تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة ق

درس صوتي · ١١٨:٢١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآيات (١-٣)

٠٠:٠٠:٠٤

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. نبدأ هذا اللقاء بتفسير سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، حيث انتهينا -ولله الحمد- من تفسير سورة الحجرات. أولًا: البسملة، سبق الكلام عليها، وأنها آية مستقلة يُؤْتَى بها في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكتبوا أمامها بسملة، ولكنهم جعلوا فاصلًا بينها وبين آخر سورة الأنفال. وليس هناك ذِكْر يُذْكَر بدلًا عن البسملة، كما يوجد في هوامش بعض المصاحف، حيث كُتِبَ: أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار، ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وهذا لا شك أنه كلام بِدْعِي لا أصل له ولا صحة له. يقول الله عز وجل، بسم الله الرحمن الرحيم: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١]، قحرف من الحروف الهجائية التي يتركب منها الكلام العربي، وهي كسائر الحروف ليس لها معنى في حد ذاتها، ومن المعلوم أن القرآن نزل باللسان العربي، وإذا كانت هذه الحروف ليس لها معنى باللسان العربي فهي كذلك ليس لها معنى في كتاب الله عز وجل من حيث المعنى الذاتي (...). وأما بالنسبة للمغزى العظيم الكبير فلها مغزى عظيم كبير، ألا وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب مع بلاغتهم وفصاحتهم لم يأتِ بشيء جديد من حروف ليسوا يعرفونها، بل هو بالحروف التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثله، فدلَّ ذلك على أنه من كلام العزيز الحميد جل وعلا، ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتُدِئت بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكْر القرآن. هنا قال عز وجل: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، (الواو) هنا حرف قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن؛ لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء، وإقسامه هنا بالقرآن إقسام بكلامه، وكلام الله تعالى من صفاته. وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أنه يجوز الإقسام بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وأما آياته فلا يقسم بها إلا إذا قصد الإنسان بالآيات كلماته، كالقرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، وما أشبه ذلك، وأما الآيات الكونية كالشمس والقمر فلا يجوز لنا أن نقسم بها، أما الله عز وجل فله أن يقسم بما شاء. الْقُرْآنِمأخوذ من (قَرَأ) إذا تلا، أو من (قَرَى) إذا جمع، ومنه: القرية؛ لأن الناس يجتمعون فيها، والقرآن يتضمن المعنيين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، أي: ذو المجد، وهي العظمة والسلطان المطلق، فالقرآن له عظمته العظيمة، مهيمن مسيطر على جميع الكتب السابقة، حاكم عليها، ليس محكومًا عليه. وهو أيضًا مجيد، به يمجد ويعلو ويظهر مَن تمسك به، وهذا كقوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١، ٢٢] . وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق: ١، ٢]، هنا لا يتراءى للإنسان التالي جوابُ القسم، فاختلف العلماء -رحمهم الله- في مثل ذلك؛ هل له جواب، أو جوابه يُعْرَف من السياق، أو يُعْرَف مِن الْمُقْسَْم به؟ فيه أقوال متعددة للعلماء، وأظهر ما يكون أن نقول: إن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب للقسم؛ لأنه معروف من عظمة الْمُقْسَم عليه، فكأنه أقسم بالقرآن على صحة القرآن. فالقرآن المجيد لكونه مجيدًا كان دليلًا على أنه حق، وأنه مُنَزَّل من عند الله عز وجل، وحينئذ لا يحتاج القسم إلى جواب؛ لأن الجواب في ضمن القسم. {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}، عَجِبُوا(الواو) تعود على المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام الذين كذَّبُوا رسالته، كذَّبُوا بالقرآن، كذَّبُوا بالبعث، كذَّبُوا باليوم الآخر، ولهذا عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، عَجِبُواعجب استغراب واستنكار، وإنما قلنا ذلك لأن العجب تارة يراد به الاستنكار والتكذيب، وتارة يراد به الاستحسان، فقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» ، المراد بالعجب هنا الاستحسان. وقوله هنا: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، المراد به الاستنكار والتكذيب. أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْليس بعيدًا عنهم، هو منهم، نسبًا، وحَسَبًا، ومسكنًا، يعرفونه، ومع ذلك قالوا: هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ. أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣]، لما جاءهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأن الناس سوف يُبْعَثُون، وسوف يُجَازَوْنَ ويُحَاسَبُون تَعَجَّبُوا كيف هذا؟ أيحيا الإنسان بعد أن كان رُفَاتًا؟! قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا، إِذَامن المعروف أنها ظرفية، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فما عاملها؟ العامل محذوف دَلَّ عليه ما بعده، والتقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟! ثم قال: ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، ولهذا يحسن عند التلاوة أن تقف على قوله: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا؛ لأن قوله: ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌجملة استئنافية لا علاقة لها من حيث الإعراب بما قبلها. إذن إِذَاظرف، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فأين العامل في الآية؟ محذوف، التقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟! والاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتكذيب، كأنهم يقولون: لا يمكن أن نرجع ونُبْعَث بعد أن كنا ترابًا وعظامًا، ولكن بَيَّنَ الله عز وجل أنه قادر على ذلك، فلما قالوا: ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، ومرادهم بالبعد هنا الاستحالة، هم يَرَوْنَ أن ذلك مستحيل، وربما تَلَطَّف بعضهم وقال: ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، فهم تارة يُنْكِرُون إنكارًا مطلقًا، ويقولون: هذا محال، وتارة يقولون: هذا بعيد.

تفسير الآية (٤)

٠٠:٠٨:٣١

قال الله تعالى مُبَيِّنًا قدرته على ذلك: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق: ٤]، الأرض تأكل الإنسان إذا مات، فالله تعالى يعلم ما تنقص الأرض منه، من أجزاء بدنه، ذرة بعد ذرة، ولو أكلته الأرض. وقوله: مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْقد يفيد أنها لا تأكل كل الجسم، وفي ذلك تفصيل؛ أما الأنبياء فإن الأرض لا تأكلهم مهما داموا في قبورهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» . وأما غيرهم فقد يبقى الجسم مدة طويلة لا تأكله الأرض إلى ما شاء الله، وقد تأكله الأرض، لكن إذا أكلته الأرض فإنه يبقى عَجْبُ الذَّنَب، وعَجْب الذَّنَب هو عبارة عن جزء يسير من العظم في أسفل الظهر، هذا يبقى بإذن الله لا تأكله الأرض، كأنه يكون نواة للجسم عند بعثه يوم القيامة، فإن منه يخلق الآدمي في قبره، فإذا تَمَّ نُفِخَ في الصور، ثم قاموا من قبورهم لله عز وجل. قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ، وإذا كان الله تعالى عالِمًا بما نقصت الأرض فهو قادر على أن يرد هذا الذي نقصته الأرض عند البعث. وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤] عند الله تعالى، كِتَابٌ حَفِيظٌأي: حافظ لكل شيء، قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ٩ - ١٢].

تفسير الآية (٥)

٠٠:١٠:٣٣

قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ [ق: ٥]، بَلْهنا للإضراب الانتقالي، وليست للإضراب الإبطالي؛ لأن الأول ثابت، والثاني زائد عليه، وهذا هو الفرق بين (بل) التي لإضراب الإبطال، وبين (بل) التي لإضراب الانتقال، فصارت (بل) للإضراب دائمًا، لكن إن كانت تُبْطِل الأول فسموها إضراب إبطال، وإن كانت لا تبطله فهو إضراب انتقال، كأنه انتقل من موضوع إلى آخر. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ، ولكن قلوبهم موقنة، إلا أن ألسنتهم تُكَذِّب، كما قال تعالى عن آل فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ، ولَمَّاهنا: بمعنى حين، فهي ظرف وليست حرفًا. لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، (الفاء) هنا للتعقيب والسببية، والمعنى: فَهُم لما كَذَّبُوا بالحق فِي أَمْرٍ مَرِيجٍأي: مختلط، اختلط عليهم الأمر -والعياذ بالله- وهذا كقوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍيعني: لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]، هؤلاء لما كَذَّبُوا صاروا في أمرٍ مَرِيج، التبس عليهم الأمر، تردَّدُوا في أمرهم. وهكذا كل إنسان يرد الحق أول مرة فليعلم أنه سيُبْتَلَى بالشك والريب في قبول الحق في المستقبل. ولهذا يجب علينا من حين أن نسمع أن هذا الشيء حق أن نقول: سمعنا وأطعنا، خلافًا لبعض الناس الآن، تقول له: أمر الرسول بهذا، يقول: طيب، الأمر للإيجاب ولَّا للاستحباب؟ سبحان الله! افعل ما أمرك به سواء على الوجوب أو على الاستحباب. فإذا تَرَدَّدْتَ؛ لأن معنى قوله: هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ معناه: إذا كان للاستحباب فأنا في حِلٍّ منه، إذا كان للوجوب فعلته، غلط هذا، قل: سمعنا وأطعنا، ثم إذا وقعت المخالفة فحينئذ ربما يكون السؤال عنه، هل هو واجب أو مستحب، ربما يكون وجيهًا، أما قبل فلا. قد يقول قائل: أنا أسأل هل هو واجب أو مستحب؛ لأن هناك فرقًا بين الواجب والمستحب أيهما أحب إلى الله؟ الواجب أحب إلى الله، فأنا أفعله من أجل إذا اعتقدت أنه واجب أُثَابُ عليه ثواب واجب، وإذا اعتقدت أنه سنة أُثَاب عليه ثواب سنة. قلنا: نعم، هذا طيب، لكن ثواب انقيادك للحق لأول مرة وبكل سهولة وبدون سؤال أفضل من أن كونك تعتقده واجبًا أو مستحبًّا، وإذا كان الله قد أوجبه عليك أثابك ثواب الواجب، وإن كنت لا تدري فالانقياد وتمام الانقياد أفضل بكثير من كوني أعتقد هذا واجبًا أو مستحبًّا. يقول عز وجل: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، ثم قال: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ [ق: ٦] استدل بالآيات الكونية على صحة الآيات الشرعية، ويأتي إن شاء الله الكلام عليها في الجلسة القادمة (...).


