تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة النمل - ١٤

درس صوتي · ٨٨:٢٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل: ٨٢]. قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: ٧٦]. أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: يَقُصُّوالقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ [النمل: ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه. الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم. الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد. كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك. وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا [الكهف: ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَوالاختلاف رحمة ولا شر؟ طلبة: شر. الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك. طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟ الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه. طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟ الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود. ثم قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٧٧]. يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به. الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: لِلْمُؤْمِنِينَ. الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: هُدًى لِلنَّاسِفي وصف القرآن هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: ١٨٥]. والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: هُدًى لِلنَّاسِبمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر. الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به. الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟

فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه. طالب: الفائدة؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: (...).

الشيخ: فائدة الإيمان؟ الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟ الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [النمل: ٧٨]. يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ. ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل. الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: بِحُكْمِهِفإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل. الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة. ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين. طالب: (...). الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح. يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح. الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: الْعَلِيمُلأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم. وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟ إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟ الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟ طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم. الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟ العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات: ٢٩] قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الذاريات: ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [النمل: ٧٨]. قال الله تعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: ٧٩]. يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله. الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟ ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك. والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي صلى الله عليه وسلم، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل. الفائدة الخامسة: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان مسلكه الحق المبين: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِفهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين. الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]، ويقول: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْحدانا وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] واضح؟ وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» . فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم. الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: الْمُبِينِ. الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل. وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول:

أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا

.....................

ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟

طالب: بقوة. الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَىفلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد. إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [النمل: ٨٠، ٨١]. في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به. الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون. ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ» ، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» . فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» ، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح. ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» . وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم. ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون. يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى؟

نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن. يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله. طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟ الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام. الطالب: (...). الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع. طالب: ما هو بأخص بالدعوة. الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة.

طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر. الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به. طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟ الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم. الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟ الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟ طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام.. الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا. بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟ ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز. فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه. طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة.. الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال. الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ. الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا. الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال. وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك. ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه. الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ. الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية. ما هي الهداية المثبتة؟ طلبة: هداية الدلالة. الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول صلى الله عليه وسلم والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا. ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم. والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى. والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ. والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة. الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا. والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع. الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: فَهُمْ مُسْلِمُونَ، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟ طلبة: ما يستلزمه. الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ» ، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام. كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك. والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم. القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين. الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟ طالب: بندرة. الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا» ، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر. طالب: لا يدخل الجنة (...). الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه. الطالب: ما الفرق (...)؟ الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله. الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟ الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا. طالب: (...). الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام. الفائدة الثالثة عشرة: قوله: بِآيَاتِنَاتفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧] هذه أيش هي؟ طلبة: كونية. الشيخ: كونية، وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأحقاف: ٧] هذه الآيات الشرعية. ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله. والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).

تفسير الآيات (٨٢-٨٦)

٠٠:٤٤:٢٣

{وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل: ٨٢]. إذا وقع عليهم القول يقول المفسر: (حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار)، وهذا تفسير منه على أن الضمير في قوله: عَلَيْهِمْيعود إلى كفار مكة، ولهذا احتاج أن يقول: (في جملة الكفار) لأجل التوطئة لما بعده أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ. ويجوز أن يكون الضمير عائدًا إلى جميع الناس؛ أي: إذا وقع القول على الناس، ولا يكون المراد بالقول هنا القول بالعذاب، بل يجوز أن يكون المراد به: القول بانتهاء الدنيا، وتحمل الآية على الدابة التي تخرج في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة. وقوله: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِنكرها؛ لأنها غير معروفة فكأنها دابة منفردة في نوعها. وقوله: دَابَّةً مِنَ الأَرْضِهل هي متعلقة بـ(دابة) أو بـ(أخرجنا)؟ الظاهر أنها متعلقة بـ(دابة)؛ يعني: أخرجنا لهم دابة من الأرض لا من السماء. وقوله: تُكَلِّمُهُمْيعني: تكلم الناس، والكلام هنا بمعنى الحديث قال: (أي: تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية)، يجوز أن تكون بالعربية أو بغيرها، على كل حال أنها تكلم الناس بكلام يعرفونه، هذا هو المتبادر من الكلام. ويرى بعض المفسرين أن المراد بالكلام هنا الجرح، تكلمهم؛ يعني: تجرحهم، أي: تخمشهم بأظفارها. قالوا: لأن الكلم يأتي بمعنى الجرح كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَثْعَبُ دَمًا» ، ولكن هذا القول ليس بصحيح؛ لأن الأصل في الكلام هو النطق، ولا معنى لكونها تجرح الناس، لكن تكلمهم بماذا؟ قال: (من جملة كلامها عَنَّا أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا) إلى آخره. قوله: (من جملة كلامها عَنَّا) أي: أنها تقول على لسان الله؛ لأن قوله: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَلا يستقيم أن يكون من كلام الدابة عن نفسها؛ إذ إنها -أي: الدابة- ليس لها آيات يجب الإيقان بها، وإنما الآيات التي يجب الإيقان بها لله، ولهذا يقول المؤلف هنا: (عَنَّا أَنَّ النَّاسَأي: كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم) أي: تكلمهم بهذا الكلام كَانُوا بِآيَاتِنَا. استفدنا من كلام المؤلف (وعلى قراءة فتح): أن الأصل الذي فسره بالكسر (إن الناس)، تكلمهم إن الناس يكون هذا مبتدأ الكلام، وعلى قراءة الفتح يكون على تقدير حرف الجر؛ أي: بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون.

