تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة فصلت - ١

درس صوتي · ٩٠:٣٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآيات (١-٥)

٠٠:٠٠:٠٤

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [فصلت: ١ - ٤].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل أن نبدأ درس اليوم نرجع إلى الدرس الماضي مِن أجل أن نُكمل الفوائد، وصلنا إلى: ثم قال تبارك وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، البسملة تقدَّم الكلام عليها كثيرًا وبيَّنَّا أنها آيةٌ مِن كتاب الله، ولكنَّها ليست آيةً تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة، أمَّا معناها فإنَّ الإنسان يقول: أبتدئ بكلِّ اسمٍ من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن اسم مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]؟ نِعْمَةَ اللَّهِلو نظرنا إلى لفظِها لقلنا: إنها واحدة لكنَّها كثيرة لا تُحصَى، فيكون هذا المفرد الذي أُضِيف يكون للعموم وهذه هي القاعدة: (كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مُفيدٌ للعموم)؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله. و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعي فيها الوصْف والثانية رُوعِي فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أمَّا متعَلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخَّرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قدِّر: أقرأ، وإنما اختير ذلك؛ أي: اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصلَ في العمل الأفعال؛ ولهذا يعمَلُ الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخِّرًا لفائدتين: الفائدة الأولى: تيَمُّنًا بذكر اسم الله، والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنَّه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أكرِم. المعنى: لا تُكْرم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا؛ لم يمتنع أن تكرم غيره. إذن أخَّرناه لفائدتين؛ الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله عز وجل، والثاني: إفادة الحصر، وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنَّه أبيَنُ للمقصود. فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تُبيِّنُ المراد كما تبيِّنُه (باسم الله أقرأ)؛ وذلك لأنَّ الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ فلهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن: أين متعَلَّق الجار والمجرور؟ نقول: هو محذوف، فعل مُتَأَخِّر مناسب للمقام. قال الله تعالى: حم. وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به) وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ الذي لا تعرِف معناه قُل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦]. ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنَّه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي توجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدَلَالة القرآن، فقد قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، واللسانُ العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حدِّ ذاته لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنًى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: حموالم [البقرة: ١] والر [يونس: ١] وما أشبهها ليس لها معنى في حدِّ ذاتها، يرِدُ على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغوَ فيه. فيُقال: إنها ليست لغوًا وإنما المراد إقامة الحجة على أولئك المشركين حيث عجَزُوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآيَةٍ واحدة عجَزُوا مع أنَّ هذا القرآن هل أتَى بحرُوف لا يعرفونَها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروفٍ يعرفونها. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولذلك لا تكاد ترى سورةً مبدوءةً بهذه الحروف إلا وبعدَها ذِكْرُ القرآن، وابْدأ مِن أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجِد أنَّ بعدَها ذكرُ القرآن إشارةً إلى أنَّ هذا القرآن الذي أعجزَكم معشرَ العرب كان مِن هذه الحروف التي تُكَوِّنُون منها كلامَكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضِح جدًّا، وأما القول بأنَّه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جَبْر أعلمُ التابعين بكتاب الله عز وجل. قال: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت: ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفَسِّر: (تَنْزِيلٌمبتدأ، كِتَابٌخبرُه) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: (كتابٌ فُصِّلت آياته تنزيلٌ من الرحمن الرحيم)؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم. (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكنَّ ما ذهب إليه المؤلف مِن الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا لكن لو قيل: إن تَنْزِيلٌهو الخبر مقدَّم، وكِتَابٌمبتدأ مؤخر لكان أوضَح وأبيَن. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِمَنْ يعني به؟ يعني به الربَّ عز وجل؛ أي: تنزيلٌ مِن الله الرحمن الرحيم لكنَّه أتى بهذَيْن الاسمين الكريمين إشارةً إلى أنَّ القرآن رحمة؛ لأنَّ إنزالَه مِن مقتضى رحمة الله عز وجل، أليس من الممكن أن يقال: تنزيلٌ من الله؟ كما جاء في آية أخرى لكنَّه قال: مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِإشارة إلى أنَّ هذا القرآن نزَل بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأنَّ الله رحِمَ به العباد. و(الرحمن) (الرحيم) اسمان من أسماء الله، مِن أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتِيان مقتِرِنَين، ويأتِيان منفَصِلَيْن بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكلُّ واحد متضَمِّنٌ معنى الآخر، فقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] هذا منفرد عن الرَّحِيمِفيتضَمَّن الصفة والفعل، أي: أنَّ الله تعالى موصوفٌ بالرحمة الواسعة وهو سبحانه وتعالى يرحَم بهذه الرحمة مَن شاء من عباده. وفي قوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: ١٠٧] أيضًا نقول: الرحيم هنا تشْمَل الوصف والفعل؛ لأنَّها انفردت عن (الرحمن)، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة، و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتِلاء وتمام الوصف الذي كان مُرادًا، فمثلًا يقال: (غضبان) لِمَن امتلَأَ غضبًا، ويقال: (غاضِب) لِمَن كان غضبُه خفيفًا، وكذلك (سكران) للممتلئ سكَرًا، فكلُّ هذا الوزن يفيد الامتلاء والسَّعَة، أما الرَّحِيمُفهي غُلِّب فيها جانب الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم؛ ولهذا جاءت في القرآن الكريم: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣]؛ أي قد وصلت رحمتُه إلى المؤمنين على وجهٍ مطلق، أما غير المؤمنين فإنَّه يرحمُهم بالمعنى العام. خلاصة ما قلنا في الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِقلنا: إما أن يُذكر (الرحمن) مع (الرحيم)، أو يفرد أحدهما عن الآخر، فإنْ أُفرِد أحدهما عن الآخر تضمن الثاني، وإن ذُكِرَا جميعًا غُلِّبَ في (الرحمن) جانبُ الصفة، وفي (الرحيم) جانب الفعل.

واعلم أنَّ هذين الاسمين الكريمين يدُلَّان على أنَّ الله تعالى موصوفٌ بالرحمة، كما قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف: ٥٨] وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ [الأنعام: ١٣٣]، فالرحْمَة صفتُه، والرحيم اسمُه، وهل هذا الاسم مما يتعَدَّى، أو مِن المصادر اللازمة؟ يتعَدَّى؛ لقوله تعالى: وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١]. والقاعدة في العقيدة أنَّه إذا كان الاسم لازمًا لا يتعدى فإنه يتضَمَّن أمرين: إثبات الاسم وإثبات الصفة، وإذا كان يتعدى يتضَمَّن ثلاثة أشياء: إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات الفعل، فكلمة (العظيم) اسم من أسماء الله لازم أو متعدٍّ؟ لازم؛ ولهذا يُقال: عَظُم؛ أي صار عظيمًا، الإيمان به يتضَمَّن الإيمان بـ(العظيم) على أنَّه اسمٌ من أسماء الله، ويتضمَّن أيضًا ثبوت العظمة لله عز وجل. (الرحمن) يتضمن ثلاثة أشياء: يتضمَّن الرحمن اسمًا مِن أسماء الله، والثاني: الرحمة صفةً من صفاته، والثالث: الفعل؛ أي أنَّه يرحم من يشاء، وعلى هذا فقِسْ، فالإيمان بالأسماء نقول: إن كانت متعدية لَزِمَ أن تُؤمِن بالاسم والصفة والفعل، وإن كانت لازمة وجَب أن تُؤمِن بالاسم والصفة، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ، كِتَابٌفِعَال بمعنى (مَفْعُول) أي: مكتُوب، وبماذا هو مكتوب؟ نقول: مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصُّحَف التي بأيدي الملائكة، مكتُوبٌ بالصحف التي بأيدينا، أما الأول فدليلُه قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١، ٢٢]، وأما الثاني فدليله قوله تعالى: مَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١٢ - ١٦]. وأما الثالث فواضح، فكلُّ ما جاءَ من (كتاب) فهو يتضمَّن هذه المعاني الثلاثة: كتاب؛ أي مكتوب في ماذا؟ في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا.