تفسير الآية (٦)

٠٠:١٤:٤٥

وقد وصلنا إلى قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، قال الله عز وجل: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق: ٦]، الاستفهام هنا للتوبيخ، يُوَبِّخُهم عز وجل، لماذا لم ينظروا في هذا؟ لماذا لم ينظروا إلى السماء وما فيها من عجائب القدرة الدالَّة على أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء المكذِّبُون. وقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِيشمل نظر البصر، ونظر البصيرة؛ نظر البصر يكون بالعين، ونظر البصيرة يكون بالقلب، وهو التَّفَكُّر. وقوله: إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا، قد يقول قائل: إن كلمة فَوْقَهُمْلا فائدة منها؛ لأن السماء معروفة أنها فوق، ولكن نقول: إن النص على كونها فوقهم إشارة إلى عظمة هذه السماء، وأنها مع عُلُوِّهَا وارتفاعها وسعتها وعظمتها تدل على كمال خالقها وقدرته جل وعلا. كَيْفَ بَنَيْنَاهَا، بناها الله عز وجل بقوة، وجعلها قوية، فقال جل وعلا: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢]، أي: قوية، وقال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ، أي: بقوة، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧]. وهذا البناء لا نعلم كيف بناه الله عز وجل، لكننا نعلم أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، خلق الأرض في أربعة، والسماء في يومين، كما قال تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ١٢]. وقوله: وَزَيَّنَّاهَا، أي: حَسَّنَّا منظرها بما خلق الله تعالى فيها من النجوم العظيمة المنيرة المنتظمة في سيرها، وهذه النجوم قال قتادة -رحمه الله، وهو من أئمة التابعين- قال رحمه الله: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يُهْتَدَى بها، ورجومًا للشياطين، فمن ابتغى فيها شيئًا سوى ذلك فقد أضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به ، يشير إلى ما ينتحله الْمُنَجِّمُون من الاستدلال بحركات هذه النجوم على الحوادث الأرضية، حتى إنهم يبنون سعادة الشخص وشقاءه على هذه النجوم، مثلًا يقولون: إذا وُلِدَ في النجم الفلاني فهو سعيد، وإذا وُلِدَ في النجم الفلاني فهو شقي، وهذا لا أثر له، أعني تحركات النجوم في السماء ليس لها أثر فيما يحدث في الأرض. ثم قال تعالى: وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، يعني: ليس في السماء من فروج، أي: من فُطُور وتَشَقُّق، بل هي مبنية مُحْكَمَة قوية.

تفسير الآية (٧)

٠٠:١٩:٢٦

{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: ٧]، هذه ثلاثة أمور: أولًا: الأرض مَدَّهَا الله عز وجل مع أنها بالنسبة للسماء صغيرة جدًّا، لكنها ممدودة للخلق مسطحة لهم، كما قال تعالى: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠]. ثانيًا: أَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ، أي: جبالًا ثابتات لا تزعزعها الرياح فهي راسية، وكذلك أيضًا مُرْسِيَة للأرض. وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، أي: من كل زوج سارٍّ لناظره، والمراد بالزوج هنا الصنف، يعني أن ما ينبت في الأرض أصناف متعددة متنوعة، حتى إنك ترى البقعة من الأرض وهي صغيرة تشتمل على أنواع من هذه الأصناف تختلف في ألوانها، وتختلف في أحجامها، وتختلف في ملمسها ما بين شديدة ولينة، إلى غير ذلك من الاختلافات العظيمة، بل إنها تختلف حتى في مذاقها إذا كانت من ذوات الثمر، كما قال تعالى: وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: ٤]، فمن القادر على هذا؟ طالب: القادر على؟ الشيخ: على أن يخلق هذه الأشياء اللي فيها من كل زوج بهيج مع أنها في مكان واحد، وتُسْقَى بماء واحد، والأرض أيضًا واحدة؟ الجواب: هو الله عز وجل، مَن يقدر على هذا؟ إنك تأتي الأرض الْمُعْشِبَة التي أنبت الله تعالى فيها من أصناف النبات فتتعجب، ترى هذه -مثلًا- زهرتها صفراء، وهذه بيضاء، وهذه بنفسجية، وهذه منفتحة، وهذه منضمة، إلى غير ذلك من الآيات العظيمة، فهذا أكبر دليل على أن الله قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء الْمُكَذِّبُون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: ٣]، فالقادر على خلق هذه المخلوقات العظيمة قادر على إحياء الموتى. ثم يقال: من الذي خلق الإنسان؟ هو الله، وإعادة الخلق أهون من ابتدائه، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، فإذا كنتم -أيها المشركون- تُقِرُّون بأن الله هو الخالق، وأنه هو الذي خلقكم وأوجدكم، فلماذا تنكرون أن يعيدكم الله، مع أن أمره إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن، فيكون.

تفسير الآية (٨)

٠٠:٢٢:٤٨

قال الله تعالى: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق: ٨]، يعني أن الله تعالى حَثَّنَا على أن ننظر إلى السماء وإلى الأرض وما يحدث فيهما. تَبْصِرَةًأي: لأجل التبصرة والذكرى، قال العلماء: الفرق بين التبصرة والذكرى أن التبصرة مستمرة، والذكرى عند النسيان، فهذه الآيات تُذَكِّرُك إذا نسيت، وتُبَصِّرك إذا جهلت، وقد يقال: إن الفرق بينهما أن التبصرة في مقابل الجهل، والذِّكْرَى في مقابل النسيان، وكلا القولين حق. المهم أنك إذا نظرت إلى السماء وإلى الأرض وما فيها مما أودعه الله عز وجل من النبات فإنك سوف تُبْصِر بقلبك وتذكر أيضًا إذا نسيت، ولكن لمن هذه التبصرة والذِّكْرَى؟ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍليست لكل إنسان، ما أكثر ما ينظر الكفار في الآيات ولكن مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]، إنما الذي ينتفع بها هم كُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍأي: رَجَّاع إلى الله عز وجل. ثم قال عز وجل: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق: ٩] نقف على هذا إلى الدرس القادم، أو اللقاء القادم إن شاء الله (...).


تفسير الآيات (٩-١١)

