تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة النساء - ٤

درس صوتي · ٩١:٢٤

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

يعني اختيار مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١]؛ لأن الحظ والنصيب يفرح النفس ويبهج القلب، لكن النصف نقص وتدنٍ؛ فلهذا -والله أعلم- عدل عنه إلى مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.

قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِاختلف المفسرون في كلمة فَوْقَفما هو اختلافهم في ذلك؟

طالب: (...).

الشيخ: قيل: إنها زائدة، لا، ليست زائدة لكن ما الفائدة منها؟ أن ما زاد على البنتين فلا يزيد السهم بزيادتهن، يعني -مثلًا- الثنتان لهما ثلثان، فوق ثلثان، أربع ثلثان، لا يزيد السهم بزيادتهن.

فإن قال قائل: فالثنتان كم ميراثهما؟ كم ميراث البنتين؟

الطالب: الثلثان.

الشيخ: الثلثان؟ من أين يؤخذ والآية تقول: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ؟ السؤال عن اثنتين؟

طالب: (...).

الشيخ: يعني بس هذه في الأخوات وهذه في البنات؟

طالب: (...).

الشيخ: يزيد الفرض إذا زاد عن الواحد، كذا؟ ولا نعلم فرضًا بعد النصف سوى الثلثين، هذا وجه. الوجه الثاني؟

طالب: إذا ذكر الله عز وجل أن للبنتين ثلثان فمعلوم أن البنتين هما للميت.

الشيخ: يعني قياس أولوية؟

الثالث؟

الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعطى ابنتي سعد بن الربيع ثلثين.

الشيخ: طيب، ذكروا الميراث إذا كانوا ذكورا خلصًا، من أين يؤخذ من الآية؟

طالب: لما بين الميراث والإناث وحدهن أن الذكور على خلاف ذلك يكون لهم المال بالسوية.

الشيخ: إذنْ البنين والبنات ويسمون عند أهل العلم بالفرائض، يسمونه أيش؟ الفروع، إما أن يكونوا ذكورًا خلّصًا أو إناثًا خلّصًا أو إناثًا وذكورًا.

إذا كانوا ذكورًا خلصًا قسم المال بينهم بالسوية، إذا كانوا إناثًا خلصًا فللواحدة النصف، ولما زاد الثلثان. إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فللذكر مثل حظ الأنثيين، انتهى الكلام على الفروع.

من الوارث من الفروع؟ نرجع للضوابط السابقة، كل من ليس بينه وبين الميت أنثى، فالابن والبنت من الفروع، وابن الابن وابن ابن الابن كذلك، وبنت الابن كذلك، وبنت ابن الابن كذلك، وابن البنت؟ لا، لا يرث، لماذا؟ لأن بينه وبين الميت أنثى، والقاعدة: أن كل واحد من الفروع بينه وبين الميت أنثى فلا ميراث له.

الأبوان وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُمن المراد بالأبوين؟ الأب والأم، ماذا يسمى مثل هذه الصيغة؟ يسمى التغليب، غلبنا جانب الأب على جانب الأم فقلنا: وَلِأَبَوَيْهِ.

قوله: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُهذا بدل بإعادة حرف الجر العامل، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَلكن بشرط أن يكون له ولد، وكلما ذكر الولد فالمراد به الفرع الوارث وهو: الولد والبنت وولد الابن وولد ابن الابن وإن نزل، من كل من ليس بينه وبين الميت أنثى.

لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌفإذا هلك هالك عن أب وأم وابن، فللأم السدس، وللأب السدس، والباقي للابن.

ولو هلك هالك عن بنت وأم وأب، فللبنت النصف، وللأم السدس، وللأب السدس؛ لأن الله قال: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌأعطينا أصحاب الفروع فروضهم الآن، وبقي معنا أيش؟ سدس من نعطيه؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ألحقنا الفرائض بأهلها، وأعطينا البنت نصيبها، والأم نصيبها، والأب نصيبه، بقي واحد من ستة بحثنا في هؤلاء الورثة من الذي يصدق عليه أنه أولى رجل ذكر؟ الأب، فنعطيه الأب تعصيبًا فنقول: للأب السدس فرضًا والباقي تعصيبًا، هذا ما تدل عليه الآية الكريمة مع الحديث، واضح الآن؟

إذنْ ميراث الأبوين السدس مع الولد وهو الفرع الوارث، كذا؟ ثم إن كان الولد ذكرًا فليس للأم والأب سوى السدس لكل واحد، وإن كان أنثى أعطيناها فرضها، فإن بقي شيء بعده فهو للأب تعصيبًا.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌأي: لم يكن له فرع وارث لا ابن ولا ابن ابن ولا بنت ابن ولا بنت، لم يكن له ولد وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُإن لم يكن له ولد، هذا شرط، الشرط الثاني: وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ، والجواب: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، وكم للأب؟ الباقي؛ لأنه إذا كان المال بين شخصين وفرض لأحدهما فالباقي كله للآخر.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُالآن حصر الإرث في الأبوين، فلأمه الثلث، والباقي للأب، من أين عرفنا أن الباقي للأب؟ لأن الله قال: وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُوأعطى أمه الثلث، فيكون الباقي للأب بالضرورة، فعرفنا الآن إذا هلك هالك عن أم وأب وليس معهما ولد ولا غيرهما، يعني ليس معهما أحد؛ لا ولد ولا إخوة ولا زوج ولا زوجة فلأمه الثلث.

هل هذا ماشٍ على قاعدة الفرائض؟ نعم، ماشٍ على قاعدة الفرائض؛ لأن قاعدة الفرائض: إذا كان الوارثان ذكرًا وأنثى من جنس وفي مرتبة واحدة فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، انظر: ابن وبنت، أخ شقيق وأخت شقيقة، أخ لأب وأخت لأب، عم وعمة، ما يصلح، لماذا؟ لأن العمة من الحواشي، ولا يرث من الحواشي من الإناث إلا الأخوات.