وقول المؤلف: (إن المراد بالناس كفار مكة) هذا فيه نظر ظاهر، بل إن المراد بالناس الموجودون في ذلك الوقت، الذين وقع عليهم القول فأخرجت لهم الدابة تنذرهم، وأما كونه يقال: إن كفار مكة لا يوقنون، فلا حاجة إلى إخبارها عنهم، إخبار القرآن عنهم، أوكد من إخبار هذه الدابة عنهم، فكلام المؤلف هنا فيه نظر ظاهر، وليس بصواب أبدًا بل هو خطأ، فهي تكلم من؟ الناس الذين وقع عليهم القول حين خروجها تحذرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، هذا ما مشى عليه المؤلف وأكثر المفسرين على أن كلام هذه الدابة: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَولهذا احتاج إلى تقدير (أن). لكن ابن كثير استبعد هذا القول وقال: إنها تكلمهم تحدثهم بحديث مستقل ما بين في القرآن. ويكون قوله: أَنَّ النَّاسَأو {إِنَّ النَّاسَ} هذا تعليل لقوله: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً، يعني: فليست الدابة هي التي تقول للناس: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ؛ لأن هذا القول لا يمكن أن تنطق به الدابة؛ إذ إنه لا يصح أن يكون إلا من الله؛ لهذا أنكر هذا القول، مع أن ابن جرير رحمه الله تعالى اختاره، لكنه هو على أنه مختصر لابن جرير أنكر هذا، وقال: إنها تكلمهم بكلام لم يُبيّن، وأن قوله: أَنَّ النَّاسَأو {إِنَّ النَّاسَ}، بالفتح أو بالكسر الجملة تعليل؛ لقوله: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ. وقوله: بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَأيش معنى لا يوقنون؟ يقول: أي: (لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب)، وتفسير الإيقان بالإيمان فيه قصور، لكنه تقريبي؛ لأن الإيقان أبلغ من الإيمان وأخص منه، فهو درجة عالية أعلى من الإيمان، ولهذا يقال: أيقنت بكذا، أبلغ من قولك: آمنت به. وهذه الدابة أولًا نبحث فيها: هل هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان، والتي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة، أو دابة أخرى؟ يرى بعض العلماء أنها هي الدابة التي تكون في آخر الزمان. ويرى آخرون: أنها دابة أخرى، ولهذا جاءت في الحديث معرّفة، وجاءت هنا منكّرة، فيقال: دابة والله أعلم بها، هل هي التي تكون من أشراط الساعة، أو أنها دابة مستقلة؟ لأننا لو نعلم أن الحديث بعد هذه الآية لقلنا: إن الدابة في الحديث للعهد الذهني؛ يعني: الدابة التي عرفتموها وتحدث الله عنها، وحينئذٍ تكون الدابة هنا هي الدابة هناك، ولكننا لا نعلم، ولهذا التوقف أوْلى هل هي هي أو غيرها؟ ثانيًا: هذه الدابة مبهمة من حيث المكان أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ، لكن من أي مكان تُخرج؟ وردت أحاديث، لكنها ضعيفة أنها تخرج من مكة من أجياد ولا من الصفا ولا من مكان آخر، المهم أنها تخرج من مكة، ولكنها أحاديث ضعيفة لا يعتمد عليها في العقيدة. ثم هل هي تُخرج حقيقة من الأرض، تنشق عنها الأرض تخرج سواء من مكة أو غيرها، أو أن المراد بالإخراج هنا: إبرازها وإظهارها، وأنها دابة يعني كغيرها من الدواب، ثم تتبين بما يحصل لها من النطق، ويكون هذا كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ» ؛ لأن السباع في آخر الزمان تكلم الإنس. هذه أيضًا محل توقف، ولذلك هذه الدابة نكرة لفظًا أيش بعد؟ ومعنى؛ يعني: نحن ما نعرفها تمامًا، وما وصفت بالقرآن أو بالسنة أوصافًا بحيث يجزم الإنسان بها. البحث الرابع: هذه الدابة هل هي من جنس الدواب، أو أنها دابة معينة على شكل معين؟ تكلموا فيها كلامًا طويلًا في هذا، وكل ما ذكروا إنما هو مأخوذ عن بني إسرائيل، ولا يمكن أن يصدق، غاية ما هنالك أنه يُذكر يحدّث به ولا يصدّق ولا يكذب، ولا يُعتمد عليه في العقيدة، ذكروا عن آذانها وذكروا عن عينها وعن رجلها، أشياء غريبة جدًّا. طالب: مثل الدجال. الشيخ: إي، المهم أننا نقول: نُبهم ما أبهمه الله، ولا نعين ما لم يُعينه الله ورسوله، وحسبنا أن نؤمن بأنه إذا وقع القول على الناس فسوف يُخرج الله لهم دابة من الأرض تحدّثهم، وتكون هذه الدابة آية على أن العذاب قد قرُب وقوعه منهم، هذا غاية ما يُستدل به من هذه الآية أو يُستدل عليه من هذه الآية. إذن: يكون قوله: أَنَّ النَّاسَأو {إِنَّ النَّاسَ}. ليس من قول الدابة على هذا التقدير، بل هو من قول الله تعليل لقوله: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةًيعني: يخرجها لأن الناس كانوا. وعليه فيكون مطابقة هذا التعليل للشرط في قوله: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْيكون مطابقته مطابقة السبب شو له؟ للمسبب، إذا كانوا لا يوقنون حينئذٍ وقع عليهم القول، وحينئذٍ أخرجت الدابة. طالب: ذكرت قول المفسر أنه ذكر أَنَّ النَّاسَمن كلام الدابة، وقلتم إنه على لسان الله (...). الشيخ: لا، يعني: عن الله، على لسان الدابة. الطالب: طيب. هنا قوله: مِنَ الْأَرْضِيختل المعنى إذا تعلق بالدابة (...). الشيخ: إي، يختلف المعنى، إذا قال: أخرجنا لهم دابة من الأرض، يمكن أن يكون ملكًا ينزل ويخرج من الأرض، ينزل بالأرض ثم يخرج منها؛ لأنه ما عيّن من أين يكون هذه الدابة، وأما إذا قلنا: دابة من الأرض فتتعين أن تكون من دواب الأرض. طالب: يمكن أن نقول مثلًا: أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةًيعني كيس، وأنها تكلمهم بمعنى تكلفهم، ويكون المعنى: أن تسليط هذا النوع من الدابة (...)؟ الشيخ: هذا بعيد، ولا يمكن أن يقال.. الطالب: يعني أن الناس.. الشيخ: أقول: يمكن يقال: إنهم إذا لم يوقنوا بآيات الله أن الله يسلط عليهم السباع تأكلهم وتجرحهم، لكن هذا بعيد، ولا رأيت هذا من كلام السلف، بل هو من كلام المتأخرين. قال: تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ. قوله: بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ. المراد بالآيات هنا الكونية والشرعية، لكن الكونية، ألم يوقن بها الكفار؟ لكنه إيقان لم ينفعهم، والشيء الذي لا ينفع يصح أن يُنفى لعدم الانتفاع به. قال: (وبخروجها) بخروج الدابة (ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر) لماذا؟ لأنه قد وقع عليهم القول، وإذا صح هذا التفسير، فإن معنى ذلك أن هذه الدابة من أشراط الساعة؛ لأنه لا يكون الأمر كذلك إلا في آخر الزمان بعد أن «يَنْزِل عِيسَى وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ سَبْعَ سِنيِنَ، لَا يَحْصُلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَتَقْبِضُ نَفْسَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ» . فهذا إذا كان هذا الذي فهمه المؤلف من هذه الآية بهذا الأمر، فإن هذه الدابة يكون خروجها بعد عيسى بن مريم؛ لأنه بعد ذلك يقول