٠٠:٢٤:١٧

نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على آيات من سورة (ق) هي قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ [ق: ٩ - ١١]. يقول: نَزَّلْنَا؛ لأن المطر ينزل شيئًا فشيئًا، وربما يُعَبَّر عنه بـ(أنزل)؛ لأنه تجري به الأودية والشعاب. وقوله: مِنَ السَّمَاءِأي: من العُلُوّ؛ لأن هذا المطر ينزل من السحاب، وليس من السماء التي هي السقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤]، إذن هو ينزل من العلو، والحكمة في إنزاله من العلو ليشمل قمم الجبال، ومراتع الإبل، والسهل، والأودية؛ لأنه لو جاء يمشي سيحًا على الأرض ما وصل إلى قمم الجبال، ولكن الله عز وجل جعله من فوق. وقوله: مَاءً مُبَارَكًامن بركته أنه ينبت الله به جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت البساتين الكثيرة الأشجار جنات لأنها تُجِنُّ، أي: تستر ما تحتها، وكل بستان ذي شجر مُلْتَفّ بعضه إلى بعض يُسَمَّى جنة. وأما قوله: حَبَّ الْحَصِيدِيعني به الزروع التي تُحْصَد، فذكر الله هنا الأشجار والزروع، فمن الأشجار تجذ الثمار، ومن الزروع تحصد الحبوب. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: ١٠]، خَصَّ الله النخل لأنها أشرف الأشجار، ولهذا شبه بها المؤمن، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي -كلٌّ يقول: هي الشجرة الفلانية- يقول ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، لكني كنت أصغر القوم -يعني: فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هِيَ النَّخْلَةُ» ، وهي الشجرة المذكورة في قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم: ٢٤]، فلهذا خَصَّهَا هنا بالذِّكْر، فقال: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ، أي: عاليات. لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌأي: منضود، فالطلع في شماريخه تجده منضودًا من أحسن ما يكون من النضد، ومع ذلك تجد هذه الثمرات تُسْقَى بالشمراخ الدقيق اللين مع أنه قد يكون فيه أحيانًا فوق ثلاثين حبة أو أكثر. لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ [ق: ١٠، ١١] أي: فعلنا ذلك؛ أنزلنا من السماء ماء فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ، فعلنا ذلك رِزْقًا لِلْعِبَادِ، أي: عطاءً وفضلًا للعباد، والعباد هنا يشمل العباد المؤمنين والعباد الكافرين؛ لأن الكافر عبد لله، كما قال الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، والمراد هنا: العبودية الكونية القدرية، أما العبودية الشرعية فلا يكون عبدًا لله إلا مَن كان ممتثلًا لأمره، مجتنبًا لنهيه، مصدِّقًا بخبره. إذن لِلْعِبَادِيشمل الكفار والمؤمنين. وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [ق: ١١]، أَحْيَيْنَا بِهِأي: بالماء الذي نَزَّلْنَاه من السماء، بَلْدَةً مَيْتًا، بَلْدَةًلما كانت مُؤَنَّثَة اللفظ مُذَكَّرة المعنى صح أن تُوصَف بوصف مُذَكَّر، بَلْدَةً مَيْتًاأي: بلدًا ميتًا، أحياه بهذا الماء الذي نزل من السماء، كيف إحياؤه؟ تجد الأرض هامدة خاشعة ليس فيها نبات، فإذا أنزل الله المطر عَجَّت بالنبات واخضَرَّت وازدهرت، فهذه حياة بعد الموت. كَذَلِكَ الْخُرُوجُ، أي: مثل ذلك الإحياء خروج الناس من قبورهم لله عز وجل، وإنما ذكر الله تعالى الخروج؛ لأن من عباد الله مَن أنكر ذلك، زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [التغابن: ٧]، وحجتهم أنهم قالوا: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، كيف تحيي العظام بعد أن رَمَّت وصارت ترابًا؟! هذا مُسْتَنْكَر عندهم بعيد، ولكن الله سبحانه وتعالى بَيَّنَ أنه ليس ببعيد، وأنه كما يشاهدون الأرض الميتة ينزل عليها المطر فتحيا، إذن فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر قادر على إحياء الأموات بعد موتها، وهذا قياس جلي واضح.

تفسير الآيات (١٢-١٤)

٠٠:٣١:٠٩

{كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ} [ق: ١١ - ١٤] ذَكَرَ الله هؤلاء المكذِّبين لفائدتين؛ الفائدة الأولى: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ليس أول رسول كُذِّبَ، بل قد كُذِّبَت الرسل من قبله، كما قال تعالى: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [فصلت: ٤٣]، قيل: إنه شاعر، وقيل: إنه مجنون، وقيل: إنه كاهن، وقد قال الله تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢]. هذه فائدة لذِّكْر قصص الأمم السابقة، وهي تسلية النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان إذا رأى غيره قد أصيب بمثل مصيبته يتسلى بلا شك، وتهون عليه المصيبة. الفائدة الثانية: تحذير المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال في آخر ما ذكر: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ، أي: حق عليهم وعيد الله بالعذاب، وقد قال عز وجل: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: ٤٠]، يعني: كل واحد من هذه الأمم جُوزِيَ بمثل ذنبه فعُوقِبَ بمثل ذنبه، مثلًا كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ، قوم نوح كذَّبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يعني تسعمئة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكن لم يستفيدوا من ذلك شيئًا، كلما دعاهم ليغفر الله لهم جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ: تغطوا، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: ٧]، وبقي فيهم هذه المدة، وقد قال الله تعالى في النهاية: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤٠]. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ، أَصْحَابُ الرَّسِّقوم جاءهم نبيهم ولكنهم قتلوه بالرَّسّ؛ وهي البئر، أي: حفروا بئرًا ودفنوه، هذا قول، والقول الثاني: أصحاب الرَّسّ يعني أنهم قوم حول ماء، وليسوا بالكثرة الكاثرة، ومع هذا كذَّبُوا رسولهم. وَثَمُودُوهم قوم صالح في بلاد الحجر المعروفة، كذَّبُوا صالحًا وقالوا: ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٧٧]، وهذا تَحَدٍّ، فماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم صيحة ورجفة، فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: ٦٧]. وَعَادٌ [ق: ١٣]، كذلك أيضًا عادٌ أرسل الله إليهم هودًا فكذَّبُوه، فأهلكهم الله عز وجل بالريح، أرسل الله عليهم الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١، ٤٢]. وكانوا يفتخرون بقوتهم، يقولون: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]، فأراهم الله عز وجل قوته، وأهلكهم بالريح اللطيفة التي لا يُرَى لها جسم، ومع ذلك دمرتهم تدميرًا. وَفِرْعَوْنُالذي أرسل الله إليه نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان معروفًا بالجبروت والعناد والاستكبار، حتى إنه استخف قومه، وقال لهم: إنه رب، قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، فأطاعوه، فجاءهم موسى عليه الصلاة والسلام بالآيات البينات، ولكنهم كذَّبُوا، وأراهم الله تعالى آية، كانوا يفتخرون بما يضاد ما جاء به موسى؛ وهو السحر، فجمعوا لموسى عليه الصلاة والسلام كل السحرة في مصر، واجتمعوا وألقوا الحبال والعصي، وألقوا عليها السحر، فصار الناس يشاهدون هذه الحبال والعصي وكأنها حيات وثعابين، ورهب الناس، كما قال تعالى: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦]، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام أوجس في نفسه خِيفَة، يعني يشاهد أن كل الجو حوله ثعابين تريد أن تلتهم ما تقابله، فأوحى الله تعالى إلى موسى: أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [الأعراف: ١١٧]، فألقى العصا، فالتهمت جميع هذه الحيات، وهذا من آيات الله؛ إذ إن الحية -كما هو معروف- ليست بذاك الكِبَر، لكن تأكل هذا وكأن هذا يذهب بخارًا إذا أكلت هذه الحبال والعصي، السحرة رأوا أمرًا أدهشهم، ولم يملكوا أنفسهم إلا أن يؤمنوا، ومع ذلك إيمانًا تامًّا، أُلْقِيَ السحرة ساجدين. وتأمل قوله تعالى: أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الأعراف: ١٢٠]، ولم يقل: سجدوا، كأن هذا شيء اضطرهم إلى السجود، كأنهم سجدوا بغير اختيار؛ لقوة ما رأوا من الآية العظيمة، ومع هذه الآية البينة الواضحة على صدق موسى عليه الصلاة والسلام لم يؤمن فرعون، وقال: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء: ٥٤، ٥٥] فهَمَّ بأن يهجم على موسى ومَن معه من المؤمنين، فأمر الله موسى أن يخرج من مصر إلى جهة المشرق نحو البحر الأحمر، فامتثل أمر الله، خرج من مصر إلى هذه الناحية، فتبعهم فرعون بجنوده على حنق يريد أن يقضي على موسى وقومه، فلما وصلوا إلى البحر قال قوم موسى له: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا، يعني: لن نُدْرَك، إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢]، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر الذي عَرْضُه مسافات طويلة، فضرب البحر فانفلق البحر اثني عشر طريقًا، وصارت قِطَع الماء كأنها الجبال، وصارت هذه الطرق التي كانت ريًّا من الماء وطينًا زلقًا صارت طريقًا يبسًا بإذن الله بلحظة، فدخل موسى وقومه عابرين من أفريقيا إلى آسيا من طريق البحر، فلما تكاملوا داخلين وخارجين إلى الناحية الشرقية دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا في الدخول أمر الله البحر فانطبق عليهم. فلما أدرك فرعون الغرق أعلن: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: ٩٠]، وتأمل أنه لم يقل: (آمنت بالله) قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، لماذا؟ إذلالًا لنفسه، حيث كان يُنْكِر على بني إسرائيل ويهاجمهم، فأصبح عند الموت يُقِرُّ بأنه تبع لهم، وأنه من أذنابهم، يعني أنه يمشي خلفهم، ولكن ماذا قيل له؟ آلْآنَتؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنك من المسلمين؟! وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١] فلم تُقْبَل توبته؛ لأنه لم يَتُبْ إلا حين حضره الموت، والتوبة بعد حضور الموت لا تنفع، كما قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، لا تنفع التوبة إذا حضر الموت، نسأل الله تعالى أن يَمُنّ علينا وعليكم بتوبة قبل الموت. ولكن الله قال: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: ٩٢] ننجيك ببدنك، يعني لا بروحك، الروح فارقت البدن، لكن البدن بقي طافيًا على الماء، لماذا؟ بَيَّنَ الله الحكمة: لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: ٩٢]؛ لأن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون، فلو لم يتبين لهم أنه غرق بنفسه لكانت أوهامهم تذهب كل مذهب لعله لم يغرق، لعله يخرج علينا من ناحية أخرى، فأقرَّ الله أعين بني إسرائيل بأن شاهدوا جسمه غارقًا في الماء، لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً(...).


انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: وَإِخْوَانُ لُوطٍ [ق: ١٣]، إِخْوَانُ لُوطٍيعني قوم لوط أرسل إليهم لوط عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا -والعياذ بالله- يأتون الذُّكْرَان ويَدَعُون النساء، أي أن الواحد يجامع الذَّكَر ويَدَع النساء، كما قال لهم عليه الصلاة والسلام: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، دعاهم إلى الله عز وجل وأنذرهم وخَوَّفَهم من هذا الفعل الرذيل، ولكنهم أصَرُّوا عليه، فأرسل الله عليهم حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً [الذاريات: ٣٣، ٣٤]، يعني: مُعَلَّمَة، كل حجارة عليها علم، يعني علامة على مَن تَنْزِل عليه وتصعقه، وهذه الخصلة الرذيلة من أقبح الخصال، ولهذا كان حدها في الشريعة الإسلامية القتل بكل حال، يعني أنها أعظم من الزنا، الزنا إذا كان الزاني لم يتزوج من قبل فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن البلد سنة كاملة، وإن كان مُحْصَنًا -وهو الذي قد تَزَوَّج وجامع زوجته- فإنه يُرْجَم حتى يموت، أما اللواط فإن حده القتل بكل حال، يعني لو تَلَوَّط شخص بالغ بآخر بالغ باختيار منهما فإنه يجب أن يُقْتَل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ، قال شيخ الإسلام رحمه الله، أعني ابن تيمية: إن الصحابة أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا كيف يُقْتَل، فقال بعضهم: إنه يُحْرَق بالنار لعظم جُرْمِه -والعياذ بالله-، وقال آخرون: إنه يُرْجَم بالحجارة، وقال آخرون: إنه يُلْقَى من أعلى مكان في البلد ويُتْبَع بالحجارة. والشاهد أنه رحمه الله –أعني ابن تيمية- نقل إجماع الصحابة على قتله، وإجماع الصحابة حجة، فيكون مُؤَيِّدًا للحديث: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ، ولأن هذه الفاحشة الكبرى -والعياذ بالله- فاحشة مُفْسِدَة للمجتمع؛ لأنه يصبح المجتمع الرجالي مجتمعًا نسائيًّا، وهو أيضًا لا يمكن التحرز منه، الزنا يمكن التحرُّز منه، إذا رؤيت امرأة مع رجل في محل ريبة فإنه يمكن مناقشتهما، لكن إذا رُؤِيَ ذَكَر مع ذَكَر كيف يمكن أن نناقشهما، والأصل أن الرجل مع الرجل يجتمع ولا يتفرق؟! لهذا كان القول بوجوب قتلهما هو الحق، أما قوم لوط فقد عرفتم أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من سجيل مُسَوَّمَة، فدمَّرَهم تدميرًا حتى جعل عالي قريتهم سافلها. ثم قال تعالى: وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ [ق: ١٤]، أَصْحَابُ الْأَيْكَةِيعني: الشجرة، أرسل الله تعالى إليهم شُعَيْبًا فدعاهم إلى الله وذَكَّرَهم به، وحَذَّرَهُم من بَخْس المكيال والميزان، لكنهم -والعياذ بالله- بقوا على كفرهم وعنادهم، فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء: ١٨٩]، وهذا العذاب يقال: إن الله تعالى أرسل إليهم حَرًّا شديدًا، ولم يجدوا مَفَرًّا منه، إلا أنه أُرْسِلَت غمامة واسعة باردة، فصاروا يتدافعون إلى ظلها يتظللون بها، فأنزل الله عليهم نارًا فأحرقتهم، وفي هذا يقول تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: ١٨٩]. وَقَوْمُ تُبَّعٍ [ق: ١٤] أيضًا ممن كَذَّبُوا الرسل، وهم أصحاب تُبَّع، وهو ملك من ملوك اليمن، أرسل الله إليهم رسولًا فكَذَّبُوه ولم ينقادوا له، فيقول عز وجل: كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ، يعني أن هؤلاء الأمم الذين حكى الله عنهم الإشارة، بل أشار الله تعالى إلى قصصهم كلهم كَذَّبُوا الرسل، فحق عليهم وعد الله -والعياذ بالله- بعذابه وانتقامه، نسأل الله لنا ولكم الحماية والعافية، إنه على كل شيء قدير (...).


تفسير الآية (١٥)

٠٠:٤٨:٥٨

نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. يقول الله عز وجل: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥]، الاستفهام هنا للنفي، و(عَيِينَا) بمعنى تَعِبْنَا، والخلق الأول هو ابتداء الخلائق، يعني: هل نحن عجزنا عن ابتداء الخلائق حتى نعجز عن إعادة الخلائق؟ من المعلوم أن الجواب: لا، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ [الأحقاف: ٣٣]، أي: لم يَتْعَب بذلك، فإذا كان جل وعلا لم يتعب بالخلق الأول فإن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧]، وهذا استدلال عقلي يراد به إقناع هؤلاء الجاحدين لإعادة الخلق، فإن الذين كفروا زعموا أن لن يُبْعَثُوا وأنه لا بعث، وأنكروا هذا، واستدلوا لذلك بدليل واهٍ جدًّا، فقالوا: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، فقال الله تعالى: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩]، ثم ساق الأدلة العقلية الدالَّة على أن الله تعالى قادر على أن يُحْيِي العظام وهي رميم. قال تعالى: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥]، أي: هم مُقِرُّون بأننا لم نعي بالخلق الأول وأننا أوجدناه، لكن: هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ، ولهذا حَسُن الإضراب هنا، حيث قال: بَلْ هُمْيعني أن هذا عجب من حالهم، كيف يُقِرُّون بأول الخلق ثم ينكرون البعث بعد الموت؟ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ، أي: في شك وتردد، فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍوهو إعادة الخلق. وإني أسألكم الآن: هل القادر على ابتداء الخلق يكون قادرًا على إعادته من باب أَوْلَى؟ الجواب: نعم، وهذا دليل عقلي لا يمكن لأي إنسان أن يَفِرَّ منه.


تفسير الآيتين (١٦-١٧)