وقوله تعالى: وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُانحصر الإرث قلنا: في الأبوين، يكون للأم الثلث، فماذا لو كان مع الأبوين زوج أو زوجة هل للأم الثلث؟ نقول: الآية الكريمة تدل على أنه ليس لها ثلث، فماذا يكون لها؟ ننظر في الموضوع، لو هلك هالك عن زوج، امرأة هلكت عن زوجها وأمها وأبيها، ليس في المسألة ولد، صح؟ هلكت عن زوجها وأمها وأبيها، انحصر الإرث في ثلاثة أشخاص، فلننظر: للزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وللأب الباقي، لماذا صار للأم ثلث الباقي؟

نقول: لأن الأم والأب ورثا ما بقي بعد الزوج، وقد قال الله تعالى: وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُفكأن الأبوين ورثا نصف المال -نصف المال يعني: الذي هو الباقي بعد الزوج- فيكون للأم ثلثه، يعني: نجعل الباقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، فإذا جعلناه كأنه المال كله، فإن للأم الثلث، وهذا واضح جدًّا، فنحن نجعل ما بقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، ومعلوم بنص القرآن أن الأم والأب إذا ورثا المال كله فللأم الثلث، فيكون لها ثلث الباقي.

وحينئذٍ لو سألنا السائل: هل هذه القسمة مخالفة للنص؟ لقلنا: لا، بل هي موافقة للنص، ووجهها ما قلت لكم.

مثال آخر: هلك رجل عن زوجة وأم وأب، كم للزوجة؟ الربع، وبقي ثلاثة أرباع: للأم ثلث الباقي، وللأب الباقي؛ لأن الزوجة لما أخذت نصيبها صار الباقي بعد فرضها كأنه المال كله، والأم والأب إذا ورثا المال كله صار للأم الثلث، وعلى هذا فللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجة، والباقي للأب، وهذا مقتضى النص القرآني الذي معنا.

هاتان المسألتان: زوج وأم وأب، وزوجة وأم وأب تسميان: العمريتين والغرَّاوين، العمريتين؛ لأن أول من قضى بهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ لم توجد هذه الصورة لا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا في عهد أبي بكر، هاتان الصورتان وجدتا في عهد عمر رضي الله عنه، فقضى بهما على هذا النحو قضاء موفقًا للصواب بلا شك، فسميتا بالعمريتين، وسميتا بالغرَّاوين؛ لأنهما في الفرائض كالغرة في وجه الفرس لظهورهما وبيانهما واشتهارهما، أظن المسألة واضحة الآن، فصار للأم والأب السدس مع وجود الولد، وللأم ثلث الباقي في زوج وأبوين وزوجة وأبوين.

قال: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌهذا معطوف على قوله: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِيعني: حين إرثه أبويه له، فَإِنْ كَانَو(الفاء) هنا عاطفة تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، للترتيب تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، فإذا ورث الرجلَ أبواه وكان له إخوة فلأمه السدس.

إخوة ذكور أو إناث؟ يشمل إخوة ذكور أو إناث، أشقاء أو لأب أو لأم؟ يشمل أشقاء أو لأب أو لأم.

إِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُمثاله: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين، في هذا المثال له إخوة أو لا؟ كم تعطى الأم؟ تعطى السدس، والباقي للأب، لماذا فرضنا للأم السدس؟ لوجود جمع من الإخوة، ولماذا لم نفرض للأب السدس؟ لعدم الفرع الوارث، فنقول: للأم السدس والباقي للأب، والإخوة؟ الإخوة يسقطون، يسقطون بإسقاط النبي صلى الله عليه آله وسلم لهم، حيث قال: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، ألحقنا الفرائض الآن بأهلها، من صاحب الفرض في هذه المسألة؟ الأم، أعطيناها نصيبها، بحثنا وقارنا بين الأب والإخوة وجدنا أن الأب أولى؛ لأن الميت بضعة منه، فقلنا: الباقي للأب، واضح يا جماعة؟

إذا كان له إخوة وورثه أبواه فلأمه السدس، فإن قال قائل: كيف يحجب الإخوة وهم محجوبون؟ نقول: نعم، يحجبون غيرهم وهم محجوبون؛ لأن حجبهم هنا لوجود المانع لا لفوات الشرط، انتبه، حجبهم هنا لوجود المانع، من الذي منعهم من الإرث؟ الأب، لا لفوات الشرط فهم من أهل الإرث، يعني: ليس فيهم مانع من موانع الإرث حتى نقول: إن هؤلاء ليسوا مستحقين بالأصل من الميراث، نقول: هم مستحقون لولا وجود المانع؛ فلهذا حَجَبوا وهم محجوبون.

والغريب في هذه المسألة -يا إخوان- لو كان الإخوة إخوةً من أم حجبوا الأم من الثلث إلى السدس، وهذه غريبة من غرائب العلم أن يكون المدلي حاجبًا لمن أدلى به، والعادة أن الذي يحجب هو المدلى به، لكن هذه بالعكس، واضح؟ الابن يحجب ابن الابن لأيش؟ لأن الابن مدلي بالابن، ومن أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، هنا الإخوة من الأم مدلون بالأم ولم تحجبهم الأم، بل هم الذين حجبوا الأم، على العكس، ولكن مسائل الفرائض كثير منها لا مجال للرأي فيه ولا مدخل للاجتهاد فيه، أمر مسلم آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِمسلم.

انتهينا الآن من ميراث الأبوين فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُفصار ميراث الأبوين أولًا: إذا كان معهم ولد فلكل واحد منهما السدس، ثم إن كان الولد ذكرًا فليس للأب سوى السدس، وإن كان أنثى فللأب ما بقي بعد الفروض تعصيبًا.

الحالة الثانية: إذا ورثه أبواه فقط، إذا ورث الميت أبواه فقط، أي: لم يوجد وارث سوى الأبوين ولا إخوة ولا فرع وارث فما ميراث الأم؟ الثلث، والباقي للأب، ميراث الأم الثلث؛ للنص، والباقي للأب؛ لأن المال الذي بين شخصين إذا قدر لأحدهما نصيبه صار الباقي للثاني

لهذا لو أعطيتك مالًا مضاربة تشتغل فيه وقلت: لك ربع الربح، ماذا يكون لي أنا صاحب المال؟ ثلاثة أرباع؛ لأن المال بين اثنين، إذا قدر لأحدهما نصيب فالباقي للآخر.

