تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الهمزة

درس صوتي · ١٣:٠٥

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (١)

٠٠:٠٠:٠٤

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. (...) على تفسير هذه السورة على ما تيسَّر، وهي قوله تبارك وتعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [الهمزة: ١ - ٩]. ففي هذه السورة يبتدئ الله سبحانه وتعالى بكلمة وَيْلٌ، وهي كلمةُ وعيدٍ؛ أي إنها تدلُّ على ثبوت وعيدٍ لِمَن اتَّصَفَ بهذه الصفات: هُمَزَةٍ لُمَزَةٍإلى آخره، وقيل: إن وَيْلٌاسمٌ لوادٍ في جهنم، ولكن الأول أصح. لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ(كُل) من صِيَغ العموم، والْهُمَزَة واللُّمَزَة: وصْفانِ لموصوفٍ واحدٍ، فهلْ هما بمعنًى واحد -يعني أن هُمَزَةٍولُمَزَةٍمعناهما واحد- أو يختلفان في المعنى؟ قال بعض العلماء: إنهما لفظانِ لمعنًى واحدٍ؛ يعني أن الْهُمَزَة هو اللُّمَزَة. وقال بعضهم: بل لكلِّ واحدٍ منهما معنًى غير المعنى الآخَر. وثَمَّ قاعدةٌ أُحِبُّ أن أُنَبِّه عليها في التفسير وغير التفسير، وهي أنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الكلمةُ مع الأخرى بمعنًى واحدٍ أو لكلِّ كلمةٍ معنًى فإنَّنا نتَّبع الثاني؛ أي نجعل لكلِّ واحدةٍ معنًى؛ لأنَّنا إذا جعلْنا الكلمتين بمعنًى واحدٍ صار في هذا تكرارٌ لا داعيَ له، لكن إذا جعلْنا كلَّ واحدةٍ لها معنًى صار هذا تأسيسًا وتفريقًا بين الكلمتين، والصحيح في هذه الآية: لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍأنَّ بينهما فرقًا؛ فالْهَمْزُ بالفعل، واللَّمْزُ باللِّسان؛ كما قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة: ٥٨]. الْهَمْزُ بالفعل؛ يعني أنَّه يسخر من الناس بفِعْله؛ إمَّا أن يلوي وجهه أو يعبس بوجهه أو ما أشبهَ ذلك، أو بالإشارة؛ لَمَّا يُشير إلى شخصٍ يقول: انظروا إليه، لِيَعيبه، أو ما أشبهَ ذلك. فالهمْزُ يكون بأيش؟ بالفعل، واللَّمْز باللِّسان، يعني أنَّ بعض الناس -والعياذ بالله- مشغوفٌ بعيب البَشَر؛ إمَّا بفِعْله وهو الهمَّاز، وإمَّا بقوله وهو اللَّمَّاز، وهذا كقوله تعالى: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: ١٠، ١١].

تفسير الآية (٢)

٠٠:٠٣:٣٦

{الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ} هذه أيضًا من أوصافه القبيحة، جَمَّاعٌ مَنَّاعٌ؛ يجمع المالَ ويمنع العطاءَ، فهو بخيلٌ لا يعطي، يجمع المالَ ويُعَدِّده. قيل: معنى التعديد يعني: الإحصاء؛ يعني لشَغَفِهِ بالمال كلَّ مرَّةٍ يذهب إلى الصندوق ويعُدُّ؛ يعُدُّ الدراهم في الصندوق في الصباح، وفي آخِر النهار يعُدُّها، وهو يعرف أنه لم يأخذ منه شيئًا ولم يُضِف إليه شيئًا، لكن لشِدَّة شَغَفِهِ بالمال يتردَّد عليه ويُعَدِّده، ولهذا جاءتْ بصيغة المبالغة عَدَّدَهُيعني: أكثرَ تعداده، لماذا؟ لشِدَّة شَغَفِهِ ومحبَّته له، يخشى أن يكون قد نقص، أو يريد أن يطمئنَّ زيادةً على ما سبق، فهو دائمًا يُعَدِّد المال. وقيل: معنى عَدَّدَهُأي: جعله عُدَّةً له؛ يعني: ادَّخره لنوائب الدهر، وهذا وإنْ كان اللفظ يحتمله ولكنَّه بعيد؛ لأن إعداد المالِ لنوائب الدهر مع القيام بالواجب بأداءِ ما يجب فيه من زكاةٍ وحقوقٍ ليس مذمومًا، المذمومُ أن يكون أكبر هَمِّ الإنسانِ هو المال، يتردَّد إليه ويُعَدِّده وينظر هل زاد، هل نقص، فالقول بأن المراد عَدَّدَهُأي: (...) قولٌ ضعيفٌ.