٠٠:٥١:٣٧

ثم قال عز وجل مستدلًّا على قدرته على البعث: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، يعني: ابتدأنا خَلْقَه، فأوجدناه، وجعلنا له عقلًا وسمعًا وبصرًا وتفكيرًا وحديثًا للنفس. وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُيعني: ونحن نعلم ما توسوس به نفسه، أي: ما تُحَدِّثُه به نفسه دون أن ينطق به، فالله تعالى عالم به، بل إن الله عالم بما سيُحَدِّث به نفسه في المستقبل، والإنسان نفسه لا يعلم ماذا يُحَدِّث به نفسه في المستقبل. انظر الآن ما يوسوس به الإنسان نفسه في الحاضر يعلمه الإنسان، أليس كذلك؟ والله تعالى يعلمه، ونقول: بل الله يعلم ما سوف توسوس به نفسُه في المستقبل، والإنسان لا يعلم، يعني أن الله يعلم ما ستوسوس به نفسك غدًا وبعد غدٍ، وإلى أن تموت وأنت لا تعلم. إذا كان الله يعلم ما توسوس به النفس فما الذي يوجب لنا هذا العلم؟ يوجب لنا مراقبة الله سبحانه وتعالى، وألا نُحَدِّث أنفسنا بما يُغْضِبُه وبما يكرهه، علينا أن يكون حديث نفوسنا كله بما يرضيه؛ لأنه يعلم ذلك، أفلا يليق بنا أن نستحي من ربنا عز وجل أن توسوس نفوسنا بما لا يرضاه. قال الله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق: ١٦، ١٧]. نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، حَبْلِ الْوَرِيدِهو الأوداج، وهما: العِرْقَان العظيمان المحيطان بالحلقوم، يُسَمَّى الوريد، ويسمى الوَدَج، وجمعه أوداج، ويُضْرَب المثل بهما في القرب، يقول: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، أي شيء أقرب إليه؟ أقرب شيء إلى قلبك هو حبل الوريد هذا، أقرب من المخ، وأقرب من كل شيء فيه الحياة، هما الوريدان. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، قد اختلف المفسرون في قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، هل المراد قرب ذاته جل وعلا، أو المراد قرب ملائكته؟ والصحيح أن المراد قرب ملائكته، ووجه ذلك أن قرب الله تعالى صفة عالية لا يليق أن تكون شاملة لكل إنسان؛ لأننا لو قلنا: إن المراد قرب ذات الله لكان قريبًا من الكافر، وقريبًا من المؤمن، لماذا يلزم ذلك؟ لأن الله قال: خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ، أيّ إنسان خلق؟ المؤمن والكافر، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِأي: إلى هذا الإنسان الذي خلقناه من حبل الوريد. فإذا قلنا: الآية شاملة، وقلنا: إن القرب هنا القرب الذاتي، صار الله قريبًا بذاته ممن؟ من الكافر، وهذا غير لائق، بل الكافر عدو لله عز وجل. لكن الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة، أي: أقرب إليه بملائكتنا، ثم استدل بقوله تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ، فـإِذْبمعنى: حين، وهي متعلقة بـأَقْرَبُ، أي: أقرب إليه في هذه الحال حين يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق: ١٧]. فإن قال قائل: كيف يضيف الله المسنَد إليه والمراد به الملائكة؟ ألهذا نظير؟ قلنا: نعم، له نظير، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٨] قَرَأْنَاهُالمراد بذلك مَن؟ جبريل، ونسب الله فِعْل جبريل إلى نفسه؛ لأنه رسوله، كذلك الملائكة نسب الله قربهم إليه؛ لأنهم رسله، كما قال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠]، وما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو الصواب. فإن قال قائل: وهل الله تعالى قريب من المؤمن على كل حال؟ قلنا: بل في بعض الأحوال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ، فهذا قرب في حال الدعاء، مصداق ذلك قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]، كذلك هو قريب من المؤمن في حال السجود؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» . وعلى هذا فيكون الله تعالى قريبًا من المؤمن حال عبادته لربه، وحال دعائه لربه. أما القرب العام فإن المراد به القرب بالملائكة، على القول الراجح. وقوله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ [ق: ١٧] هما مَلَكَان بَيَّنَ الله مكانهما من العبد، فقال: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ، ولم يقل: على اليمين وعلى الشمال؛ لأنهما ليسَا على الكتفين، بل هما في مكان قريب أقرب من حبل الوريد. ولكن قد يقول قائل ملحد: أنا ألتمس حولي لا ألمس أحدًا، أين القعيد؟ فنقول: هذا من علم الغيب الذي لا تدركه عقولنا، وعلينا أن نصدِّق به ونؤمن به كما لو لمسناه بأيدينا، أو شاهدناه بأعيننا، أو غير ذلك من أدوات الحواس، علينا أن نؤمن بذلك؛ لأنه قول الله عز وجل. فنقول: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ: قاعد، مستقر، أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، هذا المكتوب الذي عرضة للمَحْو والإثبات، المكتوب الذي بأيدي الملائكة عرضة للمَحْو والإثبات؛ لقول الله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]، يعني: أصل، أُمّ الكتاب هو اللوح المحفوظ، مكتوب فيه ما يستقر عليه العبد، لكن ما كان قابلًا للمَحْو والإثبات فهو الذي في أيدي الملائكة، قال الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، شوف حسنة تُذْهِب السيئة، تمحوها بعد أن كُتِبَت، وهذا باعتبار ما في أيدي الملائكة، أما أُمّ الكتاب الأصل فمكتوب فيها ما يستقر عليه العبد. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستقر على الإيمان والثبات في الدنيا والآخرة.

تفسير الآية (١٨)

٠١:٠١:٣٧

{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: ١٨]، مَا يَلْفِظُ، مَانافية، وقَوْلٍمجرورة بـمِنْالزائدة إعرابًا المفيدة معنى، وأصلها بدون زيادة: ما يلفظ قولًا، لكن تأتي حروف الجر أحيانًا زائدة في الإعراب لكنها تفيد معنى التوكيد، ولهذا النفي إذا اقترن الْمَنْفِيّ بـ(من) الزائدة أو بـ(الباء) الزائدة، مثل: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] فإنه أوكد في العموم من النفي المجرد من حرف الجر الزائد. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ، إذا جعلنا مِنْزائدة إعرابًا مفيدة معنى فما فائدة معناها؟ التوكيد على العموم، أي: أيّ قول يلفظه الإنسان لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، سبحان الله! رَقِيبٌمراقب ليلًا ونهارًا لا ينفك عن الإنسان، عَتِيدٌحاضر، ما يمكن يغيب ويوكِّل غيره، هو قاعد مراقب حاضر لا يفوته شيء، مِنْ قَوْلٍأيّ قول؟ كل القول؛ لأن مِنْهذه زائدة، و قَوْلٍنكرة في سياق النفي، فهي للعموم، أيّ قول يقوله. وظاهر الآية الكريمة أن القول مهما كان يُكْتَب، سواء كان خيرًا أم شرًّا أم لغوًا يُكْتَب، لكن المحاسبة على ما كان خيرًا أو شرًّا، ولا يلزم من الكتابة أن يحاسَب الإنسان عليها، وهذا ظاهر اللفظ، وهو أحد القولين لأهل العلم. ومن العلماء مَن يقول: إنه لا يكتب إلا الحسنات والسيئات فقط، أما اللغو فلغوٌ لا يُكْتَب، فأي القولين أولى؟ الأول أولى، وهو العموم، أما النتيجة فواحدة؛ لأنه حتى على القول بأن الكاتب يكتب كل شيء، يقولون: إنه لا يحاسَب إلا على الحسنات والسيئات. لكن كوننا نقول بالعموم هو المطابق لظاهر الآية، ثم هو الذي فيه الدليل على أن الْمَلَكَيْن لا يفختان ولا يتركان شيئًا، مما يدل على كمال عنايتهما بما ينطق به الإنسان. وبناء على ذلك يجب علينا أيها الإخوة أن نحترز غاية الاحتراز من أقوال اللسان، فكم زَلَّة لسانية أوجبت الهلاك -والعياذ بالله-، قال أبو هريرة رضي الله عنه في الرجل الذي قال: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»، قَالَ: إِنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ ، نسأل الله العافية.

احْذَرْ لِسَانَكْ أَنْ تَقُولَ فَتُبْتَلَى

إِنَّ الْبَــــــــــلَاءَ مُـــــوَكَّلٌ بِالْمَنْــطِــــقِ

احذر آفات اللسان، إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حفظ اللسان ملاك الأمر كله، فقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: «أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: أخذ بلسان نفسه وقال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، لا تطلقه، لا تتكلم. قال: يا رسول الله، وإنَّا لَمُؤَاخَذُون بما نتكلم به؟ فقال له: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» ، فالمؤمن يجب أن يحذر لسانه؛ فإنه آفة عظيمة. ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . وحينئذ نعرف أن الصمت مُفَضَّل على الكلام؛ لأن الكلام قد لا يدري الإنسان أخير هو أم شر. ثم إني أقول لكم: الكلمة إذا أطلقتها وخرجت من فمك فهي كالرصاصة تطلقها على ولدك، هل يمكنك أن تمنع الرصاصة إذا خرجت من فوهة البندقية؟ لا، خلاص انطلقت، تفسد أو تصلح، كذلك الكلمة، فالعاقل يمنع لسانه ولا يتكلم إلا بخير، والخير إما في ذات المتكلم به، وإما في غيره، يعني قد يكون الكلام ليس خيرًا بنفسه، لكنه خير من جهة آثاره، قد يتكلم الإنسان بكلام لغو في مجلس، هو الكلام ليس أمرًا بمعروف ولا نهيًا عن منكر، وليس إثمًا ووِزْرًا، لكن يتكلم من أجل أن يفتح الباب للحاضرين؛ لأنه أحيانًا تستولي على المجلس الهيبة ولا أحد يتكلم، فيبقى الناس كأنهم في غَمّ، فيتكلم من أجل أن يفتح الباب للناس، وتنشرح صدورهم، ويحصل تبادل الكلام الذي قد يكون نافعًا، نقول: هذا الكلام الذي تكلمه وفتح به باب الكلام وأزال عن الناس الغمة يعتبر خيرًا لذاته ولَّا لغيره؟ خيرًا لغيره، وهذا داخل -إن شاء الله- في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حفظ ألسنتنا وجوارحنا عما يغضبه، وأن يستعملها فيما يرضيه، إنه على كل شي قدير (...).


