تفسير سورة غافر - ١٢
درس صوتي · ٩١:٥٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
طالب: عذاب القبر حين يراه الإنسان في منامه. الشيخ: ويش يرى؟ الطالب: في الأحلام. الشيخ: يرى أنه يُعَذَّب؟ الطالب: ينام الإنسان ويرى (...). الشيخ: لا ما يستدل، لكن يستدل به على دفع دعوى أهل الإلحاد حيث قالوا: إنكم تقولون: إن الميت يُقْعَد في قبره ويعذب، ونحن نحفر القبر ونجد أن الميت باقٍ على ما هو عليه؛ فنَرُدُّ عليهم بأن هذا النائم يرى أنه مُعَذَّب وأنه منعم وأنه ذهب وأنه جاء وهو على فراشه لم يتغير، حتى اللحاف ما سقط عن ظهره، فنقول: قس الغائب بالحاضر، ثم إن كان عذابُ القبرِ يُدْرَك بالاطلاع عليه لم يكن إيمانًا بالغيب لكان إيمانًا بالشهادة، والإيمان بالشهادة لا ينفع، يعني: الإنسان إذا عاين الشيء فإن إيمانه به لا ينفع، ترى الكافرين عند حضور الأجل تراهم يؤمنون، ولكن لا ينفعهم ذلك، فرعون لما أدركه الغرق: قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠]. شوف إلى هذا الحد، يعني: اعترف لله تعالى بالتوحيد، ثم اعترف أنه تابع لبني إسرائيل؛ لقوله: آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَولم يقل: أنه لا إله إلا الله، إشارة إلى أنه ذَلَّ حتى صار تابعًا لبني إسرائيل بعد أن كان مُتَجَبِّرًا عليهم. طالب: بعض المسلمين يُعَزِّي الكافر. الشيخ: يعني: بعض المسلمين يعزونه؟ الطالب: نعم. العلماء يقولون: لا بأس، لا بأس أن يُعَزِّيَ الكافرَ، وبعضهم يقول: لا يجوز، وبعضهم فَصَّل قال: إن فعلوا بنا ذا فعلناه اعتمادًا على قول الله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦] وهذا أقرب؛ أنهم إن كانوا يفعلون بنا ذلك فعلناه. لكن هل نقول: عَظَّم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك؟ لا، ما نقول هكذا، نقول: هداك الله للإسلام وجَبَر مصيبتك، وبس، وميته ما نقول: غفر الله له، أو: هو من أهل النار. طالب: شيخ، قول أحد الصحابة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: دعوت الله سبحانه وتعالى أن أرى عمر في المنام، ولم يَرَ عمر إلا بعد سنة كاملة (...) قال عمر رضي الله عنه (...)، ما قولكم في هذه المسألة؟ الشيخ: قولنا: هذه أكذب من الكذب، ما أكثر المنتشر وهو كذب، عمر بن الخطاب قُتِلَ شهيدًا، والشهادة تُكَفِّر كل شيء، كل شيء تكفره إلا الدَّيْن ولم نعلم أنه كان مدينًا. طالب: في بعض البلاد العربية وهم النصارى الذين من العرب يضعون جهاز التسجيل داخل القبر، يقول: نحن نريد أن نصدق هل كلامكم صحيح أيها المسلمون من أن عذاب القبر ونعيم القبر ثابت نريد نصدق بهذا، وما أريد (...) القرآن أو السنة، لكن أريد من عقلي أن يصدق هل هذا صحيح أو لا، فماذا نقول لهم؟ الشيخ: علشان يسمع صياح الميت؟ الطالب: نعم. الشيخ: نقول: لو أراد الله أن تسمعوه بالمسجل لأسمعكم إياه بآذانكم، ليش مسجل؟ ما له حاجة. ولكن حينما هذا الفعل هل نرتضي معهم بهذا الفعل؟ الشيخ: نقول: ما أنتم مصدقيَّ. الطالب: (...). الشيخ: لو أراد الله أن نسمعه لسمعناه بدون مسجل، نعم. طالب: هل يمكن أن نعتبر قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦] تفسيرًا لقوله تعالى: سُوءُ الْعَذَابِ؟ الشيخ: يمكن هذا، ويمكن أن نقول: إن سوء العذاب ما ذكرناه في التفسير، وأما هذه النَّارُفهي جملة استئنافية ذُكِرَت وحدها.
تفسير الآيتين (٤٧-٤٨)
٠٠:٠٥:٥٨
الطالب: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر: ٤٧ - ٥٢]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًاإِذْ يَتَحَاجُّونَيعني: اذكر إذ يتحاجون في النار، أي: يدلي كل واحد منهم بحجته، و(إذ): ظرف عامله محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (اذكر إِذْ يَتَحَاجُّونَ). والمحاجة هي المخاصمة، وإدلاء كل بحجته على الآخر، وقوله: فِي النَّارِيفيد أن هؤلاء المتخاصمين هم أهل النار، وهي متعلقة بـيَتَحَاجُّونَ، ثم بين هذه المحاجة فقال: فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًاالضعفاء إما في المال، وإما في الشرف والسيادة، وإما في غير ذلك مما يُعَدُّ ضعفًا، والغالب أن الضعيف يَتْبَع القويَّ. وقوله: لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواأي: تكبروا، من الكبرياء والعظمة، والسين والتاء فيها للمبالغة. إِنَّا كُنَّايعني: في الدنيا لَكُمْ تَبَعًاجمع تابع؛ أي: متبعين. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِيعني: هل تُجازوننا على مُتابعتنا إياكم بأن تتحملوا عنا شيئًا من النار؟ وقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَقال المفسر: (دافعون عَنَّا نَصِيبًاجزءًا مِنَ النَّارِ) انظر كيف يتوسل هؤلاء الضعفاء إلى الذين استكبروا، كيف يتوسلون إليهم بما قدموا من متابعتهم ليتحملوا عنهم نصيبًا من النار، فكان جواب الذين استكبروا: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر: ٤٨]، وإذا كنا كلٌّ فيها فكيف نغني عنكم؟ كيف نغني عنكم نصيبًا من النار؟ وهذه حجة لبيان الواقع. وقوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِحكم بينهم بحكمه الجزائي؛ لأن أحكام الله عز وجل ثلاثة: قدري، وشرعي، وجزائي؛ والجزائي من القدري في الواقع، لكن بعض العلماء يجعله منفصلًا لأهميته؛ لأنه هو الغاية، وقوله: حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِيعني: بين الناس عمومًا؛ بين أهل النار وأهل الجنة؛ فالعبودية هنا بمعنى العبودية العامة الشاملة لأن العبودية عامة وخاصة. ففي هذه الآية فوائد: منها: تعادي الكفار بعضهم مع بعض وأن القوي منهم لا يرحم الضعيف؛ لقوله: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار أَدْلَوْا بمعروفٍ للمتبوعين وهم أنهم كانوا لهم تبعًا ليتوسلوا به إلى أن يأخذوا عنهم نصيبًا من النار، ففيه دليل على تَوَسُّل الإنسان بجميل عطائه على الغير، ولكن هل يُعَدُّ هذا من المنة؟ الواقع أن الذي يُبَيِّن أنه تَوَسُّل أو منة هو القرائن، قد يكون هذا مِنَّة وقد يكون هذا توسلًا، يقول: مثل ما رحمتُك وأعطيتُك وأحسنتُ إليكَ فأحسنْ إليَّ، فيكون هذا من باب التوسل. ومن فوائد الآية: أن الضعفاء دائمًا يكونون أتباعًا للأقوياء؛ لقوله: فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا؛ ولهذا يتبين لنا الآن أن تقليد المسلمين للكفار يعني ضعفهم أمامهم؛ لأن الضعيف دائمًا يُقَلِّد القوي لضعف شخصيته أمامه، وأنه يجب على المسلمين أن يكون لهم ميزة خاصة، وأن يكون لهم قوة ذاتية لأن القوة معهم، هم أهل الدين، هم أهل الحق، هم الذين عرفوا الحياة، وهم أهل الحياة في الواقع. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الأتباع يَتَمَنَّوْن أن يأخذ المتبوعون نصيبًا ولو قليلًا من عذاب النار عنهم، والدليل أنهم يريدون ولو قليلًا قولُهم: نَصِيبًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المستكبرين يَعْتَذِرون بأنه لا طاقةَ لهم في ذلك لأن الجميع في نار جهنم، فكيف يأخذون نصيبًا عنهم؟ نعم، لو كانوا ليسوا في نار جهنم ثم يسقطون في النار من أجل أن يُغْنُوا عن هؤلاء نصيبا لأمكن، لكن ما دام الجميع في النار فإن طلبَ تحقيق ذلك طلبُ شيء مستحيل. ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ خُنوع هؤلاء المستكبرين يوم القيامة؛ لقولهم: إِنَّا كُلٌّ فِيهَايعني: الآن ليس لنا فضل عليكم، وليس لكم فضل علينا، كلٌّ في نار جهنم. ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار هؤلاء المعذبين في النار بأن الله سبحانه وتعالى قد حَكَم بين العباد حكمًا عدلًا لقولهم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ. ومن فوائدها: أنه إذا نَفَذَ حكمُ الله فإنه لا يمكن رَفْعُه ولا دفعه؛ لقولهم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ، وفي هذا يقول الله عز وجل في سورة (ق): لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٨، ٢٩] إذا انتهى حكمُ الله فلا معقب لحكمه. ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار هؤلاء المعذبين في نار جهنم أنهم من عباد الله، لكن المراد: العبادة العامة، وهي العبادة الكونية؛ لأن العبادة نوعان: عامة وهي العبودية الكونية، وخاصة وهي العبودية الشرعية؛ فمن خضع لله شرعًا فهو عابد شرعًا، وكذلك الكوني، ومن تَكَبَّر عن عبادة الله شرعًا فهو عابد كونًا وليس عابدًا شرعًا. قال المفسر: (فَأَدْخَلَ المؤمنين الجنة والكافرين النار) المعنى أعم مما قاله رحمه الله، حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِبين أهل الجنة والنار، وبين أهل النار بعضهم من بعض، وحكم حكمًا عامًّا.
تفسير الآيات (٤٩-٥١)
٠٠:١٦:٣٤
ثم قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا [غافر: ٤٩] أي: قَدْر يوم مِنَ الْعَذَابِ) استمع لهذا النداء الدال على البؤس واليأس، قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَخزنة: جمع خازن، وهم الذين قاموا على خزانتها وحمايتها وحفظها؛ لأن النار لها خزنة، وكذلك الجنة لها خزنة، وكل أمر مُحْكَم، ويؤتى بجهنم يوم القيامة تُقادُ بسبعين ألف زمام، كل زمام يقوده سبعون ألف مَلَك، وما أدراك ما الملائكة وما قوتها، فهذه النار محكمة لها خزنة ولها قُوَّاد يقودونها يوم القيامة. وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَوجَهَنَّمَاسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، وقيل: إنها عجمية، فعلى القول أنها عربية تكون مأخوذة من الجُهْمَة وهي الظلمة، لأن النار سوداء مظلمة، أعاذنا الله وإياكم منها. وعلى القول بأنها أعجمية يقال: إن أصلها كهنام، ولكنها عُرِّبَت حتى صارت جهنم، وهي من أسماء النار. يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِويقولون: هذا -والله أعلم- حين يقولون لربهم عز وجل: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨] حينئذ يتوسلون بغيرهم أن يكلموا الله، يقولون: ادعوا ربكم، ولم يقولوا: ادعوا ربنا؛ لأنهم قد كُسِرُوا من جهة ربهم، قال لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ، لكن توسلوا بعد ذلك بطلب من الملائكة أن يدعوا الله لهم ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِيُخَفِّفْبالجزم جوابًا للأمر، وهو قوله: ادْعُواوأقول: للأمر باعتبار صيغته، وإلا فهو في الحقيقة دعاء وسؤال. ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِما الذي طلبوا؟ طلبوا تخفيفًا لا رفعًا، وطلبوا يومًا لا دوامًا لأنهم آيسون، لكن قال: لعل المسألة تنفع ولو بتخفيف يومًا من العذاب، نسأل الله العافية، ومقتضى هذا أنهم في أشد ما يكونوا من العذاب، وأنهم طلبوا أن يستريحوا ولو يومًا. يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًاقال المؤلف: (أي: قَدْرَ يومٍ) وإنما قال: قَدْرَ يوم؛ لأنه في يوم القيامة ليس هناك يوم ولا ليلة، الشمس والقمر مُكَوَّران في نار جهنم، وكل شيء من أمور الدنيا منتهٍ، ما فيه إلا أمر الآخرة، سبحان الله! فيقول المؤلف: (قدر يوم مِنَ الْعَذَابِ). قال لهم الخزنة: (قَالُواأي: الخزنة تهكمًا) هكذا قال المؤلف: تَهَكُّمًا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتنديمًا ليس تهكمًا، لأن الأمر واقع، فهم يُقَرِّرُونَهُم بشيء حاصل تنديمًا لهم ليزدادوا حُزْنًا. (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِبالمعجزات الظاهرات) ليته قال: بالآيات الظاهرات، لأن الرسل جاؤوا بالآيات لا بالمعجزات، لكن الآيات أمر خارق للعادة فهي معجزة، وقد بَيَّنَّا في كرامة الأولياء في التوحيد أن الأولى أن يُسَمَّى ما جاءت به الرسل من الدلالة على رسالتهم آيات. (بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَىأي: فكفروا بهم قَالُوا فَادْعُوا) هذا التهكم. قوله: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِمثل هذا التعبير يقع كثيرًا في القرآن؛ أي أن الهمزة تأتي ثم يأتي بعدها حرف عطف، مثل أَوَلَمْ يَسِيرُوا [غافر: ٢١] أَفَلَمْ يَسِيرُوا [غافر: ٨٢] أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [يونس: ٥١] وما أشبه ذلك، فكيف نقول في إعرابها؟ نقول: في إعرابها وجهان للنحويين: الوجه الأول: أن الجملة معطوفة على ما سبق، وأن الواو مُقَدَّمة على محلها، وأن التقدير في أَوَلَمْ تَكُ: وألم تكن، وهذا الوجه ليس فيه إلا دعوى التقديم والتأخير لكنه سهل؛ يعني: يَسْهُل أن تقول: هذا معطوف على ما سبق. وقال بعضهم: إن الهمزة داخلة على جملة محذوفة، فالجملة مستأنفة، هذه الجملة يكون تقديرُها بحسب السياق؛ ففي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُواالتقدير: أغفلوا ولم يسيروا، وهذا من حيث القواعد أَقْعَد، لكنه تواجهك أحيانًا آياتٌ لا تستطيع أن تعرف ما هو المُقَدَّر، فصار هذا أقعد وذاك أسهل؛ الوجهان؟ طالب: (...). الشيخ: أنا عندي مما ضمر الأدمغة: الآلة الحاسبة، كمبيوتر الفرائض، المسجلات. ولَّا لا؟ الآلة الحاسبة ضمرت تحرك العقل جمعًا وطرحًا وضربًا. كمبيوتر الفرائض خلاص مَوَّت العقل ما عاد يبحث بالفرائض؛ نضغط على الزر وتطلع لك المسألة والقسمة. الثالث قال: مش لازم أتابع المعلم، المسجل عندي (...) استمعت إليه. الشيخ: ما الذي قلنا في مثل هذه التركيب: أَوَلَمْ يَسِيرُواأَفَلَمْ يَسِيرُواأَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ؟ الطالب: الوجه الأول: أن يكون هناك تقديم وتأخير. الشيخ: الوجه الأول: أن تكون الجملة معطوفة على ما سبق، وليس في هذا إلا أن نقول: الواو مؤخرة عن مكانها. الطالب: الوجه الثاني أن تكون بعد الهمزة جملة مقدرة.. الشيخ: الوجه الثاني: أن تكون الهمزة داخلة؟ الطالب: على جملة محذوفة مقدرة، وتقدر حسب السياق، كل جملة بحسبها، وهذه أقعد ولكن فيها صعوبة. الشيخ: صعوبة في أيش؟ الطالب: صعوبة في التقدير. الشيخ: في التقدير؛ لأنك أحيانًا لا تكاد تعرف ما الذي يناسب المقام وتلك أسهل. هذا الإعراب في كل تقدير يجيئك على هذا الوجه. وقوله: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْالاستفهام هنا للتقرير، ويقال: كلما دخل الاستفهام على نفي فهو للتقرير، كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ [القيامة: ٣٧]، أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ [الزمر: ٣٧] وما أشبه ذلك، يقولون: كلما دخل الاستفهام على النفي فهو للتقرير. طيب إذن نحن نقول: للتقرير، لكن هل يخرج عن معنى التقرير أو يُضَمُّ إلى معنى التقرير معنى آخر بحسب السياق؟ الجواب: نعم، ففي قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَهو للتقرير إظهارًا لمنة الله عليه، أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ [غافر: ٥٠] للتقرير توبيخًا وتنديمًا. قالوا: بَلَىجواب الاستفهام المقرون بالنفي الإثبات بـ(بلى)، وجواب الاستفهام غير المقرون بالنفي الإثبات بـ(نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالنفي في حال النفي (نعم)، وجواب الاستفهام المقرون بالإثبات في حال النفي (لا). اعرفوا الفرق. يقال: إن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه قال في قوله تبارك وتعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: ١٧٢] قال: لو قالوا: نعم. لكفروا . وقال الفقهاء: لو قيل للرجل: ألست طلقت امرأتك؟ فقال: نعم، لا تَطْلُق. وإن قال: بلى، طلقت. قال ابن عباس: لو قالوا: نعم. لكفروا، وهذا مُسَلَّم فيما إذا كان الإنسان يعرف اللغة العربية جيدًا، وأما العامي فعنده نعم وبلى سواء؛ ولهذا لو قيل للعامي: ألستَ طلقتَ امرأتك؟ قال: نعم، أيش يكون؟ على القول الصحيح تَطْلُق، العبرة بالمعاني، على أنه جاء في اللغة العربية جواب هذا بـ(نعم)، ومنه قول العاشق:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو
وَإِيَّانَا فَذَاكَ لَنَا تَدَانِي
أم عمرو معشوقته.
نَعَمْ وَتَرى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ
وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي
فقال: (نعم)، لكن الرجل هذا قنوع اكتفى أن يجمعه الليلُ مع معشوقته ولو كان في المشرق وهو بالمغرب وكذلك النهار، وترى الهلال كما يراه، هي في المشرق ترى الهلال وهو في المغرب يرى الهلال يكفي، نعم اقتران. على كل حال الآن فهمنا جواب الاستفهام المقرون بالنفي إثباتًا (بلى)، ونفيًا (نعم)، والاستفهام المقرون بالإثبات إثباتًا؟ طلبة: نعم. الشيخ: ونفيًا (لا)، بارك الله فيكم. قالوا: بَلَىيعني: قد أتتنا، ولكنهم -والعياذ بالله- كفروا. قَالُوا فَادْعُواهذا الأمر للتهكم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يُقْبَل منهم؛ فقوله: ادْعُواتَهَكُّم بهم، والتهكم هو الذي يُسَمَّى عندنا في اللغة العربية (الهَكُّ)، هَكَكْتُ عليه يعني: لعبت بعقله، فهنا قالوا: فَادْعُواتَهَكُّمًا بهم؛ لأن الملائكة تعلم أنهم لن يجابوا. (قَالُوا فَادْعُواأنتم فإنا لا نشفع للكافرين)؛ لأن الشفاعة للكافرين مضيعة وقت؛ إذ إن الكافر لا تنفع فيه الشفاعة إلا كافرًا واحدًا نفعت فيه الشفاعة بالتخفيف عنه، من؟ طلبة: أبو طالب. الشيخ: أبو طالب، نفعت شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فيه فقط، لو جاء أبو بكر أو عمر يشفع في أبي طالب رُدَّ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قُبِلَت شفاعته في عمه أبي طالب فخُفِّفَ عنه العذاب؛ لماذا؟ لأن أبا طالب حصل منه خيرٌ كثير للرسول صلى الله عليه وسلم، وحصل منه ما يُسَمَّى بالدعاية العظيمة له حتى قال:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ
مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
هذا قاله في الدين، وقال في الرسول:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ
لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
ودافع عنه، وحُوصِرَ معه في الشعب؛ فلذلك قَبِلَ الله سبحانه وتعالى شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه أن يُخَفِّفَ عنه، أما شفاعة الرسول في أمه فمنعه الله، في أمه وهي أقرب من عمه، لما استأذن اللهَ أن يستغفرَ لها قال: لا، ولما استأذنه أن يزور قبرَها قال: نعم، أذن له، فزار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، وقف عليه وجعل يبكي لكن لا يدعو لها، وأبكى مَنْ معه .
