تفسير سورة ص - ٦
درس صوتي · ٩٤:٤٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
قال المؤلف: (سُلَيْمَانَ [ص: ٣٠] ابنه)، من أين عرف المؤلف أنه ابنه؟ ألا يجوز أن يكون المراد وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ [ص: ٣٠] يعني خادمه؟
فالجواب: لا؛ لأن الله سبحانه وتعالى سمَّى الأولاد هِبة في قوله: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ [الشورى: ٤٩، ٥٠] يعني يصنفهم ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى: ٥٠]. قال: (نِعْمَ الْعَبْدُ [ص: ٣٠] أي سليمان). والجملة إنشاء للمدح والثناء؛ يعني أنه يُؤتى بها للمدح والثناء، وعلى نقيضها (بئس)؛ فإنها كلمة لإنشاء الذم. وقوله: نِعْمَ الْعَبْدُالمعروف أن (نعم) و(بئس) تحتاج إلى فاعل ومخصوص بالمدح في (نعم)، والذم في (بئس) فأين نِعْمَ الْعَبْدُ، الْعَبْدُموجود، وهو الفاعل يعني نِعْمَفعل ماضٍ، والْعَبْدُفاعل لكن أين المخصوص؟ المخصوص إما الضمير المستتر ولا نقول: مستتر أيضًا، الضمير محذوف؛ لأنه لا يمكن أن نقول: مستتر والفاعل اسم ظاهر الْعَبْدُ، لكن نقول: إنه محذوف، تقديره (هو)، أو تقديره: (سليمان)، يعني إما أن نقدره اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا. نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌإِنَّهُهذا سبب هذا الثناء من الله عز وجل على سليمان إِنَّهُأي سليمان أَوَّابٌأي: رجَّاع إلى الله عز وجل، سواء كان ذلك بترجيع الصوت بالذكر، أو بالرجوع إلى طاعة الله عز وجل، والظاهر أن الآية شاملة للمعنيين أنه أَوَّابٌرجَّاع إلى طاعة الله، وأوَّاب رجَّاع بالتسبيح؛ أي: يُرجِّع الصوت به ويردده. يقول هنا المؤلف: (رجَّاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات) ولكن الصحيح أنه أعم مما قال المؤلف أنه رجَّاع بالتسبيح والذكر، وكذلك رجَّاع إلى الله بالتوبة والطاعة. قال: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ [ص: ٣١] عُرِضَمَنِ العارِض؟ أبهمه للتفخيم؛ لأن الفعل هنا مبني للمجهول، لما لم يُسمَّ فاعله؛ للتفخيم، يعني كأنه يوحي بأن له جنودًا كثيرة يعرضون عليه ما يعرضون. وقوله: بِالْعَشِيِّ(هو ما بعد الزوال) إلى غروب الشمس. وقوله: بِالْعَشِيِّالباء هنا للظرفية؛ أي (في) لكن الغالب أن الباء إذا جاءت في مكان (في)، الغالب أنها تكون مستوعبة لجميع الوقت كأن العشي كله صار مستوعبًا بهذا العرض لكثرة الخيول التي تُعرَض عليه بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ [ص: ٣١] ما الذي رفعها؟ طالب: نائب فاعل. الشيخ: نائب فاعل وين؟ طلبة: عُرِضَ.
الشيخ: نائب فاعل عُرِضَإي نعم. إذا قال قائل: الصَّافِنَاتُجمع، والفعل مُذكَّر عُرِضَوهذه جمع ذات حِر؛ يعني جمع مؤنث حقيقي، وابن مالك يقول في التاء:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ
مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
فما رأيكم؟ نقول: إنما لم يجب التأنيث لوجود الفاصل وهو قوله: عَلَيْهِ. الصَّافِنَاتُقال المؤلف: (الْخَيْل جَمْع صَافِنَة، وَهِيَ الْقَائِمَة عَلَى ثَلَاثٍ، وَإِقَامَة الْأُخْرَى عَلَى طرف الْحَافِر، وَهُوَ مِنْ صَفَنَ يَصْفِن صُفُونًا). الصَّافِنَاتُهي الخيل، تقوم على ثلاث أرجل، وترفع الرابعة قليلًا؛ بحيث يكون طرف الحافر على الأرض، وهذا يدل على قوتها، وهو أيضًا من ناحية الجمال أجمل عند رؤيتها؛ فإنك لو تصورت الخيل مصفوفة صافنة لكان لها أُبَّهة، وتَشعر بشيء من العظمة من هذا المشهد الذي تشاهده.
الطالب: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٣١ - ٤٠]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: ٢٨] كملنا فوائدها. طالب: لا. الشيخ: طيب، ذكرنا الحكمة أنه لو كان كذلك لانتفت حكمة الله ولَّا لا؟ اقرأها علينا، الفوائد عندك؟ ما عندك الفوائد؟ طالب: (...). الشيخ: لا، الفوائد. طالب: (...). الشيخ: بس إلى هذا. طالب: إي، هذا في الحكم لكن أخذنا فوائد أخرى بعدها. الشيخ: إي، اقرأ اللي بعدها. طالب: الفائدة التي بعدها إثبات الوعيد للكفار (...)، فهم مخلدون فيها أبدًا كما في ثلاثة مواضع في سورة النساء والأحزاب والجن، ثم الفائدة التي بعدها أن من جملة الحكم التي هي من صفات الله أنه لا يمكن أن يجعل المؤمن كالفاسد؛ لأن ذلك ينافي الحديث، والتي بعدها أن الإيمان والعمل الصالح.. الشيخ: أنه لا يجعل أيش؟ المؤمن. الطالب: كالفاسد. الشيخ: الفاسد؟! الطالب: كالمفسد. الشيخ: كالمفسد. الطالب: نعم، التي بعدها أن الإيمان والعمل الصالح سبب لصلاح الأرض، والتي بعدها أن المعاصي سبب للفساد في الأرض والأخيرة أن الله لا يمكن أن يجعل المتقين كالفجار. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص: ٢٩] كيف نُعرب كِتَابٌ؟ طالب: كِتَابٌإما أنها خبر لمبتدأ محذوف. الشيخ: وهذا رأي من؟ طالب: رأي المؤلف. الشيخ: نعم. طالب: وإما أن نقول: كِتَابٌمبتدأ، وخبره مُبَارَكٌ. الشيخ: على هذا التقدير كيف صح الابتداء بـكِتَابٌوهو نكرة؟ طالب: لأنها وصفت. الشيخ: لأنها وصفت بـ؟ الطالب: مبارك. الشيخ: لا، مُبَارَكٌهو الخبر. الطالب: أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ.
الشيخ: في أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَاذكر ثلاثة جوانب من بركة القرآن؟ طالب: من بركة القرآن؛ أولًا: أنه يحصل به الثواب. الشيخ: كثرة الثواب لقارئه، اصبر كيف كثرة، اذكرها؟ الطالب: كثرة الثواب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ» .
الشيخ: اصبر ما أتيت بالشاهد، لم تأتِ بالشاهد.