(فُصِّلَتْ آيَاتُهُبُيِّنَت الأحكام والقصص والمواعظ) التفْصيل ضد الإجمال؛ يعني أنَّ آيات القرآن مُفصَّلة لكنها تأتي أحيانًا مُجملة، وتأتي أحيانًا مُفصَّلة، وإذا فُصِّلَ المجمل صار الجميعُ مفصَّلًا. وقوله: آيَاتُهُجمع (آية)، والآية في القرآن هي كل ما فُصِلَ بينها وبين ما سبقَها ولحِقَها بفاصل؛ ولهذا تسمعون كلام العلماء، يقولون: فواصل الآيات؛ يعني الأماكن التي يُفصَل فيها الآية عما قبلَها وعما بعدها، وهي -أعني الآيات الكريمة- منها ما هو طويل، ومنها ما هو قصير، ومنها ما هو متوسط، فأطولُ آية في كتاب الله آية الدَّيْن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ [البقرة: ٢٨٢]، وأقصر آية طه [طه: ١]، لكن هذه مِن الحروف التي ليس لها معنى كما قرَّرْنا. نشوف ثُمَّ نَظَرَ [المدثر: ٢١] ومُدْهَامَّتَانِ [الرحمن: ٦٤] أيهما أكثَر حروفًا؟ ثُمَّ نَظَرَستة أحرف الميم المشددة عن اثنين مُدْهَامَّتَانِ؟ طلبة: ثمانية يا شيخ. طلبة آخرون: تسعة. الشيخ: إذن أيُّهما أكثر؟ الستة أو الثمانية؟ إذن ثُمَّ نَظَرَأقصر آية في كتاب الله، والباقي متوسط، منه ما يميل إلى الطول، ومنه ما يميل إلى القصر، والسُّنة في الآيات أن تقرأها حسب ما فُصِّلت، هذه السنة فتقرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٢ - ٧] كم الآيات؟ سبع آيات تقرأها كذا مُفَصَّلَة، وإن أدرجْتَ فلا بأس؛ لأنَّه لم يرد النهي عن ذلك إلا أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يَهُذَّ القرآن هَذًّا تخفَى معه الحروف، بل قد يحرُم عليه إذا لَزِم أن تخفَى بعضُ الحروف، أما الهذُّ الذي يستكمل فيه الإنسان الحروف فلا بأس، لكن الأفضل الوقوف على كل آية، وهنا نسأل الأخ: هل تقف على قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: ٤]؟ ما هي بآية؟ طالب: لكن ليست بالوصل. الشيخ: ليش؟ ما هو قلنا: الأفضل أن تقف على كل آية؟ طالب: (...) المصلين الذين هم عن صلاتهم. الشيخ: لكن لو وقفت؟ طالب: يختلف المعنى (...) الوعيد للمصلين جميعًا. الشيخ: ماذا تقولون أنتم؟ هل يقف أو لا يقف؟ طلبة: يقف. الشيخ: يقف يا إخوان، يقف؛ لأنها آية؛ لأنَّ الله عز وجل هو الذي أنزله، وجعل هذه آية منفصِلة عن الأخرى، وربما يكون في الوقوف على الآية دقُّ إسْفِينٍ على القلب حتى يندهش: كيف ويل للمصلين؟ فيترقَّب المعنى الذي يُوَضِّح ذلك فتقول: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَسيندهش السامع كيف ويل للمصلين فيترقَّب بشغَف المعنى المبَيِّن لهذا، فتأتي الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٥] كأنَّها مطر على أرضٍ قاحلة، أليس كذلك؟ إذن نقِف على هذا ولا مانع، أمَّا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ [النساء: ٤٣] فهذه لا نقف؛ السبب: لأنها ليست رأس آية بل نقول: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى.

إذن فُصِّلَتْ آيَاتُهُيشمل التفصيل اللفظي والمعنوي؛ فالتفصيل اللفظي: أن الله جعل كل آية مستقلة عن الأخرى، مفصول بعضها عن بعض، والمعنوي: التبيين والإيضاح لما كان مجملًا، ولهذا أشار المؤلف رحمه الله إلى التفصيل المعنوي فقط فقال: (بُيِّنَت بالأحكام والقصص والمواعظ) ولكن ينبغي أن يقال: إنها فُصِّلت من وجهين: لفظي ومعنوي؛ فاللفظي أن كل آية فُصِّلت عن الأخرى، هذا اللفظي، والمعنوي أنها بُيِّنَت، وبُيِّنَ ما أُجمِل منها سواء من الأحكام أو غيرها، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨] هذا مُجمَل، فَصَّلَهُ بقوله: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩]، الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ [القارعة: ١ - ٣] مُجمل، فَصَّلَه بقوله: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤]، فالتفصيل هنا؛ أي: التفصيل المعنوي؛ يعني بيانُ القرآن، أنه بُيِّنَ ووُضِّح حتى لو جاء مجملًا فلا بُدَّ أن يُبَيَّن. (قُرْآنًا عَرَبِيًّاحالٌ مِن كِتَابٌبصفتِه) مُفَسِّر الجلالين رحمه الله يعني جيِّد جدًّا، قال: (إنَّ قُرْآنًاحال)، فكأنَّ إنسانًا أورد عليه: كيف تقول: إنه قرآن والحال وصف، وقرآن ليس وصفًا؟ فقال: بصِفته أين صفَتُه؟ عَرَبِيًّا، قُرْآنًا عَرَبِيًّايعني لو كانت الآية الكريمة قُرْآنًافقط ما صحَّ أن تكون حالًا؛ لأنَّ الحال لا بد أن تكون مشتَقَّة؛ اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو ما أشبه ذلك، وقرآن مشتَق ولَّا غير مُشتَق؟ غير مُشتَق؛ فلهذا قال: إنها (حال مِن كِتَابٌبصفته). إذن (بصفته) عائد على (قرآن) كأنَّه قال: صحَّ أن يكون حالًا؛ لأنَّه موصوف. فإذا قال قائل: كيف تجعلونه حالًا مِن كِتَابٌوكِتَابٌنكرة، وصاحبُ الحال لا بد أن يكون معرِفة؟ قلنا: إنَّ هذه النكرة خُصِّصَتْ في قوله: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُخُصِّصَت بالصفة، والنكرة إذا خُصِّصَت صارت قريبَةً مِن المعرفة؛ فلذلك جازَ وُقُوع الحال منها. فلدينا الآن إشكالان: الإشكال الأول: كيف جاءت الحال مِن كِتَابٌوهو نكرة؟ وجوابه: أنَّ كتاب الذي هو النكرة وُصِف بقوله: فُصِّلَتْ آيَاتُهُوإذا وُصِفَتْ النكرة جازت الحال منها. الإشكال الثاني: الحال قُرْآنًا عَرَبِيًّاإذا أعرَبْنَا قُرْآنًاحالًا، فكيف صَحَّ أن يكون حالًا وليس بمشتق؟ موصوف بمشتق؛ فلذلك جازَت الحال منه. قُرْآنًا عَرَبِيًّاومعنى كونه عربِيًّا أوَّلًا: قُرْآن، كلمة قُرْآن على وزن (فُعْلان) كـ(شُكْرَان) و(غُفْرَان)، وما أشبه ذلك، فهل هو بمعنى (قارئ) أو بمعنى (مقرُوء)؟ قيل: إنَّه بمعنى (مقرُوء)، و(مقروء) هل هو من الجمْع أو مِن التلاوة؟ قيل: إنَّه مِن (قَرَى يقرِي) بمعنى (جمَع)، ومنه اسم القرْيَة؛ لأنَّها جامِعَةٌ للناس. وقيل: مِن (قرأ) بمعنى (تَلا)، والصواب أنَّه جائز أن يكون مِن هذا ومن هذا؛ لأنه ما دام اللفظ صالحًا للمعنيين ولا منافاة بينهما فإنه يُحمل عليهما جميعًا، هذا إذا قلنا: إنَّ قُرْآنًابمعنى (مقروء)، ويجوز أن تكون بمعنى اسم الفاعِل (قارئ)، (قُرآن) بمعنى (قارئ) أي: جامِع للأحكام والتوحيد وغير ذلك. أمَّا عَرَبِيًّافهو نسبة للعرب؛ لأنَّه جاء بلغتهم، والله أعلم.