فالكفار لا تنفع فيهم الشفاعة؛ لأن الشفاعة مضيعة بلا فائدة، ثم هي لن يُؤْذَن فيها من قِبَل الله، ولا يمكن أبدًا شفاعة بدون إذن الله. قال تعالى: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍوَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَمَانافية حجازية، ودُعَاءُاسمها، ربنا افتح بيننا وبين قومنا هل هي حجازية يا إخوان؟ طالب: ما فيها (ما). الشيخ: فيها (ما) وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ. طلبة: ربنا افتح بيننا. الشيخ: إحنا اللي نقول: افتح الآن، أنتم غلطتم، وشفت بعضكم يكتب، لما قلتم أنا (ما) حجازية شرع بعضكم بالكتابة يكتب أنها (ما) حجازية فأسألكم الآن واللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق، هل هي حجازية؟ طالب: لا، يا شيخ. الشيخ: لماذا؟ طلبة: نافية. الشيخ: هي نافية والنافية حجازية. طالب: اللي بعدها مرفوع. الشيخ: ما بعدها مرفوع! فِي ضَلَالٍجار ومجرور ما يدري عنه مرفوع ولَّا منصوب. الطالب: (...). الشيخ: لأنه انتقض النفي، وابن مالك يقول:
إِعْمَالَ (لَيْسَ) أُعْمِلَتْ مَا دُونَ (إِنْ)
مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
النفي الآن ما بقي، قال: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍصار إثباتًا، إذن (ما) هنا ليست حجازية لاتفاق اللغتين لغة التميميين والحجازيين فيها، وأنها لا تعمل في هذه الحال. وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَأي: ما طلبهم إِلَّا فِي ضَلَالٍأي في ضياع؛ وقول المؤلف: (انعدام) فيه نظر، الضلال الضياع وعدم الاهتداء، فما دعاء الكافرين إلا في ضلال، لا تُقْبَل دعوة الكافر أبدًا إلا في حالين: الحال الأولى: إذا كان مضطرًا؛ لقوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل: ٦٢]، ولقوله تعالى: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ [لقمان: ٣٢] وإنما أجيبت دعوة المضطر لصدق لجوئه إلى الله؛ لأن المضطر صادق اللجوء إلى الله. الحال الثانية: إذا كان مظلومًا فإنها تُقْبَل دعوته على ظالمه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» وهذا وإن كان يخاطبه في قوم أسلموا لكنها عامة، وإنما أُجِيبَتْ دعوة الكافر إذا كان مظلومًا إقامةً للعدل؛ لأن الله لم يُجِبْ الكافر محبة له ولكن إقامة للعدل؛ لأنه الآن هناك خصمان: مظلوم وظالم، فلإقامة العدل يستجيب الله تعالى دعوة الكافر. طالب: أكرمك الله، في البيت الذي ذكرته عن أم عمرو قال: الجواب: نعم، ما قال: بلى. فيه نفي (...). الشيخ: ما قلنا يا إخواني؟ طالب: شاهد. الشيخ: قلنا: هذا شاهد على أنها تُجَابُ بـ(نعم) بمعنى (بلى)، وقلنا لكم: إننا إذا قلنا للعامي الذي قيل له: ألست طلقت امرأت؟ قال: نعم. قلنا: إنها تطلق؛ لأن هذه اللغة العامية، وأيضًا لها أصل في اللغة العربية، وجئنا بالبيتين هذين. الطالب: شيخ فيه حديث يدل على ما جاء به البيت هذا من الشعر على أن (نعم) تفيد (...). الشيخ: هل يُطْلَب الحديث دليلًا على إثبات مسألة لغوية؟ الطالب: نعم، يا شيخ، خير من تكلم بالفصحى النبي صلى الله عليه وسلم. الشيخ: لكن إذا جاء عن العرب، ما يحتاج دليل؛ لأن قول العرب هو الدليل، ألم تعلم أن بعض النحويين يقول: لا نستدل بالحديث على اللغة العربية. لماذا؟ لأن الرواة يُجَوِّزون رواية الحديث بالمعنى، ومن المعلوم أن مِنْ بَيْنِ الرواة مَنْ تَغَيَّرَتْ لغته. الإمام أحمد قديم ومن أئمة الحديث، وسمعته ـ مر علينا في قواعد اللغة العربية ـ ماذا يقول في أي شيء؟ يقول: أيش، وهكذا الرواة ربما نقلوا بالمعنى على لغتهم التي يتكلمون بها، فحصل الخطأ، أما القرآن فنعم؛ لأنه منقول بالمتواتر، لكن كثيرًا من علماء النحو يقولون: إنه يحتج بالأحاديث النبوية على اللغة العربية؛ لأن الأصل عدم التغيير. طالب: (...) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِهل نستدل بهذا على العذر بالجهل (...) يريدون أن يقرروهم بأنه قد قامت عليهم الحجة، فلا يعذرون بالجهل؟ الشيخ: نعم، لا شك أنها تدل على أنهم لو لم تأتهم لعُذِروا، لكن قد يقال: إن قصدهم بذلك إقامة الحجة عليهم لأنها قد قامت، أما العذر بالجهل فلا شك أن العذر بالجهل ثابت وما عندنا في هذا إشكال، لا في مسألة الكفر ولا فيما دونها متى كان الإنسان يقول: إنه مسلم. طالب: (...). الشيخ: صحيح، لكن إذا قال الرسول لنا: إن الله أبى أن يستغفر له نعترض على الله؟ ما ندري، قد يكون قامت عليه الحجة؛ لأن فيه بقايا من دين إسماعيل في العرب، وفيه ورقة بن نوفل تَنَصَّر. طالب: قول الله تعالى: (...) بدخول الهمزة على العطف يعني ما يقال: إن تقديم العطف على الهمزة (...) لأن الأصل عدم (...)؟ الشيخ: الأصل عدم مخالفة الترتيب، حذف المعلوم كثير، وأنت سمعته الآن في قوله تعالى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَوأن التقدير: (...). حَذْفُ ما يُعْلَم كثيرٌ في القرآن وفي اللغة العربية، لكن الترتيب والزَّحْلَقة هذا قليل، إلا أني قلت لكم: إن الإخلال بالترتيب هنا أيسر للإنسان لأنه أحيانًا تَرِد عليك آيات ما تدري ويش تُقَدِّر؟ إلا أن تقول: إن عرفت التقدير فاسلك الأقعد، وإن لم تعرف فاسلك الأسهل، لتكون متتبعًا للرخص، يصلح؟ إي نعم يصلح، يعني: رخص النحويين ما فيه مانع، نحن قلنا لكم قاعدة مفيدة جدًّا فيما إذا اختلف النحويون في شيء فالصواب الأسهل. الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [غافر: ٥١ - ٥٤]. الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ [غافر: ٤٩] إلى آخر الآية. من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان شدة حسرة أهل النار؛ لقوله: يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ. ومن فوائدها: أن أهل النار يتحاجون ويُحاجُّون أيضًا، يتحاجون كما سبق فيما بينهم، وكذلك يحاجون غيرَهم أو يسألون غيرهم؛ لقوله: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحكام الله عز وجل لمخلوقاته كما أحكم مشروعاته؛ حيث جعل للنار خَزَنة يحفظونها ويقومون عليها. ومن فوائد هذه الآية: شدة خجل أهل النار من مخاطبة الله عز وجل، لقوله؟ الطالب: قالوا لخزنة النار: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ.