المؤلف: (أنه لا يؤمن كافر، ولا يؤمر بمعروف، ولا ينهى عن المنكر). ولكن موقفي في هذا أن أقول: الله أعلم؛ يعني أن هذه المسألة من مسائل الغيب التي يتوقف الإنسان فيها إلا على ما يفيده ظاهر القرآن. فنقول: إيماننا بهذا أن نقول: إنه إذا وقع القول على الناس باستحقاق العذاب أخرج الله لهم هذه الدابة التي تكلمهم، ولا نزيد على هذا، ولا نقول: ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا نقول: إنه لا يؤمن كافر؛ لأن ذلك أمر يحتاج إلى توقيف. ثم قال: (كما أوحى الله إلى نوح عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ[هود: ٣٦]، وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًاجماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَاوهم رؤساؤهم المتّبعون {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: ٨٣]؛ أي: يجمعون برد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون). قال: (واذكر يوم)، يستفاد من هذا التفسير أن يوم ظرف، وأن عامله محذوف، التقدير اذكر يوم، وهذا التركيب له نظائر في القرآن، ويكون تقديره على هذا كما قدر المؤلف هنا. وقوله: نَحْشُرُبمعنى (نجمع). وقوله: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًاالأمة: هي القبيلة أو الطائفة الكبيرة من الناس، والفوج أقل منهم، ولهذا يقول المؤلف: (وهم رؤساؤهم المتّبعون). وقوله: فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ(من) هذه لبيان الجنس؛ أي: فوجًا من المكذبين بآيات الله الكونية والشرعية أو إحداهما. (وهم) أي: الفوج (رؤساؤهم المتّبعون)، فهم يحشرون فيجمعون، ثم بعد ذلك يوزعون. والوزع: بمعنى (المنع)؛ أي: يُحبس أولهم حتى يجتمع به آخرهم، ولهذا قال: (برد آخرهم إلى أولهم) فيكونون زمرة واحدة (ثم يساقون) إلى الله تبارك وتعالى. فإذا (جَاءُوامكان الحساب قَالَالله تعالى لهم: أَكَذَّبْتُمْأنبيائي بِآيَاتِي). طالب: الوزع ما معناه؟ الشيخ: الوزع بمعنى الجمع من باب الشيء إذا.. الطالب: بمعنى (...). الشيخ: يمكن يأتي بمعنى (...)، إلا هنا بمعنى الجمع؛ يعني يجمع الأول إلى الآخر. قال: (أَكَذَّبْتُمْأنبيائي بِآيَاتِي) المؤلف قال: (أنبيائي)، يشير بذلك إلى أن مفعول كذبتم محذوف، وأن بِآيَاتِيحال من أنبيائي، ولكن هذا التقرير لا معنى له ولا داعي له؛ لأن التكذيب دائمًا يقع معموله مُعدّى بالباء، كذب بآيات الله، ما هو قال: كذب أنبياء الله بآيات الله؟ بل كذب بآياتي، والتكذيب هنا مضمّن معنى الجحد، فعليه نقول: لا حاجة إلى تقدير المؤلف أنبيائي، بل نقول: بآياتي جار ومجرور متعلق بكذبتم. أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِييعني: أنكرتموها وجحدتموها. (وَلَمْ تُحِيطُوامِن جهة تكذيبكم بِهَا عِلْمًا) إلى آخره. وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَاشوف المؤلف كيف حلها (مِن جهة تكذيبكم بِهَا عِلْمًا) والإحاطة بالشيء بمعنى إدراكه من جميع الجوانب، وأصله مشتق من الحائط؛ لأنه يحيط بالمكان، فمعنى أحاط بالشيء: أدركه من جميع جوانبه. المؤلف فسر هنا الإدراك من جهة تكذيبهم؛ أي: أنكم كذبتم من غير أن يكون لديكم علم بالتكذيب؛ كذبتم بلا علم، ولكن يحتمل معنى آخر: أنكم كذبتم بالآيات قبل أن تدركوها، فيكون من البِدار بالشيء قبل أن يدركه. كما قال ابن القيم:

إِنَّ الْبِدَارَ بِرَدِّ شَيْءٍ لَمْ تُحِطْ

عِلْمًا بِهِ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ

الآن لدينا تفسيران: أحدهما: أن قوله: وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا؛ أي: من جهة تكذيبكم، والمعنى على هذا: أنكم كذبتم بدون علم، فهمتم هذا المعنى، وهو الذي مشى عليه المؤلف، قال: (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَامن جهة تكذيبكم)، الآن إذا أتاك رجل بخبر وقلت: كذبت؛ لأن فلانًا الذي أخبرت به هو موجود عندي في تلك الساعة، الآن كذبت بعلم ولّا بغير علم؟ طلبة: بعلم. الشيخ: بعلم؛ يعني مثلًا قال لك: إن فلانًا رأيته في بُريدة مثلًا أمس، فقلت له: كذبت، فلان أمس عندي، فهنا كذبت بعلم، مفهوم؟ فإذا قال: رأيت فلانًا في بريدة أمس فقلت له: كذبت وأنا ما أدري، فقد كذبت بلا علم. الآن المؤلف ويش يقول؟ يقول: (من جهة تكذيبكم بها)؛ يعني: أنكم كذبتم بغير علم. فيه رأي آخر يقول: لا لَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا؛ يعني أنكم كذبتم بها من غير روية ومن غير تأمل، هذا المعنى؛ يعني أنكم رددتموها من أول وهلة، فيكون كقوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ١١٠]، الفرق بين المعنيين ظاهر الآن، الفرق بينهما ظاهر والأقرب المعنى الثاني؛ لأن قوله: كذّبتم بآياتي والحال أنكم لم تحيطوا بها علما أبلغ من كونهم كذّبوا بعد أن ترووا، ولكن لم يجدوا لتكذيبهم دليلًا، فهم كذبوا من غير تروٍ، بل إنهم في الحقيقة وخصوصًا الرؤساء منهم يعلمون أن ما جاءت به الرسل فهو الحق، ولكن كذّبوا بشيء مثل ما قال الله: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس: ٣٩]، كذّبوا بشيء لم يحيطوا بعلمه، بل من أول وهلة، وهذا أشد في اللوم عليهم، فعليه الاستفهام في قوله: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي [النمل: ٨٤]، ويش هو له؟ للتوبيخ، الاستفهام للتوبيخ واللوم؛ لأن من كذب بالشيء بعد دراسته والإحاطة به، ثم يتبين له الكذب هذا ما يلام عليه، لكن من كذب لأول مرة بدون أن يحيط به علمًا، فهو دليل على أنه ليس بقابل إطلاقًا للحق. قال تعالى: أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. يقول: (أَمَّافيه إدغام ما الاستفهامية) وين هو الإدغام؟ في أم التي للإضراب، وأصله أم بمعنى بل، ثم أدغم إحداهما في الأخرى.