طالب: أحسن الله إليك (...) عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرأتم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَفاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم (...)». الشيخ: هذا ليس بصحيح، الحديث هذا ليس بصحيح، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح أن الله تعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» -يعني الفاتحة- «فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي» . إلى آخر الحديث، فبدأ بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

ثانيًا: أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يجهَر بها في القراءة الجهرية على القول الراجح، ولو كانت مِن الفاتحة لجهرَ بها كما يجهَر ببقِيَّة الآيات. ثالثًا: أن بقية سور القرآن ليست البسملة منها، فنحتاج إلى دليل قوي يبيِّن أنَّها من الفاتحة. رابعًا: أن قوله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». هي نِصف في السياق ونصف في المعنى، ولا يتم ذلك إذا جعلنا البسملة منها، استمع: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَهذا لله، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِلله، ثلاث آيات، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَللعبد، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْللعبد، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَللعبد؛ إذن: ثلاث وثلاث إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، صارت بينهما كما جاء في الحديث «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». فصارت ثلاث آيات ونصف منها لله، وثلاث آيات ونصف للعبد، ولو قلنا: إنَّ البسملة منها ما استقام هذا. خامسًا: أنَّك إذا جعلت البسملة من الفاتحة صارت الآية الأخيرة طويلة لا تتناسَب مع ما قبلها؛ لأنَّها ستكون الآية الأخيرة صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، وهذه لا تتناسب مع قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُأو اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَفهو خلاف البلاغة، فصار عندنا أربعة أوجُه كلُّها تدل على أنَّ البسملة ليست مِن الفاتحة. طالب: يا شيخ! بارك الله فيكم، في ذِكْر الأمم السابقة إذا مَر معنا أحدٌ بعينِه من المهلَكين هل يحسُن بالإنسان أن يعني يُلحِقَ به سَب كما أننا نُلحِق مَن ذكرْنا من الصالحين برحمَة أو دُعَاء؟ الشيخ: لا بأس إذا تيقنا مثلًا تقول: فرعون لعنه الله، ما فيه مانع. طالب: ما فيه مانع أم يستحب؟

الشيخ: لا، الاستحباب أتوَقَّف فيه؛ لقول الرسول: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوا إِلَى مَا قَدَّمُوا» . طالب: إذن الأولى «أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ» يُترك هذا يا شيخ؟ الشيخ: لا، اللعان للأحياء، أما هذا لعنْتُه؛ لأنَّ الله لعنَه. طالب: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالرحمن ذكر بعض المفسرين أنها أعم من الرحيم؛ فهي تشمل الكفار، أمَّا الرحيم فهي خاصة بالمؤمنين، هل هو صحيح؟ الشيخ: نعم، هكذا ذكر بعضُهم، قال: (الرحمن) عامة، و(الرحيم) خاصة، لكن ما ذكرْناه أحسَن، وقد نبَّه عليه ابن القيم رحمه الله، أظنُّه في بدائع الفوائد. طالب: إذا قلنا: إن القرآن بمعنى (قارِئ) اسم فاعل، فهل ينطبق عليه المعنيان؛ يعني بمعنى الجمع يعني التلاوة كأنه يقص علينا أخبار من سبق (...)؟

الشيخ: إي، لا، هم ذكروا أنَّ قارئ بمعنى جامع فقط؛ لأنه حقِيقَةً أن القرآن ما هو بينطق، ويقرأ نفسه لكنه مقروء من جهة التلاوة.

طالب: الآيات اللي وردت في القرآن على سبيل المثال يعني مثل: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] صحيح ورد نهي عن استعمالها في غير مكانها؟ الشيخ: لا، الاستشهاد بها لا بأس به. طالب: (...) في غير مكانها. الشيخ: إي نعم، أما أن تجعَل القرآن بدلًا عن الكلام فهذا حرام؛ ولهذا ذكَر صاحب جواهر الأدب قصة عنونَها بقوله: المتكَلِّمة بالقرآن الكريم بدلًا عن الكلام، وجاب قصة امرأة تُخاطِب أولادها بالقرآن، إذا قالت: تغدون قالت: آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف: ٦٢] وإذا أمرتهم يشترون حاجة من السوق قالت: ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف: ١٩] وأشبَه ذلك. ثم قال في آخر القصة: هذه امرأة لها كذا من السنين تتكَلم بالقرآن مخافةَ أن تزِلَّ فيغضَب عليها الرحمن. والواقع أنها زلَّتْ تمامًا، تجعل آيات القرآن الكريم تُنَزِّلها على أغراضها الخاصة؛ هذا لا يجوز، أما الاستشهاد بالقرآن مثل أن ترى رجلًا مفتونًا في الدنيا تقول: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ [الكهف: ٤٦] هذا لا بأس به، وقد جاء في الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا رأى الحسن والحسين وهما يعثران بثوبٍ جديد لهما نزَل فأخذهما وقال: «صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن: ١٥]» .


الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت: ١ - ٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ما المراد بقول الله تعالى: حم؟