الشيخ: أنهم توسلوا بقول الخزنة أن يدعوا ربهم ولم يقولوا: ادعوا ربنا، هذا يدل على أن هذا بعد أن قال الله لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار في أَشَدِّ ما يكون من العذاب، من أين تُؤْخذ؟ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ، يدل على أن عليهم شدة. وأنهم يَتَمَنَّوْن يومًا واحدًا فقط. ثم قال تعالى: قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ [غافر: ٥٠] إلى آخره. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُعَذَّبون عذابًا بدنيًّا وعذابًا قلبيًّا. منين؟ الطالب: التقريع والتوبيخ لهم. الشيخ: التقريع والتوبيخ لهم قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِفهذا يكون أشدَّ عليهم من عذاب البدن؛ ولهذا يقولون كما في سورة تبارك: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ١٠] قال تعالى: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لكل أمة من أهل النار رسولًا. طالب: من قول الملائكة لهم: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى(...). الشيخ: رُسُلُكُمْكل أمة لها رسول. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يُرْسِل رسولًا إلا بآيات تدل على أنه رسول الله حقًّا. طالب: لقوله: بِالْبَيِّنَاتِ. الشيخ: لقوله: بِالْبَيِّنَاتِ، صحيح. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاهتمام بالوصف أشد من الاهتمام بالأصل؛ لأن الوصف هو اللي يبين الأشياء من أين؟ طالب: من قوله: بِالْبَيِّنَاتِ، ولم يقل: بالآيات البينات. الشيخ: من قوله: بِالْبَيِّنَاتِحيث أتى بالوصف وطوى ذكر الموصوف؛ لأن المهم هو الوصف. ومن فوائد الآية الكريمة: تَهَكُّم الرسل بهؤلاء أي بأهل النار. طالب: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى. طالب آخر: قَالُوا فَادْعُوا. الشيخ: قَالُوا فَادْعُواهذا من باب التهكم بهم؛ لأن الملائكة يعرفون أنهم لن يجابوا. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا قَبول لدعاء الكافرين. طالب: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ. الشيخ: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍطيب. هل يشمل هذا دعاء المسألة ودعاء العبادة، أو دعاء المسألة فقط، أو دعاء العبادة فقط؟ طالب: دعاء العبادة فقط، أما دعاء المسألة. طالب آخر: دعاء المسألة ودعاء العبادة إلا في حالة الاضطرار. الشيخ: يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. طيب، ما الذي يستثنى من دعاء المسألة في إجابة الكافر؟ طالب: المضطر والمظلوم. الشيخ: نعم، المضطر والمظلوم، ما هو الدليل على استثناء المضطر أنه يجاب ولو كان كافرًا؟ الطالب: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل: ٦٢]. الشيخ: طيب قد يقول لك قائل: هذه في المسلم. الطالب: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ(...) العموم. الشيخ: نعم إذا ادَّعى أنه يخرج منها الكافر. قلنا: أين الدليل؟ طيب، هذا صحيح، لكن نريد نصًّا واضحًا في إجابة الكافر في حال الضرورة؟ الطالب: قوله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. الشيخ: نعم، قوله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥] طيب، صحيح. ما الحكمة من إجابة الكافر في حال الضرورة؟ طالب: لأنه في هذه الحال يكون أخلص في الدعاء. الشيخ: لأنه في هذه الحال يكون مخلصًا لله في الدعاء مُظْهِرًا للافتقار إليه، فيجيبه الله. المظلوم، الدليل على أنه يجيب دعوة الكافر المظلوم؟ طالب: حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن في آخر الحديث قال له: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» . الشيخ: لو قال لك قائل: المظلوم من المؤمنين؟ الطالب: لم يُخَصَّص في هذا الحديث. الشيخ: ما الحكمة من إجابة دعوة المظلوم الكافر؟ الطالب: لإقامة العدل. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، طيب إذن: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍيشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، طيب ما الدليل على أن العبادة لا تُقْبَل من الكافر؟ طالب: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة: ٥٤]. الشيخ: إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. ثم قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَاإلى آخره، الجملة هذه مؤكدة بمؤكدين: أحدهما: (إن)، والثاني: اللام. وقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُأتى بصيغة التعظيم؛ لأن المقام يقتضيه؛ إذ إن النصر لا بد أن يكون من قوي، ولم يقل الله جل وعلا: أنا أنصر، قال: إِنَّا لَنَنْصُرُ؛ لأن المقام يقتضي العظمة والقدرة والقوة. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَارُسُلَنَاجمع رسول، وهم كل الرسل؛ لأن (رسل) جمع مضاف، والجمع المضاف يكون للعموم. وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوامعطوفة على رُسُلَنَاأي: وننصر الذين آمنوا، آمنوا بمن؟ آمنوا بما يجب الإيمان به. والإيمان هو الإقرار المستلزم للقَبول والإذعان، فمَنْ أَنْكَر فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يَقْبَل فليس بمؤمن، ومن أَقَرَّ ولم يذعن فليس بمؤمن؛ فأبو طالب مثلًا مقر برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه لم يَقْبَلْ ولم يُذْعِن، فلا يكون مؤمنًا، فالذين آمنوا هم الذين أَقَرُّوا بقلوبهم، وأذعنوا واستسلموا بجوارحهم، وقَبِلوا ما أخبرت به الرسل، هؤلاء هم المؤمنون. وقوله: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَامتعلق بـنَنْصُرُأي: ننصرهم في الحياة الدنيا؛ وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُوَيَوْمَهذه معطوفة أيضًا على ما سبق، وهي متعلقة بنَنْصُرُ، أي: وننصرهم يوم يقوم الأشهاد وذلك يوم القيامة. والْأَشْهَادُجمع شاهد، يقول المؤلف: (وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب) هكذا قال المؤلف رحمه الله خَصَّها بالملائكة، والصحيح أنها أَعَمُّ من الملائكة، فالملائكة يشهدون، وهذه الأمة تَشْهَد على مَنْ سبق كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، والجلود تشهد، والجوارح تشهد، فكلُّ ما ثبتت شهادتُه فإنه داخل في قوله: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُوذلك يوم القيامة. في هذه الآية الكريمة: تأكيد نصر الله سبحانه وتعالى للرسل والذين آمنوا؛ لقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا. وفي هذه الآية: شُبْهَةٌ استدلَّ بها النصراني يقول: إن الله ثالث ثلاثة، ولي عليكم دليل وهو قوله: إِنَّا، وقوله: نَحْنُ، ونُرِيهِمْ، وما أشبهها مما يدلُّ على الجمع، فإذن أنا أقول -يقوله النصراني-: إن الله ثالث ثلاثة ولي حجة، فبماذا نجيبه؟ نجيبه بقولنا: إنك ممن زاغ قلبه؛ لأنك اتبعتَ المتشابه، والله عز وجل يقول: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧] وتركتَ المحكم المؤكد بأن الله واحد لا شريك له مثل قوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]، ومثل قوله في تكذيب هؤلاء النصارى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: ٧٣]. فهذا النصراني اتبع المتشابه. وكذلك كُلُّ مبطل يحتج بآية فإنه يكون ممن اتبع المتشابه، والله عز وجل حكيم جعل في آياته الشرعية وفي آياته الكونية أيضًا ما يكون متشابهًا ابتلاء وامتحانًا لأيش؟ للذين آمنوا والذي في قلوبهم زيغ؛ الآن انظر إلى القرآن، انظر إلى السنة، تجد في بعض الأحاديث أو في بعض الآيات ما ظاهره التعارض، أو في بعض الأحاديث أو الآيات ما ظاهره باطل، مثلًا هذا إن سَلَّمْنَا وإلا ليس في القرآن ولا السنة الصحيح ما ظاهره باطل إطلاقًا، لكن هذا من باب التَّنَزُّل مع الخصم، ونقول: هذا من باب الابتلاء والامتحان. كذلك في الآيات الكونية نجد أن الله تعالى يصيب الناس بكوارث عظمية تموت بها الأَنْفُس، وتُدَمَّر بها البلاد، يفسد بها الحرث والنسل، حتى يَبْلُوَ العباد: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١]، وانتبه لهذه النقطة وهي امتحان الله تعالى للعباد بما يأتي من الآيات الشرعية والآيات الكونية. إذن رددنا على النصارى الذي ادَّعى تَعَدُّدَ الآلهة محتجًّا بمثل قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا [غافر: ٥١] إلى آخره. وفي الآية إشكال؛ وهو أن الله تعالى ذَكَر أن من الناس من يقتلون الأنبياء بغير حق، يقتلون الأنبياء، فأين النصر في الحياة الدنيا لمن قُتِلَ؟ والجواب من أحد وجهين: إما أن يكون المراد بالنصر نصرَ ما جاؤوا به من الشرع وبيانَ أنه حقٌّ، وهذا ثابت لكل رسول، وهل تأييد ما جاء به الرسول نصرٌ له أو لا؟ نصر له، لا شك أنه نصر، وحينئذ لا يستثنى من الرسل أحد إذا قلنا: إن المراد بالنصر نصر ما جاؤوا به من الحق. وإما أن يُراد بـرُسُلَنَاالذين أُمِروا بالجهاد؛ لأن النصر يقتضي أن يكون هناك جهاد ينتصر فيه أحد الطرفين على الآخر، فيكون المراد بالرسل هنا ليس جميع الرسل بل مَنْ أُمِروا بالجهاد، وحينئذ يزول الإشكال، هذا باعتبار النصر في الحياة الدنيا، أما باعتبار النصر يوم يقوم الأشهاد فلا يُسْتَثْنَى أحد ولا إشكال فيه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن نَصْرَ الله العبد في الدنيا نعمةٌ؛ يعني له أن يفرح بها، للإنسان أن يفرح بما أعطاه الله تعالى من النصر سواء نصرًا فعليًّا أو قوليًّا، المهم أن الإنسان إذا نصره الله عز وجل على من ناوأه يُعْتَبر هذا نعمة ومنة من الله عز وجل فليفرح به الإنسان؛ لقوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨]. من فوائد الآية الكريمة: إثبات الأشهاد يوم القيامة؛ لقوله: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]. من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الرسل من ذلك اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد؛ لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يُكَذِّب، لو أن الإنسان أنكر وكذَّب من يشهد عليه؟ تشهد عليه جوارحه. قال الله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] يقولون هذا؛ لأنهم يشاهدون المخلصين يُنْصَرون يوم القيامة، فيقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَرجاء أن يُنْصروا معهم فيقول الله عز وجل: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الأنعام: ٢٤] هم كذبوا على أنفسهم؛ لأنهم يقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَوهم مشركون، بل قال الله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٨]. الآن استدركنا على المفسر رحمه الله ماذا؟ قَصْرَه الأشهاد على الملائكة، وقلنا: إنها أعم.
تفسير الآية (٥٢)
٠١:٠٢:٢٠
ثم قال الله تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُبالياء والتاء، بالياء يَنْفَعُ، بالتاء {تَنْفَعُ}، إذن هما قراءتان سبعيتان؛ لأن المؤلف إذا أتى بصيغة القراءة على هذا الوجه فمعناه أنهما قراءتان سبعيتان، أما إذا قال: وُقِرَئ فهو للقراءة الشاذة، بالتاء واضح؛ لأن معذرة مؤنث فالفعل يكون معها مؤنثًا، لكن بالياء، نقول: أولًا: أنه فُصِلَ بين الفعل والفاعل. وثانيًا: أن التأنيث هنا ليس حقيقيًّا، وابن مالك يقول:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ
مُتَّصَلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْالمراد بـالظَّالِمِينَهنا الكافرون، قال الله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] مَعْذِرَتُهُمْعندي بالشرح قال: (عُذْرهم أو اعتذارهم) يعني: عذرهم فيما سبق، أو اعتذارهم فيما لحق في ذلك اليوم، هم يعتذرون لكن لا يُقْبَل لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦]. (وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ [غافر: ٥٢] أي البعد من الرحمة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) لهم اللعنة: كيف قال: لهم اللعنة، هل اللعنة مَطْلُوبة حتى تأتي باللام؟ قيل: إن اللام هنا بمعنى (على) كقوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ [البقرة: ١٦١] عليهم، فاللام هنا بمعنى (على)، والصواب أن اللام على بابها، وأنها ليست بمعنى (على)، بل هي بمعنى الاستحقاق؛ يعني أنهم يُلْعَنون لعنًا يستحقونه، فهي أبلغ من قولك: عليهم، من وجه. وتلك أبلغ من وجه آخر. المهم أن اللام هنا على معناها الأصلي: الاستحقاق. وهنا نقول لكم: إذا ورد تفسيران في كتاب الله العزيز أحدهما يؤيده اللفظ والثاني لا يؤيده اللفظ، فبأيهما نأخذ؟ الأول، وإن كان كلٌّ من المعنيين مُحْتملًا، لكن ما يوافق ظاهر اللفظ هو الأولى. وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر: ٥٢] اللعنة هي البعد عن الرحمة، وقوله: اللَّعْنَةُلم يُبَيِّن ممن فتعم أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: ١٦١]، وفي آية أخرى وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَفكل شيء يلعنهم، نسأل الله العافية. (وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِالآخرة أي: شدة عذابها) لهم سوء الدار: يحتمل أن تكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الدار السوء، ويحتمل أن يكون على بابها والمعنى: لهم سوء الدار، أي: السيئ في الدار، وعلى كل حال ما المراد بـسُوءُ الدَّارِ؟ يقول المؤلف: (شدة عذابها) ولكن لو قيل: إن سوء الدار: ما يسوء من العذاب الشديد وغير الشديد لكان أعم. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ [غافر: ٥٢] إلى آخره، موضع يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَمما قبل، نقول: هي بيان؛ يعني عطف بيان من قوله: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]. فيستفاد من ذلك فوائد: أولًا: أن الظالمين لا ينفعهم العذر ولا الاعتذار يوم يقوم الأشهاد؛ لقوله: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ. من فوائدها أيضًا: أن الكافرين ظَلَمَةٌ وهو كذلك، والشرك بالله أظلم الظلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئِلَ: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» وهذا حق، الذي خلقك وأعدك وأمدك ثم تشرك به! هذا أظلم الظلم، إن الإنسان لو أهدى إليه شخص عشرة ريالات لاستحيى أن يناله بسوء، فكيف بمن أهدى إليك حياتك كلها، كيف تشرك به وتَكْفُر به؟! إذن هو أعني الشرك أيش؟ أظلم الظلم. من فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين يوم القيامة يعتذرون ولكن لا يُقْبَل؛ لقوله: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ. فإن قال قائل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٥، ٣٦]؟ الجواب بصفة عامة: أن ما ورد عليك مما يكون يوم القيامة أو من أوصاف يوم القيامة مما ظاهره التعارض فاعلم أنه لا تعارض فيه، سواء كان ذلك في وصف اليوم أو في وصف المحشورين أو في وصف العذاب فإنه لا يمكن أن يكون فيه التعارض أبدًا؛ لأن اليوم طويل، مقدار اليوم خمسون ألف سنة، فيمكن أن تتغيَّر فيه الأحوال، يكون أوله للناس حال وآخره للناس حال، وما أشبه ذلك. فمثلًا قوله تعالى: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] هذا يدل على أنهم في ذلك اليوم هم سكوت لا يُؤْذَنُ لهم بأي كلام فينتهزوا الفرصة بالاعتذار، لكن في موقف آخر يَعْتَذِرُون، ولكن لا ينفعهم الاعتذار، وهذا أولى من قول بعض العلماء: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْلو اعتذروا؛ لأنه على هذا التقدير يكون الكلام كلامًا فرضيًّا لا واقعيًّا، لا ينفعهم لو اعتذروا، فأيهما أولى أن نحمل الكلام على أنه واقع أو على أنه مفروض؟ الأول، على أنه واقع، نحن نقول: يَعْتَذِرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين مُسْتَحِقُّون للعنة الله. فهل يعني ذلك أنه يجوز أن نَلْعَن الكافرين؟ الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، لنا أن نقول: لعنة الله على كل الكافر، وكان من قنوت أبي هريرة رضي الله عنه أنه يعلن الكفرة في قنوت الوتر: اللهم العن الكفرة الذين كذبوك وكذبوا رسلك. هذا لا بأس به. وهل نلعن نوعًا معينًا من الكفرة كاليهود والنصارى؟ نقول: اللهم العن اليهود اللهم العن النصارى؟ طالب: نعم. الشيخ: الدليل؟ الطالب: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، واليهود والنصارى هم كفار (...). الشيخ: بس هم مُعَيَّنُون. الطالب: (...). الشيخ: هذا خبر، لكن هل يجوز أني ألعنهم؟ طالب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ» الشيخ: طيب، أحسنت. لكن قال بعض الناس إما اجتهادًا وإما محاباة لليهود والنصارى، قال: إن الرسول دعا عليهم باللعنة في حال مُعَيَّنَة حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لعنهم كأنه يقول: لأنهم اتخذوا. فيقال: التعليل لا يقتضى تخصيص المعلول، العلة لا تقتضي التخصيص، هم لُعِنُوا من أجل هذا ومن أجل غيره أيضًا. فالصحيح أنه يجوز أن نلعن اليهود والنصارى على سبيل التخصيص فنقول: لعنة الله على اليهود والنصارى، سواء قَرَّرْنا بذلك فعلًا من أفعالهم يقتضي اللعن أو لا. طيب إذن لنا أن نلعن الكفار على سبيل العموم، وهل نلعنهم على سبيل التعيين؟ أما إن كان حيًّا فلا يجوز، لا يجوز أن ألعن شخصًا معينًا ولو كان من أكفر الكفار ما دام حيًّا، الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صار يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا ممن عَيَّنَهُم من أئمة الكفر قال الله تبارك وتعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] فنهاه وقال: ليس لك من الأمر شيء؛ وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء، فما بالك بمن دونه. وأما التعليل فإننا نقول: لا تلعنْه، ادع الله له بالهداية؛ لأنك لا تدري ربما يكون هذا العدو للإسلام اليوم هو وَلِيُّ الإسلام في يوم آخر، ألم يكن عمر من أعدى أعداء الإسلام؟ بلى، ألم يكن خالدُ بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ممن اقتحموا الجبل في أحد ليقتلوا الرسول وأصحابه؟ بلى، وماذا كانوا؟ كانوا من قواد المسلمين، كان عمر الخليفة الثاني في هذه الأمة. إذن يا أخي لا تدعُ على شخص معين من الكفار باللعنة، لكن هل يجوز أن أَدعوَ اللهَ له بالهداية؟ طلبة: نعم، يجوز. الشيخ: ندعو لفلان وفلان ونعين أن الله يهديه؟! طلبة: نعم. الشيخ: طيب رئيس دولة؟ طلبة: نعم. طالب: بالهداية من باب أولى. الشيخ: أحسن. طيب إذن الهداية لا بأس منها، أما اللعن فلا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين وهم الكافرون لهم سوء الدار يوم القيامة، وهي جهنم -والعياذ بالله- لقوله تعالى: وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا العذاب؛ أي: هذا اللعن وهذا السوء، كان هؤلاء مستحقين له؛ لقوله: وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ، والله أعلم. طالب: (...) الاعتذار يكون في النار ولا يكون (...)؟ الشيخ: لماذا؟ الطالب: (...) قبل يوم القيامة. الشيخ: وقبل. طالب: النصر إذا كان بمعنى تأييد هؤلاء الرسل، فكيف يكون النصر تأييدًا للرسل؟ الشيخ: إي نعم، كون الله عز وجل يقول: اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ [مريم: ٥٦]، اذكر في الكتاب فلانًا، اذكر في الكتاب فلانًا، (...) نصر، إن الله يرفع لهم ذكرهم ويُبَيِّن أنهم على حق. طالب: ماذا تقول يا شيخ في النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة في هذه الآية (...)؟ الشيخ: يقولون: (إنا) للجمع أو للواحد؟ الطالب: للجمع. الشيخ: للجمع؟ هذا الأصل (إنا) و(نحن) و(نفعل) و(نأمر) وما أشبه ذلك للجماعة، نحن نقول: هذا من المتشابه، واللغة العربية جاءت بإسنادِ مثلِ هذا إلى الواحد من باب التعظيم، ولذلك يقولون: (نحن) للواحد المعظم نفسه أو للجماعة. الطالب: (...). الشيخ: إي هو الضمير، ضمير جمع. الطالب: كل آية فيها ضمير يحتج بها؟ الشيخ: كل آية فيها ضمير جمع. طالب: الفرق بين التوبيخ والتقريع؟ الشيخ: ما أعرف بينهما فرقًا، اللهم إلا يكون فرقًا قليلًا يمكن، أو يقال: التوبيخ على أمر مضى، والتقريع والتنديم على أمر حاضر. طالب: إجابة دعوة الكافر (...) ألا يكون (...) الكافر على نفسه، تستجاب (...)؟ الشيخ: نحن يا إخوان ذكرنا: إجابة دعوة الكافر إذا دعا لنفسه ولا عليها؟ لنفسه. أصل الكلام: هل ينتفع الكافر بدعائه أو لا؟ ومعلوم أنه إذا دعا على نفسه وأُجِيب فهذا ضررٌّ عليه. طالب: قلنا: إن الكافر لا يدعى عليه إذا كان حيًّا وإذا كان مفسدًا؟ الشيخ: إذا كان ميتًا فإنه يُنْظَر هل في ذلك مصلحة؟ إن كان فيه مصلحة فلا بأس، يعني: إذا كان فيه مصلحة وأنك ستغيظ أتباعه فلا بأس، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» . طالب: إذا كنا ندعو عليه بالهلاك؟ الشيخ: بالهلاك؟ طيب عندنا الآن دعاء بالهلاك، ودعاء باللعنة، ودعاء بالهداية، أيهم أحسن؟ الطلبة: الهداية. الشيخ: الأحسن الهداية، بدل ما تقول: اللهم أهلكه. طالب: يعني قد يشفي صدورهم. الشيخ: يعني: الله يقدر أن يهلكه ولا يقدر أن يهديه؟ طالب: قد يشفي صدورهم (...). الشيخ: ما يمكن إنسان أن يقول: اللهم أهلكه بدل: اللهم أهده إلا من شدة الغيرة أو الغضب عليه، نحن نقول: هَدِّئ. طالب: أكثر (...). الشيخ: ما يخالف، لكن إذا هداه الله، جعل بدل هذه الأذية منحة وعطية، نعم إن أردت أن تقول: اللهم أهلكه ما دام مضادًا للمسلمين وما أشبه ذلك، فتُقَيِّدْ نعم.