طالب: ما يترتب على تلاوته من الثواب.. الشيخ: إي، أقول: ما الدليل، وما هذا الثواب الذي يترتب؟
الطالب: الذي يترتب على تلاوة القرآن؟ الشيخ: نعم. الطالب: الحسنات. طالب آخر: يترتب بتلاوته أن كل من قرأ حرفًا منه فله عشر حسنات لك حرف منه. الشيخ: تمام، أحسنت، طيب كمل؟ الطالب: أيضًا ما يحصل بقراءته من أثر عام أو خاص؛ وذلك من نور قلب، وانشراح الصدر، وشبه ذلك. الشيخ: تمام، هذا خاص ولَّا عام؟ الطالب: هذا خاص. الشيخ: نعم، والعام. طالب: والعام ما يحصل به من اجتماع الكلمة، وجمع الصف، ولم الشعث. الشيخ: نعم هذا، اثنين.. خلِّ العام والخاص. طالب: الخاص هو الذي ذكره، والعام هو ما (...) به المسلمون في هذا القرآن (...). الشيخ: ذكره. طالب: هذا العام، وجعله الثاني، وأما الثالث فهو اجتماع الكلمة (...). الشيخ: إحنا ما ذكرنا أن المسلمين فتحوا به مشارق الأرض ومغاربها؟ طلبة: نعم، ذكرنا هذا.
الشيخ: نعم، هذا عام، وكذلك اجتماع الكلمة؛ لأن اللغة واحدة، وإذا اجتمعت اللغة اتفقت اللغة اجتمع الناس، وبتفرق اللغة يحصل التفرق، فهذا غير هذا، فالآن عندنا الأثر الخاص ما يحصل من نور القلب وانشراح الصدر والطمأنينة، وما إلى ذلك، العام اجتماع المسلمين عليه؛ لأنهم يكونون بلغة واحدة، توحيد اللغة؛ ولهذا كثير من الفرس تعلموا اللغة من أجل أن يفهموا هذا القرآن، والثالث: آثاره الحميدة في الفتوحات، فتوحات في مشارق الأرض ومغاربها. قوله تعالى: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩] اللام؟ طالب: اللام للتعليل. الشيخ: للتعليل، وما معنى التدبر؟ طالب: تكرار اللفظ. الشيخ: على أيش؟ طالب: (...) الرياح دبرًا دبرًا (...). الشيخ: قوله: وَلِيَتَذَكَّرَمعناها؟ طالب: أي ليتعظ به. الشيخ: يتعظ به فيقوم بالعمل، كذا؟ طالب: ليتعظ به، يتذكر ويتعلم ويتعظ، ثم يعمل. الشيخ: ويش معنى يتذكر؟ يتعظ يعني ليعمل به؛ لأن العمل لا يكون إلا بعد فهم المعنى الحاصل بالتدبر، ما معنى قوله: أُولُو الْأَلْبَابِ؟ طالب: أولو العقول. الشيخ: أولو العقول، أحسنت، ما المراد بالعقول هنا هل هي عقول إدراك؟ طالب: رشد. الشيخ: عقول الرشد، تمام. الطالب: وحسن التصرُّف. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن كلام الله؛ لأن الله أضافه إلى نفسه في قوله: أَنْزَلْنَاهُوالقرآن كلام كما نعلم، وإذا أضيف الكلام إلى أحد لزم أن يكون صفة له؛ لأن الكلام معنى لا يقوم إلا بغيره. ومن فوائدها: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: أَنْزَلْنَاهُ، والإنزال لا يكون إلا من العلو، وقد قررنا هذا كثيرًا في عدة مجالس؛ أي: قررنا علو الله بذاته فوق خلقه، وبينا أنه ثابت بجميع أنواع الأدلة السمعية التي هي الكتاب والسنة والإجماع، والرابع: العقل، والخامس: الفطرة. ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كتاب؛ أي: مكتوب، وقد بينا أنه مكتوب في ثلاثة مواضع: اللوح المحفوظ، والكتب التي بأيدي الملائكة، والكتب التي بأيدي الإنسان. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ. ومن فوائدها: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان أهلًا لأن يُنَزَّل عليه القرآن، والقرآن لا ينزل إلا على من هو أهل لإنزاله لجمعه صفات الكمال البشرية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم مبارك حسب الوجوه التي ذكرناها. ومن فوائدها: الحث على العناية به والتزامه؛ لأنه إذا كان مباركًا فإن كل أحد من البشر يريد أن ينال بركة هذا الشيء المبارك. ومن فوائد هذه الآية: أنه يُستشفى به، أن القرآن يُستشفى به كما دلت على ذلك آيات أخرى، يُستشفى به من أمراض القلوب، ومن أمراض الأبدان يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]. إذن فمن بركة القرآن أنه يُستشفى به في أمراض القلوب، وفي أمراض الأبدان، الاستشفاء به في أمراض الأبدان يقع على وجوه متنوعة؛ منها: أن يُقرأ على المريض به كقراءة الفاتحة على المريض؛ فإنها مفيدة جدًّا، ومنها أن يكتب في إناء ويصب عليه الماء، ويدار الماء عليه حتى يتغير بهذه الكتابة، ثم يشرب، وهذا مجرب، ومنها على رأي بعض العلماء من السلف والخلف أن يعلق بصفة تميمة؛ يعني يُكتب في جلد أو شبهه، ثم يُعلَّق على المريض فإن هذا قد اختلف فيه السلف، فرخص فيه بعضهم ومنعه بعضهم؛ فمن رخص فيه استدل بعموم الأدلة الدالة على أن القرآن فيه شفاء. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أعظم الحِكم في إنزال القرآن تدبُّر القرآن؛ لقوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ. ومن فوائدها: حث الإنسان على تدبر القرآن، وألا يقرؤه قراءة لفظية فقط، فإن الله تعالى قد ذم هؤلاء الجنس من الناس، أعني الذين يقرؤونه قراءة لفظية، فقال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨]، أَمَانِيَّيعني قراءة لفظية فقط، فوصفهم الله بأنهم أميون؛ لأنهم لم ينتفعوا بالقرآن؛ إذ لا يمكن الانتفاع بالقرآن إلا بفهم معانيه، فإذا لم يفهم معانيه صار العربي والأعجمي على حد سواء. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تدبر القرآن فرض؛ لأن العمل بالقرآن فرض، ولا يتم العمل إلا بالتدبر، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، ولكن هل هو فرض عين أو فرض كفاية؟ حسب الحال، قد يكون فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، فما لا يتم دين العبد إلا به فهو فرض عين، وما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، ولا بد أن يكون في الأمة الإسلامية من يفهم القرآن. ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم كله آيات دالة على المتكلِّم به سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِولم يقل: آية منه أو عشر آيات، كل الآيات. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن مِن أعظم ما نزل القرآن من أجله التذكر؛ لقوله: وَلِيَتَذَكَّرَ. ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نزل موعظة للناس، كما قال الله تعالى في آية أخرى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس: ٥٧]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [النساء: ٥٨]، فالقرآن نزل ليؤثر، ما نزل ليتبرك الإنسان بقراءته، أو ينال الأجر بقراءته، هذا سهل، لكن لا بد أن يؤثر تَذَكُّرًا وموعظة. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يتذكر بالقرآن إلا أصحاب العقول؛ لقوله: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ومن فوائدها: أن من تذكَّر بالقرآن فهو صاحب العقل، ومن لم يتذكر فليس له عقل، كذا؟ وجه ذلك أن الله جعل التذكر لمن اتصفوا بمن؟ بالعقول. ومن فوائدها: أن لُبَّ الإنسان وروحه هو العقل؛ عقل الرشد؛ لأن الله سمى هذه العقول، سماها ألبابًا جمع (لُبٍّ) كأسباب جمع (سَبَب). ثم قال الله تعالى في قصة سليمان بن داود: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ، قال: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُإلى هنا تم تفسيره، قال: (جمع جواد، وهو السابق، المعنى أنها إذا استُوقفت سكنت، وإن ركضت سبقت) يعني أن هذه الخيل التي عُرِضَت عليه موصوفة بهذين الوصفين؛ أنها من الصوافن، وأنها من الجياد، فهي إذا وقفت وقفت على أحسن هيئة؛ وهو الصفون، وإذا مشت مشت على أكمل هيئة، وهو الجود، جيدة في السبق وتحمُّل المشاق ولو طال السير، وهذا غاية ما يكون من جمال الخيل، غاية ما يكون من جمال الخيل هو هكذا أن تكون هيئتها حين الوقوف مما يسر النفس، وأن يكون فعلها وأداؤها حين السير مما ينفع لكونها من ذوات الجود. وقول المؤلف: (وكانت ألف فرس عُرِضَت عليه بعد أن صلى الظهر لإرادته الجهاد عليها لعدو، فعند بلوغ العرض منها تسع مئة غربت الشمس ولم يكن صلى العصر فاغتم). تقدير هذه الخيل بألف فرس يحتاج إلى دليل عن معصوم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هناك دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها ألف أو ألفان أو أقل أو أكثر. وحينئذٍ تكون مسؤوليتنا أن نقف حيث وقف القرآن، فلا نحددها بألف ولا بأكثر ولا بأقل، إنما هو عُرِضت عليه في آخر النهار هذه الخيول الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، فلما عُرِضت عليه نسي أن يُصلي لقوة ما في قلبه من التعلق بهذه الخيول التي أعدها للجهاد في سبيل الله، أو أعدها للزينة والتمتع؛ لأن سليمان عليه الصلاة والسلام كان من الأنبياء الملوك كما قال تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: ٣٥] والملوك من عادتهم أن يُسرُّوا ويبتهجوا بالنظر إلى الخيول، فسواء كان أعدها للجهاد إن كان قد أُمِر به، أو أعدها للتمتع بها بصفته أنه ملك. يقول: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [ص: ٣٢]. قال: (أَحْبَبْتُأي أردت) حُبَّ الْخَيْرِيعني محبته؛ محبة الخير، والخير يُطلق على المال عمومًا كما في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٦ - ٨] أي لحب المال، والدليل على أن الخير هو المال قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة: ١٨٠]، فقوله: حُبَّ الْخَيْرِيعني حب المال. وتفسير المؤلف رحمه الله لهذا الخير بالخيل أخص من دلالة اللفظ، وقد مر علينا أنه لا يجوز أن يُفَسَّر اللفظ الأعم بالمعنى الأخص؛ لأن هذا قصور في التفسير، لكن قد يكون عذر المؤلف أن السياق في الخيل فيكون حمله لهذا العام على الخاص بقرينة السياق، وهنا إشكال وهو قوله: أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِهل الحب يحب؟ يعني لو قال قائل: لماذا لم تكن الآية: (إني أحببت الخير) كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ؟ المؤلف رحمه الله أَوَّلَ المحبة التي جاءت بلفظ الفعل بالإرادة فقال: (أَحْبَبْتُأي أردت حُبَّ الخير) لكنه رحمه الله وإن تخلَّص من تضارب اللفظ لم يتخلص من فساد المعنى؛ لأنه إذا قال: (أردت حب الخير)، فالمراد قد يحصل وقد لا يحصل، مع أن حبه حاصل، ولكن الجواب على هذا أن نقول: إن (أحببت) الأولى على بابها، و(أحببت) الثانية على بابها من باب التوكيد كأنه أحب حب الخير فضلًا عن الخير، ومن أحب حب الشيء لزم أن يكون محبًّا للشيء، كما لو قلت: أنا أحب أن أحب فلانًا، مثلًا، أن أحب قراءة الكتاب الفلاني، فيكون هذا من باب التوكيد، كأنه كرر المحبة مرتين؛ وبهذا نتخلص من الإيراد الذي يرد على تفسير المؤلف رحمه الله. وقوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّيقال المؤلف: (أي صلاة العصر)، وهذا أيضًا فيه تفسير للعام بما هو أخص، وهو قصور في التفسير؛ وذلك لأن الذكر أعم من الصلاة، فكل صلاة ذكر، وليس كل ذكر صلاة، صحيح هذا؟ كل صلاة ذِكْر، وليس كل ذكر صلاة، صحيح؟ إي نعم، إذن إذا فسرنا الذِّكْر بالصلاة فقد فسرنا الأعم بالأخص، وهذا قصور، ولكن ربما يُعتذَر عن المؤلف بالسياق، ولكن هذا العذر لا يُقبَل؛ لأنه من الذي يقول: إن سليمان أراد بذكر ربه صلاة العصر؟ إذ قد يكون أنه أراد ذِكْر الله في المساء؛ لأن المساء له أذكار معينة، وتكون صلاة العصر داخلة في هذا الذكر، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن المراد بالذكر في قوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّيعموم الذكر الذي يدخل فيه صلاة العصر.
وقوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّييشمل التذكر الذي هو ذكر القلب، ويشمل القول الذي هو ذكر اللسان، ويشمل الفعل الذي هو أفعال الجوارح إذا أدخلنا صلاة العصر في هذا؛ لأن صلاة العصر تشتمل على أنواع الذكر الثلاثة، الصلاة تشتمل على أنواع الذكر الثلاثة، فيها تذكر القلب، وتذكر اللسان، وتذكر الجوارح. وقوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّيفي إضافة الربوبية إلى الله استعطاف من سليمان لله عز وجل حيث أذعن له بالربوبية التي تقتضي أن يكون مشغولًا بذكره سبحانه وتعالى. وقوله: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّياستشكل بعض العلماء تعدي الفعل بـ(عن)، أحببته عن ذكر ربي، كيف؟ فقيل: إن (عن) معناها (مِنْ)، يعني البدلية، يعني بدلًا عن ذكر ربي، وقال بعض العلماء: إن أحببت مُضمَّن معنى آثرتُ حُبَّ الخير عن ذكر ربي، ومر علينا فيما سبق، أنه إذا جيء بمتعلق لا يناسب المتعلق ظاهرًا فإن لعلماء النحو في ذلك قولين: القول الأول: تضمين المتعلق معنى يُناسب المتعلِّق. والثاني: أن يُضمَّن الحرف الذي لا يُناسب المتعلَّق حرفًا يناسب المتعلَّق. وذكرنا أن الأولى أن يكون التجوُّز بالفعل. وقوله: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، حَتَّى تَوَارَتْقال المؤلف: (أَي الشَّمْس بِالْحِجَابِأي استترت بما يحجبها عن الأبصار). تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، تَوَارَتْ. إذا قال قائل: الضمير مستتر، والشمس لم يسبق لها ذكر، فلماذا لا يقال: حَتَّى تَوَارَتْ (أي الخيل) بالحجاب؟ يعني أنها أبعدت حتى استترت عنه، وكأنه شُغِل بالنظر إليها وهي تتطارد وتتسابق حتى وصلت إلى مسافة بعيدة بحيث غابت عنه؟ نقول: لا شك أن هذا المعنى محتمل في الآية، قوله: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْأي هذه الخيول، فأبعدت واستترت، ولكن وردت أحاديث تؤيد ما ذهب إليه المؤلف من أن الذي توارت هي الشمس بِالْحِجَابِأي بما يحجبها عن الأبصار، فما هو هذا الحجاب؟ الحجاب هو الأرض، الحجاب الذي يحجب الشمس إذا غابت هو الأرض، كما قال الله تعالى عن ذي القرنين: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] يعني في البحر، إذن فالذي يسترها إذا غابت هي الأرض، وهذا لأن الأرض كروية الشكل، فإذا دارت الشمس عليها ووصلت إلى الجانب المنحني فلا بد أن تغيب، وهكذا تغيب عن كل قوم شيئًا فشيئًا حتى تطلع على من غابت عنهم أولًا. ثم قال تعالى: رُدُّوهَا عَلَيَّ، رُدُّوهَاالضمير يعود على الخيل التي عُرِضَت عليه، أمر أن تُرَدَّ عليه، وتُرجَع عليه مرة ثانية من أجل أن يقضي عليها غضبًا لله عز وجل وتنكيلًا لنفسه التي تعلقت بهذه الخيول، وأعرضت بها عن ذِكْر الله. قال: (رُدُّوهَا عَلَيَّأي الخيل المعروضة فرَدُّوها. فَطَفِقَ مَسْحًابِالسَّيْفِ بِالسُّوقِجَمْع سَاق وَالْأَعْنَاق) جمع (عُنُق)، قال: رُدُّوهَا عَلَيَّفردوها عليه. فَطَفِقَطفق هذه فعل ماضٍ من أفعال الشروع، ويكون خبرها فعلًا، وبناءً على ذلك فإن قوله: مَسْحًاليس خبرًا لها، بل مصدر للفعل المحذوف الذي هو الخبر، والتقدير: فطفِق يمسح مسحًا. وقوله: مَسْحًا بِالسُّوقِيعني يضربها مع سُوقها، جمع (ساق)، والأعناق مع العنق؛ لأن الخيل تتعلق بها النفس باعتبار المشي، وباعتبار الصفون عند الوقوف، وباعتبار الرقبة، وما عليها من الشعر وحُسْن العُنُق؛ فلهذا ضرب عليه الصلاة والسلام ضَرَبَ مواقع الحسن في الخيل وهي سُوقُها وأعناقها، والله أعلم. طالب: (...) الذكر العام. الشيخ: أعم من الصلاة. طالب: يعني هل هي صلاة العصر أم (...)؟ الشيخ: لا، لأن الأذكار في المساء تستمر إلى ما بعد الغروب. طالب: (...).