طالب: هذا من الإعجاز الذي لا يعلمه إلا الله. الشيخ: فيه رأي آخر، وهو؟ الطالب: وقد فسرها بعض العلماء قال: إنها مِن الإعجاز (...) هذه الحروف من اللغة العربية. الشيخ: أنه ليس لها معنًى في حدِّ ذاتها كذا؟ لكن لها مغزى. طالب: لها مغزَيان وأنها تحدٍّ للعرب. الشيخ: من كمال التحدي حيث إنَّ كلام العرب مُكَوَّن مِن هذه الحروف، ومع ذلك عجَزوا أن يأتوا بمثل القرآن، أيهما تُرجِّح؟ طالب: كلاهما يصح. الشيخ: ما يصح كلاهما، متباينان. طالب: أرجح أنها تحدٍّ للعرب إعجاز. الشيخ: أنه في حدِّ ذاتها لا معنى لها، كذا؟ طالب: لها معنى لكن.. الشيخ: لا، كيف لها معنى؟ طالب: لها معنى (...). الشيخ: إذن رجَّحْتَ الأوَّل. طالب: الثاني. الشيخ: ما هو؟ طالب: الثاني يعني. الشيخ: ما هو الثاني؟ لأنه هذا اختلاط الحابل بالنابل، أيش؟ طالب: الثاني: أنها حروف يعني عربية، الله سبحانه وتعالى هو نزلها.. الشيخ: ليس لها معنى في ذاتها، هذا هو المهم يا جماعة، ما الدليل على أنه ليس لها معنى في ذاتها؟ طالب: لأنه لا يُعلم معناها. الشيخ: سبحان الله! صار لها معنى لكن لا يُعلم، رجعْتَ عن قولك. طالب: أن هذه الحروف العرب يعني يعرفونها وليست لها معانٍ (...). طالب آخر: أن الله عز وجل يقول: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]. الشيخ: إي نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وهذه الحروف بمقتضى اللسان العربي ليس لها معنى، حروف هجائية فقط، وعلى هذا فإذا أخذْنا أنَّ القرآن نزل بلسان عربي مبين تبيَّن أنَّ هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتِها، فإذا أورَد علينا مُورِد وقال: إذا قلتم ليس لها معنى في ذاتها صارت لغوًا، فما الجواب؟ طالب: الجواب على ذلك أن يقال: لها معنى في غيرها لها معنى.. الشيخ: لها مغزى، وهو؟ طالب: وهو التحدي. الشيخ: كمال التحدي حيث يقال: أيها العرب، إنَّكم تُكَوِّنُون كلامكم من هذه الحروف. طالب: ولا تستطيعون أن تأتوا بمثل هذا القرآن. الشيخ: بارك الله فيك، هل هناك قرينة على ما ذُكِر؟ على أنَّها حروف يُراد بها كمالُ التحدي لهؤلاء العرب؟ طالب: إي نعم؛ لأن غالب جميع السور المبدوءة بهذه الحروف تأتي بعدها كلمة القرآن. الشيخ: أحسنت؛ لأنه يأتي بعدها ذكْرُ القرآن، إشارةً إلى أن القرآن من هذه الحروف، ومع ذلك عجَزْتُم عنه. قوله: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ [فصلت: ٢، ٣] أعرِبْ الجملة؟ طالب: تَنْزِيلٌيجوز فيها وجهان؛ أنها خبر مقدَّم وكِتَابٌمبتدأ مؤخر، ويجوز تَنْزِيلٌمبتدأ وكِتَابٌخبر، وهذا هو الراجح. الشيخ: والذي مشى عليه المؤلف؟ طالب: الأول الذي مشى عليه المؤلف أن تَنْزِيلٌخبر مقدَّم، وكِتَابٌمبتدأ مؤخر. الشيخ: نعم، قل. طالب آخر: على العكس، المؤلف ذكر أنَّ تَنْزِيلٌ. الشيخ: على العكس المؤلف ذكر أنَّ تَنْزِيلٌ. طالب: مبتدأ مؤخر وكِتَابٌخبر.

الشيخ: نعم، أحسنت. قوله: قُرْآنًا عَرَبِيًّاقال: (إنه حالٌ مِن كِتَابٌبصفته) أيش معنى هذا؟ طالب: أنه لا يجوز في الحال أن يكون جامدا (...) المشتق فأجاب أنه حال بصفته. الشيخ: أحسنت، تمام وفيه احتمال آخر أنه حَال من كِتَابٌبصفته بصفة الكتاب، ويكونُ أيضًا جوابًا عن سؤالٍ مقدر، وهو: كيف صح مجيءُ الحال من النكرة، فقال: إنه موصوف كِتَابٌ فُصِّلَتْوالنكِرَة إذا وُصِفت جازَ مجيءُ الحال منها، كما هو معروف في كتب النحو. قوله: بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ، بَشِيرًا، (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَيفهمون ذلك وهم العرب)؛ يعني أنَّ الله جعله قرآنًا عربيًّا لقوم يعلمونَه ويفهمونه ولا حُجَّةَ لهم في معارضَتِه والكفر به؛ لأنهم يعلمونه كما قال تعالى في آية أخرى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]؛ أي: تفهمُون معناه حيث جاء بلسان العرب.

بَشِيرًا وَنَذِيرًا، (بَشِيرًاصفة قُرْآنًا) يعني: جعلناه قرآنًا عربيًّا، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّابَشِيرًا وَنَذِيرًا، بشيرًا لمن؟ بشيرًا لمن آمَن به كما قال تعالى: وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ١٠٢] ونذيرًا لمن كفر به، وإن شئت فقل: إنَّه نذير لجميع العالمين كما قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]. المهم أنَّ البشارة خاصة، والإنذار عام، وربما يكون خاصًّا كما قال تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم: ٩٧] يعني الذين كفروا به انتبهوا، فصارت البشير خاصة بمن آمَن، والنذير تكون عامة وتكون خاصة، فما هو البشير؟ البشير هو المخبِر بما يسُر، وسُمِّي خبرُه بشارَة؛ لأنَّ أثرَه يظهُر على بشَرَة الإنسان؛ ولهذا تبرُق أسارير وجهِه من الفرح. وَنَذِيرًاالإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف. فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْالفاء عاطفة، و(أعرض) معطوفة على فُصِّلَتْيعني كتاب فُصِّلَت آياته، ومع ذلك أعرض أكثرهم، ويحتمل أن تكون الفاء للاستئناف؛ أي: فأعرض يعني أنَّها جملة مستأنَفة لا تُعطف على ما قبلها. (أعرض أكثرهم) أي أكثر الذين بلغَهم (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [فصلت: ٤] سماعَ قبول) هذا نتيجةُ الإعراض أنهم صاروا لا يسمعون، ونفيُ السماع عنهم؛ لانتفاء فائدته وهو الاتِّعَاظ والقبول. واعلم أنَّ السمع ينفى تارةً لعدم أصله، وتارة لعدم ثمرتِه فقولُه تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠] هذا نفي لأصلِه، الميت لا يسمع، وقوله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١] لانتفاء ثمرته؛ لأن السمع الذي لا ثمرةَ له كالمعدوم. وَقَالُوامعطوفة على فَأَعْرَضَ. (وَقَالُواللنبي صلى الله عليه وسلم: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍأغطِيَةٍ) مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَهذا -والعياذ بالله- من شدة عنادهم وكفرهم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام وهو يدعوهم قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِكقولِهم: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة: ٨٨] يعنى الأكِنَّة جمع (كِنٍّ) وهو ما يُستتَرُ به. وقوله: مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِأي: من التوحيد والطاعة والشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وإنما ذكروا القلوب وبدؤوا بها؛ لأنَّها محلُّ الوعي. (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌثِقَل) يعني فلا نسمع يعني أننا نستمِعُ إليك على كراهة وبُغْض فكأن في آذاننا ثِقَل سَمْع. وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌأي: حائل يحول بيننا وبينك فلا نراك، فأَتَوْا على كل مدارك الإحاطة؛ المدرَك الأول: القلب، والثاني: السمع، والثالث: البَصَر، وانتفاءُ البصر عنهم؛ لقوله: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ، وقد جمع الله تعالى بين هذه الثلاثة في قوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦]. وتأمَّل قولَهم: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌلم يقولوا: وبيننا وبينك حجاب إشارةً إلى أنَّ هذا الحجاب ممتَد مِن عندنا إليك، وعلى هذا فكلما تباعدنا عنك غلُظَ هذا الحجاب؛ لأنَّه إذا كان ابتدائه من عندهم إلى الرسول صارَ كلما زادت المسافة ازداد غِلَظُه؛ لأنَّ (مِن) هنا للابتداء فتُفِيد أنَّ هذا الحجاب مُباشِر منهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن لو قالوا: (وبيننا وبينك حجاب) لأمكن أن يكون الحجاب في الوسط ولو كان بينه وبينهم مسافة، وهذا يدل على غِلَظ ما بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام وبُعْدِه. فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَهذا -والعياذ بالله- تحدٍّ للرسول عليه الصلاة والسلام فيما يظهَر وليس مِن باب الإباحَة بل من باب التحدي (فَاعْمَلْعلى دينك إِنَّنَا عَامِلُونَعلى ديننا). ويحتمِل اعمل لمجاهدتنا فإننا عاملون لمجاهدتك، أيُّهما أبلغ ما ذهب إليه المؤلف أو هذا القول؟ الثاني أبلَغ؛ لأنه كأنهم يقولون: اعمل ونحن سنعمَل وأيُّنا يغلب. في هذه الآيات فوائد مِن فوائدها: أنَّ نزول القرآن مِن عند الله؛ لقوله: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ومن فوائدها: أنَّ إنزال القرآن مِن آثار رحمة الله، حيث قال: مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ومن فائدتها: إثباتُ اسمين من أسماء الله هما الرحمن الرحيم. ومن فوائدها: إثباتُ ما دلَّ عليه هذان الاسمان مِن صفة الرحمة، وقد ذكرْنا عند التفسير أنَّ أهل التعطيل نفَوْا أن يكون لله رحمة، ألم نقل هذا؟ وقلنا: إنهم يفسرون الرحمة إما بالإحسان والثواب وهو منفصل، وإما بإرادة الإحسان والثواب؛ لأنهم كانوا يُقِرُّون بالإرادة، وبيَّنَّا بطلان هذا القول، وأنَّ الصواب أنَّ الرحمة من صفات الله عز وجل لكنَّها ليست كرحمة المخلوق. ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ القرآن فُصِّلَت آياتُه، والتفصيل لعلَّنا قلنا: إنه تفصيل لفظي ومعنوي: التفصيل اللفظي بأيش؟ بالفواصل بين الآيات، والمعنوي بالتفصيل في المعنى، إذا ذَكَر الله تعالى أمرًا ذكر نهيًا، إذا ذكر ثوابًا ذكر عقابًا، إذا ذكر أهل الخير ذكر أهل الشر وهكذا؛ مثاني. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنَّ القرآن كل آية منه تُعتبَرُ آيةً على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: فُصِّلَتْ آيَاتُهُوآيَاتُهُجمع تعُمُّ كلَّ فردٍ على حِدَة، ويعُم المجموع.

