تفسير سورة فصلت - ٢
درس صوتي · ٩٢:٣٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
..حيث حصَر الوحي بالتوحيد يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ [فصلت: ٦] مع أنه يُوحى إليه أشياء أخرى كالصلاة والزكاة وغير ذلك، لكن لَمَّا كان أَهَمَّ ما جاء به صلى الله عليه وسلم التوحِيدُ حُصِر الوحي به أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. وإني أقول لكم: متى حقَّقَ الإنسان التوحيد فلا بدَّ أن يقوم بشرائع الإسلام، عرفتم؟ لأنه إذا وحَّدَ الله بالقصد وجعله هو حياتَه فلا بد أن يتَّجِهَ إليه وفيما يتجِهُ إليه؟ بالطريق الذي شرعَه مُوصِلًا إليه؛ ولهذا نقول: إن حديث عِتبان: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» هو على ظاهرِه، فمَن قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله فإنه يُحَرَّم على النار، ومقتَضَى تحريمه على النار ألَّا يعمَلَ كبيرة تُوجِب دخولَه النار أو تقتضي دخوله النار، كلُّ مَن قال: لا إله إلا الله يبتغي وجهَ الله فلن يعملَ ما يُغضِبُ الله، كيف ترِيد وجهَه ثم تعمل ما يغضِبُه؟ هل عمَلُ ما يغضِبُه يصدُّك عن الوصول إلى وجهه أو لا؟ نعم، يصُدُّك، إذا كان يصدُّك وأنت تبتغي وجهَه فلا بد أن تعدِل عنه إما بالانكفاف مطلقًا وإمَّا بالتوبة منه إن وقعْتَ فيه، انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض الناس يقول لنا: أنتم تكَفِّرُون تارك الصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» ولم يذكر الصلاة، قلنا له: بل ذكَرَ الصلاة وذكر ما دون الصلاة أيضًا، في أي شيء؟ في قوله: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ». ونحن نقول: لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يكون رجل يقول: لا إله إلا الله يبتغِي بذلك وجهَ الله أن يحافِظَ على ترك الصلاة أبدًا، مَن حاول أن يجمَعَ بين ذلك وبين ترك الصلاة فقد حاول أن يجمع بين الماء والنار، وهذا أمر ظاهِر، الآن ولله المثل الأعلى سأضرِب لكم مثلًا، لو كنت تريد أن تصِل إلى شخص من الناس وتسعى بكل وسيلة أن تصِلَ إليه هل تفعل ما يحُول بينكَ وبينَ الوصولِ إليه مِنْ معصيته؟ أبدًا، بل تنظُر ماذا يحِبّ فتفعلُه مِن أجل أن تصِل إليه، ومِن أجل أن يكون مُستقبِلًا لك بالترحيب. أما أن تقول: والله أنا أحب فلانًا، أحبُّ أن أصِلَ إليه، وفلان يقول: لا تمشِ مع هذا الطريق فتقول: والله أنا أحِبُّ هذا الرجل، وهذا الطريق ما شاء الله ماشٍ معه، الطريق المخالف، هو يقول مثلًا: إذا أردت أن تأتي إليه إيتني مع الطريق الأيمن قلت: والله أنا أحِب فلانًا وأحب الوصولَ إليه، بسم الله، مع أي طريق؟ مع الطريق الأيسر وماشي مع الطريق الأيسر وأنت تقول: والله أنا أحب هذا وأعظِّمُه وهو أحبُّ إليَّ مِنْ نفسي هذا صدق ولَّا كذب؟ كذِب لا شك، إذن كلُّ مَن قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله فإنه سوف يتحَاشى المعاصيَ ولو صغيرة، ولهذا جاء حصرُ الوحي في هذه الآية بأيش؟ بالتوحيد يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [فصلت: ٦] وهو الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوبُ الإخلاص لله والاستقامة على دينه.. طالب: الإخلاص من قوله تعالى: إِلَهٌ وَاحِدٌوالاستقامة فَاسْتَقِيمُوا. الشيخ: لا. الطالب: (...). الشيخ: لا، اسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ؛ اسْتَقِيمُوا: هذا العمل، وإِلَيْهِ: الإخلاص. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد المشركين؛ لقوله: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت: ٦]، وهذا النوع من التهديد يكون فيما هو شرك ويكون فيما هو دون ذلك فقد قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين: ١، ٢] وهؤلاء ليسوا بمشركين؛ يعني أن عملَهم هذا لا يُوصِل إلى الشرك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِمَنْ حَدَّثَ فَكَذَبَ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ» وهذا أيضًا ليس من الشرك، وعلى هذا فلا يقال: إن كل وعيدٍ كان بهذه الكلمة يفِيد أن الفعل شرك بل قد يكون شركًا أو ما دونه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوحيد تزكِيَةٌ للنفس؛ لقوله: الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت: ٧]، ولا شكَّ أن التوحيد تزكية للنفس؛ لأنك تقطَعُ العلائق مع غير الله إلَّا فيما يُحِبُّ الله، الموَحِّد حقيقة قلبُه دائمًا مع الله عز وجل دائمًا يتقلَّب في قضائِه الكونيِّ راضيًا به كما يتقلَّب في قضائِه الشرعِي راضيًا به، ولهذا تجدُه إذا أصابَتْه سرَّاء شكر ولم يبطر، وإذا أصابته ضراء صبَر ولم يتسَخَّط، فهو دائمًا مع الله يقول لنفسه: أنا عبدُ الله يفعلُ بي ما شاء، أنا عبد الله إن أصابَني بالسراء شكرْتُ فكان خيرًا لي وإن أصابني بالضراء صبرت فكان خيرًا لي، أنا عبد الله لا يمكن أن أعارِضَ قضاءَ الله يقضِي علي اليوم بالسرور فأُسَرّ وغدًا بالسوء فأسْتَاء ويمشي مع الله مع قضائِه وقدرِه، وهذا هو الذي يجد الراحةَ تمامًا، ولهذا مِن ثمرات الإيمان بالقدر أن الإنسان يكون دائمًا مطمئِنًّا ليس فيه قلق ولا حزن، وإن كان ربما في الصدمة الأولى يجِد الإنسان الحزْن لكن بتصبيرِ نفسه ومشاهدَة القدر يسهُل عليه الأمر، وإلا فمن المعلوم أن الإنسان ليس حديدًا أو حجارَة لا يتأَثَّر لكنه عندما يُصَبِّر نفسه ويُحَمِّلُها يصبر فيطمئن، فالمهم أن التوحيد كله خير، وكله زكاة تزكية للنفس وتطهير لها. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشركين لا يؤمنون بالآخرة؛ ولهذا إذا قيل له: وحِّدِ الله تَنْجُ من عذابِه قال: ما فيه عذاب، يكفرون بالآخرة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بالآخرة يدعو إلى التوحيد وتحقيقِه وهذا حقٌّ وواقع، كلُّ إنسان يؤمِن بأنه سوف يُحشَر يوم القيامة في أرض قاعٍ صَفْصَف لا يرى فيها عِوَجًا ولا أمْتًا وأنه سيُجازى على عملِه، كلُّ إنسان عاقل سوف يستعِدُّ لهذا اليوم؛ ولذلك ينبغي لنا مع كونِ قلوبِنا مع الله عز وجل أن نتذَكَّر الساعة وقيامَ الناس، وهل بين الإنسان وبين هذه الحال وقتٌ محدد معلوم؟ لا، أبدًا، يصِلُ إلى هذا إذا مات، ومتى يموت؟ لا يُعلَم قد يخرُج الإنسان من بيتِه ولا يرْجِع إليه، قد ينامُ على فراشه ويُحمَل ميِّتًا، قد يركب سيارته ولا ينزِل منها، فإذن تذَكَّرْ يا أخي عندما تستَولي على قلبك الغفْلة تذَكَّر هذا اليوم الذي تُحشَرُ فيه أنت وسائرُ الخلق حافِيًا عارِيًا أغْرَل، ليس عندك مال ولا بنون ولا أحد يحمِيك، تذَكَّر هذا فإذا تذَكَّرْتَه فسوف تعمَل لهذا اليوم. إخوانُك أولادك آباؤك أمهاتك الذين فقدتهم في الحياة متى تجتمع بهم؟ في هذا اليوم، ما في اجتماع إلَّا في هذا اليوم؛ إذن استعد لهذا اليوم، اعمل صالحًا، لا يفوتُك الركب، كن في مقدمته واجعل الدنيا وراء ظهرك اجعلها تابعة لك ولا تجعل نفسك تابعًا لها حتى تنجوَ، فكل إنسان يؤمن بالآخرة فإنه إذا تذكرها سوف يعمل لها لقول الله: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات: ٦١] أسأَلُ الله تعالى أن يجعلني وإياكم من المتقين الذين يؤمنون بالآخرة ويعملون لها. طالب: شيخ -بارك الله فيك- قلنا: (...) النبي صلى الله عليه وسلم (...)، وأنه لا يملك النفع والضر (...) بعض الناس يذهبون إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعون الله هناك ويستدلون بقول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء: ٦٤] ويقولون: إن هذه الآية لا تجوز على الخصوصية، يقولون: ما ذنب الذين يذهبون من بعده أنه لا يستغفر لهم إذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم. الشيخ: هذا -بارك الله فيك- داخِلٌ في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]، إن الذي قال له: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: ٦٤] يتحدَّث عن قومٍ معيَّنين بدليل قوله: إِذْ ظَلَمُواوإِذْلِمَا مضى ولَّا للمستقبل؟ لِمَا مضى، جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ [النساء: ٦٤] يعني: استغفرتَ لهم، لكن أظهر في مقام الإضمار تعظيمًا لشأن الرسول عليه الصلاة والسلام وبيانًا لأنه أقرَبُ منهم إجابة لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٤، ٦٥] إلى آخرِه، ولم يقل: ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم، لو قال: إذا ظلموا قلنا: هذه لهم ولغيرهم، لكن قال: إِذْ ظَلَمُوا، ثم إن استغفار الرسول عليه الصلاة والسلام بعد موتِه مستحيل؛ لأن الاستغفار عمل والعمل قد انقطع بموتِه، ثم إن هؤلاء ليسوا أفقه في كتاب الله وليسوا أعلم بحال رسول الله من الصحابة، هل أحد منهم جاء إلى قبر الرسول قال: يا رسول الله، استغفر لي؟ أبدًا، بل إنهم لما أُصِيبوا بالجدب لم يقولوا: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا مع أنهم إلى جنبه، بل هم استغاثوا ودعوا الله، وطلب عمر من العباس أن يدعو الله عز وجل، لكن لا بد لكلِّ ذي باطل لا بد أن يجِدَ شبهةً في الكتاب والسنة، وهذا من حكمة الله عز وجل وابتلائه وامتحانه، ولكن كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه درء تعارض العقل والنقل وفي فتاويه أيضًا يقول: كل إنسان يستدل بدليلٍ صحيح من كتاب أو سنة على باطل فإن هذا الدليل دليل على إبطال باطلِه لا على إثبات باطله؛ الدليل: قول الله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]. طالب: شيخ، في تعريف النبي: مَنْ أوحي إليه ولم يؤمرْ بالتبليغ، إذا قال قائل: كيف يعني ونحن (...) أمة النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبْلَغ إليهم ومع ذلك أُمِروا بالتبليغ؟ الشيخ: هذه المسألة تنبني على اختلاف العلماء: مَن هو النبي ومَن هو الرسول؟ فجمهور العلماء على أن الرسول من أُرسِل، أوحِي إليه بالشرع، وأُرسِلَ به وأُمِرَ أن يُبَلِّغَه، وأما النبي فهو مَن نُبِّئ أي: أُخْبِر، والإخبار لا يلزم منه التكليف بالإبلاغ فهو مَن أوحي إليه بشرع ولم يُؤْمَر بتبليغه بل أُمِر أن يفعلَه بنفسه، فيكون هذا الإنباء تجديدًا للرسالة السابقة أو إنشاءً لشريعةٍ لم تكنْ قائمةً، وهذا الذي قاله الجمهور هو الصحيح؛ لأننا لو قلنا: إن النبي هو مَن جَدَّدَ شريعة سابقة وأُمِرَ أن يبلغ الناس وأن يوقظهم لو قلنا: النبي هو هذا، أشكل علينا نُبُوَّةُ آدم؛ فإن آدم نبي مُكَلَّم ومع ذلك لم يسبقه رسول. فإن قال قائل: إذن ما الفائدة؟ قلنا: الفائدة أولًا: مصلحة هذا النبي هو بنفسه أنه أوحي إليه بشرع. ثانيًا أنه إن كان في شريعة سابقة فهو عبارة عن تجديد تلك الشريعة، وإن كان في غير شريعة سابقة كآدم فإن الناس في عهده بدائيين لم يكثُرُوا ولم يختلفوا ولم تُفتَح عليهم الدنيا فكانوا ينظرون إلى ما يفعله أبوهم فيفعلونه دون حاجة إلى أن يُرسَل إليهم؛ ولهذا قال الله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَيعني: فاختلفوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَوَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣] فأنا يترجح عندي قول جمهور العلماء أن النبي مَن أوحي إليه بشرع ولم يُؤْمَر بتبليغه، وأما نحن فلما لم يكنْ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نبِيٌّ صرنا مأمورين بإبلاغ رسالته، فنحن في الحقيقة رُسُلُ رسول الله؛ ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِياءِ» . طالب: شيخ -بارك الله فيك- قوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ [فصلت: ٦] (ويلٌ) أعربناها مبتدأ، وقد يصح كونها مصدرًا لفعلٍ محذوف وجوبًا؟ الشيخ: مصدرًا لفعل محذوف وجوبًا! أولًا هل لها فِعْلٌ من لفظها؟ الطالب: يعني على حد قولهم: جلس القاعد القرفصاء.. الشيخ: هل (ويل) لها فعل من لفظها؟ طالب: ليس لها فعل. الشيخ: إذن كيف تكون مصدرًا؟ الشيء الثاني: المصدر لفعلٍ محذوف يكون منصوبًا. الطالب: من باب النيابة عن الفعل يا شيخ. الشيخ: ما يستقيم، حتى لو ناب عن الفعل يكون منصوبًا، هي ما فيها إشكال إلَّا ما قلتُ لكم؛ وهو أنه ابْتُدِئَ بها وهي نكرة، فقلنا: إن الذي خصَّصَها هو الوعيد (...).