الحال الثالثة: إذا ورث الأبوان ولدهما وله إخوة فكم للأم؟ السدس، وإن كان الإخوة غير الوارثين فللأم السدس، والباقي للأب، والإخوة يسقطون؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»

هذه الآية في حكم ميراث الفروع والأصول، وبدأ بذكر الفروع قبل الأصول، وكان المتوقع أن يبدأ بالأصول لأنهم أحق بالبر من الفروع، لكن ذكر الفروع؛ لأنهم بضعة من الميت، جزء منه، والأصول بالعكس الميت بضعة منهم، فكان الذي هو بضعة منه أولى (...) هو، أي: الميت بضعة منه.

وهذه من الحكم، وإلا كان المتوقع أن يقول قائل: لماذا لم يبدأ الله عز وجل بذكر الوالدين قبل ذكر الأولاد؟ والجواب هو هذا، فهذه الآية اشتملت على ميراث من؟ الفروع والأصول، بقي عندنا الحواشي والأزواج، ذكر الأزواج بعد هذه الآية مباشرة، والحواشي: الوارثون للفرع؛ لأن الآية الثانية الآتية خالصة لذوي الفروع ما فيها عاصب، الآية الثانية وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمإلى آخره [النساء: ١٢] هذه خاصة بأصحاب الفروض ليس بها عصبة، فيها الزوجان ومن؟ والإخوة من الأم، وكلهم أصحاب فروض؛ ولهذا قال فيها: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُإلى آخره [النساء: ١٣] وهنا لم يقل: تلك حدود الله؛ لأن هذه الآية فيها تعصيب غير محدد، والآية التي بعدها كلها أصحاب فروض، والآية الثالثة في آخر السورة فيها فروض وفيها تعصيب؛ ولهذا قال فيها: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦].

طالب: (...)؟

الشيخ: يعني مع جد واحد وأخ واحد؟ لأن الجد ليس بأخ.

طالب: (...) وأم وجد للأم الثلث (...)؟

الشيخ: إذا كان الأخ واحد فقط، أما لو كان الأخ اثنين فأكثر، يعني قُلْ: جد وأخ وأم، نقول: للأم الثلث؛ لأنه ليس عندنا فرع وارث ولا جمع من الإخوة، وهذا مما يضعف القول بأن الجد أخ؛ لأنه هنا ليس بأخ ولا يحجب الأم.

كما أنه لو كان عندنا جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، أليس كذلك؟ وفيه جدان؟ نعم، ما هما؟ الجد من الأم ليس له شيء، هذه صوَّرها العلماء فيما لو وطئ رجلان امرأة بشبهة وأتت بولد وعرض على القافة -القافة الذين يعرفون الإنسان بالشبه- وقالوا: هذا الولد لهذين الرجلين جميعًا، صار له أبوان، ولكل واحد منهما أب، فيكون له جدان، فلو كان له جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، وهذه الأدلة على ضعف الإلحاق الإخوة بالجد، أدلة كثيرة ما هي واحدة.

طالب: (...)؟

الشيخ: الأب؟ والنص إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةًمن ليس له أب ولا ولد.

طالب: (...)؟

الشيخ: في مسألة أيش؟

الطالب: (...).

الشيخ: لا لا، استدللنا بأن الباقي للأب تعصيبًا؛ لأنه أولى رجل.

(...) بِهَا أَوْ دَيْنيعني: هذا الميراث الذي قال الله عز وجل إنما يكون من بعد وصية يوصي بها، وفي قراءة: {يُوصَى} بالبناء للمجهول، أو دين.

الوصية في الأصل هي: العهد للشيء المهم، وهي اصطلاحًا: الأمر بالتبرع بالمال، بل وهي التبرع بالمال بعد الموت، هذه وصية التبرع بالمال بعد الموت أو الأمر بالتصرف بعد الموت، فهي إما بمال وإما بتصرف، فإذا أوصى رجل إلى شخص بالنظر على أولاده الصغار، فهذه وصية بمال أو بتصرف؟ بتصرف.

وإذا أوصى شخص بمئة درهم لفلان، فهذا تبرع بالمال بعد الموت، وهذا هو المراد بهذه الآية، المراد به التبرع بالمال بعد الموت.

وقوله عز وجل: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍمطلق لم يقيد، لكن دلت السنة على أنه لا يزيد على الثلث، (...) سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين عاده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة فقال له سعد: إني ذو مال –يعني: ذو مال كثير- ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قال: فالشطر؟ قال: «لا»، قال: فالثلث؟ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع -يعني- لكان أحسن ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» ولم يرخص في الثلث إلا في المراجعة الثالثة من سعد رضي الله عنه.

ويذكر أن أبا بكر الصديق قال: أرضى بما رضيه الله لنفسه ، فأوصى بالخمس، واعتمد ذلك الفقهاء فقالوا: ينبغي أن تكون الوصية بالخمس، ولكن شح الناس اليوم صاروا لا يعرفون في الوصية إلا الثلث، يندر جدًّا أن ترى شخصًا أوصى بخمس ماله. وينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس أن يقولوا للناس: الوصية بالثلث رخصة جاءت بعد مراجعة، وما دون الثلث أفضل منه.

ودل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، الشرط الأول ما هو؟ ألا تزيد على الثلث، والشرط الثاني هو: أن لا تكون لوارث، بوجه الدلالة قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تليها هذه لما ذكر (...) الإرث قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [النساء: ١٣، ١٤].

ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس فقد تعد حدود الله، فرض الله لها السدس وهو زاد على ذلك الخمس فأعطاها، فصار ميراثها الآن أكثر من السدس، وهذا تعدٍّ من حدود الله.

إذنْ نقول: الوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين هما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون للوارث.

وقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَافي كلمة يُوصِي بِهَادليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، لا بد من الثبوت، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرة المرض قد (...) ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقةً لم يوصِ بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها إلا إذا صدق الورثة وهم مرشدون بذلك، فالحق لهم والرجوع إليهم.

وقوله: أَوْ دَيْنٍالدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوجة دين، وأرش الجراحات دين، كل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال؛ لأن الله قال: أَوْ دَيْنٍ.

وهنا نسأل: هل الدين مقدم أو الوصية؟ الجواب: الدين، الدين قبل الوصية، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب والوصية من باب التبرع، يعني أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والموصي مستحب ليست بواجبة، ومعلوم أن النظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب.

فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين؟ فالجواب على ذلك: الحكمة أولًا: العناية بالوصية والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه.

وثانيًا: أن الدين له من يطالب به، يعني لو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة هل يسكت صاحب الدين؟ لا يسكت، لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها ولم يعلم بها الموصى إليه أو الموصى له ما علم بها ليس لها من يطالب؛ فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها لا ليقدمها على الدين، فالدين مقدم ثم الوصية، ثم الميراث، فإذا هلك هالك عن ورثة وكان عليه دين يستغرق نصف ماله وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة: للدين ثلاثة، وللوصية الثلث اثنان.

طالب: واحد.

الشيخ: لا إله إلا الله! لم نعلم أن ثلث الستة واحد إلا هذه الليلة!

طلبة: ثلث الباقي.

الشيخ: نعم، أحسنتم، إذنْ نقول: المأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فيكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين ثلاثة من ستة، فنعطي صاحب الوصية ثلث الباقي واحدة، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة.

هنا قدمنا الدين على الوصية، صح؟ جعلنا النص الآن على من؟ على الوصية، لولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكن الآن لم يأخذ إلا واحدًا من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية، تمام؟ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ.

طالب: قلنا: لا وصية لوارث إذا كان الابن كافرًا هل يحوز أن يرث الابن وهو كافر؟

الشيخ: سؤال هل الكافر يرث من المسلم؟

طالب: لا يرث.

الشيخ: إي صحيح، ما دام أنه لا يرث فيوصي، لكن يبقى النظر هل يجوز أن يبر الإنسان الكافر؟ يعني هل يجوز لي أنا أن أبر الكافر؟ فيه تفصيل بينه الله تعالى في سورة الممتحنة فقال تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ [الممتحنة: ٨] هذا إحسان، وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْهذا المعاملة بالعدل، ما ينهى الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل أو بالفضل بشرط أن لا يكون ممن يقاتلوننا في أيش؟ في الدين.

طالب: (...)؟

الشيخ: لا لا، ما فيه تعدٍّ؛ لأن التعصيب حق له، حق شرعي، والباقي أعطيه بالتعصيب شرعًا.

طالب: قلنا -يا شيخ-: إن مقتضى الوصية الاستحباب، أليس كذلك؟

الشيخ: نعم، يعني الوصية مستحبة.

الطالب: وقول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠] وقلنا -يا شيخ-: ظاهر الآية أنها واجبة على غير الوالدين وذوي القروض، فما الجواب؟

الشيخ: الجواب صحيح، الجواب هي واجبة، لكن واجبة للأقارب غير الوارثين، وقال أكثر العلماء –الجمهور-: إن هذه الآية منسوخة، والصحيح أنها غير منسوخة وأنها مخصصة، هذا هو الصحيح.

طالب: إذا كان الميت عليه دين للبنك العقاري هل لا بد من سداده أو (...)؟

الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: إنسان له دين مؤجل هل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟ نقول: إن وثق الورثة برهن يحرز أو كفيل ملي، فالدين باقٍ على ما هو عليه، لا يحل وإن لم يوثقوا حل الدين ووجب البيع.

طالب: (...)؟

الشيخ: والله حسب الحال، إذا كانوا غير محتاجين له، فالأفضل أن يبيعوه..

طالب: الغالب أنه إذا توفي الإنسان يسقط؟

الشيخ: يعني إذا كان مثلًا، إذا لم يسقط إذا كانوا غير محتاجين، فالأولى أن يبيعوه ليبرئوا ذممهم وذمة الميت، وإن كانوا محتاجين ننظر هل بقي عليه أقساط لم يوفها -أي على الميت- إن قيل: نعم، قلنا: لا بد أن يباع أو توفوها أنتم؛ لأن نفسه معلقة بها، وإن قالوا: لا، كل الأقساط التي حلت في حياته فقد سلمها، ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن يبقى مرهونًا للبنك ويسدد كل سنة إذا (...).

طالب: في قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىفَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨] قلنا: إن القرابة يعطون منه، وفي قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة: ١٨٠] يوصى لهم فمتى يعطون؟

الشيخ: يوصى لهم إن حضروا، لكن الذي يعطى إذا حضر ما يعطى شيئًا كثيرًا.

الطالب: (...)؟

الشيخ: ما يثقل؛ لأنهم بيعطونهم شيء قليل.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نكمل آية إرث الفروع والأصول، فيقول الله عز وجل: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْإلى آخره، سبق لنا أن الميراث لا يستحقه الورثة إلا بعد الوصية والدين، ونسأل الآن الأخ ما هي الوصية؟

طالب: (...).

الشيخ: ويش معنى يُوصِي بِهَا؟

طالب: الوصية التبرع بالمال بعد الموت أو الأمر بالتصرف فيه.

الشيخ: إذنْ معناها: أن يتبرع بشيء من ماله بعد موته، إما لجهة عامة كالمساجد، أو لمعين كزيد أو عمرو.

والدَّين ما هو؟

طالب: الدين هو عبارة عن (...).

الشيخ: كل ما ثبت في الذمة فهو دين، ثمن مبيع أو أجرة أو قرضًا.

الوصية قبل الدين وأيهما يقدم؟

طالب: يقدم الدين على الوصية.

