها تسير بسرعة عظيمة جدًّا، لا يعلم قدرها إلا الله عز وجل، أو قد يُعلم بالوسائل الحديثة مدى سرعتها، لكن تأمل الآن الطائرة تسير بسرعة عظيمة، وهي قريبة منا ولَّا لا؟ قريبة، ومع ذلك نراها تمشي ببطء لبعدها عنا، فما بالك بالشمس؟ نحن نشاهدها تسير لا شك في هذا؛ حتى إنك إذا نظرت إلى الظل عند انفصاله من الشعاع تجده يتحرك كأنه يرتعد، وهذا دليل على أنها تمشي مشيًا عظيمًا، ومع هذا ويش بعدها عنا؟ بعيدة جدًّا، ونشاهدها تسير هذا السير، إذن فسريانها سريع جدًّا، وقد عُلِم تقديره عند الفلكيين الآن. وقوله: لِمُسْتَقَرٍّ لَهَاقال المؤلف: (أي: إليه لا تتجاوزه). والمستقر موضع القرار كما قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة: ٣٦]، وقد جعل الأرض قرارًا، فالمستقر موضع القرار.