تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة فاطر - ٨

درس صوتي · ٩٠:٢٧

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (٣٩)

٠٠:٠٠:٠٥

وأما قوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥] فإن هذا من باب تعميم العقوبة التي لا يخلو أهل الإحسان من التقصير، أما لو قاموا بما يجب عليهم فإن العقوبة لا تعمهم؛ لأن الله تعالى يقول: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: ٦١]، ولأن الواقع شاهد بذلك، فنوح وهود وغيرهما من الرسل أنجاهم الله مع أنه أخذ أقوامهم بالعقوبة. يقول عز وجل: فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ(أي: وبال كفره) وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا [فاطر: ٣٩]، نعم، كفر الكافرين عند الله لا يزيدهم إلا مقتًا، لا يزيدهم عند الله محاباة لهم أو رحمة بهم؛ لأن الحجة قامت عليهم، فكلما ازدادوا كفرًا ازدادوا بغضًا. قال المؤلف في مَقْتًا: (غضبًا) والمعروف أن المقت أشد البغض، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢، ٣]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر: ١٠] وهذا يدل على أن المقت هو البغض، لكنهم قالوا: إنه أشد البغض، فتفسير المؤلف له بالغضب فيه نظر، قال: وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا [فاطر: ٣٩]، فبين هنا أن الكفر سبب لشيئين: الشيء الأول: نزول مرتبة الكافر؛ فإن كفره لا يزيده عند الله إلا بغضًا، والثاني: العقوبة التي تحصل له، وذلك بالخسارة، فماذا يخسر؟ يخسر نفسه وأهله ودنياه وآخرته قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥]، فهو خسر نفسه لأنه لو آمن لربح ونال ثواب الآخرة بالجنة، وهذا ربح، أما الآن فقد أهلك نفسه ففاتت عليه، خسر أهله لأنه لو آمن واتبعه أهله بالإيمان صاروا في الجنة في منزلة واحدة، خسر دنياه لأنه لم يستفد من وجوده في الدنيا شيئًا، بل استفاد الخسارة والعمل السيئ، خسر الآخرة أيضًا لأنه فاته النعيم المقيم في الآخرة وصار من أصحاب الجحيم، فلا أحد أعظم خسارة من الكافر والعياذ بالله، حتى وإن كان في الدنيا منعَّمًا نعمة جسد فهو في الحقيقة معذب عذاب قلب؛ لأنه ليس عند الكافر انشراح صدر كما عند المسلم، يقول الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: ٢٢] يعني كمن لم يكن كذلك فهو على ظلمة. نأخذ الفوائد: يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ [فاطر: ٣٩] إلى آخره. يُستفاد منها: تمام قدرة الله عز وجل وسلطانه، حيث إنه هو الذي يدبر خلقه بجعلهم خلائف. ومنها: بشارة المؤمنين وإنذار الكافرين؛ لأن من جملة الخلافة أن يخلف المؤمنون الكافرين في أرضهم، قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب: ٢٦، ٢٧]، وقال موسى لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨]، وقال لهم: إن الله استخلفكم الأرض، ففي هذا بشارة للمؤمن، فلا ييئس من أن الله سبحانه وتعالى يجعل له الخلافة في الأرض، وإنذار لمن؟ للكافر، بأن تجتاح أرضه على أيدي المؤمنين. ومن فوائدها: أيضًا حكمة الله عز وجل في توارث الأمم بعضها بعضًا، فإنه لولا ذلك لضاقت الأرض بأهلها، لو كان كل من أوجده الله بقي نعم كم يكون عدد العالم؟ ما يُحصَون، وحينئذ تضيق بهم الأرض ويشق عليهم تحصيل الأرزاق، وإن كان الله عز وجل قد يجعل لهم من الرزق ما لا يخطر بالبال، لكن لا شك أن كون الناس يخلف بعضهم بعضًا هذا يموت وهذا يحيا هو الحكمة والرحمة. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شؤم الكفر وعاقبته؛ لقوله: فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ. ومن فوائدها: أن كفر الكافر على نفسه لا على غيره، وهو كقوله: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] وأوردنا على هذه الجملة إشكالًا وأجبنا عنه. ومن فوائدها: إثبات صفة البغض لله عز وجل، بل إثبات صفة المقت الذي هو أشد البغض؛ لقوله: إِلَّا مَقْتًا، والمقت من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة تقرن بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها حينئذ تتعلق بمشيئة الله؛ إذ إن السبب واقع بمشيئته، والسبب هو الذي علقت به الصفة، فتكون الصفة إذن واقعة بمشيئته، والقاعدة عند أهل السنة أن الصفات التي تكون بمشيئة الله تسمى صفة فعلية، وذكرنا أن الصفات ذاتية وفعلية وخبرية، فالذاتية هي الصفات التي لا ينفك الله عنها، لم يزل ولا يزال متصفًا بها، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة وغير ذلك كثير، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته؛ إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، سواء كانت صفة ظاهرة أم غير ظاهرة، مثل المحبة والكراهة والرضا والبغض والضحك والاستواء والنزول وغير ذلك، والصفات الخبرية هي التي نظير مسماها أبعاض لنا، مثل الوجه واليدين والعين والساق والإصبع وما أشبهها، وهنا لا نقول: إنها أجزاء بالنسبة لله، هي لنا أجزاء ولكن نتحاشى أن نقول: إنها أجزاء، بل نقول: نظير مسماها أجزاء لنا، ولا يمكن أن نجعل هذه صفات معنوية؛ إذ لو قلنا بأنها صفات معنوية لساوينا أهل التعطيل؛ لأنهم يجعلون هذه الصفات صفات معنوية. طيب اللي معنا الآن إِلَّا مَقْتًامن الصفات الفعلية. ومِن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد الإنسان كفرًا ازداد عند الله مقتًا، وجه ذلك القاعدة التي ذكرناها ونكررها دائمًا، وهي أن الحكم المعلق على وصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، وهنا الحكم معلق على الكفر، فإذن يزداد مقت الله عز وجل على الكافر بزيادة كفره وينقص بنقصان كفره. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر أيضًا خاسر في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا [فاطر: ٣٩]، ولم يقيد، لم يقل: في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الله، بل أطلق، فأخسر الناس هم الكفار، خسروا-كما قلنا في التفسير- أنفسهم وأهليهم ودنياهم وآخرتهم، وشخص خسر كل هذه الجهات ليس له ربح، فأعظم الناس خسرانًا هم الكافرون. إذا قال قائل: هل نستعمل هنا قياس العكس؟ فنقول: إذا كان الكافر أخسر الناس فأربح الناس المؤمن؟ الجواب: نعم، نستعمل هنا قياس العكس؛ لأن قياس العكس جاءت به السنة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قالوا: نعم، قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» ، فكل عمل حلال تستغني به عن حرام يكون لك فيه أجر. إذن المؤمن رابح في مقابل أن الكافر خاسر، وإن شئت تلونا آية صريحة في هذا، قال الله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوايعني: فليسوا في خسر، بل في ربح إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ١ - ٣]، وتجارة المؤمنين تجارة رابحة يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر: ٢٩] لن تهلك ولن تخسر شيئًا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة لما قال: يا رسول الله، إن الله أنزل قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أضعها -يعني عند الرسول عليه الصلاة والسلام- صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» .