الشيخ: يقدم الدين على الوصية. ما هو الدليل؟

طالب: النبي صلى الله عليه وسلم أمر علي بن أبي طالب بتقديم الدين على الوصية.

الشيخ: قال علي: قضى بالدين قبل الوصية.

طالب: (...).

الشيخ: صحيح، والوصية التبرع مستحب، فمنعه من الزائد على الثلث.

وما هو الدليل على أن الوصية للوارث لا تصح؟

طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».

الشيخ: نعم، قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، ثم تحديد الله المواريث، ثم قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِفلا تعتدوها.

قال الله عز وجل: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًالما قسم سبحانه وتعالى القسمة على ما اقتضته حكمته قطع خط الاعتراض على هذه القسمة بقوله: آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا.

فلو قال قائل: الآباء أحق من الأبناء لأن برهم واجب؟ وقال الآخر: الأبناء أحق من الآباء لأنهم قصَّار يحتاجون إلى رعاية في الغالب؟ نقول: وراء ذلك كله حكمة الله عز وجل، فنحن لا ندري آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعًا.

وهل المراد التفضيل بين الجنس والجنس، أي: بين الآباء والأبناء، لا ندري الأبناء أقرب أم الآباء؟ أم حتى بين الأبناء وبين الآباء؟ ما فهمتم، هل المعنى: لا تدرون الآباء أقرب نفعًا أم الأبناء؟ هذا واضح، أو لا تدرون أي الأبناء أقرب لكم نفعًا وأيّ الآباء أقرب لكم نفعًا؟ العموم، الآية تعم المعنيين، يعني: لا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء، ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر، وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى.

كثيرًا ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيرًا ما يكون الابن الأصغر أرحم من الابن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل أبناؤنا فيما بينهم أبر، الكبير أو الصغير أو الوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله عز وجل.

ثم قال: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِفَرِيضَةًهذه مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نَابَتْ عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضةً، وعلى الثاني: نجعل فَرِيضَةًهي نفسها العامل ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيدًا لما سبق، ويسمون هذا: المصدر المؤكِّد للجملة التي قبله ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك:

.........................

....... كَابْنِي أَنْتَ حَقًّا....

كلمة (حقًّا) ما فيها عامل لكن تؤكد الجملة التي سبقتها، هذه أيضًا ما فيها عامل لكن لما قال: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِوَلِأَبَوَيْهِوقسم وقدر صار هذا المصدر مؤكدًا للجملة التي قبله.

وقوله: فَرِيضَةًالفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلًا: فرض اللحم، يعني حزه، وفرض العصا، قطعه، ولكنها في الشرع: ما ألزم به الشارع، ما ألزم به الشارع فهو فرض، ولا فرق -في القول الصحيح- بين ما ثبت بدليل ظني أو بدليل قطعي، وقال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح ألا فرق، ما دام قد ثبت (...) به، فسمه فرضًا أو سمه واجبًا.

فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِوقوله: مِنَ اللَّهِأي صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًاكان عليمًا بمن يستحق وبمقدار ما يستحق، وحكيمًا في وضع الحق في أهله كمًّا وكيفًا، فهو عز وجل له العلم التام وله الحكمة التامة، وبالعلم والحكمة تتم الأمور؛ لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما السفه، تخلف الأمور سببه أيش؟ أمران: إما الجهل، أو السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه.

فالله سبحانه وتعالى عليم بالأمور وبمن يستحق وبمقدار ما يستحق، فهو حكيم حيث وضع الأشياء في مواضعها، فلما اجتمع في حقه سبحانه وتعالى العلم والحكمة انتفى أي اعتراض يمكن أن يعترض به على الحكم، عرفتم؟

ولهذا نجد أن الجاهل يتخبط في الأحكام؛ لأنه جاهل، ولو كان عنده حسن قصد وحسن إرادة لكنه جاهل فتجده متخبطًا، ونجد العالم السفيه الذي ليس عنده حكمة ترشده إلى ما فيه الخير، نجد أنه أيضًا يتخبط ويتعسف.

أما من لديه علم وحكمة فإنه سبحانه وتعالى كامل الحكم، أحكامه تامة، والعليم والحكيم من أسماء الله عز وجل.

والعلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه، هذا تعريفه، العلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه، فخرج بقولنا: (إدراك المعلوم) من لم يدرك، فهذا جاهل، جاهل جهلًا بسيطًا، وخرج بقولنا: (على ما هو عليه) من أدرك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا جاهل لكن جهله مركب، وأيهما أولى الجهل المركب أو البسيط؟ البسيط أهون.

ونضرب ثلاثة أمثلة الآن: سأل سائل عن غزوة بدر فقيل له: في رمضان في السنة الثانية، ما تقولون في هذا المجيب؟ هذا عالم، وسأل سائل آخر عن وقعة بدر، غزوة بدر متى كانت؟ فأجيب بأنها في السنة الثالثة، هذا جاهل جهلًا مركبًا، وسأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فأجيب بلا أدري، هذا جاهل جهلًا بسيطًا وهو خير من الجهل المركب.

ويقال: إن رجلًا يسمى تومًا يدعي الحكمة وأنه عالم حكيم

فَــــــــقَـــــــــالَ حِمَـــــارُ الْحَــــكِــــيـــمِ تَــــــــــوْمَـــــــا

لَوْ أَنْصَفَ الــدَّهْـــرُ كُـــنْــــتُ أَرْكَــــــــبْ

لِأَنَّـــــــــــنِي جَـــــــــــاهِــــــــــلٌ بَـــــــــــــسِـــــــــيـــــــــــــطٌ

وَصَــــــــاحِــــــــبِي جَــــــــاهِـــــلٌ مُــــــــَركَّـــــــــــبْ

يقول الحمار، الحمار جاهل أو غير جاهل؟ جاهل، لكن جهله بسيط وتوما صاحبه جاهل مركب، وعلى هذا يقول الشاعر الآخر:

وَمَنْ رَامَ الْـــــــعُـــــــلُـــــومَ بِــــــغَــــيْرِ شـــــــيْــــــخٍ

يَضِــــلُّ عَـــــنِ الصِّـــــرَاطِ الْمُــسْــتَــــقِيـــــمِ

وَتَــلْــــــتَـــبِـــسُ الْــــعُـــــلُـــــومُ عَــــلَــــيْــــهِ حَــــتَّى

يَــكُــونَ أَضَـــلَّ مِــنْ تَــوْمَـــا الْحَــكِـــــيـــــمِ

تَصَــــدَّقَ بِالْـــــبَــــنَـــــاتِ عَـــــلَــــى رِجَــــــالٍ

يُـــــرِيـــــــدُ بِــــــذَاكَ جَــــــنَّـــــاتِ الـــنَّـــعِـــــــيــــمِ

هذا توما بدأ يتصدق على العالم بالنساء بدون أي شيء، بدون عقد نكاح، يقول: تبغي تصدق عليك؟ يلا خذ، يريد بذلك التقرب إلى الله، يعني: يهب النساء ليزنى بهن ويظن أن ذلك تقرب إلى الله وصدقة، هذا جهل مركب.

العلم أيش قلنا تعريفه؟ إدراك المعلوم على ما هو عليه.

الحكيم مشتق من الحُكم والحِكمة، من أسماء الله: الحكيم، وهو مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو عز وجل حاكم وهو محكم، فعليه تكون (حكيم) بمعنى (فاعل) إذا كانت من (الحُكم)، و(حكيم) بمعنى (محكم) إذا كانت من (الحِكمة)، عرفتم؟ ويبقى عندنا إشكال في (حكيم) هل يأتي بمعنى مُحكم؟ نعم، ومنه قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ

يُــؤَرِّقُنِي وَأَصْــحَـابِي هُــجُــوعُ

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ

.......................

أي: المسمع.

........................

يُـــؤَرِّقُنِي وَأَصْــحَــابِي هُــجُـــوعُ

نعود مرة ثانية نقول: إذا كانت من الحكم والإحكام فلا بد أن نعرف، الحُكم -أعني حكم الله- ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي، فقول أخي يوسف: لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] هذا حكم كوني؛ ولهذا لم يقل: علي، قال: لي، أي: يقدر لي ذلك، وقوله تعالى في سورة الممتحنة لما ذكر أحكام النساء قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي.

الحكم ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما يقارب الفرق بين الإرادتين: الكونية، والشرعية، فما تعلق بما يحبه ويكرهه فهو؟ ما فهمتم ما أريد، ما تعلق بما يحبه ويكرهه، أي بما يحبه، فأمر به، أو يكرهه فنهى عنه؟ هذا شرعي، وما تعلق بتقديره سواء أحبه أم لم يحبه فهو كوني.

الحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يمتثل وقد لا يمتثل، فيتبين بهذا أن الحكم قريب من الإرادة في التقسيم.

أما على الوجه الثاني في (الحكيم) وهو (المُحكم) فنقول: الحكمة وضع الشيء في مواضعه، وتتعلق في الحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم هي إما حكمة باعتبار الصورة المعينة، وإما حكمة باعتبار الغاية، فإذا ضربت اثنين في اثنين صارت أربعة.

الحكمة إما أن تتعلق بالحكم الكوني على صورته المعينة وعلى غايته الحميدة، فمثلًا: الحكم الكوني إذا حكم الله عز وجل على أناس بالفقر والمرض والزلازل وما أشبه ذلك، هذا حكم لا شك أنه متضمن لحكمة، كونه وقع على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حميدة هذه حكمة ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١].

خلق الإنسان على هذه الصفة لحكمة، خلق قائمًا منتصبًا، وغيره على العكس؛ لأن الإنسان له وظائف لا تتم إلى على خلقه على هذا الوجه، فالإنسان له وظائف: قيام ركوع سجود لا يتم إلى على هذا الوجه؛ فلذلك خلقه الله تعالى قائمًا منتصبًا دون غيره من الحيوانات، كونه على هذا الوجه حكمة، وكون الغاية منه، الغاية من ذلك أداء وظائف التي كلفه الله بها، هذه حكمة أخرى. وهكذا، فكرْ في الشمس والقمر والجبال والأنهار وما أشبهها.

في الشرع أيضًا حكمة على الصورة المعينة وحكمة على الغاية، كون الشرع على هذا الوجه، الصلوات خمس وأوقاتها متفرقة، وعددها كذا وكذا، هذا لا شك أنه مطابق للحكمة؛ ولهذا تجد الصلوات كلها مقرونة بتغير الشمس في الأفق، فالفجر عند إقبالها، والمغرب والعشاء عند إدبارها، والظهر والعصر عند توسطها وميلها، لا بد أن يكون هناك سبب، هذه حكمة، الغاية من الصلاة أيش؟ حكمة أيضًا.

ولهذا أقول لكم الآن (...) تتعلق بالحكم الكوني والشرعي على الصورة التي هو عليها وعلى الغاية المقصودة منه، فتكون أربعة: حكمة في الحكم الكوني باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الكوني باعتبار غايته، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الغاية المقصودة منه.

كل هذه المعاني الجليلة العظيمة كلها تحملها قوله: حَكِيمًا، فأسماء الله حقيقة مملوءة من المعاني، حسنى على ما وصفها الله عز وجل، نرجع الآن إلى فوائد الآية.

يستفاد من الآية فوائد كثيرة:

أولًا: أن الله أرحم بالإنسان من والديه.

طالب: (...).

الشيخ: لا، ذكرنا معنى الحكمة أنها وضع الأشياء في مواضعها، والعلم: إدراك الشيء على ما هو.

في الآية فوائد؛ منها: أن الله أرحم بالإنسان من والديه، تؤخذ من أين؟

طالب: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ.

الشيخ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ، فالذي يوصيك على الشيء هو أرحم به منك وأشد عناية به منك؛ ولهذا إذا وصى الإنسان أحدًا على أولاده فهو أرحم بأولاده من هذا الوصي.

ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في توزيع الميراث أنه يشمل جميع الأولاد دون الصغار فقط، يعني لا يقتصر على الصغار أو على ذي الحاجة أو على من كان لا يكتسب أو ما أشبه ذلك، عام، هذه من الحكمة، من أجل ما يسمى في العرف الاصطلاحي: تبديد الثروة، تبديدها يعني: توزيع الثروة حتى لا تنحصر، هذا المال الذي هو ملايين كان في الأول يملكه واحد، الآن يملكه عدد كثير، ثم العدد أيضًا إذا ماتوا سينتقل إلى عدد آخرين، وهذا لا شك أنه من الحكمة.

ومن فوائد الآية: حكمة أخرى في توزيع الميراث، حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن في ذلك حكمة، منها: اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات مالية، الذكر عليه مسؤوليات مالية؟ نعم، أكثر من الأنثى، عليه الإنفاق، وعليه المهر، وعليه الجهاد، وعليه حقوق مالية أكثر، فرُوعِيَ في ذلك قسمة المواريث وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.

كذلك جعل للذكر مثل حظ الأنثيين من أجل بيان شرف الرجل على المرأة، وأنه أحق بالتكريم منها، خلافًا للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور.

وخلافًا لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئًا، في الجاهلية ما يورثون الأنثى شيئًا، من يورثون؟ يقولون: لا نركب إلا من يحمل الغمار ويركب الخيل ويذود عن الحمى، أما امرأة قابعة في البيت ليس لها ميراث، لكن الإسلام جاء أعطاها الميراث إلا أنها ليست مثل الذكر.

ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يختار الألفاظ الأحسن والأمثل وإن كان المؤدى واحدًا؛ لقوله: مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِولم يقل: يوصيكم الله في أولادكم للأنثى نصف ما للذكر.

وقد مر علينا في التفسير التنبيه على ذلك، وحسن التعبير له أثر، ولعل بعضكم سمع قصة الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت، رأى أسنانه سقطت فدعا بعابر يعبر الرؤيا، قال: أيها العابر، عبر لي هذه الرؤيا، قال: أيها الملك تموت حاشيتك وأهلك، ارتاع الملك، فأمر به فضرب وجلد؛ لأنه أيش؟ (...) ثم قال: ائتوا بعابر آخر، فأتوا بعابر آخر فسأله فقال: يكون الملك أطول حاشيته عمرًا، فقال: على الرأس، هذا العابر صحيح وأمر له بجائزة، والمعنى يعني: أنهم إذا ماتوا قبله يكون هو الآخر، لكن هذا فيه أن حسن التعبير له أثر، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يعبر أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس.

من فوائد الآية الكريمة: أن ميراث النساء الخلّص إن كن واحدة فالنصف، وإن كن ثنتين؟ الزوجات إذا كن ثنتين؟

طالب: (...).

الشيخ: نصف الواحدة؟ يعني مع الأولاد الثمن ومع عدمه الربع، ما تقولون يا جماعة؟ هل هذا الذي قررنا؟ نحن الآن في الأولاد، البنات: للثنتين فأكثر الثلثان، وللواحدة النصف، وسبق لنا توجيه قوله عز وجل: إِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإرث شامل لجميع التركة؛ من عقار ومن دور وحيوان ومنافع وحقوق، من أين يؤخذ؟ مِمَّا تَرَكَكل ما ترك فهو داخل في الإرث.

وبهذا يجب التنبه لمن كان له ورثة في غير البيت الذي هو فيه، فإن من الناس من إذا مات ميتهم وهم في بيته وله ورثة آخرون خارج البيت مَن يتمتع بما في البيت من طعام وغيره ويسكن أيضًا، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة، وإلا فإنه يخصم من ميراثه، وكذلك تضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت من حين مات الرجل.

من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة البنات، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَوْقَ اثْنَتَيْنِفإنه يشمل لو كن مئتين، عام.

ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في تقديم ميراث الولد على ميراث الأبوين، وما هي؟

طالب: لأنه بضع من الوالد.

الشيخ: أحسنت، لأن الأولاد بضع من أبيهم أو من أمهم فقدم ذكرهم على الأبوين.

ومن فوائد الآية أيضًا: أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث كان للأم الثلث والباقي للأب؛ لقوله: وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ.

ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا وجد للميت فرع وارث فإن للأبوين على السدس، لا يزيد إلا مع الإناث فإن بقي شيء أخذه الأب تعصيبًا.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن للأم السدس مع جمع من الإخوة؛ لقوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وظاهر الآية سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، بل إن ظاهرها أنهم إذا كانوا غير وارثين فليس للأم إلا السدس؛ لأن الفاء مفرعة لما بعدها على ما قبلها.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، ولكن قد دلت السنة على أن تجهيز الميت مقدم على كل ذلك، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة، ودليل السنة: أن رجلًا وقصته راحلته وهو واقف في عرفة، فسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فقال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» ، ولم يذكر هل عليه دين أو وصية؟ فدل هذا على أن مؤن التجهيز مقدمة على الوصية والدين، ولأن الوصية تتعلق بذات الموصل، ولأن التجهيز يتعلق ببدن الميت، فكان مقدمًا على الوصية والدين، كالمحجور عليه عند الإفلاس، المحجور عليه عند الإفلاس إذا أفلس وحجرنا عليه منعناه من التصرف في ماله، فإننا نبدأ بما تتعلق به حاجته، ما نقول: اخلع ثيابك نبيعها، لا، ما تتعلق بحاجته فإنه يبقى له.

ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تنفيذ الوصية؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ، فقدمها على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرق مانع من الإرث، من قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِوَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، ووجه ذلك أن (اللام) تفيد الملك، والرقيق لا يملك، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث؛ لأنه لا يملك.

ومن فوائد الآية الكريمة: (...) وإلا فإن قواعد النحو لو لم يكن عند الإنسان غريزة لعثرته وصار يفكر هل هذا فاعل ولَّا مفعول به؟ وهل هو اسم ينصرف أو لا ينصرف؟ وهل المضاف ينون أو لا ينون؟ ثم لا يستطيع أن يخرج سطرًا واحدًا، وكما قال بعضهم: لو أن امرأ القيس قرأ عروض الخليل ما أتى ببيت واحد من الشعر، فالقواعد مساعدة ما هي الأصل، قد يمن الله على الإنسان بسليقة ويمشي مشيًا جيدًا وإن كان ضعيفًا في النحو.