ومن فوائدها: أنَّ القرآن نزل باللغة العربية؛ ففيه منْقَبَة للعرب؛ لأنَّ هذا القرآن نزل بلغتهم، وفيه إحياء للغة العربية؛ لأنَّ هذا القرآن سيبقى إلى أن يأذَن الله بخرَاب العالم، ومِن المعلوم أنه إذا بقي باللسان العربي فسوف تحيَا اللغة العربية وتبقى، وهذا مِن آثار القرآن كما يقوله، ماذا قلت؟ طالب: قلت: إن في هذا أن القرآن يعني أنزل باللغة العربية، وأن في هذا بيان أن القرآن سيبقى إلى أن يأذَن الله بخرَاب العالم، وهذا دليل على أن اللغة العربية سوف تبقى حية. الشيخ: هكذا قلت؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، ليس هذا المعنى. ذكرْنا أنَّ في هذا منقبة للعرب أليس كذلك؟ حيث نزل بلغتهم، وأن فيه إحياء وإبقاء للغة العربية؛ لأنَّه نزل بها، وهو باقٍ إلى أن يأذَن الله بخراب العالم. ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّه لا يفقَهُ هذا القرآن ولو كان باللغة العربية إلا ذَوُو العلم؛ لقولِه: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. أمَّا مَن ليس أهلًا للعلم فإنه لا يستفيد من هذا الكتاب شيئًا؛ لأنه أُمِّي، والذي يقرَأ القرآن بلا فهْم للمعنى هو أميٌّ وإن تلاه؛ لقول الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨]، فالذي لا يعلم القرآن إلا قراءةً فقط كالذي لا يقرَأ القرآن ولا فرْق. ومِن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنَّ القرآن فيه البشارة والنذارة؛ بشير ونذير، لكن هل هذا مُوزَّع أو يمكن أن يكون بَشِيرًا وَنَذِيرًافي آنٍ واحد؟ يمكن هذا وهذا، أما على الأول بشيرًا ونذيرًا فإننا نجد من آياته ما هو بشارة للمؤمنين، ونجد مِن آياته ما هو إنذار، وأمَّا على الثاني أنَّ الآية الواحدة قد ينتفع بها أقوام، ويتضَرَّر بها آخرون، اقرَأْ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، ولا تستغرِبْ أن يكون الشيء الواحد ضارًّا مِن وجه ونافعًا مِن وجه آخر: القرآن نافع للمؤمنين ضارٌّ لغير المؤمنين، ولا تستغرِب هذا، وأضرب لك مثلًا حسِّيًّا بالتمر حُلْو المذاق، فاكهة، غذاء، قُوت، يأكله واحِد فيتضَرَّر به ويأكلُه آخر فينمُو به مع أنَّه شيء واحد، هكذا القرآن. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنَّه مع وصف القرآن بهذا الوصف الجليل تفصيل الآيات، وأنه بلسان عربي، وأنه بشير ونذير لم يسلَمْ من المعارضة والإعراض؛ لقوله: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ. ومِن فوائد الآيات: جواز نفي السمع لِمَن لا ينتفع به؛ لقوله: فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وكذلك يقال في بقية الحواس لِمَن لم ينتفع بها، نقول: إنَّ وجودَها كالعدم، فمَن لم ينتفع بما رأى نقول: هذا لا يبصر ولو كان له عينان.

ومن فوائد الآيات الكريمة: شِدَّةُ كراهة المشركين لِمَا نزل من الحق الدليل؟ طالب: أنهم قالوا: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ. الشيخ: فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَصحيح؟ إذن من فوائدها: شدة معاندة المشركين ومعارضتهم لهذه الأوصاف التي ذكرها الأخ. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: تحدِّي هؤلاء المبطلين على باطلهم. ويتفرع عليها: أنَّ مِن أهل الباطل مَن يتحدى أهلَ الحق إلى يومِنا هذا إلى يومنا هذا، ولكن على أهل الحق أن يستعينوا بالله عز وجل في مقاومة هؤلاء، وأن يعلموا أنَّ كلمة حق تغلِب ألفَ كلمة باطل، لكن السيف بضاربه، ربما يكون السيف بيد جبان، فإذا رأى العدو مُقبِلًا سقط السيف مِن يده، هل ينتفِع بالسيف؟ لا، بيد شجاع لو كان سيفُه مُثَلَّمًا لقرعَ به هامَ الأعداء، فالحقيقة أن السيف بضاربه، كم مِن إنسان يحمِل مِن الشريعة أشياء كثيرة لكن لا ينتفع بها ولا ينفَع، وكم من إنسانٍ دون ذلك بكثير لكن نفعَ الله به؛ لأنَّه مجاهد يُجاهِد أهلَ الباطل بما معه من الحق.