تفسير الآية (٤٠)

٠٠:١٣:١٦

ثم قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَتعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ [فاطر: ٤٠] أي غيره، وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء لله)، قُلْ أَرَأَيْتُمْيعني أخبروني، و(شركاء) مفعول أول، يعني (أرأيت) تنصب ثلاثة مفاعيل؛ مفعول أول صريح منطوق به، والمفعول الثاني والثالث معلق بهمزة الاستفهام، فهنا أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِنعم أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، لكن هنا قال: أَرُونِيمن باب التحدي أخبروني عن شركائكم، وقوله: شُرَكَاءَكُمُيعني الذين جعلتموهم شركاء، فالإضافة هنا باعتبار جعلهم، أي: جعل العابدين لها شريكًا مع الله. وقوله: الَّذِينَ تَدْعُونَقال المؤلف: (تعبدون)، فحول الدعاء إلى معنى العبادة، ولا شك أن الدعاء يأتي بمعنى العبادة؛ كقوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر: ٦٠] ولم يقل: عن دعائي، فهذا دليل على أن الدعاء بمعنى العبادة، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ. ولكن لو قال قائل: إن قوله: تَدْعُونَشامل لدعاء المسألة -وهو طلب الحاجة- ودعاء العبادة، لكان أولى؛ لأن هذه الأصنام التي يدعونها أحيانًا يجمعون بين الأمرين فيركعون لها ويسجدون ويذبحون وينذرون، وأحيانًا يدعونها دعاء، وأحيانًا يجمعون بين الأمرين، فالأولى أن نجعل الآية شاملة لدعاء المسألة ودعاء العبادة، والله أعلم. قُلْيا محمد أَرَأَيْتُمْوالخطاب بـقُلْهنا خطاب لمفرد، وإذا جاء مثل هذا في القرآن فإما أن يكون مما يختص به الرسول صلى الله عليه وسلم، فالأمر فيه واضح؛ كقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ [المائدة: ٦٧] وما أشبهها، فهذا خاص بمن؟ بالرسول، والأمر فيه واضح، إذا جاء مفردًا وليس خاصًّا بالرسول عليه الصلاة والسلام يعني لم يقم دليل على اختصاصه به، فهل نقول: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه، أو إنه موجه إلى الرسول وأمته تبعًا له، وإنما وجه إليه وحده باعتباره الإمام المتبوع؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والخلاف هنا قريب من اللفظي؛ لأن الكل متفقون أن هذا الحكم يشمل الأمة؛ إذ لا دليل على اختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم به، بخلاف أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَفهذا خاص بالرسول؛ لأنه ليس كل أحد قد شرح الله له صدره، طيب هنا قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُالخطاب لمفرد، فهل هو للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل من يتأتى خطابه؟ قيل: إنه لكل من يتأتى خطابه، وقيل: للرسول باعتباره الإمام، وغيره مثله، حتى مثلًا في زمننا هذا نقول للمشركين: أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ. وسبق أن المؤلف رحمه الله فسر الدعاء هنا بالعبادة، وقلنا: إنه تفسير ناقص؛ لأن الدعاء يكون للعبادة ويكون للمسألة، والمشركون أشركوا بشركائهم بالنوعين جميعًا؛ فقد يدعون هؤلاء الشركاء وقد يعبدونهم، وسبق أنهم يقولون: إن الأصنام شركاء لله عز وجل، حتى إن المشركين في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكُه وما ملَك . يقول: أَرُونِي(أخبروني) مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، قوله: مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِمن حيث الإعراب يجوز فيها وجهان: الوجه الأول أن نعرب (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام مفعول مقدم لـ(خلقوا)، والثاني أن نعرب (ما) وحدها على أنها اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، وعلى هذا فيكون في خَلَقُواضمير محذوف هو العائد لاسم الموصول، والتقدير: ماذا خلقوه من الأرض، والمعنى لا يختلف، فهؤلاء يتحدون ويقال: أرونا ماذا خلقوا من الأرض؟ هل خلقوا الجبال؟ هل خلقوا الأشجار؟ هل خلقوا الرمال، الأنهار، البحار؟ الجواب: ما خلقوا شيئًا من هذا، طيب ينتقل إلى أعلى أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ، وهنا ما قال: أم خُلقوا شيئًا من السماوات، قال: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ؛ لأن السماوات ليست في متناول أيديهم، لكن يحتمل أن يكون لهم فيها مشاركة، نعم، فالذي لهم متناول فيه قيل: مَاذَا خَلَقُوا؛ لجواز أن يقول قائل: لهم شرك في الأرض، فهذا له مثلًا مساحة يأتي الناس إليه وهي حريم قبره مثلًا، فنقول: طيب، هل خلقوا هذا؟ إذا ادعيتم أن هذه الأرض مثلًا له، وأنه (...) على هذا القبر لزائريه أو ما أشبه ذلك، فهل خلقوها؟ لكن في السماوات ما قال: أم ماذا خلقوا من السماوات قال: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ، لا على سبيل الخلق ولا على سبيل التملك، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ(شركة مع الله) فِي السَّمَاوَاتِ، وقول المؤلف: (فِيخلق السَّمَاوَاتِ) فيه نظر، بل الصواب أن نقول: في السماوات، سواء كان ذلك عن طريق التملك أو عن طريق الخلق، ويش الجواب؟ طالب: (...). الشيخ: لا، لا هذا ولا هذا أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ(بأن لهم معي شركة) يعني: أو عندهم إذا قلتم: لم يخلقوا شيئًا من الأرض، وليس لهم شركة في السماوات، نقول: طيب، هل عندهم كتاب وهم على بينة –حجة- منه بأنهم شركاء مع الله؟ ويش الجواب؟ لا، فكل هذه التقسيمات كلها منتفية بالنسبة للأصنام، فلم يخلقوا شيئًا من الأرض، وليس لهم شركة في السماوات، وليس معهم بينة من الله –كتاب- بأنهم شركاء مع الله، وإذا انتفت هذه الأمور الثلاثة لا خلق ولا مشاركة ولا وثيقة تبين أيش؟ تبين بطلانها، قال: بَلْ إِنْ(ما)، يعني أن (إن) هنا نافية بمعنى (ما) (يَعِدُ الظَّالِمُونَالكافرون بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًاباطلًا بقولهم: الأصنام تشفع لهم)، يعني أن ما يعد الظالمون بعضهم بعضًا فهو غرور، أي: تغرير وخداع وليس له حقيقة، والوعد الذي يعد به الظالمون بعضهم بعضًا أنهم يقولون: هذه الأصنام تشفع لكم عند الله، اعبدوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، اعبدوا جبريل، اعبدوا الشجر، اعبدوا اللات، اعبدوا العزى؛ فإنها تشفع لكم وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس: ١٨] كيف يعبدونهم ثم يكونون شفعاء؟ الشافع هل ينال درجة المشفوع إليه؟ لا، الشافع درجته دون درجة المشفوع إليه، نعم؛ إذ لو كان مساويًا أو أعلى ما احتاج أن يشفع، إن كان أعلى أمر أمرًا، وإن كان مساويًا غالبه، فأيهما غلب عاد يكون السلطة له. على كل حال نقول: إن الظالمين يغر بعضهم بعضًا في الباطل حتى يخدعوا ويظنوا أن الباطل حق وأن الحق باطل، التغرير تارة يكون بالأقوال الكاذبة الملفقة التي ليس لها أصل، وتارة يكون بالألقاب السيئة التي تشوه السمعة، فأما الأقوال الكاذبة فمثل قولهم فيما حكى الله عنهم: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا [الأعراف: ٢٨]، قولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاهذا كذب وزور، ولهذا قال الله تعالى مبطلًا لهذه الدعوى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، هذا من جملة التغرير أن يدعوا قولًا كذبًا وزورًا، أو بالألقاب السيئة وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٤، ٥]، فأتوا بالألقاب السيئة: ساحر أيش بعد؟ وكذاب. العامة إذا قيل لهم، ولا سيما إذا كان القائل زعماء، إذا قيل: هذا ساحر أو كذاب يتبعونه ولَّا لا؟ لا يتبعونه، طيب وإذا قيل لهم، أي للعامة: إنكم إذا عبدتم الولي الفلاني، أو القبر الفلاني، فإن ذلك ينفعكم، فإن العامة تنخدع؛ لأنه ليس عندها علم وليس عندها عقل ولب فتنخدع. هذه الآية يستفادُ منها عدَّة فوائد: أولًا: قوة القرآن في أسلوب المناظرة، وذلك بالترديد والتقسيم، وجهه: أن الله تحداهم بثلاثة أمور: هل خلقوا شيئًا من الأرض؟ هل شاركوا الله في السماء؟ هل عندهم كتاب من الله أن هذه الأصنام تنفعهم، وإن لم تكن شريكة لله في السماوات ولم تخلق شيئا من الأرض؟ الجواب: لا، لو خلقت شيئًا من الأرض لكان لها الحق؛ لأنها تخلق، لو شاركت الله في ملكه في السماء لكان لها الحق؛ لأنها شريك لله عز وجل في ملكه، لو أن الله أنزل كتابًا يقول بأن هذه الأصنام لها الحق أن تُعبَد وتُدعَى من دون الله لكان لهم شبهة أو حجة، فلما انتفت الأمور الثلاثة تبين أنه لا حجة لهم، ثانيًا أنه ينبغي في المناظرة أن تُذكَر جميع الأقسام التي يمكن أن ترد في الذهن ثم تبطل؛ احترازًا من أي شيء؟ مما لو ذكرت شيئًا واحدًا ثم بينت بطلانه، فقد يورد عليك شيء آخر؛ لأنه كما أن القول الحق لا ينحصر إثباته بدليل واحد، فكذلك الباطل لا ينحصر إيراد الشبه فيه في شبهة واحدة، فإذا أردت أن تفحم خصمك لا تأت بشبهة واحدة، ايت بجميع ما يمكن ويَحتمل أن يكون شبهة لتبطلها حتى يكون عندك القوة الكاملة التي لا يمكن أن يورد عليك أحد منها خللًا. ومِن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يخلق مع الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، فإن قلت: يرد عليك أن الله أثبت أن هناك خالقين في قوله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]، وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يُقَالُ لَهُمْ» أي: المصوِّرين «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ؟ فالجواب أنهم لم يخلقوا هذا، ولكن حولوه من صورة إلى صورة، فهنا ليس منهم إيجاد، بل تحويل من صورة إلى صورة، فالمصور مثلًا الذي أخذ الطين وجعل منه صورة على صورة إنسان، أو صورة طير، أو صورة دابة، ماذا نقول؟ هل خلق هذا الشيء؟ لا، لكن حوله من كونه كتلة من الطين إلى كونه صورة وليس خلقًا جديدًا، النجار مثلًا إذا أتى على الخشب ونجره على صورة معينة ما نقول: إنه خلقه؛ لأنه لم يوجده، لكن حوله من صورة إلى أخرى. ومِن فوائد الآية الكريمة: بطلان ألوهية هذه الأصنام، ومن باب أولى ربوبيتها، وجه هذا: أن الله تحدى أن تكون هذه الأصنام صالحة للمشاركة بكل وجه من الوجوه أيش؟ الخلق والمشاركة والوثيقة، كل هذه منتفية إذن، فيبطل جعلها إلهًا مع الله. ومِن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين -ويشمل الكافرين ومن دونهم- أن الظالمين لا يعد بعضهم بعضًا إلا غرورًا وخداعًا، فيشمل ذلك الكافرين الذين يزينون الكفر، ويشمل ذلك أهل الخلاعة الذين يزينون الخلاعة، ويشمل أهل اللهو الذين يزينون اللهو، فكل باطل يزينه أصحابه نقول فيه: لا يعد الظالمون بعضهم بعضًا إلا غرورًا. ومن فوائد الآية: الحذر من أن يتمنى الإنسان على الله الأماني، بل الذي ينبغي أو يجب أن يكون الإنسان كيسًا فطنًا حازمًا كما يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الْأَمَانِيَّ» ، فالوعود التي يُوعَد بها الإنسان من قبل الظالمين أو من قبل نفسه إذا كانت مخالفة للشرع فما هي إلا غرور وباطل، فليحذر الإنسان منها.