الشيخ: عام، الذكر عام، يشمل الصلاة وغيرها. طالب: (...) الأذكار التي ليست مقيدة بالمساء. الشيخ: إي نعم، إذا لم تكن مُقيَّدة بالمساء؛ فلا فرق أن يذكر بعد غروب الشمس أو قبله. الطالب: أنا أقول: أقصد أن غروب الشمس (...) صلاة العصر. الشيخ: ولا فيه أذكار بعد العصر؟ الطالب: لا، فيه أذكار. الشيخ: إذن لماذا لا نجعلها عامة ومنها الصلاة؟ الطالب: (...) غروب الشمس؟ الشيخ: نعم؛ لأن أذكار المساء تكون بعد العصر، فهو يذكر الله بعد العصر فاشتغل عن ذلك. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ الطالب: (...). الشيخ: لا، يُكتب ألفًا ما لم تتصل بالضمير، إذا اتصلت بالضمير ما حاجة إلى الألف. طالب: ما حاجة، والواو واقعة في محل هذا.. الشيخ: يعني لو قال: (ردوا) فقط ما قال: (ها).
طالب: في (ردوا) الضمير راجع إلى من؟ الشيخ: لا، قصدي أنت تقول: لماذا لم يكتب ألفًا بعد الواو؟ كذا ولَّا لا؟ أقول: لا تُكتب الألف بعد الواو مع الضمير، لو قلت: (رُدُّوه) ما تكتب ألفًا، (رُدُّوها) ما تكتب ألفًا، لكن (رُدُّوا زيدًا) تكتب ألفًا. الطالب: وفي (رُدُّوا) الضمير راجع إلى من؟ الشيخ: الواو راجع للمخاطب. الطالب: للمخاطب، هو للجمع. الشيخ: إي، وهو للجمع، يخاطب جماعة، و(ها) تعود على الخيل؛ يعني ردوا الخيل عليَّ. الطالب: نعم، والواو للغائب. الشيخ: لا، للمخاطب، ما هو الأمر إذا وُجِّه لجماعة، ما هي بالغائب، لو كان فعلًا ماضيًا صارت للغائب لكن هذه فعل أمر، والواو المقترنة بفعل الأمر تكون للمخاطب. الطالب: حسبته ماضيًا. الشيخ: لا، لو كان ماضيًا لقال: رَدُّوها، الماضي يُقال: رَدُّوها. الطالب: قلت: يمكن مجهول. الشيخ: لا، مجهول وفيه المفعول رُدُّوها. طالب: (...). الشيخ: على كل حال هي فعل أمر، يأمرهم أن يردوها عليه. طالب: شيخ، بارك الله فيك، سأل شخص مفتيًا، فقال له: كنت عاصيًا وعندي أشرطة أغانٍ وإلى آخره، فماذا أعمل بها هل أُسَجِّل عليها محاضرات دينية ولَّا أيش أعمل فيها، ولَّا أحرقها، قال له: حرِّقْها، واستدل بهذه الآية، قال: إن سليمان عليه السلام قتل الخيول. الشيخ: السؤال هذا متقدم على وقته؛ لأنه سيكون في الفوائد إن شاء الله. طالب: لماذا كان تضمين الفعل أحسن من تضمين فعل الأمر؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنك إذا ضمنت الفعل استفدت معنى جديدًا زائدًا على معنى الفعل الأصلي، فمثلًا إذا قلنا في قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] أن المراد يروى بها تضمن هذا معنيين؛ الشُّرب والرِّي، إذا قلت: إن الباء يَشْرَبُ بِهَابمعنى (مِنْ)، يشرب منها لم نستفد إلا معنى واحد وهو الشرب. طالب: إذا ضمنَّا يا شيخ الفعل يعني كأننا أتينا بشيء زائد. الشيخ: لا، لا ما هو زائد؛ لأن الفعل إذا قُلنا: يَرْوَى أتينا بالمعنى الأصلي ليشرب؛ إذ لا رِيَّ إلا بعد شُرب، والذي جعلنا نأتي بالمعنى الزائد وهو الرِّي؛ لأن صحيح أن الرِّيَّ زائد على مجرد الشرب، الذي جعلنا نأتي به هو أن (بها)، الباء ما تتعدى بـ(يشرب). طالب: شيخ، عفا الله عنك (...) بعض العلماء (...)؟ الشيخ: إي، هذه هي التميمة، إذا أجزنا التميمة بالقرآن، جاء أُناس فدخَّلوا فيها أشياء شِرْكية، فماذا تقولون؟ نقول: الحكم يدور مع علته، إذا كتب أشياء شركية صار ممنوعًا لأجل الشرك، لكن إذا كتب شيئًا من القرآن فليس فيه شرك؛ يعني لا بد أن يكون هذا الكاتب اللي كتب التميمة لا بد أن يكون مأمونًا. طالب: (...). الشيخ: جاب أيش؟ الطالب: أقول: تكثر في بعض المحال في الحجاز (...) الأرض الشمالية والجنوبية. الشيخ: ويش اللي تكثر؟ الطالب: التعاليق هذه اللي بها الشركيات. الشيخ: لا، هذا يُمنع هذا.