تفسير الآيتين (٦-٧)

٠٠:٥٦:٤٠

ثم قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْيعني فلست غريبًا عليكم، لماذا تكفرون بي وأنا بشر مثلكم؟ لست جنِّيًّا فتنفروا منه ولا ملكًا فتنفروا منه، وإنما أنا بشر مثلكم، والبشَر هم بنو آدم، وسُمُّوا بشرًا؛ لظهور بشرتهم حيث بدَتْ أجسامهم عارِيَة غير مكسُوَّة، وهذا من نعمة الله عز وجل علينا ومن رحمته، جعل الله الإنسان عاريًا إلَّا بكسوة حتى يتذَكَّر أنه عارٍ من الإيمان إلا بكسوة، ما هي كسوة الإيمان؟ التقوى؛ لقول الله تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] فالله جعلَنا نفتقِر إلى السَّتْر الحسي حتى نعلَمَ أننا مفتقرون أيضًا إلى الستر المعنوي، فأنت عارٍ من الإيمان إلا بلِباس التقوى. إذن البشر مَنْ؟ بنو آدم، سُمُّوا بذلك لظُهور بَشَرِهم عارِية لا غِطَاءَ عليها بخلاف الحيوانات الأخرى فإنها مُغَطاة إما بالوبر أو بالصوف أو بالشعر أو بالريش أو بغير ذلك، يقول: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّمِثْلُكُمْهذه توكيد لمعنى البشرية وإلَّا لو اقتصر على إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌلكان مقتضى ذلك أن يكون مثلنا ولَّا مخالف؟ لكنه أكَّد هذا المعنى بقوله: مِثْلُكُمْلكنَّه يمتاز يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌإلى آخره. هذا هو الميزة والفرق أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بشرٌ يُوحى إليه. ويُوحَىالموحِي هو الله؛ لقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: ٧]، فالموحِي هو الله، وحُذِف للعلم به، وربما يُقال: حُذِف للعلم به وللتعميم؛ لأنَّ الله تعالى قد يُوحي إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، وقد يُوحي إليه بدون واسطة، والإيحاء هو الإعلام بسرعة وخفاء، هذا الإيحاء، الإعلام بسرعة وخفاء يسمى إيحاءً؛ ولذلك إذا كان إلى جنبِك واحد وأردت أن تسأله والدرس مُكْتَظٌّ بالطلبة، وخِفْت أن يُسمع إليك، تقول: ويش، سمعتم الآن ولَّا لا؟ بخُفْية وسرعة لئلا يُتَفَطَّن لك، فكل إعلام بسرعة وخفية يسمى وحيًا، وإنما كان كذلك؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُوحَى إليه وعنده الناس جالسون لا يدرون ماذا قال الرسول. يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌهذه الجملة في محل رفع نائب فاعل؛ أي: يُوحَى إليَّ هذا الخبَر أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. وأَنَّمَاأداة حصر، فعلى هذا تكون الجملة متضمنة لنفي وإثبات؛ لأنَّ الحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيُه عما سواه. والآن نتعرَّض لطرق الحصر أو لِبعضها: مِن طرق الحصر: (إنما) أو (أنما) هي واحدة. والثاني: النفي والإثبات مثل (لا قائم إلا محمد). والثالث: تقديم ما حقُّه التأخير مثل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٨٤]. والرابع: دخولُ ضمير الفصل، مثل أن تقول: زيدٌ هو الفاضِل. فإنَّ ضمير الفصل يفيد الحصر. هذه أربعة طرق وهي الأكثر دورانًا. فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(استقيموا إليه) أي: اقصدوا؛ ولهذا لم يقل: استقيموا له، بل قال: إِلَيْهِفضمَّن (استقيموا) معنى اقصدوا إليه، فتكون أبلَغ مِن (استقيموا له)؛ لأنَّ المستقيم للشيء قد يستقيم له وهو في مكانه دون أن يسعى إليه، أمَّا إذا قيل: استقيموا إليه فتفيد السعي إلى الله عز وجل وقصْدَه؛ فلهذا عُدِّيَت بـ(إلى)، فهل هنا نابَ حرف عن حرف، أو إنَّ الحرف على معناه ولكن ضُمِّن الفعل ما يناسب الحرف؟ فيها قولان: قول أنَّ الاستعارة في الحرْف، وقول أنَّ الاستعارة في المتعلَّق؛ عربي أو عجمي، كلامي الآن؟ عربي عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] يَشْرَبُ بِهَاهل العين يشرَب بها الإنسان؟ هل يشرب بها؟ يعني هل النهر تأخذه مثلًا بيدك كذا وترفعه إلى فمك كما يكون إناء؟ تقول: شربت بالإنَاء، واضح عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِالعين تشال باليد ويُشرب بها؟! لا، إذن ماذا نقول؟ في هذا رأيان للعلماء: أحدُهما: أن الاستعارة في الحرف يعني أنَّ (الباء) بمعنى (مِن) يشرَب مِنها عبادُ الله، والعين يُشرَب منها ولَّا لا؟ يُشرب منها باليد ولَّا بإناء ولَّا بأي وسيلة. القول الثاني: أن الاستعارة في الفعل؛ أي أنَّ (يشرب) ضُمِّنَ فعلًا يناسب الباء، فما الذي يناسب الباء هنا؟ (يَرْوَى)، يَرْوَى بها عباد الله؛ يعني أنَّها عين تُروِي، فأيُّهما أحسن؟ أيُّهما أحسن؟ ما أقول أيهما أسهل؟ طالب: الثاني. الشيخ: عدلت عن رأيك ولَّا إلى الآن؟ ما فيها تصويت الآن حسب ما ترى، أمَّا إذا قلنا: إنَّ الباء بمعنى (مِن) فهي سهلة؛ لأنك تقدر أي حرف مناسب وينتهي الموضوع، لكن إذا قلنا: إن الباء على بابها، وأن الفعل ضُمِّن معنى يتناسب معها فحينئذٍ قد يصعب على الإنسان أن يُقدِّر الفعل المناسب لكن نقول: إن تضمِين الفعل معنًى مناسبًا للحرف أولى. أُبَيِّن لكم ذلك، إذا قلنا: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِإن الباء بمعنى (مِن)، فهل استفدنا فائدة لِاستعارة الباء بدل (مِن) استفدنا ولَّا لا؟ ما استفدنا، إذن إتيانه بهذا الحرف يُوجِب بعض الإشكال فنكون قد تضرَّرنا فضلًا عن كونِنا لم نستفِد؛ لأنَّ كونَك تضعُ حرفًا بدل حرف بدون مُوجِب، هذا يُوجب التشويش والإيهام، لكن إذا ضمَّنَّا الفعل معنى يتناسب مع الحرف ازددْنا فائدة فإنَّ قولك إنَّ التقدير: يروى بها. يتضمن الشُّرْب الذي ذُكِر ويتضَمن الرِّيَّ، فاستفدنا فائدة، وهذا الرأي -أعني أنَّ الفعل يُضَمَّن معنى يناسب الحرف- هو الذي ذهب إليه البصريون، وأظنُّه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لهذه الفائدة التي ذكرْنا. أنا أرجو دائمًا من الطلاب أن يفهموا الفروق الدقيقة هذه؛ لأنَّ هذه تشحَذُ الذهن من وجه، وتفتَح آفاقًا بعيدة لفهم المعاني وزيادة الاستفادة، انتبهوا لها. طالب: الحرف لو قلنا: إنه بمعنى الحرف الآخر لم نستفد شيئًا، بينما قلنا في غير هذا الموضع في بعض الآيات مثل قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] قلنا: إنها بمعنى (على) وما ضمَّنَّا الفعل معنًى آخر. الشيخ: لا، هذا ضروري إن (في) بمعنى (على) لكن مع ذلك فيها فائدة أنها جاءت (في) بمعنى (على)، ولا أدرى هل نبهتكم عليها أم لا؟ قلنا: إذا قال: (لأُصَلبنكُم على جذوع النخل) بـ(على) لكان التصليب قد يكون تصلِيبًا مع رخاوة الحبل لكن فِي جُذُوعِكأنَّه شدَّه شدًّا قويًّا حتى كأنَّ هؤلاء المصلوبين داخلِون فيه فنستفيد فائدة. طالب: السؤال ما هو بالدرس. الشيخ: ما هو بالدرس؟ طالب: في النحو. كيف التوسع في النحو (...)؟ الشيخ: النحو في الحقيقة ما هو صعب إلَّا على إنسان يتصَوَّر أنه صعب، وإلَّا فهو مِن أسهل العلوم، لكن إن كان أنك تبغي تدخل النحو وأنت تعتقد أنه صعب ثِقْ أنك سيُغْلَق عليك، عرَفت؟ ولهذا يُقال: إنَّه قصرٌ مِن قصب بابُه حديد، اكسر الباب هذا وما يبقى أمامك شيء، فأنت لا تصَعِّب، إذا قلت لك: قام زيدٌ، ويش تقول زيد؟ فاعل، وإذا قلت: ضُرِبَ زيدٌ؟ طالب: مفعول. الشيخ: لا، ما هي مفعول به، ضُرِب زيدٌ؟ إي: هو مفعول به لغةً صحيح، مضروب، لكن اصطلاحًا نقول: نائب فاعل ليش؟ لأنَّ الفاعل رُكْن في الجملة، فإما أن يُوجد هو وإما أن يوجد نائبُه، عرفت؟ المهم إن شاء الله أنه سهل، وإن شاء الله نركز عليكم مِن جهة النحو الآن. طالب: بَشِيرًا وَنَذِيرًاقلنا: إنَّ البشارة خاصة، وأن النذارة تكون إما عامة ومرات تكون خاصة فهل يجوز أن تكون البشارة كذلك عامة؟ الشيخ: لا. الطالب: لأنه بشر الله عز وجل الكفار بالعذاب. الشيخ: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] هذا قالوا: إنه مِن باب التهكم بهم، مثل ما تقول لإنسان تهكم به: أبشر بالسوط بظهرك. تهَكُّمًا به. طالب: أحسن الله إليك، هنا قال الله تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُفي آية أخرى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] والجمع بين هذه الآيات؟ الشيخ: لا تعارض؛ لأن قوله: مَثَانِيَبمعنى: فُصِّلَتْحيث إن معناها تُثَنَّى فيه المعاني، فيُذكر الخير ثم الشر، أهل الخير وأهل الشر، الجنة والنار، وما أشبه ذلك. طالب: هذا هو المراد (...). الشيخ: هذا هو المراد بقوله: مَثَانِيَ، لا، أما المراد بقوله: مُتَشَابِهًافمعناه أنه يُشبه بعضُه بعضًا في الكمال والحُسن والجودة. وكنت أظن أنَّك تقول: ما الجمع بين ثناء الله على القرآن بأنَّه متشابه وبين قوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] فالجمع بينهما أنه متشابه في الحسن يُشبِه بعضُه بعضًا، وأمَّا محكمات ومتشابهات، فالمحكمات ما اتَّضح معناها والمتشابهات ما خفِيَ معناها.