(وذَاموصول أي: ما الذي كُنتُمْ)، ويجوز أن نجعل (ذا) مركبة مع (ما)، وتكون ماذا كلها اسم استفهام، ولكن ليس هذا في كل مكان يجوز هذا وهذا، إنما في مثل هذا التركيب يجوز أن نجعل (ماذا) اسم استفهام جميعًا، وأن نجعل (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا؛ أي: ما الذي كنتم تعملون؟ وعلى هذا التقدير الأخير: يجب أن نقدر ضميرًا في قوله: تَعْمَلُونَ، ليكون عائدًا إلى اسم الموصول، وعلى الأول لا حاجة لذلك، ونجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا لـ (تعملون). طالب: (...). الشيخ: لا، أصل (أم) منقطعة عن هذا، يعني (أم) لحالها مكتوبة وحدها، لكن أدغمت فبنيت.. الطالب: (...) تجمع أم ماذا هنا لا تجمع. الشيخ: لا (...) هي لا بد أن (ما) اسم استفهام على كل حال، لكن هل تقدر (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا وتحتاج إلى عائد يعود على الموصول في تعملون، أو نقدر (ماذا) جميعًا على أنها اسم استفهام. الطالب: إعراب (...)؟ الشيخ: لا، نقول: (أم) هذه حرف عطف بمعنى (بل)، والهمزة للاستفهام، نظيرها في القرآن: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢١٩] فيها قراءتان: {قُلِ الْعَفْوُ}، وقُلِ الْعَفْوَ. كيف نعرب (ماذا ينفقون) على قراءة الرفع {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُ}؟ طالب: ينفق العفو. الشيخ: إي، لكن كيف نعرب (ماذا) على قراءة الرفع؟ نعرب (ماذا): (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، لأجل إذا قلت: (ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، صارت (ما) مبتدأ، و(الذي) خبره، والكل منهما مرفوع، ثم يأتي: قُلِ الْعَفْوَ؛ لأن الجواب مطابق للسؤال؛ أي: العفو الذي ينفقوه. أما على قراءة النصب قُلِ الْعَفْوَفيتعين أن تجعل (ماذا) كلها اسم استفهام، مفعول مقدم لـ(ينفقون)؛ لأجل أن تكون مطابقة للجواب؛ لأن الجواب منصوب فيكون السؤال كذلك منصوبًا، وهذا هو الذي يبيّن لك الفرق بين الإعرابين، وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. نقول: على هذه القراءة يجب أن نُعرب (ماذا) اسم استفهام مفعولًا مقدَّمًا لـ(ينفقون)، ويش لأجل؟ لأننا نعرف أن الجواب يكون مطابقًا للسؤال، فإذا كان السؤال منصوبًا كان الجواب منصوبًا، على قراءة الرفع قُلِ الْعَفْوُ، نجعل (ما) استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبرها؛ يعني: ما الذي ينفقون؟ فيكون التقدير: الذي ينفقونه العفوُ، وتكون مرفوعة. طالب: (...). الشيخ: أيهم؟ الطالب: ماذا ينفقون. الشيخ: محذوف الذي ينفقونه. طالب: (...) الآية ما نحتاج إلى ضمير؟ الشيخ: إذا جعلناها اسمًا موصولًا، التقدير: ماذا كنتم تعملونه. أَمَّاذَا كُنتُمْماذا كنتم تعملون؛ يعني في الدنيا. فيكون الله تعالى وبخهم على أمرين: أمر يتعلق بالعقيدة وهو قوله: أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي. وأمر يتعلق بالعمل وهو قوله: مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَلأن مَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَهذه استفهام لإنكار ما يعملونه، فيكون في هذا توبيخًا على العقيدة والعمل، وسيكون إن شاء الله فيه فائدة مهمة لمسألة اختلف فيها الأصوليون نبحثها غدًا إن شاء الله. (وَوَقَعَ الْقَوْلُحق العذاب عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُواأي: أشركوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَإذ لا حجة لهم). وَقَعَ الْقَوْلُيعني: قول الله بالعذاب، فإن الله تبارك وتعالى يأمر بتعذيبهم إذا لم يجيبوا، وهذا السؤال -كما عرفتم- ليس سؤال استخبار واستعلام، ولكنه سؤال توبيخ وتقريع، حينئذٍ يقع عليهم القول، وهذا القول الذي وقع عليهم لم يظلموا به، ولكن هم الذين ظلموا، ولهذا قال: بِمَا ظَلَمُوا؛ أي: بسبب، و(ما) هنا مصدرية؛ يعني أن الفعل بعدها يحول إلى مصدر، فيكون التقدير: بظلمهم، وقع القول عليهم بظلمهم. وقول المؤلف: (أي: أشركوا) ينبغي أن يقول: أن نفسّر الظلم بما هو أعم من الشرك؛ لأن الله سبحانه وتعالى وبّخهم على التكذيب، وعلى العمل المنحرف، فيكون الظلم الذي حصل منهم التكذيب والجحد الذي يتضمن الإشراك، وكذلك الفسوق والعصيان الذي حصل منهم كإيذاء الرسل وغير ذلك، فالأصح أن نجعل بِمَا ظَلَمُوا؛ أي: بسبب ظلمهم ومنه الشرك. فَهُمْ لا يَنطِقُونَالفاء مفرّعة على قوله: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ؛ أي: بعد أن وقع عليهم القول استحقوا العذاب ما يستطيعون النطق، يقول المؤلف: (إذ لا حجة لهم). وهذا في آخر الأمر؛ لأنهم كانوا بالأول ينطقون ويدافعون، ولكنهم إذا رأوا أن جوارحهم شهدت عليهم حينئذٍ أمسكوا ما يستطيعون الآن، وإلا يقول الله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، فهم يقولون: ما أشركنا، ويقولون أيضًا: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٧، ٢٨] فهم يتكلمون ويدافعون عن أنفسهم، ولكن ذلك لا ينفعهم، رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة: ١٢] فالمهم أنهم يتكلمون.