تفسير الآيتين (٥٣-٥٤)
٠١:٢٠:٣١
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر: ٥٣ - ٥٦]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَهذه الجملة وَلَقَدْ آتَيْنَامُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم الذي دلت عليه اللام، والثاني: اللام، والثالث: قد. وهذه الصيغة تأتي في القرآن كثيرًا. وقوله: آتَيْنَابمعنى أعطينا، يقال: أتينا، ويقال: آتينا، أتينا بمعنى: جئنا، وآتينا بمعنى: أعطينا، وهي تنصب المفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول هنا: موسى، والثاني: الهدى. موسى هو ابن عمران أحد أولي العزم الخمسة؛ وهم: محمد، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى. وقوله: الْهُدَىأي: ما به الهدى، وهذا يشمل الهدى الذي أوتيه حتى اهتدى، والهدى الذي يهتدي به الناس، فيكون موسى عليه الصلاة والسلام هاديًا مهديًّا. قال المفسر: (التوراة والمعجزات) أما التوراة فظاهر أنه هدى؛ لأنها كتاب شرعيٌّ فيه الهدى، وأما المعجزات والصواب أن يقال: البينات أو الآيات فإنها هدى لأنه يهتدي بها الناس؛ إذ أن الناس إذا رأوا الآيات اهتدوا. وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَأي: جعلناهم وارثين، ويقول المؤلف: (أي: من بعد موسى) ويمكن أن نقول: أورثناه من بعد موسى ومن بعد فرعون، فيكون الله تعالى أورث بني إسرائيل الكتاب من بعد نبيهم ومن بعد فرعون كما قال الله تعالى: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ٥٩]. (الْكِتَابَالتوراة) وسُمِّيَت كتابًا؛ لأنها مكتوبة، وعلى هذا فيكون كتاب بمعنى مكتوب، وهذه الصيغة -أعني (فِعَالًا)- تأتي في اللغة العربية بمعنى مفعول في مواضع كثيرة مثل: بِناء بمعنى مبني، وغِراس بمعنى مغروس، وفِراش بمعنى مفروش، وهَلُمَّ جَرًّا. وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [غافر: ٥٣، ٥٤] هُدًىيحتمل أن تكون -كما قال المفسر- مصدرًا بمعنى الحال، أن تكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل منصوبًا على الحال، حيث قَدَّرَها بقوله: (هاديًا)، ويحتمل أن تكون مفعولًا من أجله، أي: من أجل الهدى، أي: من أجل اهتداء الناس. (هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِتذكرة لأصحاب العقول) فهي هدى وهي تذكرة، هدى يهتدي بها الناس، وتذكرة يتذكر بها، ولكن لا يتذكر بها إلا أولي الألباب، فأولوا الألباب يعني أصحاب العقول، وسُمِّيَ العقل لُبًّا بمنزلة اللب من الحب؛ لأنه هو المقصود وهو روح الإنسان. وقوله: وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِاجمعها إلى قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران: ١٩٠] يتبين لك أن الذين ينتفعون بالآيات الكونية كخلق السماوات والأرض والآيات الشرعية هم أصحاب العقول؛ لأنهم ينظرون ويتفكرون ويَقِيسون الأشياء حتى يهتدوا. في هذه الآية من الفوائد: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على موسى صلى الله عليه وسلم حيث آتاه الهدى، وهذه أعظم مِنَّة يَمُنُّ الله تعالى بها على العبد؛ أن يعطيَه الهدى يهتدي به بنفسه ويهدي به غيره. ومنها: تأكيد رسالة موسى من قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأن موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن إلى من؟ إلى قومه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً» لكن نؤمن بأنه رسول حقًّا، وأنه جاء بالهدى والنور. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مِنَّة الله على بني إسرائيل حيث قال: وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ. ولكن هل هؤلاء الذين أُورِثُوا الكتابَ هل قاموا به؟ الجواب: لا. ما قاموا به، بل كانوا عُتاة ظلمة، بل حتى في عهد نبيهم ما قاموا به، لَمَّا قال لهم: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [المائدة: ٢١] ماذا قالوا؟ قالوا: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة: ٢٢] إلى أن قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا [المائدة: ٢٤]، أما نحن إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: ٢٤] مع أنه وعدهم بها قال: الأرض الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٢١]، لكنهم كَذَّبوا الخبر واستكبروا عن الأمر، فهم -أعني بني إسرائيل ولا سيما اليهود منهم- أخبث أهل الأرض وأعتى أهل الكفر، لم يشكروا نعمة الله عليهم بهذه النعمة. أما هذه الأمة فقال الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر: ٣٢] وهم هذه الأمة فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر: ٣٢]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوراة مكتوبة؛ لقوله: الْكِتَابَكيف كتابتها؟ اقرأ قول الله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا [الأعراف: ١٤٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة ذكرى ولكن ليس لكل أحد، بل لمن؟ لأولي الألباب. ومن فوائدها: أنه لا يَتَذَكَّر بالآيات الشرعية إلا أولي الألباب وكذلك الآيات الكونية. ومن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لأن أهله هم أهل التَّذَكُّر الذين ينتفعون بما سمعوا. والمراد بالعقل هنا هل هو عقل الإدراك أو هو عقل الرُّشْد؟ الثاني عقل الرشد، أما عقل الإدراك فهو الذي يُناطُ به التَّكْلِيف الذي تجدونه في كتب الفقهاء: من شروط الطهارة العقل. هذا عقل أيش؟ الإدراك الذي يُناط به التكليف، أما عقل الرشد الذي به الاهتداء فَقَلَّ مَنْ يَحْصُل عليه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل مَنْ لم يتذكر بآيات الله فإنه ليس ذا عقل. فإن قال قائل: يَرِدُ عليكم أَنَّا نجد في أئمة الكفر مَنْ هو على جانبٍ كبير من الدهاء والذكاء. فالجواب: أن هناك فرقًا بين العقل والذكاء؛ لأنَّ العقل يَعْقِلُ صاحبه عما يضره، ولهذا سُمِّي عقلًا بمنزلة العِقال للبعير، لكن الذكاء ليس كذلك، الذكاء غريزة أو كَسْب يجعله الله تعالى في الإنسان وربما يكون بعض الحيوانات أذكى من الإنسان، أليس كذلك؟ الغراب أذكى من ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه علَّمه كيف يواري سوءة أخيه. في الحيوانات ما هو أذكى من بني آدم، النملة هذه التي تشاهدون من أذكى الحيوانات، إذا كان في أيام الحبوب حفرت لها جحورًا وأودعت فيها هذه الحبوب، ولكنها لا تودع الحب على ما هو عليه تأكل رأس الحبة لئلا تَنْبُت؛ لأنها تعرف أنه إن بقيت الحبة على ما هي عليه نبتت وخرَّبت على نفسها.