الطالب: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت: ٦- ١٣]. الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. تقدَّم لنا في قول الله تبارك وتعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت: ٥] إلى آخره، وذكرنا أنَّ المدارِك تكون. طالب: الإدراك بالقلب، والإدراك بالسمع، والإدراك بالبصر.

الشيخ: هل تضمَّنَت الآية هذه انسداد هذه المدارك عندهم؟ الطالب: نعم، تضمنته الآية. الشيخ: كيف؟ طالب: قوله: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ، هذا انسداد إدراك القلب، (...) والإدراك الثاني بالسمع وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ، والإدراك الثالث بالبصر وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ. الشيخ: أحسنت، ما الفرق بين التعبيرين وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌأو بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ؟ طالب: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ، هو أشد من أن يكون أو.. الشيخ: أشد مِن (وبيننا وبينك حجاب) كيف ذلك؟ طالب: لأن من بيننا وبينك حجاب يشتد الحجاب بينهما كلما هم ابتعدوا عنه. الشيخ: يعني يكون الحجاب هذا ممتَدًّا منهم إلى الرسول، ولو بعدت المسافة وعلى الثاني؟ طالب: وعلى الثاني يكون الحجاب بينهم دون أن يمتد منهم إلى الرسول. الشيخ: يكون الحجاب بأدنى شيء ولو بعدت المسافة بينهما. قوله: فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَالمقصود بها أيش؟ طالب: التحدي. الشيخ: التحدي كأنَّنا نقول: لا نبالي بك، اعمل وسنَعمل، كذا؟ ما هو الذي قرَّر النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهؤلاء في تكذيبِهم؟ يعني هل أنَّهم من جنس آخر أم ماذا؟ الذي قرَّر الرسول عليه الصلاة والسلام بالنسبة لتكذيب هؤلاء هل قال: إنَّه من جنس آخر كالملائكة والجن أو ماذا؟ طالب: هم استنكروا أن يكون بشرًا مثلهم يدعوهم. الشيخ: لا. طالب: قرر أنه من جنسهم. الشيخ: قرَّر أنَّه مِن جنسهم بشر لكن يمتاز بأنَّه يُوحى إليه. ما الذي أُوحِي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؟ طالب: التوحيد أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. الشيخ: إي، يعني التوحيد؟ هل هذا ما جاءت به الرسل كلُّهم؟ الطالب: إي نعم، لا شك. الشيخ: الدليل على أنه لكل الرسل الدعوة للتوحيد؟ الطالب: بينه قوله تعالى في سورة النحل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. الشيخ: هذه في سورة النحل؟! الطالب: لا، في سورة، ما في سورة النحل، لكن في سورة النحل آية نسيت الآية. الشيخ: ما هو بلازم تُعَيِّن الآية في أي مكان، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ، والذي تريدُه في سورة النحل قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]. قال الله تبارك وتعالى: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت: ٦] فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِالظاهر أنها مِن تتمَّة قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أُمِر أن يقولَه، ومعنى (استقيموا إليه) أي استقيموا على دينِه قاصدين إليه، فهي تُفِيد الإخلاص في العمل. وَاسْتَغْفِرُوهُاطلبوا منه المغفرة، والمغفرة تتضَمَّن شيئين: ستْر الذنب والعفوَ عنه؛ لأنها مأخوذة من (الْمِغْفَر) وهو ما يلبسه المقاتل على رأسه يتَّقِي به السلاح، والْمِغفَر مُتضَمِّنٌ للوقاية والسَّتْر، وعلى هذا فكلما طلبْتَ المغفرة استحْضِر أنَّك تريدُ مِن الله عز وجل أن يتجاوَز عنك فلا يعاقِبَك وأن يستُرَ ذنبك. (استغفروه) أي: اطلبوا منه المغفرة وهي ستر الذنب والتجاوز عنه. (وَوَيْلٌكلمة عذاب) يقول المفسر لِلْمُشْرِكِينَ(ويل) هذه مبتدأ وسوَّغ الابتداء بها وهي نكرة أنَّها للتهديد، فهي كلمة وعيد وتهديد، وقيل: إنها وادٍ في جهنم ولكنَّ الأصح الأول أنها كلمة تهديد ووعيد لكل مَن خالف. لِلْمُشْرِكِينَأي: المشركين بالله عز وجل سواءٌ كان إشراكهم في العبودية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات، فمَن ادَّعى أنَّ مع الله خالقًا، أو مُعينًا، أو مستقِلًّا بخلق بعض الأشياء فهو مُشرِك، ومَن عبدَ مع الله غيره أو راءى بعبادته غيرَه فهو مشرك، ومَن زعم أنَّ صفات الله عز وجل مماثلة لصفات المخلوقين فهو مشرك، واعلم أنَّ الشرك ينقسم إلى قسمين: أصغر وأكبر، ومِن وجه آخر إلى خَفِي وجَلِي، وكلُّ هذا معلومٌ في كتب التوحيد والعقائد. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت: ٧]. هذه صفة للمشركين الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَأي لا يعطون الزكاة، والزكاة هنا يحتمل أن تكون زكاةَ النفس، ويحتمل أن تكون زكاة المال، فإن كانت زكاة المال ففيه إشكال؛ لأن ظاهرها يقتضي أنَّ الكفار يلزمُهم إخراج الزكاة، ومعلومٌ أن إخراج الزكاة لا يُطالَب به العبد حتى يُسْلِم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الزَّكَاةِ» .