فقوله هنا: فَهُمْ لا يَنطِقُونَهذا يكون الجمع بينه وبين الآيات الدالة على نطقهم، أن للقيامة أحوالًا؛ لأن يوم القيامة كم مقداره؟ مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير يكون الناطق فيه ساكتًا، ويكون الساكت فيه ناطقًا، وتتقلب الأحوال يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور: ٣٧] لما ترى، فهم في حال لا ينطقون، وفي حال ينطقون ويدافعون. ولكنهم مهما قالوا، ومهما فعلوا فإن لديهم شهودًا من أنفسهم يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤] اللسان ينطق بما قال، واليد تنطق بما فعلت، والرجل تنطق بما فعلت. وأبلغ من ذلك الجلود تشهد بما لمست، فجميع الذي فيه الإدراك والحاسة يشهد على هؤلاء بما فعلوه، وحينئذٍ ما يستطيعون أن يدافعوا، ما دام أن هذه الأشياء تشهد عليهم، إذن من يشهد لهم؟ فهم لا ينطقون. طالب: يقاس عليه العمل؟ الشيخ: الأعمال؟ الطالب: العمل.. الشيخ: يقاس في أيش؟ الطالب: فيه آيات تدل على أنه.. الشيخ: يحشرون يوم القيامة على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا. الطالب: (...). الشيخ: لا، تتغير الأحوال، المتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، ولكنهم إذا دخلوا النار يصير ضرس الواحد منهم مثل أحد والعياذ بالله. قال: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ [النمل: ٨٦]. أَلَمْ يَرَوْاالرؤية هنا بصرية ولا علمية؟ طالب: علمية. الشيخ: علمية وبصرية أيضًا، لكن كونها علمية أعم؛ لأن من أبصر الشيء علمه، وليس كل من علم الشيء أبصره، فالأعمى يرى الليل؛ يعني يعلمه، والمبصر يراه بعينه وبصيرته. والهمزة هنا أَلَمْ يَرَوْاللتقرير، تقرير هذه الرؤية التي لا ينكرها أحد. أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَفسر المؤلف (الجعل) هنا بالخلق، فيكون متعديًا بمفعول واحد، ويجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التصيير؛ يعني: أنا جعلنا الليل مظلمًا ليسكنوا فيه. ويدل على هذا قوله تعالى الذي بعده: وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاليتصرفوا فيه، ويكون حذف من كل جملة ما دل عليه المذكور في الجملة الأخرى، ويسمى هذا في علم البديع بالاحتباك. الاحتباك: أن يُذكر في كل جملة ما حُذف من الأخرى مع التقابل.