ثم إنه ذكر كلمة ينبغي أن ننتبه لها وهي قول بعضهم: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، فإن هذا ينبئ عن كراهة الإنسان لما قدره الله عز وجل، والذي ينبغي للإنسان أن يلتزم مقام الرضا بما قدر الله، وألا يعلن على نفسه أنه يكره ما قضاه الله عز وجل، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يعجبه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» وإذا رأى خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» ، ولم يكن يقول: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، بل يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، وهذه المسألة ينبغي أن يتنبه لها.

كما ينبغي أيضًا أن نتنبه لكلمة أسوأ منها يقولها بعض الناس يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه، فكأنه يقول: رب ابتلني بما شئت ولكن الطف، والإنسان إذا دعا فإن الدعاء يرد القضاء كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ» .

فهذه الكلمة منكرة لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم إني لا أسألك رد القضاء، بل اسأل، أنت تسأل حاجتك، سواء قضاها الله عز وجل ثم رفعها بدعائك أم لا، اسأل الله قضاء حاجتك أو حصول مطلوبك وقل: اللهم إني أسألك كذا وكذا.

ورسول الله عليه الصلاة والسلام نهى أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وقال: «لِيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ وَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ» ، فهكذا، (لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) خطأ، اللهم إني أعوذ بك من كذا مما تكره، وأسألك كذا مما تحب، «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ».

ومثل هذه الكلمات ينبغي لطالب العلم إذا سمعها واستنكرها لم يسمعها من كلام الرسول ولا من كلام الصحابة ولا من غيرهم ينبغي أن يتوقف، فإن كان لديه إدراك يمكنه أن يحكم عليها، فذلك هو المطلوب، وإلا سأل أهل العلم، أما أن نأخذ مثل هذه الكلمات مسلمة، فإنه لا يمكن.

حتى في اللغة أيضًا يخطئ بعض الناس كثيرًا في مسائل يتناقلونها يقول: إلى هنا وينتهي مقالنا، إلى هنا وينتهي مقالنا، إلى هنا وينتهي؟ قُلْ: إلى هنا ينتهي، أيش (إلى هنا وينتهي)؟ صواب اللغة العربية: إلى هنا ينتهي، فهي كلمات خطأ، خطأ في العربية، خطأ في العقيدة، تمشي ولا ينتبه لها.

ومن (...) قُلْ: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أعوذ بك من النار، حتى لو كتب، اللهم اشفني -مثلًا- من هذا المرض، حتى لو قدر أنك ما أنت مشفي فإن الدعاء يرد القضاء.

طالب: لأنني في صلاة المغرب أقول للناس: اللهم الطف بي يعني في قضائك؟

الشيخ: لا لا ما فيها شيء، كلمة: اللهم الطف بنا في قضائك (...) سواك ما فيها شيء، لكن اللهم إني لا أسالك رد القضاء نقول: الدعاء يرد القضاء.

طالب: لكن ما يشعر –يا شيخ- هذا بأن الله غير لطيف؟

الشيخ: لا، ما فيه شيء، لسنا نقول: قل: لا تلطف، نحن نقول: لا تقل: لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف، إذا نزل القضاء المكروه قل: اللهم الطف بنا، إذا دعوت لا تقل: لا أسألك رد القضاء؛ لأنه ورد في الحديث: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ» ، الدعاء يرفع الضراء، يكون قد كتب لهذا الإنسان –مثلًا- المرض أو الموت، فإذا سأل الله الشفاء شفي، جعل الله سببًا يمنع هذا القدر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَاإلى آخره.

من فوائد الآية الكريمة: أنه إذا اجتمع الأبوان في الميراث فللأم الثلث والباقي للأب، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثًا بالتعصيب؛ لأن نصيبه لم يقدر، فيكون وارثًا بالتعصيب.

ومن فوائدها: الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاجتهاد الصائب في العمريتين، حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين؛ وذلك أن الزوجة أو الزوج إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي، وقد جعل الله للأب والأم إذا انفردا للأم الثلث، والباقي للأب، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه.

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس وإن كانوا محجوبين بالأب؛ لقوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ، فعطف بـ(الفاء) الدالة على أن ما (...) مفرع على ما قبلها.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس؛ لقوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ، بخلاف الأبناء أو البنات فإن الواحد يحجبها إلى السدس؛ لقوله تعالى: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، و(ولد) نكرة في سياق الشرط فيعم الواحد والمتعدد، والذكر والأنثى.

فإن قال قائل: كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب؟ ألستم تقولون: لو وجدت أم وإخوة أرقاء فإن الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس؟ أو وجدت أم وإخوة كفرة فإنهم لا يحجبون الأم إلى السدس؟ يعني لو هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يصلون فإن لأمه الثلث، ولا يحجبونها الإخوة الذين لا يصلُّون إلى السدس، لأيش؟ لأنهم كفار لا يرثون.

فالجواب: أن هؤلاء محجوبون بوصف، فهم ليسوا من أهل الإرث أصلًا، وأما الإخوة الذين حجبوا بالأب فهم من أهل الإرث لكن وجد مانع، وفرق بين وجود المانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء هم ليسوا أهلًا للميراث أصلًا؛ لأن من شرط استحقاقهم الإرث أن يكونوا موافقين للميت في دينه وأن يكونوا أحرارًا، لكن هؤلاء الإخوة مع الأب هم مستحقون للإرث، أحرار، موافقون في الدين، لكن وجد مانع وهو الأب، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كالعدم، والمحجوب بالشخص وجوده معتبر.

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، ولكن الدين قد يستغرق جميع التركة فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدين والوصية وهو: أن الدين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة، وعلى هذا فلو مات شخص وخلف مئة ألف..