تفسير الآية (١٩)

٠١:٠٨:٤٧

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على مما تيسر من تفسير سورة ق. الآية هي قوله تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ١٩ - ٢١]. جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ، السكرة هنا هي تغطية العقل، كالإغماء ونحوه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ» ، وعلى هذا فيكون قوله: سَكْرَةُ الْمَوْتِمفردًا مضافًا، فيشمل الواحدة أو أكثر. وقوله: بِالْحَقِّ، أي: أن الموت حق كما جاء في الحديث: «الْمَوْتُ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ» ، فهي تأتي بالحق، وتأتي أيضًا بحق اليقين، فإن الإنسان عند الموت يشاهد ما تُوُعِّدَ به وما وُعِدَ به؛ لأنه إن كان مؤمنًا بُشِّرَ بالجنة، وإن كان كافرًا بُشِّرَ بالنار، أعاذنا الله وإياكم منها. ذَلِكَ، أي: الموت، مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، اختلف المفسرون في مَا؛ هل هي نافية، فيكون المعنى: ذلك الذي لا تحيد منه، ولا تنفك منه، أو إنها موصولة، والمعنى: ذلك الذي كنت تحيد منه، ولكن لا مَفَرَّ منه. فعلى الأول يكون معنى الآية: ذلك الذي لا تحيد منه، بل لا بد منه، وقد قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ [الجمعة: ٨]. وتأمل يا أخي: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ، ولم يقل: فإنه مُدْرِكُكُم، وما ظنك بشيء تَفِرُّ منه وهو يلاقيك، إن فرارك منه يعني دُنُوَّك منه في الواقع، لو كنت فارًّا من شيء وهو يقابلك فكلما أسرعت في الجري أسرعت في ملاقاته، ولهذا قال: فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ، في الآية الثانية: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨]؛ لأنه ذكر في هذه الآية الثانية أن الإنسان مهما كان في تحصنه فإن الموت سوف يدركه على كل حال. هنا يقول: ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩] يعني: ذلك الذي لا مَحِيدَ لك عنه. المعنى الثاني في مَاأن تكون موصولة، أي: ذلك الذي كنت تَحِيد منه وتفر منه في حياتك قد وصلك وأدركك. وعلى كل حال ففي الآية التحذير من التهاون بالأعمال الصالحة، والتكاسل عن التوبة، وأن الإنسان يجب أن يبادر؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت.

تفسير الآية (٢٠)

٠١:١٢:١٥

ثم قال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق: ٢٠]، النافخ في الصور هو مَلَكٌ وَكَّلَه الله تعالى به يسمى إسرافيل، والنفخ في الصور نفختان؛ الأولى: نفخة الصعق، فيسبقها فَزَع ثم صعق، والثانية: نفخة البعث، وبينهما أربعون، وقد سُئِل أبو هريرة راوي الحديث: ما المراد بالأربعين؟ فقال: أَبَيْتُ ، أي: إني لا أدري ما المراد بالأربعين التي ذَكَرَها النبي صلى الله عليه وسلم. المهم أن المراد بقوله هنا: نُفِخَ فِي الصُّورِالنفخة الثانية، بدليل قوله: ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وهذا يعني أنه بهذه النفخة صار يوم القيامة الذي هو يوم الوعيد. فإن قال قائل: يوم القيامة يوم وعيد ويوم وعد، وعيد لمن؟ للكفار، ووعد للمؤمنين، فلماذا ذكر الله تعالى هنا الوعيد دون الوعد؟ لأن السورة كلها مبدوءة بتكذيب الْمُكَذِّبِين للرسول عليه الصلاة والسلام، فناسب أن يغلب فيها جانب الوعيد، ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق: ١، ٢] إلى آخره، فكان من الحكمة أن يذكر الوعيد دون الوعد، ومع ذلك فقد ذكر الله تعالى أصحاب الجنة فيما بعد؛ لأن القرآن مَثَانٍ.

تفسير الآية (٢١)

٠١:١٣:٥٩

{وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: ٢١] جَاءَتْيعني: يوم القيامة، كُلُّ نَفْسٍ، أي: كل إنسان، كل بشر، ويحتمل أن يكون المعنى: كل نفس من بني الإنسان ومن الجن أيضًا ممن يُلْزَمُون بالشرائع؛ لأننا إن نظرنا إلى السياق وهو قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُإلى آخره، قلنا: المراد بالنفس هنا نفس الإنسان، وإذا نظرنا إلى أن الشرائع تَلْزَم الجن كما تلزم الإنس، وأن الجن يُحْشَرُون يوم القيامة ويدخل مؤمنهم الجنة وكافرهم النار قلنا: إن هذا عامٌّ، فالله أعلم بما أراد. مَعَهَا سَائِقٌيسوقها، وَشَهِيدٌيشهد عليها بما عملت؛ لأن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام قد وُكِّلُوا بكتابة أعمال بني آدم من خير وشر، وكما سبق أنهم يكتبون كل شيء؛ الخير والشر واللغو، لكن لا يُحَاسَب الإنسان إلا على الخير أو الشر.

تفسير الآية (٢٢)

٠١:١٥:١٧

ثم قال تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا [ق: ٢٢]، كُنْتَالخطاب لمن؟ للإنسان، وفيه ما يسمى بالالتفات، الالتفات معناه أن ينتقل الإنسان في أسلوبه من خطاب إلى غَيْبَة، أو من غَيْبَة إلى خطاب، أو من تَكَلُّم إلى غَيْبَة، المهم أن تختلف الضمائر، وفائدة ذلك الالتفات أنه يشد ذهن السامع، فبينما الكلام على نسق واحد إذا به يختلف. انظر إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وبعده: وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة: ١٢] ولم يقل: وبعث. وانظر إلى الفاتحة نقرؤها كل يوم في كل ركعة من صلواتنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٢ - ٤]، بعده إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥]، ولم يقل: إياه نعبد، وسياق الآيات للغائب، الْحَمْدُ لِلَّهِما هو للمخاطب، ما قلت: الحمد لك يا رب. فالمهم أن الالتفات أسلوب من أسلوب اللغة العربية، وفائدته شد ذهن السامع لما يُلْقَى إليه من الكلام. لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا، وكما تعلمون أن الجملة هنا مؤكَّدَة بثلاث مؤكِّدات؛ لَقَدْ كُنْتَ، وهي كثيرة الوقوع في القرآن دائمًا: (لقد كنت) (لقد كان) (لقد جاء) هذه الجملة يقول العلماء: إنها مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات؛ الأول: القسم، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ إذ إن التقدير: والله لقد كنت في غفلة من هذا. وهنا نطرح سؤالًا: أليس خَبَرُ الله تعالى حقًّا وصدقًا، سواء أُكِّد أم لم يُؤَكَّد؟ بلى لا شك، لكن ما دام القرآن نزل باللسان العربي فإنه لا بد أن يكون التأكيد في موضعه، وعدم التوكيد في موضعه؛ لأن المقصود أن يكون هذا القرآن في أعلى مراتب البلاغة. لَقَدْ كُنْتَأي: أيها الإنسان، فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا، أي: كنت غافلًا عن هذا اليوم، سَاهٍ في الدنيا كأنك خُلِقْتَ لها. فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَيعني: هذا اليوم كُشِفَ الغطاء وبَانَ الخفي، واتضح كل شيء. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، أي: قوي بعد أن كان في الدنيا أعشى أعمى غافلًا، لكن يوم القيامة يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران: ٣٠]، يتبين كل شيء. نسأل الله تعالى أن يحسن لنا ولكم الخاتمة والعاقبة، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (...).


تفسير الآيات (٢٣-٢٦)