تفسير الآية (٤١)

٠١:١٦:٣٢

(...) الله تبارك وتعالى مبينًا تمام قدرته ومنَّته على عباده، قال: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَاأي: يمنعهما من الزوال)، قوله: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَالإمساك بمعنى القبض على الشيء والتمكن منه، وفسره المؤلف بالمنع، وهو لازم للإمساك. وقوله: أَنْ تَزُولَا(أن) هذه مصدرية، حذف منها حرف الجر؛ لأنه يطرد حذف حرف الجر مع (أن)، و(أن) نعم إذا أُمن اللبس وهنا اللبس مأمون، وإذا كان الكلام على تقدير (من) فحول (أن) وما دخلت عليها إلى مصدر يكن سبك الكلام: إن الله يمسك السماوات والأرض من الزوال. وقوله: السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَترد هذه العبارة كثيرًا في القرآن، وهي جمع السماوات وإفراد الأرض، ولم تأت الأرض مجموعة في القرآن بلفظها، لكن جاءت بلفظ يدل على التعدد، وهو قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] فإن المثلية هنا تتعين أن تكون في العدد؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأرض مثل السماوات في الحجم، ولا مثلها في الصفة، وإذا امتنع أن تكون مماثلة للسماء في الحجم وفي الصفة تعين أن تكون مماثلة للسماء في العدد، والسنة جاءت في اللفظ الصريح في أن الأرضين سبع أرضين كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَاقال: (لام قسم)، اللام لام القسم، و(إن) شرطية، وزَالَتَاالفعل هنا فعل الشرط، وإِنْ أَمْسَكَهُمَاالجملة جواب الشرط، و(إن) هنا يقول المؤلف: (ما) أي: تكون نافية، أَمْسَكَهُمَاقال المؤلف (يمسكهما) إشارة إلى أن أَمْسَكَهُمَافعل ماضٍ، لكنه بمعنى المضارع؛ لأنه وقع جوابًا للشرط، ومعلوم أن جواب الشرط يكون للمستقبل لا يكون للماضي؛ لأنه لا يكون إلا بعد تحقق الشرط، وتحقق الشرط أمر مستقبل. وقوله: مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ أَحَدٍ(من) هذه زائدة زائد، كذا؟ كلام صحيح ولا فيه تناقض، زائدة زائدة، ما فيه تناقض، كيف ذلك؟ طالب: زائدة في الإعراب. الشيخ: أحسنت، زائدة في الإعراب ولكنها تزيد في المعنى، و(زائدة) اسم فاعل من زاد يزيد، ونحن نعرف أن (زاد) يأتي متعديًا ويأتي لازمًا، فإذا قلت: زاد الشيء يعني: ارتفع وكثر وما أشبه ذلك، فهي لازمة، وإذا قلت: زدته خيرًا نعم صارت متعدية، لهذا نقول: هي زائدة زائدة، قد يقول بعض الناس إذا رأى مثل هذا الكلام قال: هذا تناقض، كيف يكون الشيء زائدًا زائدًا، نقول: (من) زائدة إعرابا زائدة معنى؛ لأنها تزيد في المعنى، وهو تأكيد النفي، وقوله: (أحد) فاعل (أمسك) مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، المعنى: لئن قدر أن تزول السماوات والأرض فإنه لا أحد يستطيع أن يمسكهما سوى الله عز وجل، وهو كذلك هذا هو الواقع، بل لو زال ما دون السماوات والأرض من النجوم والكوكب والشمس والقمر ما استطاع أحد أن يمسكه سوى الله عز وجل، بل لا يستطيع أحد أن يصرف شيئًا من هذه الكواكب أو النجوم أو الشمس والقمر أن يصرفه عن جهة سيره إلا الله عز وجل، ولا أن يمنعه من سيره إلا الله عز وجل. في الإعراب هنا قلنا: إن اللام في (لئن) لام القسم، و(إن) شرطية، وإن أَمْسَكَهُمَاجواب الشرط ولَّا جواب القسم؟ طالب: القسم. الشيخ: إي جواب القسم، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة: إذا اجتمع الشرط والقسم حُذف جواب المتأخر منهما. قال ابن مالك مقررًا هذه القاعدة:

وَاحْذَفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ

جَـــــوَابَ مَـــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــــوَ مُلْـــــــــــتَزَمْ