تفسير الآية (٣)

٠٠:٠٥:١٨

{يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} يعني: يظنُّ هذا الرجل أن ماله سيُخْلِده ويُبقيه، إمَّا بجسمه وإمَّا بذِكْره؛ لأنَّ عُمر الإنسانِ ليس ما بَقِيَ في الدنيا، بل عُمر الإنسانِ -حقيقةً- ما يُخَلِّده بعد موته ويكون ذِكْراه في قلوب الناس وعلى ألسنتهم، فيقول في هذه الآية: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُأي: أَخْلَدَ ذِكْره أو أطالَ عُمره، والأمر ليس كذلك؛ فإنَّ أهل الأموال إذا لم يُعرَفوا بالبَذْل والكَرَم فإنهم يُخَلَّدون لكنْ بالذِّكْر السيِّئ؛ فيقال: أَبْخَلُ مِنْ فُلان، وأَبْخَلُ مِنْ فُلان، ويُذْكَر في المجالس ويُعاب.

تفسير الآيات (٤-٦)

٠٠:٠٦:١٥

ولهذا قال: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِكَلَّاهنا يُسَمِّيها العلماء حرفَ رَدْع؛ أيْ تَرْدَع هذا القائلَ أو هذا الحاسبَ عن قوله أو عن حُسْبانه، ويحتمل أنْ تكون بمعنى حقًّا؛ يعني: حقًّا لَيُنْبَذَنَّ، وكلاهما صحيح. هذا الرجُل لن يُخْلِده مالُه ولن يُخْلِد ذِكْراه، بلْ سيُنسى ويُطوَى ذِكْرُه، وربما يُذْكَر بالسوء لعدم قيامه بما أوجبَ الله عليه من البَذْل. لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِاللام هذه واقعةٌ في جواب القَسَم المقدَّر، والتقدير: واللهِ لَيُنْبَذَنَّ في الْحُطَمَة؛ أي: يُطرَح طرحًا. وإذا قُلنا: إن اللام في جواب القَسَم صارتْ الجملةُ هذه مؤكَّدةً باللام ونون التوكيد والقَسَم المحذوف، ومِثْل هذا كثيرٌ في القرآن الكريم؛ أي: تأكيدُ الشيء باليمين واللام والنون هذا شيءٌ كثيرٌ في القرآن، والله تعالى يُقْسِم بالشيء تأكيدًا له وتعظيمًا لشأنه. وقوله: لَيُنْبَذَنَّما الذي يُنْبذ؟ هل هو صاحبُ المالِ أو المالُ؟ قد نقول: كلاهما يُنْبَذ؛ أمَّا صاحبُ المال فإنَّ الله يقول في آية أخرى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣] يُدفَعون ويُداسون بالأيدي أو بما شاء الله، وهُنا يقول: يُنْبَذ؛ أي: يُطْرَح. فِي الْحُطَمَةِوالْحُطَمَة هي التي تحطم الشيءَ؛ أي: تُفَتِّتُه وتُكَسِّره، فما هي؟ قال الله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُوهذه الصيغة للتعظيم والتفخيم. {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ} هذا الجواب؛ أي: هي نارُ اللهِ الموقَدة، وأضافها الله سبحانه وتعالى إلى نفسه لأنَّه يُعَذِّب بها مَن يستحقُّ العذاب، فهي عقوبةُ عدلٍ وليست عقوبةَ ظُلْم؛ أي: نارٌ يحرق اللَّهُ بها مَن يستحقُّ أن يُعَذَّب بها، إذَنْ هي نارُ عدلٍ وليست نارَ ظُلْم؛ لأن الإحراق بالنار قد يكون ظُلْمًا وقد يكون عدلًا؛ فتعذيب الكافرين بالنار لا شَكَّ أنه عدلٌ وأنَّه يُثْنَى به على الربِّ عز وجل حيث عامَلَ هؤلاء بما يستحقُّون. وتأمَّل قوله: (حُطَمَةُ) مع فِعْل هذا الفاعل؛ (هُمَزَة) (لُمَزَة)، (حُطَمَة) على وزنٍ واحدٍ؛ ليكون الجزاءُ مطابقًا للعمل حتى في اللفظ. نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُأي: المسجرة المسعَّرة.