تفسير الآيات (٨-١٢)
٠٠:١٨:٢٨
طالب: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: ٩ - ١٢]. الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت: ٨] لَمَّا ذكر عقوبة المشركين بيَّن ثواب المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنزل هذا الكتاب مثانِيًا، وإنما كان الأمر كذلك؛ ليكون الإنسان سائِرًا إلى ربِّه بين الخوف والرجاء، فإنه إذا سَمِعَ عقوبةَ المكذبين خاف، وإذا سمع ثواب المؤمنين رجا، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون سائرًا إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء كما قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء: ٩٠]، ولكن في بعض الأحيان قد يكون من المصلحة تغليبُ الرجاء أو مِن المصلحة تغليب الخوف فإذا اشتَدَّت رغبة الإنسان في المعصية فَليُغَلِّب جانب الخوف حتى يرتدِع عنها، وإذا فعل الإنسان العبادة فَليُغَلِّب جانب الرجاء وهو قبول الله تبارك وتعالى لها، وكذلك أيضًا ينبغي له في حال المرض أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى وأن يُحسِنَ الظن به كما جاء في الحديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» تبارك وتعالى. يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِجَمَعَ الله تعالى بين العقيدة والعمل، بين الإيمان والإسلام؛ آمَنُوا: العقيدة، عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: الإسلام، وهذا -كما ترَوْن- يقع في القرآن كثيرًا؛ فالإيمان وحده لا يكفِي بل لا بد مِن عملٍ صالح حتى يحصُلَ الثواب، وكلما جاءت آمَنُوافالمراد: آمَنُوابما يجب الإيمان به من الأصول الستة التي بيَّنَها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجبريل حين قال: «الْإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ؛ وذلك لأن الإيمان المُجمَل في القرآن تفسره أو يفسِّرُه تفصيل السنة؛ لأنه لا أحد أعلم بكتاب الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما قوله: عَمِلُوا الصَّالِحَاتِفمعلوم أن الصَّالِحَاتِوصفٌ لموصوفٍ محذوف؛ التقدير: الأعمال الصالحات، فما هي الأعمال الصالحات؟ الأعمال الصالحات: ما جمعَت شرطين: الأول: الإخلاص لله عز وجل، والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكل عمَلٍ فيه شِرْك فإنه ليس بصالح وهو مردودٌ على صاحبه لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» وكذلك أيضًا لا بد مِنَ اتِّباع الرسول؛ فالعمل البدعِيُّ غير مقبول وإن أخلص الإنسان فيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» إذن الأعمال الصالحات لا بد أن تتضَمَّن شيئين وهما: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [فصلت: ٨] هذه الجملة خبر إِنَّلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍقد نقول: إن تقديم الجار يدل على الحصر أي لهم لا لغيرِهم مِن المكذِّبين أو الفاسقين أَجْرٌأي: ثواب غَيْرُ مَمْنُونٍيقول المفسر: (غير مقطوع) بل هو دائم؛ كما قال تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ٦٢]، وقيل: غَيْرُ مَمْنُونٍغير ممنونٍ بِهِ أي يُعطَوْنه بلا مِنَّة وهذا محتمِل وإذا كان محتمِلًا ولا ينافي المعنى الأول كان المراد بالآية المعنيين جميعًا؛ إذ لدينا قاعدة في التفسير وكذلك في الحديث مهمة وهي: إذا كان النَصُّ يحتمِلُ معنيين لا ينافي أحدُهما الآخر فإن النص يُحمَل عليهما جميعًا؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يحتمله كلامُه وكذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما لمْ يُعَيِّن أحد الاحتمالين وجب أن يكون شاملًا لهما، لكن إذا كان أحدهما أرجحَ من الآخر فإنه يُتَّبَع الأرجح ولهذا نقول: يُقَدَّمُ ظاهر النص على تأويل النص والتأويل كما تعلمون هو اتِّباع المعنى المرجوح. إذن لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍأي: ثواب غير مقطوع وثواب غير ممنون به. ثم قال تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ [فصلت: ٩] قُلْأي: يا محمد لهؤلاء المكذِّبِين أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَالجملة هذه استفهام بمعنى التقرير يعني: إنكم لتَكفرون، و(إن) للتوكيد ولَتَكْفُرُونَللتوكيد أيضًا؛ وذلك لأن اللام الواقعة في خبر (إن) أو اسمِها المؤَخِّر تكونُ للتوكيد. قُلْ أَئِنَّكُمْهذا إعرابها فـ(إنَّ) تنصب المبتدأ وترفع الخبر والكاف اسمُها، وجملة لَتَكْفُرُونَخبرُها، أما مِن حيث القراءات فاستمع: يقول: (بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلِها) تحقيقها أن تقول: أَئِنَّكُمْتسهيلها أن تقول: {أَاِنَّكُمْ} سهِّلْها تمرُّ بها بسرعة (وإدخال ألف بينهما بوجْهيها وبين الأولى) (بوجهيها) ما هما الوجهان؟ التَّحقيق والتسهيل، أدخِلْ ألفًا بينهما على القراءتين تكون القراءاتُ أربعًا: إدخال الألف تقول: {آئِنَّكُمْ} هذا في التحقيق {آاِنَّكُمْ} هذا بالتسهيل. إذن تحقيقٌ وتسهيل بألف وبدونِها، اثنان في اثنين بأربع قراءات. لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِتكفرون به أي: تجحَدُونه وتستكْبِرُون عن عبادته؛ لأن الكفر كله يدور على شيئين، انتبهوا لهما، الكفر يدور على شيئين: إما جحد وإما استكبار؛ فمثلًا الشيطان إنما كفر بأيش؟ بالاستكبار، وإلَّا فهو مُقِرٌّ بالله وبعزة الله وبقدرة الله لكنه استكبر، وآل فرعون ومَن شابههم كفروا بأيش؟ بالجحود، فمدارُ الكفرِ كلِّه على هذين الأمرين: الجَحْد أو الاستكبار، فقوله: لَتَكْفُرُونَيشمل المعنيين؛ لأنهم جحدوا توحيدَ الله عز وجل واستكبرُوا عن عبادته. بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِلم يقل: بالله، بل أتى بفعلٍ مِنْ أفعاله جل وعلا، فعل لا تقدر عليه هذه الأصنام، والإتيانُ بالفعل الذي لا تقدر عليه الأصنام هو إقامة للحجة في نفس الوقت؛ أي: تكفرون بهذا مع أن أصنامكم لا تفعله. لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِقال المفسِّر: قال: (الأحد والاثنين)؛ لأن أول يوم ابتدأ الله فيه الخلق الأحد. وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًاالواو حرف عطف وتَجْعَلُونَمعطوفة على تَكْفُرُونَلا على الصلة؛ يعني: لا على خَلَقَ. (وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًاشركاء) أَنْدَادًاجمع نِدٍّ، والند في الأصل هو المساوي والمماثل يقال: هذا نِدُّ هذا أي: مماثل له ونظير له، والمراد بهم هنا الشركاء الذين يعبدونهم كما يعبدون الله، والعجب أن هؤلاء المشركين من سفههم يقولون: إنما نعبدهم أيش؟ ليقرِّبونا إلى الله، تعبدونهم مع الله وتقولون: يقربونا إلى الله؟ إن الله غني عن هذا وهذا لا يزيدكم من الله إلا بُعدًا. ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَذَلِكَأتى باسم الإشارة دون الضمير ثم جعلها إشارة بُعْد للتعظيم والتفخيم والتعلية؛ لأن البعد هنا إشارةٌ إلى المكان العالي ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَلو قال: هو رب العالمين استقام الكلام، لكن لم يحصُل ما تدلُّ عليه الإشارة من التعظيم ثم ما يدل عليه صيغة البُعد من العلو نظيرُ ذلك الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢] ولم يقل: هو الكتاب ولا هذا الكتاب إشارةً إلى ما ذكرنا، ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قال المفسر: (مالك) وفي هذا التفسير قصور، بل نقول: خالق ومالك ومدبِّر؛ لأن الربوبية هي الخلق والملك والتدبير، فإذا قلنا: (مالك) صار في هذا قصور. ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَأي: خالقهم ومالكهم ومُدَبِّر أمورهم. (الْعَالَمِينَجمع عالم وهو ما سوى الله) عز وجل، كل ما سوى الله فهو عالم وسُمِّيَ عالمًا؛ لأنه علم على خالقه جلَّ وعلا، فإن كلَّ شيء فيه آية تدلُّ على وحدانية الله وقدرته وحكمته وعزته وغير ذلك، قال: (ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَجمع عالم، وهو ما سوى الله وجُمِعَ لاختلاف أنواعه) يعني: لم يقل: العالم، بل أتى بالعالمين (لاختلاف أنواعه، بالياء والنون تغليبًا للعقلاء). فإن قال قائل: هل العقلاء أكثر أو غير العقلاء؟ طلبة: الثاني، العقلاء. الشيخ: عندنا الآن قولان: العقلاء أكثر، غير العقلاء أكثر، ما فيه قول بالتوقف؟ طلبة: (...). الشيخ: نعم؟ أقول ما في شيء بالتوقف؟ طالب: ما أحد يستطيع أن يجزم. الشيخ: إذن قل: أنا متوقف، إذا كنت لا تجزم قل: متوقف حتى يكون هناك قول ثالث؟ فيقال: إن قيل: العقلاء أكثر يحتاج إلى دليل، وربما يكون دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ مِنْهَا إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ» والسماء واسعة عظيمة، كل سماء أوسع مما تحتها، فمن يحصي هؤلاء؟ هذا شيء عظيم، البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم من الملائكة سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، مَنْ يحصي الأيام؟ وكل يوم يضرب بسبعين ألف ملك، فإذا رأينا إلى هذا قلنا: العقلاء أكثر، من يحصي هؤلاء؟! وإن نظرنا إلى ما في الأرض قلنا: غير العقلاء؟ طلبة: أكثر. الشيخ: أكثر، فعلى هذا التقدير أن المراد مثلًا أن نريد (من في الأرض) نقول: إنه غُلِّب العقلاء لشرفهم، والحاصل أن تغليب العقلاء إن كان العقلاء أكثر فغُلِّبُوا لأيش؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم، لكثرتهم، وإن قلنا: غير العقلاء أكثر فغُلِّب العقلاء.. طالب: (...). الشيخ: يُغلَّب مَنْ ليس بمميز؟ طالب: تشريف. الشيخ: لشرفهم صح، على كل حال تغليب العقلاء الآن إن كان العقلاء أكثر أيش؟ فلكثرتهم، إن كان غير العقلاء أكثر فلشرف العقلاء ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قال: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ(جَعَلَمستأنَف) يعني: وليس معطوفًا على خَلَقَ، والعجب أنه يقول: (ولا يجوز عطفه على صلة الذي للفاصل الأجنبي) هذا ما ذهب إليه المؤلف أن قوله: (وَجَعَلَمستأنف)، ولا شك أننا إذا جعلناه مستأنفًا لم يكن الكلام منتظمًا، والصواب أنه على خلاف ما قال المؤلف: أن جَعَلَمعطوفة على خَلَقَيعني بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِوَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَوالفاصل الأجنبي هنا لا يضر إما أنه لا يضر مطلقًا كما قيل به، وإما أنه لا يضر؛ لأنه في مضمون الكلام والكلام واحد، فالصواب أن قوله: وَجَعَلَمعطوفة على خَلَقَأي: بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ. (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَجبالًا ثوابت) أولًا: جَعَلَهنا هل هي من أفعال التصيير أو من أفعال الإيجاد؟ طلبة: الإيجاد. الشيخ: يحتمل المعنى: وأوجد فيها رواسي ويحتمل أن تكون من أفعال التصيير أي: صيَّر فيها رواسي والمعنى لا يختلف، لكن الإعراب يختلف، إذا قلنا: من أفعال التصيير صارت تنصب مفعولين، وإذا قلنا: من أفعال الإيجاد صارت تَنْصِب مفعولًا واحدًا، وقول المؤلف: (جبال ثوابت) أفادنا رحمه الله أن رَوَاسِيَصفة لموصوف محذوف والتقدير: جبالًا رواسي، ورَوَاسِيَبمعنى ثوابت. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَهل يجوز أن يُحْذَف المنعوت؟ نعم، وهو كثير جدًّا.
وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ
يَجُــــــــوزُ حَــــــذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِـــــلّْ
أي: وفي المنعوت يكثُر أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ: ١١] أي: دروعًا سابغات، المهم كثيرة. عَمِلُوا الصَّالِحَاتِكما مر علينا، حذف المنعوت كثير؛ لأن المقصود الصفة والصفة تكون بأيش؟ بالنعت وهو موجود. مِنْ فَوْقِهَاأي: هذه الرواسي من فوق. طالب: إعراب (جعل) بمعنى صير؟ الشيخ: إي نعم، يعني: صير فيها رواسي. طالب: المفعول الأول والثاني. الشيخ: المفعول الأول هو رَوَاسِيَ، والثاني الجار والمجرور، وقوله: مِنْ فَوْقِهَاانتبه لهذه الكلمة لها فائدة عظيمة، الرواسي قد تكون من أسفل وقد تكون من فوق، أليس كذلك؟ قد تكون من أسفل يعني يكون مثلًا يحفر في الأرض قواعد ترسي وتكون راسية، لكن هنا قال: مِنْ فَوْقِهَا؛ وذلك لفوائد: الفائدة الأولى: ظهور هذه الرواسي وبيانها للناس حتى يعرفوا بذلك حكمة الله عز وجل، وربما لا تكون رواسي إلا إذا كانت من فوق بناءً على أن الأرض تدور حتى تحفظ أيش؟ توازنها. ثانيًا: هذه الرواسي إذا كانت من فوق حصل فيها من المنافع في درء العواصف وفي الملاجئ شيء كثير كما هو معروف في المغارات وكما يُعْرف من سفوح الجبال وخدودِ الجبال ورؤوس الجبال، من نوابت لا توجد لولا هذه المرتفعات. وثالثًا: أنها توجب أن تندفع مياه الأمطار بشدة حتى تصل إلى أراض صالحةٍ للنبات؛ لأنكم تعرفون أن بعض الأرض سبخات ما فيها خير وبعضها رياض تنبت، فإذا نزل الماء على هذه الجبال على قممها وعلى خدودها نزل إلى الأرض بشدة عظيمة حتى يصل إلى ما أراد الله إيصاله. ورابعًا: أن في قمم الجبال من المعادن الجيدة أكثر مما في الأرض السفلى ولهذا قال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥] أنزلناه من قمم الجبال؛ ولهذا يقول العلماء يقولون: إن الحديد الذي يكون من قمم الجبال أعلى وأقوى من الذي يكون من الأسفل، هذا ما نعلمه وما لا نعلمه أكثر، المهم أن كلمة مِنْ فَوْقِهَاصار لها فائدة عظيمة، ذكرنا منها الآن أربع فوائد. (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَابكثرة المياه والزروع والضروع) بَارَكَ فِيهَاأي: في الأرض، وما أعظم بركات الأرض من الزروع والأشجار والأنهار والمعادن وغيرها من بركات الأرض، وقول المؤلف: (الضروع) يعني ضروع البهائم؛ لأن البهائم كلما شَبِعَت من الربيع ازداد دَرُّها، ومَنْ يتأمل يجد أن في الأرض بركات عظيمة حملت الأحياء والأموات والوحوش والسباع والبهائم والحشرات والآدميين، وكانت سعة أيضًا مع كثرة ما فيها، الآن هؤلاء الأحياء الذين على ظهر الأرض لو كان الناس يحيون إلى الآن لرأيت أمرًا بشعًا وصعبًا لكن جعل الله الأرض كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [المرسلات: ٢٥، ٢٦] وهذه من بركاتها. وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَاقَدَّرَقال المؤلف: (قسَّم فِيهَا أَقْوَاتَهَاللناس والبهائم) إلى آخره قدَّر فيها الأقوات يقول: قدر من التقدير وهو التقسيم، قدر الأقوات ولم يجعل القوت في جانب واحد من الأرض، لو كان في جانب واحد من الأرض لشق هذا على الناس كثيرًا، أليس كذلك؟ لو قدر مثلًا أن الأقوات لا تكون إلا في غرب الكرة فكيف يعيش أهل الشرق أو بالعكس كيف يعيش أهل الغرب لكنه مقدر، ثم قدره من ناحية أخرى جعل في هذه الأراضي ما لا يصلح في الأراضي الأخرى والعكس، الحكمة: من أجل أن يتبادل الناس الأقوات فيأتي الناس الذين ليس عندهم هذا النوع من القوت يذهبون إلى الأراضي اللي فيها هذا القوت يجلبونه إلى الأرض الخالية منه وكذلك العكس، في بعض الجهات من الأرض ما يكثر فيه النخيل والعنب لكن يقل فيه الحمضيات وأشباهها، وفيه أيضًا أشياء كثيرة أنا لست من أهل الزراعة لكن في أشياء كثيرة تصلح في مكان دون مكان من أجل أن يقع التبادل بين الناس والضرب في الأرض ابتغاء الرزق، وهذا من الحكمة في قوله: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا. فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ(فِيتمام أَرْبَعَةِ أَيَّامٍأي: الجعل وما ذكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء) إذا كان خلق الأرض أولها الأحد والإثنين ثم قال: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍماذا يكون الباقي؟ الثلاثاء والأربعاء، فتكون الأرض خُلِقَت وقُدِّر فيها الأقوات فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. قال الله تعالى: (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَمنصوب على المصدر؛ أي: استوت الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص) فأفادنا بقوله: (استوت استواء) أن سَوَاءًاسم مصدر، فقوله: (منصوب على المصدر) فيه تجوز؛ لأننا إذا قلنا: سَوَاءًمصدر (استوى) فإنه لا يستقيم على القاعدة؛ لأن القاعدة أن المصدر ما وافق الفعل في حروفه، وهنا (استوى) لا توافقها سَوَاءً، بل الذي يوافقها (استواء) إذن فـسَوَاءًتكون اسم مصدر مثل كلَّم والمصدر تكليم واسم المصدر (كَلام)، طيب هنا (استوى) والمصدر (استواء) واسم المصدر سَوَاءً. المهم أن قوله: سَوَاءًيعني أن هذا الخلق استوعب الأربعة كلها لم يكن في يومين أو ثلاثة، بل في الأيام الأربعة كلها، فعلى هذا يكون قوله: (منصوب على المصدر) الصواب أن يقال: على أنه مفعول مطلق؛ أي: استوت الأربعة استواءً لا تزيد ولا تنقص. (لِلسَّائِلِينَعن خلق الأرض بما فيها) لِلسَّائِلِينَهذه لا تظنوا أنها متعلقة بسواء، بل هي جواب لخبر محذوف أي: هذا جواب للسائلين أو نحو هذه الكلمة. المهم أن قوله: لِلسَّائِلِينَيفيد أن ما ذكر جواب لمن سأل عن خلق الأرض وتقدير أقواتها بأنها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِثُمَّأي: بعد خلق الأرض وتقدير أقواتها. اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِقال المؤلف: (قصد إلى السماء) وهذا أحد القولين في هذه الجملة أنها بمعنى (قصد) لكن قصدًا كاملًا؛ وذلك لأن اسْتَوَىتدل على الكمال كما قال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص: ١٤]، والقول الثاني أن (استوى إلى) بمعنى (استوى على) على السماء أي علا عليها، ولكن المعنى الذي سلكه المؤلف أرجح أنه قصد إلى السماء بإرادة تامة مستوية؛ لأن (إلى) تفيد الغاية و(على) تفيد الاستعلاء، ومعلوم أن السماوات لم تَكُنْ خُلِقَت في تلك الساعة، ثم إننا لو قلنا: إن اسْتَوَىبمعنى (علا)، (ثم استوى على السماء) كان قبل ذلك حين خلق الأرض ليس عاليًا على السماء، مع أن علو الله تعالى وصف لازم لذاته. (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌبخار مرتفع) جملة وَهِيَ دُخَانٌحالية، والسَّمَاءِهنا بمعنى العلو؛ لأنها لم تكن خلقت بعد لكنها كالدخان أي البخار المرتفع، قيل: إن هذا البخار المرتفع تصاعد من الماء الذي كان قبل أن تخلق الأرض؛ لأن الله تعالى قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: ٧] فكان قبل خلق السماوات والأرض ماء فوقه عرش الرحمن عز وجل، ثم خلقت الأرض وقد اندفع من هذا الماء أيش؟ بخار متصاعد كثيف صار مثل الدخان. ({فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ} قال الله لها وللأرض: {ائْتِيَا} إلى مرادي منكما طَوْعًا أَوْ كَرْهًافي موضع الحال أي: طائعتين أو مكرهتين قَالَتَا أَتَيْنَابمن فينا {طَائِعِينَ}) إلى آخره قَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا، هذا الأمر هل هو أمر تكوين أو هو أمر تكليف؟ طلبة: الأول. الشيخ: إن قلنا: إنه تكليف لم يكن هناك فرق بين أن يكونا طائعَيْن أو مكرهتين، يعني نحن قلنا بالأول هل هو أمر تكوين أو تكليف؟ إذا قلنا: إنه أمر تكليف فظاهر، أنه أمر تكليف ولهذا قال: طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَإن قلنا: إنه أمر تكوين فإنه لا يستقيم أن يكون طوعًا أو كرهًا؛ لأن أمر التكوين كائن لا محالة، فالظاهر والله أعلم أنه أمر تكليف، ولله تعالى أن يكلِّف ما شاء من عباده أو من خلقه، له أن يكلف ما شاء، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآيات في الدرس القادم. طالب: قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [فصلت: ٨] هل هذه الآية ومثيلاتها تصلح دليلًا لمن أخرج العمل الصالح عن الإيمان بمقتضى أن العطف يقتضي المغايرة؟ الشيخ: هذا لا يصح؛ لأن العمل الصالح دلت النصوص على أنه من الإيمان، لكنه لا مانع أن يكون الشيء الواحد منقسمًا إلى أنواع، فالإيمان تدخل فيه الأعمال لا شك، لكنه يتنوع؛ منه ما هو عقيدة، ومنه ما هو عمل قولي، ومنه ما هو عمل فعلي. طالب: (...) شيخ، في حديثنا عن العقلاء أكثر أم غير العقلاء، شيخ الآن يعني قلنا: العقلاء أكثر لتشريفهم؛ تشريفًا لهم. الشيخ: لا، إذا قلنا: تغليبهم الأكثر لأكثريتهم. الطالب: الآن، شيخ ما فهمت، كيف؟ الشيخ: ما فهمت؟ الطالب: الآن شيخ، الأكثر العقلاء أم غير العقلاء؟ الشيخ: أسألك؟ الطالب: نحن على ما أعرف قلنا: إن العقلاء أكثر تشريفًا لهم وغير العقلاء أقل لعددهم. الشيخ: لا، اعكس تُصِبْ، إن قلنا: إن العقلاء أكثر، فهنا أتى بصيغة العقلاء لكثرتهم، غلَّبهم لكثرتهم، وإن قلنا: إن العقلاء أقل غلَّبهم لشرفهم. الطالب: طيب، يا شيخ الآن كيف نقول: أكثر، والعقلاء هي بحيِّز الكون والكون يحتويها، وكل محتوى أكبر منه محتويها، لو قلنا: إنها أكثر فهي يشملها الكون، والكون أكبر منها. الشيخ: إحنا قلنا: فيه احتمال، قلنا: على الاحتمالين كذا أو كذا. طالب: شيخ في سَوَاءًلماذا لا نقول: أنها مِن فعل (سوَّى)؟ الشيخ: سوَّى؟ طالب: سوَّى. الشيخ: تسوية، لو قلنا: من الفعل (سوَّى) صارت تسوية، وهي أيضًا ما تصلح من (سوَّى)، تصح من (استوى).
الطالب: سوى؛ يعني: مساواة بين شيئين؟ الشيخ: لا، فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءًأي: تامة مستوية. طالب: سَوَاءًما تُعْرَب حالًا؟ الشيخ: يمكن أن تكون حالًا، لكن اعلم أن المصدر لا يُعرَب حالًا إلَّا إذا كان لا فرار من إعرابه بأنه حال، بمعنى أننا لا نعرب المصدر حالًا إلا للضرورة، فهمت؟ لأن الأصل في الحال أن تكون مشتقة والمصدر جامد. طالب: قوله تعالى: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَاهل هذا هو ذكر (...)؟ الشيخ: لا، سيأتينا إن شاء الله، التقدير غير ذلك، إن شاء الله يأتينا بالفوائد. طالب: شيخ، أيهما خُلِقَ أولًا الأرض أم السَّماوات؟ الشيخ: يأتينا إن شاء الله. طالب: هل خلْق الأرض بما فيها من الرواسي والبحار في أربعة أيام أو في يومين؟ الشيخ: في أربعة أيام، خلقها في يومين هكذا، ثم جعل فيها الرواسي وقدر الأقوات في يومين آخرين.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- يعني قوله تعالى: الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [فصلت: ٧] يعني: هناك أناس مسلمون، بعض الناس مسلمون يصلُّون ويزكُّون مسلمون لكن إذا ذكرتهم مثلًا بعذاب القبر وبأهوال يوم القيامة يقولون: هل رأيت عذاب القبر، وهل رأيت أهوال يوم القيامة، هل رأيت الجنة أنت؟ ما حكم هؤلاء؟ الشيخ: إذا قلت لهم: هكذا قال الله ورسوله، ماذا يقولون؟ الطالب: لا أدري. الشيخ: إن قالوا: لا نصدق إلا ما نراه فهؤلاء كفار لو يركعون بالليل والنهار ويخرجون جميع ما في صناديقهم من النفقة فهم كفار؛ لأنهم مكذبون هذا كفر تكذيب. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في بعض القراءات الهمزة بالتسهيل يقرؤونها بالهاء مثلًا في ورش، في بعض الأحياء ليس فيها (...) مثلًا أَئِنَّكُمْيقرأه: (أهنكم) مثلًا. الشيخ: أهنكم؟ طالب: نعم، هل هذا صحيح يا شيخ؟ الشيخ: ما أظن هكذا. طالب: بعض الناس سمعتهم يقول: هذا تحريف، لكن هي قراءة الظاهر يا شيخ. الشيخ: لا، ما أظن تُقلَب هاء؟ طالب: نعم، في بعض المواضع. الشيخ: ما أدري، والله. طالب: (...). الشيخ: بس أنتم لستم بحجة، لستم بحجة. طلبة: للتعليم. طالب: بعضهم أنكر يا شيخ الذين يقرؤون حفص، أنكروا على ورش، ولكن.. الشيخ: المهم -بارك الله فيك- إذا ثبتت القراءة بالهاء فهذا يُعْتَبر إبدالًا، ما هو بتسهيل، إبدال الهمزة هاءً طالب: تصح يا شيخ؟ الشيخ: ما أدري والله. طالب: ورش يسهل يا شيخ. الشيخ: لا، التسهيل غير القلب، يعني يقول: أهنكم غير أَئِنَّكُمْ. طالب: النطق بالتسهيل، بعض الناس ينطقون كأنه هاء (...).