إذن المؤخر هنا الشرط، فيكون جوابه هو المحذوف، دل عليه جواب القسم. يقول: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًاأي: في تأخير عقاب الكفار)، قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًاهذه الجملة مناسبتها لما قبلها أنها تعليل لما قبلها، فارتباطها به ارتباط العلة بالمعلول، يعني أنه في إمساكه للسماوات والأرض كان حليمًا غفورًا، ولولا حلمه ومغفرته لزالت السماوات والأرض وهلك من فيهما. (الحليم) اسم من أسماء الله، ومعناها ذو الحلم، والحلم هو تأخير العقوبة عن مستحقها، تأخير العقوبة وليس ترك العقوبة؛ لأن ترك العقوبة عفو، ولكن تأخير العقوبة عن المسيء يسمى هذا حلمًا، قال ابن القيم رحمه الله:

وَهُوَ الْحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ

بِعُقُــــوبَةٍ لِيَتُــــوبَ مِنْ عِــــصْيَانِ

فبحلمه عز وجل تتأخر العقوبات، لعل الناس يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى، غَفُورًاهذا يغفر الذنب ويمحو أثره بالكلية، وسبق لنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ وذلك لأنها مأخوذة من المـغفر الذي يغطي الرأس ويقيه السهام، وليست كما قيل مجرد الستر؛ لأن مجرد الستر لا تحصل به الوقاية، بل لا بد مع الستر من الوقاية، ويدل لهذا المعنى قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي لعبده إذا خلا به وقرره بذنوبه، يقول: «كُنْتُ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» ، فإن هذا يدل على أن الستر غير المغفرة وأن المغفرة لا بد فيها من عدم المؤاخذة وعدم العقوبة. في هذه الآية الكريمة فوائد: الفائدة الأولى: بيان قدرة الله عز وجل على إمساك السماوات والأرض، فهذه الأجرام العظيمة أمسكها الله تعالى بقدرته بدون معاناة، وبدون تعب، وإنما يقول للشيء: كن فيكون، وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] قال الله تعالى: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١]. ومِن فوائدها أيضًا: بيان رحمة الله عز وجل بعباده، حيث سخر لهم السماوات والأرض، بل سخر لهم ما في السماوات والأرض أيضًا، وهذا من كمال رحمته، فلولا رحمة الله عز وجل بعباده لوقعت السماوات على الأرض وهلك الناس وما تُرك عليها من دابة. ومن فوائد هذه الآية: أن السماوات والأرض مخلوقتان من جملة المخلوقات مسخرتان بأمر الله، ففيه رد على الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم وقدم الأفلاك وأن الفلك التاسع كما يزعمون هو المدبر لما تحته، بل نقول: هذه الأفلاك كلها مخلوقة لله مسخرة بأمره، لو شاء الله عز وجل أن تزول لزالت ولم يستطع أحد أن يمسكها. طالب: وجه الفائدة؟ الشيخ: وجه الفائدة أنها مخلوقة من مخلوقات الله فليست قديمة. طالب: من أين نأخذه من الآية؟ الشيخ: يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِفإن إمساكها دليل على أنها قائمة بأمره. ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه لا أحد يستطيع أن يدبر هذه المخلوقات العظيمة الكبيرة؛ لقوله: وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: توجيه الخلق؛ أنهم إذا رأوا في هذه الآيات في السماوات والأرض إذا رأوا ما يزعجهم ويقلقهم ألا يرجعوا إلى أحد إلا إلى الله عز وجل، فالزلازل والبراكين والكسوف والصواعق وغيرها مما يخوف العالم لا نرجع فيه إلا إلى الله؛ لأنه هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولا أحد يمسكهما إذا زالتا إلا الله، ولكن كيف نلجأ إلى الله في هذه الأمور؟ هل نلجأ إليه بالصفة التي أرشدنا إليها النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف، أو نلجأ إلى الله تعالى بالصفة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف في الكسوف فقط، وما عداه فإننا نلجأ إلى الله تعالى بالدعاء المطلق، هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه إذا وُجدت آيات أفقية تخيف العباد فإنه يُشرع للعباد أن يصلوا صلاة الكسوف حتى يذهب ما بهم..