تفسير الآية (٧)

٠٠:٠٩:٢٣

{الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} الْأَفْئِدَةِجمع فؤادٍ وهو القلب، والمعنى أنها تَصِل إلى القلوب -والعياذ بالله- من شِدَّة حرارتها، مع أن القلوب مكنونةٌ في الصدور وبينها وبين الجلد الظاهر ما بينها من الطبقات، لكنْ مع ذلك تَصِل هذه النار إلى الأفئدة.

تفسير الآية (٨)

٠٠:٠٩:٤٨

{إِنَّهَا} أي: الْحُطَمَة، وهي نارُ اللهِ الموقَدة عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌعلى مَن؟ على الهمَّاز اللَّمَّاز الجمَّاع للمالِ المنَّاع للخير، ولم يَقُل: إنها عليه، مع أنَّ المرجع مفرد؛ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ، لكنَّه أعاد الضمير بلفظ الجمع باعتبار المعنى؛ لأن لِكُلِّ هُمَزَةٍعامٌّ يشمل جميع الهمَّازين وجميع اللَّمَّازين. {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ} أي: مُغْلَقة؛ مُغْلَقة الأبواب، لا يُرجَى لهم فَرَجٌ والعياذ بالله، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة: ٢٠] يعني يُرْفَعون إلى أبوابها حتى يطمعوا في الخروج، ثم بعد ذلك يُركَسون فيها ويُعادون فيها، كلُّ هذا لِشِدَّة التعذيب؛ لأن الإنسان إذا طَمِع في الفَرَج وأنَّه سينجو ويُخَلَّص يَفْرَح، فإذا أُعِيدَ صارتْ انتكاسة جديدة والعياذ بالله، فهكذا يعذَّبون بضمائرهم وأبدانهم، وعذابُ أهل النار مذكورٌ مفصَّلًا في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية. إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌمُغْلَقة، تأمَّل الآن لو أنَّ -مَثَلًا- إنسانًا كان في حُجرةٍ أو في سيارةٍ اتَّقدت النيرانُ فيها وليس له مَخْرج، الأبواب مُغْلَقة، ماذا يكون؟ في حسرةٍ عظيمةٍ لا يمكن أن يماثلها حسرةٌ، هُم -والعياذ بالله- هكذا في النار، النار عليهم مؤصَدة.

تفسير الآية (٩)

٠٠:١١:٤١

{فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} أيْ: إنَّ هذه النار مؤصَدة وعليها أعمدةٌ مُمَدَّدة؛ يعني مثلما نقول: شبوك عظيمة، حتى لا يحاول أحدٌ فتحها. فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍأي: ممدودةٍ على جميع النواحي والزوايا حتى لا أحد يتمكَّن من فَتْحها أو الخروج منها. حَكَى الله سبحانه وتعالى ذلك علينا وبيَّنه لنا لا لمجرَّد أن نَتْلوها بألسنتنا أو نعرف معناها بأفهامنا، لكن المراد أن نَحْذر من ذلك، أن نَحْذر من هذه الأوصاف الذميمة: عَيْب الناس بالقول، عَيْب الناس بالفعل، الحرص على المال حتى كأنَّ الإنسان إنما خُلِق للمال لِيُخَلَّد له أو يُخَلَّد المالُ له، ونعلم أن مَن كانت هذه حاله فإنَّ جزاءه هذه النار التي هي كما وَصَفَها الله:الْحُطَمَةُ، تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، مُوصَدَةٌ، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ، نسأل الله تعالى أن يُجيرنا وإيَّاكم منها، وأن يرزقنا الإخلاصَ في القولِ والعملِ والاستقامةَ على دِينه.