الطالب: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٣٤ - ٤٠]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [ص: ٣٠، ٣١] إلى آخره، أين مُتعلَّق إِذْفي قوله: إِذْ عُرِضَ؟ طالب: نعم، إِذْ عُرِضَ. الشيخ: يعني (إذ) ظرفية تحتاج إلى مُتعلَّق. الطالب: محذوف، تقديره: واذكر إذ عُرِضَ. الشيخ: واذكر إذ عُرض. قوله: الصَّافِنَاتُما هي الصَّافِنَاتُ(...)؟ أحببت الخير حُبًّا شديدًا. ما المراد بالخير هنا؟ طالب: الخير المؤلف فسرها بالخيل، وهذا قصور. الشيخ: ما الذي حمله على تفسيرها بالخيل؟ الطالب: يُعتذر عنه بالسياق؛ سياق الآية. الشيخ: حيث قال: الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، والقول الثاني، أو الاحتمال الثاني؟ الطالب: أنها عامة تشمل الخيل وغيرها من المال وغيرها، يُطلق على الخير المال. الشيخ: ما هو الدليل أو الشاهد على أن الخير يُراد به المال؟ طالب: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ. الشيخ: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨] والمراد بالخير هنا؟ الطالب: المال. الشيخ: المال، ما الدليل أن المراد به المال؟ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠]. قوله: عَنْ ذِكْرِ رَبِّيما المراد بذكر ربه؟ طالب: على قول المؤلف قال: إنها صلاة العصر، ولكن الذِّكْر يشمل أعم من الصلاة، ويشمل أذكار المساء والصلاة أيضًا. الشيخ: أحسنت. قوله: حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّيعن ما موقعها هنا؟
طالب: في المعنى يعني؟ الشيخ: إي، ويش معنى أحببته عن ذكر ربي؟ الطالب: أي: دون ذكر ربي. الشيخ: يعني أيش؟ الطالب: أي: أحببت حب الخير دون ذكر الله سبحانه وتعالى. الشيخ: ويش معناه على هذا؟ الطالب: بمعنى سوى. الشيخ: عن بمعنى سوى؟ طالب: بمعنى سوى الله سبحانه وتعالى؛ أي سوى ذكر الله. طالب آخر: بدلًا عن عبادته. الشيخ: يعني؟ الطالب: بدل ذكر ربه.
الشيخ: بدل ذكر ربه هذا وجه، وجه آخر؟ الطالب: أو أنها مُضمَّنة. الشيخ: مُضمَّنة؛ يعني آثرت حب الخير عن ذكره. قوله: تَوَارَتْ بِالْحِجَابِالضمير يعود على مَنْ؟ طالب: فيها قولان: أن الضمير يعود على الخيل، أنه رآها تبتعد عنه بعيدًا. الشيخ: جعل يشاهدها ذاهبة وجائية. الطالب: والقول الثاني: أنها توارت بالحجاب عن الشمس. الشيخ: الشمس، وما المراد بالحجاب على هذا القول؟ طالب: الحجاب يعني الأرض. الشيخ: الأرض، صحيح؟ قال: فَطَفِقَ مَسْحًاطفق من أفعال؟
طالب: (...). الشيخ: وأين خبرها؟ طالب: (...). الشيخ: خبرها محذوف، فطفق يمسح مسحًا. بِالسُّوقِويش معناها؟ الطالب: جمع (ساق). الشيخ: جمع (ساق)؛ يعني يضرب سُوقها حتى يعقرها، والأعناق؟ الطالب: جمع (عُنق) وهو يمسح أعناقها. الشيخ: بيده، يمسح بيده كذا، إذن معنى كلامك أنه يمسح سُوقَها بيده، ويمسح أعناقها كذلك. طالب: يعني ضربًا بالسيف. الشيخ: حتى في السُّوق؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: والأعناق القتل. نأخذ الفوائد. قال الله عز وجل: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأولاد هِبَة من الله عز وجل للعبد، ويتفرع على هذا أنه يجب على العبد أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على سليمان في قوله: نِعْمَ الْعَبْدُ. والعبودية هنا العبودية الخاصة.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ، فإن هذا هو سبب الثناء عليه.
ومن فوائدها: فضيلة الأوبة إلى الله والرجوع إليه بالقلب والعمل؛ لأن الله أثنى على سليمان بسبب ذلك. ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِإلى آخره، من فوائدها: بيان عظمة ملك سليمان حيث كان الناس يعرضون عليه هذه الخيول للتمتع بها، ومن أجل الاطلاع عليها وتفقدها، ووجه ذلك أنه قال: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِفهذا يدل على أن هناك أناسًا يعرضون عليه هذا الخيل. ومن فوائد هذه الآية: أن هذه العادة وهي عرض الخيول والتمتع بجريها في آخر النهار عادة قديمة ما زال الناس عليها إلى اليوم؛ يعني لا تكاد تجد أحدًا يُجري مسابقة على الخيل في أول النهار، وإنما يكون في آخر النهار، وهذه من العادات القديمة في الناس إلى اليوم. ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي اختيار الخيل الجيدة الجميلة التي تسُرُّ النفس في رؤيتها وفي جريها؛ لقوله: الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ. ومن فوائدها: أنه ينبغي اقتناء الخيل، حيث كان هذا من دأب الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . فمتى كانت الخيل آلة حرب فالخير في نواصيها إلى يوم القيامة. ومن فوائد هذه الآية: ذِكْر أُنموذج من وَصْف سُليمان بالأوَّاب؛ حيث قال: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّيإلى آخره. ومن فوائدها: أن المال خير وهو كذلك؛ لأن الإنسان إذا رُزِق المال تمكَّن أن يتمتع تمتعًا كاملًا فيما يختص بالمال بخلاف ما إذا ضُيِّق عليه المال فإنه لا يستطيع أن يتمتع.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإعراض عن ذِكْر الله بأمور الدنيا أمر مذموم؛ لأن سليمان وَبَّخَ نفسه في كونه أحب الخير وقدَّمَه على ذِكْر الله. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الشمس تجري دائمًا، وليست تغيب؛ بمعنى أنها تنحجب عن الأبصار في السماء؛ لقوله: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. ومن فوائدها: إثبات أن الشمس هي التي تدور على الأرض في طلوعها وغروبها؛ لأنه أضاف الفعل إليها فقال: حَتَّى تَوَارَتْ، ولو كان الأمر كما يقول أهل الجغرافيا اليوم: إن الأرض هي التي تدور وتنحجب الشمس بسبب دورانها لقال: حتى توارين بالحجاب، أو حتى توارى بالحجاب هو يعني؛ لأنه إذا كان أنت الذي تدور ومقابلك ثابت، فمن الذي يتوارى؟ الثابت أو الدائر؟ الدائر، فإذا كان الله تعالى أثبت أن التواري للشمس دل هذا على أنها هي التي تدور، وهذا كقوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف: ١٧]، فهذه أربعة أفعال كلها أضيفت إلى الشمس. وفي الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم حين غربت الشمس فقال له: أتدري أين تذهب؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «فَإِنَّهَا تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَتَسْتَأْذِنُ، فَإِنْ أُذِنَ لَهَا وَإِلَّا قِيلَ: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا» .