الشيخ: إي، يمكن هذا هو الجمع أن بعض الناس يتشدَّد في التسهيل حتى تكون هاء، وربما يتشدد آخر حتى تكون حاءً، حقيقة؛ لأن بعض الناس -الله يهدينا وإيَّاهم- عند القراءة، وقد أنكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله في فتاويه وغيَّرها، أنكر هذا التشدد في تحقيق بعض القراءات، بعض الناس مثلًا في القلقلة، جاء يقلقل كأنه يقلقل حصاة أو حجرًا يعني: يتكئ كثيرًا، إي نعم، والحقيقة أن التنطع ليس بحسن والإهمال ليس بحسن، خير الأمور الوسط (...).
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: ٩ - ١٢]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١] قوله: طَوْعًا أَوْ كَرْهًاقال المؤلف: (في موضع الحال أي: طائِعَتَيْن أو مُكْرَهَتَيْنِ) قَالَتَا أَتَيْنَابمن فينا طَائِعِينَفيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته). أولًا نسأل: قوله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَهذه الجملة مؤكَّدة؟ طالب: نعم. الشيخ: بماذا؟ طالب: بـ(إن) وباللام. الشيخ: وباللام؟ وما المراد بالاستفهام: أَئِنَّكُمْ؟ طالب: هذا استفهام إنكاري. الشيخ: إنكار وتوبيخ؟ نعم، في قوله: أَئِنَّكُمْقراءات متعددة. طالب: أربع قراءات. الشيخ: نعم، قُلْها، لا ما أريد تقرأها؛ اذكر القراءات؛ يعني لا أريدها تطبيقيًّا بل نظريًّا. طالب: الأول تحقيق الهمزتين. الشيخ: هذه واحدة. طالب: والثاني تسهيلهما. الشيخ: هذه ثنتان. طالب: والثالث والرابع: تحقيقهما وتسهيلهما مع المد. الشيخ: تمام، بارك الله فيك. طالب: يا شيخ، يقول: تسهيلهما يا شيخ. الشيخ: لا، تسهيل الثانية؛ تحقيقهما، وتسهيل الثانية مع المد، طيب اقرأها بتحقيق الهمزتين؟ تحقيق الهمزتين هي أسهل القراءات: أَئِنَّكُمْ، تسهيل الثانية، تحقيق الأولى وتسهيل الثانية. طالب: (آئنكم). الشيخ: لا، بدون ألف. طالب: {أَاِنَّكُمْ}. الشيخ: طيب، إدخال ألف بينهما مع التحقيق. طالب: {آئِنَّكُمْ}. الشيخ: {آئِنَّكُمْ}، مع التسهيل. طالب: {آاِنَّكُمْ}. الشيخ: طيب، بارك الله فيك، قوله تبارك وتعالى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَالجملة هذه معطوفة على أي شيء؟ طالب: بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ. الشيخ: بِالَّذِي خَلَقَمعطوف على خَلَقَ، هل المؤلف رحمه الله مشى على هذا القول أو لا؟
طالب: (...). الشيخ: أي نعم، على أن جَعَلَمعطوفة على خَلَقَيقول: معطوفة على هذا. طالب: المؤلف (...). الشيخ: لا ترجع إلى المصحف. الطالب: (...). الشيخ: يعني: ولم يجعلها معطوفةً على خَلَقَلماذا؟ طالب: (...). الشيخ: بس؟ لماذا نحن جعلناها معطوفة على خَلَقَوهو يقول: إنها استئنافية، فلماذا؟ طالب: لأجل وجود الفاصل. الشيخ: لوجود الفاصل الأجنبي على دعواه، ما هو الجواب عن هذا التعليل؟ طالب: إما أن يقال: إن وجود الفاصل أصلًا لا يضر، وإما أن يقال: إن الفاصل متعلق بـ (كلام). الشيخ: أحسنت، متعلق بالصلة فهو غير أجنبي. قوله تعالى: سَوَاءً لِلسَّائِلِينَأولًا: إعرابها؟ طالب: سَوَاءًحال. الشيخ: حال منين؟ طالب: من أَيَّامٍ. الشيخ: من الـأَيَّامٍ، كيف تكون حالًا من الـأَيَّامٍوهو مصدر جامد، والحال لا بد أن يكون مشتقًّا؟ طالب: شيخ، حالًا من أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. الشيخ: طيب. طالب: والمصدر لا يُؤَوَّل بالمشتق. الشيخ: والتقدير؟ طالب: مستوين. الشيخ: مستويات، طيب. طالب: اسم مصدر. الشيخ: اسم مصدر؛ يعني: منصوبة على أنها مفعول مطلق التقدير؟ الطالب: استوت سواء. الشيخ: استوت سواء، قوله: لِلسَّائِلِينَمتعلق بماذا؟ طالب: متعلق بـ جَعَلَ. الشيخ: جَعَلَ؟ طالب: خَلَقَ. الشيخ: خَلَقَ؟ يعني خَلَقَللسائلين؟ طالب: سواء. الشيخ: يعني: سواءً للسائلين، وغير السائلين؟ تزيد أو تنقص؟ طالب: متعلق بمحذوف. الشيخ: التقدير؟ طالب: هذا جواب للسائلين. الشيخ: نعم، أحسنت، قوله تعالى: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ؟ طالب: (...) اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِفهو بمعنى قصد. الشيخ: أحسنت، بمعنى قصد، إذن يكون المعنى: ثم قصد إلى السماء، وكيف تُعْرِب قوله: وَهِيَ دُخَانٌ؟ طالب: الواو للحال. الشيخ: الجملة جميعًا. طالب: الجملة في موضع الحال. الشيخ: في موضع نصب على الحال، منين؟ طالب: من السَّمَاءِ. الشيخ: من السَّمَاءِتمام، المؤلف يقول: (طَائِعِينَفيه تغليب المذكر العاقل وأنزلتا لخطابهما منزلته) ما معنى هذا الكلام؟ طالب: طَائِعِينَهذه جمع مذكر سالم والأصل أن يكون للعقلاء. الشيخ: للذكور العقلاء. طالب: للذكور العقلاء، وعاد هنا على السماء والأرض وهما غير عاقلتين ولكن أنزلا منزلته. الشيخ: ما هو الدليل على أنهما أنزلا منزلته؟ طالب: لأنه أخبر به عنهما قَالَتَا أَتَيْنَاولم يقولا.. طالب آخر: لأنه خاطبهما فأنزلتا منزلة العاقل. الشيخ: صحيح؛ ولهذا يقول المؤلف: (أنزلتا لخطابهما) هذا التعليل ولو قال: أنزلتا منزلته لخطابهما كان أوضح، وقوله: (قَالَتَا أَتَيْنَابمن فينا) لماذا قدَّر قوله: (بمن فينا)؟ ما الذي أحوجه إلى أن يقول: بمن فينا أتينا بمن فينا؟ طالب: (...). طالب آخر: ما أخذناها. الشيخ: عجيب، طيب إذن نبدأ من هذا بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَيقول الشارح المفسر: (قَالَتَا أَتَيْنَابمن فينا طَائِعِينَ) احتاج المؤلف إلى أن يُقَدِّر (بمن فينا) لوجهين: الوجه الأول: أن طَائِعِينَجمع وقَالَتَامثنى ولا مطابقة بين المثنى والجمع، ولو أراد المطابقة لقال: قالتا: أتينا طائعتين، هذه واحدة، الوجه الثاني: أنه جمعه بمذكر المذكر العاقل فكان لا بد أن يُقَدَّر (بمن فينا)؛ ليدخل فيه العقلاء، ويكون هذا من باب التغليب، وقوله رحمه الله: (فيه تغليب المذكر العاقل)، ذكرنا فيما سبق أنه غَلَّب المذكر أيش؟ لشرفه. طلبة: (...). الشيخ: غلَّب المذكر. طالب: لشرفه. الشيخ: لشرفه.