وهذا يدُلُّ على أن الزكاة لا يُخاطَب بها الإنسان -أي بأدائها- إلا بعد أن يُسلِم، أمَّا إذا قلنا: إن المراد بالزكاة زكاة النفس فإنه لا يرِد على هذا إشكال، لكن يرِد على هذا إشكالٌ مِن جهة اللفظ، وهي قوله: لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَفهل زكاةُ النفس شيءٌ يُعطَى؟ هذا محل نظر؛ ولذلك الآية فيها إشكال سواءٌ فسَّرْتها على هذا أو على هذا، وإذا كان فيها إشكال بين معنيين فإننا نطلب المرجِّح، والراجح أنَّ المراد بها زكاةُ النفس، والمعنى: لا يؤتون أنفسَهم زكاتَها وفي الحديث: «آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا» . فعلى هذا نُرجِّح أنَّ المراد بالزكاة زكاة النفس، ويكون المعنى: لا يُؤتون أنفسهم زكاتَها، بل يُهملونَها ويغفُلون عنها وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَهُمْ بِالْآخِرَةِ، بِالْآخِرَةِجار ومجرور متعلق بـكَافِرُونَو(هم) مبتدأ وهُمْالثانية يقول المفسِّر: (تأكيد) تأكيد لأيش؟ تأكيدٌ لفظي لـ(هم) الأولى، والتأكيد اللفظي هو أن تُعاد الكلمة بلفظها كما قال ابن مالك:

وَمَــا مِــنَ التَّـــــوْكِيدِ لَفْــظِيٌّ يَجِي

مُكَرَّرًا كَقَوْلِكَ (ادْرُجِي ادْرُجِي)

وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَأي جاحِدون لها غير مؤمنين بها، يقولون: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤] يعني يمُوت قومٌ ويحيا آخرون، وما يهلكنا إلا الدهر، ولا بعثَ ولا حساب. في هذه الآية فوائد، منها: وجوبُ إعلام النبي صلى الله عليه وسلم أمَّتَه بأنَّه بشر مثلهم؛ لقوله: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. ومنها: آكَدِيَّة هذه الإعلام، حيث أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبَلِّغَه على وجه خاص، وذلك أنَّ القرآن كله أُمِرَ الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُبَلِّغَه يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] لكن في بعض الأحيان يَمُر بك آيات يُؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغِها بذاتِها فيكون هذا دليلًا على الاعتناء بها وأهميتها وهو كثير مثل قوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠]، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور: ٣١]، وما أشبَه ذلك، فيكون في هذا توصية خاصة بتبليغِه وهو دالٌّ على العناية به والاهتمام به، أنتم فاهمين هذا ولَّا لا؟ القرآن كله قد أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغه الدليل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. في بعض الآيات يُؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغِها على وجه خاص فيُقال: قل كذا، وهذا يدل على العناية بها والاهتمام بها وأنها ذاتُ شأنٍ خاص، وهنا قال: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْأُمِرَ أن يُبلِّغ ويعلن بأنَّه بشرٌ مثلنا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على من قال: إنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خُلِق من نور؛ لقوله: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. ومن فوائدها: الرد على من قال: إنه نور، وإنَّه لا ظلَّ له يمشي في الشمس فلا يكون له ظِل، وجهُ ذلك: تحقيق البشرية بالمماثلة قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْفأيُّ أحاديث تأتي بمثل هذه الأمور التي تُوجب أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم عن نطاقِ البشرية فإنها موضُوعَةٌ مكذوبة؛ لأنَّه بشر مثلنا.

ومِن فوائدها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يلحَقُه الحر والبرد، والجوع والعطش، والخوف والأمن، وغير ذلك من مقتَضَيَات البشرية؛ لعموم قوله: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْشوف تحقيق البشرية بالمثلية حتى لا يقول قائل: إن هذا مجَاز، فأكَّدَ هذه البشرية بالمثلِيَّة. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب إلَّا ما أوحي إليه؛ لأننا نحن لا نعلم الغيب وهو بشر مثلنا. ومِن فوائدها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يملِك لنفسِه نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيرِه، وجهُ ذلك: أنه مثلنا، وإذا كنا نحن لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًّا ولا لغيرِنا فكذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن فوائدها: أنَّ موتَ النبي صلى الله عليه وسلم موتٌ حقيقي، وأنَّه بموته انقطَعَ عملُه إلا ما يأتيه مِن ثوابِ أجور أمَّتِه؛ لقوله: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْوالمماثلة تقتَضي المساواة مِن كل وجْه إلا ما خَصَّه الدليل، وبه ينقطع أمل كل مَن طلَب مِن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يشفَع له، فيقِف عند قبره ويقول: يا رسول الله، اشفع لي. فإن هذا لا يجوز؛ لأنَّه اعتداء في الدعاء حيث يطلبُ الإنسان ما ليس له، ولا يمكن الرسول أن يفعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنَّه مات، وإذا مات ابن آدم انقطَعَ عمله لا بالدعاء ولا غيره. ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ينسى؛ لأن هذا مقتضَى البشرية، وكما حقَّق ذلك في قوله: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» . ومِن فوائدها: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد، وربما يُخطِئُ في اجتهاده؛ لأنَّ هذا مقْتضى البشرية، وكما هو الواقع في مثل قول الله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣]، وفي قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس: ١ - ١٠]. ولكنَّه صلى الله عليه وسلم يمتَاز عن غيره في أنَّه لا يُقَر على خطَأ ولو بالاجتهاد بخلاف غيره فقد لا يُذَكَّر، ولا يَذْكُر إذا نَسِي، وقد لا يُعَلَّم ولا يَعْلَم إذا جهل؛ يعني خطَؤُنا نحن قد نستَمِر عليه دون أن نُنَبَّه له أو أن ننْتَبِه لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يُقَر على خطأ، ولا يمكن أن يُقَر على نسيان ما يجِب بل لا بُد أن يَتنَبَّه أو يُنَبَّه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتؤخذ من قوله: يُوحَى إِلَيَّ؛ لأنَّ الوحي لا يكون إلا لنَبِي. فإن قال قائل: كيف تقولون: إن الوحي لا يكونُ إلا لنبي وقد أوحى الله تعالى إلى غير الإنسان فقال تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل: ٦٨]، وقال تعالى في غير الأنبياء: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ؟ قلنا: هذا الإشكال لا يرد إلا على مَن لا يُفَرِّقُ بين معاني الوحي، فأما مَن فرَّق بينها وقال: إنَّ الوحي إمَّا أن يكون بشرع، وإمَّا أن يكون بغيره، فإن كان بشرع فهذا لا يكون إلا للرسل أو الأنبياء، وإن كان بغير شَرْع فإنه يكون مِن باب الإلهام فيكون قول الله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِأي ألهمَها أن تتخذ من الجبال بيوتًا إلى آخره، وكذلك وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَىيعني وحيَ إلهام، وبذلك يزولُ الإشكال. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أهمية التوحيد؛ حيث حصر الوحي بالتوحيد..