هذا هو ظاهر القرآن، والواجب على المؤمن أن يتبع ظاهر القرآن؛ لأن هذه هي الطريق في كل شيء كما تعرفون في أسماء الله وصفاته نتبع ظاهر القرآن، وكما تعلمون في الأحكام الشرعية نتبع ظاهر القرآن، إذن في الأمور الكونية نتبع ظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن صدر من الخالق العليم فهو أعلم من خلقِه بخلقه، قال الله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: ٥١]، فإذا كان هذا صادرًا من أعلم من يكون وجب علينا أن نُصدِّقه. فالواجب علينا إذن إجراء ظواهر الكتاب والسنة على ما هي عليه حتى يقوم لنا دليل حسي واضح يتبين أن اللفظ ليس على ظاهره، فلو فُرِضَ أنه تبين تبينًا واضحًا مثل الشمس أن الأرض هي التي تدور فإننا نقول: عُبِّرَ بهذه الأفعال التي ظاهرها أن الشمس هي التي تدور باعتبار ما نُشاهِد، فتكون غربت باعتبار مشاهدتنا؛ لأن المشاهد المحسوس حسب الأمر الظاهر لعامة الناس أن الأرض ثابتة والشمس تدور عليها، فيكون التعبير بحسب ما يشاهده الناس في الظاهر، لكن متى نحتاج إلى تأويل الآيات؟ إذا ثبت ثبوتًا حسيًّا قطعيًّا ما فيه إشكال؛ لأن الظاهر دلالته ظنية، ولا يمكن زحزحة هذه الدلالة إلا بدليل قطعي يكون أقوى منها. ومن فوائد هذه الآية: أن الأرض كروية؛ لأنه لما أثبت أنها تتوارى بالحجاب دلَّ هذا على أن الأرض هي التي تحجبها، وهي كما نشاهد تنزل الشمس في أوج السماء في أعلى، ثم تنزل شيئًا فشيئًا حتى تكون في الأسفل، في الأرض، فيدل ذلك على أن الأرض كروية، وهذا أيضًا أمر مقطوع به، ولا إشكال فيه؛ فهو ظاهر مِن القرآن، وظاهر كذلك بالواقع؛ ففي القرآن يقول الله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ١ - ٥] متى هذا؟ يكون يوم القيامة؛ لأن السماء لم تنشق الآن. فقوله: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْيدل على أنها قبل هذا ليست ممدودة بل هي كُروية، وهذا لا يُعارِض قوله تعالى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] لا يعارضه؛ لأن سطحها باعتبار المشاهَد، فأنت الآن إذا وقفت على الأرض تجدها مستوية إلى مد البصر.
ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَإلى آخره، من فوائدها: جواز التعزير بإتلاف المال، وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، هل يجوز أن نُعزِّر الإنسان بإتلاف ماله أو لا يجوز؟ فمن العلماء من قال: إنه لا يجوز؛ لأن إتلاف المال إفساد له، ويمكن أن نُعزِّره بأخذ المال دون إتلافه، فنأخذه منه وننفقه في جهة أخرى نافعة، ومنهم من قال: بل إن ذلك جائز، واستدلوا لهذا بأن الغالَّ من الغنيمة الذي يكتم ما غنم يُحرَّق رحله، وهذا إتلاف له مع أن الجيش قد يكون في حاجة إلى ماله، ومع هذا نتلفه، وهذا القول هو الراجح؛ أنه يجوز التعزير بإتلاف المال؛ أولًا: لدلالة السنة على ذلك. وثانيًا: لأن إتلافه أنكى وأعظم أثرًا؛ لأنه لو أُخِذ وجُعِل في مصالح؛ صار التنكيل خفيًّا، ثم قد يكون فتح بابٍ للولاة الظلمة، إذا أرادوا المال؛ أقاموا دعوى على شخص ما، ثم قالوا: نُعزِّره بأخذ ماله، ثم يأخذون ماله على أنه سيكون في بيت المال، ولكنه سيكون في جيوب هؤلاء الظلمة، فإذا قلنا بأنه يحرق ويُتلف أمام الناس زال هذا المحذور، وبناء على ذلك لو وجدنا مع شخص آلة لهو تصلح أن تستعمل في غير اللهو، وعزَّرْناه بتكسيرها كان ذلك سائغًا، ولا نقول: حوِّلها إلى غير آلة اللهو؛ لأن إتلافها أمام الناس أنكى وأشد مما لو أُتلفت بإنفاقها في جهة ما. ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان لا بأس أن يُعزِّر نفسه بإتلاف ماله بنفسه؛ لفعل سليمان، فلو فرضنا أن شخصًا اشتغل بشيء معه عن ذكر الله، وأراد أن يكسره لكان ذلك سائغًا جائزًا؛ لأن هذا يؤدي إلى ألا يعود مرة أخرى إلى التشاغل عن ذِكْر الله تعالى بشيء من المال.
ومن فوائد هذه الآية: قوة سلطان سليمان في أمره ونهيه؛ لقوله: رُدُّوهَا عَلَيَّ، فإن هذا يدل على أن له جنودًا كثيرة تأتمر بأمره؛ إذ لم يقل: رُدَّها. لو قال: ردها لكان الخادم واحدًا، لكن لما قال: رُدُّوهَادل على أن له جنودًا خدمًا يخدمونه؛ كثيرين. ومن فوائدها: سرعة ومبادرة سليمان عليه الصلاة والسلام بتنفيذ ما أراد من إتلاف هذا المال؛ لقوله: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ. قد يقول قائل: أليس في هذا تعذيب للحيوان إذا جعل يضرب سُوقه بالسيف؟ فيقال: بلى، لكن الظاهر أنه يعقرها أولًا، ثم يقطع عنقها ثانيًا، وهذا لا بأس به؛ لأن الألم لا يدوم، وإنما خَصَّ السوق بالضرب من أجل أنها صافنات، والصافنة إذا رفعت حافرها بعض الشيء؛ صار لسُوقها منظر جميل، فهو متعلق الرغبة؛ ولذلك جعل يضرب هذه السوق، وأما الأعناق فظاهر من أجل إتلافها نهائيًّا. طالب: عرف سليمان لغة الطيور، وكذلك أمور (...) هل أخذ الخيول يعني صدقة باللحوم، يعني (...)؟ الشيخ: إي، هذا السؤال جيد، يقول: هل أكل لحومها أو تصدق به، أو ماذا فعل؟ ما تقولون؟ طالب: المؤلف يقول: تصدق بها. الشيخ: يقول: تصدق بها، اقرأ (...). طالب: يقول: (وَالْأَعْنَاقأَي ذَبحها وَقَطع أَرْجُلهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّه تعالى حَيْثُ اشْتَغَلَ بِهَا عَن الصَّلَاة، وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا فَعَوَّضَهُ اللَّه خَيْرًا مِنْهَا وَأَسْرَعَ وَهِيَ الرِّيح).
الشيخ: سمعت؟ هذا يحتمل ما قال المؤلف أنه تصدق بها، ويحتمل أنه لم يتصدق بها؛ لأن ذبحها تقرُّب إلى الله تعالى بإتلافها، وما كان كذلك فإنه لا يُؤكَل، نظيره لو زنى رجل ببهيمة، فإن البهيمة تُقتل، ولا يُؤكل لحمها؛ لأنها أُتلفت في حق الله فلا ينبغي أن تُؤكَل، على كل حال يحتمل أن سليمان تصدَّق بها كما قال المؤلف، أو أكلها، أو تركها، الله أعلم.
تفسير الآيات (٣٤-٤٠)
٠١:٠٩:١٧
الطالب: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٣٤ - ٤٠]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَهذه الجملة -كما هو معروف- مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي القسم المقدَّر، واللام المؤكدة للقسم، ويسمونها موطئة للقسم، والثالث (قد).