٠١:١٨:٣٩

نبتدئ هذا اللقاء -كما هي العادة- بالكلام على تفسير كلام الله عز وجل، الذي هو أشرف الكلام وأفضله وأنفعه للقلوب، فإن الله سبحانه وتعالى نَزَّلَ هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليبين للناس ما نُزِّلَ إليهم، وقد بَيَّنَه النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا شافيًا كافيًا، لكنه قد يخفى على الناس إما لقصور علمه، أو لضعف فهمه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة. يقول الله تعالى: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: ٢٣]، قرين الإنسان هو الْمَلَك الْمُوَكَّل به ليحفظ عنه أعماله؛ لأن الله تعالى وَكَّلَ بأعمال بني آدم عناية بهم، وَكَّلَ بهم ملائكة عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، وهذا من عناية الله بك أيها الإنسان أن وَكَّلَ بك هؤلاء الملائكة يعلمون ما تفعل ويكتبونه، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه. يقول: هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌأي: حاضر، ويحضر للإنسان. فيقال: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق: ٢٤]، قوله: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَقد يشكل على طالب العلم؛ لأنه قال: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ، قرين مفرد أو مثنى؟ طالب: مفرد. الشيخ: مفرد، وهنا أَلْقِيَافيها ألف التثنية، فكيف صح أن يخاطَب الواحد بخطاب الاثنين؟ اختلف المفسرون في الجواب عن هذا، فقال بعضهم: أَلْقِيَاثُنِّيَت الجملة أو اتصل بها ضمير التثنية بناء على تكرار الفعل، فيكون قوله: أَلْقِيَامثل قوله: أَلْقِ أَلْقِ، فالتكرار إذن للفعل لا للفاعل، هذا قول. القول الثاني: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌإما أن يكون مفردًا مضافًا، والمعروف أن المفرد المضاف يكون للعموم، فيشمل كل ما ثبت من قرين، وعلى هذا فيكون قَالَ قَرِينُهُأي: الْمَلَكَان الْمُوَكَّلَان به. فإذا قال قائل: أروني دليلًا أو شاهدًا على أن المفرد يكون لأكثر من واحد. قلنا: مرحبًا، يقول الله عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، وهل نعمة الله واحدة؟ لا؛ لأن الله قال تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: ٢٠]، لكن نعمة الله مفرد مضاف فيكون شاملًا لكل نعمة. ويمكن أن يقول قائل: إن قوله: وَقَالَ قَرِينُهُهو واحد من الْمَلَكَيْن، ولا شك أنه يجوز أن يتكلم واحد من الاثنين باسم الاثنين. وعلى كل حال فيكون قوله على هذا التقدير الثالث والثاني يكون قوله: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَعلى بابه، أي أن الضمير هنا ضمير تثنية الفاعل. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ق: ٢٤ - ٢٦]، خمسة أوصاف: كُلَّ كَفَّارٍ، وكَفَّارٍهذه صيغة مبالغة، فإما أن يقال: إنه كان صيغة مبالغة؛ لأن هذا الكافر قد فعل أنواعًا من الكفر، فإذا جمعت الأنواع صارت كثيرة. وقد يقال: إن هذه الصيغة ليست صيغة مبالغة، وإنما هي صيغة نسبة، كما يقال: نجار وحداد، وما أشبه ذلك ممن يُنْسَب إلى هذه الحرفة، فيكون المعنى كَفَّارٍأي: كافر، لكن قد تَمَكَّنَ الكفر في قلبه والعياذ بالله. عَنِيدٍأي: معاند للحق، لا يقبل مهما عرض له الحق بصورة شيقة بينة واضحة لا يقبل. الوصف الثالث: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِيمنع الخير، فيمنع الدعوة إلى الله، ويمنع بَذْل أمواله فيما يُرْضِي الله، ويمنع كل خير؛ لأن قوله: لِلْخَيْرِلفظ عامٌّ يشمل كل خير، وقوله: مَنَّاعٍكأنه يلتمس كل خير فيمنعه، فتكون هذه الصيغة صيغة مبالغة. مُعْتَدٍأي: يعتدي على غيره، يعني: ليته يمنع غيره من الخير، بل يعتدي عليه، انظروا -مثلًا- إلى كفار قريش، ماذا صنعوا مع الرسول؟ منعوه من الخير أو لا؟ منعوه، اعتدوا عليه؟ نعم اعتدوا عليه. مُرِيبٍأي: واقع في الريبة والشك والقلق، وكذلك أيضًا يشكك غيره فيُدْخِل في قلبه الريبة، فكلمة مُرِيبٍتقتضي وصف الإنسان بها، وحَمْل هذا الوصف إلى غيره. الوصف السادس: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ق: ٢٦]، وما أوسع هذه الكلمة، وإذا كانت هذه الكلمة وصفًا للكَفَّار العنيد، فالمعنى أنه يعبد مع الله غيره، وكلنا يعلم أن المشركين كانوا يعبدون مع الله غيره، فيعبدون اللَّات، ويعبدون العُزَّى، ويعبدون مَنَاة، ويعبدون هُبَل، كل قوم لهم طاغية يعبدونها كما يعبدون الله، يركعون لها، ويسجدون لها، ويحبونها كما يحبون الله، ويخافون منها كما يخافون من الله، نسأل الله العافية. هذا إذا جعلنا الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَوصفًا لهذا الكافر العنيد، أما إذا جعلناها أشمل من ذلك فإنها تعم كل إنسان تَعَبَّد لغير الله، وتَذَلَّلَ لغير الله، حتى التاجر الذي ليس له هَمٌّ إلا تجارته وتنميتها فإنه عابد لها، حتى صاحب الإبل الذي ليس له هَمٌّ إلا إبله هو عابد لها، الدليل على هذا أن من انشغل بشيء عن طاعة الله فهو عابد له، الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»، «عَبْدُ الدِّينَارِ» هذا تاجر الذهب، «عَبْدُ الدِّرْهَمِ»: تاجر الفضة، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ»: تاجر الثياب؛ لأن الخميصة هي الثوب الجميل المنقوش، «تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»: تاجر الفرش، أو ليس بتاجر، يعني لا يتجر بهذه الأشياء، ولكنه مشغول بها عن طاعة الله، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» ، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم مَن اشتغل بهذه الأشياء الأربعة عن طاعة الله سَمَّاه عبدًا لها. أيضًا في القرآن الكريم ما يدل على أن العبادة أوسع من هذا أيضًا، قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية: ٢٣]، فدل ذلك على أن كل مَن قدَّم هوى نفسه على هُدَى ربه فهو قد اتخذه إلهًا، ولهذا يمكننا أن نقول: إن جميع المعاصي داخلة في الشرك بهذا المعنى، ما هو المعنى؟ أنه قدَّمَها على مرضاة الله تعالى وطاعته، فجعل هذا شريكًا لله عز وجل في تَعَبُّده له، واتباعه إياه. فالشرك أمره عظيم وخطره جسيم، حتى الرجل إذا تصدَّق بدرهم وهو يلاحظ لعل الناس يرونه ليمدحوه ويقولوا: إنه رجل كريم، يعتبر مشركًا مرائيًا، والرياء شرك، أخوف ما خاف النبي عليه الصلاة والسلام على أمته الشرك الخفي ، وهو الرياء. فعلى هذا نقول: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، إن أردت أنها وصف خاص بالكَفَّار العنيد فإنها تختص بمن يعبد الصنم والوثن، وإن أردتها بالعموم فهي تشمل كل من اشتغل بغير الله عن طاعة الله، وعرفتم الأمثلة والأدلة على ما ذكرنا. قال الله تعالى: فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، أَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِوهو عذاب النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها بِمَنِّه وكرمه.

تفسير الآية (٢٧)

٠١:٢٩:٣٨

{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [ق: ٢٧]، هو يَدَّعِي أن قرينه هو الذي أطغاه، وهو الذي صدَّه عن سبيل الله، فيقول قرينه: رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ، ما أمرته أن يكفر ولا أن يكون عنيدًا، ولا أن يكون معتديًا، ولا أن يكون مريبًا، ولا أن يكون مشركًا مع الله أحدًا، ما فعلت هذا. وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ، كَانَأي: هذا الكافر، في فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍعن الحق، حينئذ لدينا خصمان: الكافر العنيد، والقرين؛ الكافر العنيد يَدَّعِي أن القرين هو الذي أغواه وأطغاه، والقرين ينكر ذلك.

تفسير الآية (٢٨)

٠١:٣٠:٤٥

فيقول الله عز وجل: قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ [ق: ٢٨]، الخصومة منقطعة؛ لأن الحجة قائمة، ولا عذر لأحد. وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، أي: أوعدتكم على المخالفة فلا حجة لكم.

تفسير الآية (٢٩)

٠١:٣١:٠٨

{مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [ق: ٢٩]، يعني لا أحد يستطيع أن يُبَدِّل قولي؛ لأن الحكم لله عز وجل وحده، فإذا كان الله تعالى قد وعد أو أوعد فهو صادق الوعد سبحانه وتعالى، وأما الإيعاد فقد يغفر ما شاء من الذنوب إلا الشرك. وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، يعني: لست أظلم أحدًا، وكلمة ظَلَّامٍلا تقل: إنها صيغة مبالغة، وأن المعنى أني لست كثير الظلم، بل هي من باب النسبة، أي: لست بذي ظلم، والدليل على أن هذا هو المعنى وأنه يتعين أن يكون هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا [النساء: ٤٠]. ويقول عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢]. ويقول عز وجل: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]. والآيات في هذا كثيرة أن الله لا يظلم، بل إننا إذا تأملنا وجدنا أن فضل الله وإحسانه أكثر من عدله؛ جزاء سيئة سيئة مثلها، جزاء حسنة عشر أمثالها، لو أردنا نأخذ بالعدل لكان السيئة بالسيئة، والحسنة بالحسنة، لكن فضل الله زائد على عدله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يجزي بالفضل والإحسان لمن كان مُحْسِنًا، وبالعدل بدون زيادة لمن كان مسيئًا، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذه السورة. نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما علِمْنا، وأن يجعل علمنا دالًّا لنا على مرضاته، إنه على كل شيء قدير (...).