هنا نقول: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَمظلمًا لِيَسْكُنُوا فِيهِحذف من هذا (مظلمًا)، ذكر مقابله (مبصرًا)، وحُذف من قوله: وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا(ليتصرفوا فيه)، وذكر في مقابله (ليسكنوا فيه)، فيكون في الجملة احتباك. وهذا يكون استفدنا المعنى مع الاختصار، على هذا التقدير الذي ذكرنا يكون جعلنا ليست بمعنى (خلقنا)، بل بمعنى (صيّرنا) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الليل)، والمفعول الثاني: محذوف تقديره (مظلمًا). لِيَسْكُنُوا فِيهِاللام هنا للتعليل، والسكون معناه هو القرار وعدم الحركة، ولذلك كان الليل محل السكون للخلق، ولكنه بإذن الله محل عمل لخلق آخرين. الهوام والسباع ما تعمل إلا في الليل؛ لأنها تختفي في النهار إما خوفًا من الناس، وإما رحمة من الله عز وجل بالخلق؛ لأنه لو كانت هذه السباع وهذه الهوام تفترش بالنهار أتعبت الناس، ولكنها -والحمد لله- ما تظهر إلا بالليل، إذا سكن الناس بدأ عملها بالتناوب، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق أن يكون هذا التبادل ليعيش الناس بسلام، حتى هي أيضًا أزين لها إذا كان ما تعيش إلا بالليل آمن لها، ما تعارض. فهنا المراد بالسكون؛ يعني الآدميين ومن أشبههم ممن سكونهم الليل، ولهذا كان الإنسان إذا أراد الصحة فليكن الليل سكنًا له، ولا سيما أول الليل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَكْرَهُ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ . وقد ذكروا أن نوم الليل الساعة منه تقابل ساعات من النهار، هذه الثروة السكونية التي أضعناها الآن بما لا نفع فيه، بل بما فيه ضرر الآن، الآن الناس يعكفون على مشاهدة التلفزيون إلى نصف الليل تقريبًا، بينما إنه في الدول الغربية مع الأسف الشديد الكافرة الملحدة لا يتجاوز الساعة التاسعة من الليل، الساعة التاسعة مغلق التلفزيون؛ لأنهم يعلمون (...) وعلى عمّالهم، وعلى مثقفيهم، فهم لا يريدون الضرر بالأمة، يقولون: إذا أبقيناه إلى ما بعد التاسعة سهر الناس عليه، وكان في ذلك إنهاك للعمال، وكان في ذلك إهمال للطلبة، فلذلك نحن نغلقه من الساعة التاسعة حتى ينام الناس، وحتى لا نكون نحن تسببنا الناس في إرهاقهم. وحدثني بذلك عدة أناس من الذين جاؤوا من أوروبا، يقولون: أبدًا، ما يمكن يتجاوز الساعة التاسعة، اللهم عاد (...) إلا في الأشياء النادرة، لكن هذا هو برنامجهم. نحن الآن مع الأسف الشديد يقولون: إنه يبقى إلى فوق الثانية عشرة؛ يعني الثانية عشرة نصف الليل..، هذا مع ما يتطلب من الناحية الاقتصادية، كم يستهلك الناس من الكهرباء في هذه الساعة؟ تلفزيوناتهم، وكذلك أيضًا في أنوارهم؛ لأن المكان لا بد له من نور، يستهلك نور، يستهلك كهرباء في التلفزيون، كم يكلّف العالم؟ وكم يرهق المعدات أيضًا؟ هذا بقطع النظر عن المفاسد الأخرى البدنية، ولكن العبرة بمن بصّره الله تبارك وتعالى، فمثل هذا المسؤول الآن راعي البيت، أنه إذا كانت مثلًا الساعة التاسعة يأمر أهله بالنوم ويغلقه. طالب: أو يكسره. الشيخ: لا، الكسر لا (...) والنبي عليه الصلاة والسلام كَرِهَ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، كنا نسهر إلى نصف الليل أحيانًا أو إلى أكثر، وليس ليلة طارئة؛ حتى نقول: العوارض عوارض، بل هي دائمًا في الغالب. هؤلاء الذين يسهرون إلى ما بعد نصف الليل: أولًا: ربما لا يقومون لصلاة الفجر، وإذا قاموا نصفهم نوم يؤدونها بكل كلافة ومشقة، أو ينامون يمكن في نفس المسجد أو في نفس الصلاة، ثم إذا رجعوا إلى بيوتهم ينامون إلى متى؟ طلبة: الظهر. الشيخ: إلى الظهر؛ يعني: أول النهار اللي هو محل البركة، ومحل العمل يضيّع، والليل اللي هو محل السكون يضيّع السكون فيه، وهذا من نقص الوعي في المسلمين، هذا بالحقيقة يعتبر نقص وعي للمسلمين. يقولون عن الكفار: حدثني واحد قبل أمس، يقول: إن هناك عندهم عطلة السبت والأحد، السبت لأجل اليهود والأحد لأجل النصارى، لكن يقول: (...) ليلة الاثنين من غروب الشمس، وكل في محله، ما يمكن لأجل منين يكون الصباح وإذا هو مباشر لعمله، ما يمكن يتأخرون، يقول: غريب؛ يعني العوائل يبتغون يتنزهون باليومين ها دول عاد إلى المنتزهات، لكن ما يمكن إذا غابت ليلة الاثنين، غابت الشمس ليلة الاثنين، وإذا كل إنسان في محله، يكون متهيئًا للعمل. إذا قارنت حال هؤلاء بحال المسلمين اليوم، مع أن أحوالهم هذه هي التي يجب أن تكون للمسلمين، وجدت هذا السبب اللي جعلنا نتأخر، وجعلنا في هذا الذل، وجعل كثير من شبابنا ما هم مقتنعين بأحوالنا؛ يعني بعض الشباب الآن المنحرف قد يكون له عذر، يقول: أنتم تقولون الإسلام والإسلام، وين الإسلام؟ ما شفنا شيئًا! ولكن نقول: الذنب ذنب من؟ ذنب من ينتسبون للإسلام ليس ذنب الإسلام، ذنب من يقولون: نحن أهل الإسلام، وفي أهل الإسلام من لا يعرف أركان الإسلام، صدقوني بعض الناس المسلمين الآن اللي يقولون هم مسلمون، مكتوب على هويتهم مسلم، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي، هذا موجود، ما يعرف يتوضأ ولا يصلي. إذن البيئة ويش تكون معناه؟ معنى هذا أن البيئة ما تتوضأ ولا تصلي، فأين الإسلام من قوم لا يتوضؤون ولا يصلون؟! هذا هو الذي أخّرنا، ولذلك أنا والله أحب دائمًا أن يكون لدى أهل العلم تطور في الحركة والعمل..