طالب: أو لكثرته. الشيخ: أو لكثرته إذا قلنا: إن العاقل أكثر، وقوله رحمه الله: (أو أنزلتا لخطابهما منزلته) يعني: المسألة فيها إما تغليب وإما أن الأرض والسماء أُنزِلتا منزلة العاقل لخطابهما أي: لكونهما خوطبا ولا يخاطب غالبًا إلا العاقل. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: ١٢] قَضَاهُنَّيقول: (الضمير يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه أي: صيَّرها سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) قَضَاهُنَّيقول: (الضمير يرجع إلى السماء)، وحينئذ يرد إشكال فإن السَّمَاءِمفرد، وقَضَاهُنَّالضمير جمع، فكيف كان الأمر كذلك؟ يقول رحمه الله: (يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه)؛ لأن هذه السَّمَاءِالمفرد يؤول إلى جمع وما مقداره؟ سَبْعَ سَمَاوَاتٍفكأنه عبر عن السماء باعتبار مآلها أنها ستكون سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. وقوله: قَضَاهُنَّأي: صيَّرهن، وعلى هذا فيكون الضمير في قَضَاهُنَّالمفعول الأول، وسَبْعَ سَمَاوَاتٍالمفعول الثاني، ويحتمل أن تكون قَضَاهُنَّبمعنى فرغ منهن، وعلى هذا فيكون الضمير الأول مفعولًا به، وسَبْعَ سَمَاوَاتٍحال أي: حال كونها سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، وعلى كُلٍّ فإن السماوات كانت سبعًا. فِي يَوْمَيْنِقال المؤلف: (الخميسِ والجمعة فرغ منها في آخر ساعة، وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) قَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِوفِيللظرفية، والظرف يكون أوسعَ من المظروف، فيحتمل أنه قضاهن في يومين من أوَّل اليومين إلى آخرها، ويحتمل أنه قضاهن في يومين أي: في هذا الظرف، وإن كان الخلق أو القضاء لم يستوعبْ هذا الظرف، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف وسيتبين ما فيه إن شاء الله. يقول: (فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها -أي في آخر الساعة- خَلَق آدم؛ ولذلك لم يقل: سواءً) بينما قال في خلق الأرض: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءًوهنا لم يقل: في يومين سواء لماذا؟ لأن بعض اليومين خُلِقَ فيه آدم، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وفيه نظر ظاهر، لأن هذا يقتضي أن آدم خُلِقَ حين خَلْقِ السماوات والأرض؛ يعني: في الأيام الستة التي خُلِقَت فيها السماوات والأرض وهذا لا شك أنه خطأ، بل إنه خُلِقَ بعد ذلك ما أقول: بملايين بل بمئات السنين؛ لأن آدم -كما تعلمون- جعله الله تعالى خليفةً لمن؟ لأُناسٍ قبله أو للجن الذي سكنوا الأرض قبله؛ ولهذا لما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًقالت الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة: ٣٠] إلى آخره. فدعوى المؤلف رحمه الله أن آدم خُلِقَ في آخر ساعة من يوم الجمعة التي تم فيها خلق السماوات والأرض غير صحيح، نعم خُلِقَ آدمُ يوم جمعة لا شك في ذلك كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ، لكنها ليست الجمعة التي تم بها خلق السماوات والأرض. إذن خلقهن في يومين، يقول المؤلف: إن هذا يوافق (ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام) كيف وافقها؟ لأنَّ أربعة أيام كانت لخلق الأرض، ويومين كانت لخلق السماء فيكون المجموع سِتَّة أيام، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، في بعض الآيات يقول: وَمَا بَيْنَهُمَا [الفرقان: ٥٩]؛ لأن بين السماوات والأرض من الآيات العظيمة ما استحق أن يكون قسيمًا لخلق السماوات والأرض. خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا [الفرقان: ٥٩] وقد كنا نقول: كيف يكون خلق ما بين السماء والأرض قسيمًا لخلق السماوات والأرض مع أنه في نظرنا لا يساوي شيئًا بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض إذ كنا لا نعلم إلَّا أن الذي بين السماء والأرض هو الغيوم والهواء فقط؟ وكنا نقول: إن القمر والنجوم والشمس كانت في السماء، كنا نقول: القمر في السماء الدنيا، والشمس في السماء الرابعة، وزُحَل في السماء السابعة، وكنا ننشد قول الشاعر:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ
فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــطَارِدَ الْأَقْمَــــارُ
هذه الكواكب السبعة. طالب: (...). الشيخ: ما حفظته من قبل؟ يَلَّا. طالب:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ
فَتَزَاهَــرَتْ بِعُــــــطَارِدَ الْأَقْمَــــــارُ
الشيخ: المعنى: نأتي من أعلى إلى أسفل: (زحل) هذا أعلاها (شرى) المشتري (مريخه) المريخ (من شمسه) الشمس (فتزاهرت) الزهرة (بعطارد) عطارد (الأقمار) القمر هو الأخير، وعلى هذا فتكون الشمس في السماء الرابعة، وكنا نظن أن هذه مرصعة بالسماء كما يرصع المسمار على الخشبة لكن تبين الآن أن هذه في أجواء بين السماء والأرض، وليست مرصعة في السماوات والأرض وأن السماء من فوقها بأمد بعيد وحينئذ تبين الحكمة من كون الله عز وجل يجعل خلقَ ما بين السماء والأرض عديلًا لخلق السماء والأرض. ثم قال عز وجل: (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَاالذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة) أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَايعني: قُدِّر بما أوحاه في كل سماء أمرها، كل سماء لها ملائكة خاصة وعبادات خاصة وأجواء خاصة، كل سماء تختلف عن السماء الأخرى حتى إنَّ بعضهم -وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب- يقول: إن جُرْمَ السماء الدنيا يختلف عن جُرْمِ السماء الثانية، والثانية عن الثالثة، كل واحدة من مادة أخرى غير مادة السماء الأخرى، والله أعلم. وقوله: أَمْرَهَامفرد مضاف فيعَمُّ جميع الأمور، جميع ما يتعلق بكل سماء قد أوحاه الله بها. وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَاشوف خصائص السماء الدنيا (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَبنجوم وَحِفْظًامنصوب بفعله المقدَّر أي: حفظناها من استراق الشياطين السمعَ بالشهب). زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَاالدُّنْيَايعني: القربى، وسُمِّيَتْ دنيا؛ لأنها قريبة من الأرض فهي أقرب السماوات، زينها بالمصابيح، ما هذه المصابيح؟ هي النجوم، وسُمِّيَت مصابيح؛ لأنها بمنزلة القناديل المعلقة بالسقف. فإن قال قائل: ظاهر الآية أن هذه المصابيح مرصعة بالسماء، قلنا: إن كان هذا ظاهرها فالواقع خلاف ذلك، ولا مانع من أن تُزَيَّن بمصابيح وإن لم تكن ملتصقةً بها أرأيت لو أنك لو دَلَّيْتَ مصابيح من سقف عال ثم كنت تحت هذه المصابيح، أفلا تكون هذه المصابيح زينةً للسقف وإن كانت غير لاصقة به، بل جهتها –أي: جهة هذا السقف- مزينة بهذه المصابيح، فلا يلزم من قوله: زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَأن تكون مرصعةً بالسماء، بل نقول: هي مُزَيَّنَة بها وإن كان بينها وبين السماء مسافة. وقوله: وَحِفْظًاأي: حفظناها حفظًا، فالسماء محفوظة كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا؛ ولهذا لم يستطع جبريل أن يدخل السماوات مع أنه نازل منها حين كان معه محمد صلى الله عليه وسلم حتى استأذن له، في حديث المعراج أَنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا وَصَلَ بِالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الدنيا استفْتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، فقيل له: هل أُوحِي إليه أو أُذِنَ له؟ قال: نعم، ففُتِحَ له. لماذا؟ لأن السماء محفوظة لا يمكن أن يدخل أحد منه إلا بإذن الله، جبريل قال: معي محمد، قيل له: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا به، فنعم المجِيءُ جاءَ، ثم فَتَحُوا له، فدخلَ السماء الدنيا ثم الثانية والثالثة، وهكذا، مما يدل على أيش؟ على إتقان حفظ الله سبحانه وتعالى للسماوات وأنها متقنة، عليها ملائكة لا يمكن أن يتجاوزها أحد. ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِذَلِكَالمشار إليه ما سبق من قوله: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَإلى آخره. وقوله: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِأي: الذي قَدَّرَهُ هو العزيز عز وجل العليم، الْعَزِيزِهنا مناسبتها؛ لأن المسألة تحتاج إلى عزة وقوة، والعزة يقول المؤلف رحمه الله: (الْعَزِيزِفي مُلْكِه) يعني: الذي له العزة التامة في ملكه، لكن إلى الآن لم يُبَيِّنْ لنا ما هي العزة. العزة قال العلماء: إنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القَدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. ثلاث معان؛ أما عزة القدر فمعناها الشرف، يعني أنه ذو قدر عظيم بالغ العظم، عزة القهر يعني أنه قاهر ولا يُغْلَب، والثالث: عزة الامتناع أي: يمتنع أن يناله سوء جل وعلا بأي حال من الأحوال. ولملاحظة هذا المعنى الثالث نقول: إنه مُشْتَقٌّ من قولهم: أرض عزاز، عزاز يعني قوية صلبة ونحن نسميها باللغة العامية (الأرض عَزا) يعني صلبة، ليست لينة كالرمل والروض، ولكنها صلبة. الْعَزِيزِإذن كم معنًى له؟ ما هي؟ طالب: القهر والقدر والعز. الشيخ: أيش؟ الطالب: امتناع.. الشيخ: الامتناع، ويش معنى الامتناع؟
الطالب: الامتناع عن السوء؛ يعني.. الشيخ: إي يعني، يمتنع عليه السوء والنقص، القهر يعني؟ طالب: القهر هو (...) والقاهر لا (...). الشيخ: أحسنت، هو الغالب الذي لا يُغْلَب، والثالثة الامتناع؟
طالب: الامتناع ذكرها، تقدَّم. الشيخ: الامتناع أنا أقول.. طالب: ذكر الامتناع. الشيخ: مَن الذي ذكره؟ ويش قال؟
طالب: يمتنع عنه النقص. الشيخ: يمتنع عنه النقص، وعزة القدر؟ طالب: عزة القدر بأن الله قادر على كل شيء. الشيخ: لا، لو كان كذلك لقلنا: عزة القدرة. طالب: عزة القدر بمعنى: القوة والغلبة. الشيخ: لا، هذا عزة القهر. طالب: (...) الثلاثة. الشيخ: إي، جزاك الله خيرًا، الثالثة عِزَّة القدر يعني؟ طالب: العظمة والشرف، شرف الأشياء. الشيخ: الشرف، إي نعم، عزة القدر؛ يعني أنه ذو قدر عظيم وشرف عظيم، أما العليم فهو ذو العلم، وعلم الله تبارك وتعالى واسع؛ قال الله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢] فعلمُه تعالى واسع شامل لكل شيء، يعلم ما كان فلا ينساه، ويعلم ما يكون فلا يجهله، ويعلم كيف كان يكون إذا كان، يعني: ليس يعلم أن هذا الشيء يقع فقط، بل يعلم أنه يقع ومتى يقع، وكيف يقع وأين يقع، من كل جهة، وقد فصَّل الله سبحانه وتعالى دقائق العلم في قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِيعني: إلا يعلمها وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، وعلمنا بأنه عليم، ما الذي يستوجب من الناحية المسلكية بالنسبة للعبد؟ إذا علمت أن الله بكل شيء عليم، ويش يترتب على هذا؟
طالب: نخاف الله عز وجل في أعمالنا. الشيخ: أحسنت، يترتب على هذا أن يخاف اللهَ عزَّ وجلَّ، وأن يقومَ بطاعته، وأن يدع معصيته؛ لأنه يعلم أن الله تعالى عالم به حتى وإن خفيت على الناس فإنك لن تخفى على الله، بل إن الله يعلم من نفسك ما لا تعلمه أنت، أنت تعلم من نفسك ما يمكن أن تحيط به، لكن الله يعلم من نفسك ما لا تحيط به، يعلم مستقبلك ومآلك وحالك وأنت لا تعلم، وهذا يوجب للعبد المؤمن بذلك أن يخاف ربَّه في السرِّ والعلن حتى لو كنت في حجرة مظلمة ليس عندك أحد وأردت أن تفعل ما يغضب الله، فاعلم أن الله تعالى يراك. طالب: قلنا: إن قول الله تعالى: وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًاهذا يدل على (...) الله تعالى للسماوات ما معنى قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] ما المقصود بالسلطان هنا؟ الشيخ: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُواهذه الآية على سبيل التحدي؛ إن كنتم تقدرون فانفذوا وفِرُّوا من قضاء الله، فروا من عذاب الله ما تستطيعون لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] يعني: ولا سلطان لكم، والسلطان هنا بمعنى القدرة والقوة؛ لأن المقام مقام تحدٍّ، والذي يقابله القوة، والمعنى لا سلطان لكم، وعلى هذا فالآية للتحدي، وهذه تكون يوم القيامة، وليس كما زعم الناس لما خرج الروس بأول مركبة فضائية وخرج عن الغلاف الجوي بدأ هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا القرآن كتابًا علميًّا يقولون: هذا دل عليه القرآن لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أي: إلا بعلم، وقد تعلمنا ونفذنا، وهذا حرام، تفسير القرآن بهذا المعنى حرام، وقول على الله بلا علم؛ لأن إذا كان المقام مقام تحدٍّ فما هو السلطان الذي يمكن أن نفعل به؟ طالب: القوة. الشيخ: القوة لا شك، ثم إنه قال في الآية التي بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥]، هل أرسل على هؤلاء؟ ثم إنه يقول: مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن: ٣٣] وهؤلاء إذا قدَّرْنا نفذوا من أقطار الأرض فإنهم لم ينفذوا من أقطار السماوات، ولهذا هؤلاء -والعياذ بالله- الذين فسروا الآية بما حصل قالوا على الله بلا علم، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، ومثل ذلك من قال: إن الأرض تدور لقول الله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل: ٨٨] قال: هذا في الدنيا؛ لأن قوله: تَحْسَبُهَا جَامِدَةًهذا حسبان والحسبان لا يكون في الآخرة؛ لأن الآخرة يقين. فيقال: هذا غلط أليس الله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَىتحسبهم سكارى من شدة الذهول والانزعاج وما هم بسكارى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١، ٢]، فالمهم أن بعض المتأخرين هداهم الله يفسرون القرآن بالواقع مع أنه لا يدل عليه ونحن نقول: احمدوا الله أن القرآن لا يدل على خلافه، أما أن تقولوا: يدل عليه غلط.
طالب: أحسن الله إليك، هنا قال الله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: ١١]، وفي آية أخرى قال: رَفَعَ سَمْكَهَا [النازعات: ٢٨]، هل معنى الآيتين واحد؟ الشيخ: رَفَعَ؟ طالب: سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [النازعات: ٢٨] الشيخ: يعني: جعلها رفيعة هو جعلها رفيعة. طالب: أن السَّمْك والدخان واحد. الشيخ: لا ما هو، بعد أن خلقها جعلها سميكة (...).
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت: ١٢ - ١٨]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِقَضَاهُنَّيعنى أتمهن، وسنتكلم إن شاء الله عن الآيات بعد الانتهاء منها فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ(فِي يَوْمَيْنِالخميس والجمعة، فرغ منها في آخر ساعة منه وفيها خلق آدم؛ ولذلك لم يقل هنا: سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السماوات والأرض في ستة أيام وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَاالذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة). أَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَاصرف المؤلف رحمه الله الأمر هنا إلى الأمر الشرعي لا الأمر الكوني ولذلك قال: (أمرها الذي أمر به مَنْ فيها من الطاعة والعبادة).