تفسير الآية (٣٠)

٠١:٣٣:١٦

نبدأ فيه كما هو العادة بتفسير آيات من كتاب الله عز وجل، ونحن في سورة (ق) عند قوله تبارك وتعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: ٣٠]، يَوْمَهذه ظرف زمان، والظروف الزمانية والمكانية وكذلك حروف الجر لا بد لها من متعلق، أي: لا بد لها من فعل، أو ما كان بمعنى الفعل تتعلق به. فما هو متعلق قوله: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ؟ نقول: هو محذوف، التقدير: اذكر يوم نقول لجهنم، وليعلم أنه يوجد في اللغة العربية كلمات تُحْذَف، بل ربما جُمَل تُحْذَف، وذلك فيما إذا دَلَّ عليها السياق، فهنا الكلمة التي تتعلق بها كلمة يَوْمَمحذوفة، بتقدير: اذكر يوم نقول لجهنم: هل امتلأت وتقول هل من مزيد، يسألها الله عز وجل هل امتلأت؟ وهو يعلم سبحانه وتعالى أنها امتلأت أو لم تمتلئ؛ لأنه لا يخفى عليه شيء، لكنه يسألها: هَلِ امْتَلَأْتِليُقَرِّر لها ما وعدها سبحانه وتعالى، فإن الله يقول: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]. فيسألها: هَلِ امْتَلَأْتِ، يعني: هل حصل ما وعد الله به؟ لأن الله تكفَّل بأن يملأ الجنة ويملأ النار. فتقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، هَلْهنا أداة استفهام، وهي حرف، هل هي استفهام طلب أو استفهام نفي؟ انتبهوا للفرق، هل هي استفهام طلب، بمعنى أنها تطلب الزيادة؟ أو استفهام نفي، بمعنى أنها تقول: لا مزيد على ما فِيَّ؟ في هذا للعلماء قولان؛ القول الأول: أن المعنى هَلْ مِنْ مَزِيدٍأي: لا مزيد على ما فِيَّ، و (هل) تأتي لاستفهام النفي، كما في قوله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فاطر: ٣]، أي: ما من خالق، وعلى هذا فتكون النار امتلأت، إذا قالت: لا مزيد على ذلك، فالمعنى أنها امتلأت، وقيل: (هل) للطلب، أي: تطلب الزيادة. وإذا اختلف العلماء في التفسير أو غير التفسير فالمرجع إلى ما قاله الله ورسوله، فلننظر أي القولين أولى بالصواب؟ ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ عَلَيْهَا قَدَمَهُ»، أو قال: «عَلَيْهَا رِجْلَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ» . فأي القولين أولى بالصواب؟ أنها استفهام طلب، يعني تطلب الزيادة، ولكن رحمة الله سبقت غضبه، يضع عليها عز وجل رجله على الوجه الذي أراد، ثم ينزوي بعضها، ينضم بعضها إلى بعض وتتضايق وتقول: لا مزيد على ذلك، أو وتطلب، ثم ينتهي الموضوع، فحَقَّت كلمة الله أنه ملأ جهنم من الْجِنَّة والناس أجمعين. في الحديث الذي سُقْتُه إثبات القَدَم أو الرِّجْل لله عز وجل، فهل هو قَدَم حقيقة، أو قَدَم بمعنى الْمُقَدَّم، يعني يضع الرب عز وجل مَن يُقَدِّمُهم إلى النار حتى يملأها؟ وهل الرِّجْل الرِّجْل حقيقة، أو الرِّجْل بمعنى الطائفة؛ لأنه يُقَالُ: رِجْل من جراد، مثل طائفة من جراد، أيهما أولى؟ الأول، يعني أن المراد رِجْل حقيقة لله عز وجل، إلا أنها لا تشبه أرجل المخلوقين بأي وجه من الوجوه، نعلم عِلْم اليقين أنها ليست مثل أرجل المخلوقين، من أين علمنا أنها ليست مثل أرجل المخلوقين؟ طالب: (...). الشيخ: لا، من أين علمنا أن رِجْل الله لا تشبه ولا تماثل أرجل المخلوقين؟ طالب: (...). الشيخ: لا، من قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. والمقصود من قوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ، هو تحذير الناس؛ لأن كل واحد منا لا يدري أيكون من حطب جهنم، أو يكون ممن نَجَّى منها، نسأل الله أن ينجينا وإياكم منها.

تفسير الآيات (٣١-٣٣)

٠١:٣٩:١١

ثم قال عز وجل: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق: ٣١]، أي: قُرِّبت للمتقين مكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا [ق: ٣١، ٣٢] أي: ما تشاهدون من قرب الجنة، مَا تُوعَدُونَأي: هذا الذي توعدون. فإن الله تعالى وَعَدَ المؤمنين العاملين الصالحات وَعَدَهُم الجنة، وصدق وعده عز وجل، ولكن لمن؟ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، الأوَّاب صيغة مبالغة من (آب يؤوب) بمعنى: رجع، أي: لكل أَوَّاب إلى الله، أي: رَجَّاع إليه. حَفِيظٍأي: حفيظ لما أمرهم الله به، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ» ، المعنى: أنه حفيظ لأوامر الله، لا يضيعها ولا يقابلها بكسل وتَوَانٍ، بل هو نشيط فيها، وإذا أَذْنَبَ بِتَرْك واجب أو فِعْل مُحَرَّم تجده يرجع إلى الله، لِكُلِّ أَوَّابٍ، فهو أَوَّاب رَجَّاع إلى الله تعالى من المعاصي للطاعات، وكذلك حَفِيظٍ: حافظ لما أمر الله به، محافظ عليه، قائم به، هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق: ٣٣]، مَنْهذه بدل مما سبقها. خَشِيَ الرَّحْمَنَأي: خَافَهُ عن علم وبصيرة؛ لأن الخشية لا تكون إلا بعلم، الدليل قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، فهي خشية، أي: خوف ورهبة وتعظيم لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن علم. وقوله: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِلها معنيان؛ المعنى الأول: أنه خشي الرحمن مع أنه لم يَرَهُ، لكن رأى آياته الدالة عليه. والمعنى الثاني: خَشِيَهُ بالغيب، أي: بغَيْبَتِه عن الناس، يخشى الله وهو غائب عن الناس؛ لأن من الناس مَن يخشى الله إذا كان بين الناس، وأما إذا انفرد فإنه لا يخشى الله، مثل من؟ طالب: المرائي. الشيخ: المرائي، المنافق، إذا كان مع الناس تجده من أحسن الناس خشية، إذا انفرد لا يخشى الله. كذلك أيضًا من الناس مَن يكون عنده خشية ظاهرية، لكن القلب ليس خاشيًا لله عز وجل، فيكون بالغيب أي بما غاب عن الناس، سواء كان عمله في مكان خاص، أو ما غاب عن الناس في قلبه، فإن خشية القلب هي الأصل. وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍأي: جاء يوم القيامة، بِقَلْبٍ مُنِيبٍأي: رَجَّاع إلى الله عز وجل، يعني أنه مات وهو مُنِيبٌ إلى الله، فهو كقوله: وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ١٠٢]، المعنى أنه بَقِيَ على الإنابة والرجوع إلى الله عز وجل إلى أن مات، إلى أن لقي الله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، نسأل الله أن يختم لنا ولكم بالخير.

تفسير الآية (٣٤)

٠١:٤٢:٥٩

ثم قال تعالى: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق: ٣٤]، ادْخُلُوهَاأمر، هل هو أمر إلزام أو أمر إكرام؟ طلبة: إكرام. الشيخ: أمر إكرام؛ لأن الآخرة ما فيها تكليف وإلزام، بل إما إكرام وإما إهانة، كقوله تعالى في المجرمين: ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ [الزمر: ٧٢]، هذا أمر إهانة. وقوله في المؤمنين هنا: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍهذا أمر إكرام. وقوله: بِسَلَامٍ، الباء هنا للمصاحبة، المعنى: دخولًا مصحوبًا بسلام، سلام من أيش؟ سلام من كل آفة، أصحاب الجنة سالمون من الأمراض، وسالمون من الهرم، وسالمون من الموت، وسالمون من الغِلّ، وسالمون من الحسد، وسالمون من كل شيء، كل شيء يطلب فيه السلامة فأهل الجنة سالمون. ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ، أي: هذا اليوم، يَوْمُ الْخُلُودِ، أي: اليوم الذي لا هلاك بعده، خلود دائم سَرْمَدِيّ لا نهاية له.

تفسير الآية (٣٥)

٠١:٤٤:١٩

{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا} [ق: ٣٥]، أي: لهؤلاء المتقين، مَا يَشَاءُونَ فِيهَا، أي: في الجنة، وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ، يعني: مزيد على ما يتمنون ويشاؤون؛ لأن الإنسان بحكمه مخلوق يعجز عن أن يستقصي كل شيء، وتنقطع أمنيته بحيث لا يدري ما يتمنى، لكن هؤلاء أهل الجنة كل ما يشتهون فيها فإنه موجود. لو اشتهى الإنسان ثمرة معينة كرُمَّان أو عنب أو ما أشبه ذلك يجدها؟ يجدها، في أي وقت؟ في أي وقت، كل شيء يشتهيه الإنسان ويطلبه فإنه موجود لا يمتنع، بل قال الله عز وجل: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ، يعني: نعطيهم فوق ما يشتهون ويتمنون، ومن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل. ولهذا استدل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من أهل العلم بهذه الآية على إثبات رؤية الله عز وجل، وقال: إن هذه الآية لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌكقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.