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَأي اختبرناه، والضمير في فَتَنَّايعود على الرب عز وجل، وجاء بضمير الجمع تعظيمًا لا تعديدًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى واحد لكن تارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الإفراد، وتارة يُعبِّر عن نفسه بلفظ الجمع. يقول: سليمان هو ابن داود، ولم يُبيِّن الله سبحانه وتعالى هذه الفتنة، لا عينها، ولا نوعها؛ ولهذا ينبغي لنا أن نبهم ما أبهمه الله، ونُجمل ما أجمله، ونعلم أنه لو كان هناك فائدة لنا في تعيين ما أبهمه لذكره؛ لأن الله تعالى يقول: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فكل شيء فيه مصلحة فلا بد أن يُبَيِّنه الله عز وجل؛ ولهذا نقول: هذه الفتنة لو سألنا سائل: ما نوعها؟ وما عينها؟ قلنا: الله أعلم؛ لأن الله تعالى لم يُبَيِّنها لنا، ولم ترد في خبر معصوم، فوجب علينا أن نسكت، أما ما ذُكِرَ في هذا الموضع من الإسرائيليات فإنها إسرائيليات كاذبة، لا تليق بمقام النبوة، لكن الإسرائيليون أتوا بها؛ لأنهم لا يعتقدون أن داود وسليمان رسولان، يعتقدون أنهما ملكان، والملك يجوز عليه كل شيء. يقول: (فَتَنَّا سُلَيْمَانَ [ص: ٣٤] ابتليناه بسلب ملكه) هذا بدأ المؤلف بالقصة الإسرائيلية (بسلْب ملكه؛ وذلك لتزوجه بامرأة هواها وكانت تعبد الصنم). نسأل الله العافية؛ يعني جعلوا داود وسليمان كليهما عِشِّيقين ليس لهما هَمٌّ إلا النساء، فداود كما مر علينا أنه أراد أن يتزوج امرأة شخص، وكان عند داود تسع وتسعون امرأة، فأراد أن يكمل المئة، أما سليمان فيقول: إنه هوى امرأة، تقول هذه القصة الكاذبة: إنه هوى امرأة وعشقها (وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه) إذن صارت الدار دار كُفْر وشِرْك بدون علمه، وهذا نقطع بأنه كذب؛ لأنه لو كانت هذه كافرة لبيَّن الله ذلك كما بين ذلك في امرأتي نوح ولوط.
قال: (وكان ملكه في خاتَمه، فنزعه عند إرادة الخلاء ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها). هذه القصة، (ملكه في خاتمه)، فإذا أراد دخول الخلاء نَزَعه، ولا أدري ما السبب في نزعه، لماذا ينزعه؟ اسم سليمان ليس فيه لفظ جلالة، ليس فيه اسم من أسماء الله حتى يقول قائل: إنه تحرز من أن يدخل بشيء فيه ذِكْر الله، وأيضًا يضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته. هذا أيضًا يدل على كذب القصة؛ أولًا: كيف يكون الملك في الخاتم فقط؟! وثانيًا: إذا كان ملكه في خاتمه فهل يُمكن أن يُفرِّط فيه هذا التفريط ويلقيه عند امرأة؟ قد يقول قائل: إنها أمينة ولكن نقول: ما هو الدليل على هذا؟ فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها، أخذ أيش؟ الخاتم، فلما أخذ الخاتم صار سليمان؛ لأن الملك يتبع هذا الخاتم. قال الله تعالى: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا (هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره) يعني اسمه (صخر أو غيره جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان. فأنكروه). مسكين، لما جاء وجد هذا الجني المسمى بصخر أو غيره على الكرسي، فجعل يقول للناس: أنا سليمان. يقولون: لا، لست سليمان، ارجع ورا، ليش؟ لأن سليمان هو الجالس على كرسي الملك، أما أنت فلست بسليمان، فماذا تكون حسرته؟ ستكون شديدة ثُمَّ أَنَابَ. والواقع أن هذه مسألة وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًابعض العلماء يقول: إنه شيطان، لكن بقطع النظر عن كون الملك في الخاتم، وأنه أعطاه امرأته، وأن الجني جاءها فأخذه منها، يقول: إن الله تعالى ألقى على كرسيه جسدًا؛ يعني في غيبة سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي لكن الله سبحانه وتعالى سلط عليه شيطانًا جلس على الكرسي، وجعل يدبر الدولة، وسليمان لما جاء إلى مكان جلوسه وجده مشغولًا بهذا العفريت، وعجز عن إنزاله عن الكرسي، وعن تولي تدبير شؤون الدولة، فعرف أنه مفتون، وأن الله سلط عليه هذا الشيطان ليختبره سبحانه وتعالى، هذا قول لبعض العلماء، وقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه شيطان، ولكن ابن عباس -كما هو معلوم- كان أخذ عن بني إسرائيل كثيرًا، وربما يكون هذا مما أخذه. المهم هذا قول غير ما قال المؤلف، المؤلف يرى أن هذا القول حصل بسبب أن الْمُلك في الخاتم، وأن هذا الجني أخذه من المرأة المؤتمنة، وجلس على الكرسي وقال: أنا سليمان. هذه واحدة.
الثاني: أن الله سلط شيطانًا بدون أخذ الخاتم، وبدون التصور بالجني، سلَّط شيطانًا جلس على الكرسي وصار يدبر شؤون الدولة، وانتهب السلطان من سليمان؛ لأن سليمان ليس دائمًا على الكرسي. القول الثالث: أن الجسد هو شِقُّ الولد الذي اختبر الله به سليمان حين قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . حلف أن يطوف؛ يعني يجامع تسعين امرأة، وأن كل امرأة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله اعتمادًا على ما في نفسه من العزم على تنفيذ ما أراد، فنفذ ما أراد، وجامع تسعين امرأة لكن ما أراده الله لم يتمكن منه، وهو أن تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فولدت منهن واحدة شق إنسان؛ نصف إنسان؛ لأجل أن يعرف سليمان وغير سليمان أن الأمر بيد الله، وأنه لا يجوز أن يتألى أحد على ربه سبحانه وتعالى، يقول بعض المفسرين: إن هذا الولد هو الجسد؛ لأن هذا الولد ليس كامل التدبير، نصف إنسان، كيف يدبر؟ هذا هو الذي ألقي على الكرسي ففتن به سليمان. القول الرابع: أن قوله: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًايعني به سليمان نفسه، فَتَنَّا سُلَيْمَانَاختبرناه، وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًايعني ألقيناه هو على الكرسي جسدًا، والجسد هو الذي لا يُدبِّر، وليس عنده تفكير؛ يعني أن الله سَلَبَ من سليمان تفكيره الذي يُدبِّر به شؤون مملكته، فصار لا يحسن التدبير، ومن لا يحسن التدبير كالجسد بلا روح، فيكون المراد بالجسد مَنْ؟ سليمان نفسه، ويكون كأن الكلام: وألقيناه جسدًا على كرسيه لا يحسن التدبير، وهذا أيضًا قريب أن الله سبحانه وتعالى يسلب عن الإنسان عقله وتفكيره حتى يكون جسدًا بلا روح، ومن المعلوم أن مملكة عظيمة كمملكة سليمان إذا فُقِدَ منها المدبِّر سوف تتخلخل وتتزعزع، فهذه أربعة أقوال في معنى قوله: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ. أما ما ذكره المؤلف فهو باطل بلا شك، وأما ما ذُكِرَ من أنه الولد الشق فالظاهر أنه ضعيف، بقي عندنا قولان: أحدها: أنه شيطان سُلِّط على كرسي سليمان فبقي فيه، وصار يدبر شؤون المملكة. والثاني: أنه سليمان نفسه سَلَبَ الله منه التفكير وتدبير شؤون المملكة، فصار لا يحسن التدبير. هذان القولان محتملان، أقربهما اللفظ الأول؛ أي أنه شيطان ألقي على الكرسي؛ لأن جَسَدًاهذه نكرة تقتضي أن يكون الملقى غير الملقى على كرسيه، ولكن الثاني أقرب من حيث المعنى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا سَلَبَ الإنسان عقله وتفكيره وسلطته فهو بمنزلة الجسد. على كل حال هذه الفتنة التي حصلت لسليمان بإلقاء الجسد على كرسيه، سواء أكان هو نفسه أم شيطانًا جلس على الكرسي. لا شك أنها فتنة عظيمة، ولا يتصورها أحد لم تمسه هذه الفتنة؛ لأن ما نسمع من الفتن والمصائب وغيرها نسمعها على أنها تمر علينا مرورًا ذهنيًّا وليس هذا كالذي يُباشر المصيبة أو القضية نفسها، سليمان لما وصل به الأمر إلى هذه الحال أناب إلى الله؛ لأن من طبيعة البشر إذا أُصِيب بمصيبة أن يحاسِب نفسه، أما قبل أن يُصاب فقد يغفل لكن إذا أُصِيب صار يحاسب نفسه، ورجع إلى الله حتى المشركون إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم الأمواج التي يضرب بعضها ببعض يلجؤون إلى مَنْ؟ إلى الله سبحانه وتعالى يدعونه مُخلصين له الدين أن ينجيهم، فمن طبيعة البشر أن يعود إلى القوة التي يُمكنها أن تدفع عنه المصيبة التي نزلت به، ومَنْ خرج عن هذه الطبيعة، فقد يخرج عن الطبيعة أُناس كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون: ٧٦] قد يخرج ناس عن هذه الطبيعة الفطرية فتصيبه المصائب والنكبات والعذاب، ولكن قلبه يكون قاسيًا لا يتأثر نسأل الله العافية. قال: (ثُمَّ أَنَابَرجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه) هذا من أبعد ما يكون، تحريف لكلام الله عز وجل. ثُمَّ أَنَابَأي: رجع إلى ملكه؟! المتعيِّن أن المعنى أناب إلى الله؛ يعني عرف أن هذا الذي نزل به لأمر حدث منه، فرجع إلى الله، وأناب إليه، وأحسن التوبة، وأصلح العمل. قال: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيهذا. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِيبدأ بطلب المغفرة قبل طلب الملك العظيم الذي لا ينبغي لأحد من بعده؛ وذلك لأن زوال أثر الذنوب هو الذي يحصل به المقصود، فالذنوب في الحقيقة تتراكم على القلب وتمنعه من كثير من مصالحه، فيسأل الإنسان التخلُّص من آثار هذه الذنوب قبل أن يسأل ما يريد. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِيالمغفرة مأخوذة من (الْمِغْفَر)، وهو الذي يُوضَع على الرأس لاتقاء السهام في حال القتال، وهو شيء من حديد يُسمَّى البيضة، فهو يقي الرأس، وفي نفس الوقت يستره؛ ولهذا نقول: إن مغفرة الذنوب سترُها عن الخلق، ومع التجاوز عن عقوبتها؛ يعني أنه جامع بين معنيين هما الستر، والتجاوز عن الذنب، أي: أن الله تعالى لا يُعاقِب عليه. وَهَبْ لِي مُلْكًايعني أعطني مُلكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيلَا يَنْبَغِييعني لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي، يعني ملكًا عظيمًا لا يفكر به أحد من بعدي، فغفر الله له، واستجاب له. قال تعالى: مِنْ بَعْدِي(أي سوايَ نحو فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: ٢٣] أي سواه) يعني كأن المؤلف يقول: إن معنى قوله: مِنْ بَعْدِيأي سواي، وليس المراد من بعدي زمنًا بل لا ينبغي لأحد في زمني ومن بعد زمني، ولكن المراد بـ(البَعْد) هنا السِّوَى، واستشهد لذلك بقوله تعالى: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، ومعلوم أنه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء لكن معنى مِنْ بَعْدِ اللَّهِأي: من سوى الله. قال: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُهذه الجملة تعلُّقها بما قبلها أنها من باب التوسل لما سأل الله أن يهبه ملكًا توسل إلى الله بالاسم الذي يُناسب ما دعا به إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُوأنت في قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُيسميها العلماء ضمير الفصل، وتفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر. وقوله: الْوَهَّابُصيغة مبالغة، وذلك لكثرة هِبَات الله، وكثرة من يهبه الله. كل ما في الخلْق من نعمة فهو هِبة من الله، وما أكثر النِّعم على الإنسان نفسه، وما أكثر الإنسان الذي أنعم الله عليه؛ ولهذا جاءت صيغة المبالغة إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. قال الله تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَالفاء للسببية من وجه، وللتعقيب من وجْه آخر، أي: فبسبب دعائه وفور دعائه ليش قدرناها بسبب؟ لأن الفاء للسببية. فور دعائه؛ لأنها للتعقيب، يعني فلما دعا استجاب الله له فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَيعني ذللناها له، ذللنا الريح له، والريح الهواء. يقول: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَتَجْرِيأي تسير. بِأَمْرِهِأي: على وفق أمره. رُخَاءًأي (لينة) حَيْثُ أَصَابَيعني: (حيث أراد). وحَيْثُ ظرف متعلقة بقوله: تَجْرِييعني تجري إلى الجهة التي أرادها رُخَاءًيعني لينة في سيرها وهبوبها، لينة في طاعتها ما تستعصي، لو كانت الريح جنوبًا الآن مثلًا وهو يريد أن يذهب إلى الجنوب، يأمرها أن تهب شمالًا فتهب شمالًا ويمشي عليها. تَجْرِي بِأَمْرِهِحتى لو كان الاتجاه السائد للريح جنوبًا، وأمرها أن تكون شرقًا اتجهت شرقًا، تكون شمالًا اتجهت شمالًا، تمشي حيث أراد. وقوله عز وجل: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءًقد يقول قائل: ما الجمع بين قوله: رُخَاءًوقوله في آية أخرى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء: ٨١] للعالمين؟
والجواب: أن الجمع بينهما سهل، فهي رخاء يعني ليس فيها زعزعة، وهي عاصفة سريعة، فالمراد بالعصف في قوله عَاصِفَةًأي أنها سريعة ليست بطيئة؛ لأن غدوها شهر ورواحها شهر يعني تمشي في الصباح، ولا يأتي زوال الشمس إلا وقد قَطَعَتْ مسافة شهر، وبعد الزوال تمشي ولا يأتي الغروب إلا وقد قطعت مسافة شهر، وكيف ذلك؟ يعني هل تطير به نفسه؟ لا، قال أهل العلم: إنه يضع شيئًا كالبساط، يضعه على الأرض، ويجلس هو وحاشيته على هذا البساط، ثم يأمر الريح فتحمله، فيطير بين السماء والأرض، ومع ذلك هو رخاء، وكان المتبادر أن مثل هذا الطيران يُزعج الراكبين على هذا البساط، ولكن الله تعالى جعلها رخاء رخية كأنها لا تسير كأنهم لا يطيرون فليس فيه إزعاج، وهذا من آيات الله قال: حَيْثُ أَصَابَأي: حيثُ أراد.